المحبين المطبوع فى سنة ألف وثلاثمائة وخمسة قال تقى الدين عبد الرحمن بن عبد المحسن الواسطى المولود سنة أربع وسبعين وستمائة هجرية المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، نقلا عن عز الدين أحمد الفارقى الواسطى، قال: أخبرنى والدى أبو إسحاق إبراهيم الفارقى عن أبيه أبى الفرج عمر الفارقى أنه قال: كنا مع السيد الكبير محيى الدين أحمد بن الرفاعى ذات يوم مع جماعة كثيرة من أهل الله بواسط، فقام وصاح صيحة مدهشة وقال: الله، نوديت من العلا أن يا أحمد قم وزر جدك المصطفى ﷺ ، فإن هناك أمانة يؤديها إليك. فأنا عازم على الزيارة، ماذا تقولون؟ فقام السيد عبد الرازق الحسينى وأنشد:
مر كل أمر فإنا لا نخالفه … وحدّ حدا فإنا عنده نقف
فقام الجماعة، ورجع إلى أم عبيدة وتجهز للحج، فلما قصد الحجاز غصت الطرقات بالقوافل من كل جهة، فلما وصل مدينة النبى ﷺ -وذلك عام خمس وخمسين وخمسمائة-ترجل عن مطيته، ودخل بلدة جده ﵊ ماشيا حافيا، وكانت القافلة إذ ذاك أكثر من تسعين ألفا، فلما دخل الحرم الشريف النبوى وقد امتلأ الحرم العطر من كل جهاته بالزوار، وقف تجاه مقام النبى ﷺ والوقت بعيد العصر فقال: السلام عليك يا جدى. فقال له رسول الله ﷺ : وعليك السلام يا ولدى.
سمعها كل من حضر. فلما منّ عليه جده ﵊ بهذه المنة العظيمة تواجد وأرعد وبكى وجثا على ركبتيه، ثم قام مدهوشا متضائلا وأنشد تجاه القبر الكريم البيتين المتقدم ذكرهما، فانشق تابوت الرسالة، ومد له رسول الله ﷺ يده الشريفة فقبلها والناس ينظرون، وكان فيمن حضر: الشيخ عقيل البنجى، والشيخ حياة بن قيس الحرانى، والشيخ عدى بن مسافر، والشيخ عبد القادر الجيلانى، والشيخ أحمد الزعفرانى، والشيخ عبد الرازق الحسينى، وجماعة من أولياء العصر اه.
أقول: ويظهر من عبارة ترياق المحبين المذكورة عدم صحة نسبة البيتين المذكورين إلى الشيخ على أبى شباك، وأنه ليس بابن القطب الكبير ولا بابن أخته كما تزعمه العامة، ولعله من خلفاء الرفاعية المتأخرين أصحاب الشهرة والاعتقاد.
وأما المقريزى فإنه لم يترجم هذا الجامع فى خططه وإنما ذكر فيها فى المساجد مسجد الذخيرة فقال: أنشأه ذخيرة الملك فى سنة ست عشرة وخمسمائة، وعلى حسب تحديده ووصفه فجامع الرفاعى الآن بعضه مسجد الذخيرة المذكور، ومع ذلك فالناس على اختلاف طبقاتهم لهم فى ذلك الشيخ اعتقاد كبير، ويتبركون به ويأتون لزيارته بالنذور من البلاد البعيدة والقريبة
стр. 1157
وفى كل سنة يعمل له مولد تحضره أولاد الطريقة الرفاعية من جهات القطر ومدنه، ولما اختارت المرحومة والدة الخديوى إسماعيل باشا الدفن بقربه وشرعت فى بنائه زاد اعتقاد الناس، واتسعت شهرته وعظم مولده حتى فاق غيره من الموالد فكانت الزفة التى تعمل فى آخر يوم من أيام المولد الثمانية يجتمع فيها خلق كثير تغص بهم الشوارع والأسواق للفرجة، ويمشى خلفاء الطريقة كل خليفة مع رجاله بإشاراته وطبوله ومزاميره وراياته، وبعده غيره وهكذا حتى يكون أولها زاوية الرفاعى وآخرها جامع مير زاده بسوق السلاح، وكل طائفة تمتاز ببدعة عن غيرها، فهذه تأكل الثعابين أو تتطوق بها أو توهم أنها تقرصها ولا تؤلمها وهذه تأكل القزاز والنار والصبار، وأخرى تضرب نفسها بالسيوف والدبابيس، وكثير من شبان الطريقة الحبيبية يتجردون عن ثيابهم، وفى أشداقهم وصدورهم سلوك من معدن فى طرفيها البلح الأحمر والأصفر والليمون والبرتقال، وبعد هؤلاء طائفة تقرأ الدلائل، وبعدها يكون شيخ الطريقة راكبا ومعه غيره من خلفاء الطريقة بزى الرفاعية، وعلى رأس الشيخ تاج الولى صاحب المولد، ويخرج هذا الركب من الزاوية ويمر بالدرب الأحمر، ثم إلى قصبة رضوان، وإلى الخيمية والسروجية والصليبة إلى الرميلة، محل الخيام سابقا، ثم يتفرقون كل طائفة فى خيامها، وقد جعلت الخيام الآن موضع مولد سيدى على البيومى ﵃ أجمعين، وقد نقلت قبل ذلك الخيام لكثرتها إلى الفضاء الواسع قريبا من قبة الإمام الشافعى ﵁، ثم نقلت إلى العباسية فى موضع مولد الشيخ البيومى وقريب العصر تعمل «الدوسة» وهى عبارة عن عدة من الناس تنسطح على الأرض، بعضهم على سيوف، والبعض على دبابيس، وخلفاء/الطريقة والنقباء يمشون فوق ظهورهم، وكثيرا ما حصل من ذلك خطر عظيم. وظاهر أن جميع ذلك بدع لم ترد بها سنة ولا شرع ويأباها العقل والإنسانية، ولذلك صدرت الأوامر من الحضرة الخديوية بإبطالها فبطلت ولله الحمد.
جامع الركراكى
هو بسوق الخشب. به عمود من الحجر، وبوسط ميضأته عمود من الرخام، وشعائره مقامة، وبه منبر وخطبة، وبه ضريح الشيخ الركراكى. وله أوقاف تحت نظر الشيخ مصطفى الجوهرى.
وفى أول أمره كان زاوية ذكرها المقريزى بقوله: هذه الزاوية خارج القاهرة بأرض المقس، عرفت بالشيخ المعتقد أبى عبد الله محمد الركراكى المغربى لإقامته بها، وكان فقيها مالكيا متصديا لأشغال المغاربة، يتبرك الناس به، إلى أن مات بها يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وسبعمائة ودفن بها، والركراكى
стр. 1158
نسبة إلى ركراكة بلدة بالمغرب، هى أحد مراسى سواحل المغرب بقرب البحر المحيط، تنزل السفن فلا تخرج إلا بالرياح العاصفة فى زمن الشتاء عند تكدر الهواء انتهى.
جامع الرمّاح
هو تحت القلعة بالجانب البحرى من ميدان محمد على. وشعائره مقامة، وله مطهرة وبئر، وبه ضريح الشيخ عبد الله أبى شعبان الرمّاح، عليه مقصورة من الخشب، وبجوار الميضأة نخلة، وله أوقاف تحت نظر ديوان عموم الأوقاف، إيرادها شهريا مائتان وأربعون قرشا.
جامع الرملى
هذا المسجد بميدان القطن. بقى متخربا مدة وبداخله ضريح الشيخ الرملى وضريح ابنه، وبسبب أن المعلم حسنين الرمالى الخباز ينتمى إليه ويدعى أنه جده قام بتجديده، فجدده من ماله سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، وجدد الضريحين، وقام بشعائره وإلى الآن رتب ميعادا وجراية للفقراء كل ليلة سبت، ويعمل له مولد كل سنة.
ترجمة الشيخ الرملى الكبير ﵁:
والشيخ الرملى هذا هو كما فى ذيل الطبقات للشعرانى: الإمام العالم الصالح، خاتمة المحققين بمصر والحجاز والشام، الشيخ شهاب الدين الرملى الأنصارى الشافعى ﵁، بلده قرية صغيرة على البحر قريبا من منية العطار تجاه مسجد الخضر ﵇ بالمنوفية.
كان ﵁ ورعا زاهدا عالما صالحا حسن الاعتقاد فى الخلق لا سيما طائفة الصوفية، يجيب عن اقوالهم بأحسن الأجوبة ويذكر عنهم المستظرفات من الحكايات. انتهت إليه الرياسة فى العلوم الشرعية، وعاش حتى صار علماء الشافعية بمصر كلهم تلامذته إلا النادر، فلا يوجد عالم شافعى إلا وهو من طلبته أو طلبة طلبته، وأرسلت إليه الأسئلة من سائر الأقطار، ووقف الناس عند قوله أكثر مما أدركناهم من أشياخة. وكان ﵁ يخدم نفسه، ولا يمكن أحدا يشترى له حاجة من السوق إلى أن كبر وعجز. وكان-﵁-جميع أولياء مصر حتى المحاذيب يعظمونه ويجلونه لا سيما الشيخ نور الدين المرصفى وسيدى على الخوّاص ﵄.
ومن خصائصه أن شيخ الإسلام زكريا أذن له أن يصلح فى مؤلفاته فى حياتة ومماته ولم يأذن لأحد سواه فى ذلك، وأصلح عدة مواضع فى شرح البهجة وشرح الروض فى
стр. 1159
حياة شيخ الإسلام. ومن مؤلفاته ﵁ شرح كتاب الزيد فى الفقه، وهو شرح عظيم جدا كتبه الناس وقرؤوه عليه، جمع فيه غالب ترجيحاته وتحريراته وجمع الشيخ شمس الدين الخطيب فتاويه فصارت مجلدا. وكان ﵁ يقول: الشيخ نور الدين الطندتائى محقق الدرس، والشيخ شمس الدين الخطيب جامع المسائل النوادر فى الدرس، سمعت هذا القول منه مرارا، وكان ﵁ يحبنى أشد المحبة، محبة السيد لعبده. مات ﵁ فى مستهل جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وتسعمائة، وصلوا عليه يوم الجمعة فى الجامع الأزهر وما رأيت جنازة اجتمع فيها خلق كثير مثل جنازته، وضاق الجامع عن صلاة الناس الجمعة فيه ذلك اليوم، حتى إن بعضهم خرج يصلى فى غيره ثم رجع للجنازة. ودفن ﵁ بتربته قريبا من جامع الميدان خارج باب القنطرة. وأظلمت مصر وقراها يوم موته لكونه كان مردا للعلماء فى تحرير نقول المذهب رحمه الله تعالى.
ترجمة شمس الرملى الصغير ﵁:
وفى الذيل أيضا ترجمة ابنه المدفون بجواره، وهو الإمام العالم العلامة المحقق صاحب العلوم المحررة والأخلاق الحسنة والأعمال المرضية، سيدى محمد بن شيخنا الشيخ شهاب الدين الرملى ﵁ قال: وصحبته من حين كنت أحمله على كتفى إلى وقتنا هذا، فما رأيت عليه شيئا يشينه فى دينه، ولا كان يلعب فى صغره مع الأطفال، بل نشأ على الدين والتقوى والصيانة وحفظ الجوارح ونقاء العرض، رباه والده فأحسن تربيته مع زيادة التوفيق من الله ، وكنت وأنا أقرأ على والده العلم فى المدرسة الناصرية أرى عليه لوائح الصلاح والتوفيق. وقد أقر الله به عين المجبين فإنه مرجع أهل مصر فى تحرير الفتاوى، وأجمعوا على دينه وورعه وحسن خلقه، ولم يزل بحمد الله تعالى فى زيادة من ذلك/أخذ العلم ﵁ عن والده فأغناه عن كثرة التردد والتطفل على غيره، وبث فيه ما كان عنده من الفقه والحديث والتفسير والأصول والنحو والمعانى والبيان وغير ذلك، فكانت بدايته-كما قيل- نهاية والده. وقد أجمع القوم على أن المريد إذا صح اعتقاده فى شيخه، وقبل كلامه بالإيمان والتسليم، فقد ساواه، وما بقى لمعلمه عليه إلا مقام الإفاضة عليه من علومه.
