← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عساكر السلطان، وقتل كثير منهم، فاستمر القتال فى المدينة ثلاثة أيام، فقتلوا الرجال، وسبوا البنين والبنات، وافتضّوا الأبكار، وهتكوا الأعراض، وأحرقوا الدور، وقلّعوا الأشجار، وأسرفوا فى القتل فى جميع البلاد، حتى قيل إنه بنى من الرؤوس عشر منارات، دور كل منارة عشرون ذراعا فى مثلها ارتفاعا، وجعلوا الوجوه منها بارزة، تذرّى عليها الرياح، وتركوا الجثث للكلاب والوحوش. ويقال إن قتلى مدينة حلب بلغوا نحوا من عشرين ألف نفس. وكذا فعل بحماة ودمشق، وأحرقها عن آخرها، ولما أراد الرحيل عن دمشق جمعوا له أطفال المدينة الذين أسر أهلهم، وأكبرهم ابن خمس سنين، ليرقّ لهم، وكانوا نحو عشرة آلاف نفس، فأمر تيمورلنك عساكره أن يسوقوا عليهم بالخيل، فساقوا عليهم حتى أتوا على آخرهم. كل ذلك والسلطان فرج فى لهوه وشربه وحظوظه مع الملاح والندماء. وتوقف النيل، وحلّ الوباء والغلاء بديار مصر، حتى قيل إن أهل الصعيد باعوا أولادهم. وقد سخط الأمراء على السلطان، وسخط عليهم، فثارت الفتن فى كل جهة، وهاجت عرب الشرقية، وكثر النهب، واستمرّ ذلك إلى سنة ثمان وثمانمائة، فقام بيبرس على السلطان وأراد أن يفتك به فهرب. *** تولية السلطان عبد العزيز، ثم رجوع السلطان فرج للسلطنة ثانيا وأقام بيبرس بدله السلطان عز الدين عبد العزيز أخا الناصر فرج، وعمره عشر سنين، وتلقّب بالملك المنصور، ولم يبق فى السلطنة إلا نحو شهرين. وفى مدته صار بيبرس هو الأتابكى، وبيده الحل والعقد، وليس للمنصور غير الاسم، وانخفضت كلمة المعز السيفى بشتك الدوادار، فعزّ عليه ذلك، وحزّب الأحزاب. وكان الناصر فرج مختفيا فظهر، وافترقت الأمراء والعساكر فرقتين، ووقع الحرب بينهما فى الرميلة وقرميدان وأطرافهما، فقتل خلق كثيرون، ثم انهزم بيبرس. ورجع السلطان الناصر فرج للسلطنة ثانيا، ورسم لأخيه عز الدين بالدخول فى دور الحرم، وعيّن المقر السيفى تغرى بردى أتابك العسكر، وقبض على أكثر الأمراء المتعصبين، وعلى بيبرس، وأرسلهم إلى سجن الإسكندرية. والتفت إلى مماليك أبيه، فصار يذبح منهم بيده كل ليلة نحو العشرين.

стр. 107

وأكثر من الشرب والفسق، فهرب أكثر مماليك أبيه، ورفع الأمير شيخ المحمودى لواء العصيان بالشام، والتف عليه كثير من الناس، وكان معهم الخليفة المستعين بالله العباسى والقضاة الأربعة، فتوجه إليه السلطان الناصر فرج بجيش جرار، فالتقى الجمعان فى ضيعة من الشام تعرف باللجون، ففارق الناصر من كان معه وخذلوه، فهرب فلحقوا به، وقبضوا عليه، وحبس فى برج بقلعة دمشق، ثم دخل عليه جماعة من الفداوية وقتلوه بالخناجر، فلما أصبح الصباح ألقى على مزبلة خارج البلد، فبقى على هذه الحالة ثلاثة أيام، ثم دفن بمقبرة دمشق. فكانت مدته بالبلاد المصرية والديار الشامية ثلاث عشرة سنة وشهورا، وله من العمر نحو ست وعشرين سنة، وخلّف من الأولاد خمسة ذكور وأربع إناث، وكان شجاعا مقداما، غير أنه كان سفّاكا للدماء، مسرفا على نفسه، منهمكا على شرب الخمور، وسماع الزمور، كثير الجهل، قليل الدين. وله من المبانى بالقاهرة مدرسة تجاه باب زويلة، عرفت بالدهيشة، وعمّر الجامع الذى فى داخل الحوش السلطانى بالقلعة، وجدد بالدهيشة التى فى القلعة أشياء كثيرة، وعمّر الربعين اللذين بقرب جامع الصالح خارج باب زويلة، وغير ذلك من المبانى. وفى أيامه احترق نحو الثلث من الحرم الشريف بمكة المعظمة، وأتت النار على أكثر من مائة وثلاثين عمودا، وعلى باب العمرة، فبعث بعشرة آلاف دينار صرفت على عمارته، وعملت العمد من الآجرّ الأسود عوضا عن الرخام، لتعذر وجود الرخام وقتئذ. وكان المتولى أمور المملكة الأمير سعد الدين إبراهيم بن عبد الرزاق بن غراب الإسكندرانى، واستولى على كثير من الوظائف، فكان ناظر الخاص، وناظر الجيوش، واستادار السلطان، وكاتب السر، وأحد أمراء الألوف الأكابر، فتصرّف فى الأمور أسوأ تصرف، وهو ممن تسبب فى تخريب إقليم مصر، فإنه ما زال يرفع قيمة الذهب، حتى بلغ صرف الدينار مائتين وخمسين درهما من القلوس. بعد ما كان صرفه خمسة وعشرين درهما منها، ففسدت بذلك معاملة الإقليم، وقلّت النقود، وغلت الأسعار، فساءت أحوال الناس، وزالت البهجة، وانطوى بساط الرقة. وانقطعت رواتب اللحم وغيرها، حتى عن مماليك الطباق، مع قلّتهم، ورتّب للواحد منهم عشرة دراهم من الفلوس، فصار غذاؤهم غالبا الفول المسلوق عجزا عن شراء اللحم ونحوه.

стр. 108

ومات سعد الدين المذكور فى مدة الناصر فرج سنة ثمان وثمانمائة، وكانت جنازته حافلة، شهدها كثير من الأمراء والأعيان وأرباب الوظائف، حتى استأجر الناس السقائف والحوانيت لمشاهدتها، ونزل السلطان للصلاة عليه. ولما قتل السلطان الناصر فرج سنة أربع عشرة وثمانمائة - كما مرّ - كان فى إمكان الأمير شيخ المحمودى أن يتسلطن، لكنه أخّر نفسه، وقدم الخليفة العباسى للسلطنة، حتى لا يكون عرضة لسهام الفتن، فإن الأحوال كانت مضطربة، والفتن قائمة فى جميع أنحاء المملكة، من مصر والشام، وتداعى للخراب كثير من المحلات بالقاهرة وغيرها من المدن والبلاد، وأكثر الصعيد وأسفل الأرض، حتى صار كثير من الأماكن تلالا وفلوات موحشة، وخلت الخزائن من الأموال، فتأخر شيخ عن الاستيلاء على تخت السلطنة، ربما يتمكن من عهد الأمور، وتقرير الأحوال. *** تولية أمير المؤمنين أبى الفضل العباسى وولى السلطنة أمير المؤمنين الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباس بن محمد العباسى، فأقام بها ستة شهور، وتولى النيابة المؤيد شيخ، فشاركه المؤيد فى الخطبة، وصار الأمر للمؤيد فتغلب على السلطنة، وصار الخليفة معه فى غاية الضنك، محجورا عليه، لا يتمكن من كتب منشور أو مرسوم، حتى يعرضه على الأتابك. فلم يكن له فى السلطنة مع الأتابك غير مجرد الاسم، وكل الأمر بيد الأتابك شيخ، إلى أن بدا للأتابك أن يخلع الخليفة، ويتسلطن، فأحضر القضاة الأربعة، وسائر الأمراء، وخلعه من السلطنة، ولم يخلعه من الخلافة، وأبقاه فى القلعة تحت الحجر. ثم خلعه من الخلافة أيضا، وأرسله مسجونا إلى الإسكندرية، فاستمر بالسجن إلى زمن الملك الأشرف برسباى، فأخرج من السجن، وأسكن هناك إلى أن مات فى الوباء الذى وقع فى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، ودفن هناك. *** جلوس السلطان المؤيد وفى إثر خلع الخليفة المذكور من السلطنة سنة خمس عشرة وثمانمائة جلس على تخت المملكة السلطان أبو النصر شيخ المحمودى الظاهرى، أحد مماليك الظاهر برقوق فى شهر شعبان من تلك السنة، وتلقّب بالملك المؤيد.

стр. 109

ولما وصل إلى نوروز نائب الشام أخبار خلع الخليفة وتسلطن المؤيد شيخ، وكان نوروز هو القائم مع شيخ والمعضد له، لم يذعن بالطاعة، واستمر يخطب باسم الخليفة، فسار إليه المؤيد، وحاربه، حتى قبض عليه وقتله، وعاد إلى القاهرة، وولّى منكلى بغا الشمسى، محتسبا بالقاهرة، وهو أول من تولى الحسبة من أولاد الترك. وفى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، خلع نواب الشام ربقة الطاعة ثانيا، فسار إليهم، فهربوا منه، واستبدلهم بغيرهم ممن يثق بهم، ومن البلاد الشامية، وعاد إلى القاهرة، وصفا له الوقت، واطمأنّت البلاد. ولما صفا للسلطان الوقت، أكثر من شراء المماليك، وأخذ فى اللهو والقصف، وصار أغلب إقامته ببولاق. ووقع فى زمنه وباء وغلاء، من ابتداء سنة ثمان عشرة إلى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، حتى حصل للناس من ذلك ضرر كثير. ولما مات ابنه إبراهيم، وجد عليه وجدا شديدا، مع أنه هو الذى قتله بالسم، فيما يقال، لما بلغه أنه متطلع إلى انتزاع السلطنة منه، ثم دفنه فى قبّة الجامع المؤيد الذى أنشأه فى داخل باب زويلة، ثم مات هو، فدفن معه. وكان مقداما خبيرا بالأمور، يحب العلم والعلماء، وله شعر ومعرفة، لكنه كان سفاكا للدماء، قتل كثيرا من النواب، وكان كثير المصادرات، وأحدث كثيرا من المظالم، وأخذ رخام جامعه من البيوت والمساجد، وأخذ باب جامع السلطان حسن، وعمودى سماق من قبلة جامع قوصون، ووزع الأخشاب ودهانها على المباشرين. وكانت وفاته سنة أربع وعشرين وثمانمائة. *** تولية أبى السعادات أحمد بن المؤيد شيخ وتولى المملكة بعده ابنه أبو السعادات أحمد بن المؤيد شيخ، ولقّب بالملك المظفر، وعمره دون سنتين، تعصب له مماليك أبيه، وكانوا خمسة آلاف مملوك، فسلطنوه رضيعا، وجعلوا التصرف فى المملكة للأمير ططر، بسبب أنه لما مات السلطان المؤيد تزوج زوجته أم ابنه السلطان أبى السعادات المذكور، فأخذ بزمام الأحكام، وأغدق على المماليك، فانضموا إليه

стр. 110

وكانت الأمور مضطربة فى البلاد الشامية، لقيام النواب، ورفع الأتابك الأمير طيبغا لواء العصيان، فجهز ططر العساكر، وسافر إلى الشام، واستصحب معه السلطان بمرضعته، فغلب العصاة، وقتل منهم عددا وافرا، ورجع إلى مصر ظافرا. وصفا له الوقت، فسوّلت له نفسه خلع السلطان، فخلعه، وأرسله إلى سجن الإسكندرية مع مرضعته ودادته، وبقى محبوسا، إلى أن بلغ سنه إحدى عشرة سنة، ومات وهو فى السجن، فنقل إلى القاهرة، ودفن مع أبيه. وفى سنة أربع وعشرين وثمانمائة المذكورة زاد النيل زيادة مفرطة، واستمرت الزيادة إلى آخر هاتور، ولم يعهد ذلك قط فى الإسلام، فحصل للناس الضرر الشامل، واستبحرت الأراضى، وغرق أكثر البساتين، وفات أوان الزرع، وانقطعت الطرق لكثرة الماء، فكان ما حصل للناس بأسباب هذه الحادثة من الضرر والكآبة، مع ما هم فيه من المحن والفتن جرحا على جرح. *** تولية أبى الفتح ططر الظاهرى ولما خلع أحمد بن المؤيد، تولى السلطنة الملك سيف الدين أبو الفتح ططر الظاهرى الجركسى المذكور فى سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وتلقّب بالملك الظاهر، فلم يلبث أن مرض ومات ولم يمكث فى السلطنة غير ثلاثة أشهر ويومين. ومع ذلك فقد أفنى كثيرا من الأمراء، وهو من مماليك الظاهر برقوق، وكان كثير الحيلة والتدبير، ولكن غلبته حيلة زوجته، فإنه يقال إنه لما خلع ابنها شغلته بالسم، فكان سبب موته، وأنه طلقها قبل موته بقليل. *** وقد عهد لابنه محمد، فتولى الملك بعده، وسنّه عشر سنين، ولقب بالملك الصالح أبى النصر، فأقام فى السلطنة أربعة أشهر وأربعة أيام، ثم خلع. وكانت أمور المملكة فى أيامه بيد المعز الأتابكى جانبك العوفى، فلم يكن للسلطان معه إلا مجرد الاسم، فعزّ ذلك على الأمراء، فتعصبوا مع الأمير برسباى الدقماقى، وقبضوا على الأتابكى، وبعثوا به إلى سجن الإسكندرية، وخلعوا السلطان الصالح، وسلطنوا برسباى، وبقى الصالح مع أمه خوند بركة بنت الأمير سودون الفقيه فى القلعة، ثم أذن له فى النزول من القلعة، والركوب إلى زيارة

