← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

جامع السلطان حسن هو تجاه قلعة الجبل، كان موضعه بيت يلبغا اليحياوى نائب الشام. ابتدأ فى عمارته الملك الناصر حسن سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وأوسع دوره وعمله فى أكبر قالب وأحسن هندام وأضخم شكل، فلا يعرف فى بلاد الإسلام معبد إسلامى يحكيه، أقامت العمارة فيه ثلاث سنين لا تبطل يوما واحدا، وأرصد لمصروفها فى كل يوم عشرون ألف درهم عنها نحو ألف مثقال ذهبا. وأخبر الطواشى مقبل الشامى أنه سمع السلطان يقول: أنصرف على القالب الذى بنى عليه عقد الإيوان الكبير مائة ألف درهم نقرة، وهذا القالب مما رمى على الكيمان بعد فراغ العقد المذكور! قال: وسمعت السلطان يقول: لولا أن يقال إن ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه. وفى هذا الجامع عجائب من البنيان، منها أن ذرع إيوانه الكبير خمسة وستون ذراعا فى مثلها. ويقال: إنه أكبر من إيوان كسرى الذى بالمدائن من العراق بخمسة أذرع. ومنها القبة العظيمة التى لم يبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها، ومنها المنبر الرخام الذى لا نظير له، ومنها البوابة العظيمة، ومنها المدارس الأربعة التى بدور قاعة الجامع، إلى غير ذلك. وكان السلطان قد عزم على أن يبنى أربع منائر يؤذن عليها، فتمت ثلاث منائر، إلى أن كانت سنة اثنتين وستين وسبعمائة فسقطت المنارة التى على الباب فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس، فأبطل السلطان بناء هذه المنارة وبناء نظيرتها، وتأخر هناك منارتان هما قائمتان إلى اليوم. ومات السلطان قبل أن يتم رخام الجامع فأتمه من بعده الطواشى بشير الجمدار، وكان قد جعل عليه السلطان أوقافا عظيمة جدا، فأقطع أكثر البلاد التى وقفت عليه بديار مصر والشام لجماعة من الأمراء وغيرهم، وصار هذا الجامع ضدا لقلعة الجبل، قلما تكون فتنة بين أهل الدولة إلا ويصعد عدة من الأمراء وغيرهم إلى أعلاه ويصير الرمى منه على القلعة، فلم يحتمل ذلك الملك الظاهر برقوق، وأمر فهدمت الدرج التى كان يصعد منها إلى المنارتين، والبيوت التى كان يسكنها الفقهاء ويتوصل من هذه الدرج إلى السطح الذى كان يرمى منه على القلعة، وهدمت البسطة العظيمة والدرج التى كانت بجانبى هذه البسطة التى كانت قدام باب الجامع حتى لا يمكن الصعود إلى سطح الجامع، وسد من وراء الباب

стр. 1087

النحاس الذى لم يعمل فيما عهد باب مثله، وفتح شباك من شبابيك إحدى مدارس الجامع ليتوصل منه إلى داخل الجامع عوضا عن الباب، فصار الأذان على درج الباب. ثم لما شرع السلطان المؤيد شيخ فى عمارة جامعه عند باب زويلة، اشترى الباب النحاس والتنور النحاس الذى كان معلقا هناك بخمسمائة دينار، فركب الباب على البوابة وعلق التنور تجاه المحراب. ثم فى سنة خمس وعشرين وثمانمائة أعيد الأذان فى المئذنتين كما كان، وأعيد بناء الدرج والبسطة، وركب باب بدل الباب الذى أخذه المؤيد. واستمر الأمر على ذلك. انتهى من المقريزى باختصار. وفى كتاب وقفيته المحفوظة فى خزانة الدفاتر المصرية المؤرخة فى رجب الحرام سنة ستين وسبعمائة المحفوظة بالدفترخانة المصرية ما ملخصه: أن هذا الجامع أصله مكان كان بسوق الخيل على يمنة السالك من سويقة العزى طالبا سوق الخيل، وعلى يسرة السالك من سوق الخيل طالبا سويقة العزى. وخلط به قطعة بجواره بها بئر ساقية، ويحيط بذلك المكان وبالقطعة الأرض وبالساقية حدود أربعة، القبلى: إلى الطريق المسلوك إلى سوق الخيل، وفيه شبابيك القبة والمدرستين. والبحرى: إلى اسطبل منجك، ويتوصل منه إلى البئر المعروفة بالبغالة. والشرقى: إلى الطريق المسلوك منها إلى سوق الخيل وغير ذلك، وفيه البوابة والسلم والشبابيك. والغربى: إلى الطريق المسلوك منها إلى حدرة البقر، وهو شارع السيوفية وسوق الخيل، وهو المعروف بالرميلة سابقا، ويعرف الآن بميدان محمد على وغير ذلك، وبعضه إلى المجرى التى يصل منها الماء إلى الاصطبل السلطانى. ومن ذلك يظهر أن الحوش المعروف بحوش العبيد، المنتقل من ملك الميرى إلى ملك على أفندى الحكيم فى زمن المرحوم سعيد باشا هو إصطبل/منجك المذكور، وبئر البغالة هى الساقية الغزاوية الموجودة إلى الآن، بناؤها من أعظم المبانى جميعها بالأحجار الآلة العجالى. وتلك الوقفية مشتملة على جملة وافرة من القرى والبساتين، وأغلبها بأرض الشام وليست خاصة بهذا الجامع، بل هى على جهات كثيرة خيرية مبينة فى الوقفية، فمنها ما هو على الجامع، ومنها ما هو على المدرسة النورية الحنفية التى بأرض الشام، وما هو على مسجد بنى فزارة الذى بقرية داريّا الكبرى بأرض الشام أيضا، وعلى بنى عساكر وبنى عبس، وعلى الملك الأشرف، وعلى مصالح مسجد الشيخ أمين، وعلى مسجد الشيخ بدار الذى بقرية داريّا، وعلى العميان ومسجد الزيتونة ومسجد القدم ومصالح مسجد علون، وعلى مسجد النبى

стр. 1088

حزقيا، وعلى الجامع الأموى ومسجد أبى مسلم الخولانى ومسجد سنان بداريا الكبرى، وعلى كرث، وعلى السقاية ومحراب بنى أمية وزاوية أبى العلاء بالشام، وعلى شمس الدين الحريرى وشمس الدين محمد الجوخى المعروف بالعامل، وعلى خان السبيل. والذى وقفه ببلاد الديار المصرية: جميع أراضى ناحية قها من أعمال القليوبية ثلاثة آلاف فدان ومائتا فدان وجميع أراضى ناحية ديرين من أعمال الغربية ألف فدان وسبعمائة وخمسة وأربعون فدانا بالقصبة السندفائية، وجميع أراضى ناحية بشنشا من أعمال الدقهلية والمرتاحية وهى ثلاثة آلاف فدان ومائتان وخمسة وثلاثون فدانا بالقصبة الحاكمية، وجميع أراضى كفر منية نعيم من كفور بشنشا وهى ثلاثمائة فدان وخمسة وأربعون فدانا وكسور، وجميع أراضى كفر حماقة من كفور بشنشا أيضا وهى أربعمائة فدان واثنان وسبعون فدانا، ورزق إقطاعية من ناحية ديرين، ورزقة إمامية الجامع وهى ثلاثة أفدنة، وجميع الناحية المعروفة ببساط الأخلاق والكفر الذى من حقوقها ويعرف بهيه من أعمال الغربية وهى ألف فدان ومائة وخمسة وخمسون فدانا بالقصبة السندفائية، ونصف أراضى ناحية أرساج من أعمال البحيرة وهى خمسة آلاف فدان وثلاثمائة وستة وثمانون فدانا بالقصبة الحاكمية، وجميع أراضى ناحية منية صرد وبناء الحوانيت الثلاثة وبناء المعمل المرصد بها لتربية الفرّوج وهى بشاطئ الخليج الناصرى وهى أربعمائة وأربعون فدانا بالقصبة الحاكمية، وجميع أراضى منية بنى سلسيل من أعمال الدقهلية وهى مائة فدان وثلاثة وثلاثون فدانا بالقصبة الحاكمية الأشمونية. ثم إنه رتب به الخدم والطلبة والمدرسين، فجعل لكل مذهب من الأربعة شيخا ومائة طالب من كل فرقة خمسة وعشرون متقدمون وثلاثة معيدون، ورتب لكل شيخ ثلاثمائة درهم نقرة فى الشهر، ولكل من المعيدين مائة درهم نقرة، ولطلبة كل مذهب أربعة آلاف درهم ومائتين وخمسين درهما نقرة شهريا، ويزاد لواحد من كل فرقة فوق مرتبه الشهرى عشرون درهما نقرة برسم كونه نقيبا عليهم، ويزاد لآخر عشرة دراهم برسم كونه داعيا للواقف عقب القراءة، ورتب مدرسا لكتاب الله تعالى-أى تفسيره-يصرف له فى الشهر ثلاثمائة درهم، ورتب معه ثلاثين طالبا يصرف لكل منهم عشرة دراهم نقرة، ويصرف لواحد منهم زيادة عن معلومه عشرة دراهم برسم كاتب الغيبة، ولآخر يصرف له عشرة دراهم ليكون داعيا، ورتب مدرسا للحديث النبوى ورتب له ثلاثمائة درهم أيضا، ورتب له مقرئا يكون أهلا لقراءة الحديث الشريف وثلاثين طالبا يحضرون كل يوم،

стр. 1089

ويصرف للمقرئ أربعون درهما كل شهر، ولكل من الطلبة عشرة دراهم، ولأحدهم عشرة دراهم ليكون نقيبا، ولآخر عشرة ليكون داعيا. ورتب لقاضى القضاة تاج الدين أبى نصر عبد الوهاب بن قاضى القضاة تقى الدين أبى الحسن على بن قاضى القضاة زين الدين أبى على عبد الكافى الأنصارى الخزرجى السبكى الشافعى الحاكم بدمشق المحروسة مدة حياته فى كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة، ثم من بعد وفاته تكون لقاضى القضاة الشافعى بالشام، وهكذا ينتقل ذلك من قاض إلى قاض على الاستمرار. ورتب بالإيوان القبلى من الجامع ميعادا، ورتب له شيخا متصدرا عالما مفتيا مشهورا بالديانة، ورتب معه مقرئا أهلا للقراءة، على أن الشيخ والمقرئ يحضران به أربعة أيام من كل أسبوع-منها يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة-فيقرأ المقرئ ما تيسر من القرآن وما تيسر من الحديث النبوى الشريف والآثار، ويصرف للشيخ فى كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة، وللمقرئ أربعون درهما. ورتب مادحا يمدح رسول الله ﷺ بالمسجد بعد الفراغ من القراءة، ثم يدعو لمولانا السلطان الواقف ولوالديه ولذريته ولجميع المسلمين، وله فى الشهر أربعون درهما، ورتب مصدّرا حافظا لكتاب الله تعالى عالما بالقرآت السبع، على أنه يجلس كل يوم ما/بين صلاة الصبح والزوال بالإيوان القبلى وله فى الشهر مائة وخمسون درهما، ومصدّرا حافظا لكتاب الله تعالى أهلا لتلقين القرآن العظيم بالإيوان القبلى أيضا، يلقن من يحضر عنده لتلقين القرآن وله فى الشهر مائة وخمسون درهما، ورتب إماما بالإيوان الكبير وله فى الشهر مائة درهم. وأربعة أئمة حافظين لكتاب الله تعالى بالمدارس الأربعة التى بالمسجد، لكل منهم فى الشهر ستون درهما نقرة، وفى شهر رمضان يزاد لكل منهم أربعون درهما. ورتب مؤقتين عالمين بالمواقيت، واثنين وثلاثين رجلا مؤذنين أصحاب أصوات حسنة مرتفعة، ولكل ميقاتى خمسون درهما شهريا ولكل منهما فى رمضان زيادة ستة عشر درهما، وللمؤذنين فى كل شهر ألف درهم ولكل واحد منهم فى رمضان عشرة دراهم. ورتب ستين من القراء يتناوبون القراءة بالقبة ليلا ونهارا، ولكل واحد من الذين يقرؤون نهارا فى كل شهر خمسة وثلاثون درهما، ومن الذين يقرؤون ليلا خمسة وأربعون درهما، وجعل عليهم لضبط غيبتهم نقيبا بالليل ونقيبا بالنهار لكل منهما فى الشهر أربعون درهما. ورتب اثنين يقرآن القرآن بالمصحف فى الإيوان القبلى ولكل منهما فى الشهر خمسون درهما، ورجلا يحمل المصحف الشريف من مكانه ويضعه على الكرسى للقراءة فى كل يوم بعد صلاة الصبح وقبل صلاة الجمعة، ويعيده إلى موضعه بعد فراغ القراءة وله فى الشهر ثلاثون درهما، وخازنا لكتب الوقف ويصرف له فى كل شهر مائة درهم نقرة. وعشرة لخدمة القبة وحفظها

