← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يفقهون﴾ أي: لا يقاربون أن يفهموا ﴿حديثاً﴾ يوعظون به وهو القرآن؛ لأنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أنّ الكل من عند الله، أو حديثاً ما يلقى إليهم كبهائم لا أفهام لهم، وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه. ﴿ما أصابك﴾ أي: أيها الإنسان ﴿من حسنة﴾ أي: نعمة دنيوية أو أخروية ﴿فمن الله﴾ أتتك تفضلاً منه والإيمان أحسن المحسنات، قال الإمام: إنهم اتفقوا على أنّ قوله: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾ (فصلت، ٣٣) المراد به كلمة الشهادة ﴿وما أصابك من سيئة﴾ أي: بلية وأمر تكرهه ﴿فمن نفسك﴾ أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ وبين قوله ﴿فمن نفسك﴾ ؟ أجيب: بأنّ قوله: ﴿قل كل من عند الله﴾ أي: الخصب والجذب والنصر والهزيمة كلها من عند الله وقوله: ﴿فمن نفسك﴾ أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ (الشورى، ٣٠) ، وقيل: إنّ هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً يقولون: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله﴾ ﴿وأرسلناك﴾ يا محمد ﴿للناس﴾ أي: كافة وقوله تعالى: ﴿رسولاً﴾ حال قصد بها التأكيد ﴿وكفى با شهيداً﴾ على إرسالك بنصب المعجزات، ولما قال النبيّ ﷺ «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله» فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن تتخذوه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم» نزل. ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ لأنه في الحقيقة مبلغ والآمر هو الله تعالى ﴿ومن تولى﴾ أي: أعرض عن طاعتك فلا يهمنك ﴿فما أرسلناك﴾ يا محمد ﴿عليهم حفيظاً﴾ أي: حافظاً لأعمالهم وتحاسبهم عليها إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. ﴿ويقولون﴾ أي: المنافقون إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك ﴿طاعة﴾ أي: أمرنا وشأننا طاعة أي: نطيعك فيما تأمرنا به ﴿فإذا برزوا﴾ أي: خرجوا ﴿من عندك بيت طائفة منهم﴾ أي: أضمرت ﴿غير الذي تقول﴾ لك في حضورك من الطاعة أي: عصتك، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الطاء فإنها عندهما ساكنة أي: التاء فإذا سكنت التاء قبل الطاء وجب إدغامها فيها، والباقون بالإظهار فإن التاء عندهم مفتوحة ﴿وا يكتب﴾ أي: يأمر بكتب ﴿ما يبيتون﴾ أي: ما يسرون من النفاق في صحائفهم ليجازوا عليها ﴿فأعرض عنهم﴾ أي: قلل المبالاة بهم ﴿وتوكل على الله﴾ أي: ثق به فإنه كافيك معرتهم وينتقم لك منهم ﴿وكفى با وكيلاً﴾ أي: مفوّضاً إليه. ﴿أفلا يتدبرون﴾ أي: يتأمّلون ﴿القرآن﴾ وما فيه من المعاني البديعة ﴿ولو كان من عند غير الله﴾ أي: ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار ﴿لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ أي: تناقضاً في معانيه وتبايناً في نظمه، فكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل وتخلفاً عن الصدق في الإخبار عن الغيب بما كان وما يكون، أفلا يتفكرون فيه؟ فيعرفون عدم التناقض فيه وصدق ما يخبرهم به إنه كلام الله ولأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف، والمراد من التقييد بالكثير المبالغة في إثبات الملازمة أي: لو كان من عند غير الله للزم أن يكون فيه اختلاف كثير فضلاً عن

стр. 317

القليل لكنه من عند الله فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل. ﴿وإذا جاءهم﴾ أي: المنافقين ﴿أمر﴾ أي: خبر عن سرايا النبيّ ﷺ ﴿من الأمن﴾ أي: الغنيمة ﴿أو الخوف﴾ أي: القتل والهزيمة ﴿أذاعوا به﴾ أي: أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة، والباء مزيدة أو لتضمن الإذاعة معنى التحدّث، وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشونه ويتحدّثون به قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين ويتأذى النبيّ ﷺ ﴿ولو ردّوه﴾ أي: ذلك الخبر ﴿إلى الرسول﴾ أي: لم يحدثوا به حتى يكون النبيّ ﷺ هو الذي يحدث به ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾ أي: ذوي الرأي من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ﴿لعلمه﴾ على أي: وجه يذكر أي: ﴿الذين يستنبطونه منهم﴾ أي: يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم هل ينبغي أن يكتم أو يفشى ﴿ولولا فضل الله عليكم﴾ بالإسلام ﴿ورحمته﴾ لكم بإرسال الرسل وإنزال القرآن ﴿لاتبعتم الشيطان﴾ فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي ﴿إلا قليلاً﴾ أي: منكم فإنهم لا يتبعونه حفظاً من الله بما وهبهم الله من صحيح العقل، والعصمة تقال في حق غير الأنبياء أيضاً؛ لأنها المنع من المعصية ولكن الشائع أن يقال في حق النبيّ معصوم، وفي حق غيره محفوظ. ﴿فقاتل﴾ يا محمد ﴿في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ فلا تهتم بتخلفهم عنك أي: قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر من الله وليس النصر إلا بيده وما كان ليأمرك بشيء إلا وأنت كفؤ، فأنت كفؤ لمقاتلة الكفار وإن كانوا أهل الأرض كلهم، وذلك أن رسول الله ﷺ واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد ودعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية. تنبيه: الفاء في قوله تعالى: ﴿فقاتل في سبيل الله﴾ قال البغوي: جواب عن قوله تعالى: ﴿ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ فتأمّل انتهى.. ﴿وحرّض المؤمنين﴾ أي: حثهم على القتال ورغبهم فيه إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض ﴿عسى الله أن يكف بأس﴾ أي: حرب ﴿الذين كفروا﴾ وعسى في كلام الله وعد واجب الوقوع بخلافها في كلام المخلوق ﴿وا أشدّ بأساً﴾ أي: صولة منهم ﴿وأشدّ تنكيلاً﴾ أي: عقوبة منهم، فقال النبيّ ﷺ «والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي» فخرج بسبعين راكباً إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الذين كفروا بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبا سفيان من الخروج كما تقدّم في ورة آل عمران. ﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾ راعى بها حق مسلم بأن دفع عنه بها ضرراً أو جلب إليه نفعاً ابتغاء وجه الله، ومنها الدعاء للمسلم قال ﷺ «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك: ولك مثله» أي: مثل ذلك أي: ودعاء الملك لا يردّ ﴿يكن له نصيب﴾ أي: أجر ﴿منها﴾ أي: بسببها قال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: «كان رسول الله ﷺ جالساً إذ جاءه رجل يسأل أو يطلب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء» ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾ مخالفة للشرع ﴿يكن له كفل﴾ أي: نصيب من الوزر ﴿منها﴾ أي: بسببها ﴿وكان الله على كل شيء مقيتاً﴾ قال ابن

стр. 318

عباس مقتدراً مجازياً قال الشاعر: وذي ضغن (أي: رب صاحب حقد) كففت الضغن عنه وكنت على إساءته (أي: إساءتي لذي الضغن) مقيتاً أي: مقتدراً وقال مجاهد: شاهداً وقال قتادة: حفيظاً، وقيل: معناه على كل حيوان مقيتاً أي: يوصل القوت إليه، وجاء في الحديث: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» . ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها﴾ التحية هي دعاء الحياة، ولكن جمهور المفسرين على أن ذلك في السلام أي: إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم فإذا قال: السلام عليكم، فيزيد الرادّ: ورحمة الله، فإذا قال: ورحمة الله، فيزيد الرادّ: وبركاته ﴿أو ردّوها﴾ أي: بأن تردّ عليه بمثل ما سلم. روي أنّ رجلاً قال لرسول الله ﷺ السلام عليك فقال: «وعليك السلام ورحمة الله» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: «وعليك أي: السلام ورحمة الله وبركاته فقال الرجل: نقصتني أي: الفضل على سلامي، فأين ما قال الله أي: من الفضل؟ وتلا الآية فقال: «لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله» لأنّ ذلك هو النهاية لاستجماعه أقسام المطالب وهي السلامة من المضار وحصول المنافع وثبوتها، وظاهر الآية إنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به إنه لا يكفي، وظاهر كلام الفقهاء إنه يكفي، وتحمل الآية على أنه الأكمل وابتداء السلام على المسلم سنة عين من المنفرد وكفاية من الجماعة، وردّه فرض عين إذا كان المسلم عليه واحداً، وكفاية من الجماعة، ويشترط في الردّ الفور، والجوب مستفاد من الأمر، والفور من الفاء، وأمّا كونه كفاية فلخبر أبي داود «يجزىء عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم» والراد منهم هو المختص بالثواب ويسقط الحرج عن الباقين، وإن أجابوا كلهم كانوا مؤدّين للفرض سواء أكانوا مجتمعين أم متفرّقين كصلاة الجنازة، ولا يسقط الفرض بردّ الصبيّ المميز. فإن قيل: قد سقط به فرض الصلاة عن الجنازة، أجيب: بأن المقصود من الصلاة الدعاء والصبيّ أقرب إلى الإجابة والمقصود من السلام الأمان والصبيّ ليس من أهله، ولا يسقط أيضاً بردّ من لم يسمع، ولو سلم على امرأة إن كان يباح له النظر إليها كمحرمة وزوجته يسنّ له السلام عليها، ووجب عليها الردّ وإلا كره له ابتداء وردّاً وحرم عليها ابتداء وردّ هذا إذا كانت مشتهاة، فإن كانت عجوزاً أو جماعة نسوة لم يكره، ويجب الردّ لانتفاء خوف الفتنة، ولا يسنّ ابتداؤه على قاضي حاجة ولا على آكل ولا على من في حمام ولا على مصلّ ومؤذن وخطيب وملب ومستغرق القلب بالدعاء، ولا يجب الجواب عليهم، ويحرم ابتداؤه على الكافر، ويرد عليه إذا سلم بعليك فقط، وهذا باب طويل قد بينته السنة وقد أكثرت منه في شرح المنهاج ﴿إنّ الله كان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء حسيباً﴾ أي: محاسباً فيجازي عليه، وقال مجاهد: حفيظاً، وقال أبو عبيدة: كافياً، يقال: حسبي هذا أي: كفاني وقوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾ مبتدأ وخبر وقوله تعالى: ﴿ليجمعنكم﴾ اللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم الله من قبوركم ﴿إلى﴾ في ﴿يوم القيامة﴾ وسميت بذلك؛ لأنّ الناس يقومون من قبورهم قال تعالى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث

стр. 319

سراعاً﴾ (المعارج، ٤٣) وقيل: لقيامهم إلى الحساب قال تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ (المطففين، ٦) ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ أي: في ذلك اليوم أو في الجمع ﴿ومن أصدق من الله حديثاً﴾ أي: قولاً. فإن قيل: الصدق لا يتفاوت كالعلم إذ لا يقال: هذا الصدق أصدق من هذا الصدق كما لا يقال: هذا العلم أعلم من هذا المعلم، أجيب: بأنّ الصدق صفة للقائل لا صفة للحديث أي: لا أحد غير الله أصدق منه؛ لأنّ غيره يتطرّق إلى خبره الكذب، وذلك مستحيل في حقه تعالى، والأنبياء مخبرون عن الله تعالى، وقرأ حمزة والكسائيّ بإشمام الصاد أي: بحرف متولد بين الصاد والزاي ﴿فما لكم﴾ أي: فما شأنكم صرتم ﴿في المنافقين﴾ أي: في أمرهم ﴿فئتين﴾ أي: فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم وذلك أن ناساً منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا المشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم، وقال مجاهد: هم قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة، واختلف المسلمون فيهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، وقال قوم: في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ اقتلهم فإنهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام. ﴿وا أركسهم﴾ أي: نكسهم بأن صيرهم إلى النار أو ردّهم إلى حكم الكفرة ﴿بما كسبوا﴾ من الكفر والمعاصي ﴿أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله﴾ أي: أتعدّونهم من جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار ﴿ومن يضلل الله﴾ أي: ومن يضله الله ﴿فلن تجد له سبيلاً﴾ أي: طريقاً إلى الهدى. ﴿ودّوا﴾ أي: تمنوا ﴿لو تكفرون كما كفروا فتكونون﴾ أنتم وهم ﴿سواء﴾ في الكفر. تنبيه: قوله تعالى: ﴿فتكونون﴾ لم يرد به جواب التمني؛ لأنّ جوابه بالفاء منصوب وإنما أراد النسق أي: ودّوا لو تكفرون وودّوا لو تكونون سواء مثل قوله: ﴿ودّوا لو تدهن فيدهنون﴾ (القلم، ٩) أي: ودّوا لو تدهن وودّوا لو يدهنون ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء﴾ أي: فلا توالوهم وإن أظهروا الإيمان ﴿حتى يهاجروا في سبيل الله﴾ معكم هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، قال عكرمة: هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أوّل الإسلام وهي قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله﴾ (النساء، ١٠٠) ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله ﷺ صابراً محتسباً لا لأغراض الدنيا وهي المرادة ههنا، وهجرة عن جميع المعاصي قال رسول الله ﷺ «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ﴿فإن تولوا﴾ أي: أعرضوا عن التوحيد والهجرة وأقاموا على ما هم عليه ﴿فخذوهم﴾ أي: بالأسر ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾ أي: في حلّ أو في حرم كسائر الكفرة ﴿ولا تتخذوا منهم ولياً﴾ توالونه ﴿ولا نصيراً﴾ تنتصرون به على عدوّكم أي: بل جانبوهم مجانبة كلية، وقوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون﴾ استثناء من قوله: ﴿فخذوهم واقتلوهم﴾ أي: إلا الذين يصلون أي: ينتهون ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي: عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عهد النبيّ ﷺ وقت خروجه إلى مكة هلال بن عمير الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له، وقوله تعالى:

стр. 320

﴿أو جاؤكم﴾ عطف على الصلة أي: أو الذين جاؤوكم، وقوله تعالى: ﴿حصرت﴾ أي: ضاقت حال بإضمار قد أي: وقد ضاقت ﴿صدورهم أن يقاتلوكم﴾ أي: عن قتالكم مع قومهم ﴿أو يقاتلوا قومهم﴾ معكم أي: ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرّضوا لهم بأخذ ولا قتل، وهذا وما بعده منسوخ بآية القتال. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار تاء تأنيث حصرت عند الصاد وأدغمها الباقون ﴿ولو شاء الله﴾ تسليطهم عليكم ﴿لسلطهم عليكم﴾ بأن يقوّي قلوبهم ويبسط صدورهم ويزيل الرعب ﴿فلقاتلوكم﴾ ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم﴾ أي: بأن لم يتعرّضوا لكم ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ أي: الاستسلام والانقياد ﴿فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً﴾ أي: طريقاً بالأخذ أو القتل. ﴿ستجدون﴾ أي: عن قريب بوعد لا شك فيه ﴿آخرين﴾ أي: من المنافقين. روي عن ابن عباس أنه قال: هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبيّ ﷺ قالوا: إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين كما قال تعالى: ﴿يريدون أن يأمنوكم﴾ بإظهار الإيمان عندكم ﴿ويأمنوا قومهم﴾ بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم ﴿كلما ردّوا﴾ أي: دعوا ﴿إلى الفتنة﴾ أي: الكفر ﴿اركسوا﴾ أي: انقلبوا منكوسين ﴿فيها﴾ أي: الفتنة أقبح قلب ﴿فإن لم يعزلوكم﴾ أي: بترك قتالكم ﴿ويلقوا﴾ أي: ولم يلقوا ﴿إليكم السلم ويكفوا﴾ أي: ولم يكفوا ﴿أيديهم﴾ عن قتالكم ﴿فخذوهم﴾ أي: بالأسر ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي: وجدتموهم ﴿وأولئكم﴾ أي: أهل هذه الصفة ﴿جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً﴾ أي: حجة واضحة في التعرّض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم. ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً﴾ أي: ما ينبغي أن يصدر منه قتل له بغير حق ﴿إلا خطأ﴾ أي: مخطئاً في قتله من غير قصد، نزلت في عياش بن ربيعة، وذلك إنه أتى رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة وأسلم ثم خاف أن يظهر الإسلام لأهله فخرج هارباً إلى المدينة وتحصن في أطم من آطامها فجزعت أمّه لذلك جزعاً شديداً وقالت لإبنيها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخواه لأمّه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتيا به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد حتى أتوا المدينة فأتوا عياشاً وهو في الأطم وقالوا له: انزل فإنّ أمّك لم يأوها سقف بيت بعدك وقد حلفت أن لا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك والله علينا عهد أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له ذلك أي: جزع أمّه وأوثقوا بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه وجلده كل واحد منهم مئة جلدة ثم قدموا به إلى أمّه فلما أتاها قالت له: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثوقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي أنت عليه؟ فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إنّ عياشاً بعد ذلك أسلم وهاجر، ثم أسلم الحارث بن زيد بعده، وهاجر إلى رسول الله ﷺ وليس عياش حاضراً يومئذٍ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش بظهر قباء إذ لقي الحارث، فقتله، فقال