стр. 111

ولده، فلم يزل على ذلك إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، ودفن مع أبيه ططر عند قبر الإمام الليث ﵁. وبعد موته أمر بنزول ذرية الملوك السالفة من القلعة، فنزلوا وسكنوا المدينة، وكان يقال لهم أولاد الأسياد. *** تولية الأشرف أبى النصر برسباى الدقماقى ولما تولى السلطنة السلطان سيف الدين أبو النصر برسباى الدقماقى سنة خمس وعشرين وثمانمائة لقّب بالملك الأشرف وبولايته سكنت الفتن، واستقرت الأحوال. وجعل جان بك أتابكا، ثم رأى منه الغدر، فشغله فى حلوى، وولّى بدله جقمق العلائى. وحصل فى زمنه طاعون، وحارب ملك قبرس، وأحضره إلى مصر أسيرا، وعلّق خوذته على باب مدرسته الأشرفية، التى بناها فى سلطنته، عند الوراقين بقرب الغورية، وأثبت وقفيتها فى جدرانها بكتابة بارزة من بدن الحجر داخل المقصورة، حرصا على بقاء أوقافها، ومع هذا لم يفد ذلك فائدة، فقد لحقها ما لحق غيرها من الاضمحلال. وبنى أيضا مدرسة بخانقاه سرياقوس، لم ير أحسن منها، وله وكالة بالصليبة، عليها ربعان، وله عمارات كثيرة بمصر ومكة والشام، وقد تغيرت تلك الآثار بعده، بتداول الأيام وزوال بعضها بالكلية. وأقام الأشرف برسباى فى السلطنة ست عشرة سنة، ومرض فاشتد به المرض، واعترته ماليخوليا، وخفّة فى العقل، فرسم بأمور، منها أن لا تخرج امرأة من بيتها مطلقا، فكانت الغاسلة إذا خرجت إلى ميتة تأخذ ورقة من المحتسب، فتجعلها على رأسها حتى تمشى فى السوق ونادى أن لا يلبس فلاح زنطا مطلقا، ورسم بتوسيط اثنين من الحكماء، فوسّطا وهما: الرئيس خضر، والرئيس شمس الدين بن العفيف. واستمرّ على ذلك حتى مات فى شهر ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ودفن بتربته، التى أنشأها عند البرقوقية بالصحراء، وكان له من العمر نحو خمسة وسبعين سنة، وكان ذا سكينة ووقار ومهابة، مع لين جانب، ذا معرفة بأحوال السلطنة، كثير البر والصدقات، لكنه كان كثير الطمع فى تحصيل الأموال، محبا لجمعها من المباشرين وغيرهم

стр. 112

ومن محاسنه إبطال عادة تقبيل الأرض، وكان ذلك معتادا من زمن من قبله من الملوك، حتى أبطله اكتفاء بتقبيل اليد. وحسّن النقود، حتى كانت نقوده من أجود الذهب والفضة، وكان الناس يرغبون فيها. *** تولية السلطان جمال الدين يوسف بن الأشرف ثم تولى ابنه السلطان جمال الدين يوسف بعهد من أبيه، وسنّه نحو خمس عشرة سنة، ولقب بالملك العزيز، فأقام ثلاثة أشهر وخلع، وبقى إلى أن مات بالإسكندرية فى أيام الظاهر خشقدم. وسبب خلعه أن المماليك الأشرفية لما رأوا تصرف الأتابكىّ جقمق العلائى واستقلاله، واحتقاره لسيدهم، قاموا عليه، وأرادوا قتله، فتعصّب معه بعض الأمراء والمماليك، وأوقعوا بمماليك الأشرف، فقتل من قتل منهم، وفرّ من فرّ، وخلعوا السلطان. *** تولية الأتابك أبى سعيد جقمق ثم تولى بعده الأتابك أبو سعيد جقمق المذكور أحد مماليك الظاهر برقوق، ولقّب بالملك الظاهر سيف الدين، ثم جاءت الأخبار بخروج نائب حلب ونائب دمشق عن طاعته، فقتلهما وعلّق رأسيهما على باب زويلة، فصفا له الوقت، وعمّر فى سلطنته جوامع ومساجد وقناطر وغيرها، وكان كثير الإحسان، وغزا قبرس، واستولى منها على كثير من الأموال والأنفس. وفى مدته قام العبيد سنة ست وأربعين وثمانمائة، وتعصّبوا فى برّ الجيزة، وجعلوا لهم سلطانا ووزراء، فوجه إليهم جملة من المماليك، فقتلوا أكثرهم، ثم قبض على باقيهم، ووضع فيهم القيود، وباعهم فى المملكة العثمانية، وأخلى منهم الديار المصرية. وفى سنة تسع وأربعين وثمانمائة وقع طاعون عظيم مات به كثير من الأغراب، وجاء بعده غلاء، بيع فيه الإردب من القمح بخمسة أشرفيات إلى سبعة، وغلا سعر كل شئ وعمّ الغلاء سائر البلاد، وشرق أكثر الأرض، وماتت البساتين والبهائم. وفى سنة سبع وخمسين وثمانمائة مرض السلطان جقمق، فلما اشتدّ به المرض فوض السلطنة إلى ولده عثمان، ثم مات وعمره إحدى وثمانون سنة.

стр. 113

وكانت مدة سلطنته أربع عشرة سنة، وكان ملكا جليلا، محسنا إلى الأمراء التراكمة، معظّما لهم، فصيح اللسان بالعربية، وكان عنده حدّة زائدة، وصادر كثيرا من الناس، وكان إذا سمع بأن أحدا يسكر قطع جامكيته ونفاه، وهدم كثيرا من كنائس النصارى، وأراق الخمور. *** تولية السلطان أبى السعادات عثمان ولما تولى السلطنة ابنه السلطان أبو السعادات عثمان، لقّب بالملك المنصور، ولم يكن إذ ذاك فى الخزائن أموال تصرف على العساكر، فأشار عليه القاضى جمال الدين ناظر الخاص بضرب دنانير تنقص عن الأشرفية قيراطين، فضربها وسماها «المناصرة»، وصرف منها على العسكر، فلم تطمئن العسكر لذلك. واتفق الأشرفية مع السيفية والمؤيدية على خلع السلطان، وإقامة الأتابكى اينال مقامه، وحملوا إينال على أن قام وحاصر القلعة، وقطع الماء عن السلطان ومن انحاز إليه، واستمر ذلك أياما، حتى اضطر السلطان للتسليم، فقبض عليه وعلى جملة من الأمراء، وأرسلوا إلى سجن الإسكندرية، فكانت مدته أربعين يوما، وبقى فى سجن الإسكندرية إلى أيام الملك الظاهر خوشقدم، فرسم بإطلاقه، فسكن المدينة، ثم انتقل إلى دمياط فى أيام الملك الأشرف قايتباى، ثم أذن له فى الحج، وعاد إلى مصر، فأقام فى القاهرة محترما معزّزا، إلى أن عاد إلى دمياط، ومات بها، ثم نقل إلى مصر، ودفن مع والده وعمره أربع وخمسون سنة. *** تولية السلطان أبى النصر إينال وبعد خلعه تولى السلطنة السلطان أبو النصر إينال العلائى الظاهرى، ولقّب بالملك الأشرف وهو جركسى، كان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، ثم صار بعد موته إلى ابنه الناصر فرج، فأعتقه، وأخرج له خيلا وقماشا، وجعله جمدارا، ثم صار أمير عشرة فى دولة الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ، ثم رقى إلى رتبة أمير طبلخاناه رأس نوبة ثان فى دولة الملك الأشرف برسباى، ثم لما توجه الأشرف برسباى إلى آمد جعله نائب غزة، وفى سنة ست وثلاثين وثمانمائة جعله نائب الرها، ثم أحضره إلى القاهرة، وأنعم عليه بتقدمة ألف، مع بقاء نيابة الرها بيده، ثم نقله سنة أربعين وثمانمائة إلى نيابة صفد

стр. 114

وفى مدة الظاهر جقمق صار أتابكيا بعد موت الأتابكى يشبك السعدونى، وذلك سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ثم لما وثبت العساكر على الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق وقامت الحرب على ساقها سبعة أيام، وانكسر السلطان وخلع، تولى السلطنة بدله - كما ذكر - سنة سبع وخمسين وثمانمائة، فأقام فيها ثمان سنين وشهرين، وخلع نفسه فى مرض موته سنة خمس وستين وثمانمائة، بعد أن عهد بها لولده. كانت مماليكه قد ساءت سيرتهم عند الناس، ولولا ذلك لكان خير ملوك الجراكسة، فإنه كان لينا هينا، قليل الأذى، وكان يعرف «بإينال الأجرود» لخفّة عارضيه. وكان لا يحسن الكتابة والقراءة، وكانت أيامه أقل فتنا من غيرها، وإنما كثر وقوع الحريق فى أيامه بالقاهرة مدة، ولم يعلم له سبب، فتخرّب بذلك، وبما تقدمه من الفتن والحروب، أماكن كثيرة من القاهرة وغيرها. ووقع الطاعون فى أيامه سنة ثلاث وستين وثمانمائة، فأقام ثلاثة أشهر. *** تولية الملك المؤيد أحمد بن إينال ثم تولى المملكة بعده ابنه الملك المؤيد أحمد أبو الفتح، وكان قد عهد إليه. فأقام بها أربعة أشهر، ثم خلع بتحامل الأمراء عليه. وكان أتابك العسكر إذ ذاك خشقدم، فلم يمض غير قليل ودبّت عقارب الفتن، فتعصّب العسكر، وحاصروا القلعة، ووقع بينهم وبين الملك ما أدى إلى القبض عليه وخلعه وسحنه. *** تولية السلطان خشقدم ثم تولاها الظاهر أبو سعيد خشقدم الناصرى، ثم المؤيدى سنة خمس وستين وثمانمائة، ولقّب بالملك الظاهر، وهو السلطان الأول من الروم، إن لم يكن منهم أيبك ولا لاجين. وفى سنة ست وستين وثمانمائة تحيّل على الأمراء حتى جمعهم بالقلعة، وقبض على جماعة من الأشرفية، وأرسلهم إلى سجن الإسكندرية، فقام عليه باقيهم، وسلطنوا جرباش الأتابكى بالغصب والقوة، ولقبوه بالناصر، فحصلت وقعة بينهم وبين عصبة السلطان خشقدم بالرميلة انتصر فيها عليهم، ونفى جماعة.

стр. 115

وفى السنة المذكورة توقف النيل، وغلت الأسعار، إلى أن بلغ الإردب القمح، ألف درهم. وفى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة توفى السلطان خشقدم بمرض كان قد أصابه، ودفن فى تربته، التى أنشأها بالصحراء. وكانت مدته ست سنين ونصف سنة، ولم يحصل فيها تجاريد ولا طاعون، وسكنت فيها الفتن، وكان كفئا للسلطنة، طاهر الذيل، لكنه كان سريع العزل للقضاة والمباشرين، وأخذ أموالهم بغير حق، وهو آخر من مشى على النظام القديم من الملوك. *** تولية السلطان أبى النصر بلباى المؤيدى ثم تولى بعده السلطان أبو النصر سيف الدين بلباى المؤيدى الجركسى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، ولقّب بالملك الظاهر، فأقام بها شهرا وستة وعشرين يوما، وهو آخر المؤيدية، وكان قبل ذلك أتابكى العساكر، فلما تسلطن جعل الأتابكية للمقر السيفى تمربغا. وكان السلطان بلباى عاجز الرأى، قليل المعرفة، وجعل تدبير الأمور لخير بك الدوادار، فأشار عليه بالقبض على جماعة من أمراء الدولة، وإرسالهم إلى سجن الإسكندرية، فلما فعل ما أشار به حنق الأمراء من ذلك، وقاموا على السلطان، فقبضوا عليه، وخلعوه، وأرسلوه إلى سجن الإسكندرية. وكان خشنيا، قليل المعرفة بأمور السلطنة، وكان يدعى «بلباى المجنون». تولية السلطان أبى سعيد تمربغا وتولى بعده السلطان أبو سعيد تمربغا الظاهرى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، ولقّب بالملك الظاهر، فأقام بها شهرين إلا يوما، وخلع وذلك أنه فى تلك المدة القليلة أراد مصادرة الأمراء للنفقة على العسكر، فقاموا عليه، وخلعوه، وسلطنوا خير بك، فأقام ليلة فى فرح وكان الأتابك قايتباى فى الربيع، فحضر وحاصر القلعة، وبعد قليل انتصر، وقبض على جملة من الأمراء، وأرسلهم إلى ثغر الإسكندرية، وقبض على السلطان، وأرسله غير مقسّد إلى دمياط.

