← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولم تكن المصائب مقصورة على ما يحصل من العسكر والعرب، بل كثير من الأمراء كان لا فكرة له إلا فيما يجلب به الضرر للناس وجمع أموالهم، كما فعل أحمد باشا الذى كان يلقّب برامى النحاس، فإنه جلب نحاسا كثيرا، وأراد عمله فلوسا، فأنشأ بحوش بردق الوجاقات، ووضع المسابك، وجمع الصّنّاع، فلم يتحصل على ما كان يؤمل منه من الفائدة، فرماه على التجار، وسائر أرباب الحرف والطوائف، فلحق الناس من ذلك ما لا مزيد عليه من الضنك والشدة، ثم قامت عليه العساكر وعزلوه. وكان أكثر الحكام يقرر الرشوة على الناس، ثم يستعملها من بعده، حتى تصير كأنها حقوق ثابتة. ولما تولى منصور باشا حاكما على مصر سنة اثنتين وخمسين وألف كانت عدة أنواع الفرض والبلص اثنين وثلاثين نوعا، منها عشر البن، ومنها ما هو على البغايا وأولاد الهوى، وما هو على المغنيات، ونحو ذلك. *** مطلب وقعة الصناجق واستمرّ هذا الحال، إلى أن دخلت سنة إحدى وسبعين وألف، فحصلت وقعة الصناجق وهى وقعة هائلة، انقسمت فيها الأمراء أحزابا، واشتعلت نيران الحرب فى شوارع القاهرة وضواحيها، وامتدّ ذلك إلى الأقاليم القبلية، وجهّز فيها الباشا الوالى عدة تجاريد، حتى انتهت بقتل أغلب الأمراء الفقارية نسبة إلى رئيسهم ذى الفقار، وذهبت صولتهم. وفى إثر ذلك - سنة أربع وسبعين - كان والى مصر عمر باشا، فاهتم بجمع السلاح من كافة البلاد. مطلب وقعة الزرب وكانت الضغائن كامنة فى نفوس من بقى من الفقارية، وفى كل وقت يرتقبون انتهاز فرصة الانتقام من أخصامهم، طمعا فى رجوع صولتهم، وما كانوا عليه من النعيم، فلم يمض غير قليل حتى حصلت وقعة الزرب، وهم قوم حضروا من الشام، أغلبهم أروام ودروز، فانخرطوا فى سلك العسكرية، ووصل بعضهم إلى المناصب السامية، وانضموا إلى محمد بيك حاكم جرجا، وصاروا أنصاره، وأخذوا فى الظلم والإيقاع بالناس، وأكثروا من النهب والسلب، وكانوا يقتلون النفس على أقل سبب، فرفع الناس شكواهم إلى الوالى،

стр. 142

فزجرهم فلم ينزجروا، بل زادوا فى الطغيان، وفتكوا بالناس، وتجاوزوا حدود الله، وخرجوا عن طاعة الله ورسوله وأولى الأمر، فاضطر الوالى لمحاربتهم، فأعدّ لهم ما استطاع من القوة، ووجّه عليهم المدافع، وكانوا قد تحصنوا بجامع المؤيد، فحاصرهم فيه، وقاتلهم قتالا شديدا، مات فيه خلق كثيرون، وخربت عمائر كثيرة فى السكرية والداودية، وقصبة رضوان، والدرب الأحمر، وتحت الربع، وما جاور ذلك، ثم بعد معاناة شديدة أخذوا وقتلوا، واكتفى الناس شرهم. ثم تبع ذلك فى سنة إحدى وثمانين بعد الألف حريق هائل فى جهة باب زويلة، واستمر أياما حتى مات فيه خلق كثيرون، وتخرب فيه غالب عمائر تلك الجهة. *** ولاية على باشا قلج ولما دخلت سنة اثنتين بعد المائة والألف كان الفساد قد بلغ منتهاه، وانتشرت العرب للفساد فى كل جهة، وكان الحاكم إذ ذاك على باشا قلج، فعجز عن ردع المفسدين وتأمين الرعايا، وتسبب عن ذلك انقطاع ورود الغلال إلى الشون السلطانية، وخلت الخزينة من الأموال، فلم يتمكن من صرف مرتبات الحرمين ولا غيرهما، كجهات الأوقاف، والعلماء والأشراف والأيتام والأرامل. وكان قد اتسع نطاق الحمايات وكانت عادة، اتخذها العسكر من قديم، فكثرت فى تلك المدة، فكان كل طائفة من العسكر تأخذ فى حمايتها حملة من التجار أو المزارعين، أو الملاحين فى البحر، فيقتسمون مع الناس أرباحهم، ويمنعونهم من أداء حقوق الحكومة، ولا يتمكن الحاكم من التعرض لأحد منهم. فلما تولى الحكم على باشا قلج بذل جهده فى إبطال الحمايات، حتى أبطلها، وحارب العرب، حتى قمعهم، وأفنى منهم الكثير، فهدأت الأمور، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، لكن حصل من الغلاء والوباء ما فاقت شدته على تلك الحالة. ولاية حسين باشا الوزير وفى سنة تسع عشرة ومائة وألف كان الحاكم بمصر حسين باشا الوزير، وكان قد حجر على العساكر، ومنعهم مما كانوا يفعلونة، فضجوا من ذلك، وقاموا علية قومة واحدة وحاصروه بالقلعة، ونهبت البلد، وأغلقت الحوانيت والخانات، وتعطلت الأسواق. وفى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف، حصلت من العسكر قومة أعظم من تلك القومة، وحاصروا الوزير خليل باشا، وانقطع المرور من طريق المحجر وعرب اليسار والرميلة،

стр. 143

والصليبة والدروب الموصلة إلى القلعة، واستمرت هذه الحادثة سبعين يوما، وخرب بسببها الدرب الأحمر والمحجر، وثمن قوصون وسوق السلاح، وخط الداودية والصليبة والسيوفية والخليفة، والعمارات التى كانت جهة القصر العينى، وبركة الناصرية، وما جاور ذلك إلى مصر العتيقة، وخط السيدة زينب ﵂. وفى سنة خمس وعشرين ومائة وألف، فى زمن عابدين باشا، كانت وقعة القاسمية، وسببها أن الباشا تحزّب لهم، وأخذ فى إعمال الحيلة على قتل غيطاس بيك. وكان غيطاس بيك صاحب الحل والعقد يومئذ، وكانت العادة فى يوم العيد أن تعمل جمعية فى قره ميدان، فلما كان يوم عيد، وحصلت الجمعية وحضر غيطاس بيك، أغرى عابدين باشا بعض أتباعه من العسكر على قتله، فقتلوه، وقتلوا عدة من أمرائه وأتباعه. [ولاية محمد باشا البستانجى ثم عبد الله باشا] وتسامع الناس بذلك، فقام بقية حزبه، ووقعت معركة، خرب لأجلها حارات ودروب، ومات فيها عالم كثيرون، وصار بعدها الحل والعقد بيد القاسمية، بعد أن كان بيد الفقارية، ولم تنقطع الضغائن. فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف كان الوالى على مصر محمد باشا البستانجى، فأخذ فى تعضيد الفقارية، إلى أن كان يوم فيه جمعية بالقلعة، فأغرى العساكر على الفتك بأمراء القاسمية، فوقع القتال بين الفريقين، ونزلوا إلى الرميلة، وامتد إلى جهة الصليبة، ودرب الحصر والمحجر وعرب اليسار، وخط الدحديرة، والدرب الأحمر، ثم وقع الصلح بين الفريقين على تقسيم الوظائف نصفين، وعزلوا الباشا. وفى سنة اثنتين وأربعين حضر عبد الله باشا واليا، والضغائن لم تزل كامنة فى الصدور، فقام الفريقان يقتتلان، فانتصرت القاسمية على الفقارية، فتفرق الفقارية فى الأنحاء، وخرجوا من القاهرة، واستولى الأمراء على منازلهم، بما فيها من حريم وعيال وأمتعة. وفى سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف، قام الأمراء على الباشا، وتحصنوا بجامع السلطان حسن. وفى سنة إحدى وستين قامت فتنة بين الدمياطية، وكان رئيسهم على بيك الدمياطى، وبين القطامشة، ورئيسهم إبراهيم بيك قطامش، وبعد حروب انتصرت الدمياطية على أخصامهم، فاحتاطوا بما لهم من الأرض والعقار، والأثاث وغيره.

стр. 144

مطلب استقلال على بيك الكبير بأمور مصر واستمر الحال هكذا فى حروب وقتل ونهب إلى سنة تسع وسبعين ومائة وألف، فاستقل على بيك الكبير بأمور مصر، وعزل الباشا، وخلع طاعة الدولة، وقويت شوكته، وملك الحجاز والشام، وضربت السكة باسمه، ونفى الأمير عبد الرحمن كتخدا، صاحب العمارات الكثيرة الباقية عند الأزهر وغيره إلى الآن، وكان هو صاحب الحل والعقد، قبل على بيك الكبير. [استيلاء محمد بيك أبو الذهب على الحكم] فصفا الوقت لعلى بيك، إلى أن ثار عليه مملوكه محمد بيك أبو الذهب، صاحب المدرسة الباقية أمام الأزهر إلى الآن، فقام على سيده، واجتمع عليه أعداؤه، فوقع بين على بيك وبينهم محاربات، آلت إلى فرار على بيك إلى الشام، وصار الأمر لمحمد بيك أبو الذهب، فتحزّب مع على بيك كثير من أهل الشام، وانضم إليه جمع عظيم من المصريين الفارين والعرب، وساروا لمحاربة محمد بيك أبى الذهب، فوقع بينهم القتال جهة الصالحية، وانتهى بقتل على بيك، وانتهت الرياسة لمحمد بيك أبى الذهب، لكن لم تطل حياته. *** [حكم مراد بيك وإبراهيم بيك] ولما مات الأمير محمد بك أبو الذهب انفرد مراد بيك وإبراهيم بيك بالحل والعقد، وتصرفا فى أمور البلد، وأخذا فى التعدى على الأمراء وغيرهم، وتبيّن الغدر لبعض الأمراء، ومن جملتهم اسماعيل بيك، وكان صاحب عزّ وسطوة، وله مماليك وأتباع كثيرة، وظهر ذلك من سوء معاملتهم وخشونة كلامهم، فتبين للأمراء ما يراد بهم، فقاموا وقصدوا الخروج من المدينة، فلما علم بذلك إبراهيم بيك ومراد بيك، جمعا مماليكهما وحزبهما بالرميلة وقره ميدان، واستولوا على أبواب القلعة والبلد، وحصل بينهم وبين الأمراء الفارين مناوشات، انتهت بهزيمة رجال إبراهيم بيك ومراد بيك، فدخلوا القلعة، وحصّنوا أبوابها فحاصرهم الأمراء وضايقوهم أشد المضايقة، حتى ألجأوهم إلى الفرار، ففروا إلى الأقاليم القبلية. وتمكن اسماعيل بيك من البلد، وتسلم زمام الحل والعقد، وعينه محمد باشا عزت الكبير الوالى من حينذاك شيخا للبلد، فقام من وقته ونهب بيوت الأمراء الفارّين، هو وأمراؤه

стр. 145

وأتباعه، وجهز التجاريد لمحاربتهم، فلما التقى الجمعان بالصعيد وقع بينه وبينهم وقعات آلت إلى انهزام عساكره، فولوا مدبرين، وعادت الأمراء القبلية فى إثرهم، وزحفت إلى القاهرة، ففر إسماعيل بيك بمن معه إلى الشام، ودخل البلد من كانوا فى الجهات القبلية، واستولوا على بيوت الأمراء المنهزمين ودورهم، وقسّموا من وجدوه منهم قتلا ونفيا وحبسا. وخلا الجو لمراد بيك وإبراهيم بيك، فتصرفا فى البلد كيف شاءا، وزادا فى التعدى والظلم، فانقسمت أمراء مصر إلى قسمين؛ قسم يقال لهم المحمدية، نسبة لمحمد بيك أبى الذهب، وقسم علوية، نسبة لعلى بيك الكبير، وكل قسم يحقد على الآخر، ويتمنى هلاكه، ويتربص به ريب المنون، ووقع بينهم التحاسد والعدوان، وتسبّب عن ذلك فتن وحروب، دمرت البلاد، وأفسدت أحوال القطر، وعطّلت أرزاق أهله. وأحس العلوية من مراد بيك بالغدر، فتجمعوا وتحصنوا فى حوش الشرقاوى، وصنعوا متاريس فى جهة بابى زويلة والخرق، وجهة السروجية، فدخل إبراهيم بيك القلعة، وتحصّن بها، ووجه المدافع على جهات العلوية، وتمادى يضرب عليهم بها اثنين وعشرين يوما، وعساكره تتثاقل على عساكرهم فى الحارات والدروب، وكل منهم يوصّل البيوت بعضها ببعض، ليتمكن من قتل عدوه، وانتهت تلك الحادثة بخراب هذه الجهات. ولهروب العلويين إلى الشرقية وغيرها اقتفى المحمدية أثرهم، وتسلّط عليهم العرب فقتلوهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا القليل، ففر إلى الشام، ومن بقى أودع السجن. وعزل محمد باشا، وتولى مكانه إسماعيل باشا، ولم تنقطع الفتن وتجهيز التجاريد، والمصادرات، وكثر الظلم والتعدى، ففر كثير من الأمراء، والتحق بإسماعيل بيك بالجهات القبلية. وبعد حروب طويلة، حصل الصلح، على أن يعطى إسماعيل بيك إخميم وأعمالها، وحسن بيك قنا وأعمالها، ورضوان بيك إسنا وأعمالها، فتسلّم كل ما استقر عليه الرأى. ولم يمض غير قليل، حتى انتقض الصلح، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه. وفى سنة سبع وتسعين ومائة وألف اهتم إبراهيم بيك فى مصالحة القبالى، وكان ذلك فى زمن محمد باشا السلحدار، فرجع أغلبهم وأقام بمنزله، وكان ذلك على غير مراد «مراد بيك»، فقام بعزوته، وخرج إلى بنى سويف، وقطع الوارد عن القاهرة، فلحق الناس ما لا مزيد عليه من الضنك والغلاء المفرط، وضاق ذرع الفقراء، وازداد ذلك أضعافا