ولما مات والده ﵁ جلس يدرس فى الجامع الأزهر بعده، فأبدى لعلماء الأزهر من علوم والده العجائب والغرائب، وما تخلف عن درسه إلا من جهل مقداره أو عمه الحسد والمقت. وقد بلغنى أن بعض أصحاب الأنفس صار يرسل بعض طلبته يكتب من سيدى محمد ما يتكلم به من المسائل المتناقضة، ويكتب له ما يمشى عليه فى الترجيح ثم يصير يلقى ذلك فى درسه ويفتى به، ولو أن هذا حضر على سيدى محمد لنال منه خيرا كثيرا. وقد سمعت
стр. 1160
من بعض طلبة والده أنه سمعه يقول: تركت ولدى محمدا بحمد الله تعالى لا يحتاج إلى أحد من علماء مصر إلا فى النادر. ولم يزل ﵁ له الاعتقاد التام فى طائفة الصوفية تبعا لوالده. توفى سيدى محمد المذكور فى يوم الأحد ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع بعد الألف-رحمه الله تعالى انتهى.
وفى خلاصة الأثر أن اسم الشيخ الرملى الكبير حمزة وأن ابنه يسمى أحمد وأما محمد فهو ابن أحمد انتهى.
جامع الروضة
هو بقلعة جزيرة الفسطاط. عمره السلطان نجم الدين أيوب، وكان أمامه كنيسة تعرف بابن لقلق بها بئر مالحة. ولم يزل هذا الجامع بيد بنى الرداد. ثم هدم فى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ووسعه الملك المؤيد شيخ بدور كانت إلى جانبه فمات قبل الفراغ منها انتهى مقريزى وليس له الآن أثر.
جامع الرويعى
هو بشارع الأزبكية بالقرب من جامع الشرايبى المعروف بجامع البكرى. أنشأه السيد أحمد الرويعى رئيس التجار بمصر فى القرن التاسع، وشعائره مقامة، وبداخله صهريج يملأ سنويا من النيل للشرب، وناظر أوقافه الشيخ أحمد يونس.
وتجاهه ضريح الشيخ أحمد الرويعى، وبجواره قطعة أرض موقوفة عليه، بها شجرة نبق.
تم بحمد الله الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس أوله (حرف الزاى)
стр. 1161
تنويه: ينظر الاستدراكات وتصحيح الأسماء فى آخر هذا الجزء
قام بمراجعة هذا الجزء وعمل الاستدراكات:
أ. أمل مصطفى مصطفى، باحث بالمركز.
قام بتصحيح الأسماء والأماكن:
الدكتورة/لبيبة إبراهيم مصطفى، كبير باحثين بالمركز (¬*).
_________
(¬*) وتم تصويب الأسماء والأماكن بهذه الطبعة المنقحة للأجزاء (١ - ١١)، بعد الرجوع للمصادر القديمة المعاصرة لها تاريخيا.
стр. 1162
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بقية الكلام على ما بالقاهرة وظواهرها من الجوامع
حرف الزاى
جامع الزاهد
هذا الجامع بخط المقس خارج القاهرة كان موضعه كوم تراب فنقله الشيخ المعتقد أحمد بن سليمان المعروف بالزاهد وأنشأ موضعه هذا الجامع فكمل فى شهر رمضان سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وهدم بسببه عدة مساجد قد خرب ما حولها وبناه بأنقاضها.
وكان ساكنا مشهورا بالخير يعظ الناس بالجامع الأزهر وغيره ولطائفة من الناس فيه عقيدة حسنة ولم يسمع عنه إلا خير.
مات يوم الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وثمانمائة أيام الطاعون ودفن بجامعه انتهى مقريزى.
وقال عند ذكر جامع الجاكى الذى كان بدرب الجاكى عند سويقة الريش:
انه اشتراه الشيخ أحمد الواعظ الزاهد وهدمه وأخذ أنقاضه؛ فعملها فى جامعه الذى بالمقس سنة سبع عشرة وثمانمائة انتهى.
وهو أى جامع الزاهد فى شارع سوق الزلط بجوار منزل الشيخ العروسى على يمين الذاهب إلى باب البحر، وفيه اثنا عشر عمودا من الرخام وتسعة من الزلط غير عمودى المحراب وأربعة أعمدة عليها الدكة وبه منبر وخطبة وله مطهرة وساقية ومنارة، وشعائره مقامة بنظر الأسطى عباسى الخياط وله أوقاف ذات ريع.
ترجمة الشيخ أحمد الزاهد:
وفى طبقات الشعرانى: أن الشيخ أحمد الزاهد هو الإمام العالم الربانى شيخ الطريق أحيا طريق القوم بعد اندراسها، وكان يتستر بالفقه لا تسمع منه كلمة من دقائق القوم،
стр. 1163
وصنف عدة رسائل فى أمور الدين، وكان يعظ النساء فى المساجد ويخصهن دون الرجال ويعلمهن أحكام الدين وحقوق الزوجية والجيران.
قال: وعندى بخطه نحو ستين كراسا فى المواعظ التى كان يعظهن بها، وكان يقول: هؤلاء النساء لا يحضرن دروس العلماء ولا يعلمهن أزواجهن وأنكر عليه الشيخ سراج الدين البلقينى فى بناء هذا الجامع وبالغ فى إنكاره؛ فقال الشيخ: ماذا ينكر علينا؟ فقالوا: يقول: إنك تأخذ طوب المساجد الخراب تبنى بها جامعا. فقال: كلها بيوت الله.
ثم انه دخل الأزهر يقصد البلقينى ونصب كرسيا فى صحن الجامع وهو فى حال حتى صارت عيناه كالجمر وجلس على الكرسى، وقال: من يسألنى عن كل علم نزل من السماء أجيبه عنه. فبهت الناس كلهم ولم يسأله أحد فلما سرى عنه قال: من جاء بى إلى هنا؟ فقالوا: وقع منك كذا وكذا. فقال: هل سأل أحد؟ فقالوا: لا. فقال:
الحمد لله لو خرج إلينا أحد لافترسناه.
وكان إذا دعى إلى شفاعة عند من لا يعرفه يقول لذى الحاجة: اذهب فخذ أحدا من وجوه الناس واسبقنى إلى بيت الرجل؛ فإذا جئت فقوموا وتلقونى وعظمونى حتى تمهدوا مكانا للشفاعة فإنى رجل مجهول الحال بين هؤلاء.
وكان يقول: ما دخل أحد مسجدى هذا ثم صلى ركعتين إلا أخذت بيده فى عرصات القيامة فإن الله شفعنى فى جميع أهل عصرى.
ولما جاء سيدى محمد الغمرى ليأخذ عنه الطريق وافق الدخول بعد العشاء وقد أغلق باب الجامع؛ فقال: افتحوا لنا. فقال الشيخ: نحن لا نفتح بعد العشاء. فقال: إن المساجد لله. فقال الشيخ: نفس فقيه افتح له يا فلان. ففتحوا له فلقنه الشيخ الذكر وجعله خادما فى الميضأة ثم فى البوابة ثم فى الوقادة فمكث عشر سنين ثم فتح عليه، وما كان يأذن للفقراء القاطنين عنده إلا فى تعليم فضائل الشرع المتعلقة بالعبادات ويمنعهم من تعلم الأمور المتعلقة بفصل الأحكام فى البيوع والرهون والشركات ونحو ذلك، ويقول:
ابدءوا بالأهم ولا أهم من معرفة الله فى هذه الدار. وقد قام الفقهاء عنكم بفروع الشريعة فإن قلوّا والعياذ بالله/وتعطلت الأحكام وجب عليكم تعلم هذه الفروع لئلا تندرس الشريعة.
مات ﵁ سنة نيف وعشرين وثمانمائة، ودفن بجامعه وقبره ظاهر يزار انتهى باختصار.
стр. 1164
وفى تحفة الأحباب للسخاوى: أن الشيخ أحمد الزاهد هو العارف شهاب الدين أبو العباس ابن سليمان القارى القادرى المعروف بابن الزاهد أنشأ مساجد وخطبا بالقاهرة وغيرها، وكان يعمل الميعاد فى مواضع من القاهرة وقد أقامه الله فى اصطناع المعروف، وأنشأ خطبة هذا الجامع سنة ثمان وثمانمائة، ولا زال ينفع الناس إلى أن توفى سنة تسع عشرة وثمانمائة، ودفن بهذا الجامع ومعه فيه جماعة من أهل الصلاح منهم الشيخ جمال الدين عبد الله ابن عبد الرحمن الغمرى الواعظ. توفى سنة ست وخمسين وثمانمائة، وبه أيضا قبر محمد الطواشى وعلى بابه قبة صغيرة فيها قبر الصالح المجذوب عبد الله الأسود البونى الليمونى المعروف بشهاب الدين. توفى سنة سبع وأربعين وثمانمائة، انتهى.
جامع زرع النوى
هذا الجامع بالحسينية بحارة الغيط الطويل على يسار الداخل من باب الحارة قريبا من باب الغيط الطويل، وهو الآن تام المنافع مقام الشعائر بمعرفة ناظره السيد البدراوى.
وفى خطط المقريزى: أن خارح باب زويلة مسجدا يعرف بزرع النوى.
قال: هو خارج باب زويلة بخط سوق الطيور على يسرة من سلك من رأس المنجبية طالبا جامع قوصون والصليبة. تزعم العامة أنه بنى على قبر رجل يعرف بزرع النوى من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا من افتراء العامة فإنه لم يذكر أحد ممن أفرد أسماء الصحابة ﵃ أن فيهم صحابيا يعرف بزرع النوى، وإن كان هناك قبر فهو لأمين الأمناء أبى عبد الله الحسين بن طاهر الوزّان كان يتولى بيت المال، ثم جعله الخليفة الحاكم بأمر الله فى الوساطة بينه وبين الناس والتوقيع عن الحضرة فى سنة ثلاث وأربعمائة، ثم أبطل أمره وركب مع الحاكم على عادته فضرب رقبته بحارة كتامة خارج القاهرة ودفن فى هذا الموضع تخمينا، وكانت مدة نظره فى الوساطة والتوقيع وهى رتبة الوزارة سنتين وشهرين وعشرين يوما، وكان توقيعه عن الحضرة الإمامية:
الحمد لله وعليه توكيلى، انتهى.
جامع زردق
هذا الجامع بشارع سوق الخضار بالموسكى جدّده المرحوم عبد الرحمن كتخدا كما فى تاريخ الجبرتى ووثائق وقفيته، وبأعلى بابه على لوح من الرخام هذا البيت:
سما مسجدا والفوز أرخه حوى … فاتقن يا رحمن عبدك مسجدا
وهو مقام الشعائر بنظر ديوان الأوقاف.
стр. 1165
جامع الزعفرانى
هذا الجامع بشارع السيدة زينب ﵂، مبنى بالحجر الآلة واعمدته من الحجر أيضا وسقفه من الخشب بصنعة بلدية، وهو مقام الشعائر تام المنافع وله منارة.
ووجد على البائكة الوسطى من إيوانه الشرقى: أنشأ هذا المسجد المبارك - من فضل الله تعالى وعونه وجزيل عطائه العميم - العبد الفقير الراجى عفو ربه القدير المتوسل بسيد المرسلين ﷺ الأمير مصطفى أغا كان الله له. وكان الفراغ منه فى شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وألف هجرية، انتهى.
وفى وقتنا هذا جدّدت مطهرته ومرافقه بمعرفة ديوان الأوقاف.
ترجمة الأمير مصطفى اغا:
والأمير مصطفى المذكور كما هو فى كتاب وقفيته المؤرخة فى سنة إحدى ومائة وألف مصطفى أغا ابن المرحوم حسين جوربجى طائفة عزبان قلعة مصر المحروسة المعروف بوكيل القزرال.
مبحث أوقاف هذا الجامع:
وفيها: أن هذا الجامع أصله من إنشاء يونس الظاهرى، وأن يونس وقف عليه أوقافا ثم عرف بجامع الزعفرانى، وقد جدده مصطفى أغا وأنشأ بجواره صهريجا وحوضا ومكتبا، ووقف على ذلك أوقافا منها مسكنه بخط قناطر السباع داخل درب مرسينه، وكان أوّلا مسكن قانصوه باشا حاكم ولاية اليمن، ومكان آخر بالدرب المذكور وأراضى زراعة قدرها واحد وثمانون فدانا بناحية دروأمن الجيزية، وجميع العلوفة التى بدفتر طائفة عزبان وهى كل يوم خمسون عثمانيا، والقمح المرتب بالشونة الميرية وقدره عشرة أرادب فى الشهر، والعلوفة التى فى دفتر الكشيدة وهى كل يوم أربعة عشر عثمانيا وقف جميع ذلك على نفسه ومن بعده على أولاده وأولادهم، فإذا انقرضوا يصرف فى جهات خيرية قد بينها؛ فيصرف لإمام الجامع بماله من وقف يونس الظاهرى ستون نصفا فضة كل شهر، وللمبلغ عشرة أنصاف وللخطيب خمسة عشر نصفا وللمؤذنين أربعون نصفا وللفراش عشرون نصفا، وللوقاد عشرون وللبواب كذلك، ولمباشر الجامع خمسة عشر نصفا وللملا ثمانية وثلاثون نصفا وللقارئ على الكرسى سورة الكهف عشرة أنصاف /ولمؤدب الأطفال خمسة وأربعون وللعريف عشرون، ولاثنين برسم خدمة الصهريج ستون
стр. 1166
نصفا ولسوّاق الساقية عشرون وثمن قواديس وطوانس خمسة عشر نصفا، وثمن كيزان وسلب خمسة عشر وللنجار خمسة ولكنّاس الحوض عشرة، ولاثنين يقرءان القرآن على قبر الواقف كل يوم جمعة عشرون نصفا شهريا وثمن خوص وريحان للقبر خمسة عشر، ولعشرة يقرءون كل يوم عشرة أجزاء بمنزل الواقف مائة وأحد وستون نصفا، وثمن زيت وحصر ثلاثون نصفا وللناظر ثلاثون وللكاتب ثلاثون كل ذلك يعطى شهريا.
