خانا كبيرا يحتوى على حواصل وطباق وحوانيت وعدتها أربعون، وأنشأ فوق السبيل وبعض الحوانيت زاوية لطيفة يصعد إليها بدرج عوضا عن الجامع، ثم انتقل إلى جهة الخرنفش بخط الامشاطية فأخذ الأماكن والدور وهدمها واجتهد فى تعميرها كذلك، وكان يطلب رب المكان ليعطيه الثمن فلا يجد بدا من الإجابة ليدفع له ما سمحت به نفسه إن شاء عشر الثمن أو أقل أو أزيد بقليل بعد الشفاعة أو واسطة خير، وإذا قيل له إنه وقف لا مسوغ لاستبداله لعدم تخربه أمر بتخريبه ليلا، ثم يأتى بكشاف القاضى فيراه خرابا فيقضى له، ويثقل عليه لفظة وقف. ويقول: إيش يعنى وقف؟ وإذا كان على المكان حكر لجهة وقف أصله لا يدفعه ولا يلتفت لتلك اللفظة أيضا ويتمم عمائره فى أسرع وقت لعسفه وقوة بأسه على أرباب الأشغال والمؤنة، وكان لا يطلق للفعلة الرواح بل يحبسهم على الدوام ويوقظونهم من آخر الليل بالضرب ويبتدئون فى العمل من/وقت صلاة الشافعى إلى قبيل الغروب حتى فى شدة الحر فى رمضان، وإذا ضجوا من الحر والعطش أمرهم مقدم العمارة بالشرب وأحضر لهم السقاء يسقيهم، وظن أكثر الناس أن هذه العمائر لمخدومه لكونه لا يستمع شكوى أحد فيه.
وقال فى موضع آخر: أنه أنشأ بستانا كبيرا بناحية انبابة وسوره وبنى قصرا وأسواقا وأخذ يهدم أبنية من الوكائل والدّور، وينقل أحجارها وأنقاضها فى المراكب ليلا ونهارا إلى البر الآخر لأجل ذلك.
ومن إنشائه الجامع الأحمر الذى بالأزبكية. انتهى.
وكانت وفاته كما فى كتاب وقفيته سنة نيف وستين ومائتين وألف ويقال: إنه ابن فيض الله أزكى كولى تابع قضاء صارى شعبان.
جامع السيدة سكينة
هذا المسجد بخط الخليفة عن شمال الذاهب من الصليبة إلى القرافة الصغرى.
أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، ثم أجرى فيه - المرحوم عباس باشا رحمة الله تعالى عليه - عمارة، وله ثلاثة أبواب غير باب الميضأة:
اثنان على الشارع مكتوب على وجه أحدهما:
حرم به بنت الحسين مؤرخ … بسكينة تصب المواهب كلها
٥٤٢ ٤٩٢ ٨٥ ٥٦ - سنة ١١٧٥
стр. 1192
وعلى واجهة الآخر:
ذا مسجديا آل طه مؤرخ … شمس هدى بنت الحسين سكينه
٤٠٠ ١٩ ٤٥٢ ١٥٩ ١٤٥ - سنة ١١٧٥
والثالث: الباب المقبول فى الجهة القبلية يفتح على درب الأكراد مكتوب عليه:
لك مظهر بنت الحسين مؤرخ … لج ههنا التابوت فيه سكينة
٣٣ ٦١ ٨٤٠ ٩٥ ١٤٥ - سنة ١١٧٤
وهو مقام الشعائر ويشتمل على ستة أعمدة من الرخام ومنبر من الخشب النقى ودكة، وفيه خلوتان يسكنهما الخدمة ومدفن قديم لصاحب البحر وأخيه صاحب النهر الحنفيين المشهورين، وبجوار القبلة شباك مطل على ضريح السيدة سكينة ﵂، وهو ضريح مجلل بالبهاء والنور عليه تابوت من الخشب من داخل مقصورة كبيرة من النحاس الأصفر متقن الصنعة من إنشاء المرحوم عباس باشا، وبأعلى باب المقصورة بيتان منقوشان فى النحاس وهما:
مقصورة أتقنت لله صنعتها … تستوجب الشكر عند الله والناس
تذيع همة منشيها مؤرخة … من بعض طيب إحسان لعباس
٩٠ ٨٧٢ ٢١ ١٢٠ ١٦٣ - سنة ١٢٦٦
ويحيط بذلك قبة جليلة مرتفعة بها أربعة أعمدة من الرخام، وإيوان صغير يجلس عليه القراء فى ليالى الحضرة، وبأسفلها إزار من خشب ارتفاعه نحو متر وبأعلاها نقوش وعلى وجه بابها: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. وحضرتها كل ليلة خميس ولها مولد كل سنة قبل مولد السيدة نفيسة ﵄، وأوقافها تحت نظر الديوان.
وفى إسعاف الراغبين فى أهل البيت للشيخ الصبان: أن السيدة سكينة ﵂ هى بنت الحسين ﵁، وأن المشهور فى اسمها أنه مكبر بفتح السين وكسر الكاف لكن فى القاموس، وشرح أسماء رجال المشكاة: أنه مصغر بضم السين وفتح الكاف.
قال الشعرانى: أنها مدفونة بالقرافة بقرب السيدة نفيسة ﵂ وكذا فى طبقات المناوى. أنها مدفونة بالمراغة. وكذا فى سيرة الشامى والحلبى.
стр. 1193
قال الشعرانى: لما دخلت السيدة نفيسة مصر كانت عمتها السيدة سكينة المدفونة قريبا من دار الخلافة مقيمة بمصر قبلها ولها الشهرة العظيمة فخلعت الشهرة والنذور عليها واختفت.
وفى الفصول المهمة فى فضائل الأئمة لابن الصباغ: أن الحسن بن الحسن بن على ﵃ خطب من عمه الحسين إحدى ابنتيه فاطمة أو سكينة، وقال: اختر لى إحداهما. فقال: اخترت لك ابنتى فاطمة فهى أكثرهما شبها بأمى فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ . أما فى الدّين فتقوم الليل كله وتصوم النهار.
وأما فى الجمال فتشبه الحور العين.
وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى فلا تصلح لرجل.
وفى كلام غير واحد: أن سكينة ﵂ تزوجت بابن عمها عبد الله بن الحسن فقتل عنها بالطّف ثم تزوجت بعده بأزواج.
واعلم أن ما فى منن الشعرانى الكبرى مخالف لما مرّ فإن فيها: أن سكينة المدفونة بالمحل المتقدم أخت الحسين وتعقب بأن المعروف أن سكينة بنته لا أخته.
وقد عدّ ابن الصباغ فى الفصول المهمة أولاد علىّ الذكور والإناث سبعة/وعشرين ولم يذكر فيهم سكينة.
وعوّل بعض مشايخنا على ما فى المنن وأيده بتصريح النّووى فى تهذيب الأسماء واللغات بأن الصحيح وقول الأكثرين: أن سكينة بنت الحسين توفيت بالمدينة، وعبارة النووى: سكينة بنت الحسين اسمها أميمة. وقيل: أمينة. وقيل: آمنة. قدمت دمشق مع أهلها ثم خرجت إلى المدينة، ويقال: عادت إلى دمشق وقبرها بها. والصحيح وقول الأكثرين: أنها توفيت بالمدينة اه.
ودفع التعقب المتقدم بما ذكره السيوطى فى رسالته الزينبية: أن أولاد علىّ تسعة وثلاثون الذكور أحد وعشرون والإناث ثمانية عشرة، وهذا يقدح فى حصر صاحب الفصول المهمة لهم فى سبعة وعشرين؛ فتكون سكينة ممن أهمله ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
ويمكن الجمع بين ما مر وما فى المنن بدفن كلتيهما فى ذلك المحل لكن يزيف هذا الجمع قول النووى الصحيح وقول الأكثرين: أن سكينة بنت الحسين ﵄ توفيت بالمدينة واحتمال نقلها بعيد والله أعلم، انتهت عبارة الإسعاف.
стр. 1194
ترجمة السيدة سكينة بنت الحسين:
وفى ابن خلّكان: أن السيدة سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب ﵃ كانت سيدة نساء عصرها ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا، وتزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فولدت له قريبا، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁ فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل.
والطرّة السكينية منسوبة إليها ولها نوادر وحكايات مع الشعراء وغيرهم.
ثم قال: وكانت وفاة سكينة ﵂ بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: اسمها آمنة. وقيل: أمينة. وقيل: أميمة.
وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدى، انتهى.
وفى تحفة الأحباب للسخاوى: أن سكينة أوّل علوية قدمت إلى مصر وسبب قدومها أن الأصبغ بن عبد العزيز أمير مصر خطبها من أخيها وبعث مهرها إلى المدينة فحملها أخوها إلى مصر؛ فقالت له: والله لا كان لى بعل. فلما وصلت إلى أبواب مصر مات الأصبغ (١) فماتت بكرا بمصر، وهى أقدم وفاة من نفيسة والله أعلم. وعلى باب هذا المشهد قبر الشريف إبراهيم بن يحيى النسابة، وهناك قبر حيدرة وجماعة من الأشراف منهم الشريفة زينب بنت حسن بن إبراهيم بن ملول النسابة، انتهى.
ترجمة صاحب البحر:
وأما صاحبا البحر والنهر فهما مقبوران هناك بلا ريب، وفى حاشية ابن عابدين على الدّر المختار: أن صاحب البحر هو الشيخ زين بن ابراهيم بن نجيم وزين اسمه العلمى.
وقد ترجمه النجم الغزّى فى الكواكب السائرة فقال: هو الشيخ العلامة المحقق المدقق الفهامة زين العابدين الحنفى أخذ العلوم عن جماعة منهم الشيخ شرف الدين البلقينى والشيخ شهاب الدين الشلبى والشيخ أمين الدين بن عبد العال وأبو الفيض السلمى، وأجازه بالإفتاء والتدريس فأفتى ودرس فى حياة أشياخه وانتفع به خلائق كثيرة.
стр. 1195
وله عدّة مصنفات منها: شرح الكنز، والأشباه والنظائر وصار كتابه عمدة الحنفية ومرجعهم، وأخذ الطريق عن الشيخ العارف بالله تعالى سيدى سليمان الخضيرى.
وكان له ذوق فى حل مشكلات القوم. قال العارف الشعرانى: صحبته عشر سنين فما رأيت عليه شيئا يشينه وحججت معه فى سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة فرأيته على خلق عظيم مع جيرانه وغلمانه ذهابا وإيابا مع أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال.
وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وتسعمائة، كما أخبرنى بذلك تلميذه الشيخ محمد العليمى اه.
ترجمة صاحب النهر:
وفى خلاصة الأثر: أن صاحب النهر هو عمرو بن إبراهيم بن محمد المنعوت بسراج الدين الشهير بابن نجيم الحنفى المصرى الفقيه المحقق الرشيق العبارة الكامل الاطلاع، كان متبحرا فى العلوم الشرعية غواصا على المسائل الغريبة محققا إلى الغاية سيّال اليراع نديه فى التحرير جامعا لأدوات التفرد فى حسن أسلوبه جم الفائدة وجيها عند الحكام فى زمنه معظما عند الخاص والعام.
أخذ عن أخيه الشيخ زين صاحب البحر وألف كتابه الذى سماه بالنهر الفائق شرح الكنز ضاهى به كتاب أخيه البحر الرائق، لكنه أربى عليه فى حسن السبك للعبارات والتنقيح التام. قال فى أوله بعد البسملة: أحمدك يا من أظهر ما شاء لمن شاء من كنوز هدايته، وأطلع من أحب على دقائق الحقائق بفيض فضله وعنايته، وأصلى وأسلم على نهاية خلاصة الأصفياء، وذخيرة نخبة العلماء من الأنبياء محمد المختار من خيار الأخيار، وعلى آله وصحبه كرام الأبرار، ما تكرر الليل والنهار، وتراسلت قطرات الأمطار فى الأقطار، وتواصلت أبكار نفائس الأفكار. وله فيه مناقشات على شرح أخيه منها قوله فى باب التيمم بعد نقل كلام أخيه وأقول هذا ساقط جدا.
وله غيره من الرسائل والتآليف.
وكانت وفاته ﵁ يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الأول سنة خمس بعد الألف بدرب الأتراك، /ودفن عند أخيه الشيخ زين بجوار السيدة سكينة ﵂ تجاه مقلاة الحمص رحمه الله تعالى. قيل: مات مسموما من بعض النساء ويدل على ذلك كثرة تزوجه وعدم مرضه، انتهى.
стр. 1196
جامع الشيخ سليمان
هذا الجامع بشارع محمد علىّ على رأس حارة المناصرة، كان به منبر فأخذ الشارع معظمه وجعل ما يقى منه زاوية بلا مطهرة ولا مئذنة، وشعائرها مقامة بالآذان والصلاة وبداخلها ضريح الشيخ سليمان المذكور عليه تابوت من الخشب ويعمل له مولد كل سنة فى شهر شعبان.
جامع السليمانية
هو ببولاق القاهرة به أربعة وعشرون عمودا من الحجر، وله باب على شارع الجزارين وباب آخر من الجهة الغربية، وله ميضأة وأخلية كثيرة ومنارة وله أوقاف، وشعائره مقامة بنظر الشيخ سليم عمر إمام جامع القلعة الآن.