стр. 321

الناس: ويحك أي شيء صنعت إنه قد أسلم فرجع عياش إلى رسول الله ﷺ وقال له: قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلنه فنزلت الآية. تنبيه: قوله تعالى: ﴿إلا خطأ﴾ إمّا منصوب على الحال أي: وليس من شأن المؤمن أن يقتل مؤمناً في حالة من الأحوال إلا حال الخطأ، وإما مفعول لأجله أي: لا يقتله لعلة إلا للخطأ، وقيل: إلا بمعنى ولا، أي: ليس له قتله في حال من الأحوال ولا خطأ نظير قوله تعالى: ﴿إني لا يخاف لديّ المرسلون إلا من ظلم﴾ (النمل، ١٠ ـ ١١) وقوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ (النساء، ١٦٥) ﴿ومن قتل مؤمناً خطأً﴾ كأن قصد رمي غيره كصيد أو شجر فأصابه ﴿فتحرير رقبة﴾ أي: فعليه أي: فواجبه تحرير رقبة كاملة الرق فلا يجزىء مكاتب كتابة صحيحة ولا أم ولد والتحرير الإعتاق ويعبر عن النسمة بالرقبة كما يعبر عنها بالرأس ﴿مؤمنة﴾ أي: محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ولو كان إسلامها بتبعية الدار أو السابي سليمة عما يخلّ بالعمل ﴿ودية مسلمة﴾ أي: مؤدّاة ﴿إلى أهله﴾ أي: ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث ﴿إلا أن يصدّقوا﴾ أي: يتصدّقوا بها عليه بأن يعفوا عنها، وسمي العفو عنها صدقة حثاً عليه وتنبيهاً على فضله، قال ﷺ «كل معروف صدقة» . وبينت السنة أنّ ديّة الخطأ مئة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة، وإن عاقلة القاتل تتحملها عنه وهم عصبيته لا أصله وفرعه موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع دينار كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال، فإن تعذر فعلى الجاني ﴿فإن كان﴾ أي: المقتول: ﴿من قوم عدوّ لكم﴾ أي: محاربين ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿مؤمن﴾ أي: ولم يعلم القاتل إيمانه ﴿فتحرير﴾ أي: فالواجب على القاتل تحرير ﴿رقبة مؤمنة﴾ ولا دية تسلم إلى أهله إذ لا وراثة بينه وبينهم؛ لأنهم محاربون ﴿وإن كان﴾ أي: المقتول ﴿من قوم﴾ أي: كفرة أيضاً عدوّ لكم ﴿بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي: عهد كأهل الذمّة وهو كافر مثلهم ﴿فدية﴾ أي: فالواجب فيه دية ﴿مسلمة﴾ أي: مؤدّاة ﴿إلى أهله﴾ وهي ثلث دية المؤمن إن كان نصرانياً أو يهودياً تحل مناكحته، وثلثا عشرها إن كان مجوسياً أو كتابياً لا تحلّ مناكحته ﴿وتحرير رقبة مؤمنة﴾ على قاتله ﴿فمن لم يجد﴾ أي: الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به ﴿فصيام﴾ أى: فالواجب عليه صيام ﴿شهرين متتابعين﴾ حتى لو أفطر يوماً واحداً لغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، ولم يذكر تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه في أصح قوليه وقوله تعالى: ﴿توبة من الله﴾ نصب على المصدر أي: وتاب عليكم توبة، أو على المفعول له أي: وشرع لكم ذلك توبة مأخوذة من تاب الله عليه إذا قبل توبته ﴿وكان الله﴾ أي: ولم يزل ﴿عليماً﴾ أي: بأحوالكم وبما يصلحكم في الدنيا والآخرة ﴿حكيماً﴾ فيما دبره لكم من نصب الزواجر بالكفارات أو غيرها فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة. ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً﴾ بأن يقصد قتله بما يقتل غالباً عالماً بإيمانه ﴿فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ أي: أبعده من رحمته ﴿وأعدّ له عذاباً عظيماً﴾ في النار وهذا مخصوص بالمستحلّ له كما قاله عكرمة وغيره، ويؤيده أنّ الآية نزلت في نفيس بن ضبابة وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني

стр. 322

النجار ولم يظهر قاتله فأمرهم رسول الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديته فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدّاً والمراد من الآية التغليظ كقوله تعالى: ﴿وعلى الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين﴾ (آل عمران، ٩٧) تفسير من كفر بمن لم يحج، وكقوله ﷺ للمقداد: «لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن تقول الكلمة التي قال» أو إنّ هذا جزاؤه إن جوزي ولا بدع في خلف الوعيد لقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء، ٤٨) أو المراد بالخلود المكث الطويل فإنّ الدلائل متظاهرة على أنّ عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم ولهذا لم يذكر في الآية أبداً، وما روي عن ابن عباس أنه قال: «لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداً» كما رواه الشيخان أراد به التشديد كما قاله البيضاويّ إذ روي عنه خلافه رواه البيهقي في سننه، وبينت آية البقرة إن قاتل العمد يقتل به وإنّ عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها وبينت السنة أنّ بين العمد والخطأ قتلاً يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالباً، فلا قصاص فيه بل فيه دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو أي: العمد أولى بالكفارة من الخطأ. ﴿يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم﴾ أي: سافرتم للجهاد ﴿في سبيل الله فتبينوا﴾ . روي أنّ سرية لرسول الله ﷺ غزت أهل فدك فهربوا وبقي رجل يقال له: مرداس، لأنه كان على دين المسلمين فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب رسول الله ﷺ فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير علم إنهم من أصحاب رسول الله ﷺ وكبر ونزل وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه فنزلت، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ وأخبروه فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجداً شديداً وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر فقال رسول الله ﷺ «قتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على أسامة بن زيد فقال: يا رسول الله استغفر لي فقال: «وكيف بلا إله إلا الله؟» قال أسامة: فما زال رسول الله ﷺ يكرّرها عليّ حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ، ثم إنّ رسول الله ﷺ استغفر لي ثلاث مرّات وقال: أعتق رقبة» ، وقال عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه غنم له فسلم عليهم قالوا: ما سلم عليكم إلا ليعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه وأتوا بها رسول الله ﷺ فنزلت. وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة مكان الباء الموحدة وبالباء الموحدة مكان الياء المثناة تحت وبالتاء المثناة فوق مكان النون فهو من التثبت والباقون من البيان ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ أي: لمن حياكم بتحية الإسلام، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة بغير ألف بعد اللام من السلام أي: الاستسلام والانقياد والباقون بالألف ﴿لست مؤمناً﴾ وإنما فعلت ذلك متعوّذاً ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ أي: تطلبون ماله الذي هو حطام سريع النفاد ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾ تغنيكم عن قتل مثله لماله ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ أي: أوّل ما دخلتم في الإسلام تفوّهتم بكلمة الشهادة فحصنتم بها أموالكم ودماءكم من غير أن تعلم

стр. 323

مواطأة قلوبكم ألسنتكم ﴿فمنّ الله عليكم﴾ أي: بالاشتهار بالإيمان والاستقامة في الدين ﴿فتبينوا﴾ أي: وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم ولا تبادروا إلى قتلهم ظناً إنهم دخلوا اتقاءً وخوفاً، فإن بقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرىء مسلم، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر بالتبيين وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم ﴿إنّ الله كان﴾ ولم يزل ﴿بما تعملون خبيراً﴾ أي: عالماً به وبالغرض منه فيجازيكم به فلا تتساهلوا في القتل واحتاطوا فيه. ﴿لا يستوي القاعدون﴾ أي: عن الجهاد حال كونهم ﴿من المؤمنين﴾ روي أن زيد بن ثابت أخبر أنّ رسول الله ﷺ أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يمليها عليّ فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي أي: تكسر ثم سرّي عنه أي: أزيل وكشف ما به من برحاء الوحي ﴿غير أولى الضرر﴾ أي: من زمانة أو عمى أو نحوه فقال: اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) ، وقرأ نافع وابن عامر والكسائيّ بنصب الراء على الحال من القاعدين أو الاستثناء، والباقون بالرفع صفة للقاعدين؛ لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم بل أراد به الجنس كما في قوله: *ولقد أمر على اللئيم يسبني* فصح جعل غير صفة للقاعدين ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. تنبيه: فائدة ذكر قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ إلخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته. وروي أنه ﷺ قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال: «إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة قال: «نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر» ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ لضرر ﴿درجة﴾ أي: فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة ﴿وكلاً﴾ من القاعدين لضرر والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾ أي: الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ لغير ضرر ﴿أجراً عظيماً﴾ ويبدل منه. ﴿درجات منه﴾ أي: منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، وقوله تعالى: ﴿ومغفرة ورحمة﴾ منصوبان بفعلهما المقدر ﴿وكان الله﴾ أي: ولم يزل ﴿غفوراً﴾ لأوليائه ﴿رحيماً﴾ بأهل طاعته. وروى أبو سعيد الخدري أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أبا سعيد من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة» قال: فعجب بها أبو سعيد فقال: أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله ﷺ «وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» فقال: وما هي يا رسول الله قال: «الجهاد في سبيل الله» وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا ننذر الناس بذلك؟ فقال: «إنّ في الجنة مئة درجة

стр. 324

أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتموه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» وإنما يجب الجهاد على كل مسلم مكلف حرّ ذكر مستطيع له وهو فرض كفاية للآية المتقدّمة إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على الإمام أن يغزوهم في كل عام مرّة بنفسه أو بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم العدوّ، وأمّا إذا دخلوا بلادنا والعياذ بالله تعالى تعين على أهل البلدة وعلى من دون مسافة القصر حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن، ويجب على من هو في مسافة القصر بقدر الكفاية وإن أسروا مسلماً لزمنا النهوض لخلاصه إن رجى وإن لم يدخلوا بلادنا. *ولقد أمر على اللئيم يسبني* فصح جعل غير صفة للقاعدين ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. تنبيه: فائدة ذكر قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ إلخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته. وروي أنه ﷺ قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال: «إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة قال: «نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر» ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ لضرر ﴿درجة﴾ أي: فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة ﴿وكلاً﴾ من القاعدين لضرر والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾ أي: الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ لغير ضرر ﴿أجراً عظيماً﴾ ويبدل منه. ﴿درجات منه﴾ أي: منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، وقوله تعالى: ﴿ومغفرة ورحمة﴾ منصوبان بفعلهما المقدر ﴿وكان الله﴾ أي: ولم يزل ﴿غفوراً﴾ لأوليائه ﴿رحيماً﴾ بأهل طاعته. وروى أبو سعيد الخدري أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أبا سعيد من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة» قال: فعجب بها أبو سعيد فقال: أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله ﷺ «وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» فقال: وما هي يا رسول الله قال: «الجهاد في سبيل الله» وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا ننذر الناس بذلك؟ فقال: «إنّ في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتموه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» وإنما يجب الجهاد على كل مسلم مكلف حرّ ذكر مستطيع له وهو فرض كفاية للآية المتقدّمة إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على الإمام أن يغزوهم في كل عام مرّة بنفسه أو بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم العدوّ، وأمّا إذا دخلوا بلادنا والعياذ بالله تعالى تعين على أهل البلدة وعلى من دون مسافة القصر حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن، ويجب على من هو في مسافة القصر بقدر الكفاية وإن أسروا مسلماً لزمنا النهوض لخلاصه إن رجى وإن لم يدخلوا بلادنا. ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فلما خرجوا إلى بدر رجعوا معهم فقتلوا مع الكفار. ﴿إنّ الذين توفّاهم الملائكة﴾ أي: ملك الموت وأعوانه أو ملك الموت وحده كما قال تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ (السجدة، ١١) والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع ﴿ظالمي أنفسهم﴾ أي: في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة بالمقام في دار الشرك فإنّ الهجرة كانت واجبة قبل فتح مكة ثم نسخ الوجوب بعد فتحها فقال ﷺ «لا هجرة بعد الفتح» وقرأ البزيّ بتشديد التاء المثناة فوق من توفاهم في الوصل، والباقون بالتخفيف، وأدغم أبو عمرو التاء في الظاء بخلاف عنه، والباقون بغير إدغام ﴿قالوا﴾ أي: الملائكة لهم ﴿فيم كنتم﴾ أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم، وقرأ البزيّ (فيمه) بالهاء بعد الميم في الوقف بخلاف عنه ﴿قالوا﴾ معتذرين مما وبخوا به ﴿كنا مستضعفين﴾ أي: عاجزين عن إظهار الدين وإعلاء كلمته ﴿في الأرض﴾ أي: في أرض مكة ﴿قالوا﴾ أي: الملائكة تكذيباً لهم وتوبيخاً ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ من أرض الكفر إلى بلد أخرى كما فعل غيركم من المهاجرين إلى المدينة والحبشة، قال تعالى: ﴿فأولئك مأواهم جهنم﴾ أي: لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار ﴿وساءت مصيراً﴾ أي: جهنم، وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه، وعن النبيّ ﷺ «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان ما بينهما شبراً استوجبت أي: وجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ . ثم استثنى أهل العذر منهم فقال: ﴿إلا المستضعفين﴾ أي: الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعدّوا ضعفاء وتقوّى عليهم غيرهم ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ ثم بين ضعفهم بقوله: ﴿لا يستطيعون حيلة﴾ أي: لا قوّة لهم على الهجرة ولا نفقة لهم ﴿ولا يهتدون سبيلاً﴾ أي: طريقاً إلى أرض الهجرة. ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو﴾ أي: يتجاوز ﴿عنهم﴾ وعسى من الله واجب للإطماع والله تعالى إذا أطمع عبده بشيء أوصله إليه ولكن في ذكر الإطماع والعفو إيذان بأن أمر الهجرة مضيق لا توسعة فيه حتى أنّ المضطرّ البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني فكيف بغيره ﴿وكان الله عفوّاً غفوراً﴾ قال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله أي: من المستضعفين وكان ﷺ يدعو لهؤلاء المستضعفين في كل صلاة، قال أبو هريرة: كان إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء قنت يقول: «اللهمّ أنج عياش بن ربيعة اللهمّ أنج الوليد بن الوليد اللهمّ أنج سلمة بن هشام

стр. 325

اللهمّ أنج المستضعفين من المسلمين، اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» . ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً﴾ أي: متحوّلاً يتحوّل إليه، وقيل: طريقاً يراغم بسلوكه قومه أي: يفارقهم على رغم أنوفهم مأخوذ من الرغام، والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك ﴿و﴾ يجد ﴿سعة﴾ في الرزق كما قال ﷺ «صوموا تصحوا وسافروا تغنموا» أخرجه الطبرانيّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه «واغزوا تغنموا وهاجروا تفلحوا» ولما سمع هذه الآية رجل من بني قيس يقال له: جندب بن ضمرة قال: ما أنا ممن استثنى الله وإني لأجد حيلة ولي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة اخرجوني فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال: اللهمّ هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما يبايعك عليه رسولك فمات، قال التفتازانيّ: الظاهر أنّ هذه إشارة إلى اليمين وهذه إلى الشمال لا قصد إسناد الجارحة إلى الله تعالى بل على سبيل التصوير وتمثيل مبايعة الله تعالى على الإيمان والطاعة بمبايعة رسول الله ﷺ إياه، وقيل: إشارة إلى البيعة والصفقة، والمعنى: أن بيعته كبيعة رسول الله ﷺ لا بيعة كبيعة الناس فبلغ خبره أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: لو وافى المدينة كان أتمّ وأوفى أجراً وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك هذا ما طلب فنزل ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾ أي: في الطريق قبل مقصده ﴿فقد وقع أجره على الله﴾ أي: ثبت أجره عنده تعالى ثبوت الأجر الواجب تفضلاً منه ورحمة ﴿وكان الله غفوراً﴾ لتقصيره إن كان ﴿رحيماً﴾ يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات. ولما أوجب الله السفر للجهاد والهجرة وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم﴾ أي: سافرتم ﴿في الأرض﴾ سفراً طويلاً لغير معصية، والطويل عند الشافعيّ رحمه الله تعالى أربعة برد وهي مرحلتان كما ثبت ذلك بالنسبة، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثلاثة أيام ولياليهنّ بسير الإبل ومشي الأقدام على القصد، وقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح﴾ أي: إثم وميل في ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ أي: من أربع إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء يدل على جواز القصر دون وجوبه، ويؤيده أنه ﵊ أتم في السفر كما رواه الشافعيّ وغيره. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت فقال: «أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ» رواه الدارقطني وحسنه البيهقيّ وصححه، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه: يتم ويقصر، وأوجب القصر أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، رواه النسائيّ وابن ماجة، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «أوّل ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر» رواه الشيخان. فإن قيل: ظاهرهما يخالف الآية؟ أجيب: بأنّ