وفى السنة يصرف فى كسوة الأيتام الذين بالمكتب ثمن ظهر غازلى وقميص خام وطاقية وشد لكل يتيم وقيمة ذلك ألف نصف، ولكسوة المؤدب خمسة وأربعون نصفا وثمن ماء للصهريج ألف وخمسمائة نصف ومثلها ثمن فول وتبن لأثوار الساقية انتهى.
ويظهر أن السبيل والمكتب والحوض قد دخلت فى عمارة السيدة زينب ﵂، وأن السبيل الجديد الذى بجوار مسجد السيدة من إنشاء أدهم باشا قد جعل بد لا عن ذلك.
جامع الزمر
هو بالقرافة الصغرى بجوار مجرى الماء السلطانى غير مقام الشعائر لتخربه وله منارة كبيرة، وفى جهته القبلية مساكن وتجاهه جملة من المدافن وله مرتب بالروزنامجة كل سنة، ويقرأ به ربعة شريفة بمعرفة ناظره الشيخ على محسن شيخ خدمة الإمامين ﵄.
جامع الزير المعلق
هذا المسجد بالشارع الخارج من جهة عابدين إلى نحو الشيخ ريحان، وهو من إنشاء الأمير عبد الرحمن كتخدا وقد انهدم الآن بمرور هذا الشارع بوسطه وله أوقاف تحت نظر الديوان.
جامع زين العابدين
هذا المسجد فيما بين الجامع الطولونى ومدينة مصر القديمة عن شمال الذاهب من شارع السيدة زينب إلى فم الخليج تجاه القنطرة الموصلة إلى قصر العينى وله بابان متجاوران:
أحدهما: وهو الباب العتيق غير مستعمل الآن ومركب عليه باب من حجر أزرق طوله متر وثلاثة وثلاثون سنتيمترا فى عرض متر واحد وبأعلاه كتابة نقر فى الحجر صورتها:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا مشهد الإمام على زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن الإمام على بن أبى طالب صلوات الله عليهم أجمعين فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
стр. 1167
وعلى يمين داخل الباب الثانى خلاو للخدمة والزوار، وعلى اليسار إيوان كبير به جملة قبور، وتجاه ذلك الإيوان باب للمقصورة المعدة للصلاة وهى صغيرة بها بائكتان وعمودان من الرخام ومنبر ودكة.
وهو مقام الشعائر وله إيراد فى ديوان الأوقاف، ومطهرته تملأ من ماء النيل بواسطة مواسير تجلب من وابور الماء بعوض يصرف من طرف ذات العصمة والدة الخديو، وله منارة قصيرة وسبيل يملأ كل سنة.
وبداخل المسجد قبر المرحوم عثمان أغا أغات البنشارية وكان فى حياته قد أجرى عمارة بهذا المسجد؛ ففى تاريخ الجبرتى من حوادث سنة خمس وعشرين ومائتين وألف: أن عثمان أغا المتولى أغات مستحفظان اجتهد فى عمارة هذا المسجد، وكان قد أهمل زمن دخول الفرنسيس وتخرّب المشهد وأهيلت عليه الأتربة، فعمّره وزخرفه وبيضه وعمل به سترا وتاجا للمقام، ونادى على أهل الطرق الشيطانية المعروفين بأرباب الأشاير وهم السّوقة وأرباب الحرف المرذولة وينسبون أنفسهم للأحمدية والرفاعية والقادرية والبر هامية ونحو ذلك. فاجتمعوا بأنواع الطبول والمزامير والبيارق والشراميط والخرق الملوّنة حتى ملئوا النواحى والأسواق وساروا ولهم صياح ونياح وجلبة وصراخ هائل ويتجاوبون بالصّلوات والآيات التى يحرفونها وأنواع التوسلات ونداء أشياخهم بأسمائهم كقولهم:
يا هو يا هو يا جباوى يا بدوى يا دسوقى يا بيومى. كل ذلك والأغا راكب معهم والفقهاء والمتعمّمون والطبول تضرب والستر المصبوغ مركب على أعواد من الخشب، وحوله الرجال والنساء والصبيان يتمسحون به ويتبركون، ويرمون عليه الخرق والطرح حتى أنهم يرخونها من الطيقان بالحبال إلى ذلك التمثال لتحصيل البركة، ولم يزالوا سائرين على هذا النمط والخلائق يزدادون حتى وصلوا إلى ذلك المشهد خارج البلد بالقرب من كوم الجارح حيث المجراة، وصنع فى ذلك اليوم وتلك الليلة أطعمة وأسمطة للمجتمعين وباتوا على ذلك إلى ثانى يوم، انتهى.
ترجمة زين العابدين:
ومشهد سيدى على زين العابدين ﵁ الآن عليه قبة جميلة، وفوق الضريح مقصورة من الخشب مرصعة بالصدف والعاج عملها له الأمير قفطان باشا، وله مولد كل سنة ثمانية أيام فى شهر صفر وهناك قبور كثيرة وحيشان وزاوية صغيرة أنشأها الخديو إسماعيل باشا سنة خمس وسبعين. وسيرة زين العابدين وأوصافه الحميدة أشهر من أن تذكر لشحن بطون الكتب بتقريرها وتحبيرها نظما ونثرا.
стр. 1168
ومما فى طبقات الشعرانى: أنه هو علىّ/الأصغر وأما الأكبر فقتل مع الحسين ﵄، وكان إذ ذاك مريضا نائما على الفراش فلم يقتل وهو أبو الحسينيين كلهم.
نبدة من مناقب زين العابدين:
كان إذا بلغه عن أحد أنه ينقصه ويقع فيه يذهب إليه فى منزله ويتلطف به ويقول:
يا هذا إن كان ما قلته فىّ حقا فيغفر الله لى، وإن كان ما قلته باطلا فيغفر الله لك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكان كثيرا ما ينشد:
وما شئ أحب إلى اللئيم … إذا شتم الكريم من الجواب
وخرج يوما من المسجد فلقيه رجل فسبه وبالغ فى سبه، فبادرت إليه العبيد والموالى فكفّهم عنه وقال: مهلا على الرجل. ثم أقبل عليه وقال: ما ستر عنك من أمرنا أكثر ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى إليه خميصته التى عليه وأمر له بعطاء فوق ألف درهم. فقال الرجل: أشهد أنك من أولاد رسول الله ﷺ .
قال ابن حجر: أخرج أبو نعيم أنه لما حج هشام بن عبد الملك فى حياة أبيه لم يمكنه أن يصل الحجر الأسود من الزحام فنصب له منبر إلى جانب زمزم وجلس ينظر إلى الناس، فبينما هو كذلك إذ أقبل الإمام زين العابدين ﵁؛ فتنحى له الناس عن الحجر من المهابة والجلالة حتى استلمه، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه.
مخافة أن يرغب أهل الشام فى الإمام زين العابدين، فقال الفرزدق:
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم … هذا التقى النقى الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها … إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
ينمى إلى ذروة العز التى قصرت … عن نيلها عرب الإسلام والعجم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله … بجده أنبياء الله قد ختموا
فليس قولك: من هذا بضائره … العرب تعرف من أنكرت والعجم
من معشر حبهم دين وبغضهمو … كفر وقربهمو منجى ومعتصم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم … ولا يدانيهمو قوم وإن كرموا
إلى أن قال:
يغضى حياء ويغضى من مهابته … فلا يكلم إلا حين يبتسم
стр. 1169
فغضب هشام وحبس الفرزدق بعسفان فبلغ الإمام زين العابدين ﵁؛ فأمر له باثنى عشر ألف درهم، وقال: اعذر لو كان عندنا أكثر لوصلناك به انتهى.
توفى ﵁ بالبقيع سنة تسع وتسعين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وحملت رأسه إلى مصر ودفن بالقرب من مجراة الماء إلى القلعة بمصر العتيقة ﵁، انتهى.
وفى إسعاف الرّاغبين للشيخ محمد الصبّان: أن أم زين العابدين إحدى بنات كسرى.
قال فى السيرة الحلبية: أنه لما جئ ببنات كسرى وكن ثلاثا مع أمواله وذخائره إلى عمر وقفن بين يديه، وأمر المنادى أن ينادى عليهن بالبيع فامتنعن من كشف نقابهن ووكزن المنادى فى صدره فأراد عمر أن يعلوهن بالدّرة، فقال له على كرم الله وجهه ورضى عنه:
مهلا يا أمير المؤمنين فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ارحموا عزيز قوم ذل وغنى قوم افتقر» (١) فسكن غضبه، فقال علىّ: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة بنات السوقة. فقال عمر ﵁: كيف طريق العمل معهن؟ فقال: يقوّمن ومهما بلغ الثمن يقوم به من يختارهن فقومن وأخذهن على ﵁؛ فدفع واحدة لعبد الله بن عمر ﵄ فجاء منها بولده سالم، وأخرى لمحمد بن أبى بكر ﵄ فجاء منها بولده القاسم، والثالثة لولده الحسين فجاء منها بولده على زين العابدين ﵁.
وهؤلاء الثلاثة فاقوا أهل المدينة علما وورعا، وكان أهل المدينة قبل ذلك يرغبون عن التسرى فرغبوا فيه لذلك، ولما مات وجدوه يقوت أهل مائة بيت.
ومن كلامه: إذا نصح العبد لله فى سره أطلعه على مساوى عمله فتشاغل بذنوبه عن معايب الناس. وقال: فقد الأحبّة غربة. وقال: عبادة الأحرار لا تكون إلا شكرا لله لا خوفا ولا رغبة. وقال: إن قوما عبدوه رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرين رغبة فتلك عبادة التجار، وقوما عبدوه شكرا فتلك عبادة الأحرار. وقال:
عجبت للمتكبر الفخور الذى كان بالأمس نطفة وسيكون جيفة، وعجبت لمن شك
стр. 1170
فى الله وهو يرى خلقه، وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النّشأة الأولى.
/ولما مات دفن بالبقيع.
وقد اشتهر: أن المشهد القريب من مجراة القلعة بقرب مصر القديمة مشهد زين العابدين لكن الذى عليه الأكثر: أن الذى فى هذا المشهد رأس زيد ابنه، انتهى.
وقال المقريزى فى ذكر المشاهد التى يتبرّك الناس بزيارتها: ان هذا المشهد تسميه العامة مشهد زين العابدين وهو خطأ، وإنما هو مشهد رأس زيد بن على المعروف بزين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵁، ويعرف فى القديم بمسجد محرس الخصى.
- قال القضاعى: مسجد محرس الخصى بنى على رأس زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵁ حين أنفذه هشام بن عبد الملك إلى مصر ونصب على المنبر بالجامع. فسرقه أهل مصر ودفنوه فى هذا الموضع.
وقال الكندى: قدم إلى مصر - فى سنة اثنتين وعشرين ومائة - أبو الحكم بن أبى الأبيض القيسى خطيبا برأس زيد بن على يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة، واجتمع الناس إليه فى المسجد.
وقال الشريف محمد الجوّانى: وبنو زيد بن على زين العابدين الشهيد بالكوفة ولم يبق له غير رأسه التى بالمشهد الذى بين الكومين بمصر بطريق جامع ابن طولون وبركة الفيل وهو من الخطط يعرف بمسجد محرس الخصى، وبعد صلبه أحرق وذرى فى الريح ولم يبق منه إلا رأسه التى بمصر وهو مشهد صحيح لأنه طيف بها بمصر، ثم نصبت على المنبر بالجامع بمصر سنة اثنتين وعشرين ومائة فسرقت ودفنت فى هذا الموضع إلى أن ظهرت وبنى عليها مشهد.