стр. 1090

من أهل الفساد ولهم فى كل شهر ألف وخمسمائة درهم. ورجلين لخدمة المزملة وحفظ أوانيها وتنظيفها وملء الكيزان وسقى من يرد إليها ولهما فى كل شهر مائتا درهم نقرة، وعشرين فراشا كل عشرة فى يوم، اثنين للقبة وثلاثة للجامع، ولكل مدرسة من الأربعة واحدا والعاشر رئيس عليهم، وجعل للرئيس كل شهر خمسين درهما، ولكل واحد منهم أربعين، ورتب ستة بوابين للحفظ وغلق الأبواب وفتحها وجعل لهم كل شهر مائتين وأربعين درهما نقرة، وجعل فيه مكتبين بمؤدبين وعريفين، ومائة يتيم يتعلمون القرآن والخط، ولكل مؤدب ستون درهما شهريا، ولكل عريف أربعون درهما، وللأيتام فى نفقتهم وكسوتهم ثلاثة آلاف درهم نقرة، وإذا أتم اليتيم القرآن حفظا يعطى خمسين درهما نقرة، ويعطى مؤدبه خمسين أيضا، ويشترى ما يلزم للأطفال من الحصر والألواح والمداد والمحابر والأقلام، مع نقل ما يلزم من الماء لشربهم وغسل ألواحهم، وشرط أن من بلغ من الأيتام يستبدل بغيره. ورتب حكيمين مسلمين أحدهما خبير بمعالجة الأبدان والآخر عارف بصناعة الكحل، يحضر كل منهما كل يوم بالمسجد ليداوى من يحتاج من أرباب الوظائف والطلبة وغيرهم، ويصرف لهما فى كل شهر مائة وعشرون درهما نقرة، ورتب معهما جراحا له فى الشهر أربعون درهما، ويصرف لناظر الوقف فى كل شهر ألف درهم نقرة، ولمن يتولى استيفاء حساب لأوقاف فى الشهر أربعمائة درهم، ولشاهدين يضبطان ما يحضر من ريع الوقف ثلاثمائة درهم نقرة فى الشهر، ورتب عاملا برسم كتابة الحساب له كل شهر مائة وخمسون درهما نقرة، ورتب شادّا لتحصيل مصالحه واستخراج ما يحتاج استخراجه وله فى الشهر مائتا درهم، ولأمين يتولى حفظ المرتب وتفرقته فى كل شهر مائة درهم، ورتب صيرفيا وجعل له فى كل شهر مائة درهم بشرط أن يكون مسلما دينا، ورتب سطوحيا لحفظ الأسطحة وله فى الشهر أربعون درهما، ورتب ثمانية لكنس المراحيض والطرق والرحاب والرش أمام الجامع، وشخصين لكنس محل الطهارة وتنظيفه بنحو الغسل ولكل واحد شهريا أربعون درهما، ويصرف برسم سقاية المزملة والسبيل والمكتب ما يحتاج إليه أرباب الوظائف، وبرسم نقل الماء العذب وثمن السفنج وغيره ما يحتاج إليه بحسب اللزوم، ويشترى أربع موكبيات من الشمع الأبيض المشغول على القطن المفتول كل موكبية عشرة أرطال مصرية اثنان لمحراب القبلة واثنان لمحراب الإيوان الكبير القبلى، توقد وقت صلاة العشاء والصبح وعند صلاة التراويح فى رمضان، وما يفضل يباع ويرد ثمنه للريع، ويصرف كل ما يحتاج اليه الجامع من لوازم الساقية وفرش المسجد بالحصر والبسط والقناديل والسلاسل والأسطال والسفنج والمكانس وزيت الوقود ونحوه ولوازم ليلة نصف شعبان وختم رمضان، وفى كل ليلة جمعة يصرف خمسة قناطير بالمصرى

стр. 1091

من اللحم الضانى، وثمن عشرين قنطارا من الخبز والقرصة غير الأرز والعسل والحبوب وحب الرمان والأدهان والحطب وأجرة من يتولى طبخ ذلك وغرفه، وبعد الطبخ يصرف نصفه لأرباب الوظائف بجهات المسجد، ونصفه يفرق على الفقراء والمساكين، وفى أول كل سنه يشترى/ما يكفى السنة من زيت الزيتون أو ما يقوم مقامه بالسعر الحاضر ويجعل فى مخزنه تحت يد الأمين المرتب لذلك. ويصرف أيضا كل سنة قيمة ثلاثة وعشرين قنطارا بالمصرى وأربعة وستين رطلا سكرا أبيض نقيا، يفرق فى رمضان على أرباب الوظائف بالمسجد بحسب الموضح فى الوقفية من التفاوت بينهم. وكل سنة فى يوم عاشوراء يصرف برسم الصدقة قيمة أربعين قنطارا من خبز البر، وعشرة قناطير من لحم الضأن، وأردبين من الحبوب التى تعمل فى عاشوراء وأربعة قناطير من العسل، وعشرين رطلا من الشيرج، وقيمة الأبازير والحطب وأجرة الطبخ وتفرقته، وبعد طبخه يفرق نصفه على أرباب الوظائف وطلبة العلم ونصفه على الفقراء والمساكين. ويصرف كل سنة قيمة ألف قميص، وألف طقية، وألف مداس، تفرق على الطلبة وأرباب الوظائف والفقراء. وفى كل يوم من رمضان يصرف ثمن عشرة قناطير من لحم الضأن، وأربعين قنطارا من خبز القرصة، غير ثمن الأرز وحب الرمان والعسل والحبوب والأبزار وأجرة الطبخ، ويقسم ذلك نصفين أيضا، وفى عيد الأضحى يصرف قيمة رأسين من الإبل، وعشرين رأسا من البقر، وعشرة رؤوس من الضأن تذبح وتقسم نصفين على ما مر. وإذا فضل من ريع الوقف شئ بعد المصاريف المعينة يبقى تحت يد الناظر فى خزانة المال فى المسجد، إلى أن يجتمع مائة ألف درهم نقرة ترصد ذخيرة على الدوام لمصالح الوقف، فإذا زاد الريع عن ذلك يشترى بالزائد أراض وضياع بالديار المصرية والبلاد الشامية وتوقف، على أنه إذا كان الوقف مستوفيا لجميع لوازمه غير محتاج لذلك الوقف الجديد من الأراضى والضياع، فإن إيرادها يصرف فى مصالح الوقف القديم، فإذا استغنى عنه صرف فى وجوه البر من خلاص المسجونين، ووفاء دين المدينين، وفك أسر المأسورين، وإعانة فى تأدية فرض الحج، وتجهيز فقراء أموات المسلمين ومداواة المرضى، وإطعام الطعام،

стр. 1092

وتسبيل الماء العذب، والصدقة على الفقراء والمساكين وأرباب العاهات وذوى الحاجات من أرباب البيوت وأبناء السبيل، على ما يراه الناظر من صرفه نقدا أو كسوة أو طعاما أو غير ذلك. وشرط النظر لنفسه مدة حياته، ومن بعده يكون للأرشد فالأرشد من أولاده الذكور دون الإناث، ثم لأولاد أولاده ونسله وعقبه الذكور من أولاد الظهر وأولاد البطن، فإن استووا قدم الأسن، فإن استووا اشتركوا فى النظر، فإن تعذر نظرهم كان النظر للأرشد فالأرشد من عتقاء الواقف الفحول دون الإناث، ولا يستقل الأرشد من العتقاء بالتصرف فى ذلك إلا إذا كانت رتبته فوق رتبة أمير حاجب السلطنة المعظم، فإن كانت رتبته دون ذلك فلا ينظر إلا بمشاركة أمير حاجب، فإن تعذر نظر الأرشد من العتقاء كان النظر لأمير حاجب، فإن تعذر كان النظر لرأس نوبة الأمراء الجمدارية، فإن تعذر كان النظر لسلطان الديار المصرية انتهى. وذكر الجبرتى فى حوادث سنة مائتين وألف: أن سليم أغا مستحفظان ركب إلى هذا الجامع وأحضر معه فعلة وفتح بابه المسدود-وهو الباب الكبير الكائن بناحية سوق السلاح- وهدم الدكاكين التى حدثت بأسفله والبناء الذى بصدر الباب، وكانت مدة سده إحدى وخمسين سنة وسببها المقتلة التى قتل فيها الأحد عشر أميرا ببيت محمد بيك الدفتردار فى سنة تسع وأربعين، وسبب فتحه أن بعض أهل الخطة تذاكر مع سليم أغا المذكور فى شأن ذلك، وأعلمه بحصول المشقة على المصلين فى الدخول إليه من باب الرميلة، وربما فاتهم حضور الجماعة فى مسافة الذهاب، وأن الأسباب التى سد الباب من أجلها قد زالت ونسيت، فاستأذن سليم أغا إبراهيم بيك ومراد بيك فى فتحه فأذنا له، وصنع له بابا جديدا عظيما وبنى له سلالم ومصاطب، وأحضر نظاره وأمرهم بالصرف عليه، ويأتى هو فى كل يوم يباشر العمل بنفسه، وعمر ماتشعث منه ونظف حيطانه ورخامه فظهر بعد الخفاء، وازدحم الناس للصلاة فيه وأتوا إليه من الأماكن البعيدة انتهى. وقد ذهبت إيرادات هذا الجامع ومرتباته حتى صار إيراده فى سنة تسعين ومائتين وألف-بعد إحالته على ديوان الأوقاف-يبلغ خمسة عشر ألف قرش ومائة وخمسة وسبعين قرشا، منها بالروزنامجة اثنا عشر ألف قرش وتسعمائة وأربعة وثمانون قرشا، وأجرة عقارات ألفان ومائة وتسعون قرشا يصرف منها فى المرتبات نحو أربعة آلاف قرش وخمسمائة، والباقى للعمارات.

стр. 1093

ثم إن طول هذا الجامع على محوره الأكبر مائة وخمسون مترا، وارتفاع مئذنته الكبرى ثمانون مترا، وجميعه مركب على عقود من الحجر الصلب مع الإحكام، وأرضه فوق تلك العقود، وجميع لواوينه معقودة بالحجر الآلة مع غاية الارتفاع والاتساع، تشهد بلسان حالها للمهندسين بالمهارة. ومما يتعجب منه مدخله وعقد أحجار بابه، فإن الناظر لا يسأم من النظر فى تركيبها وتناسبها/وارتباط بعضها ببعض، وهو إلى الآن مقام بعض الشعائر وفى غاية المتانة لم يختل عن أصله، وزاد بهجة بإزالة ما حوله من المبانى القديمة التى كانت محيطة به من كل جهة، وبفتح الشارع الجديد الواصل إليه من جنينة الأزبكية، وبميدان المنشية ذى الأشجار المتناسقة والمياه النابعة المعروف بميدان محمد على، ويزداد بهجة بعمل الميدان المصمم على فتحه فى الجهة الغربية بجواره وبجوار جامع الرفاعى، فإن الجامعين يصيران بذلك مفصولين عما جاورهما من المبانى فيظهر حسنهما للرائى من كل جهة. جامع حسن باشا هذا المسجد بشارع بركة الفيل على يمين الذاهب من الصليبة إلى البركة. مكتوب على بابه البرانى: أنشأ هذا المسجد المبارك من فضل الله أفندينا حسن باشا طاهر والأمير عبدين بيك غفر الله لهما سنة أربع وعشرين ومائتين وألف. وعلى بابه الداخل نقر فى الرخام: كان الفراغ من بنائه ونشوه فى شهر ذى الحجة المبارك من شهور سنة أربع وعشرين ومائتين وألف من الهجرة الشريفة النبوية. وهو مبنى من الحجر، وأعمدته من الرخام، وسقفه خشب بصنعة بلدية، وفيه منبر عظيم ودكة، وله صحن مسقوف بعضه وعليه درابزين من خشب، وأرضه مفروشة بالحجر، وفى وسطه حنفية عليها قبة، وعن شمال الداخل من الباب البرانى قبة بها ضريح مكتوب عليه فى لوح رخام: هذا مقام الأربعين والنازل بجوارهم أفندينا محمد باشا طاهر والأمير يوسف بيك رحمة الله تعالى عليهم أجمعين، وبجوار باب المسجد-فوق السلالم-باب يوصل إلى المنارة والمكتب والسبيل، وهناك جنينة لطيفة تسقى من ساقية المطهرة. وله عقارات بجواره موقوفة عليه وشعائره مقامة من إيرادها بنظام تام، وفيه بسط مفروشة، وهو تحت نظر سليم بيك فوزى بن إسماعيل بيك فوزى.

стр. 1094

مسجد سيدى حسن الأنور هذا المسجد بقرب العيون التى فوقها مجرى الماء السلطانى الواصل إلى القلعة فيما بينها وبين جامع عمرو، وقريب من فم الخليج فى وسط منازل صغيرة مسكونة بالفقراء وقبور كثيرة. وهو مقام الشعائر، وله ميضأة ومرافق وبئر، وكان مهجورا متخربا فجدد وعمر فى سنة ثمانين ومائتين وألف على يد ناظره الشيخ أبى زيد إسماعيل كما هو مرقوم بأعلى بابه الغربى، وبه ضريح والد السيدة نفيسة ﵂ سيدى حسن المذكور، عليه قبة جديدة، وتحت تابوته حجر من الرخام مكتوب فيه اسم سيدى حسن الأنور ﵁، وبجوار هذا الضريح ضريحان: أحدهما لسيدى زيد الأبلج واسمه منقوش على قطعة حجر تحت تابوته، والآخر لسيدى جعفر، وليس له إيراد وإنما يصرف عليه من الأوقاف العمومية، وبجوار ميضأته شجرتان من اللبخ ونخلات. ويقال: إن هذا الجامع فى طرف من محل الجامع الجديد الناصرى الذى قال المقريزى فى خططه أنه بشاطئ النيل من ساحل مصر الحديد، عمره القاضى فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيش باسم الملك الناصر محمد بن قلاوون، وانتهت عمارته سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وأقيمت فيه الجمعة حينئذ. وله أربعة أبواب، وفيه مائة وسبعة وثلاثون عمودا، وذرعه أحد عشر ألف ذراع وخمسمائة ذراع بذراع العمل، وما برح من أحسن المنتزهات إلى أن خرب ما حوله انتهى. ثم زالت آثاره بالكلية، وقيل إنه كان فى محل السبع السواقى ذات البناء الضخم بجوار فم الخليج التى تنقل الماء من النيل إلى مجراة القلعة. ويدل للأول ما اشتهر أن الفرنساوية زمن دخولهم مصر وجدوا هناك كثيرا من العمد الرخام الضخمة وأحجارا ونحو ذلك. وفى خطط المقريزى أن سيدى حسن والد السيدة نفيسة هو الحسن بن زيد بن الحسن بن على ابن أبى طالب، كان له من الأولاد: القاسم، ومحمد، وعلى، وإبراهيم، وزيد، وعبيد الله، ويحيى، وإسماعيل، وإسحاق، وأم كلثوم، ونفيسة. وكان سيدى حسن والى المدينة النبوية من قبل أبى جعفر عبد الله بن محمد المنصور، وكان فاضلا أديبا عالما، وأمه أم ولده توفى أبوه وهو غلام وترك عليه دينا وهو أربعة آلاف دينار؛ فحلف الحسن ولده أن لا يظل رأسه سقف إلا سقف مسجد رسول الله ﷺ أو بيت رجل يكلمه فى حاجة حتى يقضى دين أبيه، فوفاه وقضاه بعد ذلك. ويقال: إنه كان مجاب الدعوة ممدوحا، وإن شخصا وشى به إلى أبى جعفر المنصور أنه يريد الخلافة لنفسه، فإنه كان قد انتهت إليه رياسة