قال الإسحاقى فى تاريخه: عمّر هذا الجامع الأمير سليمان باشا الخادم المتولى على مصر سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة وعمّر بجواره وكائل وأسواقا وربوعا وغير ذلك.
ولما تولى الأمير محرم بيك أمير اللواء ناظرا على أوقاف سليمان باشا زاد فى الجامع زيادة حسنة ورفع سقفه فصار فى غاية الحسن مقام الشعائر الإسلامية، وعمر أيضا جامع سيدى سارية بقلعة الجبل ووكائل برشيد.
وفى مدة سليمان باشا أحرقت دفاتر ديوان مصر وضبطت أراضى مصر السلطانية والأقطاع والأرزاق والأوقاف، وكتب بذلك دفاتر تسمى التريع معمول بها إلى الآن.
جامع السماك
هذا الجامع بشارع كوم الشيخ سلامة وهو مقام الشعائر وبه أربعة أعمدة من حجر الطبخ، وليس به ما يدل على تاريخ إنشائه ونظارته لديوان الأوقاف، ويعرف أيضا بجامع إبراهيم أغا عزبان؛ لأن هذا الأمير جدّده ووقف عليه وعلى غيره أوقافا منها مكان بدرب الجماميز فى حارة، ومكان بقنطرة عمر شاه ومكان بخط حارة اليهود فى درب الطاحون، ومنفعة خلو بمكان فى خط بين السورين ومنفعة خلو برأس درب الكعكيين، وحصة بقاعة تصفية الفضة بالكعكيين، ومكان بحارة زويلة داخل حارة اليهود وفرن ومكان وطاحون بقنطرة الموسكى، ومخزن لقمح الجراية بالعنبر الشرقى بمصر القديمة، ورزقة أطيان بناحية قليوب وأطيان بمنية الرخا وأطيان بناحية الدقهلية وأطيان
стр. 1197
بناحية كفر طنبول من الدقهلية، وأطيان بجزيرة الحجر من المنوفية، وأطيان بناحية بيبان من البحيرة.
وقف ذلك على نفسه ومن بعده على أولاده وأولاد أولاده، فإن انقرضوا فعلى عتقائه وأولادهم فإذا انقرضوا يصرف على هذا الجامع وغيره مما هو مبين.
فأحكار المحلات المحكرة تصرف لأوقافها الأصلية، ويصرف لإمام هذا الجامع خمسون نصفا كل شهر ولخطيبه عشرون وللمرقى خمسة عشر، وللفراش والوقاد خمسة وعشرون، وللبواب خمسة عشر ولخادم المطهرة والأخلية والحنفية والحوض والمزملة ثلاثون نصفا، ولقارئ بالجامع فى كل يوم وقت الصبح والعصر عشرة أنصاف شهريا، ولاثنين مؤذنين ستون نصفا وللمبلغ عشرة أنصاف ولمؤدب الأطفال بمكتب الجامع ثلاثون نصفا، ولأربعة يقرءون بالجامع كل يوم بعد الظهر ربعة شريفة خمسة وتسعون نصفا، ويصرف لشيخهم شهريا عشرون نصفا ولخادم الربعة الشريفة خمسة عشر نصفا، ولخادم الساقية مع كلفة الثور وإبداله بغيره وما يلزم من الطوّانس والقواديس مائة وأربعون نصفا، ولثمن القلل والكيزان عشرة أنصاف ولثمن زيت طيّب خمسة عشر نصفا ولزيت رمضان سبعون نصفا، ولحصر الجامع من عمل الفيوم كل سنة أربعمائة وخمسون نصفا ولثمن قناديل وفتائل كل سنة مائة وأحد وعشرون نصفا، ولكسوة خمسة عشر طفلا من أولا المكتب - مع إعطاء كل واحد منهم خمسة عشر نصفا - ألف وثلثمائة وثمانون نصفا كل سنة، ومصاريف على مكتب قنطرة عمر شاه للمؤدب ثلاثون نصفا وكسوة عشرة أيتام - مع إعطاء كل منهم عشرة أنصاف - تسعمائة وعشرون نصفا سنويا، وأجرة حمل الجراية من المخزن الشرقى المتقدم مع أجرة الطحن والعجن والخبز شهريا عشرون نصفا يصرف منها لمكتب عمر شاه ستة وعشرون رغيفا للأطفال والمؤدب والعريف، ويصرف للمزملاتى بسبيل مكتب عمر شاه ثلاثون نصفا فى نظير السّلب والدلاء والسقى، ويصرف على مصالح زاوية بيبان التى أنشأها الواقف ثمانمائة وعشرة أنصاف، ولثمانية يقرءون الربعة الشريفة كل صباح فى مسكن الواقف بدرب الجماميز مائة وخمسة وعشرون نصفا، ولثلاثة يقرءون به فى رمضان ثلثمائة نصف، ولثلاثة يقرءون فى مواسم رجب وشعبان ورمضان ألف وثمانمائة نصف، ولستة يقرءون الرّبعة بالجامع الأزهر كل يوم مائة نصف وخمسة شهريا. ويصرف على قبر الواقف شهريا فى الخوص والريحان ونحو ذلك عشرة أنصاف، ولاثنين يقرءان عليه كل جمعة ثلاثون نصفا، ولناظر الوقف فى الشهر ستون نصفا ولشادّ الوقف ثلاثون نصفا وللجابى ستون.
стр. 1198
وجعل النظر لنفسه ومن بعده للأرشد من أولاده، ثم/من بعدهم لنسلهم ثم لعتقاء الواقف ثم لعقبهم ثم لأعلم الحنفية بمصر.
وما زاد من الريع بعد المصاريف والعمارات يصرف منه قيراطان على قبة السلطان الحنفى، وقيراطان على قبة سيدى أحمد البدوى ﵁، وقيراطان لسيدى إبراهيم الدسوقى وعشرة قراريط لفقراء الأتراك بالأزهر، وقيراط على المسجونين بالديلم، وقيراطان على مرضى المارستان المنصورى وقيراط على المسجونين بحبس الرحبة، وقيراطان على أعلم علماء الحنفية، وقيراطان على قبة الإمام الشافعى ﵁، انتهى من كتاب وقفيته.
جامع سنان باشا
هو بثغر بولاق قرب شاطئ النيل.
وفى كتاب وقفيته: أن منشئ هذا الجامع هو سنان باشا ابن على بن عبد الرحمن.
ترجمة سنان باشا:
وفى نزهة الناظرين: أن سنان باشا الوزير تولى على مصر مرتين: الأولى فى الرابع والعشرين من شعبان سنة خمس وسبعين وتسعمائة، وعزل فى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست وسبعين، ثم عين لفتح اليمن بالوزارة فأرسل عسكرا فى البحر فى نحو عشرين غرابا، وذهب هو برا فى نحو عشرة آلاف مقاتل وعدة من الأمراء، وفتح اليمن على أحسن تدبير وعاد إلى مصر مؤيدا منصورا. وكان تولى بدله بمصر اسكندر باشا فعزل وتولى عليها سنان باشا ثانيا فى أول صفر سنة تسع وسبعين، وعزل فى آخر ذى الحجة سنة إحدى وثمانين وتسعمائة.
ومن محاسن آثاره: حفر الخليج الذاهب إلى الاسكندرية وعمّر فى ثغر بولاق مسجدا وقيسارية وحماما وبالثغر الاسكندرى مسجدا وسوقا وحماما، وشرط نظارة ذلك لمن يكون مفتى الديار الرومية، وعمّر تكية فى طريق الروم وخيراته كثيرة، انتهى.
وفى تاريخ الإسحاقى: أنه ورد عليه أمر شريف بالتوجه إلى فتح بلاد اليمن واسترجاعها من الرنديين العصاة؛ فأخذ معه جماعة من صناجق مصر ولم يرجع من الصناجق أحد واستنقذ اليمن من أيدى العصاة وشتت شملهم وقطع دابرهم، وفى ذلك قيل قصيدة منها:
стр. 1199
سنان عزيز القدر يوسف عصره … ألم تره فى مصر أحكامه تجرى
تدلى إلى أقصى البلاد بجيشه … ومهد ملكا قد تمزق بالشرّ
وشتت شمل الملحدين وردّهم … مثال قرود فى الجبال من الذعر
وله مآثر جميلة وآثار حميدة وخيرات لا تنقطع وعدة مساجد وربط وتكايا فى الديار المصرية والشامية والرومية، ولم يكن أحد من خدمة آل عثمان أنشأ مثلها من الخيرات، ثم توجه إلى الأعتاب العالية وولى الوزارة العظمى وفرحت الناس بولايته، انتهى.
وقال فى خلاصة الأثر بعد أن عدد جملة من آثاره: ومن غريب ما وقع له وهو بمصر أنه لما تعين الوزير لالا مصطفى باشا إلى فتح اليمن سار إلى مصر وتقاعس بها عن السير رجاء أن تضم له إمارة الأمراء بمصر إلى سردارية العساكر المعينة لليمن؛ فاتفق مع بعض خواصه أن يضيف سنان باشا ويضع له السم فى المشروب، ثم دعاه فأجاب، وقال للشيخ أدهم بن عبد الصمد: قم نذهب إلى الضيافة؛ فقال له: والله ما أنا بذاهب معك ولكن احترز على نفسك فإن القوم عازمون على أن يضرّوك؛ فلما قدّموا إليه الإناء المسموم فى ماء الشعير المحلى بالسكر لم يتناول منه شيئا ودعا بعض الأمراء الحاضرين إلى شربه؛ فقال له من دعاه: أما أنا فلا أشرب من هذا الإناء. فازداد وهمه؛ فقال رجل واقف للخدمة: إلى متى تتوقفون فى شربه! وتناوله ليشربه فلما وضعه بين شفتيه تناثر لحم فمه فى الحال ووقع مقدم أسنانه وسقط شعر لحيته؛ فعلم الحاضرون بالقصة وقام سنان باشا وهو يقرأ: ﴿(وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ)﴾ (١)، ثم عينه السلطان إلى اليمن من صنعاء إلى عدن سردارا على العساكر، فأصلح ما اختل منها، ثم عاد وصادف الحج وأنشأ بمكة آثارا حسنة منها: تعميره حاشية المطاف دائرة حوله مفروشة بالحصى يدور بها دور حجارة منحوتة مبنية حول الحاشية كالإفريز لها؛ فأمر بفرش الحاشية بالحجر الصوّان المنحوت فصار محلا لطيفا دائرا بالمطاف من بعد أساطينه، وصار ما بعد ذلك مفروشا بالحصى الصغار كسائر المسجد الحرام، وعمر سبيل التنعيم وأجرى إليه الماء من بئر بعيدة يجرى منها الماء إليه فى ساقية مبنية بالحصى والنورة وعين لها خادما، وحفر آبارا بقرب المدينة المنورة.
ثم قدم إلى تخت السلطنة فعينه السلطان سليم إلى فتح حلق الوادى ببلاد تونس الغرب وكان النصارى استولوا عليها وأحكموا قلاعها، وأرسل معه مائتى غراب مشحونة بالأبطال
стр. 1200
والمدافع وكانت من أعظم غزوات بنى عثمان؛ فانتصر على الكفار وقتل منهم نحو عشرة آلاف مع الحصار المديد، وكان الكفار بنوا قلعة منيعة أقاموا فى استحكامها ثلاثا وأربعين سنة ففتحها فى ثلاث وأربعين يوما وذلك فى سنة إحدى وثمانين وتسعمائة، وتقلب فى الوظائف وتولى الوزاة العظمى أربع مرات/ثم توفى سنة أربع بعد الألف ﵀ انتهى باختصار.
مطلب ما وقفه سنان باشا:
ومن آثاره ما فى حجة وقفيته المؤرخة بعشرين ربيع الأول سنة ست وتسعين وتسعمائة:
أنه وقف هذا الجامع وسبيلا ومكتبا وخانا كبيرا بجوار المسجد بوسطه مصلى وقصرا برأس الرصيف المطل على البحر، وخانا طويلا مقابلا لذاك الخان وخانا آخر صغيرا مقابلا للجامع، وبيتا بظاهر الخان الطويل وحماما بجوار الجامع يتبعه أروقة وحوانيت، وبيتا على بركة الفيل وحماما بقرية بنى سويف وخانا بالسويس وحماما بالاسكندرية، ودارا بقرية الأحراز بالقليوبية وطينا بأراضى الأحراز وأطيانا بالمنوفية، وعيّن للجامع مرتبات شهرية وسنوية فللخطيب شهريا ديناران من الذهب ويوميا أربعة أرغفة زنة الرغيف رطل وللإمام دينار ونصف فى الشهر وأربعة أرغفة فى اليوم، وللمرقى فى الشهر خمسة عشر نصفا سليمانية ورغيفان، ولستة مؤذنين ستة دنانير واثنا عشر رغيفا وللبواب دينار ونصف ورغيفان وللفراش كذلك، وللوقاد دينار واحد ورغيفان وللمسبل دينار ونصف ورغيفان، وللميقاتى دينار ونصف وثلاثة أرغفة، ولسوّاق الساقية وملاّء الحنفية والفسقية والأخلية دينار ونصف، ولستين يقرءون كل يوم ختمتين لكل منهم دينار ولكاتب غيبتهم عشرة فضة سليمانية، ولاثنين برسم خدمة الربعة الشريفة ثلاثون نصفا وأربعة أرغفة، ولخادم المصحف ثلاثون نصفا ورغيفان، ولستة يقرءون أحزابا محددة بالجامع فى أوقات معينة مائة وثمانون نصفا سليمانية واثنا عشر رغيفا، ولخادم الستة مصاحف التى بخزينة الجامع عشرون نصفا ورغيفان، ولمبخر الجامع يوم الجمعة مع ثمن البخور من العود القاقلى ثلاثون نصفا ورغيفان، ولواحد وأربعين يقرءون سورة الأنعام بالجامع كل يوم شهريا عشرون دينارا ونصف ولكاتب غيبتهم زيادة عشرة أنصاف، ولمفرق الأجزاء كذلك.