стр. 116

تولية السلطان قايتباى ثم تولى السلطنة بعده أبو النصر قايتباى الظاهرى المحمودى المذكور سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، ولقّب بالملك الأشرف، وهو خيار هذه الطائفة، له ميرات وعمارات شتّى، فى مصر والمدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وفى مكة المشرّفة وغيرها فمن آثاره فى مصر جامع بجزيرة الروضة، وجامع بقلعة الكبش، وجامع بباب القرافة، وجدّد عمارات كثيرة بالقلعة، فمن ذلك الإيوان، والمقعد الكبير. وجدّد أيضا عمارة الميدان الناصرى بالناصرية، بعد أن كان مهجورا، وأنشأ عدة قناطر وجسور فى الأقاليم. ووقف أوقافا كثيرة على عماراته من بلاد وربوع وغيرها. وله فى الصحراء المدرسة التربة العظيمة، التى لم ير مثلها، وهو من مماليك الظاهر جقمق. وفى أيامه كانت فتنة شاه سوار بن ذى الغادر، وهى فتنة هائلة، أرسل فيها السلطان العساكر، المرة بعد المرة، وهى تنهزم، وصرف عليها جميع ما فى الخزائن. وأخيرا أرسل تجريدة تحت إمرة الأمير يشبك الدوادار، ففاق على سوار، فأراد سوار إجراء الصلح، فأظهر له يشبك الميل إلى ذلك، ولما حضر بالعسكر عملت له الإكرامات، حتى خدع، ثم قبضوا عليه، بعد أن قتلوا من معه، وأرسل هو وإخوته إلى مصر، فأمر السلطان بتسميرهم وإدارتهم بالقاهرة، ففعلوا بهم ذلك، ثم شنقوهم على باب زويلة، وبقوا كذلك يومين. وفى سنة أربع وثمانين وثمانمائة حج السلطان، ولم يحج من السلاطين الجراكسة غيره، ورتّب لأهل الحرمين ثمانية آلاف إردب قمحا، لتعمّ الغنىّ والفقير، والحر والعبيد، والذكر والأنثى. وفى سنة سبع وثمانين وثمانمائة توجهت عساكر مصر تحت إمرة يشبك إلى محاربة حسن الطويل ملك العراقين، فكانت بينهم وقعة عظيمة، انهزمت فيها عساكر مصر، وأسرت أمراؤها، ومات يشبك، وهو صاحب القبة الموجودة الآن بالبلد، التى سمّيت بها قرب المطرية. وتولى أتابكية العسكر بعده الأمير آق بردى صاحب الدار المعروفة بقاياها الآن بحوش بردق، قبلىّ جامع السلطان حسن، ثم عقب ذلك محاربته مع السلطان محمد ملك الروم من سلاطين الدولة العليّة العثمانية.

стр. 117

وسبب ذلك هدية أهداها بعض تجار الهند إلى السلطان محمد، فسمع بها قايتباى وفيها خنجر مرصّع، فاستحوذ عليها قايتباى، فثارت الحرب بهذا السبب، وحصلت بينهما وقعة، انتهت بنصرة العساكر المصرية، وعودتهم إلى مصر بالغنائم. إلا أن السلطان محمدا لم يزل على نيّة الحرب، فقطع التجارة التى كانت ترد على مصر من بلاد الروم، وكان يتجهز لمعاودة القتال. وفى أثناء ذلك أحسّ قايتباى من بعض الأمراء المصرية بالشر، لأسباب قطع نفقات العسكر بما كان يضطر إليه من كثرة المصروف، فخلع نفسه من السلطنة بمحضر من الأمراء وغيرهم، فتوقع عليه الحاضرون، وأكثروا فى الرجاء، ثم حصل التراضى على أن السلطان قايتباى ينفق على كل واحد من العسكر خمسين دينارا، ثم حصلت المبايعة له بالسلطنة ثانية. وانتهى الأمر على ذلك، فشرع فى تحصيل هذه النفقة، ورسم بأن يؤخذ من أملاك القاهرة والأوقاف أجرة شهرين كاملين، فأخذ ذلك، وصرفه على العسكر، فكان فتح هذا الباب على يد قايتباى. ثم جاءت الأخبار بإغارة العساكر العثمانية على بلاد الشام ثانية، فجهّز قايتباى العساكر لقتالهم، وأرسلهم إلى الشام، فكان بين الفريقين وقعة عظيمة، انتصرت فيها العساكر المصرية، وعادوا إلى مصر بأسارى كثيرة من أمراء وعسكر مع الأمير أزبك - صاحب الجامع الشهير، الذى كان أمام سراى العتبة الخضراء بجهة الأزبكية، وعرفت الأزبكية باسمه، ثم هدم هذا الجامع ولم يبق له أثر. ومع تكرر النصرة لقايتباى - كما ذكر - أراد حسم الفتنة، وقطع أسباب الشر بينه وبين ملك الروم، فأرسل الأمير جانبلاط بن يشبك إلى السلطان محمد، ليسعى بينهما فى الصلح، فأكرمه السلطان محمد، وتلطّف معه، وأرسل معه قاضيا من قضاة الروم، وعلى يده مفاتيح قلعة كولك، وكانت من أسباب الفتنة، فأكرم قايتباى القاضى، وخلع عليه، وأفرط فى الإحسان إليه وأطلق جميع الأسراء، وخلع على الأمراء منهم، وأرسل إلى السلطان محمد هدية جليلة وتقادم جميلة، فانعقد بينهما الصلح، وخمدت الفتنة. وفى سنة إحدى وتسعمائة مرض السلطان، وتمادى به المرض، فلما كان اليوم السادس والعشرون من شهر ذى القعدة من تلك السنة أشرف على الموت، فاجتمع الأمراء والعسكر، وأحضروا الخليفة العباسى، وخلعوا قايتباى، وهو فى النزع لا يعلم بشئ، وبايعوا ابنه محمدا. وفى ثانى يوم توفى السلطان قايتباى، وعمره ست وثمانون سنة، ودفن بتربته، التى فى الصحراء. وكانت مدة سلطنته تسعا وعشرين سنة وشهورا.

стр. 118

وكان الملك الأشرف قايتباى فارسا، وافر العقل، حازم الرأى، غير عجول فى الأمور، بطئ العزل لأرباب الوظائف، محبا لجمع الأموال. *** تولية السلطان محمد بن السلطان قايتباى ثم تولى السلطنة ابنه السلطان محمد أبو السعادات، وعمره أربع عشرة سنة، ولقّب بالملك الناصر، فخلع على المقر السيفى قانصوه المعروف بخمسمائة، وجعله أتابك العساكر، عوضا عن تمراز الشمسى. وكان الأتابك متطلعا إلى السلطنة، فحشد المماليك، واستولى على باب السلسلة، والسلطان وقتئذ بالقلعة، وتعصّب معه العصاة، وولوه سلطانا، ولقبوه بالأشرف قانصوه وبايعوه، ومكث يدعى سلطانا، بغير رسم أجرى له، أحد عشر يوما. وكان السلطان فى القلعة، فأراد قانصوه دخولها، فلم يتمكن، وجمع السلطان عبيده ومماليكه، وهجم عليه، فحصل بينهم مقتلة عظيمة آلت إلى انهزام قانصوه وجماعته، وتفرقوا فى طرق المدينة، وتبعتهم العبيد والمماليك بالقتل، ومن نجا منهم فرّ مع قانصوه إلى البلاد الشامية. وفى هذه الوقعة نهبت جهة الأزبكية، بسبب أن قانصوه بعد انهزامه اختفى مدة، ثم ظهر واستقر ببيت الأمير أزبك، والتف عليه جماعة من الأمراء، فلما أحس بنزول المماليك والأمراء السلطانية إليه، تسّحب وهرب، فخرّب العساكر جهة الأزبكية وما يليها، وعاثوا فيها بالحريق والنهب، حتى نهبوا ما كان بجامع أزبك من فرش وغيرها. وفى تلك الأيام كان آق بردى قادما من الشام باستدعاء السلطان له، فتلاقى مع قانصوه المذكور، وهو قاصد إلى الشام، فحصلت بينهما عند خان يونس وقعة عظيمة، انكسر فيها قانصوه، وقتل كثير ممن كان فى صحبته، واستولى آق بردى على ما كان معه، وأرسل إلى مصر برؤوس كثير من القتلى، وفيها رأس قانصوه. وقيل إنه اختفى، ولم يعلم له أثر، فلما وصل آق بردى إلى مصر، لم تستقم له الحال، بل حصل بينه وبين المماليك فتن وأمور يطول شرحها، حتى إنه حاصر القلعة، واستمر الحصار والقتال بينه وبين من كان فى القلعة مع السلطان فوق ثلاثين يوما، كانت فيها القاهرة معطلة الأسواق، مقفلة الدكاكين، وامتنع فيها البيع والشراء، ولم يكن أحد سوى العسكر يجسر أن يمشى فى طرقاتها، ثم انتهى أمر ذلك بانكسار آق بردى، وخروجه متسحبا إلى الجهات الشامية، فنزلت المماليك والعبيد من القلعة، وانتشرت فى أنحاء القاهرة للبحث عنه، وعمّن كان معه، وقتلوا من عثروا به منهم،

стр. 119

ونهبوا دورهم، ونهبت حارة زويلة، بما فيها من الدور، لأن آق بردى كان له بها حاصل ونهبت أيضا دور اليهود. واستمرّ النهب والقتل ثلاثة أيام بلا ممانع. وفى خلال ذلك قتل تمراز الشمسى، وكان السلطان قد عيّنه فى الأتابكية، ثم انضم إلى آق بردى. وبعد انقضاء هذه الحادثة أنعم السلطان على كثير من الأمراء، وأخذ فى تدبير الأحكام، مع طيش وخفة وقلة تبصر، فكانت مدته كلها شرا لجهله، وقبح أفعاله، ومعاشرته للعوام، والأراذل، فهتك حرمة المملكة، وأخلّ نظامها، وبلغ فى الخفة والطيش مالا يوصف، فمن ذلك أنه أهديت له مركب صغيرة، فجعلها فى البحيرة، ووضع بها مقدارا من الحلوى والفاكهة، والجبن المقلى، وصار ينزل بها، ويبيع كالبياعين، وأخرج جماعة من السجن، ووسّطهم بيده، والسياف يعلّمه كيف يوسط ويقطع الأيدى والآذان والألسن، وهو يفعل ذلك بيده … إلى أمثال ذلك من أفاعيل الطيش والخفة، وكثر شره وأذاه فى الرعية. وكان يؤديه طيشه إلى أفعال منكرة وأعمال فظيعة، فمن ذلك أنه هجم على الدور التى حول بركة الرطلى هو وأولاد عمه، وأخذوا ما أعجبهم من النساء بالرغم عن أهلهن، فارتاب منه الناس، وضجرت منه الأمراء، وقصدوا له السوء، وترقبوا الفرصة لذلك، فاتفق أنه توجه مرة إلى برّ الجيزة، وأقام بها أياما فى اللهو واللعب، وعند رجوعه أكمن له الأمير طمانباى كمينا، فقتله هو وأولاد عمه بقرب قرية الطالبية من أعمال الجيزة، ونقلت جثثهم إلى تربة قايتباى، ودفن مع أبيه فى سنة أربع وتسعمائة. فكانت مدته سنتين وثلاثة أشهر وأياما، وعمره حين مات سبع عشرة سنة، وكانت أيامه بمصر أيام عناء وبلاء، لكثرة ما حصل فيها من الفساد والاضطراب والغلاء والفناء والمصادرات وجور السلطان، وأذى المماليك. وقد أصاب البلاد الشامية أيضا نصيبها من ذلك، فلما وصل إليها آق بردى بعد خروجه من مصر - كما مر آنفا - أخذ فى الفساد والعسف فيها بالنهب والقتل، والحريق والتخريب، إلى أن مات سنة أربع وتسعمائة. وكانت مصر والشام فى تلك الأيام على أسوأ حال، وانضاف إلى تلك البلايا أن ظهر داء يقال له الحب الإفرنجى سنة ثلاث وتسعمائة، فأعيا الأطباء أمره، ولم يظهر بمصر قط، إلا فى ذلك التاريخ. وانضم لذلك أيضا فساد المعاملة، وكثرة الفلوس الجدد بأيدى الناس، حتى صارت البضائع تباع بسعرين سعر بالفضة وسعر بالفلوس، وأضرّ ذلك بالعام والخاص.

стр. 120

تولية السلطان قانصوه الأشرفى ولما هلك الناصر بن قايتباى، تولى السلطنة بعده السلطان أبو سعيد قانصوه بن قانصوه الأشرفى خال الناصر محمد بن قايتباى المتقدم، سنة أربع وتسعمائة. أقامته أخته مقام ولدها، وعمره فوق العشرين، وهو جركسى الجنس، ولما حضر إلى مصر تبين أنه أخو خوند أصل باى، أم الملك الناصر المذكور. وكان فى مدة السلطان قايتباى من جملة الجمدارية، ولما تولى ابنه جعله خازندارا كبيرا، وصار يدعى بخال السلطان، فعظم أمره، وخلع عليه السلطان وظيفة دوادار كبير، ثم صار استادارا، فلما قتل السلطان محمد بن قايتباى - كما مر - وقع الاختيار عليه، وتلقب بالسلطان الملك الظاهر، ولم يقم بمصر قبل توليته السلطنة إلا ست سنين، ولم يتفق ذلك لجركسى قبله، فعدّ ذلك من سعده، فلذلك كانت الأمراء تحسده، وتحقد عليه، مع حسن تدبيره للأمور، فكانت الفتن غير منقطعة من القاهرة، وزاد على ذلك قيام العرب فى الصعيد والوجه البحرى، حتى حصل للأهالى الضرر الشامل، فتفرقت العساكر فى جهات مصر، وبددت شمل العرب، وأسروا منهم عددا وافرا. وفى أثناء ذلك قام طومان باى، ومعه جملة من الأمراء، وحاصروا القلعة، وجرت بينهم وبين السلطان قانصوه أمور، انتهت بالقبض عليه وسجنه، فكانت مدته سنة وثمانية أشهر. *** تولية أبى النصر جانبلاط وتسلطن بعده السلطان أبو النصر جانبلاط الأشرفى سنة خمس وتسعمائة، ولقّب بالملك الأشرف، فأقام بها نصف سنة، وبنى المدرسة الجانبلاطية خارج باب النصر، وكانت الفتن كل يوم فى ازدياد. وقد أكثر المصادرات للأمراء والمباشرين واليهود والنصارى، للصرف على العساكر، فكثر الاضطراب والقال والقيل. وفى أثناء ذلك وصلت الأخبار من الشام بأن جميع نوابها شقوا عصا الطاعة، ورفعوا لواء العصيان، فجهّز السلطان جيشا، ووجهه تحت قيادة الأمير طومان باى، فلما وصل قابله النواب، وسلّموا مقاليد الأمور إليه، وسلطنوه، ولقبوه بالعادل، وأخذوا فى أهبة السفر إلى مصر، فلما بلغ السلطان جانبلاط ذلك، حصّن القلعة، وجمع فيها الذخائر. فلما وصلوا حاصروا القلعة، وحصل قتال شديد فى الرميلة، وجهة باب الوزير والصليبة، واتّخذ جامع السلطان حسن معقلا، وكذا جامع شيخون، وحفرت الخنادق فى الصليبة، وحدرة البقر