стр. 1095

بنى حسن فأحضره من المدينة وسلبه ماله. ثم ظهر له كذب الناقل عنه فمن عليه ورده إلى المدينة مكرما، فلما قدمها بعث إلى الذى وشى به بهدية ولم يعاتبه على ما كان منه انتهى. وذكر ابن خلكان خلافا فى قبر سيدى حسن هذا، فقيل: إنه بمصر لكنه غير مشهور. وقيل: إنه توفى ببغداد ودفن فى مقبرة الخيزران. والصحيح أنه مات بالحاجر، وكان واليا على المدينة من قبل أبى جعفر/المنصور، وأقام بالولاية خمس سنين ثم غضب عليه فعزله واستصفى كل شئ له وحبسه ببغداد، فلم يزل محبوسا حتى مات المنصور، وولى المهدى فأخرجه من محبسه ورد عليه كل شئ ذهب له. ولم يزل معه، فلما حج المهدى كان فى حملته، فلما انتهى إلى الحاجر مات هناك، وذلك فى سنة ثمان وستين ومائة وهو ابن خمس وثمانين سنة، وصلى عليه على بن المهدى. والحاجر على خمسة أميال من المدينة انتهى. وفى إسعاف الراغبين للشيخ الصبان قال الشعرانى فى مننه: أخبرنى سيدى على الخواص ﵁ أن الإمام الحسن والد السيدة نفيسة فى التربة المشهورة قريبا من جامع القراء، بين مجراة القلعة وجامع عمرو، وقد أشهر هذه التربة وبنى عليها قبة جليلة حضرة عبد الرحمن كتخدا-أحسن الله إليه وأسبل سرادقات لطفه عليه انتهى. جامع سيدنا الحسين ﵁ هذا الجامع فى ثمن الجمالية، بالقاهرة المعزية، قرب جامع الأزهر، فيما بينه وبين قصر الشوك، بجوار خان الخليلى. أنشئ حيث مشهد رأس الإمام الحسين بن على بن أبى طالب ﵁، الذى أنشأه له الفاطميون سنة تسع وأربعين وخمسمائة على يد الصالح طلائع بن رزيك فى خلافة الفائز بنصر الله، وهو جامع كبير شهير عامر، مقام الشعائر من لدن إنشائه إلى اليوم بالأذان والجمعة والجماعات وتلاوة القرآن ودروس العلم الشرعى والزوار والأذكار ليلا ونهارا، لا يدانيه فى ذلك مشهد فى سائر القطر، ولا يزال كذلك إن شاء الله تعالى، فهو الحرم المصرى، والمشهد الحسينى، المنفرد بالمزايا السنية، والأنوار الحسية والمعنوية، ولعظيم وقعه ونفعه، وكثرة احتفاله وجمعه، وتعدد نفحاته، وتزايد بركاته، اعتنى الأكابر والأمراء فى كل عصر بعمارته وزخرفته وتحليته، وإعلاء شأنه وفرشه بالفرش النفيسة، وتنويره بالشموع والزيوت الطيبة فى قناديل البلور ونجفاته، ورتبوا له فوق الكفاية من الأئمة والمؤذنين والمبلغين والبوابين والفراشين والكناسين والوقادين والسقائين ونحو ذلك، وجعلوا للضريح خدمة تخصه، ورتبوا به قراء للقرآن والدلائل والتوسلات،

стр. 1096

ووقفوا عليه أوقافا جمة يبلغ إيرادها الآن نحو ألف جنية فى السنة، ولزيادة المحافظة على نظافته واحترامه ترى على كل باب من أبوابه جمعا من البوابين للغلق والفتح، ولهم رفوف من الخشب أو الجريد يضعون عليها نعال الداخلين، ويمنعون الدخول بأعواد الدخان ونحوها. وآخر من عمّره قبل عمارة الخديو إسماعيل هذه الأمير عبد الرحمن كتخدا فإنه فى سنة خمس وسبعين ومائة وألف أجرى فيه عمارة عظيمة وزاد فى تحسينة ورونقه، وكانت به عمد من الرخام الأبيض، وكان فى جانبه الأيمن إيوان كبير، وعن شمال المحراب ركبة من البناء فيها قبور لبعض الصالحين يعرف بعضهم بالأمين، وهناك قبر الشيخ أحمد الملوانى شيخ السادة المالكية، وكانت حنفيته فى مكانها اليوم، وميضأته أقل من عشر فى عشر، ومرافقه قليلة، وله منارتان، وصهريج فوقه سبيل. وكان المرحوم عباس باشا فى ولايته على ديار مصر قد عزم على توسعته والزيادة فى تحسينه-على عادته من الاعتناء بعمارة مشاهد أهل البيت- فاشترى الأملاك التى بجواره وهدمها وشرع فى البناء فوضع الأساس، ثم اخترمته المنية فبطلت العمارة. وبقيت الأرض براحا إلى أن اشتراها مصطفى بيك العنانى، وعمرها لنفسة رباعا وفنادق للاستغلال ويقال إنه وجد بها كنزا عظيما خلف قبة المشهد الحسينى. ولما أخذ الخديو إسماعيل باشا بزمام ولاية الديار المصرية سنة تسع وسبعين ومائتين وألف أمر بتجديده وتوسعته وتوسعة رحابه وطرقه؛ لما رأى من أهميته وازدحام الناس عليه وضيقه بهم، لأن أرباب مظاهر الدين يسعون من كل فج على العربات والخيل والبغال والحمير حتى تزدحم أبوابه وطرقه، فيضر ذلك بالمارة خصوصا أزمان المواسم، ففتح بجواره شارع السكة الجديدة حتى وصل إلى تلول البرقية، وندبنى لعمل رسم للجامع يكون به وافيا بمقصده الحسن، فبذلت الهمة فى ذلك وامتحنت الجامع وما حوله من الأماكن، وعملت له الرسم اللائق بعظيم شأنه، بحيث لو وضع عليه لكان مبرأ من العيوب، مع الاتساع العظيم داخلا وخارجا، إذ جعلته منفصلا من كل جهة عن المساكن بشوارع وميادين رحيبة وجعلت شكله قائم الزوايا، وجعلت حدّه الأيمن بحذاء جدار القبة الأيسر بالنسبة للمصلى فيها بحيث يكون الجداران واحدا، وحده الأيسر نهاية الحد الأيسر للصحن الذى به الحنفية الآن، ويصير هذا الصحن من ضمن الجامع، وحده الذى به المحراب والمنبر يكون بحذاء جدار القبة الذى به محرابها بحيث يكون الجداران واحدا، والحد الرابع الذى يلى خان الخليلى

стр. 1097

هو الذى له الآن، وجعلت الصحن والحنفية عن يمين الجدار الأيمن للجامع-أعنى فى محل الإيوان القديم بجوار عمارة العنانى-وتكون عن يمين ذلك المطهرة والأخلية/والساقية بحيث يؤخذ لها بعض من عمارة العنانى، فيكون الجامع آمنا من انعكاس روائح الأخلية إليه كما هو الشأن فى وضع الأخلية، وفى هذا الرسم صار الضريح الشريف خارجا عن الجامع فى الزاوية التى عن يمين المحراب، داخلا فى الصحن فى جهته اليسرى، وجعلت للضريح بابا إلى الجامع، وبابا إلى الصحن، وبابا على شارع الباب الأخضر لزيارة نحو النساء، وجعلت سعة الشارع فى غربيه وشرقيه نحو ثلاثين مترا، وفى بحريه نحو أربعين، فلما قدمته له وقع منه موقع الاستحسان ورآه مواففا لمرامه، فأحضر الأمير راتب باشا الكبير ﵀-وهو يومئذ ناظر ديوان الأوقاف المصرية-وأمره بإجراء العمارة على هذا الرسم، والتزم زاده الله توفيقا بما يلزم له من الرخام ونحوه من ماله، ثم شرعوا فى هدمه فهدم جميعه ما عدا القبة والضريح الشريف، وشرعوا فى بنائه وذلك فى الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف. وفى ثمان وعشرين من شهر شعبان سنة تسعين تم جميعه إلا المنارة فتمت سنة خمس وتسعين، لكن لم يجر المرحوم راتب باشا فى وضع هذا الجامع على ما رسمنا زاعما أن هذا الرسم يلزمه خروج بعض الجامع إلى الشارع، مع أنه لا يلزم ذلك عند التأمل فى الرسم، على أنه قد لا يكون مانع شرعا من توسعة الشارع من الجامع، ففى حاشية العلامة ابن عابدين على الدر المختار فى باب الوقف والمعتمد الذى عليه المتون أنه يجوز عند الضرورة، وتسقط حرمة المرور فيه للضرورة، لكن لا يسقط عنه جميع أحكام المسجد، فلا يجوز فيه المرور لجنب وحائض ودواب إلى آخر ما بينه فيه اه ملخصا. لكنه لم ير لتحسين الوضع أهمية ولا قانونا يرجع إليه، بل اتبع آثاره القديمة وأقام جدرانه على أصولها تقريبا، واعتمد على ما يخطر ببال المباشرين والمعمارية مع ما استحسنه من رسمنا، كإزالة بناء القبور التى كانت عن شمال القبلة، وأدخلها فى الجامع واشترى دورا كنا نبهنا عليها فوسع بها الصحن، وبنى الجامع كما ترى غير قائم الزوايا فإن ضلعه الأيمن قصير عن ضلعه الأيسر، وكذا الضلعان الآخران غير متساويين، فأوجب ذلك وضع الأساطين منحرفة، بحيث لو وافقتها صفوف المصلين كما هو العادة لا نحرفوا عن القبلة، ولو سامتوا القبلة كما هو المطلوب لقطعوا صفوف الأساطين، وصار الجامع مع سعته وارتفاعه غير مستوف لحقه من النور والهواء، ولسوء رسم الأبواب والشابيك وعدم أخذها حقها من الارتفاع والاتساع مع قلتها وقلة الملاقف. ومن العجيب أن منحنيات قواصر الأساطين جاءت على شكل مخالف لأشكال المنحنيات الهندسية، إلى غير ذلك من الأسقام.

стр. 1098

ولما تقلدت نظر الأوقاف، وجدت ثلاثة أضلاعه قد تمت وارتفع أساس الرابع ونمت أضلاع الصحن، ووجدت الرأى ضالا عن محل وضع المرافق، والمساكن متصلة به من جهتى القبلة والشمال ليس بينهما إلا ممر ضيق، فأسفت على ما فات هذا الحرم من المحاسن، وأعملت الفكر فى رسم يرجى به إصلاح بعض ما أثأت أيدى الأنظار، واشتريت فى هاتين الجهتين دورا تجعل فى محلها الميضأة والمرافق والطرق والميدان الموجود الآن، وقد تعسر جعل المنافع عن يمين الجامع إذ وجدت العنانى قد بنى ذلك الموضع لنفسه رباعا، ولم يرض بإعطاء شئ منها إلا بأضعاف قيمتها، ثم انفصلت عن الأوقاف فتمموا المنافع على ما هى عليه الآن، ولم يتبعوا فيها أيضا جميع ما رسمته ولا تحروا قانونا حسنا، وكل هذا مع كثرة ما صرف على عمارة هذا الجامع مما لا يدخل تحت الحسبان، فقد صرف عليه من خزينة الأوقاف سبعة آلاف ألف قرش وثمانمائة وستون ألف قرش ومائة واثنان وخمسون قرشا وواحد وعشرون نصفا فضة عملة ديوانية، غير ما تبرع به الخديو إسماعيل من خزينة ماله الخاص به، فقد أرسل إلى دار السلطنة فأحضر جميع عمد الرخام التى به وبالصحن والميضأة وهى تنيف عن ستين عمودا بجلساتها، فلو أنه وضع على قوانين الرسوم الهندسية لجاء فريدا فى محاسن الجوامع والمشاهد: يريد العبد أن يعطى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا ثم إن جميع بناء هذا الجامع بالحجر الفص النحيت، وله إلى جهة خان الخليلى ثلاثة أبواب مبنية بالرخام الأبيض كأعتابها، ويكتنف كل باب عمودان من الرخام، ومثلها الباب الأخضر الذى بجوار القبة عند الباب المعروف بباب المتولى، يقولون: إن القطب يدخل منه كل يوم لزيارة الضريح الشريف. ويدعو الزائرون عنده كثيرا، كما يقولون: إن سيدى أحمد البدوى يأتى للزيارة فيقف عند العمود الذى بجوار المنبر أمام باب القبة، ويسمونه بعمود السيد البدوى ويقبلونه ويدعون عنده ويقرؤون الفاتحة، وله باب إلى عمارة العنانى غير مستعمل، وباب بين الميضأة والساقية غير باب الميضأة، وبالجامع منبر خشب بديع مطلى بالليقة الذهبية، وهو منبر جامع أزبك الذى كان عند العتبة الخضراء/بالأزبكية نقل إليه بعد تخربه، وفى مؤخره دكة تبليغ كبيرة وبداخله أربعة وأربعون عمودا عليها بوائك حاملة للسقف، وهو من الخشب المتقن الصنعة المنقوش باللازورد والليقة الذهبية، وفى وسط السقف ثلاثة مناور مرتفعة البناء مسقوفة كذلك، وبها نحو ثلاثين شباكا صغيرة عليها شبابيك من ألواح الزجاج، وبأربع جدران الجامع والصحن نحو ثلاثين شباكا عليها شبابيك من النحاس المطلى بالليقة الذهبية، يعلوها فى الجهة البحرية شبابيك صغيرة دوائرها من الرخام، وفى الجامع بجدار الضريح

стр. 1099

باب خزانة البسط ونحوها، وصحنه مكشوف الوسط وبدائره أربع بوائك مسقوفة على اثنى عشر عمودا، وميضأته أكثر من عشر فى عشر مسقوفة على أربعة أعمدة من الرخام، ويفصلها من الأخلية طرقة ضيقة، وله أحد وعشرون بيت خلاء ومصنعان للحموم، وساقية قديمة كانوا قد استغنوا عنها بحسب إجراء ماء النيل إلى المطهرة بمواسير من الرصاص واستعمل كذلك نحو ثلاث سنين، ثم رأوا أن ماء النيل يسرع إليه التغير دون ماء الآبار فأصلحوها واستعملوها للميضأة والأخلية، وله منارتان إحداهما بجوار القبة وهى قديمة قصيرة، والأخرى فى مؤخره تجاه خان الخليلى ذات حسن وارتفاع، جددت مع الجامع وتم بناؤها سنة خمس وتسعين ومائتين وألف. وفى وسط الجامع تحت المنور الكبير نجفة كبيرة معلقة بسلسله بالسقف وحولها ثمان نجفات صغار، وأما القبة فباقية على بنائها القديم، وهى كبيرة كروية منقوش باطن أعلاها بالليقة الذهبية، وجدرانها من الحجر الجيد النحيت مكسوة بالرخام الملون إلى أكثر من قامتين، وبها محراب يكتنفه عمودان من حجر السماق، وحلقتان من الحديد تحتهما كرسيان من الرخام الجيد برسم الشمعدانات، وعلى الضريح الشريف مقصورة من النحاس الأصفر الجيد الصنعة بابها منها وفيه حلقتان من النحاس يحركهما بعض الزائرين وينشد هذا البيت: لن يخيب اليوم من رجائك من … حرك من دون بابك الحلقه ويعلوها قبة صغيرة من الخشب، وبجانبها الأيسر دكة خشب برسم الشمعدانات، وعلى القبر الشريف تركيبة عليها تابوت من الآبنوس مكسو بالإستبرق الأحمر المزركش، مخيشا بالأصفر والأخضر ومغطى بكشامير الفرمش، وعليه عمامة من الحرير الأخضر عليها كشمير فرمش أيضا، وبجوانبه أربعة عساكر من الفضة، وبداخل المقصورة شبكة من سلوك الحديد لزيادة الحفظ ولا تفتح إلا لمقتض أكيد كإبذال الكسوة أو تنظيفها، وبدائر المقصورة والقبة ألواح فيها الخطوط المذهبة من الخط الثلث والكوفى، ومنها ما هو لبعض الملوك العثمانية، ولها باب إلى الباب الأخضر، وبابان إلى الجامع على كل منهما ضفتان من الخشب الجيد المصفح بصفائح الفضة المنقوشة، وبكل ضفة حلقة من الفضة، وبأعلى الباب الذى يلى المنبر ما صورته: الشفاء فى تربته، والإجابة تحت قبته، والأئمة فى ذريته أو عترته، وبأعلى الذى يليه ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ وبينهما شباكان كبيران عليهما شاكان من النحاس الأصفر، وعلى الجميع ستائر الجوخ الأخضر، وفوق ذلك ألواح فيها آيات قرآنية وأحاديث نبوية بالخط الثلث المذهب. وللقبة إمام غير إمام الجامع، وخدمة يتعهدونها على الدوام، وهناك صندوق التذور يجلس عنده شيخهم،