وجعل للمكتب عشرين يتيما ومن بلغ يقرّر بدله، ولهم فى الشهر خمسة دنانير فى نظير الخبز. ويصرف لهم فى آخر رمضان ثلاثون دينارا فى نظير الكسوة، وللمؤدب شهريا دينار وللعريف نصف دينار وأجرة حمل الماء إلى السبيل فى الشهر دينار، ولإمام المصلى بالخان الكبير نصف دينار ورغيفان، وإمام المصلى بخان السويس دينار، ولواحد وأربعين
стр. 1201
يقرءون سورة الأنعام بالأزهر عشرون دينارا ونصف، ولثلاثين يقرءون كل يوم جزءا بجامع الغرباء باسكندرية خمسة عشر دينارا فى الشهر، ولكاتب غيبتهم زيادة عشرة فضة.
ويرسل سنويا بالبيت المقدس برسم ثلاثين من حملة كتاب الله العزيز يقرءون ختمة كل يوم مائتان وسبعون دينارا. ويصرف سنويا مع الحاج المصرى ستمائة وأربعون دينارا برسم القراءة بمكة والمدينة على المناصفة، ويرسل مع أمير الحاج كل سنة خمسون دينارا لمتولى إخراج ماء سبيل العمرة من البئر التى هناك، ويرسل عشرون دينارا لاثنين يخدمان بئر العبد بنواحى قطيا. ويصرف سنويا لناظر الغورية خمسة عشر دينارا تصرف فى مصالح وقف الغورية، وجعل النظر لنفسه ثم لشيخ الإسلام بالقسطنطينية ويوكل من يكون أهلا بالديار المصرية، انتهى.
جامع السندبيسى
هذا المسجد ببولاق فى حارة السندبيسى به عمودان من الحجر ومنبر من الخشب، وبه ضريح سيدى أحمد السندبيسى وضريح الشيخ رخا، وهو مقام الشعائر تام المنافع.
جامع سنقر
ويعرف أيضا بالجامع الأخضر. هذا الجامع بسويقة السباعين على البركة الناصرية.
ترجمة الأمير آق سنقر شاد العمائر السلطانية:
عمّره الأمير آق سنقر شاد العمائر السلطانية، وإليه تنسب قنطرة آق سنقر التى على الخليج الكبير بخط قبو الكرمانى قبالة الحبانية.
وأنشأ أيضا دارا جليلة وحمامين بخط البركة الناصرية، وكان من جملة الأوشاقية فى أول أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم عمله أمير اخور ونقله منها فجعله شاد العمائر السلطانية وأقام فيها مدة فأثرى ثراء كبيرا وعمر ما ذكر، وجعل على الجامع عدة أوقاف، ثم عزل وصودر وأخرج من مصر إلى حلب ثم نقل منها إلى دمشق فمات بها فى سنة أربعين وسبعمائة، اه مقريزى.
وهذا الجامع الآن متخرب وإنما الصلاة جارية فى جزء منه، وعلى وجه منبره: بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بعمل هذا المنبر المبارك بالجامع الأزهر مولانا السلطان الملك الظاهر
стр. 1202
المجاهد المنصور أبو الفتح الصالحى قسيم أمير المؤمنين لثالث عشر ربيع الأول سنة خمس وستين وثمانمائة.
وهذا يحقق ما اشتهر: أن منبر هذا الجامع نقل إلى الجامع الأزهر ونقل منبر الأزهر إليه وبداخله نخلات بلح، ونظره تحت يد رجل يدعى بحنفى الشيمى القماح بمقتضى تقرير من المحكمة الكبرى، وله أوقاف إيرادها ثمانمائة وستة وسبعون قرشا.
جامع أسنبغا
هذا الجامع فى درب سعادة بجوار عطفة الفرن قرب دار أم حسين بيك. كان متخربا ثم جدد من طرف ذات العصمة والدة حسين بيك ابن العزيز محمد على فى سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف، وهو مقام الشعائر تام المنافع/وله أوقاف تحت نظر بعض الأهالى ويعرف هذا الجامع أيضا بجامع الشرقاوى، وكان أول أمره مدرسة تعرف بالبو بكرية.
قال المقريزى: هذه المدرسة بجوار درب العباسى قرب حارة الوزيرية بالقاهرة بناها الأمير سيف الدين أسنبغا بن سيف الدين بكتمر البوبكرى الناصرى ووقفها على فقهاء الحنفية، وبنى بجانبها حوض ماء وسقاية ومكتبا، وذلك سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة وبنى قبالتها جامعا مات قبل تمامه.
وكان يسكن بجوار المدرسة الحسامية تجاه سوق الجوارى؛ فلذا أنشأ هذه المدرسة لقربها منه، ثم فى سنة خمس عشرة وثمانمائة جدد بها منبرا وأقيمت فيها الجمعة انتهى، وليس للجامع الذى قبالتها الآن أثر.
جامع سودون القصروى
هذا المسجد بحارة الباطلية قرب الجامع الأزهر عند المكان المعتاد الدعاء فيه، وبعض الناس يسميه جامع الدعاء. مكتوب على أحد أبوابه: بسم الله الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذا الجامع المبارك محمد سودون القصروى خادم العلم بالقلعة العامرة، وهو مقام الشعائر تام المنافع وبه عمد من الحجر ومنبر ودكة، وله منارة ذهب نصفها وبجداره قليل خلل ويتبعه مسكن لإمامه، ثم فى سنة ثلاث وثلثمائة وألف تهدم وتعطلت شعائره إلى الآن.
وبداخله قبر المرحوم الحاج أحمد كتخداى مستحفظان الخربطلى. توفى يوم الجمعة حادى عشر رجب سنة تسع وأربعين ومائة وألف ولهذا الجامع مرتب بالروزنامجة.
стр. 1203
ترجمة سودون القصروى:
وفى الضوء اللامع للسخاوى: أن سودون هذا هو سودون القصروى قصروه من تمراز نائب الشام خدم بعد أستاذه فى بيت السلطان، ثم صار خاصكيا ثم من الدوادارية الصغار فى دولة أينال ثم أمير عشرة فى أيام خشقدم؛ فلما ولى خشداشة خير بك القصروى نيابة غزة استقر عوضه فى نيابة قلعة الجبل إلى أن قدمه يلباى بالبذل، ثم عمله الأشرف قايتباى رأس نوبة النوب ثم عينه لتجريدة سوار فجرح فى الوقعة وحمل إلى حلب فمات بها فى سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وقد قارب السبعين.
وكان جمّاعا للمال بخيلا وهو صاحب السبيل بحارة الباطلية والجامع الذى هناك، انتهى ..
وفى شرقى الجامع بلصقه زاوية معطلة الشعائر الإسلامية ولها باب إلى الجامع مسدود وينسج بها الآن حصر السمار، وبداخلها قبر رجل صالح - يقال له الشيخ عبد الله - عليه تركيبة داخل بناء يخصه، وفى غربى الجامع خربة مملوءة بالتراب والأحجار أصلها زاوية ومعالمها باقية إلى الآن. واشتهر بين الناس: أن الدعاء يستجاب عندها ويزعمون أن بها قبر حزقيل أحد أصحاب سيدنا موسى ﵊، ولا يكاد أحد يمر من هناك إلا ويقف للدعاء.
وهناك قبر عليه تركيبة وكسوة داخل مقصورة لها باب وشباك يقال: أنه قبر محمد ابن سيدنا أبى بكر الصديق ﵁.
جامع سودون من زاده
هذا المسجد فى سويقة العزى بشارع سوق السلاح أنشأه مدرسة الأمير سودون.
وهو مسجد مشيد وله بابان: أحدهما بسويقة العزى والثانى بشارع سوق السلاح، وصحنه كشف سماوى مفروش بالرخام الملون وبوسطه حنفية وحوض للماء، وسقف المسجد محمول على أعمدة من الزلط، وبقبلته أربعة أعمدة من الرخام وكذا دكته، وبداخله ضريح منشئه، وشعائره مقامة من أوقافه بمعرفة ناظره السيد عمر الكعكى، ويعرف أيضا بجامع السايس.
стр. 1204
ترجمة سودون من زاده:
وفى الضوء اللامع للسخاوى: أن سودون هذا هوسودون من زاده الظاهرى برقوق كان من أعيان خاصكيته، ثم تأمر على عشرة لابنه الناصرى، ثم أعطاه اقطاعا لإمرة ستين فارسا واستقر به خازندارا، ثم استعفى منها خاصة وعاد رأس نوبة كما كان، ثم كان مع جكم ونوروز فى عصيانهما فقبض عليه معهما وسجن بالاسكندرية فى رمضان سنة أربع وثمانمائة، ثم أفرج عنه وصار مقدما بالقاهرة، ثم ولاه الناصر فى سلطنته الثانية عشر ثم قبض عليه فى جمادى الآخر سنة عشر وثمانمائة وحبسه بالاسكندرية، ولم يلبث أن قتل، وهو صاحب المدرسة الهائلة التى بسويقة العزى جعل بها خطبة ودرسا للشافعية وآخر للحنفية، انتهى.
ولم يذكر تاريخ وفاته ولا تاريخ إنشائه لهذه المدرسة.
جامع السويدى
هذا الجامع بمصر القديمة مبنى بالحجر وبه ثلاثة أعمدة من الرخام، وله منارة مبنية بالآجر، وله بمصر العتيقة خمسة دكاكين ومنزل موقوفة عليه إيرادها شهريا مائة وأحد وستون قرشا، وله مرتب فى الروز نامجة فى السنة مائة وسبعون قرشا، وشعائره مقامة من ذلك بنظر الشيخ أحمد نصار، ويقال: أنه من إنشاء أحمد بن طولون.
جامع السيوطى
فى المقريزى: أنه بطرف جزيرة الفيل مما يلى ناحية بولاق. أنشأه القاضى شمس الدين محمد السيوطى ناظر بيت المال، ومات سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ثم عمره وزاد فيه ناصر الدين محمد بن محمد بن عثمان بن محمد المعروف بابن البارزى كاتب السر، وأجرى فيه الماء وأقام به الخطبة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة وصلى/فيه السلطان المؤيد شيخ الجمعة انتهى، ولم يبق الآن لهذا الجامع أثر بالمرة.
***
стр. 1205
حرف الشين
جامع الشاذلية
هذا الجامع خارج باب الفتوح فيما بينه وبين باب الشعرية على يمين الداخل من حارة درب البزازرة إلى باب العدوى والخليج، وهو الآن متخرب ولم يبق منه سوى الجدران، ويقال: أنه كان من أحسن الجوامع ونظره لديوان الأوقاف.
جامع الإمام الشافعى ﵁
هذا الجامع بالقرافة الصغرى حيث مشهد الإمام الشافعى ﵁ بقرب جامع الإمام الليث. أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا فى مكان المدرسة الصلاحية.
ففى إسعاف الراغبين فى أهل البيت للشيخ الصبان عند ترجمة الإمام الشافعى ﵁: لما تعطل غالب شعائر المدرسة الصلاحية التى بجوار قبة الشافعى وقل الانتفاع منها هدمها حضرة الأمير عبد الرحمن كتخدا مع أماكن قد اشتراها وبنى الجميع مسجدا عظيما متسعا سنة خمس وسبعين ومائة وألف، وأقام تلك الشعائر فانتفع بها الساكنون والزائرون انتفاعا كليا، انتهى.
والذاهب من القاهرة يدخل أولا فى طرقة مستطيلة مفروشة بالحجر النحت من عمل عبد الرحمن كتخدا وحولها دور ومساكن فيجد باب الميضأة عن يمينه وبعده باب من أبواب المسجد به طرقة طويلة مسقوفة مفروشة من فرش المسجد وعلى واجهته هذا البيت:
مسجد الشافعى بحر علوم … أشرقت شمسه بنور محمد
وبعد هذا الباب الباب الكبير تجاه المشهد الشريف يصعد إليه بسلم من الرخام، وأمامه رحبة صغيرة مفروشة بالرخام الترابيع، وبأعلاه لوح مصبوغ بالأخضر مكتوب عليه هذا البيت:
الله نوّر مسجدا تاريخه … يزهو به إشراق مجد الشافعى
٢٨ ٧ ٦٠٢ ٤٧ ٤٩٢ - سنة ١١٧٦
стр. 1206
والباب المذكور مبنى من الرخام وبابه الخشب مصفح بالنحاس، ومن داخله رحبة من الرخام الترابيع بها بابان: باب للمسجد وباب للمشهد، وعن شمال الداخل سبيل من الرخام عليه شباك من النحاس، وله كيزان من نحاس أصفر مربوطة بالسلاسل مكتوب عليه: أنشأ شباك هذا السبيل المبارك - من فضل الله تعالى - أمير اللواء على بيك دفتردار مصر حالا فى شهر الحجة سنة إحدى ومائتين وألف، وهناك فى الحائط حجر مدوّر أسود.