стр. 146

لمّا حضر مراد بيك بجموعه إلى الجيزة، وعسكر إبراهيم بيك بجيوشه فى مصر العتيقة مقابلا لها، واستمر هذا الحال بهم عشرين يوما، وكان ضرب المدافع متراسلا بينهم فى تلك الأيام جميعها، واشتد الكرب بأهل المدينة، وخلت الرقع والأشوان من الغلال، وحاق بالناس كل مكروه. وأخيرا حصل الصلح بين إبراهيم بيك ومراد بيك، فخاف أمراء حزب إسماعيل بيك عاقبة هذا الصلح لما تبين لهم من خيانة إبراهيم بيك، فهاجروا من مصر، فسابقهم عسكر إبراهيم بك ومراد بيك والعرب من خلف الجبل، فقطعوا طريقهم، وقتلوا منهم ما لا يحصى، وشتتوهم، ثم رجعوا، فاحتاطوا بأملاكهم، واستولوا على عيالهم وأموالهم. ومذخلا الجو من إسماعيل بيك وعائلته لم يحصل اتفاق بين إبراهيم بيك ومراد بيك، بل زاد ظلم مراد بيك وتعديه هو وجماعته، وكثر منهم النهب والسلب والقتل، فقام إبراهيم بيك بعزوته إلى الصعيد، فعزل مراد بيك الوالى، وتصرف فى أمور البلد، بصفة قائم مقام، وأعطى رجاله ومماليكه المناصب السامية، وفرّق عليهم أملاك الفارين، وجرت بينه وبين إبراهيم بيك أمور لا خير فيها، فسعى بينهم المشايخ والأمراء فى الصلح، حتى تم ذلك. *** الطاعون والغلاء سنة ١١٩٩ وفى سنة تسع وتسعين ومائة وألف عمّت البلوى بمصر من الطاعون، فكانت هذه الأيام ليس لها مثيل فى الشدائد، لما حصل فيها من الغلاء والفناء والفتن، وقصور النيل، وتواتر المصادرات والمظالم، وتعدّى الأمراء، وانتشار أتباعهم فى النواحى لجلب الأموال من القرى والبلدان، وإحداث أنواع المظالم لأى نوع كان، من تسمية البعض مال الجهات، والبعض رفع المظالم، وغير ذلك، حتى أهلكوا الحرث والنسل، وقل الزرع، وضاق الذرع، واشتد الكرب، وتشتت الفلاحون من بلادهم، فخربت أغلب بلاد الأرياف. ومذ رأوا أنه لا فائدة فى الفلاّح، حولوا الطلب على الملتزمين، وبعثوا لهم فى بيوتهم، فاحتاج مساتير الناس لبيع أمتعتهم ودورهم ومواشيهم وحواشيهم، مع ما هم فيه من المصادرات الخارجة عن الحد، وتتبعوا من يشم فيه رائحة الغنى أيضا، فأخذوه وحبسوه، وكلفوه فوق طاقته أضعافا، ووالوا طلب السلف أيضا من تجار البن والبهار عن المكوسات المستقبلة.

стр. 147

وطمع إبراهيم فى المواريث، فكانوا إذا مات الميت يحيطون بمخلفاته، سواء كان له وارث أم لا، حتى صار بيت المال من جملة المناصب التى يتولاها شرار الناس بجملة من المال يدفعها فى كل شهر، وإذن لا يعارض فيما يفعل من الجزئيات، وأما الكليات فيختص بها الأمير، فيحل بالناس ما لا يوصف من أنواع العناء، حتى خرب الإقليم بأسره، وانقطعت الطرق، وعربدت أولاد الحرام، وفقد الأمن، ومنعت السبل، إلا بالخفارة، وركوب العرب. وانتشر الفلاحون فى المدينة بنسائهم وأولادهم، يضجون من الجوع، ويأكلون ما يتساقط فى الطرقات من قشر البطيخ وأوراق الشجر، حتى لا يجد الزبال شيئا يكنسه من ذلك، واشتد الكرب، حتى أكلوا الميتة من الخيل والحمير والبغال والجمال، فكان إذا خرج حمار ميت تزاحموا عليه وقطعوه، فمنهم من يأكل ما أخذه نيئا من شدة الجوع، ومنهم من هو على خلاف ذلك، ومات الكثير جوعا. هذا والغلاء مستمر، والأسعار فى نمو، والدرهم والدينار عزيز من أيدى الناس، والتعامل قليل إلا فيما يؤكل … إلى آخر ما قاله الجبرتى. ومع ذلك كانت الأمراء تنهب فى المدينة، ورجالهم تنهب فى بلاد الأرياف، وما من مجير، وتشكّى الناس إلى إبراهيم بيك فلم يجدوا منصفا. *** محاربة عساكر الدولة مع عساكر مراد بيك ولما اشتد الأمر، وعمّت البلوى، وكثر التعدى على التجار، من الإفرنج وغيرهم، وانتشر خبر ذلك فى الآفاق، أرسلت الدولة فى سنة اثنتين ومائتين وألف حسن باشا القبطان، ومعه العساكر، ليرجع هؤلاء العساكر عما هم فيه، فلما وصل ثغر الإسكندرية، وبلغ الخبر الأمراء، هاجت المدينة وماجت، وأخذ كل يخفى أمواله، ويستعد للخروج، وجرت المخابرات بين الأمراء وحسن باشا القبطان، فلم تفد شيئا، فتوجه مراد بيك بعسكره إلى فوّة ووقع بينه وبين عساكر الدولة محاربة، كانت الدائرة فيها عليه، فانهزم ورجع إلى مصر، وأراد إبراهيم بيك أن يدخل القلعة، فسبقه الباشا إليها، فلم يجد بدا من مفارقة مصر، ومن معه من الأمراء، ففروا إلى الجهات القبلية، وحضر قبطان باشا فى إثرهم، ودخل مصر، وأخذ فى الاستيلاء على بيوتهم، وتتبع أموالهم، وجهز طائفة من العسكر، وأمّر عليهم عابدين باشا، وأرسلها لاقتفاء آثار الفارين، فوقعت بينهم جملة مناوشات، مات فيها خلق كثير من الطائفتين، وتعطلت أسباب الأرزاق.

стр. 148

وفى كل هذه الأوقات، كانت العرب تنهب وتسلب، وتقتل فى جميع أنحاء القطر، ولا مانع يمنع، ولا حاكم يردع. *** نزول السيل من ناحية الجبل الأحمر وما حصل عقبه من الطاعون وفى تلك السنة - أعنى سنة اثنتين ومائتين وألف - تولى إسماعيل باشا كتخدا حسن باشا بعد انفصال عابدين باشا، والأمور على ما هى عليه إلى سنة خمس ومائتين وألف وفيها نزل سيل كثير من ناحية الجبل الأحمر، وامتد فى جهة الجمالية وجامع الحاكم إلى أمد بعيد فى الحارات المجاورة لذلك، وخرب بسببه أكثر خط الحسينية وما جاورها. وعقب ذلك طاعون أقام ثلاثة أشهر مات فيه إسماعيل بيك شيخ البلد، وأقام خلفه مملوك عثمان بيك طبل، فمال إلى الأمراء القبلية سرا، فدخلوا مصر بجموعهم، فلم يسع من بها من الأمراء إلا الفرار، فاحتاط بهم العرب والعسكر، فقتل من قتل، وفر من فر، ورجع مراد بيك وإبراهيم بيك، وأخذا فيما كانا عليه من السلب والنهب والغدر. وفى سنة سبع ومائتين وألف، فى زمن محمد باشا عزت الثانى، لم يف النيل أذرعه، فحصل القحط، فأكلوا الميتة والأطفال، ومات الكثير من الخلائق جوعا. وفى سنة تسع ومائتين وألف، تولى صالح باشا، والأمور على حالها، وعقبه باكر باشا سنة عشر ومائتين وألف، والظلم متسلطن، والخلل عام، للكبير والصغير، والقريب والغريب … من حوادث أملاها الجبرتى، فكان آخرها حضور الدونانمة الفرنساوية ودخولهم أرض مصر، وحصول ما سيتلى عليك إن شاء الله.

стр. 149

حال القاهرة فى مدة الفرنساوية لم تمكث الفرنساوية بالديار المصرية زمنا طويلا، فان مدتهم لا تزيد على ثلاث سنين، ومع ذلك حصل فيها حوادث شتى، خرب بسببها كثير من بلاد الإقليم، وتهدم كثير من دور القاهرة، وفارقها كثير من السكان، وقد تكلم الجبرتى على هذه الحادثة، وأسهب فى شرح ما جرى، فمن يروم كمال الوقوف عليها، فعليه أن يراجع ما كتبه ﵀، وسنذكر لك بالاختصار ما يتعلق بالقاهرة خصوصا، وبباقى القطر عموما، حتى لا تخلو مقدمتنا عن هذه الفائدة، فنقول: إن دخولهم إلى ثغر الإسكندرية كان فى المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف. وبعد مناوشات حصلت بينهم وبين مراد بيك عند قرية الرحمانية من مديرية البحيرة، انهزم مراد بيك وحضر إلى انبابة، وعمل بها متاريس، وحضرت الفرنساوية فى إثره، فهجموا على تلك المتاريس وأخذوها بعد ثلاثة أرباع ساعة، وانهزم مراد بيك ومن معه إلى الصعيد ولم تنفع جموع العرب ولا الفلاحين بشئ. وكذلك فارق إبراهيم بيك القاهرة، وفر إلى جهات بحرى بمن لحق به، وتشتت الأمراء إلى الجهتين. وكانت العرب ملأت تلك الجهات، فتعرضت للفارين بالسلب والقتل والنهب، وجميع الرذائل، وصار القطر فوضى، وتعدى الناس بعضهم على بعض. ودخل الإفرنج القاهرة ثانى يوم انهزام الأمراء، وسكنوا بيوتهم، فسكن بونابارت بيت محمد بيك الألفى بالأزبكية، وسكن كل أمير منهم فيما أعجبه من بيوت الأمراء، ورتبوا مجلسا من العلماء، فاطمأن الناس لذلك، ورجع الكثير إلى داره. ثم إن الإفرنج أخذوا فى الكشف على بيوت الأمراء والأعيان، وتتبعوا الأوباش الذين ثاروا فى البلد ونهبوا البيوت الخالية، فأخذوا منهم عددا وافرا وعاقبوهم أشد العقاب، وقتلوا البعض بالرصاص فى جنينة الأزبكية، وفتّشوا بيوتهم وأخذوا ما وجدوه فيها من المنهوبات، وضربوا على تجار المسلمين خمسمائة ألف ريال فرنساوى، ثم جعلوا مبلغا على كل

стр. 150

حرفة، وقالوا إنها سلف يرد، فحصل بذلك للفقراء أشد المضايقة، وشددوا عليهم فى الطلب، فكثر لغط الناس. وكانت العساكر تدخل البيوت وتنهب ما فيها من غير مبالاة، فحاق بالناس الكرب والخوف، فلا يأمن الإنسان إلا بتعليق بنديرة (أى راية) على بابه، أو يلصق ورقة من طرف الفرنساوية. وأخذ نساء الأمراء المختفيات فى الظهور، وصالحن على أنفسهن بمبالغ دفعنها على نسبة حال كل منهن، فدفعت زوجة مراد بيك ١٢٥٠٠٠ ريال فرنساوى، ودفع غيرها أقل من ذلك. وصار الناس يتوجهون إلى الإفرنج، ويخبرون عن ودائع الأمراء وخباياهم، فكثر الهجوم على البيوت، ونبش الأرض وهدم الحيطان. واتسع نطاق الفتن خارج البلد وداخلها، وتحيّر الناس فى أمرهم، فإنهم إن خرجوا عن المدينة كانوا عرضة لقبائح العرب وعساكر مراد وإبراهيم، وإن أقاموا بها كانوا هدفا لسهام فتن الإفرنج غير آمنين مكايدهم. وفى خلال ذلك ظهر الطاعون، فمنع الإفرنج الدفن فى المقابر الموجودة داخل البلد، كمقبرة الأزبكية والرويعى وغيرهما، وشددوا فى نظافة البلد وكنس الأزقة والحارات والتفتيش على ذلك، ورفعوا أبواب الدروب والعطفات جميعها، وأمروا بتعليق قناديل على أبواب البيوت طول الليل، وعاقبوا من خالف أشد العقاب. ثم وضعوا مجلسا مركبا من ستة من تجار المسلمين، ومثلهم من تجار النصارى، لتحقيق حجج الأملاك، وقرروا مبالغ تؤخذ من المواريث والرزق والهبات والمبايعات والدعاوى، فلحق بالناس من هذه الغرامات ما لحقهم، وكثر عويلهم وشكواهم، ولا معين ولا نصير. والتقت عساكرهم بعساكر مراد بيك فى الجهات القبلية، فوقع بينهم مناوشات، وسافر من عساكر الإفرنج أيضا جماعة إلى الجهات البحرية، لتسكين الفتن، وضبط تلك الجهات، فكانت العرب تعارضهم، ولكن على غير طائل. وأخذ من بقى فى القاهرة منهم فى الاحتياطات، خوفا مما عساه أن يحصل من الأهالى، فهدموا أبنية كثيرة من حول القلعة، وزادوا على بدنات باب العزب بالرميلة، وغيروا معالمها، ومحوا ما كان بها من آثار الحكماء والعلماء، ومعالم السلاطين، وما كان فى الأبواب من الأسلحة والدرق والبلط والحراب الهندية، وهدموا من داخل القلعة قصر يوسف صلاح الدين.

стр. 151

[ثورة القاهرة على الفرنسيين] وطلب النقود من البلاد لم يزل متواليا، وتنويع الفرض مستمرا، فلم يلحق بأهالى القطر أشد ولا أعظم مما لحقهم فى هذه المدة، لأن العرب كانت تهجم على البلاد، وتستحوذ على ما وجدت من أموال الأهالى، ويعقبهم الغز يسلبون وينهبون، ويليهم الإفرنج يقتلون ويفجرون، فعجز الناس عن رد هذه الأحوال، خصوصا أهل القاهرة، فقاموا وتحشّدوا بين القصرين، وعملوا متاربس فى بعض الحارات، وحصل بينهم وبين الفرنساويين مناوشات، فكانت المدافع من القلعة تضرب على هذه الجهات، وعلى الجامع الأزهر، فتخرب بهذا السبب جملة من البيوت، وتشتت كثير من الناس، ومات كثير منهم. وشدّد الفرنساويون على الأهالى زيادة على ما كان، وضربوا عليهم فرضة مستجدة، وأخذوا يجمعونها بأى نوع من الطرق، وزادوا فى احتياطهم، فعملوا قلاعا فوق التلال المحيطة بالقاهرة من جهاتها الأربع، وكذا بمصر العتيقة وشبرا والجيزة، ووضعوا بها المدافع، وشددوا فى جمع الأسلحة، وأخلوا بيوت الأزبكية من أهلها، وأسكنوا بها رجالهم، ومن انتمى إليهم من نصارى الشام والقبط. [الحرب بين الفرنسيين والأتراك] وفى عقب ذلك حضرت المراكب العثمانية، وخرجت عساكرها فى أبى قير، وتحصنوا وشاع خبرهم فى القاهرة، فكثر لغط الناس، وأظهروا العداوة للفرنساويين، وفرحوا ظنا منهم بالخلاص. ولكن كان الأمر خلاف ما ظنوا، فإن بونابارت توجه لحرب العثمانيين، فالتقوا فى تلك الجهات، فانهزم العثمانيون، ورجع إلى مصر، ومعه أسرى كثيرة، من جملتهم الوزير، فدهش الخلق، وزاد وجلهم. وكانت الفرنساويون تشاهد عداوة الأهالى وكراهتهم لهم، فأكثروا من التشديد، وزادوا فى الاحتياط، ثم حضرت عساكر عثمانية من جهة العريش، وشاع بين الناس التكلم فى أمر الصلح، وبالفعل توجه مندوبون من طرف الفرنساوية، ودخل عساكر الترك، ووصلوا المطرية، وانتشروا فى الجهات، ودخلوا المدينة بعد عقد الاتفاق على الشروط اللازمة.