وذكر ابن عبد الظاهر: أن الأفضل بن أمير الجيوش أمر بكشف المسجد، وكان وسط الأكوام ولم يبق من معالمه إلا محرابه فوجد هذا العضو الشريف
قال محمد بن منجب الصيرفى: حدثنى الشريف فخر الدين أبو الفتح ناصر الزيدى خطيب مصر قال: لما خرج هذا العضو رأيته وهو هامة وافرة وفى الجبهة أثر فى سعة الدّرهم فضمخ وعطّر وحمل إلى دار حتى عمّر هذا المسجد، وكان وجد أنه يوم الأحد التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وكان الوصول به فى يوم الأحد ووجد أنه فى يوم الأحد، انتهى.
стр. 1171
ثم قال: وهو أبو الحسن الإمام الذى تنسب إليه الزيدية إحدى طوائف الشيعة سكن المدينة وروى عن أبيه على بن الحسين زين العابدين. وقال ابن حبان: أنه رأى جماعة من الصحابة. وقيل لجعفر الصادق ﵁: أن الرّافضة يتبرءون من عمك زيد؛ فقال: برئ الله ممن تبرأ من عمى كان والله أقرأنا لكتاب الله وأفقهنا فى دين الله وأوصلنا للرّحم، والله ما ترك فنا لدنيا ولا لآخرة مثله، وكان نقش خاتمه: اصبر تؤجر، اصدق تنج
وسبب قتله:
أنه قام لقتال هشام بن عبد الملك لفتنة وقعت بينهما، وبايعه أهل الكوفة ثم نقضوا عهده كما نقضوا عهد أبيه وجدّه ﵃؛ فقاتل قتالا شديدا وهزم الجيوش مرارا فرمى بسهم فى جبهته اليسرى ثبتت فى دماغه، فأنزلوه فى دار وأتوه بطبيب فانتزع النصل فضج زيد. ومات رحمه الله تعالى لليلتين خلتا من شهر صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة وعمره اثنان وأربعون سنة؛ فدفنوه فى الحفرة التى يؤخذ منها الطين وأجروا عليه الماء وتفرق أصحابه، ثم ان يوسف بن عمر رئيس جيش هشام تتبع الجرحى فى الدور حتى دل على زيد فى يوم جمعة؛ فأخرجه وقطع الرأس وبعث به إلى هشام فدفع لمن وصل به عشرة آلاف درهم ونصبه على باب دمشق، ثم أرسله إلى المدينة وسار منها إلى مصر، وأما الجسد فصلبه يوسف بالكناسة وأقام عليه الحرس فمكث مصلوبا سنتين ثم ان هشاما آل أمره إلى الحرق بعد أن أخذ بنو العباس دمشق، وآل أمر يوسف إلى أن قطع وجعل على كل باب من أبواب دمشق منه عضو.
وقد أطال المقريزى فى ترجمة زيد وبيان سبب قتله فارجع إليه تجده مبسوطا.
ثم قال المقريزى: وهذا المشهد باق بين كيمان مدينة مصر يتبرك الناس بزيارته ويقصدونه لا سيما فى يوم عاشوراء، والعامة تسميه زين العابدين وهو وهم، وإنما زين العابدين أبوه وليس قبره بمصر بل بالبقيع، انتهى.
ولكن شهرة هذا المشهد بزين العابدين قديمة فقد عدّ ابن جبير مشاهد أهل البيت التى بمصر فى رحلته التى عملها فى أواخر القرن السادس فعدّ منها مشهد على بن الحسين ابن على ﵃ أجمعين.
الجامع الزينبى
هذا الجامع بخط قناطر السباع من ثمن درب الجماميز، وهو مسجد شهير
стр. 1172
جامع وحرم آمن واسع ولم أقف على أول من أنشأه، وإنما فى نزهة الناظرين:
أن الأمير على باشا الوزير المتولى سنة ست وخمسين وتسعمائة أجرى مدة ولايته عدّة عمائر من ضمنها أنه عمر مقام السيدة زينب ﵂ بقناطر السباع عمارة جيدة عظيمة، انتهى.
وفى رسالة الصبان فى أهل البيت: أن الأمير عبد الرحمن كتخدا فى سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف جدّد رحاب السيدة زينب ﵂، ووسعه/وبنى بجوارها رحاب سيدى محمد العتريس أخى سيدى إبراهيم الدسوقى وأنشأ بها الساقية والحوض.
وفى تاريخ الجبرتى: أن مشهد السيدة زينب، ﵂، عمره الأمير عبد الرحمن كتخدا القاز دغلى فى جملة عمائر وذلك سنة أربع وسبعين ومائة وألف، فلم يزل على ذلك إلى أن ظهر به خلل ومال شقه فانتدب لعمارته عثمان بيك المعروف بالطنبورجى المرادى فى سنة اثنتى عشرة ومائتين وألف فهدمه وكشف أنقاضه، وشرعوا فى بنائه فأقاموا جدرانه ونصبوا أعمدته وأرادوا عقد قناطره، فحصلت حادثة الفرنسيس فبقى على حالته إلى أن خرج الفرنسيس من أرض مصر وحضرت الدولة العثمانية فأنهى - خدمة الضريح - الأمر للوزير يوسف باشا فأمر بإتمامه على طرف الميرى، ثم وقع التراخى فى ذلك إلى أن استقر قدم محمد على باشا فى ولاية مصر واهتم بذلك فشرعوا فى إكماله وتسقيفه وتقيّد لمباشرة ذلك ذو الفقار كتخدا فتم على أحسن ما كان وأحدثوا به حنفية وفسحة وزخرفوه بالنقوشات والأصباغ.
ولما كان يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الثانى سنة سبع عشرة ومائتين وألف صليت به الجمعة، فحضر محمد على باشا والدّفتر دار والمشايخ وصلوا به الجمعة، وبعد انقضاء الصلاة عقد الشيخ محمد الأمير المالكى درس وظيفته وأملى حديث: ﴿(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ)﴾ الآية (١) والأحاديث المتعلقة بذلك وخلع عليه الباشا بعد ذلك خلعة، وكذا خلع على الإمام أيضا، انتهى.
وفى بعض نقوشه ما يدل على أنّ المحروقى أجرى فيه عمارة، وكان المرحوم عباس باشا فى جلوسه على تخت مصر مشغوفا بعمائر مشاهد أهل البيت؛ فعزم على عمارته وتوسعته فاخترمته المنية قبل بلوغ آماله رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 1173
وفى سنة خمس وسبعين ومائتين وألف فى حكم المرحوم سعيد باشا أجريت به العمارة على الرسم الذى كان قد عزم عليه المرحوم عباس باشا فتم بناؤه عليه، وكان ذلك على يد ناظر الأوقاف محب الخيرات المرحوم إبراهيم أدهم باشا، فهو الذى أدخل فيه الرّحبة التى كانت فى جهته البحرية المتصلة بمقام الشيخ العتريس والعيدروس (١)، وضرب على الجميع سورا من درابزين الحديد ارتفاعه أكثر من متر وفرشها بترابيع الرخام الأبيض وسقفها على بوائك من الخشب محمولة على أعمدة من الخشب المصبوغ بلون الرخام وجعل عليها ثمانية قباب صغيرة.
وفى ذلك السور باب يوصل إلى المسجد وإلى العيدروس والعتريس، وإلى المشهد الشريف بعد النزول فى سلالم من الرخام، وبين المشهد ومقام العتريس والعيدروس من الجهة البحرية باب فى نهاية الدّرابزين يوصل أيضا إلى المشهد والجامع، ويليه فى الجدار الغربى الجديد باب يسمى الباب المقبول يكون الضريح عن شمال الداخل منه يقفل عليه باب مصفح من نحاس، وبأعلاه لوح رخام أزرق مكتوب عليه بماء الذهب هذا البيت:
بقاع بها صح الحديث مؤرخا … بإسناده خير البقاع المساجد
وبأعلى ذلك أقماط وعقود من الحجر النحيت، وبداخله طرقة مفروشة بالرخام تمتد إلى مقصورة الجامع يمينا وشمالا إلى باب المشهد وباب الحنفية، وعن يمين الداخل منه إيوان مفروش بالبلاط يعمل فيه الأذكار ونحوها، وفيه سلم يوصل إلى محل يقاربه.
ويلى ذلك الباب باب يدخل منه إلى الحنفية والمطهرة عليه أبيات فى لوح رخام أزرق هى:
فى ظل أيام السعيد محمد … رب الفخار مليك مصر الأفخم
من فائض الأوقاف أتحف زينبا … عون الورى آل النبى الأكرم
قد شاد إبراهيم أدهم خدمة … هذا البنا للطهر فرض المسلم
من يأت ينوى للوضوء مؤرخا … يسعد فإن وضوءه من زمزم
يعنى سنة ست وسبعين ومائتين وألف. وبداخله ساحة مفروشة بالرخام بها إيوانان مسقوفان بأعلى أحدهما إيوان صغير يصعد إليه بسلم، وفى وسط الساحة حنفية وهى
стр. 1174
حوض ذو أضلاع مكسو بالرخام، وفيه بزابيز من النحاس الأصفر عليه قبة محمولة على ستة أعمدة من الرخام. وللمطهرة باب صغير على الشارع به تكون الأبواب خمسة وعلى مقصورة الجامع درابزين من الخشب فاصل بينها وبين الطرقة المفروشة بالرخام وفيه ثلاثة أبواب، والمقصورة مفروشة بالحجر النحيت، وفيه أربعة وعشرون عمودا من الرخام الأبيض عليها ثمان وعشرون بائكة من الحجر المعقود، وسقفها من الخشب النقى المنقوش فى وسطه ملقف يأتى بالنور والهواء، والقبلة مصنوعة بالرخام الملوّن /والترابيع، وبها عمودان من الرخام بأعلى كل منهما دائرة مكتوب فى واحدة: لا إله إلا الله. وفى الأخرى: محمد رسول الله. وفوقها آيات قرآنية وبيتان هما:
يا رب أكرم بالسعادة سيدا … بأحمد المحروقى يدعى ويحمد
لقد باشر البنيان حقا بهمة … فتم بحمد الله والصدر يشهد
ومنبره من الصنعة القديمة وفى المؤخر دكة كبيرة للتبليغ، وفى مقدم المقصورة فى الزاوية التى عن شمال المصلى قفص أنشئ أيام دخول السلطان عبد العزيز مصر ليصلى فيه، وهو عبارة عن خلوة صغيرة قائمة على عمد من خشب يصعد إليها بسلالم من الخشب.
وفى نهاية حائط القبلة باب بسلّم يوصل إلى مخازن فوق الحوانيت التى بالحائط معدة لخزن مهمات الجامع، وعلى سطح الجامع مزاول شمسية وقمرية بعضها مستعملة وبعضها متخرب وله منارة لطيفة.