стр. 121

- وهى شارع المظفّر - وباب الوزير، فقتل كثير من الفريقين، وخرّبت بيوت، ثم أخذت العساكر تنضم إلى العادل، حتى اضطر جانبلاط إلى الفرار، فقبض عليه وسجن بالإسكندرية حتى مات. *** تولية السلطان طومان باى الأشرفى وتولى السلطنة بعده السلطان طومان باى الأشرفى سنة ست وتسعمائة، وبايعه القضاة وغيرهم، ولقّب بالملك العادل، وهو مملوك الأشرف قايتباى، فأقام بها سبعة أشهر، وبنى بها مدرسته العادلية، وتربته التى خارج باب النصر، وكانت من أجمل المبانى، ولم يبق منها إلا القبّة التى على يسار الذاهب إلى العباسية، وتعرف الآن بقبة الفداوية. وكان آخذا حذره من الأمراء، وهم آخذون حذرهم منه، لما كان بينهم من البواطن، فلما كان يوم العيد، أراد القبض على بعضهم، فاستشعروا بذلك، فحزّبوا الأحزاب، وقاموا عليه قومة واحدة، ومعهم الأمراء، الذين كانوا مختفين من مدة جانبلاط، فلم يجد بدا من الفرار، وقيل إنه قتل. *** تولية السلطان أبى النصر قانصوه الغورى ثم تولى المملكة بعده السلطان أبو النصر قانصوه الغورى سنة ست وتسعمائة، ولقّب بالملك الأشرف، فأقام بها خمس عشرة سنة وتسعة أشهر. وكان جبارا، كثير القتل والسفك، وله عدة مبان ومبار، قمع الأمراء، وأذل المعاندين، وأخاف المفسدين، فأمّن السبيل، وسكّن الفتن. ورتّب للأزهر كل رمضان ستمائة وسبعين دينارا ومائة قنطار عسلا، وخمسمائة إردب قمحا، وبنى دائرة الحجر الشريف، وبعض أروقة المسجد الحرام، وباب إبراهيم، وجعل علوّه قصرا شاهقا، وتحته ميضأة، وبنى فى طريق الحاجّ المصرى عدة خانات وآبار. وأنشأ بالقاهرة مدرسته، بسوق الجملون، ومدفنا فى مقابلتها، على جانبى سوق الغورية وأنشأ المنارة المعتبرة بالأزهر والبستان تحت القلعة، والسبع السواقى لمجرى الماء، من مصر العتيقة إلى القلعة، وعمّر بعض أبراج الإسكندرية، وغير ذلك من العمارات الكثيرة النافعة.

стр. 122

ومع ذلك كان كثير الطمع والظلم، يصادر الناس، ويأخذ أموال من يموت، ومماليكه يظلمون الناس. ووقعت بينه وبين السلطان سليم، ملك الدولة العلية العثمانية فتنة، والتقى جيشاهما بمرج دابق، شمالى حلب بمرحلة سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فانهزم عسكر الغورى، بمكيدة خير بك والغزالى، وفقد الغورى تحت أرجل الخيل. *** تولية الملك الأشرف طومان باى ثم تولى الملك بعده الملك الأشرف طومان باى الجركسى ابن اخيه، وبه انتهت مدة الجراكسة بمصر، وكانت مائة وإحدى وعشرين سنة. وكانت القاهرة قبلهم بلغت حدّها فى الاتساع. وبسبب ما كان يقع بها من الحروب المتوالية، والوباء والغلاء والحرق والفساد، وكانت تتقلب فى أطوار العمارة والدمار، فتستجد جهات، وتخرب جهات، فيصير العامر دارسا، والدارس عامرا، بحسب تغير الدول والأحوال. وكان المعتنى بها كثيرا من مدة الدولة الأيوبية القلعة، فبنيت فيها المبانى الفاخرة، والقصور الزاهرة، وعمر ما حولها، فاتصلت بأسوارها العمائر بالمحجر والرميلة، وكانت مقر السلطنة. وكانت بها خزانة كتب أحرقت سنة إحدى وتسعين وستمائة. وكانت القلعة مسكن المماليك السلطانية، وخواص الأمراء بنسائهم ومماليكهم ودواوينهم وطبلخاناتهم وفرشخاناتهم وشريخاناتهم ومطابخهم، وسائر وظائفهم. وكان بها عدة أبراج لسجن الأمراء والمماليك، وجبّ هائل مظلم، كريه الرائحة، كثير الوطاويط، معد لذلك أيضا، قد عمّره الملك المنصور قلاوون سنة إحدى وثمانين وستمائة، وأبطله الناصر محمد بن قلاوون سنة تسع وعشرين وسبعمائة. واستجد فى أيام الجراكسة عمائر فخيمة بالقاهرة وبولاق ومصر العتيقة، وكثرت القصور والبساتين فى ضواحى المدينة. وكان نطاق العمارة آخذا فى الاتساع، مع كثرة التقلبات وتواليها، لما أنهم كانوا يتنافسون ويتفاخرون فى بناء الدور والمدارس والجوامع والربط والأسبلة والقبور. وكان لهم خيرات جزيلة ورزق واسعة، وكان أهل مصر ينتفعون بما فى أيديهم من الرزق والدوائر، وكان خدمهم يبيعون للناس ما يصل إلى أيديهم من اللحم والسمن والعسل،

стр. 123

وسائر أنواع المأكولات والملبوسات، ونحو ذلك بأبخس الأثمان، فكان لهم سوق يباع فيه الفاضل من الأطعمة التى أخذها الخدمة من الأسمطة. وبقوا على ذلك زمنا ثم فشا فيهم الظلم والعدوان، وكثرت المصادرات، وغلبت سيئاتهم على حسناتهم، ومالوا إلى الغواية والفساد، وأخلّوا بكثير من شعائر الدين، فمزّقهم الله كل ممزق، فسبحان من لا يزول ملكه. ***

стр. 124

ذكر بعض مصنوعات الملوك المتقدم ذكرهم وطرف من ترتيباتهم وعوائدهم وغيرها ويحسن بنا قبل الكلام على ما آل إليه أمر مصر بعد تبعيتها للدولة العلية العثمانية أن نذكر بالإيجاز بعض مصنوعات الملوك المتقدم ذكرهم، وطرفا من ترتيباتهم وعوائدهم، وما حصل من التغيرات فى المبانى وغيرها، ليقاس الحاضر على الماضى، فنقول: لم تمكث دولة الأكراد أكثر من إحدى وثمانين سنة وسبعة عشر يوما، وقام من بعدهم الأتراك، وعقبهم مماليكهم، ومماليك مماليكهم، ومنهم دولتا البحرية والبرجية، أقاموا فى الملك مائتين وسبعة وخمسين سنة وسبعة أشهر وتسعة أيام. فمدة الجميع - من حين زوال دولة الفاطميين إلى انقضاء دولة المماليك - ثلثمائة وثمانية وثلاثون سنة وسبعة شهور وستة وعشرون يوما. [إبطال مذاهب الشيعة] ومن وقت أن جلس السلطان صلاح الدين الأيوبى أخذ يغيّر عوائد الفاطميين. فكان أول شئ أجراه من ذلك إبطال مذاهب الشيعة، وعزل قضاتهم، وترك رسومهم، وإجراء الخطبة باسم الخليفة العباسى. وشرع فى إقامة السنة، وإماتة البدعة، وتعزيز الشريعة، واستحوذ على أملاك الفاطميين، وفرّق أملاك أمرائهم على أمراء الأكراد، واستبدل العسكر؛ فبعد أن كان الجند من العرب والعبيد والأرمن والترك، صار جميعه من الجركس والروم، والأكراد والتركمان، ثم تغير من بعد الأيوبية، حتى صار غالبه من مماليك الشراء. [جلب المماليك ونظم تربيتهم وإعاشتهم] ولما كثرت الوقائع بالمشرق بين التتر ومن جاورهم، وبيع الكثير من الأسرى، وتنقلوا فى الأقطار، اشترى الصالح نجم الدين منهم جماعة، وسمّاهم بالبحرية، فترقى الكثير

стр. 125

منهم إلى المراتب الرفيعة، حتى تملّك منهم ناس، أولهم المعز أيبك. ومعهم كان لقطز الوقعة المشهورة بعين جالوت، وهزمهم، وأسر الكثير منهم، فكثروا بمصر والشام. وفى زمن الظاهر بيبرس، كثر الوافدون من المغل وملأوا مصر، وانتشرت بها عاداتهم وطرقهم. وكان لملوك مصر وقتئذ عناية بالمماليك من جميع الأجناس، واحتفال زائد بتربيتهم، وكانوا يسكنونهم القلعة فى طباق مخصوصة، وإذا اشتروا الواحد منهم، سلموه لطواشى يعلمه القراءة والكتابة، وألحقوه بطائفة من جنسه. وكان لكل طائفة فقيه يعلمهم أمور الدين والآداب والقرآن، فاذا شب وقوى، سلّم لمعلم يعلمه أنواع الحرب، من رمى النشّاب، ولعب السيف والرمح. وكانوا إذا ركبوا للرمى لا يجسر جندى أن يكلمهم، ولا يدنو منهم. وكانوا ينقلونهم فى الخدم على حسب الاستعداد، حتى يصير منهم الأمير والوزير. ولم يزالوا كذلك، إلى أن كان زمن الناصر فرج، فأهمل شأنهم، وترك أحوالهم، فأصبحوا من أرذل الناس وأدناهم، وأخسهم قدرا، وأشحهم نفسا، وأجهلهم بأمر الدنيا، وأكثرهم إعراضا عن الدين. قال المقريزى: ما فيهم إلا من هو أزنى من قرد، وألص من فأرة، وأفسد من ذئب. فكان ذلك داعيا لفساد حال المملكة وخرابها. [نظم العسكر وأمرائهم وهبات العلماء والقضاء] وكان للسلاطين أيضا اعتناء بأمر العسكر فبالغوا فى مرتباتهم، وإقطاعات الأمراء منهم حتى كان يبلغ مرتب بعض الأمراء إلى عشرين ألف دينار: الثلث للأمير خاصة والثلثان لجنده، وكان لأعيانهم غير ذلك؛ كاللحم بتوابعه، والخبز، وعليق الخيول والدواب، ولأكابرهم السكر والشمع والزيت، والكسوة فى كل سنة، والأضحية بحسب الدرجات، وفى رمضان السكر والحلوى، وإذا نشأ لأحدهم ولد أطلق له الدنانير واللحم والخبز وعليق الدواب، حتى يتأهل للإقطاع فى جملة الحلقة، ثم ينقل إلى إمرة عشرة أو طبلخانة أو غيرها، حسب حظه. [اختلاف الأزياء باختلاف الرتب] ولم تكن تلك الهبات مقصورة على طوائف العسكر، بل كانت متعدية إلى أصحاب الأقلام، والقضاة على طبقاتهم، والعلماء والخطباء على اختلافاتهم. وقد أطال المقريزى فى شرح الإنعامات الواصلة كل سنة لأكابر المئين ومن دونهم، كما أطاله فيمن تقدم ذكرهم. وكان ذلك يصرف من الخزانة السلطانية، ومحلها بالقلعة، ولها ناظر من القضاة الأعلام.

стр. 126

وكانت العادة أن الخلعة إذا خلقت أعيدت للخزانة، وصرف بدلها. ومن نظر إلى ما يكون بها من الزركش والجوهر والذهب، رأى أن الخلعة الواحدة تفوق الحد فى المصاريف. وكانت خلع أكابر المئين من الأطلس الأحمر الرومى، وتحته الأطلس الأصفر الرومى، وعليها طراز وزركش مذهب بكلاليب من الذهب، وشاش لانس رفيع موصول بطرفيه حرير أبيض، مرقوم عليه ألقاب السلطان منقوش بالحرير الملون النقوش الباهرة، ومنطقة بالذهب مختلفة بحسب الرتبة، فأعلاها به البلخش والزمرد واللؤلؤ، وبيكارية مرصعة وغير مرصعة. ومن تقلّد ولاية يعطى له سيف محلى بالذهب، وفرس بسرجه ولجامه، وله كنبوش من الذهب أيضا. وكان لكل منهم علامة تميزه بحسب الدرجة والولاية. وأما أمير أقل من مائة وأقل منه، فكل بحسبه. وأجل خلع الكتّاب الكمخ الأبيض المطرز بالحرير الساذج، والسنجاب المقندس، وتحته كمخ أخضر، وبيقار مرقوم وطرحة، ودونها عدم السنجاب، ويكون القندس بدائر الكمّين فقط، ودونها ترك الطرحة، وهكذا لتميّز الدرجات. وكانت خلع القضاة والعلماء من الصوف بغير طراز، ولهم الطرحة، وأجلها البيضاء، ثم الخضراء، ثم غيرهما. وخلع الخطباء هى السواد، تحمل إلى الجامع من الخزينة، وهى دلق مدور، وشاش أسود، وطرحة سوداء، وعلمان أسودان، مكتوب فيهما بالأبيض أو بالذهب. وثياب المبلغ مثل ذلك، ما خلا الطرحة. [عادات منح الخلع والإنعامات والرواتب] وكان للسلطان عادات فى إعطاء الخلع، كابتداء جلوسه على الدست، وتشمل الخلع حينئذ سائر رجال الدولة، وقد خلع فى يوم إقامة الأشرف بن حسين بن محمد بن قلاوون ألف ومائتا خلعة، وكوقت اللعب بالكرة، فيخلع على الجوكندارية، ومن له خدمة فى ذلك، وكأيام الأعياد، وأوقات الصيد، فاذا سرح أحد مصيده أو أحضر غزالة أو نعامة خلع عليه بما يناسب قدره، وكذا يخلع على البردارية وحملة الجوارح، ومن يجرى مجراهم فى كل سنة عند أوان الصيد. وكان ينعم على غلمان الطشتخانة والشرابخانة والفرشخانة، ومن يجرى مجراهم، وكذا من يصل إلى الباب من الأغراب زائرا، أو مهاجرا من مملكة أخرى تدر عليه أنواع العطايا والأرزاق والخلع على حسب حاله، وكذا التجار الذين يبيعون من متاجرهم للسلطان يخلع عليهم، فضلا عمالهم من الرواتب الدائمة من الخبز والتوابل والحلوى، والعليق