стр. 152

وبالفعل أخذ الفرنساويون فى أهبة السفر، وأخلوا القلاع، لكن لما قدّر فى علم الله لم يدخلها العثمانيون، واكتفوا بدخولهم المدينة، واشتغلوا بالنهب والسلب، وحصل بين بعض الفرنساويين والأتراك بعض مناوشات تجر إلى القتل، لولا أن تداركها الأمراء، فحصل الاتفاق على خروج العثمانيين، وإقامتهم خارج البلد، حتى تتم المدة المتفق عليها. وتم الأمر على ذلك، ولكن لم يمض غير قليل، حتى وصل الخبر للفرنساويين بعدم رضا الإنكليز بهذه الشروط، وبلغ ذلك العثمانيين، ولكن لم يستعدوا لما عساه يحدث، أما الفرنساويون فرجعوا بالتدريج إلى القاهرة، وقاموا برجالهم إلى قبة النصر، وهجموا على الأتراك، وهم فى غفلتهم، فقتلوا منهم كثيرا، ورجع الباقون إلى جهة الصالحية وهم يسوقونهم. [ثورة القاهرة الثانية] وكان نصوح باشا داخل المدينة من خلف الجبل مع كثير من الأتراك والعرب، وهيّج الناس، وحرّضهم على القيام على الفرنساويين، فانضم إليه كثير، وهجموا على من بقى من الفرنساوية فى جهة الأزبكية وغيرها، وانتصب القتال بينهم، فبينما هم على ذلك إذ رجع العساكر الذين سافروا خلف العثمانيين، فحاصروا القاهرة وبولاق، ونهبوا أغلب دور الحسينية وهدموها، وكذا قرية الدمرداش وما حولها، ومنعوا الاتصال بين المدينة والخارج، ووجهوا المدافع عليها، وصار الهجوم منهم على أخطاط البلد، واستمر ذلك عشرة أيام. وبعد ذلك نصب الفرنساويون بيرق الصلح فى الأزبكية، وتوجه عندهم بعض المشايخ، ففهموهم أن هذه الحرب مبنية على غير أسباب موجبة، ومضربهم، وطلبوا منهم نصيحة الأهالى، ورجوعهم للطاعة، والتزموا لهم بالعفو العام. فلما رجع المشايخ وتكلموا بذلك، لم يسمع قولهم، واستمرت الحرب، ولم تنته إلا بعد سبعة وثلاثين يوما خرب فيها خط الأزبكية، وخط الساكت إلى بيت الألفى وخط الفوالة وخط الرويعى، إلى حارة النصارى، وخربت أغلب حارات بولاق أيضا من الحرق والهدم، وجهة بركة الرطل وباب البحر. وانتهت هذه النازلة، بتقرير مبلغ مليونين من الريالات الفرنساوية على الأهالى، فحصل لهم غاية المضايقة فى تحصيلها، وأهانوا الأعيان والمشايخ، وضرب «السادات»، وحبس، وأخذت منه أموال جمّة، ونهبت عدة بيوت من بيوت الأمراء، وصودر كثير منهم.

стр. 153

فكانت هذه المدة أشنع مما قبلها، ففيها انقطع السفر برا وبحرا، ومنعت الإنكليز الصادر والوارد عن جهات القطر، وانقطع الحجّ، ووقف العرب وقطاع الطريق بجميع الجهات، وتسلّطوا على القرى والفلاحين، وقصر مد النيل، واشتد الغلاء، وحصل القحط والوباء، فمات فيه كثير من الخلق. وفى خلال ذلك سافر بونابارت إلى بلاده، واستخلف على الجنود الفرنساوية بمصر قائدا من زعمائهم اسمه كليبر، فاغتاله رجل شامى حضر من بلاده لهذا القصد، يقال له سليمان الحلبى، وقتله واختفى، فاشتدّ غيظ الفرنساوية وحقدهم على أهل مصر، وأرادوا بهم السوء فراموا حرق المدينة، لولا أن الله تعالى رفق بوجود القاتل فقتلوه، وقتلوا معه عدة ممن اتّهموا بمساعدته. وبعد قليل تم الصلح، وخرجوا من مصر، وأعقبهم العثمانيون فيها، واستقروا بها، فحصل ما سيتلى عليك.

стр. 154

القاهرة بعد خروج الفرنساوية لم يهدأ لمصر حال بعد مفارقة الفرنساوية، بل ازداد التعب، وعمّ الاضطراب جميع الخلق، وتخرب الكثير من منازل القاهرة وضواحيها. وقاسى الناس، خصوصا التجار والمستورين من الغرامات والكلف، ما لا يمكن وصفه، إلى أن صدر الأمر بتولية المغفور له محمد على باشا عليها سنة ١٢٢٠. ولاية محمد باشا أبى مرق وكان قد تولى عليها قبله أناس، أولهم محمد باشا المعروف بأبى مرق، فدخلها بموكب حافل، وفرح الناس بقدومه، ظنا أن ينالوا الراحة والأمن، فخاب ظنهم، وانعكس مأمولهم، لعدم قيامه برعاية المصالح، فإن النصارى الأروام الذين كانوا مع الفرنساوية وحصل منهم الأذى للمسلمين، اندرجوا مع الأرنؤود والعسكر ومن بالبلد من الأتراك، وجعلوا يعبثون ويعربدون فى أنحاء القاهرة، وينهبون الأهالى، ويطردونهم من منازلهم، ويسكنونها، واستعملوا فى السلب أنواع الحيل، فيما لم يجدوا إليه سبيلا، فربما جلس العسكرى على دكان بدعوى الاستراحة أو شراء شئ، ثم يقوم ويعود بعد قليل قائلا: إنه نسى كيسه، أو فقد دراهمه، ويجعل ذلك سببا لإهانة صاحب الحانوت، ونهب ما عنده. وعمّ منهم الفساد، وشاركوا الباعة فيما يبيعون، وساهموا التجار فيما يربحون. وضاق خناق الخلق، واتسع ميدان الكرب خصوصا فى جهات الأرياف، فإن العسكر صاروا يقتلون ويخطفون المردان والبنات، ويفتضون العذارى، ومن مانع عن عرضه قتلوه، ولا معارض، ولا مغيث. وتضاعف الكرب، وعم الهرج، أكثر مما كان حين قال قاضى العسكر: بأن الأملاك كافة صارت ملكا للدولة، لأن انتصارها على الفرنساوية يعدّ فتحا جديدا، وعارضه فى ذلك العلماء، وضج أصحاب الأملاك، وأكثروا الشكوى، حتى لم ينفذ ما قاله.

стр. 155

ولكن الباشا أكثر مصادرات من شمّ فيه رائحة الثروة، وتفريد الفرض على التجار وغيرهم، حتى تجرد الناس من أنفسهم. [ولاية محمد باشا خسرو] واستمر الحال على ما هو عليه زمن محمد باشا خسرو، كتخدا حسين باشا قبودان، الذى عقبه فى سنة ١٢١٦. وكان قد اتحدّ مع قبطان باشا على الغدر بالأمراء المصريين، إذا نزلوا بالغليون فى الإسكندرية لملاقاته. فلما حضر الأمراء، وأحسوا بما يراد بهم من القتل ثاروا، فحصلت مقتلة عظيمة، وتخلّص الأمراء، ولحقوا بالإنكليز الذين كانوا بثغر الإسكندرية. وبلغ ذلك محمد بيك الألفى، وهو بالأقاليم القبلية، فأظهر العصيان، فتبع الباشا مماليكه وأتباعه، وكذا مماليك الأمراء وأتباعهم بالقتل والنهب، ونهب بيوت الأمراء وسبى حريمهم ونشأ عن ذلك ما نشأ من المفاسد المعتادة لهم. *** ولما تولى بعده محمد باشا، أخذ فى قمع مفاسد العسكر، وشدّد فى عقابهم، وكان يطوف الحارات ليلا بنفسه، ومعه طاهر باشا، ويقتل على أقل ذنب، وجرّد على الأمراء القبلية عدة تجاريد، إحداها تحت رياسة المرحوم محمد على سرجشمة، فغلبهم القبلية، وشدّد فى أمر الحسبة، حتى خزم أنوف الخبازين، وعلّق فيها الخبز الناقص، وكذا الجزارون، فحسن الحال نوعا، وأمن الناس بعض الأمن، وأبطل الرطل الزياتى، الذى كان يكال به الأدهان، وكان وزنه أربع عشرة أوقية، واستعوضه برطل وزنه اثنتا عشرة أوقية، وبقى للآن. واتخذ جملة من العبيد والتكرور، وأسكنهم بقلعة الظاهر، وسمّاهم بالنظام الجديد، واهتم بعمارة مسجد السيدة زينب ﵂. ومع ذلك كان غشوما جهولا عجولا فى أموره محبا لسفك الدماء، ولم تسكن ثائرة الاضطراب، فان الأمراء فى الجهة القبلية كانوا دائما يشنون الغارة على البلاد، حتى نهبوا الفيوم، وقتلوا كثيرا من أهله، ونهبوا بلادها، وكذا الجيزة، وبنى سويف، وقطعوا الجسر الأسود، وتقابلوا مع العساكر العثمانيين فى دمنهور، فحصل بينهم وقعة عظيمة، انهزم فيها العسكر، فكانت الحرب عامة لجميع أنحاء القطر. والفرض والغرامات تطلب من التجار.

стр. 156

وتمت دائرة الخراب، حين قام العسكر بالقاهرة، بسبب منع جوامكهم، وهجموا بيت الدفتردار، وبيت المحروقى، وهو بيت الشيخ البكرى القديم، وصار الباشا يضرب عليهم بالمدافع من القلعة، حتى خرب خط الأزبكية، ونهب ما فيه، وعملت متاريس عند رأس الوراقين، والعقادين، والمشهد الحسينى. ورتّبت العساكر بجامع أزبك، وبيت الدفتردار، وبيت محمد على، وكوم الشيخ سلامة. وقام طاهر باشا، وأحضر مدافع من القلعة، وانتشب الحرب بين العساكر العثمانيين وعساكر الأرنؤود بالقاهرة وبولاق وقصر العينى، وانهزم الباشا بعسكره إلى جزيرة بدران ومنها توجه إلى المنصورة، وضرب على أهلها تسعين ألف ريال فرانساوى، ثم توجه إلى دمياط. فكانت مدته كلها حروب ونهب، وقتل وتخريب، فيها تخربت حارات القاهرة وضواحيها إلا القليل. وقام بعده بصفته طاهر باشا قائمقام، فأكثر من مصادرة الناس من المسلمين وغيرهم. وأغدق على الأرنؤود، وصرف جوامكهم، ولم يعط الإنكشارية، فقاموا عليه وقتلوه، فكانت مدته ستة وعشرين يوما. [ولاية أحمد باشا] وعند هذه الحادثة، كان بمصر أحمد باشا، متوجها إلى المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - واليا من قبل الدولة، فعيّنه العساكر واليا على مصر، فلم يرض بذلك محمد على، وقام وملك القلعة، وحضر إليه أكثر الأمراء القبلية، وانضموا إليه، وتفرقوا فى حارات القاهرة، وملكوا بابى النصر والفتوح، وضربت المدافع على بيت أحمد باشا بالداوودية، فتفرق عنه الإنكشارية، وأمر بالخروج من مصر، فامتثل. [الأرنؤود يعيثون فى البلاد فسادا] ومذ خرج، نهبت العساكر بيته، ولما فارق باب الفتوح، رأى نفسه قد وقع فى وسط العسكر، فلم يسعه إلا الالتجاء إلى قلعة الظاهر، فدخلها محتميا بها، وصفا الوقت حينئذ لمحمد على وعساكر الأرنؤود، فتسلطوا على الإنكشارية، ونهبوا بيوتهم، وقتلوا أعيانهم، فاجتمعوا بمصر العتيقة، وأرادوا التوجه إلى الشام من طريق الصحراء، فهجم عليهم الأرنؤود، وأوقعوا بهم، فقتلوهم عن آخرهم، ولم يبق إلا من اختفى، ففتشوا عليهم البيوت والمساجد، ثم مدوا أيديهم إلى أذى الأهالى، والتعدى عليهم، وتفرّقوا فى النواحى، وأكثروا من السلب، خصوصا بلاد القليوبية والغربية والمنوفية.