وأما ضريح كريمة الدّارين السيدة زينب ﵂ فهو فى الناحية الغربية البحرية من الجامع عليه من المهابة والجلال والوقار ما لا يوصف كثرة، وبين يدى باب القبة طرقة صغيرة مفروشة بالرخام عليها بابان كلاهما من الرخام النفيس يقفل عليهما بابان مصفحان بالنحاس أحدهما إلى العتريس والعيدروس وبوجهه هذا البيت:
إن رمت فى شدّة آل النبىّ تجد … بنت الرضا زينبا أخت الحسين حمى
والآخر إلى مقصورة الجامع عليه دوائر فيها اسم السلطان سليم بالليقة الذهبية وبأعلى ذلك لوح رخام أزرق فيه هذه الأبيات:
نور بنت النبى زينب يعلو … مسجدا فيه قبرها والمزار
قد بناه الوزير صدر المعالى … يوسف وهو للعلا مختار
стр. 1175
من مليك الملوك سلطان كل … فى بنى عثمان إليه يشار
صاحب النصر والفتوح سليم … نصر الله جيشه حين ساروا
وكذا خسرو محمد باشا … من به عز مصر والأقطار
دام إجلالا كلما قلت أرخ … مسجد مشرق به أسرار
١٠٧ ٦٤٠ - (١) ٧ ٤٦٢
سنة ١٢١٦
يعنى سنة ست عشرة ومائتين وألف، وفى دائر تلك الطرقة إزار خشب به قصيدة أولها:
ضريح بنى الزهراء يعلو به القدر … ويمحى عن الزوّار فى بابه الوزر
ضريح به قد شرفت مصر وارتقت … كما شرف الأكوان جدهم الطهر
فطف واسع وارج للقبول فإنه … مقام على الأعداء شدّ به الأزر
عليهم رضا الرحمن فى كل طرفة … يدوم دواما لا يغيره الدهر
وفى نهاية الطرقة دكة يجلس عليها شيخ الصندوق وتحتها قبر يقال له قبر عمر كاشف عتيق الأمير إبراهيم بيك الكبير، ويقال: أنه هو الذى أنشأ باب القبة وهو باب حسن عليه باب من الخشب النقى مصفح بالفضة وضبته مصفحة بالفضة أيضا، وبأعلاه لوح رخام عليه بيتان بالليقة الذهبية هما:
وزينب وردة الزهراء بنت على … أخت الحسين لها بين الورى شان
قالت لنا بلسان الشكر واصفة … نسل الرسول الذى حياه قرآن
ثم على البرزخ الشريف مقصورة من النحاس الأصفر منقوش بأعلاها بالتفريغ:
يا سيدة زينب يا بنت فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ مدد، سنة ألف ومائتين وعشرة. وبدائرها رفرف من خشب منقوش فيه آية الكرسى بالليقة الذهبية، وعلى المشهد قبة جليلة مزخرفة بوسطها إزار خشب بكرنيش وبروازان من الخشب فى أحدهما سورة الفتح وفى الآخر سورة الحشر، وبها أربع دوائر فيها نقوش مذهبة تشتمل على سورة الإخلاص وأسماء/بعض الصحابة، وبها شبا كان من النحاس على أحدهما: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. وعلى
стр. 1176
الثانى: ﴿(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)﴾ (١)، وشبا كان آخران عليهما:
يا آل بيت رسول الله حبكمو … فرض من الله فى القرآن أنزله
يكفيكمو فى عظيم الفخر أنكمو … من لم يصل عليكم لا خلاق له
وبأعلاها شبابيك أخر معمولة بالجبس والزجاج الملوّن، وبدائرها من الأعلى نقوش مذهبة وألوان مختلفة وفى نهايتها البحرية دكة خشب يتوصل إليها بطرقة من سلم الخلوة التى بجوار القبة، وعند باب الطرقة التى بين المشهد ومقصورة الجامع لوح رخام منقوش فيه:
يا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا … بنت الرسول لهذا القطر مصباح
وبأسفله: هذا مقام الهاشمية النبوية السيدة زينب بنت فاطمة الزهراء المصطفوية بضعة سيّد الأنام خير البرية، تاريخ انتقالها سنة خمس ومائة من الهجرة النبوية عليهم تسليمات رحمانية سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف. وخارج الطرقة شبا كان من نحاس عليهما هذان البيتان:
كيف أخشى يا آل أحمد ضيما … بعد حبى لكم وحسن اعتقادى
يا بحار العطا أأخشى وأنتم … سفن للنجاة يوم المعاد
وبجوار الشباكين بئر عليها باب مقفل، ثم فى الجهة القبلية خارج الجامع مطهرته بمرافقها والساقية ومخازن وسبيل ومكتب يقال أنهما من إنشاء مصطفى أغا دار السعادة سنة إحدى ومائة وألف.
ولما كان المرحوم أدهم باشا ناظرا على الأوقاف شرع فى تجديدها، ولم يتم ذلك إلى أن كانت سنة سبع وتسعين ومائتين وألف فى عهد حضرة الخديو الأعظم والداورى الأفخم أفندينا محمد باشا توفيق؛ فأمر أدام الله دولته بتجديد المسجد فشرع فى هدمه من ذلك العام، وابتدئ فى البناء سنة ثمان وتسعين، ثم شرع فى هدم القبة الشريفة عام تسع وتسعين وابتدئ بناؤها عام ثلثمائة وزيد فى اتساعها عما كانت عليه من الجهة الغربية والقبلية، وأدخل فى المسجد الجديد الرحبة التى كانت خارج المسجد القديم
стр. 1177
من الجهة البحرية وكانت مفروشة بالرخام ومحوطة بالدرابزين الحديد، وعليها قباب الخشب فى السقف الموضوع على البوائك وأعمدة الخشب التى على حد الرحبة مسمرا بها الدرابزين، وقد كانت هذه الرحبة فى الخطة القديمة طريقا مسلوكا بين المسجد القديم وأماكن كانت على القنطرة متصلة بزاوية الشيخ العتريس، فجعلت هذه الطريق رحبة تابعة للمسجد لمّا هدمت هذه الأماكن التى على القنطرة وجعلت ميدانا واسعا قدام المسجد الشريف. وهذه الرحبة هى التى بين الحائط الذى فيه الأبواب الثلاثة من الجهة البحرية وبين الأعمدة العظيمة جدا المبنية من الحجر النحيت وبينها البوائك وبها الخزائن الشبيهة بالخلاوى الصغيرة.
وقد فرغ من بناء هذا المسجد الجليل وتشييده وزخرفته مع منارته الجميلة الشكل والقبة الشريفة وتشييدها وزخرفتها، ووضع المقصورة التى من النحاس الأصفر المسقفة بالخشب النقى المزركش بالليقة الذهبية وغيرها من الألوان الجميلة على القبر الشريف عام أربع وثلثمائة وألف فجاء مسجدا جميل الشكل بديع الحسن، وكان ذلك كله برعاية ونظر الأمير الكبير محمد زاكى باشا حين كان ناظر ديوان الأوقاف.
وأما الساحة التى بها الحنفية والإيوانان كما تقدم وهى المتصلة بالمطهرة فلم تتغير لا هى ولا المطهرة عن حالهما الأول إلى الآن أعنى سنة ١٣٠٥، غير أن فسقية المطهرة هدمت وجعل بدلها فى موضعها حنفية وهى حوض عال كبير بقدر الفسقية، وجعل فيه من جهاته الأربع بزابيز نحاس يتوضأ منها وذلك فى سنة ألف وثلثمائة وواحد.
وقد قيل: أنه مزمع على تغيير هذه الساحة بما فيها من الحنفيات مع المطهرة إلى وضع آخر، والله أعلم بما سيكون.
وفى دائر الجامع حوانيت كثيرة من وقفه ويعمل به للسيدة ﵂ حضرتان فى الأسبوع ليلة الأحد وليلة الأربعاء، ومولد كل سنة نحو عشرين يوما، ثم إنى لم أر فى كتب التواريخ: أن السيدة زينب بنت على ﵂ جاءت إلى مصر فى الحياة أو بعد الممات.
وقد ذكر الثقة القدوة أبو الحسين محمد بن جبير الأندلسى الغرناطى فى رحلته التى عملها فى أواخر القرن السادس من الهجرة النبوية: أن ما حصّله العيان بمصر المحروسة من مشاهد الشريفات العلويات ﵅، وتلقيناه من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك هو: مشهد السيدة أم كلثوم/بنت القاسم بن محمد بن جعفر ومشهد
стр. 1178
السيدة زينب بنت يحيى بن زيد بن الحسين بن على، ومشهد أم كلثوم بنت محمد بن جعفر الصادق، ومشهد السيدة أم عبد الله بن محمد ﵃. قال: وهى أكثر من ذلك، انتهى. ولم يذكر مشهد السيدة زينب بنت على أخت الحسين ﵃.
وفى كتاب المزارات للسخاوى: أن المنقول عن السلف أنه لم يمت أحد من أولاد الإمام على لصلبه بمصر، انتهى. وإنما يذكر ذلك فى كتب بعض الصوفية وسير الصالحين.
قال الشيخ محمد الصبّان فى رسالته فى أهل البيت: قال الشعرانى فى مننه: أخبرنى سيدى على الخوّاص ﵁ أن السيدة زينب المدفونة بقناطر السباع ابنة الإمام على ﵁، وأنها فى هذا المكان بلا شك، وكان يخلع نعله فى عتبة الدرب ويمشى حافيا حتى يجاوز مسجدها ويتوسل إلى الله تعالى بها فى أن الله يغفر له، انتهى.
وفى مشارق الأنوار للشيخ حسن العدوى: قال الشعرانى فى كتابه الأنوار القدسية:
قد صحح أهل الكشف أن السيدة زينب بنت الإمام على هى المدفونة بقناطر السباع بلا شك، وأختها السيدة رقية فى المشهد القريب من دار الخليفة قرب جامع ابن طولون ومعها جماعة من أهل البيت، والسيدة سكينة بنت الحسين فى الزاوية التى عند الدرب قرب دار الخليفة أيضا، والسيدة نفيسة فى المشهد القريب من مجراة القلعة عند باب القرافة الصغرى، والسيدة عائشة ﵂ بنت جعفر الصادق فى المسجد الذى له المنارة القصيرة على يسار الخارج من الرميلة، والسيد محمد الأنور عم السيدة نفيسة ﵂ فى الزاوية القريبة من جامع ابن طولون، وأخاه السيد حسن والد السيدة نفيسة فى القبة القريبة من جامع عمرو، وأن رأس زين العابدين ورأس زيد الأبلج فى القبة التى بين التل قرب مجرى القلعة، ورأس السيد إبراهيم بن زيد الأبلج فى المسجد الخارج من المطرية مما يلى الخانقاه، وأن رأس السيد الحسين ﵁ فى المشهد المعروف قرب خان الخليلى بلا شك جئ به من بلاد العجم ومشى أمامه طلائع بن رزيك هو وعسكره حفاة من ناحية الشرقية إلى مصر اه. وذكرنا كلا فى موضعه.
ذكر نبذة من مناقب السيدة زينب ﵂:
ونقل عن المواهب اللدنية: أن السيدة فاطمة الزهراء ﵂ ولدت لعلى ﵁ حسنا وحسينا ومحسنا وأم كلثوم وزينب. قال شارحها الزرقانى: ولدت زينب فى حياة جدّها ﷺ ، وكانت لبيبة جزلة عاقلة لها قوّة جنان، انتهى.
стр. 1179
قال العلامة الصبان فى رسالته: ذكر ابن الأنبارى: أنه لما قتل أخوها الحسين ﵁ أخرجت رأسها من الخباء، وأنشدت رافعة صوتها:
ماذا تقولون إن قال النبىّ لكم … ماذا صنعتم وأنتم آخر الأمم
بعترتى وبأهلى بعد مفتقدى … منهم أسارى ومنهم خضبوا بدم
ما كان هذا جزائى إذ نصحت لكم … أن تخلفونى بسوء فى ذوى رحمى
وكان ابن عمها عبد الله الجواد بن جعفر الطيّار ذى الجناحين متزوجا بأختها أم كلثوم؛ فماتت ولم تعقب له فتزوج بزينب ﵂.
قال السيوطى فى رسالته الزينبية: ولدت زينب لعبد الله بن جعفر عليا وعونا الأكبر وعبّاسا ومحمدا وأم كلثوم وذريتها إلى الآن موجودون بكثرة، انتهى. قال: ويطلق عليهم اسم الأشراف على الاصطلاح القديم من إطلاق اسم الشريف على كل من كان من أهل البيت وإن خص الآن بذرية الحسن والحسين ﵄ وينسبون إلى النبى ﷺ ، ولا يقال لهم أولاده فى عرف الفقهاء؛ فقد فرّقوا بين من يسمى ولد الرجل وبين من ينسب إليه، انتهى.
وأما قبر العتريس والعيدروس فهما متجاوران أمام باب مزار السيدة زينب ﵂ من بحرية فى ساحة واحدة مفروشة بالرخام محاطة بدرابزين من حديد متصل بدرابزين الرحبة التى عليها القباب، وعليهما سقف واحد من الخشب قائم على ستة أعمدة من الرخام وعلى كل منهما مقصورة من حديد وقبة من خشب. كل ذلك جدد بأمر المرحوم سعيد باشا ومباشرة المرحوم أدهم باشا مع عمارة الجامع، ويلتصق بكل من القبتين لوح رخام فى أحدهما:
شاد سعيد العصر فى مصره … خير مقام قد زها مثل العروس
فى نور آل البيت تاريخه … كان بناء العتريس والعيدروس
وفى الآخر:
بسرّ أبى المجد الدسوتى وصنوه … محمد العتريس كن متوسلا
ترجمة العتريس:
وفى رسالة الصبان أيضا: أن العتريس هذا هو سيدى محمد العتريس أخو سيدى إبراهيم الدسوقى نفعنا الله بهما فى الدارين. انتهى؛ فإذا كان أخاه نسبا فهو محمد العتريس
стр. 1180
ابن أبى المجد بن قريش بن محمد بن النجا بن عبد الخالق بن القاسم/بن جعفر بن عبد الخالق بن أبى القاسم الزكى بن على بن محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين ابن الإمام الحسين بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه.