стр. 1100

ويعرف بشيخ القبة وشيخ الصندوق وأمينه. فيحفظ ما يضعه به الزائرون من النذور والهدايا والصدقات ليفرق بينهم كل شهر مثلا على حسب ما اصطلحوا عليه من القسمة، وذلك غيرما هو لهم من مرتب الأوقاف، وهكذا سائر الأضرحة الشهيرة كضريح السيدة زينب، والسيدة نفيسة، والإمام الشافعى، وغيرهم ﵃. وحضرة هذا المشهد الشريف كل ليلة ثلاثاء، يجتمع فيها مشاهير القراء من عصر يوم الاثنين إلى الصبح، فيفتتح القراءة شيخهم بالترتيل ثم الذى يليه، وهم يستمعون محافظين على أحكام التجويد إلى آخر القرآن وفى أول الليل يجتمع أهل دلائل الخيرات فيقرؤونها مجتمعين بصوت مرتفع، وفى وقت العشاء تنشد المدائح والتوسلات وكذا بعد الفجر ويختمون بعد طلوع الشمس بالأدعية وإنشاد الموشحات وآخر البردة بالألحان والتطريب حتى تكون لهم ضجة عظيمة تخلط على المصلين والقارئين، وقبل الختم تفرق عليهم الجرايات المرتبة من ديوان الأوقاف وغيره، ويزدحم الزوار تلك الليلة ويومها، ويمتلئ المشهد من النساء قبيل الظهر فلذا تطوى البسط يومئذ. ومولده السنوى فى ربيع الثانى يستغرق أغلب الشهر، ويوقد فى الليلة كثير من القناديل والشموع، ويصرف فى الليلة الواحدة نحو عشرين جنيها فى الشمع والزيت والقهوة والشربات والمآكل فى بعض الليالى، ويعطى المنشدون والقراء وأهل/الدلائل والأشاير والخدمة ونحو ذلك، فأولا يبتدأ بخرينة الوقف فيصرف منها على ثلاث ليال، ثم للخديو إسماعيل باشا ليلة يصرف فيها جميع ما يلزم لها مع التوسعة، ثم لابن أخيه الأمير إبراهيم باشا ليلة كذلك، ثم لغيرهم من أعيان مصر كالسادات الوفائية، والشيخ الجوهرى، ومحمود بيك عبدا لمعطى، والسيد ياسين شيخ سجادة الرفاعية، ثم لبعض أعيان الوجه البحرى كالشيخ أبى حشيش من ناحية مرصفة، والشيخ عبد الرحمن السيسى من ناحية الهياتم بالغربية. فلكل واحد من هؤلاء وغيرهم ليلة يلتزم كفايتها، وبعضهم جعل لها وقفا يصرف عليها كل سنة من ريعه. ومن أول المولد ينعقد مجلس القراء داخل القبة كل ليلة من وقت العصر إلى آخر الليل فيقرؤون كل ليلة ختمة كاملة، ثم ينعقد مجالس أخر من قراء طندتا وغيرهم فى بعض أنحاء الجامع، وقرب آخره تكثر المقارئ ومجالس الأذكار، ويكون أكثر المأكول هناك الفول النابت والخبز، حتى فى آخر ليلة يكون عند كل عمود تقريبا مقرأة فيها سحارات الفول والخبز والمخلل والزيتون ونحو ذلك ومناقد القهوة والشربات، فيتعفش المسجد وتطوى منه الحصر، وفى الليلة الكبيرة تزين الأسواق القريبة منه وتوقد الوقدات الكثيرة

стр. 1101

بالشموع والزيوت على هيئات شتى، ويصل ذلك إلى قرب باب النصر وباب الفتوح وخارج باب زويلة، وتكثر الولائم وختمات القرآن وأنواع السماع فى الدور والخانات والأزقة، ويوسع الناس على عيالهم بأنواع الحلاوة والفواكه، ثم تعمل ليلة داخل الجامع تعرف باليتيمة، تكثر فيها الشربات ونحوها، وربما يعقبها ليال أخر لبعض المحبين. ومن أول المولد تنتصب أنواع الملاعب فى الشارع إلى قرب تلول البرقية، كأرجوز والمنجنيق والطبل والحاوى، إلا أن ذلك قليل بالنسبة لغيره من الموالد لكونه داخل البلد، وأعظم ما يكون الاحتفال بهذا المشهد فى شهر رمضان، فإنه يغص بالناس كل يوم من قبيل العصر إلى الغروب، وكل ليلة من سدس الليل الأخير إلى صلاة الصبح، ففى وقت العصر يكون به حلق العلم والوعظ والقرآن وكثير من الكتب المعرضة للبيع ونحو ذلك، وفى وقت السحر يكون به التهجد وتلاوة القرآن، واستماعه من شيخ من كبار القراء مرتب لقراءة سورة طه على كرسى فى وسط الجامع، وكذا يغص بأهله فى ليلة المعراج، وفى ليلة نصف شعبان، وليلتى العيد ويوم عاشوراء، ويوم المولد النبوى، فينعقد فيه يومئذ مجلس يقرأ فيه مولد النبى ﷺ ويحضره عزيز مصر والعلماء والأكابر، ويبخر الجامع بالعود وماء الورد ونحو ذلك،. وفى شهر شوال تحمل إليه كسوة الكعبة الشريفة بموكب، فتخاط فيه وتحمل منه بموكب، إلى غير ذلك من العوائد الجليلة التى تعمل فيه، ولم يزل هذا المشهد من وقت إنشائه عامرا مبجلا مجللا محتفلا به، ولا يزال كذلك إلى ما شاء الله تعالى، كيف وهو مشهد من لولا جده لم تخلق الدنيا من العدم. وللإمام الحسين ﵁ بمدينة كربلاء مقام جليل، ومشهد جميل. أخبر بعض من رآه من الأعاجم أن قبته مكسوة بصفائح الذهب، ومقصورته من الذهب المكلل بالألماس، وعليها سلسلة من الذهب معلقة بالقبة، بطرفيها قطعة ياقوت مدلاة على التابوت كبيضة النعامة، وحول المقصورة سبعة وعشرون شمعدانا من الذهب مكللة باليواقيت، كل واحد كقامة الإنسان طولا، وله خزانة اجتمع فيها سنة إحدى وستين ومائتين وألف اثنان وثلاثون مليونا من الطمان، والطمان يساوى نصف جنيه إنجليزى، وله جامع بقدر جامع طولون الذى بمصر، فيه جم غفير من طلبة العلم، ولهم مرتبات كافية ويأكلون من المطبخ الحسينى. ثم إن التواريخ مشحونة بذكر سيرة الحسين بن على ﵄ وسبب نقل الرأس

стр. 1102

الشريف إلى القاهرة وكيف كان ذلك، فكل ذلك مشهور غنى عن البيان، لكن حيث كان هذا المشهد القاهرى إنما هو للرأس الشريف منفصلا عن الجثة، ناسب أن نذكر طرفا ملخصا مما ذكروه فى ذلك فنقول: قال المقريزى فى خططه-نقلا عن الفاضل بن ميسر: إن الأفضل بن أمير الجيوش لما ملك القدس دخل عسقلان، وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين بن على بن أبى طالب ﵄، فأخرجه وعطره وحمله فى سفط إلى أجلّ دار بها، وعمر المشهد، فلما تكامل حمل الرأس الشريف على صدره وسعى ماشيا إلى أن أحله فى مقره، وكان ذلك سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وقيل: إن مشهد عسقلان بناه أمير الجيوش وكمله ابنه الأفضل، ثم حمل الرأس الشريف من عسقلان إلى القاهرة، وكان وصوله إليها يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، والذى وصل به من عسقلان الأمير سيف المملكة تميم واليها، والقاضى المؤتمن بن مسكين مشارفها، وحل فى القصر فى العاشر من جمادى المذكورة. ويذكر أن الرأس الشريف لما أخرج من مشهد/عسقلان وجد دمه لم يجف، وله ريح كريح المسك، فقدم به الأستاذ مكنون فى عشارى من عشاريات الخدمة وأنزل إلى الكافورى ثم حمل فى السرداب إلى قصر الزمرد، ثم دفن عند قبة الديلم بباب دهليز الخدمة، وكانوا ينحرون يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم، ويكثرون النوح، ويسبون من قتل الحسين، ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم. وقال ابن عبد الظاهر: إن الصالح طلائع بن رزيك كان قد قصد نقل الرأس الشريف من عسقلان لما خاف عليها من الفرنج، وبنى جامعه خارج باب زويلة ليدفنه به ويفوز بهذا الفخار فغلبه أهل القصر على ذلك وقالوا: لا يكون ذلك إلا عندنا. فبنوا له هذا المكان ونقلوا الرخام إليه، وذلك فى خلافة الفائز على يد الصالح طلائع بن رزيك سنة تسع وأربعين وخمسمائة. ولما ملك السلطان الناصر جعل به حلقة تدريس وفقهاء، وكان يجلس للتدريس عند المحراب الذى خلفه الضريح. فلما وزر معين الدين بن حسين بن شيخ الشيوخ بن حمويه وصار إليه أمر هذا المشهد بعد إخوته، جمع من أوقافه ما بنى به إيوان التدريس وبيوت الفقهاء العلوية خاصة. وفى سنة بضع وأربعين وستمائة فى الأيام الصالحية احترق هذا المشهد، بسبب أن أحد خزان

стр. 1103

الشمع دخل ليأخذ شيئا فسقطت منه شعلة، فوقف الأمير جمال الدين بنفسه حتى طفئ. وفى هذا المعنى: قالوا تعصب للحسين ولم يزل … بالنفس للهول المخوف معرضا حتى انضوى ضوء الحريق وأصبح … المسودّ من تلك المخاوف أبيضا أرضى الإله بما أتى فكأنه … بين الأنام بنعله موسى الرضا قال: ولحفظة الآثار ما إذا طولع وقف منه على المسطور، وعلم منه ما هو غير المشهور، وإنما هذه البركات مشاهدة مرئية، وهى بصحة الدعوى ملية، والعمل بالنية. وقال فى كتاب الدر النظيم فى أوصاف القاضى الفاضل عبد الرحيم: ومن جملة مبانيه الميضأة قريبا من مشهد الإمام الحسين ﵁ بالقاهرة، والمسجد والساقية، ووقف عليها أراضى قريبا من الخندق ظاهر القاهرة، ووقفها دارّ جار. ولما هدم المكان الذى بنى موضعه مئذنته، وجد فيه شئ من الطلسم لا يعلم لأى شئ هو، فيه اسم الظاهر بن الحاكم واسم أمه انتهى-مقريزى. وفى رحلة ابن جبير التى صنفها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة عقيب رحلته الأولى: إن من مشاهد القاهرة المشهد العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن على بن أبى طالب ﵄، وهو فى تابوت فضة مدفون تحت الأرض، قد بنى عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه، ولا يحيط الإدراك به، مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعا أبيض، ومنه ما هو دون ذلك، قد وضع أكثرها فى أتوار فضة خالصة، ومنها مذهبة، وعلقت عليه قناديل فضة، وحف أعلاه كله بأمثال التفاح ذهبا، فى مصنع شبيه الروضة يفيد الأبصار حسنا وجمالا. فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لا يتخيله المتخيلون، ولا يلحق أدنى وصفه الواصفون. والمدخل إلى هذه الروضة على مسجد على مثالها فى التأنق والغرابة، حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة، وعن يمين الروضة وشمالها بنيان على تلك الصفة، وأستار الديباج البديعة الصنعة معلقة على الجميع. ومن أعجب ما شاهدناه فى الدخول إلى هذا المسجد حجر موضوع فى الجدار الذى يستقبله الداخل، شديد السواد والبصيص، يصف الأشخاص كلها كأنه المرآه الهندية الحديثة الصقل. والناس منكبة على استلام هذا القبر الشريف والطواف حوله مزدحمين عليه، داعين باكين متوسلين إلى الله تعالى ببركة التربة المقدسة. وبالجملة، فما أظن فى الوجود كله

стр. 1104

مصنعا أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع منه، قدس الله العضو الكريم الذى فيه بمنه وكرمه انتهى. وفى تاريخ الجبرتى: إن الأمير حسن كتخدا عزبان الجلفى وسع المشهد الحسينى، واشترى عدة أماكن بماله وأضافها إليه ووسعه، وصنع له تابوتا من آبنوس مطعما بالصدف مضببا بالفضة، وجعل عليه سترا من الحرير المزركش بالمخيش، ولما تمموا صناعته وضعه على قفص من جريد وحمله أربعة رجال، على جوانبه أربعة عساكر من الفضة مطليات بالذهب، ومشت أمامه طائفة الرفاعية بطبولهم وأعلامهم، وبين أيديهم المباخر الفضة وبخور العود والعنبر وقماقم ماء الورد يرشون منها على الناس، وساروا بهذه الهيئة حتى وصلوا المشهد ووضع ذلك الستر على المقام. وكان الجلفى إنسانا خيرا له بر ومعروف وصدقات وإحسان، وكان/حسن الاعتقاد. مات سنة أربع وعشرين ومائة وألف انتهى. وفى كتاب إسعاف الراغبين فى أهل البيت الطاهرين، للشيخ محمد الصبان: إن هذا المشهد الحسينى القاهرى جدده الأمير الكبير عبد الرحمن كتخدا سنة خمس وسبعين ومائة وألف، وذكر قبل ذلك أن أصحاب السير والتواريخ اختلفوا فى رأس الحسين فى أى موضع دفن، فقيل: إنه دفن بعسقلان ثم نقله الصالح طلائع وزير الفاطميين إلى مصر، وبنى عليه هذا المشهد وأنفق على نقله مالا جزيلا. ومال قوم-منهم الزبير بن بكار والعلاء الهمدانى-إلى أنه حمل إلى أهله فكفن ودفن بالبقيع عند قبر أمه وأخيه الحسن. وذهبت الإمامية إلى أنه أعيد إلى الجثة ودفن بكربلاء بعد أربعين يوما من المقتل، واعتمد القرطبى الثانى. والذى عليه طائفة من الصوفية أنه بالمشهد القاهرى. وذكر بعض أهل الكشف والشهود أنه دفن مع الجثة بكربلاء ثم ظهر الرأس بعد ذلك بالمشهد القاهرى، لأن حكم الحال فى البرزخ حكم إنسان تدلى فى تيار جارف فيطف بعد ذلك فى مكان آخر، فلما كان الرأس منفصلا طف فى هذا المحل من المشهد. وفى كتاب مشارق الأنوار، فى فوز أهل الاعتبار، للشيخ حسن العدوى الحمزاوى، قال العلامة الأجهورى: الذى تواتر عن أهل الكشف، أن الرأس الشريف فى مشهده القاهرى بلا شك، لوجود هذه الروحانية والأنوار التى تبهر العقول. قال الشيخ عبد الفتاح الشهير بالرسام الشافعى فى رسالة له تسمى نور العين عن النجم الغيطى، عن الشمس اللقانى، عن أبى المواهب التونسى، أن الغوث الجامع يأتى كل يوم ثلاثاء فيزور هذا المشهد.