وفى الجامع ستة عشر عمودا من رخام عليه قناطر من حجر، وقبلته فى إحدى زواياه وهى من الرخام جددها محمد أغا سرور وكيل أغاة دار السعادة، وبحائطها قطعة رخام مكتوب فيها: جدد عمارة المدرسة الشريفة وتبيضها وتبليطها وعمارة الميضأة المباركة أمير اللواء الشريف السلطانى على بيك دفتردار مصر حالا تحريرا فى ذى القعدة سنة أربع ومائتين وألف، ومنبره من الخشب بالشغل القديم وبجوار المنبر شباك يجلس فيه الخطيب قبل خطبة الجمعة، وفيه دكة للمبلغين وسقفه من الشغل البلدى القديم المنقوش ..
وفى الجامع عن شمال الخارج من القبة مقصورة من الخشب فيها أضرحة لبعض فضلاء الشافعية منهم: شيخ الإسلام زكريا الأنصارى، والشيخ أبو الحسن المفسر، والشيخ شيبان الراعى.
وفى حائطه الغربية باب يوصل إلى زاوية السادة البكرية فى طرقة مفروشة بالحجر النحت عليه رخامة مكتوب فيها:
أكرم به من مسجد مصباحه … كنز الهدى المولى الإمام الشافعى
وله منارة واحدة لقلة السكان فى تلك الجهة، وشعائره مقامة إلى الغاية، ويقرأ فيه درس مرتب بعد صلاة الجمعة، وكانت ميضأة هذا الجامع صغيرة مثمنة الأركان، وهى من إنشاء الأمير عبد الرحمن كتخدا فهدمها الأمير على بيك الكبير ووسعها وعملها مربعة مستطيلة متسعة وبجانبها حنفية ببزابيز وحولها كراسى راحة بحيضان متسعة تجرى مياهها من بعض إلى بعض وماؤها شديد الملوحة. انتهى جبرتى من حوادث سنة سبع وثمانين ومائة وألف.
وفى سنة ثلاثين ومائتين وألف تقريبا عمل المرحوم محمد على باشا مجرى ابتداؤها من مجرى عيون القلعة إلى الإمام الشافعى، وأجرى فيها ماء النيل إلى الميضأة والأخلية وأبطل منها استعمال الماء المالح.
стр. 1207
وكان سبب ذلك: أنه لما قتل ابنه إسماعيل بيك بالسودان ونقله إلى مصر بنى له قبرا بقرب الإمام وبنى حوله أبنية وأجرى الماء إليها؛ فكلمه الشيخ حسن القويسنى أن يوصلها إلى مطهرة الإمام ففعل، واستمر استعمالها إلى سنة تسع وثمانين فأجرى ديوان الأوقاف عمارة فى الميضأة والأخلية وجدد ماسورة تحت الأرض متصلة بماسورة وابور الماء الذى عمل لسقى مصر والقاهرة وصارت هى الموصلة الماء إلى الإمام وما حوله من العمائر. وكان أهل تلك الجهة قبل/ذلك يشربون من ماء النيل المجلوب بمجراة سواقى بركة الحبش، ولما أنشئت الماسورة جعلت هناك حنفية لبيع الماء على السكان على جرى عادة الحنفيات؛ فالتزم سعادة الأمير رياض باشا أن يشتريها من ماله كل سنة من الملتزمين
باثنين وسبعين جنيها مصريا ويطلقها للناس إحسانا منه، وذلك من ابتداء سنة اثنتين وتسعين فينقل منها الآن جيرة الإمام الليث وسيدى عقبة والسادات الوفائية وغيرهم مجانا جزاه الله خيرا.
وفى عام ثلاث وثلثمائة وألف تشعث بعض جدران المسجد فتعلقت إرادة عزيز مصر الأكرم أفندينا المفخم محمد توفيق باشا بتجديده وتوسعته لضيقه بالناس التى كانت تجتمع فيه أيام المواسم كالأعياد وغيرها؛ فصدر أمره الكريم بذلك.
وكان الناظر على ديوان الأوقاف وقتئذ الأمير الكبير محمد زكى باشا؛ فانتهض لهذا الأمر انتهاضا حسنا واشترى الأماكن المجاورة للمسجد من جهة الطرقة المبلطة التى كانت بها أبواب المسجد مع البيوت التى عن يسار السالك من هذه الطرقة ذاهبا جهة الإمام الليث ﵁، وكذا الأماكن المتصلة بالميضأة من الجهة البحرية، وأدخل بعضها مع بعض الطرقة فى المسجد وترك الباقى متسعا قدامه، وشرع فى هدم المسجد القديم فى جمادى الآخرة من هذا العام، وابتدأ حفر الأساس من الجهة المجاورة لمقام شيخ الإسلام زكريا ﵁.
وكان يوم وضع الأساس يوما مشهودا؛ فحضر لذلك جناب الخديوى المعظم مع أعيان دولته وأمرائها وحضرة المشير الجليل دولتلو الغازى أحمد مختار باشا وحضرات العلماء الكرام والفضلاء الفخام وأعيان مصر وأكابرها؛ فاجتمعوا فى موضع المسجد القديم فى مجلس جليل حافل وزىّ جميل وشكل حسن، وتليت فى هذا المجلس مقالة تتضمن الثناء على حضرة خديوى مصر وأعيان دولته وسبب تجديد المسجد وأن الآمر بذلك حضرة الخديوى مع نسبه الشريف، وتليت مع ذلك قصائد جليلة لبعض
стр. 1208
أدباء هذا العصر تتضمن ذلك، وكتب مضمون ذلك كله فى رق متين ووضع مع صرة من النقود فى إناء يسمى متريانا من البلور، ووضع ذلك المتريان فى صندوق من الرصاص على قدره، ووضع ذلك الصندوق فى حجر كبير محفور بقدر الصندوق مغطى بحجر آخر، ووضع ذلك الحجر فى أساس البناء بإزاء شيخ الإسلام وهو أول موضوع فى الأساس، والواضع للصندوق الرصاص فى الحجر بيده حضرة الخديوى اعتناء بهذا المسجد الجليل ومحبة فى هذا الإمام العظيم وخدمة له ﵁ ونفعنا به.
وكان ذلك يوم الثلاثاء سابع شعبان آخر مولد سيدنا الإمام ﵁ فى هذا العام، وجعل المسجد مربعا تربيعا حسنا وحول تربيعه عن الوضع الأول حتى صار المحراب فى وسط الجدار بعد أن كان فى زاوية المسجد الجنوبية الشرقية والراسم لمحرابه العالم الميقاتى الشهير الغازى أحمد مختار باشا، وجعل طوله ثلاثين مترا وعرضه كذلك، وجعلت له رحبة بين المسجد وبين المطهرة طولها ثلاثون مترا فى عرض ثمانية أمتار، ورسم له حنفية فى بيت مستقل وميضأة واسعة فى مكان متسع وبيوت أخلية فى مكان متسع أيضا منعزل عن الميضأة خلفها، وهو الآن جار فيه العمل بالاجتهاد والهمة التامة.
نسأل الله تعالى إتمامه على أحسن حال، وأن ينفعنا بهذا الإمام الجليل ﵁.
وأما المشهد الشريف والضريح المنيف فهو من أشهر مزارات قرافة مصر، كما فى خطط المقريزى، قال:
توفى الشافعى ﵁ بفسطاط مصر وحمل على الأعناق حتى دفن فى مقبرة بنى زهرة أولاد عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، وعرفت أيضا بتربة أولاد ابن عبد الحكم. قال القضاعى: وقد جرب الناس خير هذه التربة المباركة والقبر المبارك، ثم قال: ولم يزل قبر الشافعى يزار ويتبرك به إلى أن كان يوم الأحد لسبع خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وستمائة فانتهى بناء هذه القبة التى على ضريحه.
ذكر من انشا قبة الامام الشافعى ﵁.
وقد أنشأ هذه القبة المباركة الملك الكامل المظفر المنصور أبو المعالى ناصر الدين محمد ظهير أمير المؤمنين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وبلغت النفقة عليها خمسين ألف دينار مصرية، وأخرجت فى وقت بنائها عظام كثيرة من مقابر كانت هناك ودفنت فى موضع من القرافة.
стр. 1209
وبهذه القبة أيضا قبر السلطان عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقبر أمه شمسه، انتهى.
وفى بدائع الزهور: أن الملك الكامل لما توفيت أمه دفنها عند الإمام الشافعى، ثم شرع فى بناء القبة التى على ضريح الإمام ولم تعمر فى الدنيا قبة مثلها، وأنشأ بها خلاوى برسم الصوفية وحماما وبنى مجراة تنقل من بركة الحبش فى أيام النيل بسواق إلى تربة الإمام وهى باقية إلى الآن، وأنشأ هناك الحوض الذى على الطريق السالكة فكان كما قيل فيها وفى السفينة التى على القبة:
من الكوثر الأعين الجاريه … لها قبة تحتها سيد
وبحر لها فوقه جاريه … إليها الذى يلتجى بسعد
/انتهى. وكانت السواقى ثلاثة:
إحداها: فى الجبل عند مزرعة تعرف بحوض عفصة وتعرف إلى الآن بساقية أم السلطان، وكان الماء ينقل إليها بواسطة مجراة من الحجر من ساقية مبنية بالحجر تعرف بالنقّالة، وينقل إلى هذه أيضا من ساقية بدير الطين مبنية على حرف النيل، وبين ساقية أم السلطان والإمام الشافعى مجراة باقية إلى الآن على عيون من الحجر كعيون مجراة القلعة، وعليها أسبلة توصل إلى سيدى عقبة والإمام الليث وإلى ساقية الخزانة بالإمام الشافعى، وقد استغنى عنها الآن بالماسورة المارّة الذكر.
وفى الجبرتى: أن على بيك الكبير جدد هذه القبة وكشف ما عليها من الرصاص القديم من أيام الملك الكامل وقد تشعّث وصدئ فجدد ما تحته من الخشب البالى بخشب نقى جديد، ثم جعلوا عليه صفائح الرصاص المسبوك الجديد المثبت بالمسامير العظيمة، وجدد نقوش القبة من داخل بالذهب واللازورد والأصباغ، وكتب بإفريزها تاريخا منظوما انتهى.
وهى قبة شاهقة متسعة مصفح ظاهرها بالرصاص، وقبل الدخول من بابها مكتوب بجوار باب السبيل فى قطعة رخام هيئة طرة هذا البيت:
هذه جنات عدن … فادخلوها خالدين
وباب القبة من الرخام عليه باب ضفتان من الخشب المصفح بالفضة، وبأعلاه فى لوح من الرخام هذان البيتان:
إن رمت فضل الشافعى … فى مسند قد صح قدما
هو من قريش عالم … يملأ طباق الأرض علما
стр. 1210
ومن داخل الباب باب آخر وعلى البرزخ الشريف مقصورة مربعة من الخشب المرصع بالصدف والعاج، وفى كل زاوية من زواياها ثلاث صفائح من الفضة، وضبّة باب المقصورة مصفحة بالفضة ولها قفيز من الفضة، وبأعلى بابها أبيات مكتوبة بالصدف:
إن الإمام الشافعى محمدا … سلطان مصر له أجل علوم
ناهيك فى ورد الحديث بفضله … العالم القرشى فى الإسلام
بالعلم قد ملأ الطباق فأرخت … لمحمد للناس خير إمام
١٢٢ ١٧١ ٨١٠ ٨٢ - سنة ١١٨٥
وبأعلى ذلك طرة فيها بعض أوصاف النبى ﷺ وحولها خمس دوائر فيها لفظ الجلالة وأسماء الخلفاء الأربعة، وفى سقف المقصورة مركب صغيرة من الفضة معلقة فوق البرزخ، وبجانبها عمود من الرخام منقوش فيه: بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿(وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى)﴾ (١) هذا قبر الإمام السيد أبى عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف جد النبى ﷺ ، ولد ﵁ سنة خمسين ومائة، وعاش إلى سنة أربع ومائتين، ومات يوم الجمعة آخر يوم من رجب من السنة المذكورة، ودفن فى يومه بعد العصر ﵁ وأرضاه آمين. ويكتنف ذلك العمود شمعدانان كبيران من الفضة موضوعان على تختة من الخشب وحواليها قناديل من البلور الأبيض والأزرق، وأسفل القبة مكسوفى دائرها بالرخام الملون فى ارتفاع مترين وأربعة أخماس متر، وبأعلى ذلك كرنيش من خشب عرضه نحو نصف متر، وبأعلى ذلك برواز من خشب منقوش فيه قصيدة بالليقة الذهبية وكرنيش عليه كتابة كوفية، وفوقه إزار فيه سورة الفتح بالليقة الذهبية أيضا، وفى أركانها أربع كوش من البناء عليها سورة يس بهاء الذهب، وبين كل كوشتين خمسة شبابيك مصنوعة بالجبس والزجاج الملون، وبأعلى ذلك كرنيش فى دائرها عليه آيات قرآنية بماء الذهب، وفيه: أمر بتجديد هذه القبة المباركة على التخصيص وتشييد أفنان وضعها بفنون النقش والترصيص عزيز مصر الحاكم بأمر الله أيد الله بالنصر لواه، وبلغه قصده ورجاه إنه الملك اللطيف ببركة صاحب هذا المقام الشريف.