стр. 157

واتخذ سليم كاشف المحرمجى قلعة الظاهر مستقرا، وفرض على كل بلد من بلاد القليوبية ألف ريال فرانسا، وسبعين من كل صنف، أى سبعين خروفا وسبعين رطل سمن وسبعين رطل عسل وهكذا، خلاف حق الطريق وهو خمسة وعشرون ألف نصف فضة. ولذلك الحين كان محمد باشا مقيما بدمياط يقرر على أهلها ومن جاورهم الفرد الباهظة، فتوجه إليه محمد على، وعثمان بيك البرديسى، فقاتلاه، وهزما من معه، وأسراه، وأرسلاه إلى مصر. ونهبت دمياط، وفعل الأرنؤود كل شنيعة، ثم توجّه البرديسى إلى رشيد لمقاتلة العثمانيين، وكانوا ببرج مغيزل، فلما التقى الجمعان انهزم العثمانيون، وأسر على باشا القبطان، وأرسل إلى مصر، وحصل برشيد من النهب والسلب والسبى ما حصل بدمياط وأدهى، خلاف ثمانين ألف ريال فرانسا ضربت على أهلها، وحصّلت منهم. وفى سنة ثمان عشرة ومائتين وألف حضر الوزير على باشا الطرابلسى، وأقام بالإسكندرية، وقطع جسر أبى قير ليمنع وصول البرديسى إليه. فعندها رجع البرديسى إلى مصر، وجعلت عساكره كلما مرّت ببلد نهبتها، حتى حصل للناس منهم من الضرر، مالا مزيد عليه. واشتد الغلاء تلك السنة، بسبب قصور النيل وعدم الرى، وعربدت الطغاة، وأصبح القصر بلا حاكم. وفى أثناء ذلك أيضا، رفع العساكر لواء العصيان بسبب منع الصرف، فاتفق الرأى على توزيعها على الطوائف والتجار، وجعلها درجات، أعلاها خمسون كيسا وأدناها خمسة أكياس، فوزعت كذلك، وشدّد فى طلبها، فأغلقت الحوانيت، وتعطلت الأسواق، وبطل البيع والشراء، ونهب العسكر بيوت الإفرنج، فحصل بينهم مقتلة عظيمة، قتل وجرح فيها من الفريقين ناس، واشتد الخوف بالناس، وشكت القناصل للدولة فلم يجد شيئا. وعلى باشا لم يبارح إسكندرية لذلك الحسين، مشتغلا بجمع العساكر وترتيبهم على هيئة عساكر الإفرنج، فتراءى للأمراء أنه يدبر عليهم أمرا، فاحتالوا عليه من باب «تعشّ بفلان قبل أن يتغدّى بك»، فأظهروا له الطاعة، وطلبوا منه الحضور إليهم ليمكنوه، فقام بعسكره قاصدا مصر، فلما وصل إلى شلقان، خرج عليه عسكر الأرنؤود، فلم يجد بدا من المدافعة، فاشتد القتال بين الفريقين، وقتل خلق كثير منهما، وتمت بهزيمة العساكر العثمانيين، وأسر الباشا وإرساله إلى مصر، ثم توجه الألفى إلى القليوبية، فنهبها وقتل أناسا كثيرا من أهلها، وكذا فعل بعرب بلى، محتجا أنهم كانوا ماثلين للباشا ظلما وافتراء.

стр. 158

[محمد على يتحالف مع البرديسى] ثم اتفق الأمراء على إخراج على باشا إلى الشام، فأصحبوه بعدة من العسكر، فلما وصل القرين قام عليه العسكر وقتلوه، فلما وصل الخبر إلى الأمراء، أظهروا عدم الرضا وسكتوا، وكان مع كل ذلك يرغب كل أمير أن تكون له السلطة، ويعمل فيما يقوّى أمره ويضعف غيره، وعقارب الحقد تدب بينهم، ومحمد على لسياسته لا يظهر ما فى نفسه لأحد، بل كل من رآه قويا مال إليه، وأظهر له أنه معه، ولم يهمل أمر غيره، بل يواسيهم وهو يترقب الفرصة، ويسير بعقل وسياسة، وإذ كان البرديسى إذ ذاك هو المتبين فيهم تحالف معه، وجرح كل منهما نفسه وشرب الآخر من دمه، تمكينا للأخوة على زعمهما. ولكنه لما كان يرى من سوء سيرتهم وطيش عقولهم يعلم أنهم مخذولون وأن أمرهم لا يتم، فكان يراعى الأهالى، ويواسى العلماء، ويتواضع لهم، ويتأدب مع وجوه الناس، ويعاونهم بما فى وسعه، فمالوا إليه وأحبّوه. ثم إن الأمراء اتفقوا فيما بينهم على إضمار العداوة للألفى الكبير، لما رأوا من فوقانه عليهم، فخافوا على أنفسهم منه، فدس البرديسى لحاكم رشيد أن يقتله، فاستشعر الألفى فاحتال حتى قرب من مصر، واستطلع حقيقة الخبر، فمذ ثبت عنده توجه إلى الجهات القبلية، وكذا الألفى الصغير، فإنه لما بلغه ما يراد بقريبه، لم يسعه إلا اللحاق به، فنهب الأمراء بيوتهما، وبيوت أتباعهما وحواشيهما. ولما رأى الأمراء كثرة حزبه بالجهة القبلية، خافوا تفاقم شره، فجرّدوا لحربه تجريدة، وجعلوا بعض مصروفها على التجار، وفرضوا الباقى على الأملاك، فجعلوا نصف ما فرض على كل منزل على المالك، والنصف الآخر على المستأجر، ووزعوا على القرى الغرامات الباهظة، فكان هولا هائلا فى جميع أنحاء القطر المصرى، حتى قامت النساء يندبن، وصبغن وجوههن وأيديهن بالنيلة. وشكا الناس إلى محمد على، لما كانوا يرون منه من الميل إليهم، فتلقّاهم بالبشر، ووعدهم بما سرّهم. وكثرت بينهم قبائح البرديسى، حتى قام عليه العسكر والزعر، فما وسعه إلا الخروج إلى قبلى، ونهب بيته وبيت إبراهيم بيك بالداوودية، وحصل بين العسكر ومماليك المذكور قتال شديد، وطلع محمد على إلى القلعة، وأقام بها، ووجه المدافع إلى الداوودية، فخرّب أكثر منازلها. وانتهت هذه الحادثة بخروج الأمراء إلى قبلى، ونهب بيوتهم، وسبى نسائهم وأولادهم.

стр. 159

[ولاية محمد على] ثم حضر أحمد باشا سنة تسع عشرة ومائتين وألف واليا على مصر، وكان الغلاء قد بلغ منتهاه، حتى وصل ثمن الإردب من القمح خمسة عشر ريالا فرانسا، والاضطراب مستمر والعسكر قائم، والأمراء القبالى يعيثون فى البلاد، واحتاطوا بالقاهرة، وخرّبوا ضواحيها كبولاق والشيخ قمر والعدوى والوايلية، فخرج إليهم محمد على وهم بجهة طرة، فكبسهم وهم غافلون، وأوسع فيهم القتل فانهزموا، وتشتّتوا فى الجهات، وحصل بينهم وبين العسكر المتفرقة وقعات بجهة شبرا وأبى زعبل والخانقاه أعقبت خراب تلك الجهات. ولم تزل العسكر مع ذلك تقوم لطلب الجوامك، ويحصل منهم ما لا خير فيه، والوالى كل مرة يضرب على الأهالى مبالغ، يحصّلها بأنواع الظلم. ثم إن محمد على بينما هو متجهز للخروج بعسكره إثر الأمراء القبالى، إذ حضر فرقة من عساكر الدلاة من جهة الشام، فأراد محمد على أن يكونوا معه، فامتنع الوالى من ذلك، وحصل بينهما كلام، فأمره الوالى بالخروج من البلد، فامتنع وهاجت الأرنؤود، وخاف كل فريق من الآخر. وبينما هم على ذلك إذ ورد فرمان بتولية محمد على على جدّة، فأظهر الامتثال، وأخذ فى الاستعداد، فاضطرب العسكر والأهالى لعدم رضاهم بمفارقته البلد. وفى أثناء ذلك طلب منه العسكر مرتباتهم، فأحالهم على الوالى، ولم يكن بيده شئ، فأغلظوا له فى القول. ولسوء تدبيره قال لهم عليكم بنهب القليوبية، فتفرقوا فى بلادها، ونهبوها، وسبوا النساء، وباعوا الأولاد، فأوغرت صدور الأهالى، وحصل فى قلوبهم بغض الوالى والميل إلى محمد على، لما يرون منه من الحزم والمساعدة. فكان عاقبة ذلك أن كتبوا للدولة بأنهم رضوه واليا، فأجابتهم الدولة لذلك، وصدر له الأمر بولاية مصر فى شهر صفر سنة ألف ومائتين وعشرين، وانقرضت به دولة الغز، وحصل منه معهم ما سيتلى عليك إلى أن انقضى نحبهم، والله يؤتى ملكه من يشاء.

стр. 160

حال القاهرة فى مدة الخديو الأعظم محمد على لما صدر الأمر له بولاية مصر فى صفر سنة عشرين ومائتين وألف طبقا لمرغوب أعيانها، وسلسلة الفتن محكمة حلقها وعقد الحوادث صعب حلها، والاضطراب عام فى جميع الأنحاء، والعقول غالب عليها حب الأهواء، والعرب تعربد فى النواحى، والمناسر تقطع الطرق، وتنهب الضواحى، والعسكر تجلب على الأهل كل داهية، والأمراء المصرية تعيث فى البلاد، وتخرب القاصية والدانية، وإذا أرسل لقتالهم عسكر زادوا عنهم أضعافا فى الفساد، مع ما بين فرقهم من العداوة والعناد: فالأرنؤود تخالف الإنكشارية وتقاتلها، والدلاة تعادى كل فرقة وتصاولها، والكل معاد للأهالى، عاص للوالى. أخذ الباشا بالجد والحزم، وتصدى لحل تلك المشكلات المعضلة، والفتن المتطاولة، فشرع فى استمالة قلوب المشايخ أصحاب الكلمة، كالسيد عمر مكرم، والشيخ الشرقاوى، والدواخلى، حتى صاروا معه، فجعل يحل عقد المشاكل بهم، ويستعين برأيهم، على مهمات النوازل، ولم يزل يعانى الأمور بعقل ثابت، وسياسة تامة، حتى تفرد بالأمر كما سيتلى عليك. [محمد على يستعين بالشعب] ولما صدر الأمر أبلغوه لأحمد باشا الوالى، فلم يلتفت إليه، بل تحصّن بالقلعة، فقام إليه الخديو محمد على، وحاصره بها، وحفظ أبوابها بعساكر الأرنؤود، فلم يكن غير قليل، حتى جاهروه بالعصيان، لعدم صرف جوامكهم، وتفرّقوا عنه، وانتشروا فى القاهرة ينهبون ويسلبون. فاتحد الباشا مع المشايخ، ورتّب من الأهالى بدلهم بالسلاح والمساوق والنبابيت. وفى أثناء ذلك حضر قابوجى من الدولة، ومعه أوامر لأحمد باشا بعزله، فلم يمتثل مرسومها، واستمر على عناده.

стр. 161

وبعد قليل حضر قبطان باشا بأوامر تعضد ما سبق، فلم يصغ لها ظنا أن ذلك كله شباك حيل تنصب له، وراسل الأمراء القبالى، وطلبهم لمساعدته، فوقع بعض المكاتبات فى يد الخديو محمد على، فأخذ حذره. فبعد قليل حضروا إلى الجيزه، وعدّى بعضهم إلى البر الشرقى، واحتاطوا بالبلد، ودخلها الكثير منهم من باب الفتوح والحسينية، وتوجّه بعض كبرائهم إلى السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوى وغيرهما، يدعونهم إلى نجدتهم والقيام بنصرتهم، فلم يقبلوا منهم، فخرجوا خائبين. وكان الجناب الخديوى مذ بلغه خبرهم أرسل جندا لضبطهم، فأدركوا بعضهم قد خرج من البلد، فأوقعوا بمن أدركوه منهم بالسكرية والدرب الأحمر، وهرب بعضهم إلى جامع البرقوقية فاختفى به، وبعضهم تسلق فوق السور، من خلف الجامع فنجا، ومن اختفى بالمسجد دلّ عليه، وكانوا نحوا من خمسين رجلا، فلما أحضروهم بالأزبكية إلى داره، وكان يريد الركوب، فرح بالظفر، وأمر لمن أحضروهم بالعطايا، وأحضر الجزارين، وأمر بقتلهم. وشاع ذكر هذه الواقعة فى سائر الأطراف، فهابه الأعداء، وكان يظن أن هذه الحادثة تفسد عليه ما دبّره، فكانت على خلاف ما ظنّ، إذ أدخلت على أعدائه الرعب، فخرج أحمد باشا، وخرج عسكر الدلاة العصاة على وجوههم، وانتشروا بالجهات البحرية ينهبون ويسلبون، فوجه خلفهم حسن باشا الأرنؤودى، ومحمد بيك المبدول، وعمر بيك الأشقر بعساكرهم، فأجلوهم من البلاد، واحتاطوا على جميع ما سلبوه، وذهب أولئك إلى الشام مدحورين. وأما الأهالى فإنهم فى هذه المدة كانوا متقلّبين على جمرات البلايا، غارقين فى بحار الشدائد، فالأرنؤود تنهب البيوت، وتخطف ما يرد من البضائع ويبيعونه بأغلى الأثمان، حتى انعدم اللحم والسمن بعد شدة غلائهما، وتتعرض لنساء الأمراء الغنيات، بقصد تزوجهن. والعسكر تقوم بسبب الجوامك، فلا يجد بدا من توزيعها على الطوائف والتجار، ثم توجه فكره إلى الالتزامات، فتكلّم مع العلماء فى ذلك، فاتفق الرأى على أخذ ثلث الفائض منها، وكل ما يتحصل يصرف فى شؤون التجاريد وطلبات العسكر، وليس بالكافى مع ما ضرب على النواحى، وطلب من المديريات أموال سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف مقدما، وتعين الكشاف للتحصيل، فكان الكاشف يعين من طرفه المأمورين، ومعهم قوائم بالمطلوب من كل بلد، مع ما يتبع ذلك، كقوائم البشارات، وأوراق تقبيل اليد، وحق الطريق، ولبس القفطان، مع طلب العرب العلائق والكلف.