стр. 1105

وفى مختصر التذكرة للشعرانى، أنه قد ثبت أن طلائع بن رزيك-الذى بنى المشهد الحسينى بالقاهرة-نقل الرأس إلى هذا المشهد، وبذل فى ذلك نحو أربعين ألف دينار، وخرج هو وعسكره فنلقاه من خارج مصر حافيا مكشوف الرأس، وهو فى برنس حرير أخضر فى القبر الذى فى المشهد، على كرسى من خشب الآبنوس، مفروش هناك نحو نصف أردب من الطيب. قال: كما أخبرنى بذلك خادم المشهد. وقول القرطبى «إن دفن الرأس الشريف فى مصر باطل» صحيح فى أيام القرطبى، فإن الرأس إنما نقل إلى مصر بعد موت القرطبى انتهى. قال الحفنى فى رسالته: كان بعض العارفين يهيم فى مقام الحسين وأنشد فقال: منزل كمل الإله سناه … تتوارى البدور عند لقاه خصه ربنا بما شاء فى الأر … ض تعالى من فى السماء إله صانه زانه حماه وقاه … وكساه بمنه ورضاه أن غدا مسكنا لغرة آل ال … بيت من تم قدره وعلاه الإمام الحسين أشرف مولى … أيد الدين سره ووقاه مدحته آى الكتاب وجاءت … سنة الهاشمى طرز حلاه وينبغى زيارة هذا المشهد العظيم؛ فإن صاحبه باب تفريج الكروب، وبه تزول الخطوب، ومن الاستغاثات به ما أنشده سيدى محمد جلبى محشى العزية-الشهير بابن الست-هذه الأبيات: أيحوم حول من التجا لكمو أذى … أو يشتكى ضيما وأنتم سادته حاشا يرد من انتمى لجنابكم … يا آل أحمد أو تسر شوامته لكم السيادة من ألست بربكم … ولكم نطاق العز دارت هالته هل ثم باب للنبى سواكمو … من غيركم من ذا الورى ريحانته تبا لطرف لا يشاهد مشهدا … يحوى الحسين وتستلمه سلامته فالزم رحابا ضم سبط محمد … ما أمه راج وعيقت حاجته انتهى.

стр. 1106

ترجمة سيدنا الحسين ﵁: وقد ذكر العلامة الصبان فى رسالته المذكورة نبذة مما يتعلق بسيدنا الحسين ﵁ فقال: هو أبو عبد الله سبط رسول الله ﷺ وريحانته، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع-على الأصح-وكانت السيدة فاطمة ﵂ علقت به بعد ولادة الحسن بخمسين ليلة، وحنكه ﷺ بريقه، وأذّن فى أذنه، وتفل فى فمه ودعا له، وسماه حسينا يوم السابع وعق عنه. كان شجاعا مقداما من حين كان طفلا، ووردت فى حقه آثار كثيرة/تدل على مزيد فضله، منها قول النبى ﷺ : حسين منى وأنا من حسين، اللهم أحب من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط.*وقوله ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن على.*وقوله ﷺ : اللهم إنى أحبه فأحبه وأحب من يحبه.*وقال أبو هريرة ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يمتص لعاب الحسين كما يمتص الرجل التمرة.*ورأى ابن عمر الحسين مقبلا فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم.*وجاء رجل إلى الحسن يستعين به فوجده معتكفا فى خلوة فاعتذر إليه فذهب إلى الحسين فاستعان به فقضى حاجته، وقال: لقضاء حاجة فى الله أحب إلىّ من اعتكافى شهرا. ومن كلامه ﵁: اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملوا من تلك النعم فتعود نقما، واعلموا أن المعروف يكسب حمدا ويعقب أجرا فلو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه رجلا جميلا يسر الناظرين، ولو رأيتم اللؤم رجلا لرأيتموه رجلا قبيح المنظر تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار.*ومن كلامه ﵁: من جاد ساد، ومن بخل رذل، ومن تعجل لأخيه خيرا وجده إذا قدم على ربه غدا. *والتزم يوما ركن الكعبة وقال: إلهى نعمتنى فلم تجدنى شاكرا، وابتليتنى فلم تجدنى صابرا، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر، ولا أدمت الشدة بترك الصبر، إلهى ما يكون من الكريم إلا الكرم. كانت إقامته ﵁ بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى الكوفة فشهد معه مشاهده وبقى معه إلى أن قتل، ثم مع أخيه إلى أن انفصل فرجع إلى المدينة واستمر بها إلى أن مات معاوية، فأخرج إليه يزيد من يأخذ بيعته فامتنع وخرج إلى مكة، وأتت إليه كتب العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية، فأشار إليه ابن الزبير بالخروج، وابن عباس وابن عمر

стр. 1107

بعدمه، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فأخذ بيعتهم وأرسل إليه يستقدمه، فخرج من مكة قاصدا للعراق ولم يعلم ابن عمر بخروجه، فخرج خلفه فأدركه على ميلين من مكة فقال له: ارجع. فأبى، فقال: إنى محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبى ﷺ فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه، والله لا يليها أحد منكم. فقال: إن معى حملين من كتب أهل العراق ببيعتهم. فقال: ما تصنع بقوم قتلوا أباك وخذلوا أخاك!؟ فأبى إلا المضى، فاعتنقه وبكى وقال: استودعتك الله من قتيل. ثم سافر، فكان ابن عمر يقول: غلبنا الحسين بالخروج، ولعمرى لقد كان فى أبيه وأخيه عبرة. وكلمه فى ذلك أيضا من وجوه الصحابة جابر بن عبد الله، وأبو سعيد، وأبو واقد، وغيرهم فلم يطع أحدا منهم فقال له ابن عباس ﵄: والله إنى لأظنك تقتل بين نسائك وأبنائك وبناتك كما قتل عثمان بن عفان. فلم يقبل، فبكى ابن عباس وقال: أقررت عين ابن الزبير. ثم إن ابن زياد قتل مسلم بن عقيل بأمر يزيد ولم يبلغ الحسين ﵁ ذلك، حتى صار بينه وبين القادسية ثلاثة أميال ولقيه الحر بن يزيد التيمى فقال له: ارجع، فإنى لم أدع لك خلفى خيرا. وأخبره الخبر. ولفى الفرزدق فقال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بنى أمية، والقضاء ينزل من السماء. فهم أن يرجع-وكان معه أخوة مسلم-فقالوا: لا نرجع حتى نصيب بثأره أو نقتل. فساروا، وكان ابن زياد جهز أربعة آلاف، وقيل عشرين ألف مقاتل لملاقاته، فوافوه بكربلاء، فنزل ومعه خمسة وأربعون فارسا ونحو مائة راجل فالتقيا وأرهقه السلاح، وكان أكثر مقاتليه الكاتبين له والمبايعين له، فلما أيقن أنهم قاتلوه قام فى أصحابه خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد نزل من الأمر ما ترون وإن الدنيا تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها وانشمرت حتى لم يبق منها إلا كصبابة الإناء، وإلا خسيس عسيس كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن فى لقاء الله ، وإنى لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا جرما. فقاتلوه حتى قتل ﵁ يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق ما بين الحلة والكوفة، قتله سنان بن أنس النخعى، وقيل غيره، وقتل معه من أهل البيت ثلاثة وعشرون رجلا كما قيل. وفى المقريزى أنه لما أدركته الخيل قام خطيبا فقال: يا أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم، إنى لم آتكم حتى أتتنى كتبكم ورسلكم أن أقدم علينا فليس لنا إمام، لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى. وقد جئتكم، فإن تعطونى ما أطمئن إليه من العهود أقدم مصركم وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمى كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى أقبلت منه. فسكتوا،

стр. 1108

وقد آذن المؤذن لصلاة الظهر فصلى وصلى وراءه الفريقان، ولما دخل وقت العصر صلى بهم، ثم استقبلهم فحمد الله وأثنى عليه/وقال: أيها الناس إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، السائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غير ما أتتنى به كتبكم انصرفت عنكم. فقال الحر بن يزيد الشمسى رئيس العصابة المرسلة للقائة: إنا والله ما ندرى ما هذه الكتب والرسل التى تذكر. فأخرج خرجين من الصحف فنشرها بينهم، فقال الحر: إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد. ثم منع أصحاب الحسين من الركوب، فقال له الحسين: ثكلتك أمك، ما تريد؟ فقال الحر: لو كان غيرك قالها ما تركت ذكر أمه، والله مالى إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه. ثم سار الحسين، فأرسل إليه عمرو ابن سعد بن أبى وقاص خمسمائة فارس فحالوا بين الحسين وبين الماء، وذلك قبل قتله بثلاثة أيام، ونادوا: يا حسين لا ترى من الماء قطرة حتى تموت عطشا. ثم التقى الحسين بعمرو ابن سعد مرارا، فكتب عمرو إلى ابن زياد أن الله قد أطفأ الثائرة وجمع الكلمة، وقد أعطانى الحسين أن يرجع إلى حيث أتى، أو أن تسيره إلى ثغر من الثغور، أو يأتى إلى بيعة أمير المؤمنين. فكتب إليه ابن زياد: إنى لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه أو لتمنيه، فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمى مستسلمين فابعث بهم إلى، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق شاق قاطع ظلوم. فركبوا إليه والتحم القتال واشتد الأمر، وحضر وقت الصلاة فسأل الحسين أن يكفوا حتى يصلى ففعلوا، ثم اقتتلوا حتى قتل الحسين ﵁، وحز رأسه الشريف، وسلب ما كان عليه حتى سراويله، ونهب ثقله ومتاعه وما على النساء، ووجد به ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وأربعون ضربة، وانتدب عشرة فداسوا بخيولهم حتى رضوا صدره وظهره، وقتل معه اثنان وسبعون رجلا، ودفن أهل الغاضرية من بنى أسد الحسين بعد قتله بيوم، ثم طيف بالرأس الشريف بالكوفة على خشبة، ثم أرسل بها إلى يزيد وأرسل بالنساء والصبيان، ومكث الرأس مصلوبا بدمشق ثلاثة أيام ثم أنزل فى خزائن السلاح، حتى ولى الملك سليمان بن عبد الملك فبعث إليه فجئ به وقد محل وبقى عظما أبيض، فجعله فى سفط وطيبه، وجعل عليه ثوبا ودفنه فى مقابر المسلمين. فلما ولى عمر بن عبد العزيز سأل عن موضع الرأس الشريف فنبشوه وأخذه، والله أعلم ما صنع به انتهى.

стр. 1109

قال العلامة الصبان: لما قتل الحسين وحزوا رأسه الشريف وأتوا به إلى ابن زياد، أرسله ومن معه من أهل بيته إلى يزيد، ومنهم على بن الحسين وعمته زينب ﵃، فسر بذلك سرورا كبيرا، وأوقفهم موقف السبى وأهانهم، وصار يضرب الرأس الشريف بقضيب ويقول: لقيت بغيك يا حسين. وبالغ فى الفرح، ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه العالم. وهذه القصة تصديق لقوله ﷺ : إن أهل بيتى سيلقون بعدى من أمتى قتلا وتشديدا، وإن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو مخزوم. وقيل: إن الضارب للرأس الشريف بالقضيب هو ابن زياد، وإنه كان عنده زيد بن أرقم، فقال له: ارفع قضيبك، فو الله لطالما رأيت رسول الله ﷺ يقبل ما بين هاتين الشفتين. وبكى فأغلظ له ابن زياد القول، فأغلظ زيد الجواب، وكان بالمجلس رسول قيصر فقال متعجبا: إن عندنا فى خزانة فى دير حافر حمار عيسى، ونحن نحج إليه كل عام من الأقطار ونعظمه كما تعظمون كعبتكم، أشهد أنكم على باطل انتهى. ويمكن الجمع بوقوع الضرب بالقضيب من كل منهما قبحهما الله تعالى. وكان للحسين يوم قتل ثمان وخمسون سنة، وقضى الله تعالى أن قتل عبيد الله بن زياد وأصحابه يوم عاشوراء سنة سبع وستين، قتله إبراهيم بن الأشتر فى الحرب وبعث برأسه إلى المختار بن أبى عبيد، وبعث به المختار إلى ابن الزبير فبعثه ابن الزبير إلى على بن الحسين، ونصب فى المسجد بدل نصب رأس الحسين. وقد روى أن جبريل أخبر النبى ﷺ بأن الحسين يقتل، وأراه الأرض التى يقتل بها. وفى رواية أنها كربلاء، وفى أخرى أنها أرض الطف، وفى بعض الروايات أنه يقتل بشاطئ الفرات. ولا تعارض بينها لأن الفرات يخرج من آخر حدود الروم ثم يمر بأرض الطف وهى من بلاد كربلاء. ويروى أن قاتل الحسين لما قتله وأتى إلى ابن زياد قال: أوقر ركابى فضة وذهبا … إنى قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا … وخيرهم إذ يذكرون نسبا /فغضب ابن زياد وقال: إذ علمت ذلك فلم قتلته؟ والله لا نلت منى خيرا ولألحقنك به. ثم ضرب عنقه. وورد من طريق أراه عن على ﵁ عن المصطفى ﷺ أنه قال: قاتل الحسين فى تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل الدنيا. وروى: أول من يبدّل