стр. 1211
وبأعلى ذلك ستة عشر شباكا وفوق ذلك نقش قديم بماء الذهب، وفى أعلى القبة فى دائر مركزها مكتوب بماء الذهب: ﴿(أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ (١) وفى الجهة الغربية من القبة لوح فيه بخط السلطان عبد المجيد حديث: «عالم قريش يملأ طباق الأرض علما» (٢)، وفى الحائط البحرية رخامة مكتوب فيها: أمر بتجديد هذه القبة مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى عز نصره. وتكملة ذلك فى الحائط الغربية: وكان الفراغ من ذلك فى شهر جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وثمانمائة.
وبداخلها ثلاثة محاريب من الرخام الملون.
/وبلصق المقصورة مقصورتان من الخشب بالصبغ الأخضر فى إحداهما قبور أولاد عبد الحكم وسنذكر تراجمهم. وهناك مقاصير أخر بإحداها قبر الملكة شمسة والدة السلطان الملك الكامل الأيوبى، وفى أخرى قبر السلطان عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وبأعلى القبة من الخارج مركب صغيرة فوق هلال من نحاس تسع من الحب قدر نصف أردب يوضع فيها الحب لأكل الطيور، وفيها سلسلة من حديد لأجل إمكان الصعود إليها. وقد قيل فيها وفى القبة عدة أشعار مذكورة فى المقريزى وغيره منها قول الكاتب بن ملهم:
مررت على قبة الشافعى … فعاين طرفى عليها العشارى
فقلت لصحبى: لا تعجبوا … فإن المراكب فوق البحار
ومنها لعلاء الدين النابلسى:
لقد أصبح الشافعىّ الإما … م فينا له مذهب مذهب
ولو لم يكن بحر (٣) … علم لما
غدا وعلى قبره مركب
وقال آخر:
أتيت لقبر الشافعىّ أزوره … تعرضنا فلك وما عنده بحر
فقلت: تعالى الله تلك إشارة … تشير بأن البحر قد ضمه القبر
стр. 1212
وقال البوصيرى صاحب البردة:
بقبة قبر الشافعىّ سفينة … رست فى بناء محكم فوق جلمود
ومذ غاض طوفان العلوم بقبره استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودى (١)
وفى رحلة النابلسى (٢) قال: خرجنا إلى زيارة الإمام الشافعى ﵁ فدخلنا إلى قبته المبنية على قبره، فوجدناها قبة واحدة كبيرة متسعة جدا لا يرى مثلها فى البنيان ومتانة الجدران والارتفاع وفى داخلها محراب عظيم. وقبر الإمام الشافعى فى الجهة الشمالية وفيه شباك مطل على القبور فى القرافة وبجانب قبره قبر شيخه وقد رؤى فى المنام وهو يقول: زوروا شيخى فإنى ما أنا بشئ إلا به!.
كذا نقل هذا المناوى فى طبقاته ورأينا على قبة الإمام الشافعى ﵁ من جهة الخارج سفينة مربوطة بالهلال يوضع فيها الحب للطيور وقد قلنا فى ذلك:
يا قبة للإمام الشافعى زهت … بها القرافة فى مصر لهيبته
لو لم يكن بها بحر العلوم لما … سفينة الحب كانت فوق قبته
انتهى
ومناقب الشافعى - رحمة الله - كثيرة قد صنف الأئمة فيها عدة مصنفات؛ فمن أفردها بالتأليف: داود الظاهرى والساجى وابن أبى حاتم والحاكم والقطان والأصفهانى والبيهقى والرازى وابن المقرى والدارقطنى والسرخسى والمقدسى وإمام الحرمين والزمخشرى والسبكى وابن حجر وغيرهم.
ترجمة الامام الشافعى ﵁:
وقد أخد الشيخ الصبان من ذلك زبدا فى رسالته إسعاف الراغبين؛ فقال الإمام الشافعى: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشى المطلبى ابن عم المصطفى ﷺ يجتمع مع المصطفى فى عبد مناف. وأمه فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وقيل: انها أزدية لقى شافع النبى ﷺ
стр. 1213
وهو مترعرع وأسلم، وأبوه السائب كان يوم بدر صاحب رايات بنى هاشم التى كان يقال لها: العقاب وراية الرؤساء ولا يحملها إلا رئيس القوم وكانت لأبى سفيان، فإن لم يكن حاضرا حملها رئيس مثله؛ ولغيبة أبى سفيان فى العير حملها السائب لشرفه وأسر يومئذ وفدى نفسه ثم أسلم بعد ذلك.
ولد ﵁ بغزة سنة خمسين ومائة على الأصح. وقيل: ولد بمنى. وقيل:
بعسقلان. وقيل: باليمن وهى السنة التى مات فيها أبو حنيفة. وقيل: انه ولد يوم مات أبو حنيفة ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها، ولما سلموه إلى المعلم ما كانوا يجدون أجرة المعلّم فكان المعلم يقصّر فى التعليم لكن كلما علّم صبيا شيئا تلقّف الشافعى ذلك الشئ ثم إذا قام المعلّم أخذ الشافعى يعلم الصبيان تلك الأشيا؛ فنظر المعلم فرأى الشافعى يكفيه أمر الصبيان أكثر من الأجرة فترك طلب الأجرة منه فتعلم الشافعى القرآن لسبع سنين.
قال الشافعى ﵁: لما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا فى مكة فى شعب الخيف وكنت فقيرا بحيث ما أملك أن أشترى القراطيس فكنت آخذ العظم وأكتب فيه. وتفقّه أول أمره على مسلم بن خالد الزنجى مفتى مكة، وأذن له فى الإفتاء والتدريس/وهو ابن خمس عشرة سنة ووصل إليه خبر الإمام مالك ﵁ بالمدينة. قال الشافعى: فوقع فى قلبى أن أذهب إليه فاستعرت الموطأ من رجل بمكة وحفظته، ثم قدمت المدينة فدخلت عليه فقلت: أصلحك الله إنى رجل مطلبى من حالتى وقصتى كذا وكذا؛ فلما سمع كلامى نظر إلىّ ساعة وكان لمالك فراسة؛ فقال لى: ما اسمك؟ فقلت: محمد. فقال: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصى فإنه سيكون لك شأن. فقلت: نعم وكرامة. فقال: إن الله تعالى ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعصية. ثم قال: إذا كان الغد تجئ نقرأ لك الموطأ.
فقلت: إنى أقرأه من الحفظ ورجعت إليه من الغد وابتدأت بالقراءة، وكلما أردت قطع القراءة خوفا من ملاله أعجبه حسن قراءتى فيقول: يا فتى زد حتى قرأته فى أيام يسيرة ثم أقمت (١) فى المدينة إلى أن توفى مالك رحمه الله تعالى. وكان حفظه للموطأ وهو ابن عشر سنين فى تسع ليالى. وقيل: فى ثلاث. ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين واجتمع عليه علماؤها ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها
стр. 1214
إلى مذهبه وصنف بها كتابه القديم، ثم عاد إلى مكة فأقام بها مدة ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر وصنف بها كتبه الجديدة وأقام بها إلى أن توفى.
كان ﵁ إمام الدنيا جمع الله له من العلوم وكثرة الأتباع لا سيما فى الحرمين والأرض المقدسة ما لم يجمع لأحد قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه؛ ولذا حمل عليه حديث: «عالم قريش يملأ أطباق الأرض علما» (١). قال ابن عبد الحكم: إن أم الشافعى ﵁ لما حملت به رأت كأن كوكب المشترى خرج من بطنها وانقض فوقع منه فى كل مكان شظية؛ فقال لها المعبر: انه يخرج منك عالم عظيم.
وقال الشافعى ﵁: «رأيت النبى ﷺ فى النوم؛ فقال:
ادن منى. فدنوت منه فأخذ من ريقه وفتحت فمى فأمرّ من ريقه على لسانى وفمى وشفتى، وقال: امش بارك الله فيك». وقال: «رأيت النبى ﷺ فى المنام فى زمن الصبا بمكة يؤم الناس فى المسجد الحرام؛ فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس يعلمهم فدنوت منه؛ فقلت له: علمنى. فأخرج ميزانا من كمه فأعطانى، وقال: هذا لك».
قال المناوى: فأوّلت بأن مذهبه أعدل المذاهب وأوفقها للسنة التى هى أعدل الملل. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: «أىّ الرجل كان الشافعى فإنى سمعتك تكثر الدعاء له؟ فقال: يا بنى كان الشافعى ﵁ كالشمس بالنهار وكالعافية للناس فانظر: هل لهذين من خلف أو عنهما عوض»؟.
وقال أحمد بن حنبل ﵁: «ما أعلم أحدا أعظم منّة من الشافعى فى زمن الشافعى»!.
وقال المزنى: «ما رأيت أكرم من الشافعى خرجت معه ليلة عيد من المسجد أذاكره فى مسألة حتى أتيت إلى باب داره فأتاه غلام بكيس؛ فقال: سيدى يقرئك السلام ويقول لك: خذ هذا الكيس فأخذه منه؛ فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ولدت امرأتى الساعة وليس عندى شئ. فدفع إليه الكيس وصعد وليس معه شئ»!.
ونقل ابن حجر وغيره: أنه لم يقع فى مدة حياته طاعون لا بمصر ولا بغيرها، وكان جهورى الصوت جدا فى غاية من الكرم والشجاعة وجودة الرمى وصحة الفراسة وحسن الأخلاق، وكان كلامه حجة فى اللغة كامرئ القيس ولبيد ونحوهما، وكان أعجوبة فى العلم بأنساب العرب وأيامها وأحوالها وهو أول من صنف فى أصول الفقه.
стр. 1215
نبذة من كلام الشافعى:
ومن كلامه ﵁: من لم تعزه التقوى فلا عز له. ومنه: زينة العلماء التقوى وحليتهم حسن الخلق، وجمالهم كرم النفس. ومنه: ما أفلح فى العلم إلا من طلبه فى القلة. ومنه: لا يطلب أحد هذا العلم بعزة نفس فيفلح. ومنه: لا عيب بالعلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه وزهدهم فيما رغبهم فيه. ومنه: ليس العلم ما حفظ إنما العلم ما نفع. ومنه: فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهلاء فقر اضطرار. ومنه:
لا تخرج من علم إلى غيره حتى تحكمه فإن ازدحام الكلام فى السمع مضلة فى الفهم. ومنه:
من شهد فى نفسه الضعف نال الاستقامة. ومنه: من أحب أن ينور الله قلبه فعليه بالخلوة وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء وبعض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب. ومنه: لو علمت أن شرب الماء ينقص مروءتى ما شربته. ومنه: المروءة عفة الجوارح عمّالا يعنيها وأركانها أربعة: حسن الخلق والتواضع والسخاء ومخالفة النفس.
ومنه: سياسة الناس أشد من سياسة الدواب. ومنه: لا تتكلم إلا فيما يعنيك فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها. ومنه: العاقل من عقله عقله عن كل مذموم. ومنه:
لا تبذل وجهك لمن يهون عليه ردك. ومنه: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه جهرا فقد فضحه وشانه. ومنه: صحبة من لا يخاف العار عار. ومنه:
من سام نفسه فوق ما تساوى رده الله إلى قيمته. ومنه: ما أكرمت أحدا فوق قدره إلا اتضع من قدرى عنده بقدر ما زدت من إكرامه. ومنه: إن الله خلقك حرا فكن كما خلقك. ومنه: الكريم من راعى وداد لحظة وانتمى لمن أفاده لفظة، /واللئيم من إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه ونسى فضل معلمه. ومنه: من عاشر الكرام صار كريما ومن عاشر اللئام نسب للؤم. ومنه: من برّك فقد أوثقك ومن جفاك فقد أطلقك. ومنه: الكيس العاقل الفطن المتغافل. ومنه: الانبساط إلى الناس مجلبة للقرناء السوء، والانقباض عنهم مكسبة للعداوة فكن بين منقبض ومنبسط. وله نظم بديع اشتهر منه كثير.
توفى ﵁ يوم الجمعة بعد العصر سلخ رجب سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة، ودفن بالقرافة فى القبة المشهورة عليه من الأنس والرحمات والمهابة ما لا يخفى، وأريد بعد مدة نقله إلى بغداد فلما حفروا عليه عبقت رائحة عظيمة غطت حواس الحاضرين فتركوا ذلك.