стр. 326

الأوّل مؤوّل بأنّ القصر كالتمام في الصحة والإجزاء، ومعنى الثاني لمن أراد الاقتصار عليهما جمعاً بين الأدلة، وقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ أي: ينالوكم بمكروه بيان باعتبار الغالب في ذلك الوقت فلا مفهوم له، قال يعلى بن أمية: قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: ﴿إن خفتم﴾ وقد أمن الناس قال: قد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم ﴿إنّ الكافرين كانوا﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿لكم عدوّاً مبيناً﴾ أي: بين العداوة وقوله تعالى: ﴿وإذا كنت﴾ أي: يا محمد حاضراً ﴿فيهم﴾ أي: وأنتم تخافون العدوّ ﴿فأقمت لهم الصلاة﴾ تمسك بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة النبيّ ﷺ وعامّة الفقهاء على أنه تعالى علم نبيه ﷺ كيفيتها ليقتدي به الأئمة بعده فإنهم نوّاب عنه فيكون حضورهم كحضوره. روي أنّ المشركين لما رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جميعاً ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي صلاة العصر فإذا قاموا فيها فشدّوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف وإنّ الله يقول: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ فعلمه صلاة الخوف وهي أنواع: الأوّل: إذا كان العدو في جهة القبلة وسائر والمسلمون كثيرون فيصلي بهم الإمام ثم يسجد بصف أوّل ويحرس صف ثانٍ، فإذا قاموا سجد من حرس ولحقه وسجد معه بعد تقدّمه وتأخر الأوّل بلا كثرة أفعال في الركعة الثانية، وحرس الآخرون فإذا جلس للتشهد جلس الآخرون وتشهد وسلم بالجميع، روى هذا النوع مسلم، وقد صلاه رسول الله ﷺ بعسفان، وهي قرية على مرحلتين من مكة بقرب خليص سميت بذلك لعسف السيول فيها وجاز عكس هذه الكيفية. والنوع الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر، فيصلي الإمام بهم ركعتين مرّتين كلّ مرة بفرقة كما قال تعالى: ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ أي: وتتأخر طائفة ﴿وليأخذوا﴾ أي: الطائفة التي قامت معك ﴿أسلحتهم﴾ معهم ﴿فإذا سجدوا﴾ أي: صلوا ﴿فليكونوا﴾ أي: هذه الطائفة الأخرى ﴿من ورائكم﴾ يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة الأخرى تحرس ﴿ولتأت طائفة أخرى﴾ تحرس ﴿لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ معهم إلى أن يقضوا الصلاة «وقد فعل ﷺ ذلك ببطن نخل» ، رواه الشيخان وهذه الصلاة وإن جازت في غير الخوف سنت فيه عند كثرة المسلمين، وقلة عدوّهم، وخوف هجومهم عليهم في الصلاة. فإن قيل: أخذ الحذر وهو الخوف مع التحفظ مجاز، وأخذ الأسلحة حقيقة، فلا يجمع بينهما أجيب: بأنّ أخذ الحذر حقيقة أيضاً تنزيلاً له منزلة الآلة على سبيل الاستعارة بالكناية، فالجمع إنما هو بين حقيقتين على أنّ الجمع بين الحقيقتين على أنّ الجمع بين الحقيقة، والمجاز جائز كما عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه. فإن قيل: لم ذكر أخذ الحذر في الثانية دون الأولى؟ أجيب: بأنّ الكفار يتنبهون للثانية ما لا يتنبهون للأولى. والنوع الثالث: صلاة ذات الرقاع رواها الشيخان أيضاً، وهي والعدوّ في غير جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر أن تقف فرقة في وجه العدوّ، ويصلي الإمام بفرقة ركعة، ثم عند قيامه للثانية تفارقه وتتم بقية صلاتها، وتقف في وجه العدوّ، وتجيء تلك والإمام

стр. 327

ينتظر لها فيصلي بها ثانية، فإذا جلس للتشهد قامت وأتت بركعة وتلحقه، ويسلم بها ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه ويصلي الرباعية بكل فرقة ركعتين. وبقي نوع رابع: تقدّم عند قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ (البقرة، ٢٣٩) ﴿ود﴾ أي: تمنى ﴿الذين كفروا لو تغفلون﴾ إذا قمتم إلى الصلاة ﴿عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذه علة الأمر بأخذ السلاح. ولما كان الله تعالى قد تفضل على هذه الأمة ورفع عنها الحرج وكان المطر والمرض يشقان قال: ﴿ولا جناح﴾ أي: حرج ﴿عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾ ؛ لأنّ حمل السلاح في المطر يكون سبباً لبله، وفي المرض يزيد حملها المريض وهناً، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: أنه سنة ورجح بشرط أن لا يؤذي ولا يحصل بترك حمله خطر ولا يمنع صحة الصلاة، فإن أذى كرمح وسط الصف كره حمله بل إن غلب على ظنه ذلك حرم، وإن حصل بتركه خطر وجب حمله ويمكن حمل الآية على هذه الحالة وكحمله وضعه بين يديه إن سهل مدّ يده إليه بل يتعين إن منع حمله الصحة من نجس أو غيره ﴿وخذوا حذركم﴾ من العدوّ أي: احترزوا منه ما استطعتم كيلا يهجم عليكم. فإن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر قوله تعالى: ﴿إنّ الله أعدّ للكافرين عذاباً﴾ أي: قتلاً وأسراً ونهباً في الدنيا ﴿مهيناً﴾ أي: ذا إهانة؟ أجيب: بأنّ الأمر بالحذر من العدوّ يوهم توقع غلبته واغتراره فنفى عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله تعالى يهين عدوّهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم ويعلموا أنّ الأمر بالحذر ليس لذلك وإنما هو تعبد من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (البقرة، ١٩٥) . ولما أعلمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف اتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرّد الذكر فقال مشيراً إلى تعقيبه. ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ أي: فرغتم من فعلها وأدّيتموها على حالة الخوف أو غيرها ﴿فاذكروا الله﴾ أي: بالتهليل والتسبيح والتحميد والتمجيد ﴿قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم﴾ أي: مضطجعين أي: اذكروه في كل حال، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» وقيل: صلوا قياماً في حال الصحة وقعوداً في حال المرض وعلى جنوبكم عند الحرج والزمانة ﴿فإذا اطمأننتم﴾ أي: أمنتم بما كنتم فيه من الخوف ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أي: أدّوها بحقوقها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف ﴿إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً﴾ أي: مكتوباً أي: مفروضاً ﴿موقوتاً﴾ أي: مقدّراً وقتها لا تؤخر عنه ولا تقدّم عليه، قال ﷺ «أمني جبريل عند البيت مرّتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، والعصر حين كان ظله أي الشيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم أي: دخل وقت إفطاره، والعشاء حين غاب الشفق الأحمر، والفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله والعصر حين كان ظله مثليه والمغرب حين أفطر الصائم والعشاء إلى ثلث الليل، والفجر فأسفر وقال: هذا وقت الأنبياء من قبلك» ، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم وغيره، وقوله ﷺ «فصلى الظهر حين صار ظله مثله» أي: فرغ منها حينئذٍ كما شرع في العصر في اليوم الأوّل حينئذٍ قاله

стр. 328

الشافعيّ رضي الله تعالى عنه نافياً به إشتراكهما في وقت ويدل له خبر مسلم وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر، ونزل لما بعث ﷺ طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات: ﴿ولا تهنوا﴾ أي: تضعفوا ﴿في ابتغاء القوم﴾ أي: في طلب أبي سفيان وأصحابه ﴿إن تكونوا تألمون﴾ أي: تتوجعون من ألم الجراح ﴿فإنهم يألمون﴾ أي: يتوجعون من الجراح ﴿كما تألمون﴾ ولم يجبنوا عن قتالكم فلا تجبنوا عن قتالهم ﴿وترجون﴾ أنتم ﴿من الله﴾ من النصر والثواب على جهادكم ﴿ما لا يرجون﴾ هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها ﴿وكان الله عليماً﴾ بأعمالكم وضمائركم ﴿حكيماً﴾ أي: فيما يأمر وينهى. ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾ أي: القرآن وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ متعلق بأنزل ﴿لتحكم بين الناس بما أراك﴾ الله أي: عرفك وأوحى به إليك وليس أرى من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل، وعن عمر رضي الله تعالى عنه لا يقولنّ أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ولكن ليجتهد رأيه؛ لأن الرأي من رسول الله ﷺ كان مصيباً؛ لأن الله تعالى كان يريه إياه وهو منا الظن والتكليف. وروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بكسر الطاء وفتحها، والأوّل أفصح ابن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه حتى انتهى إلى الدار، ثم أخبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ واسألوه أن يجادل عن صاحبهم فقالوا: إن لم تفعل افتضح صاحبنا فهمّ رسول الله ﷺ أن يفعل؛ لأنه بريء بحلفه وأن يعاقب اليهودي لثبوت المال عنده، وقيل: همّ أن يقطع يده فقال تعالى: ﴿ولا تكن للخائنين﴾ كطعمة ﴿خصيماً﴾ أي: مخاصماً مدافعاً عنهم. ﴿واستغفر الله﴾ أي: مما هممت به أي: من الذب عنه وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك معصوم، ولكن عن مقام عال سام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم ﴿إنّ الله كان غفوراً رحيماً﴾ لمن يستغفره. ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ أي: يخونونها بالمعاصي؛ لأنّ وبال خيانتهم عليهم. فإن قيل: لم قال ﴿للخائنين﴾ و ﴿يختانون﴾ أنفسهم والخائن واحد فقط؟ أجيب: بأنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته أو ليتناوله وقومه فإنهم شاركوه في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه، وقيل: إنّ هذا خطاب مع ﷺ والمراد به غيره كقوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ (يونس، ٩٤) والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوّة على أحد وجوه ثلاثة: إمّا الذنب تقدّم على النبوّة، أو لذنوب أمّته، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه، فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه السمع والطاعة لحكم الشرع ﴿إنّ الله لا يحب﴾ أي: يعاقب ﴿من كان خوّاناً﴾ أي: كثير الخيانة ﴿أثيماً﴾ أي: منهمكاً فيه. روي أنّ طعمة هرب إلى مكة وارتدّ وثقب حائطاً ليسرق متاع أهله

стр. 329

فسقط الحائط عليه فقتله. فإن قيل: لم قال خوّاناً أثيماً على المبالغة؟ أجيب: بأنّ الله تعالى كان عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المأثم، ومن كانت تلك خلقة أمره لم يشك في حاله، وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أنّ لها أخوات، وعن عمر رضي الله تعالى عنه إنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمّه تبكي وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه فقال: كذبت إنّ الله لا يؤاخذ عبده في أوّل مرّة. ﴿يستخفون﴾ أي: طعمة وقومه يستترون ويستحيون ويخافون ﴿من الناس ولا يستخفون﴾ أي: ولا يستحيون ولا يخافون ﴿من الله﴾ وهو أحق أن يستحيا ويخاف منه ﴿وهو معهم﴾ بعلمه لا يخفى عليه سرهم ﴿إذ يبيتون﴾ أي: يدبرون ليلاً على طريق الإمعان في الكفر والإتقان للرأي ﴿ما لا يرضى من القول﴾ أي: من رمي اليهودي بالسرقة وشهادة الزور عليه والحلف الكاذب على نفيها. فإن قيل: لم سمى التدبير قولاً، وإنما هو معنى في النفس؟ أجيب: بأنه لما حدث بذلك نفسه سمي قولاً مجازاً. قال في الكشاف: ويجوز أن يراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيّنه ﴿وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ أي: علماً وقدرة لا يفوت عنه شيء وقوله تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ خطاب لقوم طعمة أي: يا هؤلاء ﴿جادلتم﴾ أي: خاصمتم ﴿عنهم﴾ أي: عن طعمة وذويه ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي: بما جعل لكم من الأسباب ﴿فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾ إذا عذبهم ﴿أم من يكون عليهم وكيلاً﴾ يتولى أمرهم ويذب عنهم أي: لا أحد يفعل ذلك. فائدة: اتفق كتاب المصاحف على قطع (أم) عن (من) ﴿ومن يعمل سوءاً﴾ أي: ذنباً يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي ﴿أو يظلم نفسه﴾ أي: يعمل ذنباً يختص به لا يتعدّاه، وقيل: المراد بالأوّل الصغيرة والثاني الكبيرة ﴿ثم يستغفر الله﴾ أي: يطلب من الله تعالى غفرانه بالتوبة بشروطها ﴿يجد الله غفوراً﴾ أي: محاء للزلات ﴿رحيماً﴾ أي: مبالغاً في إكرام من يقبل إليه كما في الحديث عن الله: «من تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ، وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه إنّ هذه الآية نسخت من ﴿يعمل سوأً يجز به﴾ (النساء، ١٢٣) . ﴿ومن يكسب إثماً﴾ أي: ذنباً ﴿فإنما يكسبه على نفسه﴾ أي: لأنّ وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد فهو مجازية عليه فلا يتعدّاه وباله قال تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ (الإسراء، ٧) ﴿وكان الله عليماً﴾ بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله فلا يترك شيئاً منه ﴿حكيماً﴾ في صنعه فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه. ﴿ومن يكسب خطيئة﴾ أي: ذنباً صغيراً أو ما لا عمد فيه ﴿أو إثماً﴾ أي: كبيرة أو ما كان عن عمد ﴿ثم يرم به بريئاً﴾ أي: ينسبه إلى من لم يعمله كما فعل طعمة باليهودي ﴿فقد احتمل﴾ أي: تحمل ﴿بهتاناً﴾ أي: خطر كذب ببهت المرمي به ﴿وإثماً﴾ أي: ذنباً كبيراً ﴿مبيناً﴾ أي: بيناً يكسبه بسبب رمي البريء. ﴿ولولا فضل الله عليك﴾ يا محمد ﴿ورحمته﴾ بالعصمة ﴿لهمت طائفة منهم﴾ أي: من قوم طعمة أي: هماً مؤثراً عندك ﴿أن يضلوك﴾ أي: عن القضاء بالحق مع علمهم بالحال بتلبيسهم عليك فلا ينافي ذلك أنهم قد هموا بذلك؛ لأنّ الهم المؤثر لم يوجد ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾ إذ وبال ذلك عليهم ﴿وما يضرونك من شيء﴾ فإنّ الله عصمك وما خطر ببالك كان اعتماداً منك على ظاهر الأمر لا ميلاً في الحكم. تنبيه: (من شيء) في موضع نصب على المصدر أي: شيئاً من الضر فمن مزيدة ﴿وأنزل الله عليك