стр. 1110

سنّتى رجل من بنى أمية يقال له يزيد. وروى أيضا: لا يزال أمر أمتى قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بنى أمية يقال له يزيد. وقد أجمعوا على فسقه، وقال الإمام أحمد بكفره، وأجاز قوم من العلماء لعنه بخصوص اسمه، وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز إذ حقيقة اللعن الطرد من رحمة الله، ولا يكون إلا لمن علم موته على الكفر كأبى جهل وأضرابه، وأما لعن من قتل الحسين أو أمر بقتله أو أجازه أو رضى به من غير تسمية فمتفق على جوازه. وعن إبراهيم النخعى أنه قال: لو كنت ممن قاتل الحسين ﵁ ثم أدخلت الجنة لاستحييت أن أنظر إلى وجه المصطفى ﷺ . وعن الزهرى: لم يبق أحد ممن حضر قتل الحسين إلا عوقب فى الدنيا قبل الآخرة، إما بالقتل أو سواد الوجه أو تغير الخلقة أو زوال الملك فى مدة يسيرة. وذكر ابن الأنبارى أن السيدة زينب بنت الإمام على ﵄ لما قتل أخوها الحسين ﵁ أخرجت رأسها من الخاء وأنشدت رافعة صوتها: ماذا تقولون إن قال النبى لكم … ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتى وبأهلى بعد فرقتكم … منهم أسارى ومنهم خضبوا بدم ما كان هذا جزائى إذ نصحت لكم … أن تخلفونى بسوء فى ذوى رحمى ورزق الحسين من الأولاد خمسة وهم: على الأكبر، وعلى الأصغر وله العقب، وجعفر، وفاطمة، وسكينة المدفونة بالمراغة بقرب السيدة نفيسة ﵂، كذا قال المناوى والشعرانى، وزاد الشعرانى أن عليا الأصغر هو زين العابدين. وقال كثيرون: أولاده ستة، وزادوا عبد الله. فأما على الأكبر فقاتل بين يدى أبيه حتى قتل، وأما زين العابدين فكان مريضا بكربلاء، وأما جعفر فمات فى حياة أبيه دارجا، وأما عبد الله فجاءه سهم وهو طفل فقتله بكربلاء، وقيل: كان له من الذكور ستة، ومن الإناث ثلاث، فأما الذكور فعلى الأكبر، وعلى الأوسط وهو زين العابدين، وعلى الأصغر، ومحمد، وعبد الله، وجعفر، ثم ذكر أن المقتول طفلا بكربلاء هو على الأصغر، وأن عبد الله قتل مع أبيه شهيدا. فضائله: وفضائله ﵁ وفضائل أمه وأبيه وأخيه الحسن وأخته وذريته ﵃ أشهر من أن تذكر، والآثار الواردة فيهم لا تحصى ولا تحصر، وقد ورد أن الحسين ﵁ كان أشبه الناس برسول الله ﷺ ، وروى أيضا أن أخاه الحسن

стр. 1111

كان أشبه الناس برسول الله ﷺ ، وجمع بعضهم بين الروايتين بأن الحسن ﵁ أشبه الناس بالنبى ﷺ من جهة أعلاه، والحسين أشبه الناس به ﷺ من جهة أسفله، وهو أول من سمى بالحسين، وكذا أخوه أول من سمى بالحسن، وأما أمهما السيدة فاطمة الزهراء-﵂-فكانت أشبه الناس برسول الله ﷺ فى السمت والهدى-كما فى رواية حسنها الترمذى-ما رأيت أحدا أشبه سمتا ولا هديا ولا حديثا برسول الله ﷺ من فاطمة وفى قيامها وقعودها ﵂. وأخواته ﵁ ثمانية وثلاثون، منهم الذكور عشرون، والإناث ثمانى عشرة على خلاف فى ذلك، منهم أشقاؤه خمسة: الحسن، والمحسّن بضم الميم وفتح الحاء وتشديد السين مكسورة، وزينب، وأم كلثوم، ورقية. والذين أعقبوا من الذكور خمسة: هو، والحسن، ومحمد بن الحنفية، والعباس بن الكابية، وعمرو بن التغلبية. وقد اتخذ الشيعة يوم قتل الحسين ﵁-وهو يوم عاشوراء من كل سنة- محزنة يبكون فيه وينوحون، وينشدون المراثى المهيجة للبكاء ويلزبون خدودهم وصدورهم، ويوجعون أنفسهم ضربا ونحيبا، وذلك فى مصر والقاهرة وهو مستمر إلى اليوم. قال المقريزى فيما كان يعمل يوم عاشوراء: إن خلقا من الشيعة وأشياعهم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة انصرفوا إلى المشهدين-قبر كلثوم وقبر نفيسة-ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين ﵇، وكسروا أوانى السقائين فى الأسواق، وشققوا الروايا، وسبوا من ينفق فى هذا اليوم، ونزلوا حتى بلغوا مسجد الريح وثارت عليهم جماعة فأغلق بعض الحاضرين الدرب ومنع الفريقين ورجع الجميع، فحسن موقع ذلك عند المعز لدين الله، ولولا ذلك لعظمت الفتنة؛ لأن الناس قد غلقوا الدكاكين والدور وعطلوا الأسواق، وكانت مصر لا تخلو منهم فى أيام الإخشيدية والكافورية /فى يوم عاشوراء، وكان كافور يتعصب على الشيعة، وتتعلق السودان فى الطرقات بالناس فمن قال خالى معاوية أكرموه ومن لم يقل ذلك لقى المكروه وفى سنة ست وتسعين وثلاثمائة جرى تعطيل الأسواق وخروج المنشدين إلى جامع القاهرة ونزولهم مجتمعين بالنوح والنشيد، فجمع قاضى القضاة عبد العزيز بن النعمان لمنشدين الذين يتكسبون بالنوح والنشيد وقال لهم: لا تلزموا الناس أخذ شئ منهم إذا وقفتم على حوانيتهم، ولا تؤذوهم ولا تتكسبوا بالنوح والنشيد، ومن أراد ذلك فعليه بالصحراء. وبعد ذلك اجتمع طائفة منهم يوم الجمعة فى الجامع العتيق بعد الصلاة،

стр. 1112

وأنشدوا وخرجوا على الشارع بجمعهم وسبوا السلف، فقبض على رجل ونودى عليه: هذا جزاء من سب عائشة ﵂ وزوجها ﷺ ثم ضرب عنقه. وفى سنة خمس عشرة وخمسمائة يوم عاشوراء عبى السماط المختص بعاشوراء، وهو يعبى فى غير المكان الجارى به العادة فى الأعياد، ولا يعمل مدورة خشب بل سفرة كبيرة من أدم والسماط يعلوها من غير مرافع نحاس، وجميع الزبادى أجبان وسلائط ومخللات، وجميع الخبز من شعير، وخرج الأفضل من باب فرد الكم وجلس على بساط صوف من غير مشورة، واستفتح المقرئون، واستدعى الأشراف على طبقاتهم، وحمل السماط لهم وقد عمل فى الصحن الأول الذى بين يدى الأفضل إلى آخر السماط عدس أسود ثم بعده عدس مصفى إلى آخر السماط، ثم رفع وقدمت صحون كلها عسل نحل. وفى سنة ست عشرة وخمسمائة يوم عاشوراء، جلس الخليفة الآمر بأحكام الله على باب الباذهنج يعنى من القصر، بعد قتل الأفضل وعود الأسمطة إلى القصر على كرسى جريد بغير مخدة، متلثما هو وجميع حاشيته، فسلم عليه الوزير المأمون وجميع الأمراء الكبار والصغار بالقراميز، وأذن للقاضى والداعى والأشراف بالسلام عليه وهم بغير مناديل ملثمون حفاة، وعبى السماط فى غير موضعه المعتاد وجميع ما عليه خبز الشعير والحواضر على ما كان فى الأيام الأفضلية، وتقدم إلى والى مصر والقاهرة بأن لا يمكنّا أحدا من جمع ولا قراءة مصرع الحسين، وخرج الرسم المطلق للمتصدرين والقراء والوعاظ والشعراء وغيرهم على ما جرت به عادتهم. وفى سنة سبع عشرة وخمسمائة جلس الخليفة على الأرض متلثما يرى به الحزن، وحضر من شرف بالسلام عليه والجلوس على السماط بما جرت به العادة. قال ابن الطوير: إذا كان اليوم العاشر من المحرم احتجب الخليفة عن الناس، فإذا علا النهار ركب القاضى والشهود وغيروا ريهم ثم ساروا إلى المشهد الحسينى، وكان قبل ذلك يعمل بالجامع الأزهر، فإذا جلسوا فيه ومن معهم من قراء الحضرة والمتصدرين فى الجوامع جاء الوزير فجلس صدرا، والقاضى والداعى من جانبيه، والقراء يقرؤون نوبة بنوبة، وينشد قوم غير شعراء الخليفة شعرا يرثون به أهل البيت، فإن كان الوزير رافضيا تغالوا، وإن كان سنيا اقتصروا، ولا يزالون كذلك إلى أن يمضى ثلاث ساعات فيدعوهم إلى القصر نقباء الرسائل، فيركب الوزير وهو بمنديل صغير إلى داره، ويدخل القاضى ومن معه إلى دار الذهب فيجدون مصاطب الدهاليز قد فرشت بالحصر بدل البسط، وينصبون دككا تلحق بالمصاطب،

стр. 1113

فيجلس القاضى والداعى إلى جانب صاحب الباب والناس على اختلاف طبقاتهم، فيقرأ القراء وينشد المنشدون، ثم يفرش عليها سماط الحزن نحو ألف زبدية من العدس والملوحات والمخللات والأجبان والألبان الساذجة والعسل النحل والفطير والخبز المغير لونه بالقصد، فإذا قرب الظهر وقف صاحب الباب وصاحب المائدة وأدخل الناس للأكل منه، فيدخل القاضى والداعى ويجلس صاحب الباب نيابة عن الوزير والمذكوران إلى جانبه، وفى الناس من لا يدخل ولا يلزم أحد بذلك، فإذا فرغ القوم وانفصلوا إلى أماكنهم ركبانا بذلك الزى الذى ظهروا فيه، وطاف النوّاح بالقاهرة ذلك اليوم، وأغلق البيّاعون حوانيتهم إلى جواز العصر ثم يفتحون ويتصرفون. انتهى. ومن عوائد الشيعة الآن فى هذا الشأن، أنهم إذا جاء شهر محرم الحرام يجتمعون بعد العشاء فى أماكن متعددة لعمل المحزنة، ولكل حلقة خطيب يجلس على مرتفع غالبا، ويذكر لهم شيئا من وقعة الحسين، وينشد المراثى المهيجة للنواح فيصرخون بالبكاء والعويل والقول القبيح، وفى تلك الليالى يهيئون الأطعمة والشربات، وبعض الناس يذهب للفرجة عليهم فيقدمون له من ذلك، وهكذا كل ليلة إلى يوم عاشوراء فيجتمعون محفلا عظيما ويسيرون إلى المشهد الحسينى وبأيديهم السيوف المسلولة والخناجر والبلط، فيضربون أنفسهم ويصرخون بالنواح والنشيد، ويمشون فى الشارع صفين وبينهم طفل راكب فرسا-ويكون فى/الغالب ابن رئيسهم-وقد شجوا جبهته حتى سال الدم على صدره، وبين يديه على الفرس عمامة خضراء تمثالا برأس الحسين، فإذا وصلوا إلى المشهد وقفوا زمنا يصرخون بالنواح ويضربون أنفسهم ضربا مبرحا تفزع منه القلوب من غير أن ينكر عليهم أحد، بل يخافهم الناس وتغضى عنهم عساكر الشرطة. ثم إن هذا الجامع عند حفر أساسات أساطينه فى هذه العمارة الأخيرة، وجدت به أبنية كثيرة مقبية بهيئة قبور، فلا بد أن ذلك من قبور الفاطميين، فإنها كانت فى محل خان الخليلى ممتدة إلى هذا المشهد. قال السخاوى فى كتاب المزارات: إن المدرسة التى بجانب المشهد الحسينى جعل بها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب تدريسا ووقف لها وقفا، ولما وزر معين الدين ابن حمويه فوض إليه الأمر بالمشهد، فجمع أوقافا وبنى به إيوانا للتدريس وبيوتا للفقهاء العلوية. والمقبرة التى كانت إلى جانب هذا المشهد كبيرة تسمى تربة الزعفران والتربة المعزية كان المعز لما دخل القصر شرع فى إصلاحها، وأرسل إلى المهدية من بلاد المغرب فأخذ أباه

стр. 1114

وأخاه فى توابيت ودفنهما بها وجعلها مدفنا للخلفاء وأولادهم وأقاربهم، ولما توفى دفن بها سنة خمس وستين وثلاثمائة. وبها دفن ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار فى سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وتوفى بعده ولده الحاكم بأمر الله أبو على المنصور بعد أن فقد خمسا وعشرين سنة، وكان فقده سنة إحدى عشرة وأربعمائة وعمره يومئذ ست وثلاثون سنة، ووجد مقتولا بالجبل المقطم، ووجدت دابته مغرقة فى بركة عند حلوان بقرب دير شقران، وسيرته من أعجب السير. وبالتربة ابنه الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن على، ولد سنة أربع وأربعمائة، وولى الملك وعمره سبع سنين فأقام خمس عشرة سنة وتسعة أشهر، ومات سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وبها أيضا ابنه المستنصر بالله معد بن الظاهر لإعزاز دين الله، تولى المملكة بعد أبيه، وخربت مصر فى أيامه وصارت كيمانا إلى الآن بسبب الغلاء العظيم الذى لم يعهد مثله فى الإسلام، وأقام سبع سنين، وأكل الناس بعضهم بعضا، قيل: بيع الرغيف الواحد بخمسين دينارا، وكانت مدة ملكه ستين سنة، ومات سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وبها أيضا ابنه الآمر بأحكام الله أبو على منصور، قتل بالقرب من المقياس سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ومولده سنة تسعين وأربعمائة، تولى الملك وهو ابن خمس سنين وخمسة أيام وكان كريما جوادا قيل: إنه مر على بيت فسمع امرأة تقول لزوجها: والله لا أضاجعك ولو جاء الخليفة الآمر بأحكام الله ومعه مائة دينار. فبعث إلى القصر وأحضر مائة دينار، وضرب الباب على الرجل ففتح له ودخل وقال: أنا الآمر بأحكام الله وهذه المائة دينار فنامى مع زوجك. وبها أيضا الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله، ولى الخلافة ولم يكن أبوه خليفة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وبها أيضا الظافر بالله إسماعيل بن الحافظ لدين الله، قتل أوائل سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وبها أيضا قبر الفائز بنصر الله عيسى بن الظافر، ولى الأمر وعمره خمس سنين، وأقام إلى أن توفى سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وبها أيضا العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن أبى الحجاج يوسف بن الحافظ لدين