стр. 162

[معارك محمد على مع المماليك] وفى محرم سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف حصل بين القبالى والعسكر مقتلة هائلة، قتل فيها كثير من الفريقين، وانهزم العسكر، ووصل الأمراء إلى انبابة، صحبة شاهين بيك الألفى، ثم تحوّل بهم إلى دمنهور، ومنها عدّى إلى المنوفية، فتخربت تلك الجهات، وتشتت أهلها، وكان الحرب منتشبا بالجهات القبلية، وانهزمت العساكر أيضا بالمنية. وكان الجناب الخديوى، مع ورود هذه الأخبار، لا يتزحزح عن عزمه، ولا يترك تلافى الشدائد بالحزم، ويوجّه ما أمكنه من العساكر، ولا يصرف النظر عن استمالة الأهالى، بل لم يزل ساعيا فى مراضيهم، لا يصدر إلا عن رأى المشايخ، فجعلوا يبذلون الجهد فى مساعدته، حتى بلغ ما أراد، فانه لما حضر الأمر برفقة قبطان باشا فى هذه السنة بعزله عن مصر، وتوليته سلانيك، وجعل موسى باشا واليا بدله، كتب العلماء والوجوه، وأمراء العسكر محضرا إلى الدولة، وأرسلوه صحبة إبراهيم بيك نجله الأكبر، يترجون أن يبقى واليا، لما رأوا من حسن إدارته. فبعد قليل حضر الأمر ببقائه، وتعيين ابنه إبراهيم بيك دفتردارا. وكان الذى حسّن للدولة، عزله عن مصر هى الدولة الإنكليزية، ليتمهد الأمر للألفى، ويتسنى لهم مساعدته. وكان الألفى قد سافر إلى بلاد الإنكليز مصاحبا لهم حين خرجوا من مصر، واتفق معهم على أن يساعدوه. فلذلك حسّنوا للدولة ما حسّنوا، وأرسلوا إلى الألفى بحوش عيسى، فكاتب الأمراء القبالى يخبرهم بما تم لهم من العفو بمساعدة الإنكليز لهم، وحضور الوالى الجديد، ويحثهم على الاتحاد واغتنام الفرصة، ويعلمهم أن قبطان باشا مساعدهم أيضا على بعض مطاليب عيّنها، وأن يحضروا حتى يتروى معهم، فيما يلزم اتباعه. فتشتتوا فى رأيهم، وامتنعوا من إجابته وأبوا الحضور، وكذا كاتب قبطان باشا الإنكليز والأمراء، فوقعت بعض مكاتباته فى يد الباشا، فوقف منها على ما يرام، فراسل قبطان باشا واستماله، فرأى أن الميل إلى الباشا أوفق، مع تباطئ الأمراء عن إجابته، فأخذ يدبر بنفسه لمحمد على باشا التدابير، وأمره بإعمال المحضر السابق، وتصالح معه على مبلغ يدفعه للدولة، فخاطب الباشا العلماء، فبادروا إلى ما أمر، وتم له ما تم. ولما حضر الأمر برجوعه واليا نهض إلى تجريد التجاريد، وأخذ فى حرب الأمراء بجهة قبلى، والألفى بجهة بحرى لأنه كان حاصر دمنهور والأهالى تمانعه عنها. وكان الباشا يخشاه لجسارته وإقدامه ودهائه وذكائه، ويبذل الهمة فى استمالته إلى أن اخترمته المنية عقب هذه الحادثة بغتة بجهة المحرقة، ففرح الباشا بموته.

стр. 163

وأعقب ذلك موت عثمان بيك البرديسى، فتكامل السرور، وقال الباشا فى محفل من أحبائه لشدة فرحه: «الآن ملكت مصر»، وكان كما قال فإنه بعد موتهما انحلّت عرى اتحاد الأمراء المصريين، وتشعّبت آراؤهم، وجعل كل واحد منهم يرى نفسه أنه أحق بالإمرة، فرأى الباشا أن إطفاء نيران فتنهم يجعله متفرغا للنظر فى مصالح القطر، وعلم تشعب كلمتهم فراسل البعض، فحضر إليه فأغدق عليهم وزوّجهم، فانحاز إليه الكثير، وتمزّق حزب القبالى، ومن بقى لم يزل مصرا على العناد، فطلب صلحهم، لأنه الأقرب إلى السلم، والأسلم لتدبير القطر، وتنظيم أحواله وترتيب أحكامه، وأحفظ من تطرق الخلل إليه، لأن البلاد الأوروباوية حينئذ كانت مضطربة والحرب بها قائمة، ونابليون بانوبارت يجوس بجيوشه خلالها، ويدمر بهجماته ممالكها، فتغلّب على النمسا والموسكو. وكذا دولة الروس أعلنت الحرب مع الدولة العلية لانضمامها مع فرنسا. وصدرت الأوامر من الدولة لمحمد على باشا، بالاحتياط وحفظ الثغور، خوفا من أن تدهمه دولة الإنكليز على غرّة، فإن مراكبها أخذت تجول فى البحر الأبيض، ولا يعلم ماذا تقصد. ولما أبطأ عليه خبر الصلح، قام إلى الجهات القبلية، ووعدهم بما يرضيهم، فتشاوروا بينهم، فبعضهم لم يقبل كإبراهيم بيك الكبير، وقال: «أنا لا آمن غدره»، وبعضهم مال إلى الصلح، فلم يزل مجتهدا فى استمالتهم، حتى تمّ الصلح، فترك القتال، وكانوا يحضرون إلى القاهرة، وحضر جاهين بيك وأقام بالجيزة، وعمل لقدومه شنكا وليلة حافلة، وأعطاه الباشا إقليم الفيوم، وثلاثين بلدا من إقليم البهنسا وعشرة من الجيزة، وأعطاه كشوفية هذه الأقاليم مع كشوفية البحيرة وثغر الإسكندرية، واهتم بشأنه زيادة عن غيره، وزوّجه من جواريه. ثم حضر بعده نعمان بيك، فأكرمه أيضا، وزوّجه من جواريه، وأعطاه بيت المهدى بدرب الدليل. وهكذا كل من حضر، كعمر بيك، ثم بعد ذلك حضر إبراهيم بيك الكبير، فولاّه جرجا. [احتلال الإنجليز الإسكندرية ورشيد] وفى أثناء ذلك فى محرم سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف ورد الخبر إليه بوصول الدوسمة الإنكليزية، وأخذها ثغرى الإسكندرية ورشيد، وأن الإنكليز راسلوا القبالى، لينضموا إليهم، وأفهموهم أنهم ما حضروا إلا لنصرتهم، فأخذ فى الاستعداد، وبنى الاستحكام الذى كان بانبابة، وساعده على ذلك قنصل دولة فرنسا، لما بين دولته ودولة

стр. 164

الإنكليز من العداوة إذ ذاك، وأرسل بانوبارتو الخازندار وحسن باشا الأرنؤودى واسماعيل كاشف لتحصيل المال من البلاد، ووزع مصروفات ما يصنع بالقاهرة من طوابى وخنادق على أهلها، واهتم بجمع العساكر والنظر فيما يلزمهم. فبينما هو كذلك، إذ حضر البشير بهروب الإنكليز من رشيد، وقتل الكثير منهم، وأن العسكر قد أسر منهم خلقا كثيرا، ففرح الباشا والناس، ودقت الطبول، وزينت البلد، وبعد قليل حضر الأسارى، فأدخلوهم البلد، وكان لدخولهم يوم مشهود، وأمر الباشا بمعاملتهم بالحسنى، ورتب لهم ما يكفيهم، ثم توجه إلى الرحمانية، ثم قصد دمنهور، وكاتبه الإنكليز فى الصلح، فلم يمانع، فقاموا وتركوا المدينة، وكانوا قد قطعوا جسر أبى قير لقطع المواصلة بين ثغر الإسكندرية وداخل القطر، فعمّ الماء أغلب بلاد البحيرة، وأخرب بلادها، وأتلف أرضها وكرومها، وأعدم منها نحوا من مائة وأربعين بلدا بقيت إلى الآن، وهى ما تراه حول اتكو وبحيرة المعدية، إلى المحمودية وما جاور بحيرة مريوط، ممتدا إلى القرب من دمنهور. [فتنة العسكر الأرنؤود] ولما انقضى أمر الإنكليز التفت الباشا إلى إعادة ما اختلّ من نظام أمر العسكر، فإنهم كانوا قياما على قدم العصيان بخصوص منع جوامكهم، واحتاطوا ببيته بالأزبكية، ورأى منهم عين الغدر، فركب ليلا إلى القلعة، وتحصّن بها. وبقيت المدينة مضطربة أياما، وجعل يراسل أمراءهم ويواسيهم، ووزع ضريبة على تبعته ورجاله، وأرباب التجارة والصناعة، وصرفها فى بعض الجوامك، وتحقق لديه أن الباثّ لروح الفتن فى العسكر هو رجب أغا فأراد نفيه، فتعصب له جماعة من العسكر، وعملوا متاريس بقنطرة باب الخرق، فأرسل الباشا إليه حسن أغا سرجشمه، فعمل متاريسه جهة المدابغ، وزخف الفريقان، وخرقوا جدران البيوت، ليتوصل كل فريق إلى الآخر وليتمكن كل من عدوه، وسعى فى هدم ما يأويه، فتخرّب لذلك غالب بيوت تلك الخطة، وحصل لأهلها من الشقاء ما لا يوصف، وتعدّى الشقاء لباقى أهل البلد، وغلقت الحوانيت وتعطلت الأرزاق. فلما طال الحال، ورأى الباشا أن هذه الفتنة إن دامت دمّرت ما دبره، وربما أفسدت ما لا يمكن إصلاحه، وجه صالح خوجه وعمر بيك الكبير، وجعل إليهما أمر الإصلاح. فبعد مجاورات تم الأمر على أن يعطوا لرجب أغا مبلغا عيّنه، وأن يخرج إلى بلاده، فكان.

стр. 165

وخرج إلى بلاده من طريق دمياط، ثم طرد جميع العسكر الدلاة، وألبس فرقة من الأتراك الطراطير بدلهم، ورأس عليهم من أقاربه مصطفى بيك. وكذا وجه عسكرا لمحاربة أولاد علىّ من عرب البحيرة، لما حصل منهم من كثرة الفتك بالأهالى، فأوقعوا بهم، وقهروهم على الطاعة. ثم وجّه همته إلى قمع ياسين بيك وحزبه، فإنه كان قد خرج من مصر واجتمع عليه جماعة من الأوباش، فسافر بهم إلى قبلى، وانضم إليه بعض المفسدين من الأمراء والعرب، وأكثر النهب والسلب والإحراق. فأرسل إليه الباشا جمعا التقى معه بالمنية، وانتشب القتال بين الجمعين. وبعد قتال شديد انهزم ياسين بيك، وتفرّق جمعه، وفارقة أكثر أصحابه ثم تراسلوا فى الصلح على أن يحضر إلى القاهرة، فأجاب وحضر. ولما كان طبعه يميل إلى إثارة الفتن والباشا يريد حسمها، استقر الأمر على نفى ياسين بيك قطعا لأسباب الشر، فسفّروه إلى قبرس. وهدأ القطر بخروجه ووجود القبالى بمصر بعض الهدوء. [محمد على يسترضى أمراء المماليك ويزيد الضرائب على الأراضى والمحاصيل] ولكن الباشا لم يزل متفكرا فى أمر الأمراء، لما يراه من تقلباتهم، وعدم رضاهم، بما يصل إليهم من هباته ومرتباتهم، وإظهار كل منهم أنه الأحق بالأكثر مما لسواه، وطلبه الزيادة على ما أعطاه، وجريانهم مع قبيح تصورهم وطموحهم فى ميدان تهورهم. ولما كان مضطرا إلى مواساتهم إلى أن يتخلص متى سنحت الفرصة من شرهم، كان لا يمنعهم مطلوبا، ولا يكف عنهم مكروها له ولا محبوبا، فاحتاج لذلك إلى المال، فوجّه نجله إبراهيم بيك إلى جهة بحرى مع كشّاف وكتّاب، ووزع على كل فدان يروى بالنيل أربعمائة وخمسين فضة، وبعد قليل سافر بنفسه وقرّر على قراريط البلد كل قيراط سبعة آلاف وسبعمائة نصف فضة، وسميت هذه كلفة الذخيرة، وبطل مسموح مشايخ البلاد. ولما دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف شرع فى بناء سراى بجهة شبرا، على النيل فى متسع من الأرض يمتد إلى بركة الحاج، وغرس بها البساتين والأشجار، وأمر ببناء العيون، وكانت متخربة منذ عشرين سنة، مهجورا استعمالها، فشدّد فى عمارتها، وحشرت لها الصناع، وجلبت إليها المهمات حتى تمت. وفى سنة أربع وعشرين ومائتين وألف احتاج إلى أموال يصرف منها مرتبات العسكر، لإزاحة عللهم، وقطع أسباب فتنهم، فطلب من القبالى ثلث المطلوب من الغلال، وقدره مائة ألف إردب وسبعة آلاف إردب، وطلب على الأطيان زيادة عن عام الشراقى الثلث، ومن الملتزمين نصف مال الالتزام، وجعل المال على الرزق، وأطيان الأوسية.

стр. 166

حدوث التمغة على المنسوجات وغيرها وحدثت التمغة على المنسوجات من الأقمشة والحصر، والمصوغات من الأوانى والحلى، وأمر الروزنامجى بتحرير قوائم البلاد، فقال إن أكثر البلاد خراب، فأمره بفرز الخرب من العامر، فحرر القوائم، وجعل فى ضمن الخرب بلدة عامرة، كانت له ولأحبابه. فلما عرضها على الباشا فرقها على الأمراء بحسب درجاتهم، وأخرج لهم بها التقاسيط، وكان عدتها مائة وستين بلدا، وتسنّى له بذلك أن يدفع إلى العسكر مرتبهم، ويطفئ لهب فتنهم، ولكنه مع ذلك كان ساعيا فى إبعادهم، ليكفى الأهالى شرهم، لأنه ما من يوم يمر إلا ويحصل فيه قتل وسلب فى الحارات والضواحى، ولا يستطيع أحد أن يخرج من بيته، ولا إلى أقرب منزل له بعد العشاء، ولا يمكن لإنسان أن يذهب وحده، أو مع جمع قليل إلى شبرا أو بولاق، وقبل أن يخرج يسأل عن أمن الطريق، فكان الباشا يبعد العسكر عن البلد ما أمكنه، فيرسلهم خلف العرب، ولمحاربة باقى الأمراء بالجهات القبلية، ويترقب الفرص لإزاحتهم. مطلب نفى السيد عمر مكرم ثم لما رأى أن بعض المشايخ بما لا يلائم الحال، خصوصا السيد عمر مكرم، لمعارضته له فى جميع مشروعاته، وتهييج الأفكار عليه، شكا منه إلى المشايخ، فهوّنوا له أمره، وصاروا يعدون له معايب وهنات، حتى نفّروا الناس عن السيد عمر مكرم، وتباعد عنه أصحابه. وفى خلال تلك الأحوال طلبت الدولة مبلغ أربعة آلاف كيس كانت باقية مما خصّصه قبطان باشا، فعقد لذلك مجلس، كتب فيه محضر ذكر فيه خلو الخزينة من الأموال مع كثرة النفقات على الأعمال النافعة، كسد ترعة الفرعونية، وبناء العيون، وترميم بعض القناطر، وغير ذلك، وختم عليه المشايخ. ولم يحضر السيد عمر مكرم كراهة فيما يفعل، فاغتاظ الباشا، وطلبه إلى الحضور، فلم يجب، وترددت الرسل بينهما، فقال السيد عمر: إن كان ولا بد من الحضور ففى بيت السادات، فزاد غيظ الباشا، ونزل ببيت ولده إبراهيم بيك. وأرسل خلف المشايخ والأمراء، فحضروا عنده، وأحضر القاضى، وأمره أن يرسل إلى السيد عمر مكرم، فأرسل إليه القاضى رسولا ليتذاكر معه فامتنع معتلا بالمرض، فقرر المجلس رفعه من نقابة الأشراف، ونفيه إلى دمياط، ونزع ما بيده من النظارات، وتولية السادات وظيفة النقابة، فألبس الفروة فى المجلس.