стр. 1216
وقال المزنى: دخلت على الشافعى ﵁ فى علّته التى مات فيها فقلت:
كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا ولإخوانى مفارقا، ولكأس الموت شاربا ولسوء أعمالى ملاقيا وعلى الله واردا، فلا أدرى روحى إلى الجنة تصير فأهنيها أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشد:
ولما قسا قلبى وضاقت مذاهبى … جعلت رجائى نحو عفوك سلما
تعاظمنى ذنبى فلما قرنته … بعفوك ربى كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل … تجود وتعفو منة وتكرما
فلولاك لم يسلم من ابليس عابد … وكيف وقد أغوى صفيك آدما
انتهى باختصار.
وفى ابن خلكان: قال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس فى علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب كان منقطع القرين فى حياته فلما مضى لسبيله لم يعتض منه.
ومن دعائه:
اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير. وهو مشهور بين العلماء بالإجابة وأنه مجرب.
ومن شعره ﵁:
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنى … بنجوم أقطار السماء تعلقى
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى … ضدان مفترقان أى تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونه … بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وهو القائل:
ولولا الشعر بالعلماء يزرى … لكنت اليوم أشعر من لبيد
ولما مات رثاه خلق كثير منهم: أبو بكر بن محمد بن دريد صاحب المقصورة.
ومن مرثيته:
تسربل بالتقوى وليدا وناشئا … وخص بلب الكهل مذهو يافع
وهذب حتى لم تشر بفضيلة … إذا التمست إلا إليه الأصابع
стр. 1217
فمن يك علم الشافعى إمامه … فمرتعه فى ساحة العلم واسع (١)
سلام على قبر تضمن جسمه … وجادت عليه المدجنات الهوامع
لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد … جليل إذا التفّت عليه المجامع
لئن فجعتنا الحادثات بشخصه … لهن لما حكمن فيه فواجع
فأحكامه فينا بدور زواهر … وآثاره فينا نجوم طوالع (٢)
انتهى.
ترجمة عبد الحكم وولده:
وفى ابن خلكان: أن بجانب قبر الإمام الشافعى ﵁ مما يلى القبلة قبر أبى محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين (٣) بن ليث بن رافع الفقيه المالكى المصرى، وهو الأوسط من القبور الثلاثة.
كان عبد الله أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله وأفضت إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب وروى عن مالك الموطأ سماعا، وكان من ذوى الأموال والرباع له جاه عظيم وقدر كبير، ويقال: أنه دفع للشافعى ﵁ عند قدومه إلى مصر ألف دينار من ماله، وأخذ له من ابن عسامة (٣) التاجر ألف دينار ومن رجلين آخرين ألف دينار. وروى بشر بن بكر قال: رأيت مالكا فى النوم بعد موته يقول: إن ببلادكم رجلا يقال له ابن عبد الحكم فخذوا عنه فإنه ثقة.
وكانت ولادة أبى محمد المذكور سنة خمسين أو خمس وخمسين ومائة وتوفى سنة أربع عشرة ومائتين، وكان له ولد يسمى عبد الرحمن من أهل الحديث والتواريخ صنف كتاب فتوح وغيره.
وتوفى سنة سبع وخمسين ومائتين وقبره إلى جانب قبر أبيه من جهة القبلة ومعهما قبر أبى عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم الفقيه الشافعى الذى كنى أبوه به سمع من
стр. 1218
ابن وهب وأشهب من أصحاب مالك، ولما قدم الشافعى مصر صحبه وتفقه به وحمل فى المحنة إلى بغداد إلى القاضى أحمد بن أبى دواد الإيادى/فلم يجب إلى ما طلب منه ورد إلى مصر وانتهت إليه الرياسة بها.
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ومائة وتوفى سنة ثمان وستين ومائتين، وروى عنه أبو عبد الرحمن النّسائى فى سننه.
وقال المزنى: كنا نأتى الشافعى نسمع منه ونجلس على باب داره ويأتى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد ويطيل المكث وربما تغدى معه ثم نزل فيقرأ علينا الشافعى؛ فإذا فرغ من قراءته قرب إلى محمد دابته فركبها وأتبعه الشافعى بصره؛ فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لى ولدا مثله وعلىّ ألف دينار لا أجد لها وفاء.
وحكى عنه قال: كنت أتردد إلى الشافعى فقال قوم من أصحابنا: إن محمدا ينقطع إلى هذا الرجل ويتردد إليه فيرى الناس أنه رغب عن مذهب أصحابه فجعل أبى يلاطفهم ويقول: هو حدث يحب النظر فى اختلاف الأقاويل ويقول لى سرا: يا بنى الزم هذا الرجل فإنك لو جاوزت هذا البلد فقلت: قال أشهب لقيل لك: من أشهب؟ فلزمت الشافعى ﵁، ثم خرجت إلى العراق فكلمنى القاضى فى مسألة. فقلت: قال أشهب عن مالك. فقال: ومن أشهب؟ فأقبل على جلسائه فقال بعضهم: لا أعرف أشهب ولا أبلق.
ومحمد هذا هو الذى أحضره أحمد بن طولون فى الليل إلى حيث سقايته بالمعافر لما توقف الناس عن الشرب منها والوضوء فشرب وتوضأ؛ فأعجب ابن طولون وصرفه لوقته ووجه إليه بصلة.
وأعين: بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحت وبعدها نون.
وعسامة: بضم العين وفتح السين المهملتين وبعد الألف ميم ثم هاء انتهى.
ترجمة محمد بن الموفق:
وفيه أيضا: أن الفاضل الشيخ نجم الدين الخبوشانى (١) مدفون تحت رجلى الإمام الشافعى فى قبته وبينهما شباك. قال: وهو أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن على ابن الحسن بن عبد الله الخبوشانى الملقّب نجم الدين الفقيه الشافعى. كان فاضلا كثير الورع تفقه على محمد بن يحيى، وكان يستحضر كتابه المحيط فى شرح الوسيط حتى نقل أنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره، وله كتاب تحقيق المحيط فى ستة عشر مجلدا.
стр. 1219
ولما استقل السلطان صلاح الدين بملك الديار المصرية قربه وأكرمه وكان يعتقده، ويقال:
أنه ابتنى المدرسة الصلاحية المجاورة لضريح الشافعى بإشارته عليه ثم فوّض تدريسها إليه، وذلك فى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وفى هذه السنة بنى البيمارستان فى القصر بالقاهرة.
وكان سليم الباطن قليل المعرفة بأحوال الدنيا. كانت ولادته سنة عشر وخمسمائة بأستوى خبوشان، وتوفى سنة سبع وثمانين وخمسمائة بالمدرسة المذكورة.
وفى كتاب المزارات للسخاوى: أن الشيخ نجم الدين الخبوشانى رد على أهل البدع واستتابهم وأظهر معتقد الأشعرية بالديار المصرية، وكان له دعوة مجابة وكان السلطان صلاح الدين يأتى لزيارته ويسأله الدعاء، وكان عادة المدرس فى بلاد العجم أن يلبس طرطورا على رأسه فظن أنه فى بلاده فلبس الطرطور؛ فلما دخل على الخليفة تبسم كل من هناك فنظر إليهم ثم صلى ركعتين وجلس فخشعوا جميعا اه.
والخبوشانى: بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة فشين معجمة فألف فنون نسبة إلى خبوشان بليدة بناحية نيسابور، وأستوى: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح المثناة الفوقية أو ضمها ناحية كثيرة القرى من أعمال نيسابور انتهى.
ترجمة ابن عم الشافعى ﵁:
وقال النابلسى فى رحلته: وفى دهليز قبة الشافعى - رحمه الله تعالى - فى جانب يسار الداخل مكان دفن فيه ابن عم الشافعى ﵁ محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس ابن عثمان بن شافع. قال العبادى فى طبقاته: كان من فقهاء أصحاب الشافعى وله مناظرات مع المزنى وتزوج بابنة الشافعى فأولدها أحمد ابن بنت الشافعى.
ترجمة شيخ الاسلام:
وفى جانب يمين الداخل مكان دفن فيه الشيخ أبو الحسن تاج العارفين البكرى شيخ الإسلام الفقيه المفسر المحدث الصوفى كان عظيم الشأن واضح البرهان أخذ العلوم عن جمع من الأعيان منهم شيخ الإسلام زكريا وبرهان الدين بن أبى شريف ودرس بالجامع الأزهر فى التفسير والتصوف. وله تصانيف كثيرة منها: تفاسير ثلاثة أصغر وأوسط وأكبر، وشروح على المنهاج ثلاثة كذلك، وشروح على الإرشاد ثلاثة كذلك، وعدة متون فى الفقه، وعدة رسائل فى التصوف وغير ذلك. توفى سنة نيف وعشرين وتسعمائة ذكره المناوى فى الطبقات.
قال النابلسى: ودفن فى ذلك المكان القاضى (زكريا الأنصارى الشافعى ﵀ ولد سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ثم تحول إلى القاهرة سنة إحدى وأربعين فانقطع
стр. 1220
فى الأزهر وحفظ فيه: المنهاج والألفية والشاطبية والرائية. وكان يجوع فيخرج ليلا فيجمع قشر البطيخ ويأكله فسخر الله له رجلا طحانا فصار يتعهده بالطعام والكسوة سنين، وكان يميل إلى الصوفية ويذب عنهم سيما ابن عربى وابن الفارض، وهو ممن كتب فى نصرتهما وجزم بولايتهما، وذلك لأنه لما استفتى السلطان - فى كائنة البقاعى (١) - العلماء أفتى أكثرهم بتصويبه/فى تكفيرهما؛ فتوقف شيخ الإسلام زكريا ثم اجتمع بالشيخ محمد الإسلامبولى المجذوب؛ فقال له: اكتب وانصر القوم واذكر فى الجواب: أنه لا يجوز لمن لم يعرف مصطلحهم ذوقا أن يتكلم فيهم وقد عمى آخر عمره.
ومن كلامه:
«إياكم والطعن فى أشياخ زمنكم ولوذوا بهم فى الدنيا ليأخذوا بيدكم فى الآخرة».
مات رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين وتسعمائة عن مائة سنة وثلاث سنين كذا فى الطبقات، وقد ترجمناه فى الكلام على بلده سنيكة.
قال النابلسى: ودفن فى ذلك المكان أيضا (شيبان الراعى) وكان من رؤساء الزهاد وأكابر العارفين. قال الغزالى فى الإحياء: كان الشافعى ﵁ يجلس بين يديه كما يقعد الصبى فى المكتب ويسأله: كيف يفعل فى كذا وكذا. فيقال له: مثلك يسأل هذا البدوى. فيقول: إنه وفق لما علمناه وله أحوال ساميات. وكتب له أبو علىّ بن سينا:
الحكمة صناعة نظرية يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود بأسره فى نفسه، وما عليه الواجب فيما ينبغى أن يكتسبه بعلمه وتشرف بذلك نفسه، ويستكمل ويصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود ويستعد للسعادة القصوى فى الآخرة، وذلك بحسب الطاقة الإنسانية. والعقل له مراتب وأسماء بحسب تلك المراتب؛ فالأول هو الذى استعد به الإنسان لقبول العلوم النظرية والصنائع الفكرية، وحدّه غريزة يتهيأ بها لإدراك العلوم النظرية، ثم يترقى فى معرفة المستحيل والممكن والواجب ثم ينتهى إلى حد يقمع الشهوات البهيمية واللذات الحسية فتتجلى له صور الملائكة إذا تحلى بحليتها فيعاين الحقائق الدائمة ويعلم بذاته وموضوعه ولماذا خلق؛ فأجابه بما نصه من الأبله الأمىّ إلى الحبر أبى علىّ بن سينا:
وصل كتابك مشتملا على ماهية العقل وحقيقته وقد ألفيته وافيا بمقصودك لا بمقصودى،
стр. 1221
ولست ممن قنع عن الدر بالصدف، واقتنى علوما لم يؤمر بها فاستغرقت فيها همته حتى زلّت به قدم الغرور فى مهواة من التّلف، وكل ما تذروه رياح الموت فالهمة تقتضى تركه والسلام.
ومن كلامه رضى الله تعالى عنه: حقيقة المحبة أرق بلارقاد، وجسم بلا فؤاد، وتهتك فى العباد وتشرد فى البلاد.
مات رحمه الله تعالى بمصر ودفن بالقرافة بقرب الشافعى ﵁ فى التربة التى بها المزنى وبينه وبين المزنى قبر الخياط كان من أكابر الصالحين. كذا ذكره المناوى فى طبقاته، ودفن فى ذلك المكان أيضا الشيخ مرجان الحسنى وغيره.
وفى داخل قبة الشافعى ﵁ قبور أولاد عبد الحكم أصحاب هذا المكان الذى دفن فيه الشافعى وقبر السلطان عثمان وأمه شمسة.