стр. 1115

الله، بويع له بعد وفاة الفائز وخطب له، ووزر له طلائع بن رزيك الملقب بالملك الصالح، وتوفى سنة سبع وستين وخمسمائة. وفى أيام العاضد قتل الصالح طلائع وتولى الوزارة بعده الملك العادل، ثم بعده ساد ولقب أمير الجيوش، ثم الضرغام ولقب بالملك المنصور، ثم الأمير أسد الدين شيركوه ثم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكانت خلافة العاضد اثنتى عشرة سنة، وهو آخر خلفاء بنى عبيد بالغرب والقاهرة، وعليه انقرضت دولتهم، وجملتهم أربعة عشر خليفة، ثلاثة بالمغرب، وأحد عشر بمصر، وكانت مدة دولتهم بالمغرب ومصر مائتين وخمسا وأربعين سنة. وفى تربة الزعفران أيضا قبر الأمير عقيل بن الخليفة المعز لدين الله بن تميم سعد توفى سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ومعه الأمير تميم بن المعز. انتهى. جامع الأمير حسين قال المقريزى: هذا الجامع كان موضعه بستانا بجوار غيط العدة. أنشأه الأمير حسين ابن أبى بكر بن إسماعيل بن حيدر بيك مشرف الرومى، قدم مع أبيه من بلاد الروم إلى ديار مصر فى سنة خمس وسبعين وستمائة، وتخصص بالأمير حسام الدين لاجين المنصورى قبل سلطنته، فكانت له منه مكانة مكينة وصار أمير شكار، وكان فيه بر وله صدقة، وعنده تفقد لأصحابه. وأنشأ أيضا القنطرة المعروفة بقنطرة الأمير حسين على خليج القاهرة، وفتح الخوخة فى سور القاهرة بجوار الوزيرية وجرى عليه من أجل فتحها ما جرى، وتوفى فى سابع المحرم سنة تسع وعشرين/وسبعمائة ودفن بهذا الجامع انتهى. وأكثره الآن متخرب، وإنما يصلى فى بعض بوائكه القريبة من المنبر، وله باب على رأس غيط العدة تجاه مدرسة ابن عرام التى موضعها الآن زريبة، وبابه الآخر إلى رأس الحارة، وبين البابين صهريج يملأ من النيل كل سنة، وله منارة من الحجر دقيقة الصنعة، وله بئر وبه شجرة نخل وشجرة لبخ، وله أوقاف تحت نظر ديوان الأوقاف. جامع حسين باشا هذا المسجد داخل حارة شق الثعبان بين مسجد الخلوتى ومسجد رحبة عابدين، وكان يعرف أولا بمسجد القمرى. ولما وهى جدده الأمير حسين باشا أبو أصبع فنسب إليه، وجاء فى غاية الحسن والبهجة، وبه أربعة أعمدة من الرخام، وبه منبر جميل ودكة، وأرضه

стр. 1116

مبلطة بالحجر، وسقفه بالخشب النقى، وبأعلاه قبة من الزجاج الملون، ومكتوب على بابه تاريخ إنشائه سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف. ومنافعه تامة وشعائره مقامة من أوقافه، ومن طرف حسين باشا المذكور. جامع الحفنى هذا الجامع بقنطرة الموسكى، بين منزل الشيخ محمد المهدى العباسى شيخ الجامع الأزهر سابقا وبين جامع القاضى يحيى زين الدين الأستدارى. أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا فى سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف. وقد تخرب وبقى مغلقا غير مقام الشعائر مدة، ثم جدد فى سنة تسعين على طرف الأوقاف، ووجد بأعلى بابه لوح من الرخام مكتوب عليه بيت شعر وهو: أحيا لنا الله بيتا بعد ما دثرا … تاريخه مسجد الرحمن لا دثرا سنة ١١٧٢ وله أوقاف تحت نظر الديوان، ولما مات الشيخ الحفنى دفن بالقرافة الكبرى، وله ضريح شهير يزار ويعمل له مولد مع مولد العفيفى يصرف فيه الشيخ المهدى كثيرا، وقد ترجمناه فى الكلام على حفنة. جامع حماد هو بشارع باب اللوق تجاه ميدان سراى عابدين. يصعد إليه بدرج، ومطهرته بالأرض من الجهة الأخرى، وله منبر وخطبة ومنارة وشعائره مقامة، وقد وجد فى حجة باسم الأمير رجب أغا بن الأمير إبراهيم أغا أغاة طائفة التفكشية وكتخدا الجاوشية: أن جامع حماد بخط درب الفواخير كان قد تخرب، فجدده ذلك الأمير وعمر بجانبه أماكن، ووقف أوقافا عليه وعلى غيره، فمن وقفه عليه الرزقة التى بناحية حفنة بولاية الشرقية، خراجها فى السنة أربعمائة وسبعة وستون نصفا، ووظف له من يقيم شعائره وعين لهم المرتبات، فجعل للإمام أربعين نصفا، وللخطيب خمسة وعشرين، وللمرقى عشرة، ولاثنين مؤذنين ستين نصفا، وللفراش خمسة عشر، وللوقاد كذلك وللبواب. كذلك وللملا كذلك، ولثمن الزيت أربعين نصفا كل شهر، وتوسعة كل سنة للإمام ثلاثين، وللمؤذنين أربعين، وللوقاد ثلاثين، ويصرف من ذلك فى زيت رمضان ثلاثمائة نصف، وفى القناديل مائتان، وفى الحصر أربعمائة ونيف وستون، وثمن شمعتين أربعون نصفا وتاريخ هذه الحجة ثامن شهر رجب الحرام سنة أربع وسبعين بعد الألف.

стр. 1117

وفى حجة أخرى فى سنة اثنتين وسبعين، أنه استحوذ على أماكن بخط المدابغ القديم داخل درب الفواخير قريبا من مدرسة الخواجا كريم الدين. وفى أخرى أنه وقف الفسقية والحوض المستجد ببركة الحاج، والساقية ذات الثلاثة أوجه المعروفة بالقاضى عبد الباسط، والمصلى والمقعد الذى عليها والمغطس ومحلات أخر، وأنه يصرف كل سنة سبعة آلاف وخمسمائة وأربعين نصفا فى ثمن ماء عذب لصهريج باب الخرق، وسبعة آلاف نصف لإدارة ساقية البركة وملء الحوض لشرب الحجاج ودوابهم، وثمن ثورين وثمن فول وتبن. ورتب هناك جراية ثلاثين رغيفا كل يوم، زنة الرغيف أربعة أواق، وجعل على سبيل باب الخرق مكتبا يصرف لمن به من الأيتام والمؤدب عشرون رغيفا، وللمزملاتى ثمانية أرغفة كل يوم، ويصرف لهم كسوة كل سنة قميص خام ولفافة، ولكل واحد أربعون نصفا، وللفقيه كسوة وثمانون نصفا غير أجرة الخياطة، وثمن حصر وسلب وسفنج وغيره، ورتب لسبيل حارة اليهود ثلاثمائة نصف، وثمن بقرة تذبح وتفرق على الأيتام والخدمة بالسبيلين، ولعشرة يقرؤون ختمة كاملة كل يوم خمسة عشر نصفا، وللداعى زيادة خمسة أنصاف، ولخادم الربعة منهم خمسة أنصاف، ولاثنين يقرآن على قبره عشرون نصفا فى الشهر، ولثلاثة يقرؤون بمنزله ثلاثون فى الشهر. جامع الحنفى هذا الجامع بخط الحنفى بين سوق مسكة وسويقة اللالا. أنشأه الأستاذ شمس الدين أبو محمود محمد الحنفى بجوار داره فى سنة سبع عشرة وثمانمائة-كما فى المقريزى-وله ثلاثة أبواب: أشهرها المفتوح على الشارع، يعلوه شباك من الخشب الحرط دقيق الصنعة، وبجواره على يسار الداخل مدفن الشيخ عمر شاه والشيخ عمر الركنى، ومكتب لتعليم الأطفال وسبيل، والآخران عن يسار المصلى/يفتحان على درب أبى طبق، وأعمدته من الرخام وأرضه مفروشة بالحجر النحيت، وقبلته بالقيشانى، وبجوارها زنار خشب مكتوب عليه مع أبيات من بردة المديح: جدد هذا المسجد من فضل الله تعالى الأمير سليمان أفندى تابع أفندينا محمد على باشا فى شهر رمضان سنة ألف ومائتين وسبعة وثلاثين، وبأعلى القبلة حجر أحمر عليه كتابة عسرة القراءة، وبه بئران قديمتان: إحداهما فى الإيوان الصغير البحرى، كان يملأ منها حوض الحنفية، وكان بجوارها قبة أزالها بعض النظار وسد فم البئر بالحجر، وكانت تسمى بئر الكرامة. والثانية تجاه باب المقصورة بجوار العمود، يستشفون بمائها ويتبركون بالشرب منها، ويزعمون أنها من ماء زمزم، ولها فم ضيق عليه غطاء من خشب

стр. 1118

يقفل بقفل من حديد، ولا تفتح إلا نادرا كأيام المولد، ويملأ منها بإناء فخار ورشاء قصير لقرب مائها، وعن يمين الداخل من الباب الكبير شجرة سدر غليظة الساق جدا نافدة فى السقف، تقصدها العامة للتبرك بها، ويعتقدون أنها مسكونة بولية تسمى الشيخة خضرة، يحلفون عليها ويدقون بها المسامير لشفاء الأسنان. وضريح الشيخ بالجانب الأيمن من الجامع من داخل قبة مرتفعة، عليه مقصورة من الخشب المرصع بالصدف والعاج وضبة باب المقصورة بقفيز فضة، وبأعلى الباب لوح فيه دوائر منقوش فيها لفظ الجلالة وأسماء بعض الصحابة وفيها: يا سيدى محمد يا شمس دين الله يا حنفى مددك «ثلاث مرات» وعاداتك «مرة» وبجوار المقصورة قنديل بلور أخضر كبير منقوش معلق بأعلى القبة، وفيها قبلة بها عمودان من الرخام، وباب القبة مرصع بالعاج والصدف عليه اسم صانعه إبراهيم مع «نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ» وفوق الباب بيتان من الشعر يقال إنهما من كلامه ﵁ وهما: وحط فى بابنا ما شئت من ثقل … وعنك دع حادثات خفتها وعنا فكل فضل بنى الصديق كعبته … وكل أمر عسير قد يهون بنا وكان موضع هذا الجامع ملكا للشيخ أبى العباس نقيب الأستاذ الحنفى، ففى كتاب مختصر السر الصفى فى مناقب الأستاذ الحنفى: أن الشيخ أبا العباس أخذ بيد الشيخ فى مبدأ زهده فى الدنيا وجاء به إلى موضع الزاوية الآن قبل عمارتها، وكان منشرا وبه البئر التى هى الآن بالزاوية، وكان ذلك الموضع ملكا لسيدى أبى العباس، فأشار الشيخ لأبى العباس أن يبنى له فى ذلك الموضع خلوة يختلى فيها فبناها له تحت الأرض، وشرع سيدى أبو العباس فى بناء الزاوية، فبناها من ماله وأخذ عنه وكان يخدمه ويتردد عليه ولا ينقطع عن خدمته. انتهى. ترجمة الإمام الحنفى: وقد ترجم هذا السلطان جماعة كثيرون، وأفرد ترجمته بالتأليف جماعة، منهم: الشيخ نور الدين على بن عمر البتنونى فقد كتب فى ذلك مجلدين. وترجمه الإمام الشعرانى فى طبقاته بنحو كراسة، فقال: هو سيدنا ومولانا شمس الدين محمد الحنفى ﵁، كان من أجلاء مشايخ مصر وسادات العارفين، له الباع الطويل فى التصريف، واليد البيضاء فى الولاية، والقدم الراسخة فى درجات النهاية، وهو أحد أركان الطريق وأكابر أئمتها علما وعملا وحالا وقالا وزهدا وتحقيقا ومهابة، وكان ظريفا جميلا فى بدنه وثيابه، وهو من ذرية أبى بكر الصديق ﵁، تربى يتيما من أمه وأبيه، ربته خالته فكان زوجها يريد أن يعلمه الصنعة فمضى به إلى الغرابلى فهرب إلى

стр. 1119

المكتب، ثم مضى به إلى المناخلى فهرب إلى المكتب، فكف عنه فحفظ القرآن، وكان ابن حجر رفيقه فى المكتب، ولما خرج من المكتب جلس يبيع الكتب فى سوقها، فمر عليه بعض الرجال فقال: يا محمد ما للدنيا خلقت. فترك الدكان بما فيه ولم يسأل عنه. ثم حبب إليه الخلوة فدخل خلوة تحت الأرض وهو ابن أربع عشرة سنة، فاختلى بها سبع سنين ولم يخرج منها حتى سمع هاتفا يقول: يا محمد اخرج انفع الناس «ثلاث مرات» وقال فى الثالثة: إن لم تخرج والاهيه. فقال الشيخ: ما بعد «هيه» إلا القطيعة، فخرج إلى الزاوية فكان يجلس يعظ الناس على غير موعد فيجئ الناس حتى يملأوا زاويته، وكان ﵁ حنفى المذهب وعلى خده الأيمن خال، وهو أبيض مشرب بحمرة وفى عينيه حور، وتربى يتيما فقيرا، أخذ الطريق ﵁ بعد أن خرج من الخلوة عن الشيخ ناصر الدين بن الميلق، عن جده شهاب الدين بن الميلق، عن ياقوت العرشى، عن المرسى، عن الشاذلى ﵁، فلذا كان الشاذلى يقول: الحنفى خامس خليفة من بعدى. وكان أولا يتعمم بعمامة صماء، ثم رئى له فى المنام أن جده أبا بكر الصديق ﵁ عممه بحضرة النبى ﷺ ، وأرخى للعمامة عذبة عن يساره فأرخى/العذبة، وكذلك فعل كل من فى مجلسه، وصار ﵁ إذا ركب يرخى العذبة، وترك الطيلسان الذى كان يركب به إلى أن مات، وكان ﵁ يلبس الملابس المثمنة الفاخرة، وكان لا ترد له شفاعة عند من يعرفه وعند من لا يعرفه. وقال شيخ الإسلام العينى فى تاريخه الكبير: والله ما سمعنا ولا رأينا فيما حويناه من كتبنا وكتب غيرنا، ولا فيما اطلعنا عليه من أخبار الشيوخ بعد الصحابة إلى يومنا هذا أن أحدا أعطى من العز والرفعة ونفوذ الكلمة وقبول الشفاعة عند الملوك والأمراء وأرباب الدولة والوزراء عند من يعرفه ومن لا يعرفه مثل ما أعطى الشيخ شمس الدين الحنفى. ثم قال: وأبلغ من ذلك أنه لو طلب السلطان أن ينزل إليه خاضعا حتى يجلس بين يديه ويقبلهما لكان ذلك أحب الأيام إلى السلطان، ولم يقم قط لأحد من الملوك ولا الأمراء ولا القضاة، ولم يغير قعدته لدخولهم، ولا يجلس أحد منهم إلى جانبه، ولا يتربع بل يجلس جاثيا متأدبا خاضعا لا يلتفت يمينا ولا شمالا. وكان الملك الظاهر جقمق يكرهه ويقول: إنى لا أقبل لهذا الرجل شفاعة، ومع ذلك يرسل له فى الشفاعات فيقضيها، ويقول لمن حوله: أنا لا أستطيع رد شفاعته، بل أقبلها وأتعجب من نفسى.