стр. 127

والمسامحات، فى نظير ما يباع من الرقيق، مع ما يترك لهم من حقوق أخرى، ولو باع أحدهم للسلطان ولو واحدا من الرقيق، فله خلعة كاملة، زائدة على أصل الثمن، وله إنعامات وسفارات، تطلق على سبيل الاتجار. وكان أمراء العسكر يلبسون أنواع الكمخ والخطئى والكنجى والمخمل والإسكندرانى والشرب والنصافى والأصواف الملونة، ثم بطل لبس الحرير فى أيام الظاهر برقوق، واقتصر على لبس الصوف الملون فى الشتاء، والنصافى المصقول فى الصيف. وكانت العادة أن السلطان يتولى بنفسه استخدام الجند، فاذا وقف بين يديه كاتب الإقطاع المحلول، ووقع اختياره على أحد. أمر ناظر الجيش بالكتابة له، فيكتب ورقة مختصرة تسمى المثال مضمونها خبز فلان كذا، ثم يكتب فوقها اسم المستقر له، ويناولها السلطان، فيكتب بخطه، ويعطيها الحاجب لمن رسم له، فيقبّل الأرض، ثم يعاد المثال إلى ديوان الجيش فيحفظ هناك، ثم يكتب مربعة بخطوط وعلامات جميع المباشرين، وترسل إلى ديوان الإنشاء، فيكتب المنشور، ويعلم عليه السلطان. فمن الجند من يقطع له بلاد يستغلها، وينتفع بها كيف شاء، ومن يقطع له نقود يتناولها من جهات؛ كمقرر طرح الفراريج، والمكوس كساحل الغلة، وكالسمسرة، ورسوم الولاة والأفراح، وحمايات المراكب، وغير ذلك مما ذكره المقريزى حتى تملّك المنصور لاجين، فجعل أرض مصر أربعا وعشرين قيراطا، اختصّ منها بأربعة، وجعل للجند عشرة، وللأمراء عشرة، فكان الأمراء يأخذون كثيرا من إقطاعات الأجناد، فلا يصل إلى الأجناد منها شئ، ويصير ذلك الإقطاع فى دواوين الأمراء. فلما أفضت السلطنة إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون راك البلاد، فصارت الإقطاعات كلها بلادا، وجعل لخاصته عدة نواح، بلغت عشرة قراريط من الإقليم، وصارت إقطاعات الأمراء والأجناد وغيرهم أربعة عشر قيراطا، وبلغت عدة الجيوش فى زمنه أربعة وعشرين ألف فارس، وكانت لهم رسوم وعادات سرت لهم - مع سير الزمان - من عادات أهل البلاد والأمراء، فقبل اختلاطهم بالتتر كانوا - لتربيتهم بدار الإسلام - يحفظون القرآن، ويفقهون الأحكام، ويتّبعون السنة. الجلوس بدار العدل كانت الملوك تجلس بدار العدل بكرة كل خميس واثنين طول السنة، ما عدا شهر رمضان، للنظر فى المظالم. وتجلس قضاة المذاهب الأربعة عن يمين الملك، يليه الشافعى، ثم الحنفى، ثم المالكى، ثم الحنبلى، ثم وكيل بيت المال وناظر الحسبة، وعن يسار السلطان

стр. 128

كاتب السر، وأمامه ناظر الجيش، وجماعة الموقعين المعروفين بكتاب الدست وموقعى الدست على هيئة دائرة، والأمراء واقفون. قوانين البلاد وذكر السياسة فلما صار أغلب رجال الدولة من التتر غلبت قوانين التتر على قوانين البلاد، ودخلت شرائعهم هذه البلاد، وسمع باسم السياسة، ومن وقتئذ خلط الحق بالباطل، ومزج الحسن بالقبيح، وبعد أن كانت الأحكام تبت على مقتضى الشريعة المطهرة قسّمت إلى سياسية وشرعية، ففوّض لقاضى القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية، من الصوم والصلاة، وأمر الأوقاف والأيتام، والنظر فى الأقضية الشرعية، كالديون والزوجية، وجعلوا لأنفسهم فى أقضيتهم قوانين رجعوا فيها إلى أصول جنكز خان، التى تسمى «الياسة»، واقتدوا بحكمها، فنصبوا الحاجب ليقضى بينهم بها فيما اختلفوا فيه، والأخذ على يد القوى وإنصاف المظلوم، على مقتضى ما فى «الياسة». و «الياسة»، كلمة مغلية، حرّفها الناس، فزادوا فيها سينا، فقالوا «السياسة»، وهى عبارة عن قوانين الأحكام التى وضعها جنكز خان، بعد أن صار ملكا، ونقشها على صفائح الفولاذ، وجعلها شريعة لقومه، فالتزموها. ومع هذا فقد جدّ الكثير منهم فى اتساع نطاق الثروة والرفاهية، وكثرت فتوحاتهم، وانتشر صيتهم، واتسعت مصر بكثرة الوافدين، وعمرت أطرافها، وحدثت بها دروب وحارات وأسواق، لبيع ما يحتاج إليه. أسواق الأسلحة والملابس فحدثت سوق السلاح محل الخردجية الآن، وسوق المهاميز، وكان يباع بها المهاميز من الذهب والفضة والمكفت، والبدلات التى برسم لجم الخيل، وكان أغلبها مجراة بالمينا، وسوق الشرابشيين نسبة إلى الشربوش (وهو ما يوضع على الرأس شبه التاج، مثلث الشكل، يلبسه السلطان لمن يرقيه إمرة) ومحله الآن الشرم والجملون، وكان يباع فيه أيضا الخلع التى يلبسها السلطان للأمراء، والوزراء وغيرهم. ذكر الملابس كان السلطان والعسكر يلبسون على رؤوسهم الكلوتة بدل العمامة، وكانت العادة أن تكون صفراء مضربة تضريبا عريضا، ولها كلاليب، ويضفرون شعورهم، ويرسلونها بين

стр. 129

أكتافهم موضوعة فى كيس من الحرير، أحمر أو أصفر، ويشدون أوساطهم ببنود من قطن بعلبكى مصبوغ، عوض الحوائص، والأقبية البيض أو المشجرة بالأحمر والأزرق الضيقة الأكمام أشبه بملابس الإفرنج، ومن فوق القباء كمران بحلق وإبزيم وصالق بلغارى، يسع أكبره أكثر من نصف ويبة من الغلة، مغروز به منديل، طوله ثلاثة أذرع، وله أخفاف من الجلد الأسود البلغارى، ومن فوق الخف خف آخر، يقال له السقمان. ولم يزل هذا زيهم إلى سنة ثمانية وأربعين وستمائة، فأدخل المنصور قلاوون فيه بعض تحسين. ولما كان زمن الأشرف خليل صارت الكلوتة من الزركش والقباء من الأطلس، واتّخذت السروج والأكوار المرصعة، وعرفت بالأشرفية. ولما ملك الناصر محمد بن قلاوون أحدث العمائم الناصرية، وكانت صغيرة وأحدث الأمير يلبغا العمرى الكلوتات الكبيرة، وعرفت باليلبغاوية. وأحدث الأمير سلار القباء الذى عرف بالسلارى، وكان قبل يعرف بالبغلطاق (وهو شبه المضربية). وفى زمن السلطان برقوق عملت الكلوتات الجركسية، وهى كبيرة وفيها عوج، وكثر لبس الحياصة، وتأنّق فيها الأمراء والعسكر، وكان لها سوق مخصوص من أعظم أسواق القاهرة. وفى زمن الناصر محمد وصلت قيمة الحياصة إلى ثلثمائة دينار - عبارة عن مائة وخمسين جنيها فى زماننا - وعملت من خالص الذهب، وكثيرا ما كانت ترصع بالجواهر، وكان السلطان يفرق منها كل سنة عددا وافرا. ومما كثر استعماله فى زمانهم العنبر، حتى جعله النساء قلائد، فلا توجد امرأة إلا ولها منه قلادة، وعمل منه أهل الثروة الستور والمساند. وكثر أيضا استعمال الفراء، وكانت من أعز الأشياء مدة الترك، وفى دولة الجركس جعل لها سوق، محل التبليطة من الغورية الآن، وكان يباع فيه السمور والوشق والقاقم والسنجاب. وكذا كثر لبس الطواقى للصبيان والأجناد والنساء والجوارى، وكانت تصنع خضرا أو حمرا أو زرقا، وكانت تزيد على الرأس أولا سدس ذراع، ثم ارتفعت نحوا من ثلاثة أرباع ذراع فى زمن الناصر فرج، وكانت مدورة من أعلاها وأسفلها بفرو من السمور، وكانت من أشنع ما يرى. وكما تغيرت فى زمنهم هيئة الملبس كذلك تغير المأكل والمسكن، فاستجد من الأطعمة ما لم يكن معروفا قبلهم، وسمّوها بأسماء من لغتهم.

стр. 130

[قصور الناصر محمد بالقلعة] وتغالوا فى الأماكن، وبالغوا فى زخرفتها وزينتها، فبنى الناصر محمد بالقلعة عدة قصور بالحجر الأسود والأصفر من خارجها، وفى داخلها الرخام المشجّر بالصدف وأنواع الزينة، مرصعا بفصوص الذهب، وأبدع فى سقوفها، فكانت مدهونة باللازورد، محلاة بالذهب، وجعل فى جدرانها طاقات من الزجاج القبرسى الملون كالجوهر، والنور يخترق محالها من تلك الطاقات، فيرى له منظر عجيب. وجلب إليها من الأقطار البعيدة أنواع الرخام، ففرش به أراضيها، وجعل فيها البساتين البهيجة، وفيها محلات للحيوانات الغريبة، وساحات للحيوانات الداجنة. وأجرى إليها الماء من النيل بواسطة دواليب بعضها أعلى من بعض حسب ارتفاع الأرض على المسافات، تديرها البقر، يوصل كل ماءه إلى أعلى، حتى يصل الماء إلى مقره من القصور وبيوت الأمراء. فكان ذلك من أعجب الأعمال إذ الماء يرتفع من النيل إلى القلعة فى أزيد من خمسمائة ذراع. وكان من أبهجها القصر الأبلق - محل الطوبخانة الآن - مشرفا على الاصطبل وسوق الخيل (حيث الرميلة الآن) آخذا فى الارتفاع، بحيث كانت ترى منه القاهرة وضواحيها، والجيزة وقراها. ولائم إتمام الدور ولما تم بناء هذا القصر سنة أربع عشرة وسبعمائة عمل فيه السلطان وليمة حضرها جميع الأمراء وأهل الدولة، فأفاض عليهم الخلع السنية، وحمل إلى كل أمير من أمراء المئين، ومقدمى الألوف ألف دينار، ولمن بعدهم كل خمسمائة دينار، وبلغت النفقة عليها ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم. وقد بنى أيضا قصرين محل جامع السلطان حسن لأميرين من أتباعه على نفقته، بلغت النفقة على أحدهما أربعة ملايين وستين ألف درهم. (عبارة عن مائتى ألف جنيه وثلاثة آلاف جنيه)، وبنى غيره من الأبنية ما يفوق الوصف. ولو أطلقنا عنان القلم فى ذلك لطال الحال، فانظر إلى ما كان عليه هؤلاء من السعة والدعة، وقد أبادهم الدهر وما صنعوا، حتى لم يبق من آثارهم إلا ما لا يذكر. وكذا بنى أمراؤهم ما يقارب أبنيتهم، مثل اليحياوى اليوسفى، مملوك الناصر بن قلاوون فإنه بنى دارا بقصبة رضوان صرف على بوابتها فقط مائة ألف درهم (عبارة عن خمسة

стр. 131

آلاف دينار)، ولما مات أسكنها الناصر ابنته، وعرفت بالدار القردمية، ومحلها الآن بيت رضوان كتخدا. وكذا بكتمر الساقى صرف على بناء قصره نحوا من ألفى ألف درهم (عبارة عن مائة ألف جنيه)، ومحله الآن ورشة الحوض المرصود، وكذا بشتك صرف على قصره الذى بناه مقابل قصر البساسيرى بالنحاسين - وبعضه باق إلى الآن - ما لا يحصى، وكان ارتفاعه نحوا من أربعين ذراعا كما تقدم. وكانت العادة أن السلطان أو الأمير إذا أتم بناء دار أولم، ودعا الأمراء والأعيان، وخلع الخلع الغالية، وفرّق النقود، وأكثر من الهبات، كما فعل الناصر عند بناء القصر الأبلق، كما قدّمنا. وكذا الأشرف خليل حين أتم قصره المعروف بالأشرفى سنة اثنتين وتسعين وستمائة صنع مهما لم يصنع نظيره فى الدولة التركية، وختّن أخاه الملك الناصر وابن أخيه الأمير موسى ابن الصالح، واحتفل فى ذلك الختان احتفالا زائدا، وجمع كافة أرباب الملاهى والمغنين، وأعطاهم ما يقصر عنده العطاء، فأعطى البلبل المغنى وحده ألف دينار. ولما اجتمع الأمراء وقاموا للرقص - وكانت تلك عادة فيهم من عادات المغول - أمر السلطان الخازندار، وكان واقفا، وبين يديه أكياس الذهب، بأن ينثر على رؤوسهم الذهب، فلم يزل كذلك كلما قام واحد ينثر على رأسه، حتى فرغ الختان، وأنعم على كل أمير بفرس كامل القماش، وألبسه خلعة عظيمة، وأعطى كثيرا منهم كل واحد ألف دينار وفرسا، وأعطى ثلاثين من الخاصكية كل واحد خمسة آلاف دينار. وبلغ ما ذبح من الغنم ثلاثة آلاف، ومن البقر ستمائة، ومن الخيل خمسمائة. وصرف من السكر برسم المشروب ألف وثمانمائة قنطار، وبرسم الحلوى مائة وستون قنطارا، وبلغت النفقة على الأسمطة والمشروبات والأقبية والطرز والسروج وثياب النساء ثلثمائة ألف دينار. وهكذا كانت احتفالاتهم فى التزويج والختان، فقد ذكروا أن الملك الناصر، حين زوّج ابنه «أنوك» بابنة «بكتمر» الساقى، عمل مهما من أعجب ما يرى، وحمل الشوار على ثمانمائة جمل، بيّن المقريزى كلاّ وما حمل. [الأسمطة والمأكولات] وكان من عادات السلاطين أن يمدوا الأسمطة طرفى النهار لعامة الأمراء، فيمد أولا سماط لا يأكل منه السلطان، ثم يمد ثان ويسمى الخاص، فتارة يأكل منه وتارة لا، ثم ثالث ويسمى «الطارى»، ومنه مأكول السلطان … هذا أول النهار، وأما آخره فيمد سماطان