стр. 167

مطلب انفصال الشيخ الطحطاوى عن الإفتاء ولما وصل الأمر إلى السيد عمر أقام السيد المحروقى وكيلا على أولاده، وسافر إلى دمياط، فتجارؤوا على أخذ ما كان بيده، وأكثروا التودد والرجاء، فطلب الشيخ المهدى من الباشا أن يعطيه نظارة وقف الإمام الشافعى ﵁ وسنان باشا، فأعطاهما إياه، ثم طلب صرف ما هو متأخر لهما، فصرف له، وهو مبلغ قدره ثلاثة وعشرون كيسا، ثم نمقوا محضرا ذكروا فيه أسباب عزله ونفيه، وختم عليه المشايخ سوى مفتى الحنفية الشيخ الطحطاوى، فنفروا منه، وابتنى على ذلك انفصاله من منصب الإفتاء، وتعيين الشيخ منصور بدله. ثم رأى الأمراء أنهم إن داموا على حالهم بمصر ضعفت سلطتهم، فاتفقوا على الخروج من مصر، فخرجوا إلى قبلى، واتحدوا مع جاهين بيك وغيره، وجعلوا يغرون العرب والمفسدين، حتى كبر حزبهم، وخافهم الباشا، فقام بنفسه، وأخذ عساكره، وخرج إليهم فى شعبان من تلك السنة، وجعل نائبه فى البلد كتخدا بيك، وهو محمد بيك لازوغلى. [محمد على يسترضى المماليك ويحارب إبراهيم بيك] فلما قرب منهم، راسلهم فى الصلح، وكان الكثير خرج على غير خاطره، لما ذاق من حلاوة الراحة ورفاهية المعيشة، فتجرّع غصص الكرب فى ميدان الحرب، فما صدق أن سمع بأمر الصلح، فطار فؤاده فرحا، والضم إلى الباشا، فأغدق عليهم، وأظهر لهم البشاشة واللين، وتذرع الصبر على مضض ما يقاسيه منهم، لأنه كان على يقين من أنهم ما داموا فى مصر لا يصفو عيش، ولا يستريح بال، لكنه كان يترقب سنوح الفرصة فيستريح. وأول من جاء منهم محمد بيك المنفوخ، فأعطاه جمرك بولاق، ثم عوّضه عنه ستين كيسا، ثم تلاه جاهين بيك، ونعمان بيك، وأمين بيك، ويحيى بيك، فأنعم على كل منهم بعشرين كيسا. وشرعوا فى شراء بيوت، وبناها لهم الباشا على مصروفه، وألحق تلك العطايا بسبعة آلاف ريال لكل منهم، فاطمأنت خواطرهم، واشتغلوا بتنعماتهم، والباشا يلين لهم جانبه، ويتلطف بهم، حتى خضعوا له. ولم يبق مخالفا لهم إلا إبراهيم بيك الكبير، فإنه لما حضر وقت الصلح إلى الجيزة ولم تضرب المدافع لقدومه تغيّر خاطره، ونفر طبعه، ونقض الصلح، ورجع إلى قبلى مع جماعة ممن كان على رأيه، وانضم إليهم بعض قبائل العرب، ولكن لم يجد نفعا، فإنهم فروا عنه، عند ما رأوا عسكر الباشا تقفوا أثرهم، وقد ملكت المنية.

стр. 168

وأيضا فإن غالب رؤساء العصبية انضمّ إلى الباشا، ولم يزل صالح قوجه مصعدا خلف إبراهيم بيك وجماعته إلى أن أجلاهم عن الإقليم، فدخلوا بلاد النوبة، وأقاموا بها. [الاستعداد للحرب الوهابية] وفى خلال ذلك كانت الفتنة قائمة فى الأقطار الحجازية بسبب ما فعله الوهابى بتلك الجهة، لأنه عاث فيها كالذئب فى الغنم، وقتل وسلب وسبى ونهب وهتك حرمة الحرمين الشريفين، ونال أهل البلدين من ضرره ما لا مزيد عليه، حتى هاجر كثير منهم إلى مصر والشام، وما جاورهما من البلاد، وتعطّل الحج، وخيف الطريق، فكتب أهل الحجاز يستغيثون بالدولة، فكتبت لمحمد على بإرسال العسكر لإخماد تلك الفتنة، وحثه على السرعة، فأخذ يجهز العسكر، واتخذ صناعة فى بولاق لعمل المراكب، وأمر بقطع الأشجار البالغة فى أنحاء القطر وجلبها إليها، ففصّلت منها عدة مراكب، وأرسلت على الجمال إلى السويس فتركبت هناك. ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين وألف، فتوجه الباشا بنفسه إلى السويس، وأمر بضبط ما بها من المراكب، وكذا ما بغيرها من سواحل البحر الأحمر، وعاد إلى مصر، وأخذ فى تشهيل الجردة، وقلّد ولده طوسون سر عسكرها، فخرج الجيش وعسكر بقبّة العزب، وكان نحو ألفى مقاتل، وحثّ على إحضار اللوازم، فوقع ذلك لدى الدولة العلية موقع الاستحسان، ورأى السلطان أن فعله ذلك من أجلّ الخدم الدينية وأرفع التقربات إلى الدولة العلية، فأصدر أمره إلى خورشيد باشا ومن معه بالرجوع إلى الآستانة. فكان كتقرير جديد من الحضرة السلطانية للباشا بتولية الديار المصرية. فأهدى ذلك الأمر السرور لقلب فرانسا، وموافقها دولة الإنكليز، وأبلغت دولة فرانسا الباشا على يد قنصلها أنها ممنونة مما رأته من اقتداره على نشر أعلام التمدن فى البلاد الشرقية. [مذبحة المماليك بالقلعة] وكان الباشا قد نمى إليه أن جماعة من المماليك، تواطؤوا على الفتك به فى عودته من السويس، فقام على غير ميعاد وتسربل ظلام الليل، حتى دخل مصر من ليلته. ورأى أنه لا يأمن من فتكات المماليك خصوصا إذا خلت البلد من العسكر فدبّر فى قطع دابرهم، فأبدى اهتمامه بأمر يوسف باشا الذى كان واليا على الشام وعزله عنها أحمد باشا الجزار، فحضر مستعينا بالباشا، فشكره الباشا لاختياره ووعده المساعدة وأن يكون أعزّ أنصاره، فأمر بتجهيز تجريدة لنصرة المذكور، وعيّن جاهين بيك الألفى رئيسا لها، ثم أحضر المنجمين وطلب منهم تعيين ساعة يكون الطالع فيها سعيدا حتى

стр. 169

يلبس ابنه طوسون السيف والخلعة اللذين حضرا برسمه من طرف السلطنة السنية حين تعين رئيسا للجيوش المسافرة للحجاز، فاختاروا له الساعة الرابعة من يوم الجمعة الخامس من صفر سنة ست وعشرين ومائتين وألف. فلما كان يوم الخميس الرابع منه طاف الجاويشة فى الأسواق يعلنون بالموكب على حسب عوائد تلك الأزمان، وطافوا بيوت الأمراء وكبار العسكر، وزعماء المماليك على طبقاتهم بمنشورات الحضور إلى القلعة متجملين ليسيروا فى الموكب فى اليوم المقرر، فأخذ كل فى الاستعداد. وفى الوقت المعين وافوا القلعة، ولم يتأخر منهم إنسان. وكان الباشا قرر فى نفسه الفتك بالأمراء ومحو آثارهم، فدبّر تلك الحيلة لاجتماعهم كى يستريح من شرّهم، ولم يظهر ذلك لأحد حتى كانت ليلة الجمعة فأسرّ ما صمّم عليه إلى حسن باشا الأرنؤودى وصالح قوجه وكتخدا بيك، فاستصوبوا ما رآه، وبات كل واحد يدبر أمره، فلما كان صباح الجمعة أسرّوا ذلك إلى إبراهيم أغا أغاة الباب، واتفقوا معه على ما يكون إجراؤه، كى لا يحبط عملهم، فيقعوا فيما لا يقدرون على الخلاص منه، فرتّبوا على حافتى المضيق الذى بين باب العزب والباب الأعلى ما يلزم من أتباعهم. فلما انتظم الموكب تقدم عسكر الدلاة، ثم وليهم الوالى والمحتسب، ثم الأغا والوجاقية والألداشات ومن تزيّى بزيّهم، ثم الأمراء المصريون، ثم عسكر الرجّالة والخيّالة، ثم أصحاب المناصب. فلما سار الموكب، وجازت الألداشات من باب العزب، وانحصر الأمراء بين باب العزب والباب الأعلى فى المضيق، أمر صالح قوجه بغلق الباب الأسفل، وعرّف طائفة من جماعته بالمراد، فأرسلوا رصاص بنادقهم على الأمراء، وكذا أطلق عليهم من بحافتى الطريق، فدهشوا، وأرادوا الهرب فلم يتمكنوا لغلق الأبواب، والرجوع فلم يقدروا لضيق المكان وصعوبة المرتقى، فسلّموا أنفسهم للقضاء، وبقوا متحيرين إلى أن مات أغلبهم فى المضيق، كجاهين بيك وسليمان بيك البواب، وبعضهم تجرّد من ثقله ورجع، فمذ وافى الساحة الوسطى أدركه بها حمامه. ونزل بعض العساكر، فاحتزّ رأس جاهين بيك وغيره وأتى بها إلى الباشا، فأعطى عليها البقاشيش، ثم داروا على من اختفى بجهات القلعة، فمن عثروا عليه قتلوه، وكذا قتلوا من كان جالسا مع كتخدا بيك، كيحيى بيك الألفى وعلى كاشف الكبير وأحمد بيك الكلارجى. واستمر القتل من ضحوة النهار إلى العشاء. ولما حصل لمن كان بالقلعة من الأمراء ما حصل تتّبع العسكر من كان منهم بالقاهرة والأرياف، فقتلوهم، إلا من فرّ إلى السودان، أو استتر حتى مات. ونهبت دورهم، وامتلكت الأرنؤود أموالهم.

стр. 170

وفى يومها أرسل محرم بيك إلى طاهر باشا وكان حاكم الجيزة لجمع مال المقتولين من كافة الجهات، فجمعت، وكانت شيئا يفوق الحصر من خيل وحمير وجمال وبغال وأبقار وغير ذلك من الغلال، ونودى بالأمان لنساء المقتولين، وأن يرجعن إلى بيوتهن، وكن قد تشتتن. وأنعم الباشا ببيوت الأمراء بما فيها على خواصه، فسكنوها، وجددوا فرشها مما نهبوه، وألبسوا النساء الخواتم مما سلبوه. ولما رأى العسكر قد أكثرت من النهب، وتعدوا على بيوت الأهالى نزل وطاف بالبلد، وأمسك بعض المتعدين وأمر بقتله، وكذا أمر ابنه طوسون أن يطوف بحارات القاهرة، وأن يقتل كل من وجده على هذا الحال، ففعل، ولولا ذلك لنهبت البلد عن آخرها. وانتهت هذه الحادثة على وفق مراده، وأطلق تصرفه بعد التقييد، ثم إن الباشا بعد ما أخلى الديار من أنفاسهم، أخذ فى النظر إلى حال البلد وما يلزم من الترتيبات والتنظيمات، وشرع فى تخليص القطر من الأوحال، التى ورّطه فيها سوء من تقدم من الحكام، إذ الباشا وإن كان متوليا عليه، لكن لم يكن قادرا على تعديلاته لما كان حاصلا من معاكساتهم، مع أنه كان غير غافل عن النظر فى كل حادثة، معمل فكره فى حل كل مشكلة، إلى أن اطلق تصرفه، وزال معاكسوه، فشرع فى الإصلاح على نهج مستقيم، وقوانين معتدلة، وجلب لقطره تجارات السعادة، وفعل ما أحيا ذكره، وأوجب شكره، وأسس بيت مجده، وجذب بزمام العدل رواحل سعده. [الحرب الوهابية] فرأى أن النظر للدولة العليّة أول واجب لتتميم مراده، لأنها كانت تودّ عزله عن مصر، فنظر إليها بعين الاعتبار، وسعى فى تنفيذ أغراضها، وبادر إلى امتثال مرسوماتها، فوجّه العسكر إلى الحجاز صحبة ابنه كما أشرت، وجعل بصحبته بعض العلماء كالشيخ المهدى، وكلّف السيد المحروقى بتجهيز طلبات العسكر، ونزل فرقة منهم بالمراكب، لسرعة الذهاب فسبقوا العساكر البرية، فوصلوا إلى ينبع البحر، وتلاقت هناك بجيش الوهابية. فلم يكن إلا قليل، وانهزم العرب شرهزيمة، واستحوذت العساكر المصرية على متاعهم، ودخلوا البلد، واستولوا عليها.