стр. 330

الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿والحكمة﴾ أي: السنة فإنها ليست قرآناً يتلى وفسرت أيضاً بأنها علم الشرائع وكل كلام وافق الحق ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ أي: من المشكلات وغيرها غيباً وشهادة من أحوال الدين والدنيا ﴿وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ أي: بهذا وبغيره من أمور لا تدخل تحت الحصر، وفي هذا دليل على أن العلم من أشرف الفضائل. ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ أي: الناس قوم طعمة فإنهم ناجوا النبيّ ﷺ في الدفع عنه وكذا غيرهم ﴿إلا﴾ نجوى ﴿من أمر بصدقة﴾ واجبة أو مندوبة ﴿أو معروف﴾ أي: عمل بر، وقيل: المراد بالصدقة الواجبة، وبالمعروف صدقة التطوّع ﴿أو إصلاح بين الناس﴾ وسواء إصلاح ذات البين وغيرهم قال ﷺ «كلام ابن آدم كله عليه لا لهُ إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله» ، وسمع سفيان رجلاً يقول: ما أشدّ هذا الحديث فقال: ألم تسمع الله يقول: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ فهو هذا بعينه أو ما سمعته يقول: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ فهو هذا بعينه. وروي أنه ﷺ قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟» قلنا: بلى يا رسول الله قال: «إصلاح ذات البين، وإفساد ذات البين هي الحالقة» . وروي أنه ﷺ قال «ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال: خيراً أو أثنى خيراً» ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي: هذا المذكور ﴿ابتغاء﴾ أي: طلب ﴿مرضاة الله﴾ أي: لا غيره من أمور الدنيا؛ لأنّ الأعمال بالنيات ﴿فسوف يؤتيه﴾ أي: الله في الآخرة بوعد لا خلف فيه ﴿أجراً عظيماً﴾ هو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، وفي هذه الآية دلالة على أنّ المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية وتصفية القلب من الالتفات إلى غرض دنيوي، وقرأ أبو عمرو وحمزة (يؤتيه) بالياء، والباقون بالنون. ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ أي: يخالفه فيما جاء به مأخوذ من الشق، فإنّ كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر ﴿من بعدما تبين﴾ أي: ظهر ﴿له الهدى﴾ أي: الدليل الذي هو سببه ﴿ويتبع﴾ طريقاً ﴿غير سبيل المؤمنين﴾ أي: طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يتبع غير دين الإسلام ﴿نوله ما تولى﴾ أي: نجعله والياً لما تولاه بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا ﴿ونصله﴾ أي: ندخله في الآخرة ﴿جهنم﴾ يحترق فيها ﴿وساءت مصيراً﴾ أي: مرجعاً هي، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة (نوله) و (نصله) بسكون الهاء، واختلس كسرة الهاء قالون ولهشام وجهان: الإختلاس كقالون، وإشباع الحركة كباقي القرّاء. فإن قيل: ما الحكمة في فك الإدغام في قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ والإدغام في سورة الحشر في قوله: ﴿ومن يشاق الله﴾ (الحشر، ٤) أجيب: بأن أل في لفظ الجلالة لازم بخلافه في الرسول واللزوم يقتضي الثقل، فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول. فإن قيل: يرد هذا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿ومن يشاقق الله ورسوله﴾ (الأنفال، ١٣) أجيب: أنه لما انضم الرسول إلى الله صار المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ أي: وقوع الشرك به من أيّ شخص كان وبأي شيء كان ﴿ويغفر ما﴾ أي: كل شيء هو ﴿دون ذلك﴾ أي: من سائر المعاصي لكن ﴿لمن يشاء﴾ لأنّ جميع الأمور بمشيئته. روي «أنّ شيخاً جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم

стр. 331

أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أوقع المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين إني أعجز الله هرباً وإني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله فنزلت ﴿ومن يشرك با فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ » عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى (فقد افترى) ؛ لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى التبني على الله. ﴿إن﴾ أي: ما ﴿يدعون﴾ أي: يعبد المشركون ﴿من دونه﴾ أي غير الله ﴿إلا إناثاً﴾ وهي اللات والعزى ومناة، وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله، وقيل: المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله ﴿وإن﴾ أي ما ﴿يدعون﴾ أي يعبدون بعبادتها ﴿إلا شيطاناً مريداً﴾ أي: خارجاً عن الطاعة وهو إبليس؛ لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكانت طاعته في ذلك عبادة له. ﴿لعنه الله﴾ أي أبعده عن رحمته ﴿وقال﴾ الشيطان المذكور ﴿لأتخذنّ من عبادك نصيباً﴾ أي: حظاً ﴿مفروضاً﴾ أي: مقطوعاً أدعوهم فيه إلى طاعتي قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ﴿ولأضلنهم﴾ أي عن طريقك السوى بما سلطتني به من الوسواس وتزيين الأباطيل ﴿ولأمنينهم﴾ أي بكل ما أقدر عليه من الباطل من عدم البعث والحساب ولا جنة ولا نار وغيره، وألقي في قلوبهم طول الأعمار وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والحنو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة ﴿ولآمرنهم فليبتكن﴾ أي: يقطعن ﴿آذان الأنعام﴾ كما كانت العرب تفعله بالبحائر والسوائب التي حرّموها على أنفسهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكراً حرموا على أنفسهم الانتفاع بها ﴿ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله﴾ أي: فطرة الله التي هي دين الإسلام بالكفر وإحلال ما حرّم الله، وتحريم ما أحل الله، ويدخل في ذلك اللواط والسحر والوشم، وهو أن يغرز الجلد بإبرة ويحشى بنحو نيلة، والوشر وهو أن تحدّ المرأة أسنانها وترققها ونحو ذلك، وكالخصاء وهو حرام في بني آدم، قال الزمخشري: وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم؛ لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم، وأمّا في البهائم فيجوز في المأكول الصغير ويحرم في غيره. وقيل للحسن رحمه الله تعالى: إنّ عكرمة يقول: المراد هنا هو الخصاء فقال: كذب عكرمة هو دين الله وعن ابن مسعود هو الوشم ﴿ومن يتخذ الشيطان ولياً﴾ أي: يتولاه ويطيعه ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿فقد خسر خسراناً مبيناً﴾ بيناً لمصيره إلى النار المؤبدة عليه. ﴿يعدهم﴾ ما لا ينجزه بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل، إنه قريب الحصول فيسعون في تحصيله فيضيع عليهم في ذلك الزمان ويرتكبوا ما لا يحل من الأهوال والهوان ﴿ويمنيهم﴾ نيل الآمال في الدنيا ولا بعث ولا جزاء ﴿وما﴾ أي: والحال إنه ما ﴿يعدهم الشيطان﴾ بذلك ﴿إلا غروراً﴾ أي: باطلاً، وهو إظهار النفع فيما فيه الضر وهذا الوعد إمّا بالخواطر أو بلسان أوليائه. ﴿أولئك﴾ أي: الشيطان وأولياؤه ﴿مأواهم﴾ أي: مقرّهم ﴿جهنّم﴾ يحترقون فيها ﴿ولا يجدون عنها محيصاً﴾ أي: معدلاً ومهرباً. ولما ذكر ما للكافر

стр. 332

ترهيباً اتبعه ما لغيرهم ترغيباً فقال: ﴿والذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي: الطاعات تصديقاً لإقرارهم ﴿سندخلهم﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: لريّ أرضها فحيثما أجرى منها نهر جرى ﴿خالدين فيها﴾ ولما كان الخلود يطلق على المكث الطويل دفع ذلك بقوله تعالى: ﴿أبداً﴾ أي: لا إلى آخر ﴿وعد الله حقاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك وهو قوله تعالى: سندخلهم وحقه حقاً ﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أصدق من الله قيلاً﴾ أي: قولاً، وأكثر من التأكيد هنا؛ لأنه في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس، فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد. ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فقال أهل الكتاب: نبيِّنا قبل نبيِّكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نبيِّنا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى. ﴿ليس﴾ أي: الأمر منوطاً ﴿بأمانيكم﴾ أيها المسلمون ﴿ولا أمانيّ أهل الكتاب﴾ بل بالإيمان والعمل الصالح ﴿من يعمل سوأً يجز به﴾ قال ابن عباس لما نزلت هذه شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله أينا لم يعمل سوأً غيرك فكيف الجزاء؟ قال: منه ما يكون في الدنيا أي: بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث: «فمن يعمل حسنة فله عشر أمثالها ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقي له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره» وأمّا ما كان جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطي الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأنزلت عليه ﴿من يعمل سوأً يجز به﴾ ﴿ولا يجد له من دون الله﴾ أي: غيره ﴿ولياً﴾ أي: يحفظه ﴿ولا نصيراً﴾ أي: يمنعه منه قال رسول الله ﷺ «يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ؟» قلت: بلى يا رسول الله قال: فأقرأنيها قال: ولا أعلم أني قد وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها فقال رسول الله ﷺ مالك يا أبا بكر فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءاً وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله ﷺ «أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا» أي: بالبلاء والمحن كما مرّ حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، «وأمّا الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة» . ﴿ومن يعمل﴾ شيئاً ﴿من الصالحات﴾ فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفاً بها وقوله تعالى: ﴿من ذكر أو أنثى﴾ في موضع الحال من المستكن في يعمل ومن للبيان أو من الصالحات أي: كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء وقوله تعالى: ﴿وهو مؤمن﴾ حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيهاً على أنه لا اعتداد بالعمل الصالح دون اقتران بها ﴿فأولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿يدخلون﴾ أي: ندخلهم ﴿الجنة﴾ أي: الموصوفة ﴿ولا يظلمون نقيراً﴾ قدر نقرة النواة من ثواب أعمالهم وإن لم ينقص ثواب المطيع فبالحرى أن لا يزاد عقاب العاصي؛ لأنّ المجازي هو أرحم الراحمين، ولذلك اقتصر على ذكره عقب الثواب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء. ﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أحسن ديناً ممن أسلم وجهه﴾

стр. 333

أي: انقاد وأخلص عمله ﴿﴾ فلا حركة ولا سكون إلا فيما يرضاه، وفي هذا الاستفهام تنبيه على أنّ ذلك منتهى ما تبلغه القوّة البشرية ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿محسن﴾ أي: مؤمن مراقب آت بالحسنات تارك للسيآت، لأنه يعبد الله كأنه يراه، وقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلاً وفرعاً مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذمّ الكامل لغيره ﴿واتبع ملة إبراهيم﴾ أي: الموافقة لملة الإسلام وقوله تعالى: ﴿حنيفاً﴾ حال أي: مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيّم ﴿واتخذ إبراهيم خليلاً﴾ أي: صفياً خالص المحبة له، وإنما أعاد ذكره، ولم يضمره تفخيماً له، وتنصيصاً على أنه الممدوح، والخلة من الخلال فإنه ودّ تخلل النفس وخالطها، قال الزجاج: الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخلة الصداقة فسمي خليلاً؛ لأن الله تعالى أحبه واصطفاه. روي أن إبراهيم ﵊ كان يسمى أبا الضيفان وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس سنة فحشروا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي بمصر فقال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم يريده لنفسه لفعلت ولكن يريده للأضياف وقد أصباننا ما أصاب الناس من الشدّة، فرجع غلمانه فمرّوا ببطحاء أي: بأرض ذات حصى فقالوا: لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحيي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة فملؤا تلك الغرائر ثم أتوا إبراهيم فلما أخبروه بذلك وسارة نائمة ساءه الخبر فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان قالوا: بلى فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود حوّاري أي: وهو بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، الدقيق الذي نخل مرّة بعد أخرى، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم فوجد رائحة الخبز فقال: من أين هذا لكم؟ فقالت: من خليلك المصري فقال: بل من عند خليلي الله ، فسماه الله خليلاً. ﴿وما في السموات وما في الأرض﴾ خلقاً وملكاً يفعل فيهما ما يشاء ﴿وكان الله بكل شيء محيطاً﴾ علماً وقدرة أي: ولم يزل متصفاً بذلك فمهما أراد كان في وعد وعيد للمطيع والعاصي لا يخفى عليه أحد منهم ولا يعجزه شيء. ﴿ويستفتونك﴾ أي: يطلبون منك الفتوى ﴿في﴾ شأن ﴿النساء﴾ أي: في شأن اليتامى ﴿قل الله يفتيكم﴾ أي: يبين لكم حكمه ﴿فيهن﴾ والإفتاء تبيين المبهم ﴿و﴾ يفتيكم أيضاً في ﴿ما يتلى عليكم في الكتاب﴾ أي: القرآن من آية الميراث ﴿في يتامى النساء﴾ أي: في شأن اليتامى ﴿اللاتي لاتؤتونهن ما كتب﴾ أي: فرض ﴿لهن﴾ أي: من الميراث ﴿وترغبون﴾ أيها الأولياء ﴿أن﴾ أي: في أن أو عن أن ﴿تنكحوهن﴾ لجمالهن أو دمامتهن، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنة صداقها وإن كانت مرغوباً عنها في قلة المال والجمال تركها. وفي رواية: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوّجها لدمامتها، ويكره أن يزوّجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ﴿و﴾ يفتيكم في ﴿المستضعفين﴾ أي: الصغار ﴿من الولدان﴾ أي: أن تعطوهم حقوقهم؛ لأن العرب كانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء

стр. 334

وقوله تعالى: ﴿وأن تقوموا﴾ في محل نصب بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا ﴿لليتامى﴾ بالقسط أي: العدل من الميراث وغيره، والخطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقهم أو للقوّام بالنصفة في شأنهم ﴿وما تفعلوا من خير﴾ أي: في ذلك أو غيره ﴿فإن الله كان به عليماً﴾ أي: فيجازيكم عليه فإنه أكرم الأكرمين فطيبوا نفساً وقرّوا عيناً، قال سعيد بن جبير: كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوّج غيرها فقالت له: لا تطلقني ودعني على ولدي واقسم لي من كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم لي فقال: إن كان يصلح ذلك فهو أحب إليّ فأتى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى. ﴿وإن امرأة﴾ مرفوع بفعل يفسره ﴿خافت﴾ أي: توقعت ﴿من بعلها﴾ أي: زوجها ﴿نشوزاً﴾ أي: تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها كراهة لها ومنعاً لحقوقها ﴿أو إعراضاً﴾ بأن يقل محادثتها ومجالستها ﴿فلا جناح عليهما﴾ أي: الزوج والزوجة ﴿أن يصلحا بينهما صلحاً﴾ أي: في القسم

стр. 335

والنفقة وهو أن يقول الزوج لها: إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوّج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسم ليلاً ونهاراً فإن رضيتي بهذا فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك، فإن رضيت كانت هي المحسنة، ولا تجبر على ذلك وإن لم ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة، أو يسرحها بإحسان، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهته فهو المحسن، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء وسكون الصاد ولا ألف من أصلح بين المتنازعين، والباقون بفتح الياء وفتح الصاد مع التشديد وألف بعدها وفتح اللام وفيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، وغلظ ورش اللام من يصالحا بخلاف عنه ﴿والصلح﴾ بأن يترك كل منهما حقه أو بعض حقه ﴿خير﴾ من الفرقة والنشوز والإعراض. كما «يروى أن سودة كانت امرأة كبيرة أراد النبيّ ﷺ أن يفارقها فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة فأمسكها رسول الله ﷺ وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» ثم بين ما جبل عليه الإنسان بقوله: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ أي: جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض عنها والتقصير في حقها ولا بنفسه بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما بنبغي إذ الزوج لا يكاد يسمح بنفسه إذا كرهها وخصوصاً إذا أحب غيرها، والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير ﴿وإن تحسنوا﴾ أي: في عشرة النساء وإن كنتم كارهين ﴿وتتقوا﴾ أي: النشوز والإعراض ونقص الحق ﴿فإنّ الله كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿بما تعملون﴾ أي: من الإحسان والخصومة ﴿خبيراً﴾ أي: عليماً به وبالغرض منه فيجازيكم عليه. ﴿ولن تستطيعوا﴾ أي: توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة ﴿إن تعدلوا﴾ أي: تسووا بين ﴿النساء﴾ أي: في المحبة؛ لأنّ العدل أن لا يقع ميل البتة وهو متعذر، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم ﴿ولو حرصتم﴾ على تحرّي ذلك وبالغتم فيه ﴿فلا تميلوا﴾ أي: إلى التي تحبونها ﴿كل الميل﴾ في القسم والنفقة فإنّ ما لا يدرك كله لا يترك كله ﴿فتذروها﴾ أي: تتركوا المرأة الممال عنها ﴿كالمعلقة﴾ أي: التي لا هي أيم ولا ذات بعل. وعن النبيّ ﷺ «من كان له امرأتان يميل إلى إحداهما جاء يوم القيامة وإحدى شقيه مائل» رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم. وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى أزواج النبيّ ﷺ بمال فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إلى كل أزواج النبيّ ﷺ بعث عمر مثل هذا قالوا: لا بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره فقالت: ارفع رأسك فإنّ رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه فرجع الرسول فأخبره فأتم لهنّ جميعاً، وكان لمعاذ رضي الله تعالى عنه امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد ﴿وإن تصلحوا﴾ أي: ما كنتم تفسدون من أمورهنّ ﴿وتتقوا﴾ فيما يستقبل ﴿فإنّ الله كان غفوراً﴾ أي: لما في قلوبكم من الميل ﴿رحيماً﴾ بكم في ذلك وغيره فإنه أرحم الراحمين. ﴿وإن يتفرّقا﴾ أي: يفترق كل من الزوجين من صاحبه بالطلاق ﴿يغن الله كلاً﴾ منهما عن الآخر ببدل بأن يرزقها زوجاً ويرزقه غيرها أو سلواً ﴿من سعته﴾ أي: من فضله وكرمه ﴿وكان الله واسعاً﴾ أي: واسع الفضل والرحمة بخلقه ﴿حكيماً﴾ أي: فيما دبره لهم، وفي قوله تعالى: ﴿وما في السموات وما في الأرض﴾ أي: ملكاً وعبيداً تنبيه على كمال سعته وقدرته ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: جنس الكتب ﴿من قبلكم﴾ أي: اليهود والنصارى ومن قبلهم وقوله تعالى: ﴿وإياكم﴾ عطف على الذين وهو خطاب لأهل القرآن ﴿أن اتقوا الله﴾ أي: بأن اتقوا الله أي: خافوا عقابه بأن تطيعوه، وقوله تعالى: ﴿وإن تكفروا﴾ أي: بما وصيتم به ﴿فإنّ ما في السموات وما في الأرض﴾ على إرادة القول. قال التفتازاني: لأنّ الجملة الشرطية لا تصح أن تقع بعد أن المصدرية فلا يصح عطفها على الواقع بعدها أي: وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإنّ الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم وإنما يوصيكم لرحمته لا لحاجته. ثم قرّر ذلك بقوله تعالى: ﴿وكان الله غنياً﴾ عن الخلق وعبادتهم ﴿حميداً﴾ في ذاته حمد أو لم يحمد. ﴿وما في السموات وما في الأرض وكفى با وكيلاً﴾ أي: شهيداً بأنّ ما فيهما له. فإن قيل: ما فائدة تكرير لله ما في السموات وما في الأرض؟ أجيب: بأنّ لكل واحدة منها وجهاً أمّا الأوّل: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيته، وأمّا الثاني: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً أي: هو الغنيّ المطلق فاطلبوا منه ما تطلبون فإنه لا ينفد ما عنده، وأمّا الثالث: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ولا تتوكلوا على غيره فذكرت كل مرّة دليلاً على شيء غير الذي قبله، وكررت؛ لأنّ الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات يحسن أن يستدل به على كل واحد منها وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرّة واحدة؛ لأنّ إعادته تحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل، وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أنّ هذا الدليل محتوٍ على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر،