قال النابلسى (١) أيضا: ثم جلسنا بعد الزيارة حصة عند الناظر الشيخ محمد الكلبى من ذرية دحية الكلبىّ الصحابى المشهور، وهو رجل من الصالحين له النظر والخدمة فى مزار الإمام الشافعى ﵁، ثم خرجنا فزرنا بحذاء شباك القبة من الخارج قبر البازى من أئمة الشافعية مع قبور أخر، ثم دخلنا إلى مقامات السادات البكرية بالجانب الغربى من قبة الإمام فوجدنا هناك مكانا عظيما واسع الجوانب يحوى هيبة وشرفا، وهو مسقوف بالسقف اللطيفة ومفروش بالبسط الفاخرة المنيفة فزرنا قبر الشيخ محمد البكرى الكبير الملقب بأبيض الوجه صاحب المعارف الإلهية والحقائق الربانية والقدر الخطير.
وله الديوان المشهور والرسائل المفيدة والكلام الذى كله نور، وعلى قبره الثوب الأخضر والهيبة والجلال.
ترجمة الشيخ محمد البكرى:
قال المناوى فى الطبقات: فيمن مات بالتسعمائة محمد البكرى شيخ الإسلام علم الحرمين ومصر والشام، أخذ علوم الشرع والتصوف عن أبيه شيخ الإسلام أبى الحسن، وتفقه على جماعة أيضا منهم الشهاب عميرة البرلسى، ورزق من القبول والحظ التام عند الخاص والعام ما لا تضبطه الأقلام.
وكان فصيح اللسان ذكى العصر والزمان يلقى دروسا فى التفسير محررة موشحة بمناقشات كبار المفسرين كالزمخشرى وأضرابه، ويأتى فى ذلك بما تقربه العيون
стр. 1222
وتنشرح له الصدور، وقرر مرة صحيح البخارى فأتى فى تقريره بما يدهش الناظر ويحير الخاطر، واختص فى زمنه بإلقاء دروس التصوف الحافلة البديعة، ولم أر أحدا من علماء عصره كهو فى صفاته وخلو مجلسه من اللغط واللغو والغيبة؛ فكان مجلسه لا يذكر فيه شئ من ذلك البته، بل كله فوائد علمية: إما تفسير بعض آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، وسمعته يقول: هذا القص الواقع فى وعاظ زماننا يستحقون عليه القص، وكان عظيم الاعتقاد فى المجاذيب يحبهم ويحبونه ويألفهم ويألفونه ﵀.
ووجدنا بالقرب منه فى جهة رأسه قبر ولده الشيخ أبى المواهب، وقبر ولده أيضا الشيخ أبى السرور وعن يساره قبر ولده الآخر الشيخ تاج العارفين، وتحت رجليه قبر ولده الآخر أيضا الشيخ زين العابدين وبالقرب منه أيضا قبور أولاد الشيخ زين العابدين المذكور، وقبر الشيخ أحمد وقبر الشيخ عبد الرحمن وقبر الشيخ/محمد والد حبيبنا وعزيزنا الشيخ زين العابدين وأخيه الشيخ أبى المواهب، وقبر الشيخ محمد هذا بجانب الشباك الكبير المطل على توبة القرافة بالقرب من شباك قبة الإمام الشافعى ﵁ ولكنه غربى وشباك القبة شمالى.
وللشيخ محمد هذا أخ رابع وهو الشيخ عبد الله ابن الشيخ زين العابدين، ولكنه فى خارج هذه المقامات انتهى باختصار من رحلة النابلسى.
وفى خلاصة الأثر: أنه مع شيخ الإسلام - بجامع الإمام الشافعى ﵁ من ذريته زين العابدين بن محيى الدين بن ولى الدين بن جمال الدين يوسف بن زكريا أبى يحيى بن محمد الأنصارى السنيكى الشافعى.
كان أحد عباد الله الصالحين المخصوصين بالأخلاق المرضية والشمائل البهية، ولد بمصر سنة إحدى وألف وبها نشأ وحفظ القرآن وجوده واعتنى به قراءة وكتابة وفهما ورسما، واشتغل فى عنفوان شبابه بالطلب وأخذ عن والده وأكابر شيوخ عصره وشارك الشبراملسى ثم لازمه ملازمة الجفن للعين حتى تخرج عليه، وكان الشبراملسى يحبه لكونه خدنة وصديقه، وله مؤلفات منها: حاشية على شرح الجزرية لجده شيخ الإسلام زكريا فى نحو عشرين كراسا، وشرحا على رسالة جده المسماة بالفتوحات الإلهية سماه المنح الربانية.
وكانت وفاته سنة ثمان وستين وألف بمصر ودفن على أبيه وجده بالقرب من تربة الإمام الشافعى ﵁ وكذا دفن معه ابنه شرف الدين بن زين العابدين بن محيى الدين الشافعى.
стр. 1223
كان صدرا من صدور زمانه معظما عند العلماء مقبول الشفاعة متقشفا ورعا دينا.
وله مؤلفات عديدة منها: الطبقات ذكر فيها شيوخه وعلماء عصره، وكان له اعتناء بالأسانيد ومعرفة موالد الشيوخ ووفياتهم، وأقعد فى آخر عمره وانقطع فى بيته، واجتمع عنده كتب جده شيخ الإسلام ومن بعده من أسلافه على كثرتها وأضاف إليها مثلها شراء واستكتابا. وكان حريصا على خطوط العلماء ضنينا بها ولما مات تفرقت كتبه شذر مذر، وكانت تباع بالزنبيل بعد أن كان يشح بورقة منها.
وبالجملة فكان من العلماء النزهين، وكانت ولادته سنة ثلاثين وألف تقريبا، وتوفى سنة اثنتين وتسعين وألف ودفن عند قبر جده القاضى زكريا انتهى.
ثم ان من حوادث جامع الإمام الشافعى ﵁ ما فى تاريخ ابن إياس من حوادث سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة: أن بعض عساكر العثمانية هجمت على مقام الإمام الشافعى ﵁، ونهبوا ما فيه من البسط والقناديل واحتجوا بتفتيشهم على الجراكسة، وكذلك فعلوا بمقام الإمام الليث ﵁ انتهى.
وهو الآن فى غاية العمارية وإقامة الشعائر ويفرش بالبسط النفيسة، ولا تزال الزوار والوراد مزدحمين هناك خصوصا فى يوم الجمعة وليلة السبت التى هى ليلة حضرته؛ فيجتمع هناك من أول وقت العصر طائفة القراء يبتدئون فى القرآن فيقرءون بغاية الترتيل وشيخ القراء حاضر مستمع فإن فتر هو استمع غيره، وهو الذى يبتدئ القراءة ولا يزالون يتناوبون القراءة حزبا أو جزءا أو نحو ذلك حتى الصبح فيختمون ويقرءون توسلات وأدعية حتى تطلع الشمس، ولهم مرتبات من النقود شهريا ومن الخبز كل ليلة حضرة وهم نحو المائة غير الخدمة الملازمين، ويعمل للإمام كل سنة مولد حافل من أول شعبان إلى نصفه يوقد فى الليلتين الأخيرتين هناك شموع وقناديل كثيرة، ويمتلئ الجامع بمجالس القرآن وسحارات الفول النابت والخبز والقهوة فيقرءون ويأكلون ويشربون أكثر من يوم وليلة غير العزومات التى تكون فى بيوت أهل خطته.
جامع السلطان شاه
هذا الجامع بباب الخرق عن يمين الذاهب إلى باب اللوق على الشارع بقرب سراى الخديوى الأعظم التى بعابدين، وكان قد تهدم وبقى متخربا مدة وكان ناظره محمد أفندى الجريدلى، وكان له منبر من خشب العود جيد الصنعة فباعه ناظره محمد أفندى الجريدلى لسياح من الإفرنج بمبلغ خمسة وعشرين ألف قرش ديوانية ونقله السياح إلى بلاده؛ فلما
стр. 1224
اطلع خديوى مصر على ذلك حكم على هذا الناظر والنجار الذى خلعه بالنفى إلى البحر الأبيض فمات الناظر هناك، ثم أمر الخديوى بتجديد الجامع فاستجد سنة ألف ومائتين وتسع وثمانين وأقيمت شعائره.
ومطهرته بمرافقها فى الجانب الآخر من الشارع وقد جعلت لها مجراة بماسورة تحت الأرض تجلب لها الماء من مجراة الوابور الجالب لماء النيل إلى القاهرة، وكانت له ساقية ارتدمت قبل ذلك وبقيت على حالها وبداخله ضريح منشئه عليه مقصورة من الخشب.
جامع سيدى شاهين الخلوتى
هذا المسجد بسفح المقطم مرتفع الأرضية يصعد عليه بمزلقان ومنقوش على بابه فى الحجر: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)﴾ الآية (١). أنشأ هذا الجامع ووقفه العبد الفقير إلى الله تعالى جمال الدين عبد الله نجل العارف بالله تعالى الشيخ جاهين الخلوتى افتتاح سنة خمس وأربعين وتسعمائة، /انتهى.
وبه أربعة أعمدة من الحجر وقبلته مشغولة بقطع من الرخام الملون والصدف يكتنفها عمودان من الرخام ومنبر خشب ودكة قائمة على عمود من الرخام.
ترجمة الخلوتى:
والخلوتى هذا هو الشيخ شاهين المحمدى المترجم فى طبقات الشعرانى بأنه أحد أصحاب سيدى عمر الروشنى بناحية توريز العجم. كان من جند السلطان قايتباى ومقربا عنده فسأله أن يخليه لعبادة ربه ففعل وأعتقه، فساح إلى بلاد العجم وأخذ عن شيخه المذكور ثم رجع إلى مصر، فسكن الجبل المقطم وبنى فيه معبدا وحفر له فيه قبرا ولم يزل مقيما به لا ينزل إلى مصر نحو ثلاثين سنة.
وكان له الشهرة العظيمة بالصلاح فى دولة بنى عثمان وتردد الأمراء والوزراء لزيارته ولم يكن ذلك فى مصر لأحد فى زمنه، وكان كثير المكاشفات قليل الكلام جدا تجلس عنده اليوم كاملا لا تكاد تسمع منه كلمة، وكان كثير السهر متقشفا فى اللبس معتزلا عن الناس إلى أن توفاه الله تعالى سنة نيف وتسعمائة رضى الله عنة انتهى.
стр. 1225
وهناك بداخله تربتان إحداهما تربة من الرخام مكتوب بدائرها آية الكرسى، وبأسفل المسجد جملة من خلاوى الصوفية، وله ميضأة ومرافق وبه صهريج صغير وهو الآن غير مقام الشعائر.
وقال النابلسى فى رحلته: وسرنا إلى أن دخلنا جامع الشيخ شاهين الدمرداشىّ نسبة إلى الشيخ دمرداش المحمدى لأنه كان رفيقه واشتهر به، وقد أخذ الشيخ شاهين المذكور عن الشيخ أحمد بن عقبة اليمنى وحسين جلبى المدفون بزاوية الشيخ دمرداش وعن الشيخ عمر الروشنى واشتهر بالصلاح، وكان كثير المكاشفة للناس وكان يغتسل لكل صلاة.
مات سنة أربع وخمسين وتسعمائة ودفن فى زاويته بسفح الجبل، وبنى السلطان عليه قبة ووقف عليه أوقافا، كذا ذكره المناوى فى طبقاته.
ثم قال النابلسى: فدخلنا مزاره ورأينا مقامه فى ذلك الجامع يطل على مزارات القرافة المباركة، وفيه منبر ومحراب لإقامة صلاة الجمعة. وهناك ثلاثة قبور:
القبر الكبير قبر الشيخ شاهين وبجانبه قبر ولده الشيخ جمال الدين، ثم قبر ولد ولده الشيخ محمد شاهين. فوقفنا هناك وقرأنا الفاتحة ودعونا الله تعالى انتهى باختصار.
جامع الشرايبى
هذا الجامع بشارع بركة الأزبكية بالقرب من الرويعى.
أنشأه الشرايبى سنة خمس وأربعين ومائة وألف، وهو قائم على ستة أعمدة من الرخام، وله ساقية تملأ منها حنفيته وميضأته ومرافقه، وفيه ضريح الشيخ على البكرى فلذا عرف بجامع البكرى، وشعائره مقامة من طرف الأوقاف، وفوق مطهرته ومرافقه ربع موقوف عليه انتهى.
ترجمة الشرايبى:
وفى الجبرتى: أن الشرايبى هذا هو الأجلّ الأمثل الخواجا الحاج قاسم بن الخواجا المرحوم الحاج محمد الداده الشرايبى من بيت المجد والسيادة والإمارة والتجارة.