стр. 171

وورد البشير بذلك إلى القاهرة فزيّنت، وأرسل الباشا بخبر النصر إلى الدولة العلية، فدبّ السرور فى أنحائها، وعملت الزينة هناك. وأقامت العساكر بينبع، حتى أدركتها عساكر البر، فسار جميعا إلى الصفراء والجديدة، وكان العرب قد تجمعوا هناك، فحصل بين الجيشين مقتلة عظيمة، انفصلت بانهزام العساكر المذكورة فرجعوا لا يلوى بعضهم على بعض، إلى أن وصلوا إلى البحر، ومنهم من أخذ على وجهه على طريق القصير راجعا إلى مصر، مثل صالح قوجه وغيره. فسبقهم الخبر من طوسون باشا بعدم ثباتهم، وتفرّق كلمتهم، وعدم امتثالهم، فحنق الباشا، وأضمر لهم السوء، فحين ما وصلوا إلى القاهرة أرسل لهم بالخروج من بلاده، ولم يقابلهم، فتحولوا برجالهم إلى بولاق مظهرين الامتثال، ومتربصين حضور عساكر قنا. فإنهم عند عودتهم حين ما مروا بها، اتحدوا مع أحمد أغالاظ حاكمها على حضوره إليهم بعساكره، إن رأوا من الباشا عين الغدر. فلما أمروا بالخروج أبلغوه الخبر، فأرسل أمين أسراره إلى الباشا يعلمه أنه يرغب فى مفارقة مصر مثل إخوانه، فتبين للباشا مآربه، فماطله، وأرسل يطيّب خاطره، وأضمر له ما أضمر، وأخذ فى تشهيل الآخرين، وصرف لهم جميع مطلوباتهم، وأثمان بيوتهم، حتى ما صرفه صالح قوجه على الجامع الذى بناه قرب بيته ببولاق، على ساحل البحر. فقاموا وتوجهوا، ثم عيّن الباشا ولده إبراهيم واليا على الصعيد، وطلب أحمد أغالاظ إلى الحضور، فحضر، فمذ وقعت عين الباشا عليه قتله، واستحوذ على أملاكه ودوره، وخلّص القطر من شروره. وهكذا همم الرجال فى التخلص من أوحال الأحوال. ثم أخذ فى تدبير أمر الحجاز، واتخاذ الطرق الموصلة لفتوحه، فجمع العساكر، وعيّن لها الكشاف، وأرسلها صحبة بانوبرت الخازندار فى أسرع وقت. ونمى إليه أن المساعد للوهابية هو شيخ قبيلة حرب، وأنه إذا انفصل بعربه عنهم تم للباشا ما يريد، فدسّ إليه من يحسّن له الانضمام إلى عسكر الباشا. وأصحب أمير الجردة النقود الوافرة والهدايا، وأمره بالإغداق عليهم، فأخذ الأمير يراسلهم، وأعطى شيخ القبيلة مائتى ألف ريال فرنساوى، وأعطى كل رئيس ما يناسبه من النقود، وكل نفر خمس ريالات وغرارة عدس ومثلها بقسماط، زيادة عما أعطى المشايخ من الكشامير، وما خصصهم به من المرتبات، فتحالفوا على نصرته. وبهذا تسنى له الاستيلاء على المدينة ومكة وجدة بلا كثير مشقة. وورد البشير بذلك ومعه مفاتيح المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - فدقت الطبول، وزينت البلد، ووجه الباشا لطيف بيك بالمفاتيح إلى القسطنطينية، فكان

стр. 172

يوم مقدمه إليها عيدا، وعمل موكب حافل مشى فيه العلماء والأمراء، من أرباب الدولة وغمر بالإنعامات. وشاع بذلك ذكر الباشا فى الآفاق، وانتشر صيته فى جميع الأنحاء، وهابه القريب والبعيد. ووقع فى نفس الدولة من علوه أشياء، فقيل إنها أسرّت إلى لطيف بيك أمرا، ومنته الأمانى، فلما رجع إلى مصر وجد الباشا قد بارحها إلى الأقطار الحجازية، وخلفه محو بيك بجماعته، وكذا الدالى حسين، فاغتنمها فرصة على زعمه، وجعل يغرى المماليك ومن بقى من شيعتهم، فشعر به الكتخدا فاحتال حتى أوقع به وبمن معه، وأطفأ هذه الثائرة بموتهم. وأما سبب سفّر الباشا إلى الحجاز، فإنه لما تمت له الغلبة على تلك الجهة أخذ فى تسوية أمورها، فرأى أنه لا يتسنى له ذلك إلا بعزل الشريف غالب، وعزل المذكور محفوف بصعوبات لا يقوم بدفعها سواه، لأنه إن كلف غيره بحلها، ربما أخطأ أو أفشى سره، فضاعت ثمرة نصرته، فقام بنفسه فى شوّال سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف متوجها إلى مكة، فلما وصلها اجتمع بالشريف ولاطفه، فاطمأنّ لذلك الشريف، وصار يذهب إلى الباشا ويرجع مطمئنا، وكذا يذهب إلى بيت ابنه، إلى أن تم للباشا ما دبر، فأسرّ لابنه القبض عليه، فقبض عليه وعلى عائلته وأرسل إلى مصر، وجعل مكانه ابن أخيه الشريف يحيى ابن سرور. ومكث الباشا بالحجاز، إلى جمادى الثانية سنة ١٢٣٠، إلى أن تم له أمره، كما تم له أمر مصر، فرجع إليها فى رجب من عامه. فكانت إقامته بالأراضى الحجازية اثنين وعشرين شهرا، ودخل تحت سلطته غالب تلك البلاد، كالطائف ومكة، والمدينة وقنفدة وجدة، وأطاعه أكثر القبائل. [إصلاحات محمد على الداخلية] وحصل هناك أمور لم يمس الغرض بتفصيلها، وإنما سردنا ما سردنا لارتباط الحوادث بعضها ببعض، وتلميحا لما كان عليه هذا الشهم من الحزم والصبر اللذين أو صلاه بقوتهما إلى أقصى المراد، مما لا يصل إليه غيره، بجمع العساكر، وحشد الأجناد، فإنه مع ما كان مشغولا به من الحروب الخارجية لم يهمل أمر الداخلية، خصوصا أمر المصاريف الباهظة لأجل التجاريد، فأخذ فى تقرير الأحوال، وترتيب الأموال، كتحرير الموازين والصنج، فإنه أنشأ ديوانا لذلك، ورتب خدما للتفتيش على الصنج، فكل ما وجدوه تاما دمغوه بمقرر،

стр. 173

وما وجدوه ناقصا كسروه وعوضوه بغيره مدموغا. فعلى الصنجة وزن نصف أوقية ثلاثة أنصاف فضة، والأوقية ستة، ونصف الرطل خمسون، والرطل مائة. وكضم الالتزامات إلى بيت المال وتعويض أربابها دراهم من الخزينة وغير ذلك. فبهذا تسنى له جمع المال الذى كان يصرفه فى التجاريد، وبناء الحصون بالإسكندرية ورشيد ودمياط، وسد أبى قير، وترعة الفرعونية، مع اهتمامه بتأمين الطرق ومساعدة التجار من الإفرنج وغيرهم، حتى اطمأنوا بعد الخوف، وسكنوا ثغر الإسكندرية، وجلبوا إلى مصر أنواع التجارات. ولما صدر أمر الدولة بإرسال الشريف غالب إلى القسطنطينية، وردّ جميع ما أخذ منه، صالحه الباشا على سبعمائة كيس، فقبلها، وطيّب خاطره، وأرسله إليها مكرّما. [فشل أول محاولة لتنظيم الجيش] ثم إن الباشا أراد أن يجعل عسكر مصر نظاما، كهيئة عسكر الإفرنج، فلما أشيع ذلك، شنع كبار العسكر وأمراؤهم على هذا المشروع وقبّحوه، وتحادثوا بينهم فيه، فاتفقوا على المعارضة فيه متى استشيروا، وتجمعوا على الهجوم على الباشا بمنزله، وكان من جملتهم عابدين بك، فأخبر الباشا بما دار بينهم، وتبين له منهم عين الغدر، فغيّر زيه ليلا وطلع إلى القلعة، مع من يلوذ به، وتحصّن بها. فلما بلغ ذلك العسكر قاموا واحتاطوا بالقلعة، ولما رأوا ذلك غير مفيدهم شيئا تفرقوا فى شوارع المدينة، ينهبون ما وجدوه ويكسرون الأبواب المغلقة، حتى أتوا على جميعها، ولم يدافعهم أحد إلا أهل خان الخليلى من الأتراك والأرنؤود، وأهل الكعكيين والفحامين من المغاربة. وأعلقت البيوت، وتعطلت الأسواق، وامتنع الوارد للمدينة، واستمر ذلك ثلاثة أيام، فاستدعى الباشا العلماء وبعض الأمراء، وأظهر أسفه على ما حصل، وشنع على ذلك، وأمر السيد المحروقى بتحرير قوائم بما نهب حتى يقوم بدفعه لأربابه، لما أن ذلك لم يقع إلا بسببه، وأمر ببناء ما هدم على طرفه، ورد ما كسر من الأبواب، ففرحت الأهالى بذلك، ومدحوه وأثنوا عليه الثناء الجميل، ومالوا إليه بعد النفرة. ولما أحضرت القوائم أمر لكل واحد بجزء من ماله، ووعد بإعطاء الباقى عند ما تتحصل نقود. وكان الذى ظهر لتجار الغورية مائة وثمانون كيسا، ولأهل الحمزاوى ثلاثة

стр. 174

آلاف كيس، ولأهل السكرية سبعون، ولأهل مرجوش أربعمائة وخمسون كيسا، كل ذلك فى مقابلة عروض التجارة، وأما النقود فلم يسمع فيها دعوى. [محمد على يقضى على أعدائه ومعارضيه] وهذه الحادثة، وإن كانت أولا ليست على مراد الباشا، لكنها آخرا كانت من أحسن ما قصده، فانها قوّت حزبه، وأوغرت صدور الناس على أعدائه، وأنعم على البرآء من هذه الحادثة، ومن برّأ نفسه، وأنعم على عابدين بيك بألف كيس، وجعل محو بيك كبير الدلاة، وألبسه الخلعة بذلك - وهؤلاء الدلاة كان أكثرهم من الدروز والشوام والمتاولة يلبسون الطراطير الطويلة من الجلد طول الواحد ذراع. وقلد عبد الله صارى كوللى اليكشارية، وألبسه الطربوش الطويل المرخى. وفى شوال من هذه السنة، نزل الباشا من القلعة، وكان لم يبارحها مذ طلعها مستخفيا، وتوجه إلى الأثر، ومنه عدّى البحر إلى الجيزة، وبات بقصر هناك فلما أصبح ذهب إلى شبرا، فبات بها ليلة أيضا، ثم نزل إلى قصره بالأزبكية، ثم طلع القلعة، وأكثر من الاجتماع بالمشايخ والأمراء، وتكلم معهم فى رد الالتزامات لأربابها، وغرضه بذلك أن يشاع بين الناس، فتطمئن خواطر الأمراء، لأن أغلب الالتزامات كانت بأيديهم، وكانوا هم المحركين للعسكر، فأراد بذلك تسكينهم. وكان مع ما هو فيه، يبث عيونه بالآستانة، فتصل إليه الأخبار، ويوالى الدولة وأعيانها، ويبادر لإظهار ما يحبونه، فيعمل الزينة، متى بلغه أمر فيه سرورهم، كنصرة أو ولادة. فكانت الفرمانات تتوالى إليه مقوية لسلطته، مادحة ما يفعله، فتنشر فى الأنحاء، فازدادت مكانته، وقويت شوكته. ولما حضر ابنه طوسون باشا من الحجاز، عمل له موكب فاخر، وزينت البلد وضواحيها أياما، وهرعت نساء الأمراء إلى بيته، مهنئين والدته بعودته، ثم توجه إلى الإسكندرية ليتقابل مع أبيه بها، فلما التقيا وتذاكرا فى أمر العسكر وتجمعهم، ثم التدبير على تفريقهم عن القاهرة، فجعل ابنه طوسون باشا بالحماد وأبى مندور، وحسين بيك وحجو بيك سارى كوللى، ومحو بيك بالبحيرة، وغيرهم بدمياط. ولما استقر طوسون باشا بمعسكره، أخذ يؤلف قلوب العسكر إليه، حتى استمال أغلبهم، خصوصا جماعة محو بيك، فإنه كان معاندا متهورا، فقصده قص ريشه، ليتعشى به، فلما رأى محو بيك نفسه فى قلة وعسكره قد انحازوا إلى طوسون باشا، وعرف عين

стр. 175

الغدر من أحواله، وتحقق ذلك إذ طلب منه الحضور عنده توقع على اسماعيل باشا، ومصطفى بيك - كبير الدلاة - فتوسطوا له عند الباشا، وتشفعوا فيه، فقبل شفاعتهم. ومن وقتئذ انكسرت حدة محو بيك، وأمسى فى قبضة الباشا، حيثما شاء وجّهه. فلما رأى ذلك باقى الأمراء، بسطوا أكف الذل وخضعوا، فصفا الوقت للباشا، وأخذ يتصرف بالتؤدة فى أمور القطر. ولم يبق من ينتقد أفعاله إلا أفراد قليلون، منهم الشيخ الدواخلى، فإنه بعد أن ولاه نقابة الأشراف، داخله الغرور، وصار يندّد على أفعال الباشا، ويقدح فى أموره، وتجرّأ على إبراهيم باشا فى مجلسه بما لا يليق فى حق أبيه، وكان يتهور على الأقباط، فأكثروا الشكوى منه، وتقدّم من المشايخ فيه محضر، فأرسله إلى الدولة، وعزله من نقابة الأشراف، وأشار بها على السيد المحروقى، فاستقاله منها فأقاله، واختار أن يكون فيها البكرى لاستحقاقه إياها، فولاّه الباشا، وألبسه العباءة، كما كانت عادتهم. والتفت لإضعاف كل من شم فيه رائحة التمرد، فشتت الأرنؤود فى الحروب، وقتل المتمردة. ودخل تحت طاعته من كان يرى نفسه أعلى منه، كمن بقى من أتباع الأمراء المصريين بعد أن ذاقوا أليم الفاقة، فرضوا أن يتوطنوا مصر راضين أن يفعل بهم ما أراد، فقبلهم على أن يستخدم من يليق، ويرتب لمن لا قدرة له على الخدمة ما يختار، وأن لا يعطوا أرضا، فرضوا، وأجلى طوائف الدلاة. وبالجملة عز تمام العز، بعد انتصار ابنه المرحوم سر عسكر على الوهابية، وإحضاره عبد الله بن مسعود أميرهم، سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف، وقد قتل المذكور بالآستانة، فكان افتتاح الحرمين الشريفين، من أعظم البواعث على علو قدره. [التفات محمد على للإصلاح الداخلى] ثم التفت إلى تنظيم القطر فقتل الأشقياء، وأمّن السبل، وسيّر التجارة برا وبحرا، وأمر بحفر ترعة الأشرفية، وهى المحمودية، لتسهيل التجارة وجلب المياه العذبة إلى ثغر الإسكندرية، والاستراحة من طريق رشيد لكثرة الخطر بها، وعيّن لعملها مهندسين من الفرنساويين وهما: كوستاوماسى. وفى سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف كانت الفرضة على المواشى، وأخذ فى تطهير الترع، وإنشاء الجسور، وترميم القناطر. ولكن لما يحتاجه من الأموال، وعلمه بأن