ترجمة العيدروس:
وأما العيدروس فهو - كما فى حوادث سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف من تاريخ الحبرتى -: وجيه الدين أبو المراحم عبد الرحمن الحسينى العلوى العيدروسى التريمى (١) نزيل مصر، ولد سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، ووالده مصطفى بن شيخ بن مصطفى ابن على زين العابدين بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس ابن أبى بكر السكران بن عبد الرحمن السقاف ابن محمد مولى الدويلة بن على بن علوى ابن محمد مقدم التربة بتريم، ينتهى نسبه إلى جعفر الصادق ثم إلى الحسين ابن الإمام على ﵃ أجمعين وأرخه بعضهم بقوله:
لله من سيّد أتى بيوم سعيد ضاء الزمان به نعم الحبيب المجيد يا نعم من وافد بكل خير مديد
إنّ الصفى المصطفى اللوذعىّ الرشيد … تاريخ ميلاده آت شريف سعيد
٤٠١ ٥٩٠ ١٤٤ - سنة ١١٣٥
ونشأ على عفة وصلاح فى حجر والده وجده ﵃، وأجازاه وألبساه الخرقة وصافحاه، وتفقه على السيد وجيه الدين عبد الرحمن وأجازه بمروياته.
وفى سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف توجّه صحبة والده إلى الهند؛ فنزلا بندر الشحر واجتمع بالسيد عبد الله المحضار العيدروس؛ فتلقن منه الذكر وصافحه وشابكه وألبسه الخرقة وأجازه إجازة مطلقة، ثم وصلا بندر سورت واجتمع بأخيه السيد عبد الله الباصر وزار من بها من القرابة والأولياء، ودخلا مدينة بروج (٢) فزارا محضار الهند السيد
стр. 1181
أحمد بن شيخ العيدروس ليلة نصف شعبان سنة إحدى وستين (١)، ثم رجعا إلى سورت وتوجه والده إلى تريم وتركه عند أخيه وخاله زين العابدين العيدروس، وفى أثناء ذلك ركب إلى بلاده وظهرت له فى هذه السفرة كرامات، ثم رجع إلى سورت وأخذ من السيد مصطفى بن عمر العيدروس، والحسين بن عبد الرحمن العيدروس، والسيد محمد فضل الله العيدروس - أجازه بالسلاسل والطرق وألبسه الخرقة - ومحمد فاخر العباس، والسيد غلام على الحسينى، والسيد غلام صدر الحسينى، والمحدث حافظ يوسف السورتى، والغلام عزيز الله الهندى وغيرهم.
وركب من سورت إلى اليمن فدخل إلى تريم وجدد العهد بذوى رحمه وتوجه منها إلى مكة المشرفة للحج وكانت الوقفة نهار الجمعة، ثم زار جدّه ﷺ ، وأخذ هناك عن الشيخ محمد حياه السندى وأبى الحسن السندى وإبراهيم بن فيض الله السندى وجعفر بن محمد البيتى ومحمد الداغستانى، ورجع إلى مكة فأخذ عن الشيخ السند السيد عمر بن أحمد وأبى الطيب وابن سهل وعبد الله بن سليمان باجرمى وغيرهم، ثم ذهب إلى الطائف وزار الحبر ابن عباس ومدحه بقصائد، واجتمع بالسيد عبد الله ميرغنى وصار بينهما الود الذى لا يوصف.
وفى سنة ثمان وخمسين أذن له بالتوجه إلى مصر؛ فنزل إلى جدة وركب منها إلى السويس وزار سيدى عبد الله الغريب ومدحه بقصيدة، وركب إلى مصر وزار الإمام الشافعى ﵁ وغيره ومدح كلا بقصائد موجودة فى ديوانه وفى رحلته، وهرعت إليه أكابر مصر من العلماء والصلحاء وأرباب السجاجيد والأمراء وصارت له معهم المطارحات المذكورة فى رحلته.
وممن زاره الشيخ عبد الخالق الوفائى فمال إليه لتوافق المشربين، وألبسه الخرقة الوفائية وكنّاه أبا المراحم بعد تمنع كثير وأجازه أن يكنى من شاء.
وفى سنة تسع وخمسين سافر إلى مكة صحبة الحج وتزوّج ابنة عمه وسكن الطائف وابتنى دارا نفيسة، ثم عاد إلى مصر سنة اثنتين وستين مع الحج فمكث بها عاما وعاد إلى الطائف.
وفى سنة أربع وستين أتاه خبر وفاة والده، ثم ورد إلى مصر فى سنة ثمان وستين ومكث عاما ثم عاد إلى مكة مع الحج.
стр. 1182
وفى عام اثنتين وسبعين تزوّج الشريفة رقبة بنت السيد أحمد بن حسن أبا هارون وولدت له السيد مصطفى سنة ثلاث وسبعين.
وفى سنة أربع وسبعين عاد إلى مصر بعياله صحبة الحج وألقى عصاه واستقر بها النّوى، وجمع حواسه لنشر الفضائل وأخلاها عن السوا، وهرعت إليه الفضلاء للأخذ عنه وتلقى هو عن الملّوى والجوهرى والحفنى وأخيه يوسف، وهم تلقوا عنه تبركا وصار أوحد وقته حالا وقالا مع تنويه الفضلاء به، وخضعت له أكابر الأمراء على اختلاف طبقاتهم لا ترد رسائله، ولا يرد سائله، وطار صيته شرقا وغربا. وفى أثناء هذه المدة تعددت له رحلات إلى الصعيد الأعلى وإلى طنتدا ودمياط ورشيد واسكندرية وفوّة وديروط، وزار سيدى إبراهيم الدسوقى ﵁، وله فى كل هؤلاء قصائد طنانة، ثم سافر إلى الشام فتوجه إلى غزة ونابلس، ونزل إلى دمشق وهرعت إليه/علماء لشام وأدباؤها، واجتمع بالوزير عثمان باشا فى ليلة مولد النبى ﷺ فى بيت السيد على المرادى، ثم رجع إلى بيت المقدس وعاد إلى مصر وتوجه إلى الصعيد، ثم عاد إلى مصر وزار السيد البدوى ﵁، ثم ذهب إلى دمياط كعادته فى كل مرة، ثم رجع إلى مصر ثم توجه إلى رشيد ثم إلى اسكندرية ثم منها إلى اسلامبول؛ فحصل له غاية الحظ والقبول وهرعت إليه الناس، ورتب له فى جوالى مصر كل يوم قرشان ولم يمكث بها إلا نحو أربعين يوما وركب منها إلى بيروت ثم إلى صيدا ثم إلى قبرص ثم إلى دمياط، وذلك سنة تسعين ثم دخل المنصورة ثم دخل مصر، وكان مدة مكثه فى الهند عشرة أعوام وحج سبع عشرة مرة، ومن قصائده فى مدح ابن عباس سنة تسع وخمسين:
قسما بسوسن خدّه ووروده … وبثغره الالمى وطيب وروده
وبعسجد من وجنتيه وفضة … من جسمه وبلؤلؤ فى جيده
وبأحمر من خده وبأسمر … من قده وبأبيض من سوده
وبنون حاجبه ونور جبينه … وضحى محياه وليل جعيده
إلى أن قال فى جواب القسم تخلصا من الغزل إلى المدح:
إن الملاح الغانيات بأسرها … من حسنه الأشهى كبعض عبيده
عشقى له وتغزلى فيه كما … مدحى لسامى الحب فى معبوده
غوث بدايته نهاية غيره … سار الورى بنزوله وصعوده
стр. 1183
مولاى عبد الله نجل السيّد ال … عباس مفرد دهره ووجوده
وهى طويلة ومن شعره:
لك الله يا سلمى سلى عن صبابتى … وصيب دموعى ما حكته سحاب
وجودى بموتى يا حياتى لكى به … يعلى لكلى فى الوجود جناب
وما ثم ما يخفيك عنى وإنما … يلذ سؤال فى الهوى وجواب
إذا خاطبت معناك روحى ترنحت … بخمر جمال ما حكاه شراب
فى أبيات ومنه:
طاب شربى لخمر تلك الكؤوس … فأدرها لنا حياة النفوس
هاتها هاتها فقد راق وقتى … بين روح به السرور جليسى
هاتها فالزمان قد طاب حتى … غطس القلب فى الجمال النفيس
واسقنى يا حياة روحى وسرّى … وامزجنها من ريقك المأنوس
إلى أن قال:
غبت عنى بها فدعنى أغنى … إن فى ذا المقام حطيت عيسى
صاح إنى من سكرتى غير صاح … فعلام الملام للعيدروس
ومن قصائده:
قف بى على كثب العقيق وبانه … إن كنت ذا شوق إلى كثبانه
وابذل غزير الدمع فى أرجائه … حتى تسير السفن فى غدرانه
وهى طويلة، ومن كلامه:
أما الفؤاد فكله صب … مثل الدموع جميعها صب
ويح الحشاشة حشوها حرق … وهى التى بالدمع ما تخبو
من لى بأغيد كله ملح … قاسى الفؤاد قوامه الرطب
ومنها فى المدائح:
أبياته فى الشرق ما ذكرت … إلا ويرقص عندها الغرب
إلى أن قال:
وإليك بكرا عن مشاغرة … زفّت ولا عار ولا ذنب
стр. 1184
وفصالها والحمل فى زمن … نزر تكوّن أيها الحب
فاستجلها عذراء غانية … واسلم ودم يسمو بك الصحب
وقال فى مراسلة للشيخ الحفنى قدس الله سره منها:
/سلام لم يزل من عيدروسى … على الحفنى مقدام الهموس
جمال الدين والدنيا فأكرم … بتاج الأوليا شمس الشموس
شريف الذات والأوصاف صنوى … حبيبى منيتى جالى عكوسى
أخى فى الحس والمعنى جميعا … ملاذى عمدتى محيى النفوس
ومن كلامه أيضا:
تجلى وجود الحق فى كل صورة … لذا هو عين الكل من غير ريبة
تجلى بنا المولى فنحن مظاهر … لوحدته العليا فجل فى طريقتى
وما ثم غير باعتبار ظهوره … بقاص ودان جل مولى الخليفة
أخى أثبت الأعيان وانف وجودها … وذق وحدة راقت لأهل الحقيقة
وقل ليس مثل الله شئ وأنه الس … ميع البصير أشهده فى كل ريبة
وهى طويلة وهى من العقائد المكنونة، وله منظومات ومقاطيع وموشحات كثيرة مثبتة فى دواوينه، ومؤلفاته كثيرة منها: مرقّعة الصوفية ستون كراسا، ومرآة الشموس فى سلسلة القطب العيدروس خمسون كراسا، والفتح المبين على قصيدة العيدروس فخر الدين خمسة وعشرون كراسا وله عليها شرحان آخران أحدهما: ترويح الهموس من فيض تشنيف الكؤوس، والثانى: تشنيف الكؤوس من حميا ابن العيدروس، وفتح الرحمن بشرح صلاة أبى الفتيان ستة كراريس، والترقى إلى الغرف من كلام السلف والخلف عشرة كراريس، والرحلة عشرة كراريس وذيلها خمسة كراريس، والعرف العاطر فى النفس والخاطر، وتنميق السفر ببعض ما جرى له بمصر خمسة كراريس، وعقد الجواهر فى فضل آل بيت النبى الطاهر، ونفائس الفصول المقتطفة من ثمرات أهل الوصول ثمانية كراريس، والجواهر السجية على المنظومة الخزرجية اثنا عشر كراسا، والمنهج العذب فى الكلام على الروح والقلب كراسان، وديوان شعر سماه ترويح البال وتهييج البلبال عشرة كراريس، وإتحاف الخليل فى علم
стр. 1185
الخليل أربعة كراريس، والعروض فى علمى: القافية والعروض. أربعة كراريس، والنفحة الإنسية فى بعض الأحاديث القدسية، وحديقة الصفا فى مناقب جده عبد الله ابن مصطفى، وتنميق الطروس فى أخبار جده شيخ ابن عبد الله العيدروس، وإرشاد العناية فى الكتابة تحت بعض آية، ونفحة الهداية فى التعليق.