стр. 336

فيجتهد السامع في التفكّر لإظهار الأسرار والاستدلال على صفات الكمال؛ لأنّ الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفته ، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده. ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي: يفنكم ﴿أيها الناس﴾ كما أوجدكم ﴿ويأت بآخرين﴾ أي: ويوجد قوماً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين مكان الإنس ﴿وكان الله على ذلك﴾ أي: الإعدام والإيجاد ﴿قديراً﴾ أي: بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده. وقيل: هذا خطاب لمن كان يعادي رسول الله ﷺ من العرب إن يشأ يمتكم ويأت بناس آخرين يوالونه. وروي أنه لما نزلت ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ الآية ضرب رسول الله ﷺ على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» أي: سلمان وهم بنو فارس. ﴿من كان يريد ثواب الدنيا﴾ الخسيسة الفانية كالمجاهد يجاهد للغنيمة لقصور نظره على الخسيس الحاضر مع خسته كالبهائم ﴿فعند الله ثواب الدنيا﴾ الخسيسة الفانية ﴿والآخرة﴾ النفيسة الباقية لا عند غيره فما له يطلب الخسيس فليطلبهما منه كمن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو ليطلب الأشرف منهما فإنّ من غلب همته فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه جمع له بينهما كمن يجاهد لله خالصاً يجمع له بين الآخرة والمغنم ﴿وكان الله سميعاً﴾ أي: بالغ السمع لكل قول وإن خفي ﴿بصيراً﴾ أي: بالغ البصر لكل ما يبصر وإن خفي. أي: قائمين قياماً بليغاً مواظباً عليه مجتهداً فيه ﴿بالقسط﴾ أي: بالعدل ﴿شهداء﴾ بالحق أي: تقيمون شهادتكم لوجه الله ﴿ولو﴾ كانت الشهادة ﴿على أنفسكم﴾ فاشهدوا عليها بأن تقرّوا بالحق ولا تكتموه ﴿أو الوالدين والأقربين﴾ أي: ولو كانت الشهادة على والديكم وأقاربكم ﴿إن يكن﴾ أي: المشهود عليه ﴿غنياً﴾ فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه ﴿أو فقيراً﴾ فلا تمنع ترحماً عليه ﴿فا أولى بهما﴾ أي: الغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة لهما أو عليهما صلاحاً لما شرعها. تنبيه: الضمير في (بهما) راجع إلى ما دلّ عليه المذكور وهو جنس الغني والفقير لا إليهما وإلا لوحد الضمير لكون العطف بأو، فكأنه قال: فالله أولى بجنس الغني والفقير أي: بالأغنياء والفقراء ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾ أي: في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له ﴿أن تعدلوا﴾ أي: إرادة أن تعدلوا فقد بان لكم أن لا عدل في ذلك، أو لئلا تعدلوا أي: تميلوا عن الحق ﴿وإن تلووا﴾ أي: ألسنتكم لتحرفوا الشهادة ﴿أو تعرضوا﴾ أي: عن أدائها ﴿فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً﴾ فيجازيكم به. وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام وحذف الواو الأولى، والباقون بسكون اللام وواوين الأولى مضمومة. ﴿يأيها الذين آمنوا آمنوا﴾ أي: داوموا على الإيمان ﴿با ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله﴾ محمد ﷺ وهو القرآن ﴿والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ على الرسل بمعنى الكتب أي: آمنوا بجميع كتب الله المنزلة وقيل: إنّ الخطاب في ذلك لأهل الكتاب. روي أنّ ابن سلام وأصحابه قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه، فقال لهم النبيّ ﷺ «بل آمنوا بالله ورسوله محمد والقرآن وبكل كتاب كان قبله» فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 337

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم النون من (نزل) ، وضم الهمزة من (أنزل) وكسر الزاي فيهما، والباقون بفتح النون والهمزة وفتح الزاي فيهما ﴿ومن يكفر با وملائكته وكتبه﴾ التي أنزل على أنبيائه ﴿ورسله﴾ أي: من الملائكة والبشر ﴿واليوم الآخر﴾ أي: الذي أخبرت به رسله وهو يوم القيامة أي: ومن يكفر بشيء من ذلك ﴿فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ عن الحق بحيث لا يكاد يعود إليه، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون بالإدغام. ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي: بموسى وهم اليهود ﴿ثم كفروا﴾ حين عبدوا العجل ﴿ثم آمنوا﴾ بعد عود موسى إليهم ﴿ثم كفروا﴾ بعيسى ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ بمحمد ﷺ ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ أي: ما داموا على هذه الحالة؛ لأنه لا يغفر أن يشرك به ﴿ولا ليهديهم سبيلاً﴾ أي: طريقاً إلى الحق ﴿بشر المنافقين﴾ يا محمد ﴿بأنّ لهم عذاباً أليماً﴾ أي: مؤلماً هو النار. تنبيه: وضع بشر مكان أنذر تهكماً بهم، وقوله تعالى: ﴿الذين﴾ بدل أو نعت للمنافقين ﴿يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ لما يتوهمون فيهم من القوّة وقوله تعالى: ﴿أيبتغون﴾ أي: أيطلبون ﴿عندهم العزة﴾ استفهام إنكاري أي: لا يجدونها عندهم ﴿فإن العزة جميعاً﴾ في الدنيا والآخرة ولا ينالهما إلا أولياؤه قال الله تعالى: ﴿والعزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ (المنافقون، ٨) . ﴿وقد﴾ أي: تتخذونهم والحال أنه قد ﴿نزل عليكم﴾ أي: أيتها الأمّة الصادقين منكم والمنافقين ﴿في الكتاب﴾ أي: القرآن في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلاً عن ولايتهم ﴿أن﴾ أي: إنه فهي مخففة واسمها محذوف ﴿إذا سمعتم آيات الله﴾ أي: القرآن ﴿يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم﴾ أي: الكافرين والمستهزئين ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ أي: حتى يأخذوا في حديث غير ذلك، قال الضحاك عن ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة، وقرأ عاصم: (نزل) بفتح النون والزاي، والباقون بضمّ النون وكسر الزاي ﴿إنكم إذاً﴾ أي: إن قعدتم معهم ﴿مثلهم﴾ أي: في الإثم؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم والإنكار عليهم أو الكفر إن رضيتم به، وقيل: كان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون فقيل لهم: إنكم إذاً مثل الأحبار في الكفر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً﴾ أي: القاعدين والمقعود معهم كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء، وقوله تعالى: ﴿الذين﴾ إمّا بدل من الذين قبله، وإمّا صفة للمنافقين، وإمّا نصب على الذم منهم ﴿يتربصون﴾ أي: ينتظرون وقوع أمر ﴿بكم فإن كان لكم فتح من الله﴾ أي: ظفر وغنيمة ﴿قالوا﴾ لكم ﴿ألم نكن معكم﴾ أي: في الدين والجهاد فاجعلوا لنا نصيباً من الغنيمة ﴿وإن كان للكافرين نصيب﴾ أي: من الظفر، فإنّ الحرب سجال، وعبر بنصيب تحقيراً لظفرهم بالنسبة لما حصل للمسلمين من الفتح ﴿قالوا﴾ لهم ﴿ألم تستحوذ﴾ أي: نستول ﴿عليكم﴾ ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم ﴿ونمنعكم من المؤمنين﴾ أي: من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور المرعبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد لتصديقهم لنا لإظهارنا الإيمان، ومراد المنافقين بذلك إظهار المنة على الكافرين ﴿فا يحكم بينكم﴾ وبينهم ﴿يوم القيامة﴾ بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ أي: طريقاً بالاستئصال، واحتج أصحابنا بهذه الآية عدلى فساد شراء الكافر العبد المسلم. ﴿إن المنافقين يخادعون الله﴾ أي: بإظهارهم خلاف ما يبطنونه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامهم الدنيوية ﴿وهو خادعهم﴾ أي: مجازيهم على خداعهم فيفضحهم في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبهم في الآخرة ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة﴾ مع المؤمنين ﴿قاموا كسالى﴾ أي: متثاقلين كالمكرهين على الفعل ﴿يراؤن الناس﴾ بصلاتهم ليظنوهم مؤمنين ﴿ولا يذكرون الله﴾ أي: ولا يصلون ﴿إلا قليلاً﴾ أي: حين يتعين ذلك طريقاً لمخادعتهم ولا يصلون غائبين قط عن عيون الناس وما يجهرون به أيضاً إلا قليلاً؛ لأنهم ما وجدوا مندوحة عن تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه ويجوز أن يراد بالقلة العدم. فإن قيل: أما معنى المراآة وهي مفاعلة من الرؤية؟ أجيب: بأنّ المرائي يريهم عمله وهم يرون استحسانه، وقوله تعالى: ﴿مذبذبين﴾ حال من واو يراؤن أي: مترددين ﴿بين ذلك﴾ أي: الكفر والإيمان ﴿لا﴾ منسوبين ﴿إلى هؤلاء﴾ أي: الكفار ﴿ولا إلى هؤلاء﴾ أي: المؤمنين ﴿ومن يضلل الله﴾ أي: يضله ﴿فلن تجد له سبيلاً﴾ أي: طريقاً إلى الهدى ونظيره قوله تعالى: ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور﴾ (النور، ٤٠) ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين﴾ أي: المجاهرين بالكفر ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾ فإنه صنيع المنافقين وديدنهم فلا تتشبهوا بهم ﴿أتريدون أن تجعلوا عليكم﴾ أي: بموالاتهم ﴿سلطاناً﴾ أي: دليلاً على كفركم باتباعهم غير سبيل المؤمنين ﴿مبيناً﴾ أي: واضحاً على نفاقكم. ﴿إنّ المنافقين في الدرك﴾ أي: البطن ﴿الأسفل من النار﴾ أي: لأنّ ذلك أخفى ما في النار وأستره وأخبثه كما أنّ كفرهم أخفى الكفر وأخبثه وأستره وسميت طبقات النار دركات؛ لأنها متداركة متتابعة إلى أسفل كما إنّ الدرج متراقية إلى فوق. فإن قيل: لم كان المنافق أشدّ عذاباً من الكافر؟ أجيب: بأنِه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون الراء والباقون بفتحها ﴿ولن تجد لهم نصيراً﴾ أي: مانعاً يمنعهم من عذاب الله تعالى فيخرجهم ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا عليه من النفاق ﴿وأصلحوا﴾ أي: أعمالهم ﴿واعتصموا﴾ أي: وثقوا ﴿با وأخلصوا دينهم﴾ من الرياء فلا يريدون بطاعتهم إلا وجهه تعالى ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾ في الجنة ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً﴾ فيشاركونهم ويساهمونهم. فإن قيل: من المنافق؟ أجيب: بأنه في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به منافقاً فللتغليظ كقوله ﷺ «من ترك الصلاة متعمّداً فهو كافر» ومنه قوله ﷺ «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وقيل لحذيفة رضي الله تعالى عنه: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، وقيل لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال: كنا نعده من النفاق. فائدة: اتفق كتاب المصاحف على حذف الياء من ﴿يؤت الله﴾ ولا سبب لحذفها. ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم﴾ نعماءه ﴿وآمنتم به﴾ أي: لينفي به غيظاً أو يدفع ضراً

стр. 338

أو يستجلب به نفعاً، وهو الغنيّ المطلق المتعالي عن النفع والضرّ، والاستفهام بمعنى النفي أي: لا يعذبكم. فإن قيل: لم قدم الشكر على الإيمان مع أنه لا ينفع مع عدم الإيمان؟ أجيب: بأنّ الناظر يدرك النعمة أوّلاً فيشكر شكراً مبهماً فإذا انتهى إلى معرفة المنعم آمن به، ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدّماً على الإيمان، وكأنه أصل التكليف ومداره فيؤمن به، والشكر ضدّ الكفر، فالكفر ستر النعمة، والشكر إظهارها ﴿وكان الله شاكراً﴾ لأعمال المؤمنين بالإثابة يقبل اليسير ويعطي الجزيل ﴿عليماً﴾ بخلقه. ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء﴾ أي: القبيح ﴿من القول﴾ من أحد أي: يعاقب عليه ﴿إلا من﴾ أي: جهر من ﴿ظلم﴾ وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما هو فيه من السوء فلا يؤاخذ به قال الله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ (الشورى، ٤١) قال الحسن البصري: دعاؤه عليه أن يقول: اللهمّ أعني عليه اللهمّ استخرج حقي منه، وقيل: إن شئتم أجاز له أن يشتم بمثله لا يزيد عليه، وقال مجاهد: هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ويذكر ما صنع به. روي أنّ رجلاً أضاف قوماً أي: نزل بهم ضيفاً فلم يطعموه فأصبح شاكياً فعوتب على الشكاية فنزلت، وعن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم» ﴿وكان الله سميعاً﴾ لكل ما يقال ومنه دعاء المظلوم ﴿عليماً﴾ بكل ما يفعل ومنه فعل الظالم. ﴿إن تبدوا﴾ أي: تظهروا ﴿خيراً﴾ من أعمال البرّ ﴿أو تخفوه﴾ أي: تعملوه سراً ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ أي: عن مظلمة ﴿فإن الله كان﴾ أي: دائماً أزلاً وأبداً ﴿عفوّاً قديراً﴾ أي: يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك وهو حث للمظلوم على تمهيد العفو بعدما رخص له في الانتصار حملاً على مكارم الأخلاق وقوله تعالى: ﴿إنّ الذين يكفرون با ورسله﴾ نزل في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى والتوراة وعزير وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد ﷺ والقرآن ﴿ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله﴾ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله ﴿ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ أي: نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً﴾ أي: طريقاً وسطاً بين اليهودية والإسلام، ولا واسطة إذ الحق لا يختلف، فإنّ الإيمان بالله إنما يتم بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلاً وإجمالاً، والكفر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس/ ٣٢) .B ﴿أولئك هم الكافرون﴾ أي: الكاملون في الكفر وقوله تعالى: ﴿حقاً﴾ مصدر مؤكداً لمضمون الجملة قبله ﴿وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً﴾ أي: ذا إهانة وهو عذاب النار. ولما بين ما أعده للكافرين بين ما أعده للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا با ورسله﴾ كلهم ﴿ولم يفرّقوا بين أحد منهم﴾ بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض كما فعل الأشقياء منهم وإنما أدخل بين على أحد وهو يقتضي متعدّداً لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي ﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة في رتب السعادة ﴿سوف نؤتيهم﴾ بوعد لا خلف فيه وإن تأخر ﴿أجورهم﴾ الموعودة لهم بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، وقرأ حفص بالياء على الغيبة، والباقون