стр. 132

دائما، وإذا دعا بالثالث حضر، وإلا فلا. ويؤكل جميع ما عليها، ويفرق نوالات، ثم يفرق بعده الأقسماء المصنوعة من السكر، والأفاويه المطيبين بماء الورد المبردة بالثلج وكان يجلب الثلج من السواحل الشامية. وكانت العادة أن يبيت فى كل ليلة بالقرب من السلطان أطباق فيها أنواع من المطجنات والبوارد والفطير والقشطة والجبن المقلى والموز والسكباج، وأطباق فيها من الأقسماء والماء البارد، برسم أرباب النوبة فى السهر حول السلطان، ليتشاغلوا بالمأكول والمشروب عن النوم، ويكون الليل مقسوما بينهم ساعات، فاذا انتهت نوبة جماعة نبهت التى تليها ثم ذهبت هى فنامت إلى الصباح، هكذا أبدا سفرا وحضرا. وبلغ مصروف سماط عيد الفطر زمن الناصر خمسين ألف درهم (عبارة عن ألفين وخمسمائة دينار)، وكان يعمل فى سماط الظاهر برقوق كل يوم خمسة آلاف رطل لحم، سوى الأوز والدجاج، وكان راتب المؤيد شيخ كل يوم ثمانمائة رطل. وسماط الأشرف برسباى بكرة وعشية ستمائة رطل. [العمائر الخاصة فى القاهرة] ولا يخفى أن بين كل مملكة وعاصمتها ارتباطا ونسبة، فعلى قدر ما يكون حال المملكة سعة وثروة، يكون أمر عاصمتها عمارة وبهجة ونظاما وحال أهلها غنى ورفاهية، وقد علم أنه من وقت أن جلس السلطان صلاح الدين على تخت مصر أخذ فى توسعة نطاقها، فألحق بها اليمن والنوبة وغيرهما، وبما كان له من السطوة والهيبة، وعلو الشأن، عظّمه ملوك الإفرنج وهابوه، مذ جلاهم عن أرض القدس وسواحل الشام، وانتصر عليهم بعزماته فى غزواته، وراسله خلفاء بنى العباس، وهاداه ملوك الأطراف، فاتسعت إذ ذاك دائرة الديار المصرية. ولميله إلى العدل، وحب الخير عمر الإقليم، وانتظم معاش أهله، وانتشر الأمن فى أنحائه، فحجّه أصحاب الأغراض، وقصده العلماء وأرباب الحرف والصنائع، وجلب إليها التجار ما غلا من البلاد القاصية والدانية، فبلغت النهاية فى الغنى والعمارة، حتى لم يبق من الرحاب التى كانت زمن الفاطميين على سعتها شئ إلا بنيت فيه الدور وغيرها من الأبنية، ثم أخذ الناس يبنون خارجها، كجهة المحجر والصليبة، وباب الخرق وشاطئ الخليج، بل أوسعوا المدى إلى مصر العتيقة وجزيرة الروضة ودير الطين والأثر، وكذا بنوا فى الرمال التى حدثت بعد بستان التكة وبستان المقس.

стр. 133

ولم تزل تمتد، إلى أن زالت دولة الأكراد، وقامت بعدهم دولة الأتراك وأولهم أيبك التركمانى، فلم يعتر سير العمارة فتور، بل لم تزل تزداد، حتى عمرت جهة الحسينية، وباب اللوق، وحكرت بعض البساتين. وكذا استمر سير العمارة فى دولة الجراكسة بعدهم، وحصل بها كثير من الرونقة والتحسين، وحدثت القباب الجركسية العظيمة، والقاعات المصرية، فبنى السلطان حسن قاعة البيسرية، وأتمها سنة تسعين وسبعمائة، وكان ارتفاعها عن وجه الأرض ثمانية وثمانين ذراعا، وعمل بها برجا لمبيته من العاج والآبنوس المطعم، وبابا ينزل منه إلى الأرض كذلك، وقبة بعقد مقرنص قطعة واحدة يكاد الناظر إليها أن يندهش حسنا، وجعل شبابيكه ودرابزينه وشرفاته من الذهب الخالص. وأما ما جعل فى هذه القاعة من نحو الفرش والآنية فشئ لا يحصره القلم، فمن ذلك تسعة وأربعون ثريا برسم وقود القناديل، جملة ما فيها من الفضة المضروبة مائتان وعشرون ألف درهم، وكلها مطلية بالذهب. وعمر الصالح عماد الدين اسماعيل بن محمد بن قلاوون الدهيشة سنة خمس وأربعين وسبعمائة لما بلغه أن الملك المؤيد صاحب حماة عمر بها دهيشة لم يبن مثلها، فقصد محاكاته وبعث بجيج المهندس مع بعض الأمراء للنظر فى دهيشة حماة، وكتب لنائبى حلب ودمشق أن يحملا على الجمال ألفى حجر أبيض ومثلها أحمر، فأرسلت إلى قلعة الجبل، وصرف على كل حجر من دمشق ثمانية دراهم، ومن حلب اثنى عشر، واستدعى لها الرخام العجيب، وأحضر له برعة الصناع، وبلغ مصروفها خمسمائة ألف درهم، سوى ما جلب من الجهات المتقدمة وغيرها، وفرشها بما يجل وصفه من أنواع الفرش. وكذا عمر الناصر بن قلاوون سبع قاعات تشرف على الميدان وباب القرافة أسكنها سراريه، وكنّ ألف وصيفة، ومائتين من المولدات، ومن غيرهن كثير. وكذا بنى الأشرف خليل الرفرف مشرفا على الجيزة كلها، وبيّضه وجعل فيه صور الأمراء والخواص، وعقد له قبة على العمد، وزخرفها بأنواع الزينة، وجعله مجلسا له، وجلس فيه من بعده من السلاطين، إلى أن هدمه الناصر بن قلاوون. [عمارة المساجد والمدارس] ولما تغيرت هيئة المبانى الخاصة - كما علمت - تغيرت هيئة المبانى العامة، كالمساجد والمدارس. فإن المسجد أولا، إنما كان عبارة عن مكان مفروش، مبنيا بالطوب جما، بلا منارة ولا منبر ولا محراب، مفروشا بالحصباء والرمل، فجعلوه من أفخم الأبنية وأرفعها، وبنوه

стр. 134

بالأحجار الضخمة، وزيّنوه بأنواع الزينة داخلا وخارجا، وجعلوا له الشرافات والمنارات البديعة، وأحدثوا القباب الرفيعة، وتغالوا فى نظامها وزينتها، خصوصا أيام الناصر، وأحدثوا المحاريب، المطعمة بالصدف والعاج والآبنوس، والأعمدة الممنطقة بالفضة، واللواوين الواسعة. وقد كان المؤذن سابقا ينادى بالأذان على سطح المسجد، ثم بنيت له غرفة يؤذن فيها، ثم أخذوا فى تحسينها، حتى جاءت كهيئة مئذنة ابن طولون، سلمها محيط بها من الخارج، ثم جعلت زمن الأكراد كالهيئة التى بجامع الجاولى والمدرسة المسعودية (التى هى الآن تكية المولوية، ويسميها الناس المبخرة)، ثم كانت فى زمن المماليك من أفخر المبانى على الهيئات التى تراها فى مسجد السلطان حسن، وبرقوق. وكذلك اعتنوا ببناء المدارس والمدافن والخانقاه، وذلك لعلو شأنهم، وسعة نطاق ملكهم. وبالجملة، فقد كانت همتهم مصروفة إلى العمارة، وتوسعة دائرة المملكة. وقد أفرد الناصر ديوانا للأبنية، وجعل مقرره كل يوم اثنى عشر ألف درهم، فحذا حذوه الأمراء والتجار، حتى ازدحم خارج مصر بالمبانى، وكثرت المدارس والمكاتب، وامتلأت بطلاب العلوم. ولالتفات السلطان والأمراء إلى العلماء والإغداق عليهم بالهبات، وتقليدهم الوظائف السامية، والرتب العالية، كالوزارة، ونظارة بيت المال، ونظارة الخاص، وكتابة السر، والقضاء والشهادة، وغير ذلك، اجتهدوا فى توسعة المعارف، وتفننوا فى العلوم، حتى كانت مصر من أوسع الكرة الأرضية ذكرا فى ذلك. [اتساع القاهرة] ولما اتخذ الناصر ميدانا بقرية منية الشيرج، يسرح إليه فى أيام معلومة، كان يعتنى بها الأمراء وأرباب الدولة، فصنع بها ما لا يوصف، وزرع بها البساتين المعجبة، وأحضر إليها البساتينية من الشام، حتى عادت كأحسن مدينة عامرة، وصنع بقربها الخانقاه، عند قرية أبى زعبل، وخصص لها الرواتب الزائدة، واعتنى بأمر الفقراء الذين بها، وصارت بعد قليل قريتها من أعمر الأماكن، وبنيت بها المدارس والمساجد، وكثرت بها الأسواق، وشحنت بالمتاجر.

стр. 135

وكان النيل انحسر عن أرض اللوق والتكة، ولحق الناس ضيق، لبعده عن القاهرة، فأمر بحفر الخليج الناصرى، لينتفع به أهل القاهرة، وليحمل فيه الغلال إلى منية الشيرج والخانقاه، وأوصله بالخليج الكبير - كما مر ويأتى توضيح ما ذكر - فعمر الناس جوانبه، وصارت من أبهج الأماكن. وكذا عمر الناس بولاق، وجزيرة أروى، وقد قدّمنا محلهما. واتصلت مبانى تلك الجهات بعضها ببعض، فعظمت القاهرة، وزادت سعتها إلى غاية عظيمة. [شغف المماليك بالخيل] وأنشأ أيضا بمصر الميدان الكبير - وبعضه باق أمام القصر العالى - وكان يعرف فى أول زماننا بميدان النشاب، وأنشأ أيضا ميدان المهارة (محل جنينة المرحوم محمد باشا وهبى) لتربية المهارة لشغفه بالخيل، فقد ذكر المقريزى أنه مات عن ثمانمائة وأربعة آلاف فرس، وخمسة آلاف هجين، ونوق أصائل مهريات وقرشيات، وكان أكثر ميله إلى الخيل العربية عكس أبيه، فإنه كان يفضل عليها خيول برقة، وجلبت إليه التجّار الخيول من البحرين والحسا والقطيف والحجاز والعراق وغيرها، وكان يعطى فى الفرس الواحد من عشرة آلاف درهم إلى ثلاثين ألفا، ويدفع فى الواحد من خيول «آل مهنا» ستين ألف درهم وأكثر إلى مائة ألف. ولم ينقطع فى زمنه السباق، فلما مات بطل، إلى أن أعاده السلطان برقوق، وكان له أيضا رغبة فى الخيل، حتى مات عن سبعة آلاف فرس وخمسة عشر ألف جمل وهجين، وكان لجلبه الخلع والرواتب والمسامحات، وكان يشترى الفرس بأعلى من قيمته إلى عشر مرات، غير العطايا. وكانت الخيول السلطانية تفرق على الأمراء مرتين فى السنة: الأولى عند خروج السلطان إلى مرابط الخيل عند تمام الربيع، والثانية عند لعبه بالكرة فى الميدان. وكان للخاصة المزايا من ذلك، فربما وصل إلى أحدهم فى السنة مائة فرس. ويفرق على المماليك فى أوقات أخر، بل كان يهب السلطان للخاصة القصور والبيوت الغالية. وكان لهم مع الملك عادات فى الحضور بين يديه، فمنها أنهم إذا حضروا للخدمة بالديوان أو القصر، وقف كل أمير فى مكان خاص به، ولا يجسر أحد أن يتكلم مع غيره، بل لا يلتفت إليه، وكانوا أيضا لا يجتمعون مع بعض فى أوقات النزهة، أو رمى النشاب، وإذا بلغ السلطان أن أحدا منهم خالف تلك العادة، عاقبه بالنفى، أو القبض.