وله ثلاث كتابات على بيتى المعية وهما:
اعط المعية حقها … والزم له حسن الأدب
واعلم بأنك عبده … فى كل حال وهو رب
الأولى: إرشاد ذى اللوذعية على بيتى المعية، والثانية: إتحاف ذوى الألمعية فى تحقيق معنى المعية، والثالثة: النفحة الألمعية فى تحقيق معنى المعية. ونثر اللآلئ الجوهرية على المنظومة الدهرية، والتعريف بتعدد شق صدره الشريف، وإتحاف الذائق بشرح بيتى الصادق، ورفع الإشكال فى جواب السؤال، والإرشادات السنية فى الطريقة النقشبندية، والنفحة العلية فى الطريقة القادرية، وإتحاف الخليل بمشرب الجليل الجميل والنفحة المدنية فى الأذكار القلبية والروحية والسرية، وتمشية القلم ببعض أنواع الحكم، وتشنيف الأسماع ببعض أسرار السماع، ورفع الستارة عن جواب الرسالة، والبيان والتفهيم لمتبع ملة إبراهيم، وشرح بيتى ابن العربى وهما:
إنما الكون خيال … وهو حق فى الحقيقة
كل من يفهم هذا … حاز أسرار الطريقة
وتحرير مسألة الكلام على ما ذهب إليه الأشعرى الإمام، وفتح العليم فى الفرق بين الموجب وأسلوب الحكيم، وقطف الزهر من روض المقولات العشر، ورشحة سرية من نفحة فخرية، وتعريف الثقات بمباشرة شهود وحدة الأفعال والصفات والذات، ورشف السلاف من شراب الأسلاف، والقول الأشبه فى حديث: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (١). وبسط العبارة فى إيضاح معنى الاستعارة، والمتن للعارف الطنتداوى وكتب عليه الشيخ يوسف الحفنى حاشية، ونفحة البشارة فى معرفة الاستعارة وشرحه الشيخ محمد الجوهرى، ومتن لطيف فى اسم الجنس والعلم وشرحه الشيخ أبو الأنوار بن
стр. 1186
وفا، وتشنيف السمع ببعض لطائف الوضع وشرحه الشيخ عبد الرحمن/الأجهورى شرحين مبسوطين، وإتحاف السادة الأشراف بنبذة من كلام سيدى عبد الله بالحسين السقاف، وشرح على قصيدة بالحزمة، وحاشية على إتحاف الذائق، وشرح على العوامل النحوية لم يتم، وسلسلة الذهب المتصلة بخير العجم والعرب، وحزب الرغبة والرهبة والاستغاثة العيدروسية وشرحها الشيخ عبد الرحمن الأجهورى، ومرقّعة الفقهاء، وذيل المشرع الروى فى مناقب بنى علوى لم يكمل، والإمدادات السنية فى الطريقة النقشبندية وغير ذلك.
ولما كثر عليه الواردون يتلقون عنه طرق الصوفية - وكان فى أغلب أوقاته فى مقام الغطوس - أمر السيد مرتضى أن يجمع أسانيده فى كتاب فألف باسمه كتابا فى نحو عشرة كراريس سماه (النفحة القدسية بواسطة البضعة العيدروسية)، وذلك فى سنة إحدى وسبعين ولم يزل يعلو ويرقى إلى أن توفى ليلة الثلاثاء ثانى عشر المحرم سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف، وخرجوا بجنازته من بيته الذى تحت قلعة الكبش وقرئ نسبه على دكة الأزهر، وصلى عليه إماما الشيخ أحمد الدردير ﵁، ودفن بمقام ولىّ الله تعالى العتريس ﵁ تجاه مشهد السيدة زينب ﵂، ورثى بمراث كثيرة رحمه الله تعالى، انتهى من تاريخ الجبرتى.
ترجمة أبى بكر بن أحمد العيدروسى:
وذكر فى كتاب دائرة المعارف عيدروسيين يظن أنهما من أجداده أو من عمومته.
أحدهما: أبو بكر بن أحمد بن حسين بن عبد الله العيدروسى صاحب دولة آباد أحد أجواد الدنيا.
كان عابدا ناسكا ولد باليمن بمدينة تريم (١)، ونشأ بها وحفظ القرآن وغيره وصحب أباه وحذا حذوه، ثم سافر إلى الهند وأقام بها فى أرغد عيش، واجتمع بأعظم سلاطينها المسمى بخرم شاهجان فأنعم عليه وجعل له ما يحتاج إليه كل يوم من طعام ولباس، ثم قطن بمدينة دولة آباد ومات هناك وقبره فيها يزار، وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين وألف هجرية.
стр. 1187
ترجمة أبى بكر بن حسين العيدروسى:
وثانيهما: أبو بكر بن حسين بن محمد بن أحمد بن حسين ابن الشيخ عبد الله العيدروسى الضرير اليمنى نزيل مكة، ولد بتريم سنة سبع وتسعين وتسعمائة، وحفظ القرآن وكف بصره وحفظ بعض المتون واشتغل وسمع بقراءة أخيه وغيره على مشايخ عصره، وصحب أباه وأعمامه ولبس الخرقة من كثيرين، وبرع فى الحديث والفقه والتصوف وهو الغالب عليه، ثم رحل إلى مكة ولقى بالحرمين جماعة وأخذ عنه جماعة أيضا ثم جلس للتدريس.
وكان لطيفا وقورا حسن الأخلاق مهيبا محسنا إلى من أساء إليه، وكان أكثر كلامه فى الوعظ، ولم يزل بمكة محمود السيرة إلى أن مات بها رحمه الله تعالى فى سنة ثمان وستين وألف ودفن بالمعلاة وقبره هناك يزار اه.
***
стр. 1188
حرف السين
جامع سيدى سارية
هو فى قلعة الجبل مشهور وبقربه زاوية الشيخ محمد الكعكى، وبه منبر خشب ودكة وله منارة ومطهرة وأخلية وله أوقاف دارّة، وشعائره الإسلامية مقامة بنظر الشيخ سليم عمر للقلعاوى أحد مدرسى السادة الحنفية بالأزهر، وكان أحد قضاة المحكمة الكبرى بالقاهرة.
وينسب الجامع إلى سيدى سارية ﵁ صاحب رسول الله ﷺ كما هو الشائع على الألسنة ويذكر ذلك فى بعض الكتب؛ ففى طبقات الشعرانى:
أن الشيخ محمد الكعكى مدفون بزاويته بالقرب من سيدى سارية صاحب رسول الله ﷺ ، انتهى.
وفى خطط المقريزى عند ذكر موضع القلعة نقلا عن كتب المزارات: أن أبا الحسن الردينى دفن بخط سارية شرقى تربة الكيروان بالقلعة، انتهى.
وعدّ ابن جبير مشاهد الصحابة ﵃ التى بمصر فى رحلته فذكر منها مشهد سارية الجبل ﵁، ولكن لم نر فى كتب التواريخ الصحيحة: أن سيدنا سارية صاحب رسول الله ﷺ جاء إلى مصر فضلا عن أنه مات بها، والذى وجدناه فى كتاب أسد الغابة فى معرفة الصحابة ﵃: «أن عمر بن الخطاب ﵁ نادى - وهو يخطب على المنبر -: يا سارية الجبل من استرعى الذئب ظلم؛ فسأله على بن أبى طالب - كرم الله وجهه - عن سبب قوله ذلك؛ فقال: وهل كان منى ذلك! قال: نعم. قال: وقع فى خلدى أن المشركين هزموا إخواننا فركبوا أكتافهم وأنهم يمرون بجبل؛ فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوا وقد ظفروا، وإن جاوزوا هلكوا فخرج منى ما تزعم أنك سمعته. قال: فجاء البشير بالفتح بعد شهر فذكر: أن سارية سمع فى ذلك اليوم فى تلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتا يشبه صوت عمر ﵁:
يا سارية الجبل الجبل».
ترجمة سارية:
وهو سارية بن زنيم بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن محمية ينتهى إلى كنانة انتهى. وذكر قبله سارية بن أوفى الذى وفد إلى النبى ﷺ ؛ فعقد له النبى
стр. 1189
ﷺ فسار إلى بنى مرة، فعرض عليهم الإسلام فأبطئوا فعرض عليهم السيف، فلما أسرف فى القتل أسلموا ومن حولهم وسار إلى النبى ﷺ فى ألف، انتهى.
جامع ساعى البحر
هو بمصر العتيقة على وجهه مكتب وله منارة قصيرة وبوسطه ضريح يقال له الشيخ محمد ساعى البحر، وله أوقاف بجواره/إيرادها شهريا ثلثمائة قرش، وشعائره مقامة منها بنظر الشيخ محمد أبى عوض، ويعمل به حضرة كل ليلة ثلاثاء ومولد كل سنة فى شهر شعبان.
جامع الست سالمة الحلبية
هو بسوق الخشب على يسرة المار على جامع الزاهد إلى باب البحر، شعائره مقامة تحت نظر عمر خلف الصباغ، وبحواره ضريح الست سالمة داخل درب التركمانى، وهو فى زوايا الهجر ويعرف أيضا بجامع سالم الجديد.
جامع السطوحية
هذا الجامع بخط سويقة اللبن خارج باب الفتوح فى مواجهة الخارج يصعد إليه بدرج، وبه ضريح السيدة عائشة السطوحية تقصدها الناس بالزيارة ولها مولد كل سنة.
أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا وأنشأ بجواره صهريجا يعلوه مكتب وحوضا كبيرا لسقى الدواب، ووقف عليه أوقافا كثيرة كما بينا ذلك فى ترجمته عند الكلام على مسجد الشيخ مطهر، والآن مقام الشعائر بنظر الأوقاف.
جامع السلاحدار
هذا الجامع بخط بر جوان فى شارع الامشاطيين عن شمال الذاهب من النحاسين إلى باب الفتوح.
أنشأه الأمير سليمان أغا السلاحدار فى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف كما هو مكتوب على واجهة بابه، وله بابان من جهة الشارع وباب فى داخل حارة برجوان وسقفه من الخشب النقى قائم على أربعة أعمدة من الرخام، وقبلته مكسوة بالرخام منقوش عليها: ﴿(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها)﴾ (١)، وله منبر من الخشب المتقن الصنعة ودكته كذلك وشبابيكه
стр. 1190
من النحاس، وفى دائر صحنه اثنا عشر عمودا من الرخام وبه حنفية من الرخام وبزابيزها من النحاس الأصفر، وهو معلق وتحته حوانيت من وقفه ومطهرته بالأرض من داخل الحارة، وله منارة مرتفعة حسنة الوضع، وشعائره مقامة دائما، وفيه بسط مفروشة ويلحق به سبيل يعلوه مكتب، وبمزملته أربعة حيضان من الرخام عليها شبابيك من النحاس.
ولما أتم بناءه وقف عليه أوقافا ورتب له ما يقيم شعائره الإسلامية؛ فجعل له إماما وخطيبا ومرقيا ومؤذنين وفراشين ووقادين وبوّابين ونحو ذلك مما يرتب للمساجد العظيمة وصار معمورا بالجماعات والجمعة والعيدين مع ازدحام المصلين فيه، وهو إلى الآن فى غاية من العمارية وإقامة الشعائر.
ترجمة السلاحدار:
والسلاحدار المذكور هو كما فى عدّة مواضع من الجبرتى: الأمير الكبير سليمان أغا السلاحدار تربى فى خدمة العزيز جنتمكان محمد على وخدم فى عدة وظائف، وترقى حتى كان جوقد اريا ثم صار سلاحدارا واشتهر أمره وانتشر صيته وصار من ذوى الحل والعقد وازدادت قوّته وتجبره حتى صار داهية عظمى ومصيبة كبرى، فإنه تسلط على بقايا المساجد والمدارس والتكايا التى بالصحراء ونقل أحجارها إلى داخل باب البرقية المعروف بالغريب، وكذلك ما كان جهة باب النصر وجمع أحجارها خارج باب النصر وأنشأ جهة خان الخليلى وكالة وجعل بها حواصل وطباقا وأسكنها نصارى الأروام والأرمن بأجرة زائدة أضعاف الأجرة المعتادة وكذلك غيرهم ممن رغب فى السكنى، وفتح بها بابا يخرج إلى وكالة الجلابة الشهيرة التى بالخرّاطيين لأنها بظاهرها وأجر الحوانيت كذلك؛ فكانت أجرة الحانوت فى الشهر ثلاثين قرشا بعد أن كانت ثلاثين نصفا، والعجب فى إقدام الناس على ذلك وإسراعهم فى استئجارها قبل فراغ بنائها مع ادعائهم قلة المكاسب ووقف الحال، ثم هم أيضا يستخرجونها من لحم الزبون وعظمه، ثم أخذ بناحية باب النصر مكانا متسعا يسمى حوش عطى - بضم العين وفتح الطاء وآخره ياء تحتية - كان محطا لعربان الطور ونحوهم إذا وردوا بقوافلهم بالفحم وغيره وكذلك أهالى شرقية بلبيس، فأنشأ فى ذلك المكان أبنية عظيمة تحتوى على خانات متداخلة وحوانيت وقهاو ومساكن وطباق وسكن غالبها أيضا الأرمن وخلافهم بالأجرة الزائدة، ثم انتقل إلى جهة خان الخليلى فأخذ الخان المعروف بخان القهوة وما حوله من البيوت والأماكن والحوانيت والجامع المجاور لذلك، وكان عامرا تصلى فيه الجمعة؛ فهدم ذلك جميعه وأنشأ
стр. 1191
خانا كبيرا يحتوى على حواصل وطباق وحوانيت وعدتها أربعون، وأنشأ فوق السبيل وبعض الحوانيت زاوية لطيفة يصعد إليها بدرج عوضا عن الجامع، ثم انتقل إلى جهة الخرنفش بخط الامشاطية فأخذ الأماكن والدور وهدمها واجتهد فى تعميرها كذلك، وكان يطلب رب المكان ليعطيه الثمن فلا يجد بدا من الإجابة ليدفع له ما سمحت به نفسه إن شاء عشر الثمن أو أقل أو أزيد بقليل بعد الشفاعة أو واسطة خير، وإذا قيل له إنه وقف لا مسوغ لاستبداله لعدم تخربه أمر بتخريبه ليلا، ثم يأتى بكشاف القاضى فيراه خرابا فيقضى له، ويثقل عليه لفظة وقف. ويقول: إيش يعنى وقف؟ وإذا كان على المكان حكر لجهة وقف أصله لا يدفعه ولا يلتفت لتلك اللفظة أيضا ويتمم عمائره فى أسرع وقت لعسفه وقوة بأسه على أرباب الأشغال والمؤنة، وكان لا يطلق للفعلة الرواح بل يحبسهم على الدوام ويوقظونهم من آخر الليل بالضرب ويبتدئون فى العمل من/وقت صلاة الشافعى إلى قبيل الغروب حتى فى شدة الحر فى رمضان، وإذا ضجوا من الحر والعطش أمرهم مقدم العمارة بالشرب وأحضر لهم السقاء يسقيهم، وظن أكثر الناس أن هذه العمائر لمخدومه لكونه لا يستمع شكوى أحد فيه.