стр. 339

بالنون ﴿وكان الله غفوراً﴾ لما يريد من الزلات ﴿رحيماً﴾ أي: لمن يريد إسعاده بالجنات، ونزل لما قال أحبار اليهود للنبيّ ﷺ إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى. ﴿يسئلك﴾ يا محمد ﴿أهل الكتاب﴾ أي: أحبار اليهود ﴿أن تنزل عليهم كتاباً من السماء﴾ جملة كما أنزل على موسى وقيل: كتاباً محرزاً أي: مجلداً مصوناً بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل أو كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسول الله قالوا ذلك تعنتاً، قال الحسن: لو سألوا لكي يتبينوا الحق لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية. وقوله تعالى: ﴿فقد سألوا﴾ أي: آباؤهم ﴿موسى﴾ جواب شرط مقدّر معناه: إنك إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى ﴿أكبر﴾ أي: أعظم ﴿من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ أي: عياناً وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى ﵊ وهم النقباء السبعون؛ لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ أي: عقب هذا السؤال، وهي نار جاءت من السماء فأهلكتهم ﴿بظلمهم﴾ أي: بسببه وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقاً ﴿ثم﴾ بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة ﴿اتخذوا العجل﴾ أي: تكلفوا أخذه وجعلوه إلهاً ﴿من بعدما جاءتهم البينات﴾ المعجزات على وحدانية الله تعالى، وليس المراد التوراة؛ لأنها لم تأتهم فيما مضى بل أتتهم بعد ﴿فعفونا عن ذلك﴾ أي: الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصالهم ﴿وآتينا موسى سلطاناً﴾ تسليطاً واستيلاءً ﴿مبيناً﴾ أي: ظاهراً، فإنه أمرهم بقتل أنفسهم توبة من عبادة العجل فبادروا إلى الامتثال. ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ أي: الجبل العظيم ﴿بميثاقهم﴾ أي: بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فيقبلوه ﴿وقلنا لهم﴾ على لسان موسى ﷺ والطور مظلل عليهم ﴿ادخلوا الباب﴾ أي: الذي لبيت المقدس ﴿سجداً﴾ أي: سجود انحناء ﴿وقلنا لهم﴾ أي: على لسان داود ﴿لا تعدوا﴾ أي: لا تتجاوزوا ما حددناه لكم ﴿في السبت﴾ أي: لا تعملوا فيه عملاً من الأعمال تسمية للشيء باسم سببه سمي عدواً؛ لأنّ العامل للشيء يكون لشدّة إقباله عليه كأنه يعدو، ويحتمل أن يكون ذلك على لسان موسى حين ظلل عليهم الجبل، فإنه شرع السبت أي: ترك العمل فيه ولكن كان الاعتداء في السبت، والمسخ به في زمن داود. وقرأ ورش بفتح العين مع تشديد الدال وقرأ قالون باختلاس حركة العين مع تشديد الدال، والباقون بسكون العين وتخفيف الدال، ﴿وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً﴾ على ذلك وهو قولهم سمعناه وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يقيموا عليه، ثم نقضوه بعد، كما قال تعالى: أي: فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد، والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي: لعناهم بسبب نقضهم ﴿ميثاقهم وكفرهم بآيات الله﴾ أي: القرآن أو بما في كتابهم ﴿وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾ فإنهم معصومون من كل نقيصة ومبرؤن من كل ريبة لا يتوجه عليهم حق ﴿وقولهم قلوبنا غلف﴾ أي: أوعية للعلوم أو في أكنة مما تدعونا إليه فلا نعي كلامك ﴿بل طبع الله﴾ أي: ختم ﴿عليها بكفرهم﴾ فلا تعي وعظاً ﴿فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه أو إيماناً قليلاً لا عبرة به بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً

стр. 340

كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، وقوله تعالى: ﴿وبكفرهم﴾ معطوف على (فبما نقضهم) ويجوز عطفه على (بكفرهم) وقد تكرر منهم الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد ﷺ فعطف بعض كفرهم على بعض وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه ﴿وقولهم على مريم﴾ أي: بعدما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وإنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات ﴿بهتاناً عظيماً﴾ وهو نسبتها إلى الزنا. فإن قيل: كان مقتضى الظاهر أن يقول: في مريم. أجيب: بأنه ضمن القول معنى الافتراء وهو يتعدّى بعلى. ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله﴾ أي: بمجموع ذلك عذبناهم. فإن قيل: كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر بن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله؟ أجيب: بأنهم قالوه بزعم عيسى عندهم أو إنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون: ﴿إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ (الشعراء، ٢٧) قال الزمخشري: ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى ﵊ عما كانوا يذكرونه به اه. قال الله تعالى تكذيباً لهم في قتله ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ أي: المقتول والمصلوب. روى النسائي عن ابن عباس: «أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى الله عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب» . وقيل: كان رجلاً ينافق عيسى أي: يظهر له الإسلام ويخفي الكفر فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل في بيت عيسى فرفع عيسى ﵊، وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. وقيل: إنهم حبسوا عيسى ﵊ في بيت وجعلوا عليه رقيباً فألقى الله شبه عيسى على الرقيب فقتلوه، ﴿وإنّ الذين اختلفوا فيه﴾ أي: في شأن عيسى، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود: إنه كان كاذباً فقتلناه حقاً، وتردد آخرون، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وكان الله ألقى شبه وجه عيسى عليه ولم يلق على جسده، وقال: من سمع من عيسى إنّ الله يرفعني إلى السماء إنه رفعه إلى السماء: وقال قوم: صلب الناسوت أي: الإنسانية وصعد اللاهوت أي: الألوهية ﴿لفي شك منه﴾ أي: من قتله ﴿ما لهم به﴾ أي: بقتله ﴿من علم﴾ وقوله تعالى: ﴿إلا إتباع الظن﴾ استثناء منقطع أي: لكن يتبعون فيه الظنّ الذي تخيلوه. فإن قيل: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ثم وصفوا بالظنّ والظنّ أن يترجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟ أجيب: بأنّ الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردّد وعلى ما يقابل العلم فيشمل الاعتقاد ﴿وما قتلوه﴾ أي: انتفى قتلهم له انتفاء ﴿يقيناً﴾ أي: انتفاؤه على سبيل القطع ويجوز أن يكون حالاً من واو قتلوه أي: ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى ﵊ بل فعلوه شاكين، فيه والحق إنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى عليه

стр. 341

شبهه. قال البقاعي: والوجه الأوّل أولى لقوله تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ أي: إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب: إنه أوحي إليه وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، فكانت رسالته ثلاث سنين ﴿وكان الله عزيزاً﴾ أي: في ملكه لا يغلب عما يريد ﴿حكيماً﴾ في صنعه لا يطمع أحد في نقص شيء منه. ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ أي: وما من أهل الكتاب أحد ﴿إلا ليؤمنن به﴾ أي: بعيسى ﵊ هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم ﴿قبل موته﴾ اختلف في عود هذا الضمير، فقال عكرمة ومجاهد والضحاك: يعود للكتابي أي: إنّ الكتابي يؤمن بعيسى حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه سواء احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، فقيل لابن عباس: أرأيت من خرّ من فوق بيت؟ فقال: يتكلم به في الهوي، فقيل: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه، وذهب قوم إلى عود الضمير إلى عيسى أي: وما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام. روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً عدلاً يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون» . قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ الآية ثم أعادها أبو هريرة ثلاث مرّات ولا يعارض هذا ما في مسلم في قصة الدجال إنّ الله يبعث عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين إثنين عداوة؛ لأنّ قوله: ثم يلبث الناس بعده أي: بعد موته فلا معارضة، أو لأنّ السبع محمول على مدّة إقامته بعد نزوله ويكون ذلك مضافاً إلى مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء وكان عمره إذ ذاك ثلاثاً وثلاثين سنة على المشهور. وروى عكرمة: إن الهاء في قوله تعالى: ﴿ليؤمنن به﴾ كناية عن محمد ﷺ يقول: لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد ﷺ وقيل: الهاء راجعة إلى الله يقول: وإنّ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالله قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه ﴿ويوم القيامة يكون﴾ أي: عيسى على القول الأوّل ﴿عليهم شهيداً﴾ إنه قد بلغهم رسالة ربه وأقرّ بالعبودية على نفسه كما قال تعالى مخبراً عنه: ﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾ (المائدة/ ١١٧) . وكل نبيّ شاهد على أمّته قال تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ (النساء، ٤١) . ﴿فيظلم من الذين هادوا﴾ وهو ما تقدّم ذكره من نقضهم الميثاق وبكفرهم بآيات الله وبهتانهم على مريم، وقولهم: ﴿إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم﴾ (النساء، ١٥٧) ﴿حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ أي: كان وقع إحلالها لهم في التوراة، ثم حرّمت عليهم وهي التي في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر﴾ (الأنعام، ١٤٦) الآية ﴿وبصدّهم﴾ أي: الناس ﴿عن سبيل الله﴾ أي: دينه، وقوله تعالى: ﴿كثيراً﴾ صفة مصدر محذوف أي: صدّاً كثيراً بالإضلال عن الطريق، فمنعوا مستلذات تلك المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان. ﴿وأخذهم الربا وقد﴾ أي: والحال إنهم قد ﴿نهوا عنه﴾ في التوراة، فكان محرماً عليهم كما هو محرّم علينا؛ لأنه قبيح في نفسه مزر بصاحبه، وفي الآية دليل على أنّ النهي

стр. 342

للتحريم ﴿وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ أي: من الرشا في الحكم والمآكل أي: التي كانوا يصيبونها من عوامهم عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيبات، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرّم عليهم شيء من الطيبات التي كانت حلالاً لهم قال تعالى: ﴿ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ (الأنعام، ١٤٦) ﴿وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً﴾ أي: مؤلماً دون من تاب وآمن. ولما بين ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب بين ما لنيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال: ﴿لكن الراسخون﴾ أي: الثابتون المتمكنون ﴿في العلم منهم﴾ أي: من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿والمؤمنون﴾ أي: من المهاجرين والأنصار ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾ أي: القرآن ﴿وما أنزل من قبلك﴾ أي: من سائر الكتب المنزلة وقوله تعالى: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ نصب على المدح؛ لأنّ الصلاة لما كانت أعظم دعائم الدين ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها. وحكي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأبان بن عثمان أنّ ذلك غلط من الكاتب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة، وكذلك قوله في سورة المائدة: ﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى﴾ وقوله تعالى: ﴿إنّ هذان لساحران﴾ (طه، ٦٣) قالا: ذلك خطأ من الكاتب، وقال عثمان: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيره فقال: دعوه فإنه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وعامّة الصحابة وأهل العلم على إنه صحيح كما قدّمناه، وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: أعني المقيمين الصلاة، وقوله تعالى: ﴿والمؤتون الزكاة والمؤمنون با واليوم الآخر﴾ رجوع إلى النسق الأوّل ﴿أولئك سنؤتيهم﴾ بوعد لا خلف فيه على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح ﴿أجراً عظيماً﴾ وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، وقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا، وبدأ بذكر نوح ﵊؛ لأنه كان أبا البشر مثل آدم ﵊ قال الله تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ (الصافات، ٧٧) ؛ ولأنه أوّل نبيّ من أنبياء الشريعة وأول نذير على الشرك وأوّل من عذبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء عمراً، وجعلت معجزته في نفسه؛ لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم تنقص له قوّة ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره ﴿و﴾ كما ﴿أوحينا إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق﴾ بني إبراهيم ﴿ويعقوب﴾ بن إسحق ﴿والأسباط﴾ أولاد يعقوب وظاهر هذا أنهم كلهم أنبياء وهو أحد قوليه، والقول الآخر: أن يوسف هو النبي فقط وعلى هذا فالمراد المجموع ﴿وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا﴾ أباه ﴿داود زبوراً﴾ قرأ حمزة بضم الزاي مصدر بمعنى مزبوراً أي: مكتوباً، والباقون بالنصب على إنه إسم للكتاب المؤتى، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله . كان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجن خلف الناس الأعظم فالأعظم، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين

стр. 343

يديه تعجباً لما يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم ير ذلك فقيل له: ذاك أنس الطاعة وهذا وحشة المعصية، قال السيوطي في شرح التنبيه: إنّ الزبور مئة وخمسون سورة ما بين قصار وطوال، والطويلة منها قدر ربع حزب، والقصيرة قدر سورة النصر اه. وعن أبي موسى قال: قال لي رسول الله ﷺ «لو رأيتني البارحة وأنا أسمع لقراءتك لقد أعطيت مزماراً من مزامير داود» وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده، وإنما خص هؤلاء بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيماً لهم، وقوله تعالى: ﴿ورسلاً﴾ أي: غير هؤلاء نصب بمضمر دل عليه أوحينا إليك مثل أرسلنا ﴿قد قصصناهم﴾ أي: تلونا ذكرهم ﴿عليك من قبل﴾ أي: قبل إنزال هذه السورة أو هذه الآية ﴿ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ أي: إلى الآن. روي أنه بعث ثمانية آلاف نبيّ: أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس، قاله الجلال المحلي في سورة غافر، وقوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ هو منتهى مراتب الوحي أي: كلمه على التدريج شيئاً فشيئاً بحسب المصالح بغير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة وخص به موسى من بين سائر الأنبياء غير نبينا، وأما نبينا ﷺ فقد فضله الله بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم وقوله تعالى: ﴿رسلاً﴾ بدل من رسلاً قبله ﴿مبشرين﴾ أي: بالثواب من آمن ﴿ومنذرين﴾ أي: مخوّفين بالعذاب من كفر وقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة﴾ متعلق بأرسلنا أو بمبشرين ومنذرين أي: حجة فقال: ﴿بعد﴾ إرسال ﴿الرسل﴾ فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين، فبعثناهم لقطع عذرهم. فإن قيل: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله تعالى من الأدلة التي النظر فيها يوصل إلى المعرفة؟ أجيب: بأنّ الرسل ينبهون عن الغفلة وباعثون على النظر في الأدلة فإرسالهم ضروري ﴿وكان الله عزيزاً﴾ في ملكه لا يغلب فيما يريده ﴿حكيماً﴾ في صنعه. روي أن سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحبّ إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد بالجنة» ، قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك، ودخل عليهم جماعة من اليهود فقال لهم النبيّ ﷺ «والله إنكم لتعلمون أني رسول الله» فقالوا: والله ما نعلم ذلك أنزل الله : ﴿لكن الله يشهد﴾ أي: يبيّن نبوّتك ﴿بما أنزل إليك﴾ أي: من القرآن المعجز الدال على نبوّتك إن جحدوك وكذبوك ﴿أنزله﴾ متلبساً ﴿بعلمه﴾ الخاص به وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ. وروي أنه لما نزل ﴿إنا أوحينا إليك﴾ قالوا: ما نشهد لك فنزلت ﴿والملائكة يشهدون﴾ لك أيضاً ﴿وكفى با شهيداً﴾ على ذلك بما قام من الحجج على صحة نبوّتك عن الاستشهاد بغيره ﴿إنّ الذين كفروا وصدوا﴾ الناس

стр. 344

﴿عن سبيل الله﴾ أي: دين الإسلام بكتمهم دين محمد ﷺ وهم اليهود ﴿قد ضلوا ضلالاً بعيداً﴾ عن الحق؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأنّ المضل يكون أعرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه. ﴿إنّ الذين كفروا﴾ بالله ﴿وظلموا﴾ نبيه بكتمان نعته ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ لكفرهم وظلمهم ﴿ولا ليديهم طريقاً﴾ من الطرق. ﴿إلا طريق جهنم﴾ أي: الطريق المؤدي إليها ﴿خالدين﴾ أي: مقدرين الخلود ﴿فيها﴾ إذا دخلوها وأكد ذلك بقوله: ﴿أبداً﴾ لأنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴿وكان ذلك على الله يسيراً﴾ أي: هيّناً لا يصعب عليه ولا يستعظمه. ﴿يأيها الناس قد جاءكم الرسول﴾ محمد ﷺ ﴿بالحق من ربكم﴾ لما قرّر من أمر النبوّة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإجابة والوعيد على الرد ﴿فآمنوا﴾ بالله وقوله تعالى: ﴿خيراً لكم﴾ وكذلك قوله تعالى فيما يأتي ﴿انتهوا خيراً لكم﴾ (النساء، ١٧١) منصوب بمضمر وذلك إنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال خيراً لكم أي: اقصدوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث، وهو الإيمان والتوحيد، وقيل: تقديره يكن الإيمان خيراً لكم. قال البيضاوي: ومنعه البصريون؛ لأنّ كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما لا بدّ منه، ولأنه يؤدي إلى حذف الشرط وجوابه اه. ﴿وإن تكفروا﴾ بالله ﴿فإنّ ما في السموات والأرض﴾ ملكاً وخلقاً، فهو غني عنكم فلا يضره كفركم كما لا ينفعه إيمانكم، ونبّه على غناه بقوله تعالى: ﴿ما في السموات والأرض﴾ وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه ﴿وكان الله عليماً﴾ بأحوالكم ﴿حكيماً﴾ أي: فيما دبره لهم. ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا﴾ أي: تجاوزوا الحد ﴿في دينكم﴾ الخطاب للفريقين غلت اليهود في حط عيسى حتى رموه بالزنا، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلهاً، وقيل: للنصارى خاصة، والمراد بالكتاب الإنجيل، فإنه أوفق لقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على الله إلا﴾ القول ﴿الحق﴾ أي: من تنزيهه عن الشريك والولد ﴿إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها﴾ أي: أوصلها ﴿إلى مريم﴾ وجعلها فيها ﴿وروح﴾ أي: ذو روح ﴿منه﴾ لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادّة له، وسمى عيسى كلمة الله وكلمة منه؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير من غير واسطة أب ولا نطفة، وقيل له: روح الله وروح منه؛ لأنه ذو روح وجسد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحيّ، وإنما اخترع اختراعاً من عند الله وقدرته بأن أمر جبريل، فنفخ في جيب درعها، فحملت به فأضيف إلى الله تعالى تشريفاً له، وليس كما زعمتم أنه ابن الله، أو إله معه، أو ثالث ثلاثة؛ لأنّ الروح مركب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه. روي أنه ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» ﴿فآمنوا با ورسله﴾ أي: عيسى وغيره ولا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض ﴿ولا تقولوا﴾ كما قالت النصارى: الآلهة ﴿ثلاثة﴾ الله وعيسى وأمه، قال تعالى: ﴿انتهوا﴾ عن ذلك وائتوا ﴿خيراً لكم﴾ من ذلك وهو التوحيد ﴿إنما الله إله واحد﴾ أي: لا تعدّد فيه بوجه مّا ﴿سبحانه﴾ تنزيهاً له ﴿أن﴾ أي: عن أن ﴿يكون له ولد﴾ أي: كما قلتم أيها النصارى، فإنّ ذلك يقتضي