стр. 136

[انحراف المماليك وسقوطهم] وبقوا على عاداتهم ورسومهم، صارفين هممهم إلى توسيع دائرة العمارة واليسار، آخذين فى أسباب بقاء ملكهم، حتى دبّت فيهم عقارب الحسد، وجرت بينهم مياه الضغائن، وأثّر فى قلوبهم حبّ الطمع والتعالى، فأبطل كل ما أحكم الآخر ونقض ما أبرمه، فتفرّقت كلمتهم، ونقضت عهودهم، وساءت سيرتهم، وصاروا أحزابا، رأس كل فريق صاحب غاية ذاتية، يفضلها على المنفعة الحقيقية، التى هى المنفعة العامة، من حفظ الحقوق، ورعاية الواجبات، واتباع الشرائع، والسير مع حدود الشرع والقانون المعتبر، واقتفاء أثر الملوك السالفين، فيما سنّوا من طريقة كانت سببا لعلوّ شأنهم، وانتشار صيتهم، وخوف من جاورهم من الملوك منهم، والاحتماء بحماهم. فلتفضيلهم الذاتيات على الحقائق، وانحرافهم عن طرق الاستقامة، انكسف نور سعادتهم وتورطوا فى أوحال شقائهم، وهوت بهم رياح الجهالة، فأصبحوا بلا عدّة تحفظهم، ولا قوة تمنعهم، ولا قانون يردعهم، فطمع فى ملكهم من كان يفزع من اسمهم، وتطلع إلى ابتلاعهم من كان يموت من هيبتهم، فدسّوا الدسائس فى عصبياتهم، وأشعلوا نار الفتن فى رؤوسهم، فبغى بعضهم على بعض، وثارت بينهم الحروب المتفاقمة، وتقاتلوا فى حارات القاهرة وضواحيها. وعمّ الفساد فى البلاد، قاصيها ودانيها، فحرموا اللذات، وساءت بعد الحسن منهم الحالات. ولم يزالوا على ذلك؛ إن هدأوا عاما قاموا أعواما، حتى عمّ الضرر جميع القطر، وحاق بأهله ما لا يوصف من الفقر والضرّ، وتوالت الغلوات والأمراض، وتعاقب الوباء، وأهمل أمر الرى وتوزيع المياه، فطمت الترع والخلجان، فلم تصل المياه إلى المزارع، وخيفت السبل، وسلب الأمن، وبلغ الغاية فى الشدة زمن السلطان فرج، فذهبت ثروة البلاد بالكلية، فهاجر الكثير من سكان القطر إلى الشام والحجاز والمغرب وغيرها، وتركوا دورهم، ومستقرهم، فعادت مساكن بوم وغربان، بعد أن كانت رياض أنس ومراتع غزلان، وآلت إلى ما ترى فى أنحاء القطر من الكيمان، ولم يقدر من أتى بعدهم على إرجاعها لأصلها، بل لا يستطيع نقلها من مكانها، لما سيتلى عليك بعد.

стр. 137

حال القاهرة فى أيام الدولة العلية العثمانية لما انقرضت دولة المماليك، بموت السلطان الغورى، ثم السلطان طومان باى، واستولت على مصر الدولة العلية العثمانية، كانت القاهرة - مع ما كان قد أصابها من التغير والحوادث - على جانب من الاتساع والعمارة، بسبب أنها كانت عاصمة مملكة عظيمة، تمتد أطرافها إلى الجهات الشامية، والأقطار الحجازية، وجزء عظيم من بلاد سواحل البحر الأحمر كمصوع وسواكن، وجميع بلاد النوبة، وبرقة على البحر المتوسط، فكانت المتاجر ترد إليها من كل جهة، وتصدر عنها إلى جهات كثيرة، وكذلك الصنائع والعلوم، وذلك من دولة الفاطميين، إلى آخر دولة المماليك. ولم تعقها الفتن والحوادث المهمة عن الاتساع والتقدم، بل كان ما يتخرب بالفتن ونحوها يتعوض، فكانت العمائر فى تلك الأزمان من ضواحى المطرية ومنية الشيرج، إلى دير الطين، ومن شاطئ النيل إلى الصحراء، كما سبق بيانه. فلما زال عنها الاستقلال، وتوالى عليها محن كان بها الاضطراب والفتن والاختلال، وأورثها ذلك نقصا فى عزّها، ووهنا فى ثروتها، وسرى هذا الحال إلى باقى بلاد القطر بسوء تصرف العمال، وسير كل منهم على حسب ما سولت له نفسه، فكان كل ذى صولة يجد فى تحصيل أطماعه، من غير التفات إلى ما به عمارة البلاد وسعادة الأهالى. ومن كثرة الحروب، وتعاقب الأهوال لم يتمكن الفلاحون من زراعة الأرض، ولا من أعمال الطرق التى بها ريّها؛ من إحكام الترع والقناطر والجسور، فكانت الأرض تارة تبور، وتارة تظمأ، وفسد كثير منها، فصار غير صالح للزرع، وبسبب ذلك كثر الغلاء، والقحط والوباء، والأمراض، وانتقل كثير من سكان العاصمة وغيرها. ولتعاقب ذلك بحيث لا تمضى أربع سنين أو خمسة، إلا بشئ من تلك الأهوال، تخرّب جزء عظيم من العاصمة، ومن مدن الأرياف.

стр. 138

وليس الغرض الآن تفاصيل تلك الحوادث، ومن أراد الوقوف على ذلك فعليه بما أسهب به العلامة الجبرتى وغيره فى هذا الشأن، وإنما القصد ذكر بعض مهمات الحوادث، ليعلم القارئ كيف كانت سياسة العمال للرعايا، ليعرف أسباب العمارة والدمار. *** دخول العساكر العثمانية أرض مصر وأول حادثة تستحق الذكر هى حادثة دخول العساكر العثمانية فى مصر بعد موت السلطان الغورى، وذلك أنه لما تولى المملكة السلطان طومان باى، والفتن قائمة بين مصر والدولة العلية، لم يقم غير قليل، وحضرت العساكر العثمانية سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، واشتعلت نيران الحرب بينهم وبين عساكر طومان باى، فكانت فى جهة العباسية، ثم صارت فى بولاق، ثم جهة القصر العالى وباب اللوق وجهة السيدة زينب ﵂، وفى مصر العتيقة والصليبة، وقره ميدان والرميلة وحدرة البقر، فتخرب لذلك كثير من المساكن والقصور الفاخرة، والبساتين النضرة، وجامع شيخون، وجامع طولون، وعدة جوامع، ومساجد وزوايا. وصارت القتلى مطروحة فى الطرقات والشوارع والحارات، من العباسية إلى بولاق، إلى مصر العتيقة، إلى الصليبة، إلى القلعة. ولم تخمد نيران الحرب إلا بعد هروب طومان باى، وكانت مدتها أربعة أيام، قتل فيها نحو من عشرة آلاف نفس. ولما تم الأمر للعثمانيين، واستولوا على مصر، أخذوا يفتشون على أمراء الجراكسة، فكل من وجدوه منهم قتلوه، ونهبوا منزله، حتى فنيت عدة من أمراء البلد، وتخربت منازلهم، ومكث السلطان سليم بالديار المصرية ثمانية شهور يرتب أمورها، ويمهد قواعدها، ثم رحل عنها إلى القسطنطينية بغنائم كثيرة، وعدد عديد من أرباب الصنائع وغيرهم. واستصحب معه أيضا المتوكل على الله العباسى، الذى كان خليفة بمصر حينذاك، بعد أن استنزله عن الخلافة فخلع نفسه منها، وتنازل عن حقوقها، وفوّض أمورها إلى السلاطين من آل عثمان. وأبقى السلطان ما كان مقررا للحرمين الشريفين والمساجد والأضرحة والأرامل والأيتام والفقراء، وغيرهم من الأوقاف والأرزاق والخيرات، بل زاد فى ذلك، ورخّص باستخدام من بقى من المماليك، وقرّر من القوانين والنظامات ما رأى أنه يترتب عليه استمرار التبعية للسلطنة، واستقرار الأمن والراحة والرفاهية للرعية لو بقى ذلك مرعى الإجراء.

стр. 139

ذكر ما وقع بمصر من الحروب والشدائد أيام ولاية الباشاوات لكن لم يمض غير تسع سنين، حتى قامت العساكر على أحمد باشا، الوالى إذ ذاك، ومن معه بسبب أنه رغب فى الاستقلال، وتجاهر بالعصيان، فحصل بينه وبينهم مقتلة عظيمة فى الرميلة وما جاورها، وحاصروه فى القلعة، حتى قتلوه. وانقضت تلك الحادثة بخراب بعض ما جاور الرميلة، ثم تولى بعده عدة ولاة، اهتم بعضهم فى عمارة بعض الجوامع، وبنى بعضهم وكاثل فى القاهرة وبولاق، وبنى داود باشا مدرسة فى سويقة اللالا سنة خمس وخمسين وتسعمائة، وبنى اسكندر باشا جامعا وأنشأ عمارة عظيمة فى باب الخرق، وقد زال كل ذلك وصار ميدانا كما قدّمنا. وكذا سنان باشا أنشأ جامعا وعمارة جليلة فى بولاق وفى غيرها، ووقف كل منهم أوقافا دارة على عمارته، لأجل بقائها عامرة، لكن كان عادتهم أن كل من أراد وقف شئ أخذ من وقف غيره ووقفه باسمه، أو نهب ما بأيدى الناس ووقفه، فلذلك لم تستمر بعدهم، بل أخذت تلك الأوقاف فى التقهقر والخراب، حتى صارت بعضا من كل، وقلّ إيرادها، فاختل لذلك بعض تلك العمائر. ولانحلال عرى الضبط والسياسة، اختل حال الرعية، وقلّ الأمن، وكثرت اللصوص وقطاع الطريق، وأهل الفساد فى سائر جهات القطر، حتى صاروا يدخلون البلاد للنهب جهارا ليلا ونهارا بلا مبالاة، لانتماء رؤسائهم إلى الأمراء. وكانت الحكام تكثر من الأوامر والتشديدات، بلا ثمرة ولا تأثير فى ردع المفسدين، إلى أن تولى مصر مسيح باشا فى سنة سبع وثمانين وتسعمائة، فتصدى لكسح المفسدين، وإزالة أهل الشر، فقبض على نحو عشرة آلاف منهم وقتلهم. وفى زمن حسن باشا الخادم كثرت الرشوة للحكام، واتسع نطاقها حتى صارت أمرا معتادا يستحصل عليه بدون مبالاة. وجعل همه فى جمع المال، فكان يحتال بكل وسيلة لتحصيله، لا يراعى حلا ولا حرمة ولم يكن له أثر قط يذكر به إلا تغيير زى اليهود والنصارى، فألبس اليهود الطراطير السود، وألبس النصارى البرانيط السود، وكان زى النصارى قبل ذلك العمائم السود، وزى اليهود العمائم الزرق. وفى سنة أربع وتسعين وتسعمائة، قامت العساكر على الوالى عدة مرات، وعارضوه فى أوامره، ورفضوا طاعته، وأوقعوا السلب والنهب بالتجار والأهالى، واستمرت الفتن

стр. 140

وفى زمن محمد باشا الشريف سنة أربع بعد الألف، حصلت محاربات فى الرميلة وباب الوزير، وكذا فى زمن خضر باشا سنة سبع بعد الألف. *** مطلب حدوث شرب الدخان بمصر وبعض مفاسد الولاة الأتراك وفى زمن على باشا فشا شرب الدخان بمصر، ولم يكن معروفا بها قبل ذلك. وفى سنة اثنتى عشرة بعد الألف، قتلت العساكر إبراهيم باشا الوالى، وصارت الحكومة فوضى، لا رئيس لها، فحل بالناس كل مكروه، وتعطل السفر برا وبحرا، لقيام الأشقياء من العرب والفلاحين، وحل بالقاهرة من القحط والغلاء والوباء، ما تسبب عنه خراب كثير منها. وازداد الفساد فى سنة ست عشرة بعد الألف، وحصلت فى بركة الحاج حروب، بين عساكر الوالى والعساكر القائمة مع الأمراء العصاة، وفى كل وقعة تغتنم العرب فرصة النهب والسلب، وبعضهم يفرّ فى جهات الأرياف، والبعض ينتمى ظاهرا إلى إحدى الطائفتين واتسع نطاق فسادهم، وتقاسموا الأقاليم القبلية والبحرية. وفى سنة سبع وعشرين وألف، حضر من الآستانة أربعة آلاف عسكرى أبعدتهم الدولة عن مقر الحكومة، لأنهم كانوا أثاروا بها الفتن، وأنفذت لوالى مصر أن يبعث بهم إلى اليمن عند حلولهم بديار مصر، فلما أراد الباشا إرسالهم إلى تلك الجهة وشرع فى تجهيزهم، قاموا على قدم العصيان، وقفلوا باب الفتوح وباب النصر، وعملوا متاريس بالطرق والشوارع، واستولوا على كثير من المنازل، ووصلوا بعضها ببعض، فوجه إليهم الباشا العساكر المصرية، ووقع بين الفريقين القتال عدة أيام، حتى انتهى بخراب جهة الجمالية والخرنفش وباب الشعرية والحسينية وما جاور ذلك، واستمرت الفتن بين العساكر إلى سنة خمس وثلاثين بعد الألف، بما يتخلل ذلك من الغلاء، كالغلاء الفاحش الذى حصل فى زمن إبراهيم باشا السلاحدار، فقد لقى الناس فيه هولا شديدا. وفى سنة سبع وثلاثين وألف. زمن الوزير محمد باشا عين العساكر للسفر إلى بلاد الحبشة صحبة الأمير قانصوه، فعسكروا بالعباسية، وجعلوا يخطفون الأولاد والبنات ويفتكون بالمارين، ويسلبون وينهبون، حتى انقطعت الطرق، وضاق ذرع الناس، وحل بهم الكرب من كل مكان، ولم يجدوا مغيثا.