وقال فى موضع آخر: أنه أنشأ بستانا كبيرا بناحية انبابة وسوره وبنى قصرا وأسواقا وأخذ يهدم أبنية من الوكائل والدّور، وينقل أحجارها وأنقاضها فى المراكب ليلا ونهارا إلى البر الآخر لأجل ذلك.
ومن إنشائه الجامع الأحمر الذى بالأزبكية. انتهى.
وكانت وفاته كما فى كتاب وقفيته سنة نيف وستين ومائتين وألف ويقال: إنه ابن فيض الله أزكى كولى تابع قضاء صارى شعبان.
جامع السيدة سكينة
هذا المسجد بخط الخليفة عن شمال الذاهب من الصليبة إلى القرافة الصغرى.
أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، ثم أجرى فيه - المرحوم عباس باشا رحمة الله تعالى عليه - عمارة، وله ثلاثة أبواب غير باب الميضأة:
اثنان على الشارع مكتوب على وجه أحدهما:
حرم به بنت الحسين مؤرخ … بسكينة تصب المواهب كلها
٥٤٢ ٤٩٢ ٨٥ ٥٦ - سنة ١١٧٥
стр. 1192
وعلى واجهة الآخر:
ذا مسجديا آل طه مؤرخ … شمس هدى بنت الحسين سكينه
٤٠٠ ١٩ ٤٥٢ ١٥٩ ١٤٥ - سنة ١١٧٥
والثالث: الباب المقبول فى الجهة القبلية يفتح على درب الأكراد مكتوب عليه:
لك مظهر بنت الحسين مؤرخ … لج ههنا التابوت فيه سكينة
٣٣ ٦١ ٨٤٠ ٩٥ ١٤٥ - سنة ١١٧٤
وهو مقام الشعائر ويشتمل على ستة أعمدة من الرخام ومنبر من الخشب النقى ودكة، وفيه خلوتان يسكنهما الخدمة ومدفن قديم لصاحب البحر وأخيه صاحب النهر الحنفيين المشهورين، وبجوار القبلة شباك مطل على ضريح السيدة سكينة ﵂، وهو ضريح مجلل بالبهاء والنور عليه تابوت من الخشب من داخل مقصورة كبيرة من النحاس الأصفر متقن الصنعة من إنشاء المرحوم عباس باشا، وبأعلى باب المقصورة بيتان منقوشان فى النحاس وهما:
مقصورة أتقنت لله صنعتها … تستوجب الشكر عند الله والناس
تذيع همة منشيها مؤرخة … من بعض طيب إحسان لعباس
٩٠ ٨٧٢ ٢١ ١٢٠ ١٦٣ - سنة ١٢٦٦
ويحيط بذلك قبة جليلة مرتفعة بها أربعة أعمدة من الرخام، وإيوان صغير يجلس عليه القراء فى ليالى الحضرة، وبأسفلها إزار من خشب ارتفاعه نحو متر وبأعلاها نقوش وعلى وجه بابها: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. وحضرتها كل ليلة خميس ولها مولد كل سنة قبل مولد السيدة نفيسة ﵄، وأوقافها تحت نظر الديوان.
وفى إسعاف الراغبين فى أهل البيت للشيخ الصبان: أن السيدة سكينة ﵂ هى بنت الحسين ﵁، وأن المشهور فى اسمها أنه مكبر بفتح السين وكسر الكاف لكن فى القاموس، وشرح أسماء رجال المشكاة: أنه مصغر بضم السين وفتح الكاف.
قال الشعرانى: أنها مدفونة بالقرافة بقرب السيدة نفيسة ﵂ وكذا فى طبقات المناوى. أنها مدفونة بالمراغة. وكذا فى سيرة الشامى والحلبى.
стр. 1193
قال الشعرانى: لما دخلت السيدة نفيسة مصر كانت عمتها السيدة سكينة المدفونة قريبا من دار الخلافة مقيمة بمصر قبلها ولها الشهرة العظيمة فخلعت الشهرة والنذور عليها واختفت.
وفى الفصول المهمة فى فضائل الأئمة لابن الصباغ: أن الحسن بن الحسن بن على ﵃ خطب من عمه الحسين إحدى ابنتيه فاطمة أو سكينة، وقال: اختر لى إحداهما. فقال: اخترت لك ابنتى فاطمة فهى أكثرهما شبها بأمى فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ . أما فى الدّين فتقوم الليل كله وتصوم النهار.
وأما فى الجمال فتشبه الحور العين.
وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى فلا تصلح لرجل.
وفى كلام غير واحد: أن سكينة ﵂ تزوجت بابن عمها عبد الله بن الحسن فقتل عنها بالطّف ثم تزوجت بعده بأزواج.
واعلم أن ما فى منن الشعرانى الكبرى مخالف لما مرّ فإن فيها: أن سكينة المدفونة بالمحل المتقدم أخت الحسين وتعقب بأن المعروف أن سكينة بنته لا أخته.
وقد عدّ ابن الصباغ فى الفصول المهمة أولاد علىّ الذكور والإناث سبعة/وعشرين ولم يذكر فيهم سكينة.
وعوّل بعض مشايخنا على ما فى المنن وأيده بتصريح النّووى فى تهذيب الأسماء واللغات بأن الصحيح وقول الأكثرين: أن سكينة بنت الحسين توفيت بالمدينة، وعبارة النووى: سكينة بنت الحسين اسمها أميمة. وقيل: أمينة. وقيل: آمنة. قدمت دمشق مع أهلها ثم خرجت إلى المدينة، ويقال: عادت إلى دمشق وقبرها بها. والصحيح وقول الأكثرين: أنها توفيت بالمدينة اه.
ودفع التعقب المتقدم بما ذكره السيوطى فى رسالته الزينبية: أن أولاد علىّ تسعة وثلاثون الذكور أحد وعشرون والإناث ثمانية عشرة، وهذا يقدح فى حصر صاحب الفصول المهمة لهم فى سبعة وعشرين؛ فتكون سكينة ممن أهمله ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
ويمكن الجمع بين ما مر وما فى المنن بدفن كلتيهما فى ذلك المحل لكن يزيف هذا الجمع قول النووى الصحيح وقول الأكثرين: أن سكينة بنت الحسين ﵄ توفيت بالمدينة واحتمال نقلها بعيد والله أعلم، انتهت عبارة الإسعاف.
стр. 1194
ترجمة السيدة سكينة بنت الحسين:
وفى ابن خلّكان: أن السيدة سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب ﵃ كانت سيدة نساء عصرها ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا، وتزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فولدت له قريبا، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁ فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل.
والطرّة السكينية منسوبة إليها ولها نوادر وحكايات مع الشعراء وغيرهم.
ثم قال: وكانت وفاة سكينة ﵂ بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: اسمها آمنة. وقيل: أمينة. وقيل: أميمة.
وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدى، انتهى.
وفى تحفة الأحباب للسخاوى: أن سكينة أوّل علوية قدمت إلى مصر وسبب قدومها أن الأصبغ بن عبد العزيز أمير مصر خطبها من أخيها وبعث مهرها إلى المدينة فحملها أخوها إلى مصر؛ فقالت له: والله لا كان لى بعل. فلما وصلت إلى أبواب مصر مات الأصبغ (١) فماتت بكرا بمصر، وهى أقدم وفاة من نفيسة والله أعلم. وعلى باب هذا المشهد قبر الشريف إبراهيم بن يحيى النسابة، وهناك قبر حيدرة وجماعة من الأشراف منهم الشريفة زينب بنت حسن بن إبراهيم بن ملول النسابة، انتهى.
ترجمة صاحب البحر:
وأما صاحبا البحر والنهر فهما مقبوران هناك بلا ريب، وفى حاشية ابن عابدين على الدّر المختار: أن صاحب البحر هو الشيخ زين بن ابراهيم بن نجيم وزين اسمه العلمى.
وقد ترجمه النجم الغزّى فى الكواكب السائرة فقال: هو الشيخ العلامة المحقق المدقق الفهامة زين العابدين الحنفى أخذ العلوم عن جماعة منهم الشيخ شرف الدين البلقينى والشيخ شهاب الدين الشلبى والشيخ أمين الدين بن عبد العال وأبو الفيض السلمى، وأجازه بالإفتاء والتدريس فأفتى ودرس فى حياة أشياخه وانتفع به خلائق كثيرة.
стр. 1195
وله عدّة مصنفات منها: شرح الكنز، والأشباه والنظائر وصار كتابه عمدة الحنفية ومرجعهم، وأخذ الطريق عن الشيخ العارف بالله تعالى سيدى سليمان الخضيرى.
وكان له ذوق فى حل مشكلات القوم. قال العارف الشعرانى: صحبته عشر سنين فما رأيت عليه شيئا يشينه وحججت معه فى سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة فرأيته على خلق عظيم مع جيرانه وغلمانه ذهابا وإيابا مع أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال.
وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وتسعمائة، كما أخبرنى بذلك تلميذه الشيخ محمد العليمى اه.
ترجمة صاحب النهر:
وفى خلاصة الأثر: أن صاحب النهر هو عمرو بن إبراهيم بن محمد المنعوت بسراج الدين الشهير بابن نجيم الحنفى المصرى الفقيه المحقق الرشيق العبارة الكامل الاطلاع، كان متبحرا فى العلوم الشرعية غواصا على المسائل الغريبة محققا إلى الغاية سيّال اليراع نديه فى التحرير جامعا لأدوات التفرد فى حسن أسلوبه جم الفائدة وجيها عند الحكام فى زمنه معظما عند الخاص والعام.
أخذ عن أخيه الشيخ زين صاحب البحر وألف كتابه الذى سماه بالنهر الفائق شرح الكنز ضاهى به كتاب أخيه البحر الرائق، لكنه أربى عليه فى حسن السبك للعبارات والتنقيح التام. قال فى أوله بعد البسملة: أحمدك يا من أظهر ما شاء لمن شاء من كنوز هدايته، وأطلع من أحب على دقائق الحقائق بفيض فضله وعنايته، وأصلى وأسلم على نهاية خلاصة الأصفياء، وذخيرة نخبة العلماء من الأنبياء محمد المختار من خيار الأخيار، وعلى آله وصحبه كرام الأبرار، ما تكرر الليل والنهار، وتراسلت قطرات الأمطار فى الأقطار، وتواصلت أبكار نفائس الأفكار. وله فيه مناقشات على شرح أخيه منها قوله فى باب التيمم بعد نقل كلام أخيه وأقول هذا ساقط جدا.
وله غيره من الرسائل والتآليف.
وكانت وفاته ﵁ يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الأول سنة خمس بعد الألف بدرب الأتراك، /ودفن عند أخيه الشيخ زين بجوار السيدة سكينة ﵂ تجاه مقلاة الحمص رحمه الله تعالى. قيل: مات مسموما من بعض النساء ويدل على ذلك كثرة تزوجه وعدم مرضه، انتهى.