стр. 345

الحاجة ويقتضي التركيب والمجانسة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ خلقاً وملكاً، فلا يتصوّر أن يحتاج إلى شيء منهما، ولا إلى شيء متحيّز فيهما، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزأ منه وولداً له؛ لأنّ المكية تنافي البنوة، وعيسى وأمه كل منهما محتاج إلى ما في الوجود ﴿وكفى با وكيلاً﴾ أي: يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء، فهو غني عن الولد، فإنّ الحاجة إليه ليكون وكيلاً لأبيه، والله قائم بحفظ الأشياء كافٍ في ذلك مستغن عمن يخلفه أو يعينه. روي أنّ وفد نجران قالوا: يا رسول الله لم تعيب صاحبنا؟ قال: «ومن صاحبكم؟» قالوا: عيسى قال: «وأيّ شيء أقول؟» قالوا: تقول إنه عبد الله قال: «إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله» قالوا: بلى، فنزل قوله تعالى: ﴿لن يستنكف﴾» أي: يتكبر ويأنف ﴿المسيح﴾ أي: الذي زعمتم إنه إله ﴿أن﴾ أي: عن أن ﴿يكون عبد الله﴾ فإنّ عبوديته له شرف يتباهى به وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره وقوله تعالى: ﴿ولا الملائكة المقرّبون﴾ أي: عند الله عطف على المسيح أي: ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم إنها آلهة أو بنات الله كما ردّ بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم، فلا حجة فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء كما زعمه بعض المعتزلة قائلاً بأنّ المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه. قال الطيبي: وإنما تنهض الحجة على النصارى إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى ودونه خرط القتاد، فكيف والنصارى رفعوا درجة عيسى إلى الإلهية، فظهر أن ذكر الملائكة للاستطراد كما ردّ على النصارى وأنه من باب التتميم لا من باب الترقي اه. أو من باب الترقي في الخلق لا في المخلوق كما قاله البقاعي، قال: لأن الملائكة أعجب خلقاً من عيسى في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى، ولا ما يجانس عضو البشر فكانوا لذلك أعجب خلقاً من آدم ﵊ أيضاً أو في القوّة؛ لأنهم أقوى من عيسى؛ لأنهم يقتلعون الجبال ويأتون بالمياه العظيمة والعبادات الدائمة المستمرّة ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر﴾ أي: يطلب الكبر عن ذلك قال الراغب: الاستنكاف تكبر في أنفة والاستكبار بخلافه ﴿فسيحشرهم﴾ أي: المستكبرين وغيرهم ﴿إليه جميعاً﴾ في الآخرة بوعد لا يخلف فيجازيهم. ﴿فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تصديقاً لإقرارهم بالإيمان ﴿فيوفيهم أجورهم﴾ أي: ثواب أعمالهم ﴿ويزيدهم من فضله﴾ أي: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿وأما الذين استنكفوا واستكبروا﴾ عن عبادته ﴿فيعذبهم عذاباً أليماً﴾ أي: مؤلماً هو عذاب النار بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر ﴿ولا يجدون لهم﴾ أي: حالاً ولا مآلاً ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿ولياً﴾ يدفعه عنهم ﴿ولا نصيراً﴾ يمنعهم منه. ﴿يأيها الناس﴾ أي: كافة أهل الكتاب وغيرهم ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ أي: حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام وهو رسول الله ﷺ بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها ﴿وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً﴾ أي: واضحاً في نفسه موضحاً لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه، فلم يبق لكم عذر ولا علة، وقيل: المراد بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن. ﴿فأما الذين آمنوا با واعتصموا به فسيدخلهم﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿في رحمة

стр. 346

منه﴾ أي: ثواب عظيم هو رحمته لهم لا بشيء استوجبوه ﴿وفضل﴾ أي: إحسان زائد عليه ﴿ويهديهم﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿إليه صراطاً مستقيماً﴾ أي: طريقاً مستقيماً وهو الإسلام والطاعة في الدنيا والجنة في الآخرة. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاوَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ﴾ ﴿يستفتونك﴾ أي: في الكلالة حذف لدلالة الجواب عليه. روي أن جابر بن عبد الله قال: «عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت وقلت: يا رسول الله لمن الميراث وإنما يرثني كلالة» فنزل: ﴿يستفتونك﴾ ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقد تقدّم معنى الكلالة وحكم الآية في أوّل السورة وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب، وقوله تعالى: ﴿إنّ امرؤ﴾ هو مرفوع بفعل يفسره ﴿هلك﴾ أي: مات ﴿ليس له ولد﴾ أي: ولا والد وهو الكلالة، قال الأصبهاني عن الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في الكلالة فقال أبو بكر: هو ما عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا الوالد والولد ثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر وقوله تعالى: ﴿وله أخت﴾ يحتمل الحال والعطف والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة والذي لأم لا يكون عصبة والولد يشمل الذكر والأنثى فإنّ الأخت وإن ورثت مع البنت قد لا ترث النصف وذلك عند تعدد البنت ﴿فلها نصف ما ترك وهو﴾ أي: هذا الأخ للميت ﴿يرثها﴾ أي: إن ماتت هي وبقي هو جميع مالها ﴿إن لم يكن لها ولد﴾ فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من الأم ففرضه السدس كما مرّ أوّل السورة ﴿فإن كانتا﴾ أي: الأختان ﴿اثنتين﴾ أي: فصاعداً لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ أي: الأخ ﴿وإن كانوا﴾ أي: الورثة ﴿إخوة رجالاً ونساءً فللذكر﴾ منهم ﴿مثل حظ الأنثيين يبيّن الله لكم﴾ أي: ولم يكلكم في بيانه إلى بيان غيره، وقال مرغباً مرهباً ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تضلوا﴾ وقيل: لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين، وقيل: يبيّن الله لكم ضلالكم أي: الذي من شأنكم أي: إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات ومنه الميراث.

стр. 347

سورة المائدة مدنية مائة وعشرون آية أو اثنتان أو ثلاث وكلماتها ألفان وثمانمائة وأربع كلمات وحروفها أحد عشر ألفاً وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي له الأمر كله فلا يسئل عما يفعل ﴿الرحمن﴾ الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل ﴿الرحيم﴾ الذي خص خلص عباده بتوفيقه وأتم نعمته عليهم وأكمل. ﴿يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ أي: التي عقدها الله تعالى على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه قول الحطيئة: *قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدّوا العِناجَ وشدوا فوقه الكرَبَا* والعناج حبل يشدّ في أسفل الدلو ثم يشدّ إلى العراقي ليكون عوناً له، والكرب الحبل الذي يشدّ في وسط العراقي والعرقوتان الخشبتان المعترضتان على الدلو كالصليب وقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ تفصيل للعقود لأنّ العقود مجملة فهو شامل لجميع العقود لأنّ ذلك أمهات التكاليف وجميع ما في هذه السورة من الأحكام تفصيل لذلك. فائدة: روي عن ابن مسعود قال: أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكماً لم ينزلها في غيرها قوله تعالى: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾ ﴿وما عملتم من الجوارح مكلبين﴾ ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وتمام الطهر في قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ﴿والسارق والسارقة﴾ ﴿ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الآية ﴿وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ وقوله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ وزيد عليها تاسع عشر وهو قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾ ليس للآذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة وأما في سورة الجمعة فهو مخصوص بالجمعة وهو في هذه السورة عام في جميع الصلوات والبهيمة كل حيّ لا يميز أي: من شأنه أنه لا يميز فلا يدخل في ذلك المجنون ونحوه، والأنعام: الإبل والبقر والغنم وهي الأزواج الثمانية وألحق بها الظباء وبقر الوحش. تنبيه: إضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان كقولك: ثوب خز ومعناه البهيمة من الأنعام. فإن قيل: لم أفرد البهيمة وجمع الأنعام؟ أجيب: بإرادة الجنس وقوله تعالى: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ أي: تحريمه في قوله تعالى: ﴿حرّمت عليكم الميتة﴾ الآية استثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم عرض من الموت ونحوه وقوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد﴾ حال من ضمير لكم وقوله تعالى: ﴿وأنتم حرم﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير

стр. 348

في محل جمع حرام وهو المحرم ﴿إنّ الله يحكم ما يريد﴾ من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق لا يجب عليه مراعاة مصلحة ولا حكمة كما تقوله المعتزلة، فلا يسئل عن تخصيص ولا تفصيل فما فهمتم حكمته فذاك ومالا فكلوه إليه وارغبوا في أن يلهمكم حكمته. ﴿يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ جمع شعيرة: وهي اسم ما أشعر أي: جعل شعاراً وعلماً للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج، يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر، وقيل: معالم دينه، وقيل: فرائضه التي حدّها لعباده ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿الشهر الحرام﴾ أي: بالقتال فيه قال تعالى: ﴿إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ (التوبة، ٣٦) وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فيجوز أن يكون ذلك إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس لأنّ الأشهر كلها في الحرمة سواء، ولكن قال الزمخشريّ: والشهر الحرام شهر الحج ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿الهدى﴾ أي: بالتعرّض له وهو ما أهدى إلى الحرم من النعم ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿القلائد﴾ أي: صاحب القلائد من الهدى، وعبر بها مبالغة في تحريمها أو القلائد أنفسها، والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرّض للهدى، والقلائد جمع قلادة وهي ما قلّد به الهدى من نعل أو غيره ليعلم به أنه هدى فلا يتعرّض له ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿آمّين﴾ أي: قاصدين ﴿البيت الحرام﴾ لزيارته أي: بأن تقاتلوهم. ﴿يبتغون فضلاً من ربهم﴾ وهو الثواب ﴿ورضواناً﴾ أي: وأن يرضى عنهم والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين، أي: لا تتعرضوا لقومٍ هذه صفتهم تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرّض لمثلهم، وقيل: معناه يبتغون من الله رزقاً بالتجارة ورضواناً بزعمهم لأنهم كانوا يظنون ذلك فوصفوا به بناء على ظنهم ولأنّ الكافر لا نصيب له في الرضوان كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان، ٤٩) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً فنهى الله تعالى المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ فعلى الأوّل الآية محكمة قال الحسن: ليس في المائدة منسوخ، وعلى الثاني قال البيضاوي: فالآية منسوخة أي: لما فيها من حرمة القتال في الشهر الحرام، ومن حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام والأوّل منسوخ بقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (التوبة، ٥) والثاني بقوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (التوبة، ٢٨) فقوله: منسوخ منزل على هذا، لكن إذا قلنا بشمول آمين للمسلمين والمشركين إنما يكون النسخ في حق المشركين خاصة وهو في الحقيقة تخصيص لا نسخ ففي تسميته نسخاً تسمح، وقرأ شعبة بضم الراء والباقون بالكسر. ﴿وإذا حللتم﴾ أي: من الإحرام وقوله تعالى: ﴿فاصطادوا﴾ أمر إباحة أباح لهم الاصطياد بعد حظره عليهم كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا كما في قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (الجمعة، ١٠) ﴿ولا يجرمنكم﴾ أي: يحملنَّكم أو يكسبنَّكم ﴿شنآن قوم﴾ أي: شدّة بغضهم، وقرأ ابن عامر وشعبة بسكون النون بعد الشين والباقون بنصبها وقوله تعالى: ﴿أن صدّوكم﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن الشرطية والباقون بفتحها أي: لأجل أن صدوكم في عام الحديبية أو غيره

стр. 349

﴿عن المسجد الحرام﴾ وقوله تعالى: ﴿أن تعتدوا﴾ أي: يشتد عدْوُكم عليهم بأن تنتقموا منهم بالقتل وغيره، ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يتعدّى إلى واحد وإلى اثنين ككسب ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ أي: بفعل ما أمرتم به ﴿ولا تعاونوا﴾ فيه حذف إحدى التاءين في الأصل ﴿على الإثم﴾ أي: المعاصي للتشفي ﴿والعدوان﴾ أي: التعدي في حدود الله للانتقام ﴿واتقوا الله﴾ أي: خافوا عقابه بأن تطيعوه ﴿إنّ الله شديد العقاب﴾ لمن خالفه فانتقامه أشد. وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ أي: أكلها بيان ما يتلى عليكم والميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة شرعية ﴿والدم﴾ أي: المسفوح قال تعالى: ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها ﴿ولحم الخنزير﴾ قال العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المتغذي ولا بد أن يحصل للمتغذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المنهيات فحرّم أكله على الإنسان لئلا يتكيّف بتلك الكيفية، ولذلك إن الفرنج لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المنهيات، وأورثهم عدم الغيرة فإنّ الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو على الأنثى التي له ولا يتعرّض له لعدم الغيرة. ﴿وما أهل لغير الله به﴾ أي: رفع الصوت به لغير الله بأن ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت ومنه يقال: فلان أهل بالحج إذا لبى وكانوا يقولون عند الذبح: باسم اللات والعزى، قال ابن عادل: وقدم هنا لفظ الجلالة في قوله لغير الله به وأخرت في البقرة لأنها هناك فاصلة أو تشبه الفاصلة بخلافها هنا لأنّ بعدها معطوفات ﴿والمنخنقة﴾ وهي التي ماتت بالخنق سواء أفعل بها ذلك آدميّ أم اتفق لها ذلك ﴿والموقوذة﴾ وهي التي وقذت أي: ضربت حتى ماتت ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات ﴿والمتردّية﴾ أي: الساقطة من علو بان سقطت من جبل أو مشرف أو في بئر فماتت، ولو رمى صيداً في الهواء بسهم فأصابه فسقط على الأرض ومات حلّ لأنّ الوقوع على الأرض من ضرورته وإن سقط على جبل أو شجر ثم تردى منه فمات لم يحل لأنه من المتردية إلا أن يكون السهم ذبحه في الهواء فيحل كيفما وقع لأنّ الذبح قد حصل قبل التردية. تنبيه: دخلت الهاء في هذه الكلمات لأنّ المنخنقة هي الشاة المنخنقة كأنه قيل: حرّمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية وخصَّت الشاة لأنها من أعمّ ما يأكل الناس والكلام يُخرّج على الأعمّ ويكون المراد الكل وأما الهاء في قوله تعالى: ﴿والنطيحة﴾ وهي التي تنطحها أخرى فتموت فِللْنَّقل من الوصفية إلى الاسمية وإلا فكان من حقها أن لا تدخلها تاء التأنيث كقتيل وجريح، وما في قوله تعالى: ﴿وما أكل السبع﴾ بمعنى الذي وعائده محذوف أي: وما أكله السبع ولا بد من حذف، ولهذا قال الزمخشريّ: وما أكل بعضه السبع وهذا يدل على أنّ جوارح الصيد إذا أكلت ما اصطادته لم يحل أكله. وقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ استثناء متصل أي: إلا ما أدركتم ذكاته وصار فيه حياة مستقرة من ذلك فهو حلال، وقيل: الاستثناء مخصوص بما أكل السبع وقيل: الاستثناء منقطع أي: ولكن ما ذكيتم من غيرها فحلال أو فكلوه، وكأنّ هذا القائل رأى أنها وصلت بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالة قريبة منه فلم تفد تذكيتها عنده شيئاً، وقيل: الاستثناء