стр. 176

الحوادث قد أمحلت حال القطر ولو طلب من الأهالى شيئا مع تعطيل زراعتهم لعدم الاعتناء بتطهير الترع أوغر صدورهم رأى أن يمسح أرض القطر، ويربط على كل جهة بحسبها. فعيّن لذلك ولده إبراهيم باشا، فتممها فى سنة ست وثلاثين ومائتين وألف، وقرر على كل فدان مبلغا معينا. فعرف الناس ما عليهم، بعد أن كان غير معلوم، فاستراح الفلاحون نوعا. وجعل لمشايخ البلاد على كل مائة فدان خمسة أفدنة، وسماها «مسموح المشايخ». وأبطل عمل الشمع الزفر بالبيوت، وجعل له معملا. وأبطل الذبح بالبيوت أيضا، وجعل المذبح ميريا، ورتب على كل رأس تذبح مبلغا، وجعل السقط والجلد للديوان، ودخل فى سلك النظامات والروابط أنوال الحياكة والحصر والصابون، والمخيش، والقصب والتلى، ووكالة الجلابة، وعسل النحل. وأعطى الملاحة التزاما، وجعل لهذه الأمور ديوانا وكتابا، وكذا جعل لما يتحصل للديوان من محصول المزروعات أشوانا بالبلاد، تورّد إليها الفلاحون ما يتحصل عندهم بثمن مقدر، فيخصم منه ما عليهم من الأموال، ويصرف لهم ما يبقى أو يعطى لهم به رجع طلب، ثم يباع منها لتجار الإفرنج، وغيرهم. وجعل للأرز دوائر، وأمر بحفر آبار بأرض الوادى، وأن يزرع حولها شجر التوت فما كان غير قليل، حتى نما الشجر وعظم، فأحضر من الشام وغيرها أهل الخبرة بتربية دود القز، وصنع معامل الحرير، فنتج وصار من جملة محصولات مصر. استيلاء العزيز محمد على باشا على الأقطار السودانية ثم تراءى للباشا أن يبعد عسكر الأرنؤود عن القطر لما يعرف فيهم من شراسة الأخلاق، ورأى أن أهل بلاد السودان يحصل منهم التعدى على من جاورهم فى كثير من من الأحيان، فكان يريد إخضاعهم، فدسّ إلى الأرنؤود من أدخل فى ذهنهم أن بلاد السودان هى معدن الذهب ليرغبوا فيها، فيستريح منهم خاطره من جهة، ويؤدب السودانيين من الجهة الأخرى، ويحفظ حدود القطر من الجهة القبلية، مع توسيعها بقدر ما يلزم. وقد كان ذلك، فانه بمجرد أن ندبهم إليها لبوا دعوته ممتثلين، فجعل ابنه إسماعيل باشا قائد تلك الجيوش، وأرفق معه محمد بيك الدفتردار، فتوجها بالجيوش إلى بلاد السودان. واهتم بجمع تجريدة أخرى تحت قيادة ابنه إبراهيم باشا، لتلحق بالأولى.

стр. 177

ولم يمض غير قليل، حتى استولى إسماعيل باشا على بلاد سنار - التى هى بلاد الزنج - واستحصل على تبر وعبيد، ولكن وقع الوباء فى العسكر المصرى حتى أفنى جملة، فاستأذن أباه فى العودة إلى مصر فماطله، فتوجه إلى شندى، وطلب من أميرها النمر بعض المطاليب، وأخذ بعض العسكر فى العسف بتلك الجهة على عادتهم فى تلك الأوقات، فضجرت الأهالى، ودبر النمر وقومه عليهم مكيدة لتلفهم، وذلك أنه أنهى إلى إسماعيل باشا أن أهل البلد يرغبون فى إعمال زينة للأمير، فرحا بحلوله بلدهم، ودعاه إلى الدخول إليها، فرضى، ودخلها، وأنزلوه منزلا كان قد أعد له، وجعلوا حوالى المنزل تبنا كثيرا، وقالوا: إنه للزوم المواشى والحيوانات. فلما أخذ الناس مضاجعهم أوقدوا النار بالمنزل وما حوله، فاحترق بمن فيه، الباشا ومن معه، ونجا محمد بيك الدفتردار. وكان الإذن وصل إلى اسماعيل باشا بالعود وهو بشندى، فسبقه الأجل، فتجرّد الدفتردار لأخذ ثأره، فقتل منهم نحوا من عشرة آلاف نفس، ولم يزل الباشا يمدهم من مصر بالقواد والعساكر، حتى دخل كافة السودان فى حوزته، وجعل مدينة الخرطوم محل كرسى حكومة تلك البلاد، وعرفت من ذلك الوقت بحكمدارية السودان. مبدأ ترتيب العساكر المنتظمة، وإنشاء الأساطيل والمدارس وغير ذلك ورأى الباشا أولا أن يرتب من العبيد عسكرا منتظما، إلا أنه عدل عن ذلك فيما بعد، واجتهد فى تنظيم عسكر بعضه من المماليك، وبعضه من شبان الأهالى، والبعض من العبيد فجمعهم وأمر عليهم ولده إبراهيم باشا، وأرسلهم إلى أسوان، ليبعدوا عن أعين الناس، وعين لهم اثنين من مهرة المعلمين الفرنساوية، ليعلموهم التعليمات والحركات العسكرية، الأوروباوية، أحدهما يسمى مرى، والثانى يسمى سيف، ترقى بعد ذلك ودخل فى الإسلام، وعرف بسليمان باشا الفرنساوى، فأخذ فى تمرين العسكر وتعليمهم، حتى نجح مراد الباشا. وكان الناس، وخصوصا الأرنؤود، يظنون أن هذا المشروع لا ينجح، لا سيما إذا أخذ الباشا من شبان مصر، فخوّفوه على ملكه الجديد، وهو لم يكترث بلومهم، ولم ينزعج بتخويفهم، واستمر على عزمه، حتى تم له ما أراد، ودخلت العساكر مصر، بعد سنتين على هيئة لم تكن تتصور، يقدهم الترنيبتات، وهم فى غاية الانتظام، فكمدت نفوس عسكر الأرنؤود، لتحققهم أن القطر صار فى غنى عنهم، وكانوا يظنون أن وجودهم فيه من

стр. 178

ثم توجهت همة الباشا إلى عمل الأساطيل البحرية، فصنع منها عدة، واستعان بجماعة من الأوروباويين، جعلهم من جملة خدمتها، وأنشأ مدرسة لتعليم علوم البحر، وأدخل فيها جملة من الشبان المصريين، وجلب إليها مهرة المعلمين. ثم أنشأ مدرسة الطب بجهة أبى زعبل، وعيّن لها الماهر كلوت بيك. [تدخل الدول الكبرى فى حرب المورة] فاشتهر صيته وعلا اسمه فى كافة الأنحاء، لا سيما فى بلاد الإفرنج، فلحظوه بعين الاعتبار، وكذا الدولة، فإنها وجدته مساعدا ومعينا لها، عند ما رفع اليونانيون لواء العصيان، وأرسلت لهم الدولة عساكر، فكسروهم بمورة، فراسلت محمد على باشا فى أن يساعدها، على أن كل ما أدخله تحت طاعته كانت له ولايته، فانتصب للمعاونة، وأرسل الأسطول المصرى تحت إمرة ابنه إبراهيم باشا، فتقابل بالأسطول السلطانى بمياه اليونان، وتتابعت العساكر وحصل لعساكر مصر عند تلاقيها بالعدو عدة نصرات بجريد ومورة. وطال أمد الحرب بين الفريقين، فرأت كل من دولة إنكلترا وفرنسا والروسيا أن هذه الحرب مضرة بالمصالح العمومية، فتعاقدوا سنة ٢٧ ميلادية على التكفل بإنهاء هذه الحرب إما صلحا وإما قهرا، وقدموا لديوان السلطان بواسطة سفرائهم أن يسمح السلطان بحضور أساطيلهم إلى مياه اليونان، وعرضوا الصلح، فامتنع من قبوله، فاجتمع أساطيل المتحالفين وحصروا أساطيل الدولة بمرسى نوارين، فلم يكن لها بهم طاقة فأتلفوها، وكذا أتلفوا أساطيل مصر. ومع ذلك لم يذعن السلطان للصلح، فاتفق الدول على إنهاء هذه المسألة بالقوة، وتجهزوا لذلك فتكفّل الأسطول الإنكليزى بالبحر، وعينت فرنسا جيشا للبر مركبا من أربعة وعشرين ألفا، ووجهته إلى مورا، فحين رأى ذلك الباشا، أمر ابنه بالرجوع، وانحلّت الحرب بذلك. [إدخال زراعة القطن وغيره من المحصولات والصناعات] وأخذ الباشا فى تتميم ما كان شارعا فيه من بناء القناطر والترع والجسور وزراعة القطن، وكان أشار عليه به أحد الفرنساوية المسمى جوميل، فجلبه إلى مصر، وبعد قليل بيع من محصوله للإفرنج مائتا ألف قنطار، وكذا جلب النيلة والأفيون وقصب السكر، وصنع له المعامل، وجدّد ورشا لغزل القطن، وفتح الشوارع، وغرس الأشجار حول القاهرة.

стр. 179

الحرب المهولة الشامية وبينما هو مشتغل بذلك نشأت الحرب المهولة الشامية، وسببها أن الباشا التمس من السلطان ضم ولاية الشام إلى ولاية مصر بدلا مما استرد بحكم الحوادث من ولاية مورة حسب سابقة الاتفاق، فلم تسمح الدولة بغير جزيرة كريد، فرأى الباشا أنها لا تكفى إلا أنه سكت. ولم يمض غير قليل، حتى عنّ له أن يطالب عبد الله باشا والى الشام بما له فى ذمته من المبالغ التى كان أقرضه إياها من قبل عشر سنين. وذلك أن عبد الله باشا المذكور كان فى تلك المدة قد أظهر العصيان للدولة، فعزلته عن تلك الولاية، حتى توسط محمد على باشا فى العفو، فقبلت الدولة، على أن يدفع ستين ألف كيس، ورأى أن هذا المبلغ صعب تحمله ولكن حيث كان متحتم الأداء، التزم بالتسديد، واستعان بمحمد على باشا، فأعانه بخمس المبلغ، ومضى على ذلك ما مضى ولم يطالبه الباشا بالمبلغ تكرما، ولم يخطر بباله هو أن يدفع ما اقترضه، حتى كاتبه الباشا فى طلب المبلغ، فأجاب بجواب واه حجته، فتغير خاطر الباشا. ثم عقب ذلك بلغ الباشا أن عبد الله باشا يساعد الفارين من مصر، ويهرّب بضائعها من الجمارك، ويحسّن لهم استيطان الشام، فكاتبه الباشا فى ذلك. ولما لم تأت المكاتبة بفائدة جهّز جيوشه المصرية لقتاله، بعد أن كاتب الدولة، وأمّر على الجيوش ابنه إبراهيم باشا، فسار بتلك الجيوش العظيمة إلى الشام، وتتابعت العساكر برا وبحرا، فاستولى بلا ممانع على يافا وحيفا، وسار إلى قلعة عكا وبها عبد الله باشا الوالى، وكانت حصينة فحاصرها، وضيّق عليها الحصار ستة أشهر، ثم والى عليها الهجمات، حتى افتتحها عنوة، وأخذ الوالى أسيرا، وصيّره إلى الإسكندرية، فقابله بها محمد على باشا بالإجلال، وعامله بالإحسان. ولما بلغ الخبر رجال الدولة أخذهم العجب لمعرفتهم أن هذه القلعة من أمنع القلاع. ولما تمكن إبراهيم باشا من عكا قام إلى غيرها، فكلما ورد بلدا أو نزل قبيلة أذعن له أهلها. ولما رأت الدولة العلية توغله فى بلادها بعساكره أرادت صدّه بعساكر أخرى، فحصلت بين الفريقين وقعات شديدة، إحداها بقرب حمص، وأخرى بمضيق بيلان بالقرب من بعلبك.

стр. 180

فلما بلغ ذلك مسامع السلطان محمود خان - عليه سحائب الرضوان - مال إلى المسالمة، فراسل محمد على باشا فى ذلك، فرضى على شرط أن ما استولى عليه يكون تحت إمرته، فتوقّف السلطان فى قبول هذا الشرط، واستعان بدولة أوربا بعد امتناعه من قبول وساطتهم، وبدأ بمكاتبة الروسيا، فبادرت إليه بارسال فرقتين، وأمرت قنصلها بمبارحة مصر، وكانت غاية ما تتمناه التداخل فى مصالح الشرق، فتعرضت دولة فرنسا لمعاكستها، فحصل الخلف، فرجع السلطان لحل مشكلته بنفسه، وجهز جيشا جرارا تحت قيادة الصدر الأعظم محمد رشيد باشا، فقام لمقاتلة جيوش مصر، وكانوا وصلوا إلى قونيا، وتحصّنوا هناك. فلما التقى الجمعان، انهزم جيش محمد رشيد باشا، وأسر هو، واستولى إبراهيم باشا على عشرين مدفعا، وكثير من المهمات العسكرية والأزواد. [معاهدة كوتاهية] وشاع خبر هذه الواقعة فى الأقطار، ففتحت البلاد الشامية أبوابها، فرجع السلطان إلى وساطة الدول، فسعت دولة فرنسا بينهما، فصمم الباشا على ما طلبه أولا، وأن يكون الملك فى عقبه، وأن ما صرفه فى الحرب يحسب له، مما هو مقرر عليه دفعه للسلطنة سنويا، وصمم السلطان على عدم القبول. فأصدر الباشا أمره لولده بأن يسير إلى كوتاهية، فسار إليها، وأرسلت دولة الروسيا أسطولها إلى البحر الأسود وعشرين ألف مقاتل تكون تحت تصرف السلطان. فمذ بلغ سفير فرنسا بالآستانة - وهو الأميرال روسيان الذى كان حضر إليها قريبا بدلا عن السفير الأول - مجئ الأسطول المسقوبى، ورأى أن ذلك مضر بالمصالح العمومية، أنهى إلى السلطان أن الأسطول الروسى إن بارح مكانه الذى هو فيه - وكان قد وصل إلى جناق قلعة - سافر هو فى الحال، وكان ذلك قطعا للعلائق بين دولته ودولة السلطان، فأصدر أمره إلى الأسطول أن يكون مكانه، وكان ذلك جلّ مرغوب السلطان، لأنه كان لا يحب تداخل الروسيا. وحينئذ سعت الدول فى الصلح، وكثرت المراسلات، حتى تم فى رابع عشر شهر مارس سنة ٣٣ ميلادية، وكتبت المعاهدة المعروفة «بمعاهدة كوتاهية» متضمنة أن ولايتى مصر والشام تكون لمحمد على، وعدن والحرمين لابنه إبراهيم باشا، فاجتمع لمحمد على باشا فى هذه السنة ولاية مصر والشام والسودان والحجاز وجزيرة كريد، فتوجه بنفسه إليها ونظر فى أحوالها، ورتّب فيها ما رتب بمصر، وأخذ يكتب العسكرية على الطريقة المستجدة،
следующие страницы →