стр. 141

ولم تكن المصائب مقصورة على ما يحصل من العسكر والعرب، بل كثير من الأمراء كان لا فكرة له إلا فيما يجلب به الضرر للناس وجمع أموالهم، كما فعل أحمد باشا الذى كان يلقّب برامى النحاس، فإنه جلب نحاسا كثيرا، وأراد عمله فلوسا، فأنشأ بحوش بردق الوجاقات، ووضع المسابك، وجمع الصّنّاع، فلم يتحصل على ما كان يؤمل منه من الفائدة، فرماه على التجار، وسائر أرباب الحرف والطوائف، فلحق الناس من ذلك ما لا مزيد عليه من الضنك والشدة، ثم قامت عليه العساكر وعزلوه. وكان أكثر الحكام يقرر الرشوة على الناس، ثم يستعملها من بعده، حتى تصير كأنها حقوق ثابتة. ولما تولى منصور باشا حاكما على مصر سنة اثنتين وخمسين وألف كانت عدة أنواع الفرض والبلص اثنين وثلاثين نوعا، منها عشر البن، ومنها ما هو على البغايا وأولاد الهوى، وما هو على المغنيات، ونحو ذلك. *** مطلب وقعة الصناجق واستمرّ هذا الحال، إلى أن دخلت سنة إحدى وسبعين وألف، فحصلت وقعة الصناجق وهى وقعة هائلة، انقسمت فيها الأمراء أحزابا، واشتعلت نيران الحرب فى شوارع القاهرة وضواحيها، وامتدّ ذلك إلى الأقاليم القبلية، وجهّز فيها الباشا الوالى عدة تجاريد، حتى انتهت بقتل أغلب الأمراء الفقارية نسبة إلى رئيسهم ذى الفقار، وذهبت صولتهم. وفى إثر ذلك - سنة أربع وسبعين - كان والى مصر عمر باشا، فاهتم بجمع السلاح من كافة البلاد. مطلب وقعة الزرب وكانت الضغائن كامنة فى نفوس من بقى من الفقارية، وفى كل وقت يرتقبون انتهاز فرصة الانتقام من أخصامهم، طمعا فى رجوع صولتهم، وما كانوا عليه من النعيم، فلم يمض غير قليل حتى حصلت وقعة الزرب، وهم قوم حضروا من الشام، أغلبهم أروام ودروز، فانخرطوا فى سلك العسكرية، ووصل بعضهم إلى المناصب السامية، وانضموا إلى محمد بيك حاكم جرجا، وصاروا أنصاره، وأخذوا فى الظلم والإيقاع بالناس، وأكثروا من النهب والسلب، وكانوا يقتلون النفس على أقل سبب، فرفع الناس شكواهم إلى الوالى،

стр. 142

فزجرهم فلم ينزجروا، بل زادوا فى الطغيان، وفتكوا بالناس، وتجاوزوا حدود الله، وخرجوا عن طاعة الله ورسوله وأولى الأمر، فاضطر الوالى لمحاربتهم، فأعدّ لهم ما استطاع من القوة، ووجّه عليهم المدافع، وكانوا قد تحصنوا بجامع المؤيد، فحاصرهم فيه، وقاتلهم قتالا شديدا، مات فيه خلق كثيرون، وخربت عمائر كثيرة فى السكرية والداودية، وقصبة رضوان، والدرب الأحمر، وتحت الربع، وما جاور ذلك، ثم بعد معاناة شديدة أخذوا وقتلوا، واكتفى الناس شرهم. ثم تبع ذلك فى سنة إحدى وثمانين بعد الألف حريق هائل فى جهة باب زويلة، واستمر أياما حتى مات فيه خلق كثيرون، وتخرب فيه غالب عمائر تلك الجهة. *** ولاية على باشا قلج ولما دخلت سنة اثنتين بعد المائة والألف كان الفساد قد بلغ منتهاه، وانتشرت العرب للفساد فى كل جهة، وكان الحاكم إذ ذاك على باشا قلج، فعجز عن ردع المفسدين وتأمين الرعايا، وتسبب عن ذلك انقطاع ورود الغلال إلى الشون السلطانية، وخلت الخزينة من الأموال، فلم يتمكن من صرف مرتبات الحرمين ولا غيرهما، كجهات الأوقاف، والعلماء والأشراف والأيتام والأرامل. وكان قد اتسع نطاق الحمايات وكانت عادة، اتخذها العسكر من قديم، فكثرت فى تلك المدة، فكان كل طائفة من العسكر تأخذ فى حمايتها حملة من التجار أو المزارعين، أو الملاحين فى البحر، فيقتسمون مع الناس أرباحهم، ويمنعونهم من أداء حقوق الحكومة، ولا يتمكن الحاكم من التعرض لأحد منهم. فلما تولى الحكم على باشا قلج بذل جهده فى إبطال الحمايات، حتى أبطلها، وحارب العرب، حتى قمعهم، وأفنى منهم الكثير، فهدأت الأمور، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، لكن حصل من الغلاء والوباء ما فاقت شدته على تلك الحالة. ولاية حسين باشا الوزير وفى سنة تسع عشرة ومائة وألف كان الحاكم بمصر حسين باشا الوزير، وكان قد حجر على العساكر، ومنعهم مما كانوا يفعلونة، فضجوا من ذلك، وقاموا علية قومة واحدة وحاصروه بالقلعة، ونهبت البلد، وأغلقت الحوانيت والخانات، وتعطلت الأسواق. وفى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف، حصلت من العسكر قومة أعظم من تلك القومة، وحاصروا الوزير خليل باشا، وانقطع المرور من طريق المحجر وعرب اليسار والرميلة،

стр. 143

والصليبة والدروب الموصلة إلى القلعة، واستمرت هذه الحادثة سبعين يوما، وخرب بسببها الدرب الأحمر والمحجر، وثمن قوصون وسوق السلاح، وخط الداودية والصليبة والسيوفية والخليفة، والعمارات التى كانت جهة القصر العينى، وبركة الناصرية، وما جاور ذلك إلى مصر العتيقة، وخط السيدة زينب ﵂. وفى سنة خمس وعشرين ومائة وألف، فى زمن عابدين باشا، كانت وقعة القاسمية، وسببها أن الباشا تحزّب لهم، وأخذ فى إعمال الحيلة على قتل غيطاس بيك. وكان غيطاس بيك صاحب الحل والعقد يومئذ، وكانت العادة فى يوم العيد أن تعمل جمعية فى قره ميدان، فلما كان يوم عيد، وحصلت الجمعية وحضر غيطاس بيك، أغرى عابدين باشا بعض أتباعه من العسكر على قتله، فقتلوه، وقتلوا عدة من أمرائه وأتباعه. [ولاية محمد باشا البستانجى ثم عبد الله باشا] وتسامع الناس بذلك، فقام بقية حزبه، ووقعت معركة، خرب لأجلها حارات ودروب، ومات فيها عالم كثيرون، وصار بعدها الحل والعقد بيد القاسمية، بعد أن كان بيد الفقارية، ولم تنقطع الضغائن. فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف كان الوالى على مصر محمد باشا البستانجى، فأخذ فى تعضيد الفقارية، إلى أن كان يوم فيه جمعية بالقلعة، فأغرى العساكر على الفتك بأمراء القاسمية، فوقع القتال بين الفريقين، ونزلوا إلى الرميلة، وامتد إلى جهة الصليبة، ودرب الحصر والمحجر وعرب اليسار، وخط الدحديرة، والدرب الأحمر، ثم وقع الصلح بين الفريقين على تقسيم الوظائف نصفين، وعزلوا الباشا. وفى سنة اثنتين وأربعين حضر عبد الله باشا واليا، والضغائن لم تزل كامنة فى الصدور، فقام الفريقان يقتتلان، فانتصرت القاسمية على الفقارية، فتفرق الفقارية فى الأنحاء، وخرجوا من القاهرة، واستولى الأمراء على منازلهم، بما فيها من حريم وعيال وأمتعة. وفى سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف، قام الأمراء على الباشا، وتحصنوا بجامع السلطان حسن. وفى سنة إحدى وستين قامت فتنة بين الدمياطية، وكان رئيسهم على بيك الدمياطى، وبين القطامشة، ورئيسهم إبراهيم بيك قطامش، وبعد حروب انتصرت الدمياطية على أخصامهم، فاحتاطوا بما لهم من الأرض والعقار، والأثاث وغيره.

стр. 144

مطلب استقلال على بيك الكبير بأمور مصر واستمر الحال هكذا فى حروب وقتل ونهب إلى سنة تسع وسبعين ومائة وألف، فاستقل على بيك الكبير بأمور مصر، وعزل الباشا، وخلع طاعة الدولة، وقويت شوكته، وملك الحجاز والشام، وضربت السكة باسمه، ونفى الأمير عبد الرحمن كتخدا، صاحب العمارات الكثيرة الباقية عند الأزهر وغيره إلى الآن، وكان هو صاحب الحل والعقد، قبل على بيك الكبير. [استيلاء محمد بيك أبو الذهب على الحكم] فصفا الوقت لعلى بيك، إلى أن ثار عليه مملوكه محمد بيك أبو الذهب، صاحب المدرسة الباقية أمام الأزهر إلى الآن، فقام على سيده، واجتمع عليه أعداؤه، فوقع بين على بيك وبينهم محاربات، آلت إلى فرار على بيك إلى الشام، وصار الأمر لمحمد بيك أبو الذهب، فتحزّب مع على بيك كثير من أهل الشام، وانضم إليه جمع عظيم من المصريين الفارين والعرب، وساروا لمحاربة محمد بيك أبى الذهب، فوقع بينهم القتال جهة الصالحية، وانتهى بقتل على بيك، وانتهت الرياسة لمحمد بيك أبى الذهب، لكن لم تطل حياته. *** [حكم مراد بيك وإبراهيم بيك] ولما مات الأمير محمد بك أبو الذهب انفرد مراد بيك وإبراهيم بيك بالحل والعقد، وتصرفا فى أمور البلد، وأخذا فى التعدى على الأمراء وغيرهم، وتبيّن الغدر لبعض الأمراء، ومن جملتهم اسماعيل بيك، وكان صاحب عزّ وسطوة، وله مماليك وأتباع كثيرة، وظهر ذلك من سوء معاملتهم وخشونة كلامهم، فتبين للأمراء ما يراد بهم، فقاموا وقصدوا الخروج من المدينة، فلما علم بذلك إبراهيم بيك ومراد بيك، جمعا مماليكهما وحزبهما بالرميلة وقره ميدان، واستولوا على أبواب القلعة والبلد، وحصل بينهم وبين الأمراء الفارين مناوشات، انتهت بهزيمة رجال إبراهيم بيك ومراد بيك، فدخلوا القلعة، وحصّنوا أبوابها فحاصرهم الأمراء وضايقوهم أشد المضايقة، حتى ألجأوهم إلى الفرار، ففروا إلى الأقاليم القبلية. وتمكن اسماعيل بيك من البلد، وتسلم زمام الحل والعقد، وعينه محمد باشا عزت الكبير الوالى من حينذاك شيخا للبلد، فقام من وقته ونهب بيوت الأمراء الفارّين، هو وأمراؤه

стр. 145

وأتباعه، وجهز التجاريد لمحاربتهم، فلما التقى الجمعان بالصعيد وقع بينه وبينهم وقعات آلت إلى انهزام عساكره، فولوا مدبرين، وعادت الأمراء القبلية فى إثرهم، وزحفت إلى القاهرة، ففر إسماعيل بيك بمن معه إلى الشام، ودخل البلد من كانوا فى الجهات القبلية، واستولوا على بيوت الأمراء المنهزمين ودورهم، وقسّموا من وجدوه منهم قتلا ونفيا وحبسا. وخلا الجو لمراد بيك وإبراهيم بيك، فتصرفا فى البلد كيف شاءا، وزادا فى التعدى والظلم، فانقسمت أمراء مصر إلى قسمين؛ قسم يقال لهم المحمدية، نسبة لمحمد بيك أبى الذهب، وقسم علوية، نسبة لعلى بيك الكبير، وكل قسم يحقد على الآخر، ويتمنى هلاكه، ويتربص به ريب المنون، ووقع بينهم التحاسد والعدوان، وتسبّب عن ذلك فتن وحروب، دمرت البلاد، وأفسدت أحوال القطر، وعطّلت أرزاق أهله. وأحس العلوية من مراد بيك بالغدر، فتجمعوا وتحصنوا فى حوش الشرقاوى، وصنعوا متاريس فى جهة بابى زويلة والخرق، وجهة السروجية، فدخل إبراهيم بيك القلعة، وتحصّن بها، ووجه المدافع على جهات العلوية، وتمادى يضرب عليهم بها اثنين وعشرين يوما، وعساكره تتثاقل على عساكرهم فى الحارات والدروب، وكل منهم يوصّل البيوت بعضها ببعض، ليتمكن من قتل عدوه، وانتهت تلك الحادثة بخراب هذه الجهات. ولهروب العلويين إلى الشرقية وغيرها اقتفى المحمدية أثرهم، وتسلّط عليهم العرب فقتلوهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا القليل، ففر إلى الشام، ومن بقى أودع السجن. وعزل محمد باشا، وتولى مكانه إسماعيل باشا، ولم تنقطع الفتن وتجهيز التجاريد، والمصادرات، وكثر الظلم والتعدى، ففر كثير من الأمراء، والتحق بإسماعيل بيك بالجهات القبلية. وبعد حروب طويلة، حصل الصلح، على أن يعطى إسماعيل بيك إخميم وأعمالها، وحسن بيك قنا وأعمالها، ورضوان بيك إسنا وأعمالها، فتسلّم كل ما استقر عليه الرأى. ولم يمض غير قليل، حتى انتقض الصلح، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه. وفى سنة سبع وتسعين ومائة وألف اهتم إبراهيم بيك فى مصالحة القبالى، وكان ذلك فى زمن محمد باشا السلحدار، فرجع أغلبهم وأقام بمنزله، وكان ذلك على غير مراد «مراد بيك»، فقام بعزوته، وخرج إلى بنى سويف، وقطع الوارد عن القاهرة، فلحق الناس ما لا مزيد عليه من الضنك والغلاء المفرط، وضاق ذرع الفقراء، وازداد ذلك أضعافا
следующие страницы →