стр. 350

من التحريم لا من المحرّمات أي: حرّم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال فيكون الاستثناء منقطعاً أيضاً، وأقلّ الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمريء وكمالها أن يقطع الودجين معهما، وهما عرقان في صفحتي العنق ويجوز بكل محدد يجرح من حديد أو قصب أو زجاج أو غيره إلا السن والظفر لقوله ﷺ «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر» . وقوله تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾ في محل رفع عطفاً على الميتة أي: وحرم عليكم ذلك والنصب واحد الأنصاب، وهي حجارة، كانت حول الكعبة يذبح عليها تقرباً إليها وتعظيماً لها، وقيل: هي الأصنام لأنها تنصب لتعبد، وعلى: بمعنى اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأنصاب، وقيل: هو جمع والواحد نصاب ويدل للأوّل قول الأعشى: *وذا النصب المنصوب لا تعبدنه ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا* وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ في محل رفع أيضاً فكان عطفاً على الميتة أي: وحرم عليكم ذلك والأزلام جمع زَلَم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قِدح بكسر القاف صغير وهو سهم لا ريش له ولا نصل، وذلك إنهم كانوا إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والثالث غفل أي: لا سمة عليه فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن خرج الناهي تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أداروها ثانياً، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بالأزلام، وقيل: هو قسمة الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة. وقوله تعالى: ﴿ذلكم فسق﴾ إشارة إلى ما ذكر تحريمه أي: خروج عن الطاعة، وقيل: إشارة إلى الاستقسام وكونه فسقاً؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر بعلمه علام الغيوب، وقد قال تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ (النمل، ٦٥) وضلال باعتقاد إنّ ذلك طريق إليه وقوله: أمرني ربي ونهاني ربي افتراء على الله إن كان أراد بربي الله وما يدريه إنّ الله أمره أو نهاه، فالكهنة والمنجمون بهذه المثابة، وجهالة وشرك إن أراد به الصنم. وقوله تعالى: ﴿اليوم﴾ لم يرد به يوماً بعينه وإنما أراد الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، وقيل: الألف واللام للعهد، قيل: أراد يوم نزولها، وقيل: نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، وقيل: هو يوم دخوله ﷺ مكة سنة تسع، وقيل: ثمان، وقوله تعالى: ﴿يئس الذين كفروا من دينكم﴾ فيه قولان أحدهما: يئسوا من أن يحلوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة، والثاني: يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم فترتدّوا عنه بعد طمعهم في ذلك، لما رأوا من قوته؛ لأنه تعالى كان وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان بقوله تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ (التوبة، ٣٣) فحقق ذلك النصر وأزلل الخوف ﴿فلا تخشوهم﴾ أن يظهروا عليكم ﴿واخشون﴾ أجمع القرّاء السبعة على حذف الياء بعد النون لحذفها في الرسم أي: واخلصوا الخشية لي وحدي فإنّ دينكم قد اكتمل بدره وجل عن انمحاق محله وقدره ورضي به الآمر ومكّنه على رغم أنوف الأعداء وهو قادر وذلك قوله تعالى مسوقاً مساق التعليل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أي: الذي أرسلت به أكمل خلقي محمداً صلى الله عليه وسلم

стр. 351

نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع والنبيّ ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية من كتابكم تقرأونها لو علينا معاشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً قال: أي أية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبيّ ﷺ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، أشار عمر إلى أنّ ذلك اليوم كان عيداً، قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. وروي أنها لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له النبيّ ﷺ «ما يبكيك يا عمر؟» قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا فإذا كمل فلم يكمل شيء إلا نقص قال: «صدقت» ، فكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل وكانت هجرته في الثاني عشر منه، فقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أي: الفرائض والسنن والحدود والجهاد والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض وهذا معنى قول ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وقتادة: اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك، وقيل: أظهرت دينكم وأمتكم من عدوّكم. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ يقتضي أنّ الدّين كان ناقصاً قبل ذلك وذلك يوجب أنّ الدين الذي كان عليه محمد ﷺ أكثر عمره كان ناقصاً، وإنما وجد الدّين الكامل في آخر عمره مدّة قليلة. أجيب: بأنّ الدين لم يكن ناقصاً بل كان أبداً كاملاً وكانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالماً في أوّل وقت المبعث بأنّ ما هو بعد العدم وأمّا في آخر زمان المبعث فأنزل شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة فالشرع أبداً كان كاملاً إلا أنّ الأوّل كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلهذا قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين ورضيت أي: اخترت لكم الإسلام ديناً من بين الأديان، وهو الذي عند الله لا غير قال الله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ (آل عمران، ٨٥) . وقوله تعالى: ﴿فمن اضطرّ﴾ متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو إن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامّة والإسلام المرضي، والمعنى: فمن اضطرّ إلى تناول شيء من هذه المحرمات ﴿في مخمصة﴾ أي: مجاعة ﴿غير متجانف﴾ أي: مائل ﴿لإثم﴾ أي: معصية بأن يأكل ذلك تلذّذاً ومجاوزاً حدّ الرخصة كقوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ (البقرة، ١٧٣) ﴿فإنّ الله غفور﴾ له ما أكل ﴿رحيم﴾ به في إباحته فلا يؤاخذه ومن المائل إلى الإثم قاطع الطريق ونحوه فلا يحل له الأكل مما ذكر قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر

стр. 352

نون فمن اضطرّ في الوصل والباقون بالضم. ﴿يسئلونك﴾ يا محمد ﴿ماذا أحل لهم﴾ من الطعام وإنما أتى بقوله لهم بلفظ الغيبة لتقديم ضمير الغيبة في قوله تعالى: ﴿يسئلونك﴾ ولو قيل في الكلام: ماذا أحلّ لنا لكان جائزاً على حكاية الجملة كقولك: أقسم زيد ليضربن ولأضربن بلفظ الغيبة والتكلم، إلا أنّ ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوه كما أن لأضربن يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها وماذا مبتدأ وأحلّ لهم خبره كقولك: أي شيء أحلّ لكم منها؟ فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿أحلّ لكم الطيبات﴾ أي: ما ليس بخبيث منها وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد ولا مستقذر من ذي الطباع السليمة، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرّمونه على أنفسهم من السائبة وما معها وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم. وقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ معطوف على الطيبات أي: أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف للعلم به والجوارح جمع جارحة من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والباز والشاهين، والهاء للمبالغة سميت؛ بذلك؛ لأنّ الجرح الكسب لأنها تكسب الصيد، ومنه قوله تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ (الأنعام، ٦٠) أي: كسبتم أو لأنها تجرح الصيد غالباً، وقوله تعالى: ﴿مكلبين﴾ حال من ضمير علمتم أي: حال كونكم معلّمين هذه الكواسب الصيد والمكلب المؤدّب الجوارح ومغريها مأخوذ من الكلب بسكون اللام وهو الحيوان النابح؛ لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فأخذ من لفظه لكثرته في جنسه أو لأنّ السبع يسمى كلباً ومنه قوله ﷺ في عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام فغاظ النبيّ ﷺ فقال النبيّ: «اللهمّ سلّط عليه كلباً من كلابك» فأكله الأسد، وقوله تعالى: ﴿تعلمونهنّ﴾ حال ثانية من ضمير علمتم أو استئناف. فإن قيل: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ أجيب: بأنّ فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح فقيهاً عالماً بالشرائط المعتبرة في الشرع لحل الصيد، وفي هذا فائدة جليلة وهي أنّ على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدّهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج في ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل فكم من أخذ من غير متقن قد ضيّع أيامه وعض عند لقاء التحارير أنامله ﴿مما علمكم الله﴾ أي: من علم التكليب لأنه إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. ﴿فكلوا مما أمسكن﴾ أي: الجوارح مستقرّاً إمساكها ﴿عليكم﴾ أي: على تعليمكم وإن قتلته بأن لم تأكل منه بخلاف غير المعلّمة فلا يحل صيدها وشروط التعليم فيها ثلاثة أشياء: إذا أرسلت استرسلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكته ولم تأكل منه، وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين، وإن أكل منه فلا تأكل، منه إنما أمسك على نفسه. وعن علي رضي الله تعالى عنه: إذا أكل البازي فلا تأكل وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء وبعضهم لا يشترط ذلك في سباع الطير؛ لأن تأدبها إلى هذا الحدّ متعذر وقال آخرون: لا يشترط مطلقاً وفي هذا

стр. 353

الحديث إنّ صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح. ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ في هذه الكناية ثلاثة أوجه أحدها: أنها تعود إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل: واذكروا اسم الله عليه على الأكل ويؤيده قوله ﷺ «سمّ الله وكل مما يليك» الثاني: إنها تعود إلى ما علمتم أي: اذكروا اسم الله على الجوارح عند إرسالها على الصيد ويؤيده قوله ﷺ «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه» الثالث: إنها تعود إلى ما أمسكن أي: اذكروا اسم الله تعالى على ما أدركتم ذكاته مما أمسكت عليكم الجوارح ﴿واتقوا الله﴾ أي: في محرماته ﴿إنّ الله سريع الحساب﴾ فيؤاخذكم بما جل ودق، وقوله تعالى: ﴿اليوم﴾ الكلام فيه كالكلام فيما قبله ﴿أحلّ لكم الطيبات﴾ أي: المستلذات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم قبل مبعث محمد ﷺ ﴿حل﴾ أي: حلال ﴿لكم﴾ فأمّا من دخل في دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحتهم، ولو ذبح يهوديّ أو نصرانيّ على اسم غير الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته، وأما المجوس فقد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في تقريرهم بالجزية دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، قال ﷺ «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» رواه الإمام مالك ﴿وطعامكم﴾ إياهم ﴿حل لهم﴾ فلا عليكم أن تطعموهم ولا تبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ أي: الحرائر ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وهم اليهود والنصارى أي: حل لكم أن تنكحوهنّ وإن كنّ حربيات. وقال أبي عباس: لا تحل الحربيات وأما الإماء المسلمات فيحل نكاحهنّ في الجملة بخلاف الإماء الكتابيات فلا يحل نكاحهنّ عندنا ويحل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. ﴿إذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ أي: مهورهنّ فتقييد الحلّ بإتيانها لتأكيد وجوبها والحث على الأولى وإنّ من تزوّج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة الزاني، وورد فيه حديث وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حدّ لأقلّه كما إن أقل الأجر في الإجارة لا يتقدّر ﴿محصنين﴾ أي: قاصدين الإعفاف والعقاب. وقيل: متزوّجين ﴿غير مسافحين﴾ أي: معلنين بالزنا بهنّ ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي: مسرّين بالزنا منهنّ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى قال الشعبي: الزنا ضربان: السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان واتخاذ الخدن وهو الزنا سراً والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ (البقرة، ٢٢١) فبقي على التحريم ما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهنّ من جميع المشركات، حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام، وقرأ الكسائي بكسر صاد المحصنات والباقون بنصبها. وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ اختلف المفسرون في معناه فقال ابن عباس ومجاهد: ومن يكفر بالإيمان أي: بالله الذي يجب الإيمان به وإنما حسن هذا المجاز؛ لأنه يقال: رب الإيمان ورب الشيء على سبيل المجاز، وقال الكلبي: ومن يكفر بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله لأنّ الإيمان من لوازمها وإطلاق الشيء على لازمه مجاز مشهور، وقال قتادة: إنّ ناساً من المسلمين قالوا: كيف

стр. 354

نتزوّج نساءهم مع كونهم على غير ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿ومن يكفر﴾ بما أنزل الله في القرآن فهو كذا وكذا فسمي القرآن إيماناً؛ لأنه مشتمل على بيان كل ما لا بد منه في الإيمان، والمراد من ذلك أن يأتي بشيء يصير به مرتداً ﴿فقد حبط﴾ أي: فسد ﴿عمله﴾ الصالح قبل ذلك إن اتصل ذلك بالموت بدليل قوله تعالى: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فيمت وهو كافر﴾ (البقرة، ٢١٧) أمّا من أسلم قبل الموت فإنّ ثوابه يفسد دون عمله فلا يجب عليه إعادة حج قد فعله ولا صلاة قد صلاها قبل الردّة. ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي: أردتم القيام إليها كقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ با﴾ (النحل، ٩٨) عبرّ عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وظاهر الآية الكريمة يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً، لكن صدّ عنه الإجماع لما روي أنه ﷺ صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال له عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال: «عمداً فعلته» ، فقيل: هو مطلق أريد به التقييد والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وقيل: الأمر فيه للندب وقيل: كان ذلك أوّل الأمر ثم نسخ قال البيضاوي: وهو ضعيف لقوله ﷺ «المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ أي: أمروا الماء عليها، ولا يجب الدّلك خلافاً لمالك رضي الله تعالى عنه ﴿و﴾ اغسلوا ﴿أيديكم إلى المرافق﴾ أي: معها إن وجدت وقدرها إن فقدت، لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله ﷺ «إنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد» إلخ.. وللإجماع أوان إلى في الآية بمعنى مع كما في قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ (آل عمران، ٥٢) ويزدكم قوّة إلى قوّتكم أو يجعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب مجازاً إلى المرفق مع جعل إلى غاية للغسل الداخلة هنا في المغيّا بقرينة الإجماع والاحتياط للعبادة، والمعنى اغسلوا أيديكم من رؤوس الأصابع إلى المرافق، أو تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل إلى غاية للترك المقدّر فتخرج الغاية والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق، والمرافق جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة وهو مفصل ما بين العضد والمعصم ولو قطع بعض ما يجب غسله وجب غسل الباقي؛ لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإن قطع من المرفق فإن سلّ عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد وجب غسل رأس عظم العضد؛ لأنه من المرفق وهو مجموع العظمين والإبرة الداخلة بينهما وإن قطع من فوق المرفق ندب غسل باقي عضده. ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ أي: ببعضها. لما روى مسلم «إنه ﷺ مسح بناصيته وعلى عمامته» واكتفى بمسح البعض لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لأنها دونه والباء إذا دخلت على متعدّد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (الحج، ٢٩) تكون للالصاق. فإن قيل: صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة فهلا أوجبتم التعميم أيضاً؟ أجيب: بأن المسح ثم بدل للضرورة فاعتبر ببدله

стр. 355

ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه. فإن قيل: المسح على الخف بدل فهلا وجب تعميمه كمُبْدَله؟ أجيب: بقيام الإجماع على عدم وجوبه، ولا فرق بين أن يمسح على بشرة الرأس أو شعرها ولو شعرة واحدة في حدّ الرأس؛ لأنّ ذلك يصدق عليها مسمى الرأس عرفاً إذ الرأس اسم لما رأس وعلا وقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي بنصب اللام عطفاً على وجوهكم. وقيل: على أيديكم والباقون بالكسر على الجوار ومنهم من عطف على المجرور على قراءة الجرّ والممسوح ليفيد مسح الخف، وعطف على المنصوب على قراءة النصف على المغسول ليفيد غسل الرجل المتجرّدة منه فيفيد كل من القراءتين غير ما أفادته الأخرى وقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ وهم العظمان الناتئان في كل رجل من جانبين عند مفصل الساق والقدم دل على دخولهما في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه وقد مرّ. تنبيه: الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح فيه دليل على وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه ولو قطع بعض القدم وجب غسل الباقي وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه، وندب غسل الباقي كما مرّ في اليد ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات. ﴿وإن كنتم جنباً﴾ من جماع وغيره ﴿فاطهروا﴾ أي: بالغسل لجميع البدن؛ لأنه أطلق ولم يخص الأعضاء كما في الوضوء ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي: مرضاً يضره الماء ﴿أو على سفر﴾ أي: مسافرين سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ أي: الموضع المطمئن من الأرض الذي يقضي فيه حاجته الإنسان التي لا بد منها سمي باسمه الخارج للمجاورة. قيل: وفي ذلك حكمة وهي شدة عجز الإنسان ليكف عن إعجابه وكبره وترفعه وفخره كما حكي أنّ بعض الأمراء لقي بعض البله فلم يفسح له فغضب وقال: كأنك لم تعرفني فقال: بلى والله إني لأعرفك أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وحقق الباقون الهمزتين معاً. ﴿أو لامستم النساء﴾ بالذكر أو غيره أمنيتم أم لا وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين اللام والميم والباقون بالألف ﴿فلم تجدوا ماء﴾ بعد طلبه لفقده حساً أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره ﴿فتيمّموا﴾ أي: اقصدوا ﴿صعيداً﴾ أي: تراباً ﴿طيباً﴾ أي: طهوراً خالصاً ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ مع المرفقين ﴿منه﴾ بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أنّ المراد استيعاب العضوين بالمسح وتقدّم مثل هذه الآية في النساء في البيضاوي، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم﴾ في الدين ﴿من حرج﴾ أي: ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ من الأحداث والذنوب فإنّ الوضوء يكفر الذنوب ﴿وليُتِمّ نعمته عليكم﴾ ببيان شرائع الدين ﴿لعلكم تشكرون﴾ نعمه فيثيبكم، قال البيضاوي: والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى طهارتان أصل وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود وإنّ آلتيهما مائع وجامد
следующие страницы →