стр. 1120

ونزل إليه السلطان الملك المؤيد فجاء إلى الزاوية فوجده فوق سطح البيت، فطلع إليه سيدى أبو العباس وأخبره فقال له: قل له: إنه ما يجتمع بأحد فى هذا الوقت. فوضع السلطان يده على رأسه ورجع إلى القلعة، ولم يتغير من ذلك. وكان أهل المغرب يرسلون يأخذون من تراب زاويته ويجعلونه فى ورق المصاحف، وأهل الروم يكتبون اسمه على أبواب دورهم يتبركون به. وكان ﵁ يقول كثيرا: لو كان عمر بن الفارض فى زماننا ما وسعه إلا الوقوف ببابنا. وكان الشيخ طلحة المدفون بالمنشية الكبرى يقول: قال لى سيدى محمد الحنفى: يا طلحة خرج من زاويتى هذه أربعمائة ولىّ على قدمى كلهم داعون إلى الله تعالى، وأصحابنا بالمغرب كثير، وبالروم والشام أكثر، وأكثر أصحابنا باليمن والبرارى والكهوف والمغارات. وقال فى مرض موته: من كانت له حاجة فليأت إلى قبرى ويطلب حاجته أقضها له، فإن ما بينى وبينكم غير ذراع من تراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل. وكان ﵁ يلقن الخائف من ظالم ويقول: إذا دخلت عليه فقل: بسم الله الخالق الأكبر حرز لكل خائف، لا طاقة لمخلوق مع الله . وسمع جلال الدين البلقينى تفسيره للقرآن العظيم فقال: والله لقد طالعت أربعين تفسيرا ما رأيت فيها شيئا من هذه الفوائد، وقبله سراج الدين البلقينى بين عينيه وقال له: أنت تعيش زمانا طويلا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَ أَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. وكانت ملوك أقاليم الأرض ترسل له الهدايا فيقبلها. وكان يتنزه عن سماع المعازف وجميع آلات اللهو، فدخل يوما يزور ابن الفارض ﵁ فرأى عمالا وآلات تضرب فأمر بالسكوت حتى يزور ولم يتعرض لكسر الآلات. وسمع حنفيا يقول فى درسه: الحكم كذا خلافا للشافعى. فزجره، وقال: تقول خلافا للشافعى بقلة أدب، لم لا تقول ﵁، أو رحمه الله تعالى؟ وكان إذا رأى فى جبهة فقير أثر سجود يقول: يا ولدى أخاف عليك أن يكون هذا من الرياء. وكان يكره مشايخ القرى والمدركين للبلاد ويقول: أنا لا أقول بإسلامهم. وكان يكره للفقير لبس الطليحية ويقول: الفقر فى الباطن لا فى الظاهر. وإذا رأى من الفقراء والمجاورين عورة سترها عليهم، ويرغبهم فى الأمر الذى فيه صلاحهم، وكان إذا ركب فى شوارع مصر لا يلقاه أمير أو كاتب سر أو ناظر خاص إلا ورجع معه إلى أى مكان أراد. وتلقاه رجل عجمى فأنشده: نهارى نسيم كله إن تبسمت … أوائله منها برد تحية

стр. 1121

وسئل عن الولى فقال: هو من قال لا إله إلا الله وقام بشروطها، وشروطها أن يوالى الله ورسوله بأن يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة. وكان به عدة أمراض كل مرض منها يهد الجبال، منها البلغم الحار والبلغم البارد، واجتمع عنده الأطباء وقالوا: إن النصف الأعلى قد تحكم منه البلغم الحار، والنصف الأسفل قد تحكم منه البلغم البارد، فإن داوينا الأعلى غلب عليه الأسفل، وإن داوينا الأسفل غلب عليه الأعلى وأقام بذلك المرض سبع سنين ملازما فرشه إلى أن توفى سنة سبع وأربعين وثمانمائة. وكان مع هذا البلاء يتوضأ قبل دخول الوقت بخمس درج، ولا يصلى إلا مع جماعة، ومات على طرف حوشه والناس يمرون عليه فى الشوارع. انتهى باختصار. وله حضرة كل يوم سبت يجتمع فى مسجده القراء والذاكرون والمنشدون وأهل الموسيقى، ويتناوبون بغرائب الألحان وبدائع الموشحات/ويسمون ذلك بالوعظيات، فينشدون من موشحات الوزراء وفرائد المنشئين وبدائع الشعراء مما فيه المديح النبوى مثل: يا نسيم بلغ سلام المستهام المستقيم … للكريم طه إمام المرسلين العظيم عن أليم وجدى به حدث وشوقى القديم … ليس لى من ملجأ سوى الحمى الأفضلى الجلى وآله أولى الجناب العلى ويستمر المجلس نحو الساعتين قبل الظهر بجوار المزار، ولأربابه مرتب من الخبز كل جمعة، ومن النقود كل شهر، ومن الكسوة كل سنة. وله مولد يعمل كل سنة من أول شهر شعبان إلى قرب آخره، ويصرف أهل الخط فيه أمولا كثيرة فى العزومات والوقدات ونحو ذلك. جامع الحوش فى المقريزى أن هذا الجامع بداخل قلعة الجبل بالحوش السلطانى. أنشأه الملك الناصر فرج بن برقوق فى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة، فصار يصلى فيه الخدام وأولاد الملوك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أن قتل الناصر فرج انتهى. والآن قد تخرب وتعطلت شعائره.

стр. 1122

جامع الحين هذا المسجد بشارع باب الخرق عن يمين الذاهب فى شارع محمد على الجديد إلى القلعة، مشرف على الخليج من غربيه. أنشأه الأمير يوسف الشهير بالحين فى القرن التاسع، ولما مات دفن به. وهو مقام الشعائر من الجمعة والجماعة والأذان، ولأوقافه ريع تحت يد ناظره مصطفى الحين، ويتبعه صهريج يملأ كل سنة، وبأعلى الصهريج مكتب. ***

стр. 1123

حرف الخاء جامع الخازندار هذا الجامع فى شارع درب المزين بالموسكى. أنشأه محمد أغا الخازندار، ولما مات دفن به، وعلى تربته تركيبة من الرخام مكتوب عليها آية الكرسى، وتاريخ سنة ثلاث ومائتين وألف. وهو مقام الشعائر، والناظر عليه جلبى سيد أحمد. جامع الخانقاه ويعرف بجامع سعيد السعداء، وبمدرسة سعيد السعداء، والخانقاه الصلاحية، تجاه حارة المبيضة من الجمالية على يمنة السالك من شارع الجمالية إلى المشهد الحسينى خلف قره قول الجمالية. به أربعة ألونة وعدة خلا وللصوفية تحتها قبور دفن بها بعض الصوفية، وقد تغير بعض مبانيه الأصلية وجعل به منبر وخطبة. قال المقريزى: الخانقاه الصلاحية بخط رحبة باب العيد من القاهرة. كانت أولا دارا تعرف بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر، ويقال عنبر، واسمه بليان ولقبه سعيد السعداء، أحد المحنكين خدام القصر عتيق الخليفة المستنصر، قتل سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فلما استبد صلاح الدين يوسف بن أيوب وغير رسوم الدولة الفاطمية، عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية، ووقف عليهم بستان الحبانية، قيسارية الشرب بالقاهرة، وناحية دهمرو من البهنساوية، فكانت أول خانقاه عملت بمصر، وعرفت بدويرة الصوفية، وكان سكانها يعرفون بالعلم والصلاح، وولى مشيختها الأكابر، وكان لهم فى يوم الجمعة هيئة فاضلة فى خروجهم للصلاة بالجامع الحاكمى، وكان عدة الصوفية بها نحو ثلاثمائة رجل لكل منهم فى اليوم ثلاثة أرغفة زنتها ثلاثة أرطال، مع ثلث رطل لحم فى مرق، ويعمل لهم الحلوى كل شهر ويفرق فيهم الصابون، وفى السنة يعطى الواحد ثمن كسوة أربعين درهما، وكان من شرطها أنها للواردين من البلاد الشاسعة والقاطنين بالقاهرة ومصر، فإن لم يوجدوا كانت على الفقراء من فقهاء الشافعية والمالكية الأشعرية الاعتقاد.

стр. 1124

ولما جدد الأمير يلبغا السالمى الجامع الأقمر وعمل له منبرا وأقيمت به الجمعة، ألزم صوفية هذه الخانقاه أن يصلوا الجمعة به، فلما زالت أيامه تركوا ذلك ولم يعودوا إلى الاجتماع بالجامع الحاكمى أيضا. ولم يكن بهذه الخانقاه مئذنة، والذى بنى مئذنتها شيخ تولى مشيختها سنة بضع وسبعمائة يعرف بشهاب الدين أحمد الأنصارى، وكان الناس يمرون فى صحنها بنعالهم، فجدد أحد الصوفية شهاب الدين أحمد العثمانى هذا الدرابزين وغرس فيه أشجارا، وجعل عليها وقفا لمن يتعاهدها للخدمة. انتهى. وهى الآن لا مئذنة لها. وفى الضوء اللامع للسخاوى: أن الأمير تغرى بردى بن بلباى الظاهرى القادرى الحنفى الخازندارى عمر مدرسة سعيد السعداء، وغير كثيرا من معالمها، وعمر مطهرتها، وغير بابها وصار بهجا، وعمر جل أوقاف سعيد السعداء. كالحمام، وجدد لها أشياء. ترجمة تغرى بردى بن بلباى الظاهرى: وكانت ولادة تغرى بردى المذكور قبيل الثلاثين والثمانمائة، واشتغل بالعلم وكان يتحفظ القرآن باللوح حتى بعد ترقيه، وخدم الأشراف القادرية وأمثالهم وتزوج منهم واحدة بعد أخرى، فلما استقر يشبك من مهدى فى الدوادارية وكان صاحب الترجمة أسن منه-بل هو أغاته-قدمه لخازنداريته وتولى عمائره وكثيرا من جهاته، وجدد أشياء أو كملها كجامع الخشابين، والجامع المقارب له والمقابل لدرب الركراكى من المقس، وجامع بالكبش، وزاوية شرف الدين بالحسينية والمشهد النفيسى، ومشهد غانم بسويقة اللبن. وكان له/تؤدة وعقل وعدم طيش وتواضع وأدب، وتكلم فى البيبرسية وفى الأستدارية مع التنصل والاستعفاء. ونديه السلطان لعمارة مطهرة الجامع الأزهر فجاءت بهجة، وجامع سلطان شاه، وله فى الجامع الغمرى والكاملية اليد البيضاء. وتزاحم كثير من مجاورى الأزهر ونحوهم على بابه، ونزل كثير من مستحقيهم فيما تحت نظره من التصوفات، وقرر فى مشيخة البيبرسية كمال الدين الطويل بعد الجلال البكرى، وكثيرا ما كان يتفقد المنقطعين من العلماء ونحوهم، ويبادر للوقوف على غسلهم ويساعد فى تجهيزهم. وتكلم فى جهات أمير المؤمنين المتوكل من بلاد وغيرها، حتى المشهد النفيسى بسؤال منه له وأذن السلطان فيه، ففرض له فى كل يوم من متحصلها أربعة دنانير، والباقى يرصد لوفاء الديون، ولا زال فى كدر وضرر ومرافعات ومدافعات إلى أن تغيب، بعد أن مل وتعب. رحمه الله تعالى انتهى.

стр. 1125

ترجمة جار الله بن صالح: وقد عد فى هذا الكتاب جملة من صوفيتها المدفونين بها، فذكر أن جار الله بن صالح ابن أبى المنصور أحمد بن عبد الكريم الحنفى أدركه أجله بها فى سنة خمس عشرة وثمانمائة ودفن بمقبرة صوفيتها، وكان خيرا عاقلا، أحد المنزلين بدرس يلبغا، سمع من خليل المالكى، والعز بن جماعة والشهاب الهكارى وغيرهم. وسمع منه الفضلاء رغبة فى اسمه، وقرأ بمدينة ينبع وبمكة رحمه الله تعالى. ترجمة ابن الطرابلسى: وأن عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن أبى بكر الحنفى المعروف بابن الطرابلسى مات فى يوم الجمعة حادى عشر المحرم سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ودفن بمقبرة صوفيتها، وكان عالما فاضلا، سمع من الشمس محمد بن يوسف، والشرف أبى بكر بن جماعة، والشمس بن الخشاب، وسمع بمكة على القاضى أبى الفضل محمد بن أحمد النويرى، وأجاز له القيراطى، وأبو العباس بن عبد المعطى، وسعد الله الإسفرايينى، وولى إفتاء دار العدل والتدريس بالعاشورية وغيرها. وحدث وسمع منه الأئمة. وكان يصمم فى الأحكام ولا يتساهل كغيره. وأقعد بآخره وحصلت له رعشة فى بدنه، ثم فلج فحجب، وأقام كذلك حتى مات رحمه الله تعالى. ترجمة عبد الله بن محمد العوفى المنسوب لعبد الرحمن بن عوف: وأن عبد الله بن محمد بن عيسى بن محمد بن جلال الدين الجمالى أبو محمد العوفى- نسبة لعبد الرحمن بن عوف ﵁ أحد العشرة-القاهرى الشافعى مات فى رجب سنة خمس وأربعين وثمانمائة. ودفن بحوش سعيد السعداء، وكان أحد صوفيتها. أخذ عن البلقينى، والشمس بن القطان المصرى، والمحب بن هشام، والشهاب الأشمونى الحنفى وغيرهم، وتقدم فى العلوم وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس، وناب فى القضاء وحمدت سيرته فيه، وكان عالما فقيها عادلا فى قضائه، متواضعا ساكنا وقورا، منجمعا عن الناس قانعا باليسير على قانون السلف، سريع الإنشاء نظما ونثرا، مذكورا بالولاية والسلوك والتقدم فى طريق القوم، ومن نظمه قوله: ووعدتنى وعدا حسبتك صادقا … ومن انتظارى كاد لبى يذهب فلمن رآنا أن يقول مناديا … هذا مسيلمة وهذا أشعب رحمه الله تعالى.
следующие страницы →