وسبب موته: أنه نزلت بأنثييه نازلة فأشاروا عليه بفصدها وأحضروا له حجّاما ففصده فيها بمنزله الذى خلف جامع الغورى، ثم ركب إلى منزله الذى بالأزبكية فبات تلك الليلة وحضر له المزين فى ثانى يوم ليغير له الفتيلة فوجد الفصد لم يصادف المحل
стр. 1226
فضربه بالريشة ثانيا فأصابت فرخ الأنثيين ونزل منه دم كثير؛ فقال له: قتلتنى انج بنفسك. وتوفى من ليلته وهى ليلة السبت ثانى عشر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين ومائة وألف؛ فقبضوا على ذلك المزين وأحضروه إلى أخيه السيد أحمد فأمرهم بإطلاقه فأطلقوه، وجهزوا المتوفى وخرجوا بجنازته من بيتهم بالأزبكية فى مشهد عظيم حضره العلماء وأرباب السجاجيد والصناجق والأغاوات والاختيارية والكواخى حتى أن عثمان كتخدا القاز دغلى لم يزل ماشيا أمام نعشه من البيت إلى المدفن بالمجاورين. وفيه أيضا: أن الشيخ البكرى صاحب الضريح هو المجذوب المعتقد السيد على البكرى أقام سنين متجردا ويمشى فى الأسواق عريانا ويخلط فى كلامه وبيده نبوت طويل يصحبه فى غالب أوقاته، وكان يحلق لحيته وللناس فيه اعتقاد عظيم وينصتون إلى تخليطاته ويوجهون ألفاظه ويؤوّلونها على حسب أغراضهم ومقتضيات أحوالهم ووقائعهم. وكان له أخ من مساتير الناس فحجر عليه ومنعه من الخروج وألبسه ثيابا ورغب الناس فى زيارته وذكر مكاشفاته وخوارق كراماته؛ فأقبل الناس عليه من كل ناحية وترددوا لزيارته من كل جهة وأتوا إليه بالهدايا والنذور وجروا على عوائدهم فى التقليد وازدحم عليه الخلائق خصوصا النساء؛ فراج بذلك أمر أخيه واتسعت دنياه ومنعه من حلق لحيته فنبتت وعظمت وسمن بدنه وعظم جسمه من كثرة الأكل والراحة وقد كان قبل ذلك عريانا شقيانا يبيت غالب لياليه بالجوع طاويا بالأزقة فى الشتاء والصيف، وقيد به من يخدمه ويراعيه فى منامه ويقظته وقضاء حاجته، ولا يزال يحدث نفسه ويخلط فى ألفاظه وكلامه وتارة يضحك وتارة يشتم ولا بد من مصادفة بعض الألفاظ لما فى نفس بعض الزائرين وذوى الحاجات؛ فيعدون ذلك كشفا واطلاعا على ما فى نفوسهم وخطرات قلوبهم/ويحتمل أن يكون كذلك فإنه كان من البله المجاذيب المستغرقين فى شهود حالهم. وسبب نسبتهم هذه أنهم كانوا يسكنون بسويقة البكرى لا أنهم من البكرية، ولم يزل هذا حاله حتى توفى فى سنة سبع ومائتين وألف واجتمع الناس لمشهده من كل ناحية ودفنوه فى قطعة من هذا المسجد، وعملوا على قبره مقصورة ومقاما يقصد للزيارة واجتمعوا عند مدفنه فى ليال مخصوصة بالقراء والمنشدين، وازدحم عنده أصناف الخلائق واختلط الرجال بالنساء وصارت هذه العادة مولدا مستمرا يعمل كل سنة إلى الآن، انتهى.
стр. 1227
جامع القاضى شرف الدين
هو بخط الحمزاوى بحارة السبع قاعات. بناه جركسى وبه إيوانان ومنبر صغير وصحنه مفروش بالرخام وبه صهريج، وله أوقاف تقام شعائره من ريعها باسم بانيه القاضى شرف الدين الصغير، وأوقاف باسم ابنه محمد شمس الدين وباسم أخيه عبد الجواد الفخرى من عقارات بمصر المحروسة، وأطيان بضواحيها وبالجيزية بحجة مؤرخة بسنة ستة عشر ومائة وألف، وفيها أنه يصرف من ذلك على هذا الجامع وعلى مدفنه بزاوية عبد الجواد الفخرى بقرب الإمام الشافعى ﵁.
وفى ورقة أخرى: أن القاضى نور الدين عليا الصغير الشهير بأنه كاتب غريب يستحق التكلم على ريع الوقف المذكور لكونه ابن بنت الشهاب أحمد ابن المرحوم شرف الدين الصغير الواقف المشار إليه، وذلك فى شهر المحرم سنة خمس وسبعين وألف.
جامع شريف باشا
هذا الجامع بجوار منزل الأمير شريف باشا الكبير، كان متهدما فجدده ذلك الأمير سنة سبع وسبعين ومائتين وألف، فعرف به بعد أن كان يعرف بجامع أبى الشوارب باسم منشئه رضوان بيك أبى الشوارب، وهو مقام الشعائر وبناؤه من الحجر، وبأعلى محرابه لوح رخام مكتوب عليه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿(فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ)﴾ (١)، صدق الله العظيم. مع تاريخ التجديد، وبأعلى بابه لوح من الرخام مكتوب عليه أبيات وتاريخ التجديد أيضا، وبه حنفية من الرخام، وله ميضأة ومرافق ومئذنة مرتفعة وبه صهريج مهجور الآن.
جامع شجرة الدر
هو بخط الخليفة بقرب مشهد السيدة سكينة بينه وبين مشهد السيدة نفيسة على الشارع عن شمال الخارج من جهة السيدة سكينة إليها، ويعرف أيضا بجامع الخليفة باسم صاحب ضريح يقال له محمد بيك الخليفة الذى عرفت الخطة به، وكان قد تخرب فجدده ناظره السيد سليمان عيسى من ريع أوقافه وأقيمت شعائره، وذلك فى سنة تسعين ومائتين
стр. 1228
وألف، وهو يشتمل على أعمدة من الرخام ومنبر من الخشب وله مطهرة وأخلية ومنارة وشعائره مقامة، وفيه قبة بها ضريحان: أحدهما لمحمد الخليفة، والآخر لشجرة الدر منقوش على بابها:
هذا ضريح بالخليفة قد زها … وتزخرفت أوصافه للناس
حسنت عمارته وقالت: أرخوا … يهنيكم فخرا بنى العباس
١٣٥ ٨٨١ ٦٢ ١٦٤ - سنة ١٢٤٢
يعنى سنة ألف ومائتين واثنتين وأربعين.
وبالقبة محراب منقوش عليه آية الكرسى وبدائرها إزاران من الخشب منقوش فى أحدهما اسم شجرة الدر والدة الملك المنصور خليل ابن الصالح بن المظفر ابن الملك الكامل بن محمد بن بكر بن أيوب، وبأسفل المنارة لوح مصنوع من الجبس مكتوب فيه تاريخ سنة تسع وخمسمائة، وخارج الجامع مصطبة يصلى عندها على أموات المسلمين الذين يمر بهم من هذا الشارع.
ترجمة شجرة الدر:
وشجرة الدر: هى الملكة عصمة الدين أم خليل شجرة الدر سرية السلطان الملك الصالح نجم الدين أبى الفتوح أيوب وأم ولده السلطان خليل.
ومن أمرها أنها لما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب بناحية المنصورة فى قتال الفرنج قامت بالأمر وكتمت موته واستدعت ابنه توران شاه من حصن كيفا، وسلمت إليه مقاليد الأمور وتسلطن بقلعة دمشق فى رمضان سنة سبع وأربعين وستمائة، وقدم إلى الصالحية وأعلن يومئذ بموت الصالح ولم يكن أحد قبل ذلك يتفوه بموته، بل كانت الأمور على حالها والخدمة تعمل بالدهليز والسماط يمد وشجرة الدر تدبر أمور الدولة، وتوهم الكافة أن السلطان مريض ما لأحد إليه وصول، ثم أساء السلطان توران شاه تدبير نفسه فقتله البحرية بعد سبعين يوما من ولايته وبموته انقضت دولة بنى أيوب من مصر، ثم أجمع المماليك البحرية على أن يقيموا بعده فى السلطنة سرية أستاذهم شجرة الدر فأقاموها وحلفوا لها فى عاشر صفر ورتبوا عز الدين أيبك التركمانى مقدم العسكر فسار إلى قلعة الجبل وأنهى ذلك إلى شجرة الدر؛ فقامت بتدبير المملكة وعلّمت على التواقيع بما مثاله والدة خليل ونقش على السكة اسمها ومثاله المستعصمة الصالحية ملكة المسلمين والدة المنصور خليل خليفة أمير المؤمنين وخلعت على المماليك البحرية وأنفقت
стр. 1229
فيهم الأموال، ولم يوافق أهل الشأم على سلطنتها وطلبوا الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب فسار إلى دمشق وملكها؛ فانزعج العسكر بالقاهرة وتزوج الأمير عز الدين أيبك التركمانى بشجرة الدر ونزلت له عن السلطنة وكانت مدتها ثمانين يوما، انتهى.
مطلب تولية شجرة الدر السلطنة:
وفى تاريخ الإسحاقى: أن شجرة الدر تولت السلطنة ثلاثة شهور وكانت آخر الدولة الأيوبية، وخلعت نفسها لزوجها المعز أيبك التركمانى فأقام فى المملكة إلى أن قتل.
وسبب قتله: أنه لما تزوجها وسلمت إليه الأمر خطب عليها بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل؛ فبلغها ذلك وأخذها ما يأخذ النساء من الغيرة فتغيرت عليه وتغير عليها وكرهها لأنها كانت تمنّ عليه بأنها ملكته مصر وسلمت إليه الخزائن والأموال، وكانت تتصرف فى مملكته وتأمر وتنهى ومنعته من الاجتماع بزوجته أم ولده نور الدين حتى ألزمته بطلاقها، ولما تمكن الغيظ منه نزل إلى قناطر اللوق وأقام بها أياما؛ فبعثت إليه من حلف عليه وتلطف به وسكن غيظه فطلع إلى القلعة وكانت قد أعدت له من يقتله؛ فلما صعد إليها ودخل الحمام ليلا دخلت عليه ومعها خمسة خدام فأخذ بعضهم بأنثييه وبعضهم بخناقه فاستغاث بها، فقالت لهم: اتركوه. فقالوا: متى تركناه لا يبقى علينا ولا عليك، ثم قتلوه.
فتملك بعده ولده نور الدين المنصور فقبض على شجرة الدر ودخل بها على أمه فقتلها الجوارى بالقباقيب ورماها فى الخندق وهى عريانة على باب القلعة، وبعد أيام دفنت فى التربة التى كانت قد أعدتها لنفسها، فالدهر قد جازاها من جنس العمل لأنها سعت فى قتل الملك المعظم فقتل غريقا حريقا، وترك ثلاثة أيام على شاطئ البحر.
قال الشاعر:
من يحتفر حفرة يوما يصير لها … فإن حفرت فوسع حين تحتفر
وسبب قتل الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح: أنه بعد أن تولى الملك أخذ يهدد زوجة أبيه شجرة الدر ويطالبها بمال أبيه فخافت وكاتبت مماليك الملك الصالح وأخذت تحرضهم عليه؛ وكان الملك المعظم فيه هوج وخفة وميل إلى العكوف بملاذه فنفرت منه النفوس وأخذ فى إبعاد مماليك أبيه، وكان إذا سكر أوقد الشموع وضرب رؤوسها بالسيف وقال: هكذا أفعل بالمماليك البحرية. فاتفقوا على قتله فدخلوا عليه وفى أيديهم
стр. 1230
السيوف مجردة فهرب إلى برج خشب كان على شاطئ النيل فأدركوه وضربوه بالسيوف فدخل البرج وأغلق بابه فأطلقوا النار فى البرج وهو يقول: ما أريد ملككم دعونى أرجع إلى الحصن يا مسلمين. فلم يجبه أحد وقطعوه بالسيوف فمات غريقا حريقا ثم تولت المملكة بعده، انتهى.
وفى بدائع الزهور: أنه لما وقع الاتفاق على سلطنة شجرة الدر بايعها القاضى تاج الدين ابن بنت الأعز بالسلطنة على كره منه.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لما تولت شجرة الدر للسلطنة عملت مقامة وذكرت فيها: بماذا ابتلى الله الناس بولاية امرأة عليهم. وعند ولايتها ألبسوها خلعة السلطنة وهى قندورة محمل مرقومة بالذهب، وقبّل لها الأمراء الأرض من وراء حجاب، ثم أنعمت بالوظائف السنية على الأمراء وفرقت الأقاطيع الثقال على المماليك، وأغدقت بالأموال والخيول وساست الرعية وخطب باسمها على المنابر بمصر وأعمالها، ويقولون بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجهة الصالحية ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين أم خليل، وإلى شجرة الدر تنسب نوبة خاتون التى تدور فى القلعة بعد العشاء، ولما بلغ المعتصم بالله وهو ببغداد أن أهل مصر سلطنوا امرأة أرسل يقول: إن لم يكن عندكم رجال تصلح للسلطنة فنحن نرسل من يصلح لها أما سمعتم قول رسول الله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (١).
وقد قيل:
النسا ناقصات عقل ودين … ما رأينا لهن عقلا سنيا
ولأجل الكمال لم يجعل الل … هـ تعالى من النساء نبيا
فلما بلغها ذلك وبلغ الأمراء والقضاة خلعت نفسها من السلطنة وتزوجت بالأمير أيبك التركمانى وكانت تمن عليه وتقول: لولا أنا ما وصلت إلى السلطنة.
وكانت تركية الجنس شديدة الغيرة فبلغها أن الملك أيبك يخطب بنت صاحب الموصل؛ فصار بينهما وحشة من كل وجه وأضمرت له السوء، ولما طلع إليها لاقته وقبلت يده من غير عادة فظن أن ذلك على وجه الرضا فكان كما قيل: