جدده رجل يعرف بمحمد حسين البيومى فى سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف بإذن من ديوان المحافظة، وبجواره من الجهة البحرية أشجار، وبالجنوب الشرقى ضريح يقال له:
ضريح سيدى على الكومى وشعائره مقامة.
جامع كوم الشيخ سلامة
هذا الجامع بكوم الشيخ سلامة حيث العلوة برأس شارع الموسكى عن شمال الذاهب من هذا الشارع إلى بولاق، والآن شعائره مقامة ومنافعه تامة وبه منبر وخطبة، وكان له باب إلى شارع الموسكى يصعد منه إليه بعدة درج فسد ذلك الباب وبقى له بابان بداخل حارة كوم الشيخ سلامة، وله شبابيك على الشارع ومكتب جميل، ويعرف بجامع الشيخ عبد الغنى باسم خطيبه الشيخ عبد الغنى الملوانى المالكى أحد المدرسين بالأزهر وشيخ سجادة البيومية. توفى سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف.
ويظهر أن هذا الجامع هو المراد فى حجة وقفية المرحوم زين الدين عبد المعطى ابن الشيخ شمس الدين محمد سبط الفاضل بهاء الدين محمد النشوى الشافعى المؤرخة بسنة تسع عشرة وألف هجرية. قال فيها: ان زين الدين المشار إليه وقف المسجد الذى أنشأه ظاهر القاهرة خارج قنطرة الموسكى بالقرب من جامع أزبك وجميع الأماكن المستجدة علو المسجد وبجواره والاصطبل والمزملة والمطهرة وحوض الدواب؛ وحدّ ذلك القبلى ينتهى إلى غيط الحمزاوى، والبحرى إلى الطريق السالك وقبة سلم المسجد والشبابيك الحديد والمزملة، والشرقى إلىّ بناء الخواجا ولى الدين، والغربى إلى طاحون هناك.
ووقف أرضا بناحية الشوبك من الأطفيحية عشرين فدانا وحصة من أنشاب أرض الغيط بناحية الخصوص بما فيها من الساقية والسبارج والبيوت والمخازن وحصة من أرض ناحية بجام بالضواحى ثلاثين فدانا بالقصبة الحاكمية، وأضاف إلى ذلك وقف الزينى أبى النصر وهو أرض بجهة الأشمونين قرب البهنساوية، وجعل النظر من بعده لنائب قلعة مصر، ثم لناظر وقف الحرمين، ورتب لإمام هذا المسجد كل سنة أربعمائة وثمانين نصفا من الفضة الجديدة معاملة الديار المصرية وثلاثة أرادب بالكيل المصرى ولأربعة يقرءون بالمسجد من المغرب إلى العشاء مائة وأربعين نصفا فى السنة، ولمن يقرأ على الكرسى وقت الظهر والعصر مائة وعشرين نصفا وللمؤذن وهو المبلغ والفراش والبواب والوقاد ستمائة نصف وثلاثة أرادب سنويا، ولثمن قدور زجاج
стр. 1367
وسلاسل نحاس ثمانين نصفا، وثمن زيت مائتين وثلاثين نصفا، وثمن حصر سمار كذلك، وثمن أنخاخ حلفاء تفرش حول الفسقية عشرين نصفا، ولملاء الفسقية والحوض والحنفية وبيوت الأخلية والمزملة تسعمائة نصف وثلاثة أرادب سنويا، ولعشرة أيتام بالمكتب الذى فوق مزملة المسجد فى السنة تسعمائة وعشرين نصفا، وغلة برسم الجراية خمسة عشر أردبا، وللمؤدب مائتين وأربعين نصفا وأربعة أرادب كل سنة، وثمن أدل وكيزان للسبيل ستين نصفا غير ما رتبه للقراءة والريحان ونحوه على قبر جده ووالده ووالدته وأخيه ونحوهم، وما رتبه لناظر الوقف وللشاد والشاهدين والعتقاء، ويقرر الحاكم الحنفى عشرة يقرءون فى المسجد كل يوم وقت العصر ويصرف لهم سنويا ألفان ومائة وستون نصفا، ولخادم الربعة مائة/وثمانون، انتهى.
***
стр. 1368
حرف اللام
جامع الإمام الليث/﵁
هذا المسجد بنى على مشهد الإمام الليث بن سعد ﵁ بالقرافة الصغرى بقرب مشهد الإمام الشافعى ﵁ منقوش على بابه فى الحجر هذان البيتان:
إذا رمت المكارم من كريم … فيمم من بنى لله بيتا
فذاك الليث من يحمى حماه … ويكرم جاره حيا وميتا
ومن داخله باب منقوش عليه فى الحجر: أمر بإنشاء هذا المكان الشريف من فضل الله تعالى سيدنا ومولانا السلطان المالك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغورى، وكان الفراغ من ذلك فى شهر جمادى الآخر سنة خمس وثمانين وثمانمائة.
وبأعلاه دائرتان مكتوب فى كل منهما: السلطان الملك الأشرف قانصوه الغورى عز نصره.
وهو مسجد صغير به منبر خشب بصنعة قديمة وبداخله ضريح الإمام الليث ﵁ عليه قبة من البناء الحسن ومنقوش فى الحجر على بابها:
بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ)﴾ (١)، هذا مقام سيدنا ومولانا الإمام الليث بن سعد.
وبزواياها أربعة أعمدة من الرخام عليها كرانيش خشب مكتوب فيها: ﴿(إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)﴾ (٢)، وبدائرها واحد وعشرون شباكا مصنوعة من الجبس والزجاج الملون وبها ثلاثة محاريب، وعلى ضريح الإمام مقصورة من الخشب المرصع بالصدف والعاج وبجوار محراب المسجد باب فيه ضريح سيدى شعيب منقوش بأعلاه فى الحجر:
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿(أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ (٣) هذا مقام سيدنا ومولانا الشيخ شعيب ابن الإمام الليث بن سعد نفعنا الله بهم.
стр. 1369
وعلى ضريحه مقصورة وعن يمين الداخل من الجامع خلوة بها ضريح يعرف بالشيخ جمال الدين.
ولهذا الجامع منارة قصيرة ومطهرته ومرافقه منعزلة عنه، وهناك زاوية للفقراء لهم مرتب من الطعام والقهوة من زمن الإمام ﵁، ولها خدمة وأوقاف ومرتب فى الروزنامجة وشيخ يتولى أمرها، وهى بجوار المسجد وفيها باب إليه ولا تكاد القهوة تنقطع منها ليلا ونهارا ويسمحون بها لكل داخل، وقبل الدخول إلى هذا الجامع والمشهد باب ينزل منه بسلالم إلى طرقة مستطيلة مفروشة بالحجر المنحوت، وعلى جانبيها مساكن مسكونة وبجوار هذا الباب سبيل عليه مكتب.
وفى خطط المقريزى عند ذكر السبعة التى تزار بالقرافة: أن قبر الإمام الليث قد اشتهر عند المتأخرين وأول ما عرفته من خبر هذا القبر: أنه وجدت مصطبة فى آخر قباب الصدف، وكانت قباب الصدف أربعمائة قبة فيما يقال عليها مكتوب: الإمام الفقيه الزاهد العالم الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث المصرى مفتى أهل مصر، كما ذكر فى كتاب هادى الراغبين فى زيارة قبور الصالحين لأبى محمد عبد الكريم ابن عبد الله بن عبد الكريم بن على بن محمد بن على بن طلحة، وكتاب مرشد الزوار للموفق بن عثمان.
مطلب اول من بنى على قبر الامام الليث:
وذكر الشيخ محمد الأزهرى فى كتابه فى الزيارة: أن أول من بنى عليه وحيز كبير التجار أبو زيد المصرى بعد سنة أربعين وستمائة.
ولم يزل البناء يتزايد إلى أن جدد الحاج سيف الدين المقدم عليه قبته أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون قبيل سنة ثمانين وسبعمائة، ثم جددت فى أيام الناصر فرج بن الظاهر برقوق على يد الشيخ أبى الخير محمد ابن الشيخ سليمان المادح فى محرم سنة إحدى عشرة وثمانمائة، ثم جددت فى سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة على يد امرأة قدمت من دمشق فى أيام المؤيد شيخ عرفت بمرحبا بنت إبراهيم بن عبد الرحمن أخت عبد الباسط.
وكان لها معروف وبر توفيت فى التاسع والعشرين من ذى القعدة سنة أربعين وثمانمائة.
ويجتمع بهذه القبة فى كل ليلة سبت جماعة من القراء فيتلون القرآن الكريم تلاوة حسنة حتى يختموا ختمة كاملة عند السحر، ويقصد المبيت عندهم للتبرك
стр. 1370
بقراءة القرآن عدة من الناس، ثم تفاحش الجمع وأقبل النساء والأحداث والغوغاء فصار أمرا منكرا لا ينصتون لقراءة ولا يتعظون بمواعظ، بل يحدث منهم على القبور ما لا يجوز ثم زادوا فى التعدى حتى حفروا ما هنالك خارج القبة من القبور وبنوا مبانى اتخذوها مراحيض وسقايات ماء ويزعم من لا علم عنده: أن هذه القراءة فى كل ليلة سبت عند قبر الليث قديمة من عهد الإمام الشافعى ﵁ وليس ذلك بصحيح، وإنما حدثت بعد السبعمائة من سنى الهجرة بمنام ذكر بعضهم أنه رآه، وكانوا إذ ذاك يجتمعون للقراءة عند قبر أبى بكر الادفوى انتهى.
وفى رحلة النابلسى قال: ذهبنا إلى زيارة الإمام أبى المكارم الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهرى أبى الحرث المصرى أحد الأعلام، ومكانه مكان عظيم عليه الهيبة والوقار وعلى قبره قبة معقودة بالأحجار، وبجواره حارة وبيوت يسكنها الناس وتحكى عنه الكرامات/الكثيرة؛ فوقفنا عند قبره وقرأنا الفاتحة ودعونا الله تعالى ومدحنا المقام بأبيات (١)، ثم خرجنا من ذلك المكان وزرنا فى خارجه الولى المشهور بأبى الظهور فى قبة مستقلة عظيمة وهيبة وافرة، وزرنا أيضا فى قبة أخرى يحيى الشبيه الولى الكامل، ثم ذهبنا إلى مزار الولى الجليل العارف بالله تعالى الشيخ عدى بن مسافر ﵁.
وفى سنة أربع وتسعين ومائتين وألف أجرى إسماعيل بيك ابن المرحوم راتب باشا الكبير عمارة بمشهد الإمام الليث فجدد بالقبة إيوانا بقناطر من الحجر وكذلك بالجامع، ورفع أرض القبة وفرشها بالبلاط وكذا داخل المقصورة، وكان سقف الجامع منخفضا وكان من أفلاق النخل فأزاله ورفع البناء، وجعل السقف من الخشب النقى وصبغ جميع ذلك بالبوية، ووسع محل القهوة وغير سقفها البوص بسقف من الخشب، وجدد بجوار الجامع خلوة بابها فى الجامع لحفظ مهماته ولأبيه ﵀ مرتب من الجراية فى مقرأته كما له فى أغلب مقارئ مصر.
وقد ذكرنا جملة من ترجمة الإمام الليث ﵁ فى الكلام على قلقشندة لما قيل: أنه ولد بها. وكانت ولادته سنة أربع وتسعين، ومات يوم الجمعة رابع عشر شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل: خمس وستين ومائة وتوفى يوم الخميس.
وقيل: يوم الجمعة فى منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة.
стр. 1371
وفى كتاب المزارات للسخاوى: أن بمشهد الإمام الليث أيضا قبر ابنه الإمام الفقيه المحدث شعيب بن الليث بن سعد كان من أجلاء العلماء المعدودين المحدثين. قال ابن أبى الدنيا: حج شعيب بن الليث سنة فتصدق بمال فمر عليه رجل من العلماء فسأل عنه فقيل له: هذا الكريم ابن الكريم مات ﵀ بعد أبيه وعلى قبره باب يغلق ومعه فى القبر أخوه لأمه محمد بن هارون الصدفى
وقد ذكرنا أيضا (ترجمة سيدى شعيب مع ترجمة والده بقلشندة) وبالمشهد أيضا قبر الشيخ جمال الدين وهو القبر الخشب الذى على باب المشهد.
كان مشهورا بالصلاح وكان الناس يتبركون به ويرون منه أحوالا وكان الغالب عليه الجذب.
وبالتربة أيضا جماعة من القراء والخدم وعند الخروج من الباب الشرقى تجد قبرا من حجر تحت عقد السلم الذى يصعد منه إلى السطح. قيل: أنه قبر سعد بن عبد الرحمن والد الإمام الليث ﵁ عده القرشى فى طبقة التابعين والأصح: أنه لا يعرف له قبر.
وإلى جانب المشهد من الجهة الشرقية تربة بها قبر الشيخ أبى بكر الهاوى وعز الدين البلقاوى وعند شباك مشهد الإمام قبر شبل الدولة العسقلانى.
هكذا مكتوب على عمود القبر وأنه توفى سنة تسع وعشرين وستمائة، انتهى.
وهناك مشاهد كثيرة فانظرها فى كتاب المزارات، ويعمل للإمام الليث مقرأة كل ليلة سبت كمقرأة الإمام الشافعى ﵄، وهى مختصة من عدة أجيال بالطائفة الدلجية من قرية دلجة بالصعيد الأوسط قرب ملوى. فمنهم: الشيخ والقرّاء كأنها وراثة فلذا استثناهم الأمير عبد الرحمن كتخدا من رواق الصعايدة بأمر الشيخ على الصعيدى.
وإلى الآن لا حق لهم فى رواق الصعايدة ولا يكتبون فى دفترهم لاختصاصهم بمرتباته من جراية وخلافها.
ويعمل له مولد فى شهر شعبان بعد مولد الإمام الشافعى ﵄.
ويزعم بعض أهل العلم: أن زاوية الإمام الليث ﵁ فى محل جامع ابن عبد الظاهر ولا دليل له على ذلك غاية ما فى المقريزى: أن هذا الجامع قبلى قبر الإمام الليث كان موضعه يعرف بالخندق. أنشأه القاضى فتح الدين محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر ابن نشوان بن عبد الظاهر الجذامى السعدى الروحى من ولد روح بن زنباع الجذامى بجوار قبر أبيه، وأقيمت فيه الجمعة سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
стр. 1372
ولد بالقاهرة وسمع من ابن الجميزى وحدث وكتب فى الإنشاء وساد فى دولة المنصور بن قلاوون بعقله ورأيه وهمته، ولم يكن مجيدا فى صناعة الإنشاء إلا أنه دبر الديوان وباشره أحسن مباشرة، ومن شعره:
إن شئت تنظرنى وتنظر حالتى … فانظر إذا هب النسيم قبولا
فتراه مثلى رقة ولطافة … ولا جل قلبك لا أقول عليلا
فهو الرسول إليك منى ليتنى … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
ولم يزل هذا الجامع عامرا إلى أن حدثت المحن سنة ست وثمانمائة، واختلت القرافة لخراب ما حوله وهو اليوم قائم على أصوله، انتهى ملخصا.
وبقرب مشهد الإمام الليث بين الإمام الشافعى وسيدى عقبة ﵄ عن يمين الخارج من البوابة التى يتوصل منها لسيدى عقبة ﵁ مشهد يعرف بإخوة سيدنا يوسف ﵊، والآن لم يبق لتلك البوابة أثر.
قال السخاوى فى كتاب المزارات: هو مشهد له بابان يعرف باليسع وروبيل، ويقال:
أن به روبيل بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام وكل ذلك غير صحيح.
وسبب التكلم به وإشاعته ما حكى ابن عثمان فى تاريخه: أن رجلا/بات فى هذا المكان وقرأ سورة يوسف ونام فرأى قائلا يقول: هذه والله قصتنا من أعلمك بها؟ فقال:
القرآن الذى أنزله الله على قلب نبيه محمد ﷺ ، فمن أنت؟.
قال: أنا روبيل أخو يوسف.
فلما أصبح أخبر الناس بما رأى فبنوا عليه هذا المشهد، والمكان مبارك يزار بحسن النية ولم ينقل عن أحد من أهل التاريخ أن أحدا من الأنبياء مات بمصر غير يوسف الصديق بن يعقوب عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وحكايته مشهورة فى دفنه ونقلته، انتهى.
ويؤخذ من حاشية ابن عابدين على الدر المختار (١): أن يعقوب ﵇ مات بمصر فإنه قال فى الجنائز عند الكلام على نقل الميت: وأما نقل يعقوب ويوسف ﵉ من مصر إلى الشام ليكونا مع أبائهما الكرام فهو شرع من قبلنا ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعا لنا اه.
стр. 1373
جامع لاشين السيفى
هو بشارع الحوض المرصود قرب ورشة الأسلحة عن يمين السالك من الصليبة إلى قناطر السباع والبغالة منقوش على شق بابه فى الحجر (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)، الآية. وعلى شقه الآخر: أمر بإنشاء هذا المسجد السلطان الملك الظاهر جقمق فى تاسع شهر شعبان سنة ٨٥٤ وباقى التاريخ مطموس. وبأعلى ذلك: محمد جقمق أبو سعيد عز نصره.
وطرقة الباب مفروشة بالرخام الملون وبه أربع بوائك من الحجر قائمة على أعمدة من الرخام وبه ضريح وله منارة ومطهرة وبئر.
ومن وقفه منزل وثمانية دكاكين بجواره وله مرتب بالروزنامجه وبعض أحكار، وشعائره مقامة من ذلك تحت نظر الشيخ على سيد أحمد.
وفى الضوء اللامع للسخاوى: أن لاشين هذا هو لاشين الظاهرى جقمق حسام الدين الزرد كاش ويعرف باللالا، وقد يقال بالشين بدل الجيم اشتراه استاذه قبل سنة ست وثلاثين فى حال إمرته وأعتقه، فلما تسلطن كتبه خاصكيا ثم جعله خاصكيا تم أمير عشرة وجعله لالة ولده الفخرى عثمان المستقر بعده فى السلطنة فدام على ذلك سنين.
وعمّر جامعا بالجسر الأعظم بالقرب من الكبش على بركة الفيل فى سنة أربع وخمسين وأوائل التى بعدها، وجعل عليه أوقافا جمة ثم استقر بعد موت تغرى برمش اليشبكى بمكة فى سنة أربع وخمسين زرد كاشا وهو على اقطاعه الأول إمرة عشرة، واستمر إلى أن رقاه المنصور لشد الشر بخاناه.
ثم صار فى أيام الأشرف قايتباى أمير مجلس وتأمر على المحمل فى سنة ثمانين.
وكان عاقلا ساكنا فيه فضل وتقريب لبعض الأخيار، ولما كبر وظهر عجزه إلا فيما لا بد منه ولزم أكبر أولاده الشهابى أحمد المشى عنه فيما عدا ذلك أعفى عن الخدمة إلى أن مات يوم الأربعاء ثانى عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين ودفن بتربته فى القرافة رحمه الله تعالى.
***
стр. 1374
حرف الميم
جامع الماردانى
قال المقريزى: هذا الجامع بجوار خط التبانة خارج باب زويلة كان مكانه أولا مقابر أهل القاهرة ثم عمر أماكن؛ فلما كان فى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة أخذت الأماكن من أربابها، وتولى شراءها النشو فلم ينصف فى أثمانها وهدمت وبنى مكانها هذا الجامع؛ فبلغ مصروفه زيادة على ثلثمائة ألف درهم عنها نحو خمسة عشر ألف دينار سوى ما حمل إليه من الأخشاب والرخام وغيره من جهة السلطنة، وأخذ ما كان فى جامع راشدة من العمد فعملت فيه وجاء من أحسن الجوامع، وأول خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة رابع عشر رمضان سنة أربعين وسبعمائة.
ترجمة الأمير الماردانى:
والماردانى: هو الأمير الكبير ألطنبغا الماردانى الساقى أمّره الملك الناصر محمد بن قلاوون وقدمه وزوجه ابنته فلما مات السلطان وتولى بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر وشى به الماردانى، وذكر لقوصون: أنه يريد إمساكه فتحيل قوصون وخلع الملك المنصور وقتله مع أن الماردانى كان قد عظم عند المنصور أكثر مما كان عند أبيه.
ولما قامت الأمراء على قوصون وحاصروه بالقلعة كان ألطنبغا الماردانى أصل ذلك كله، وفى الليلة التى حصل فيها ذلك لقوصون طلع عنده وصار يشاغله طول الليل والأمراء والمشايخ عنده وما زال يساهره حتى نام، وكان من قيام الأمراء وركوبهم عليه ما كان وأمسك وأخرج إلى الاسكندرية وقتل بها، وبعد ذلك أخذ الماردانى فى التعاظم وقويت نفسه وصار يقف فوق التمرتاشى وكان أغاته فشق ذلك عليه وكتم فى نفسه إلى أن ملك الصالح إسماعيل؛ فتمكن التمرتاشى وصار الأمر له وعمل على الماردانى فلم يشعر بنفسه إلا وقد أخرج على خمسة رؤوس من خيل البريد إلى نيابة حماة فى شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وبعد شهرين نقل إلى نيابة حلب فأقام بها يسيرا ومرض ومات مستهل صفر سنة أربع وأربعين وسبعمائة.
وكان شابا طويلا رقيقا حسن الصورة لطيفا معشق الخطرة كريما صائب الحدس عاقلا، انتهى ملخصا.
стр. 1375
وهذا الجامع متسع جدا مرتفع البناء وبه أعمدة كثيرة من الرخام، وبجدرانه ألواح من الرخام بعضها منقوش عليه آيات قرآنية وعلى يمين المنبر لوح رخام منقوش فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، أنشأ هذا الجامع/المبارك العبد الفقير إلى الله تعالى الراجى عفو ربه ألطنبغا الساقى الملكى الناصرى، وذلك فى شهور سنة أربعين وسبعمائة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبأعلى محرابه قبة منقوشة ومنبره من الخشب الخرط بصنعة بديعة وبصحته حنفية يفصل بينها وبين مقصورة الصلاة تخشيبة تعلوها ألواح من الخشب فيها آيات قرآنية، وله ثلاثة أبواب: أحدها بشارع التبانة وآخر بحارة الماردانى، والثالث بعطفة الطرلوى، ومطهرته مع الساقية منفصلة عنه فى العطفة المذكورة وهو الآن معطل ومحتاج إلى العمارة، وأوقافه تحت نظر ديوان الأوقاف وإيرادها سنويا خمسة آلاف ومائتان وعشرة قروش، منها فى الروزنامجة ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعون قرشا، وأجرة أماكن ثلاثة آلاف وثلثمائة وثمانية وأربعون قرشا، وأحكار ثمانية وستون قرشا يصرف من ذلك مرتب البواب مائة وثلاثة وثلاثون قرشا ومرتب الجابى ثمانون قرشا.
جامع المارستان
هو فى شارع النحاسين عند جامع الصالح أيوب عن شمال الذاهب من الأشرفية إلى الحسينية ذو بناء متين ورونق حسن متسع مستوفى المنافع قائم الشعائر الإسلامية، وله منارة شاهقة يؤذن عليها أذان سلطانى، وبه منبر وخطبة وصحنه مفروش بالحجر ومقصورته كذلك وفيها حصر السمار والبسط.
وهذا الجامع الذى عناه المقريزى بقوله: المدرسة المنصورية هى من داخل باب المارستان الكبير المنصورى بخط بين القصرين بالقاهرة. أنشأها هى والقبة التى تجاهها والمارستان الملك المنصور قلاوون الألفى الصالحى على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعى ورتب بها دروسا أربعة فى المذاهب الأربعة ودرسا للطب، ورتب بالقبة درسا للحديث ودرسا للتفسير وكان لا يتولى ذلك إلا أجل الفقهاء ثم هى اليوم كما قيل:
تصدر للتدريس كل مهوس … بليد يسمى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا … ببيت قديم شاع فى كل مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلس
стр. 1376
وبالقبة قبر تضمن الملك المنصور سيف الدين قلاوون وابنه الملك الناصر محمد بن قلاوون والملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاوون. وهى من أعظم المبانى الملوكية وبها قاعة جليلة فى وسطها فسقية يصل إليها الماء من فوارة بديعة الزى، والقاعة مفروشة بالرخام الملون معدة لإقامة الخدام الملوكية المعروفين فى الدولة التركية بالطواشية، ولهم ما يكفيهم من الخبز النقى واللحم الطيب المطبوخ والمعاليم الوافرة، ولهم حرمة وكلمة نافذة وجانب مرعى بعد شيخهم من أعيان الناس ولا يبرحون فى عبادة.
وفى القبة: دروس على المذاهب الأربعة تعرف بدروس وقف الصالح، وذلك أن الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون قصد عمارة مدرسة فاخترمته المنية دون غرضه؛ فأقام الأمير أرغون العلائى زوج أمه فى وقف قرية تعرف بدهمشا الحمام من الأعمال الشرقية فأثبته بطريق الوكالة عن أم الصالح ورتب ما كان الصالح قرره لو أنشأ مدرسة، وهو وقف جليل يتحصل منه فى السنة نحو أربعة آلاف دينار ذهبا ثم تلاشى أمر ذلك الوقف.
وفى القبة: قراء يتناوبون القراءة ليلا ونهارا بالشبابيك المطلة على الشارع، وبها إمام راتب فى الصلوات الخمس وبها خزانة كتب جليلة كان فيها أحمال من الكتب فيها أنواع العلوم من وقف المنصور وغيره، وبها خزانة فيها ثياب المقبورين بها.
وبهذه القبة يوضع ما يتحصل من مال أوقاف المارستان تحت أيدى الخدام، وإذا قلد السلطان أحدا إمارة كان يعقد له ذلك عند هذه القبة فيحلفه عند القبر، وكانت هذه العادة تفعل قبل ذلك فى المدرسة الصالحية.
وفى سنة تسعين وستمائة أمر الملك الأشرف خليل بن قلاوون بنقل أبيه من القلعة إلى هذه القبة، فنقل فى موكب حتى دفن فيها بعد أن صلى عليه بالجامع الأزهر.
ولما عاد الملك الأشرف خليل من فتح عكا فعين أربع ضياع من ضياع عكا وصور؛ ليقفها على مصالح المدرسة والقبة المنصورية مما تحتاج إليه من ثمن زيت وشمع ومصابيح وبسط وعلى كلفة الساقية وعلى خمسين مقرئا يرتبون لقراءة القرآن الكريم بالقبة، وإمام راتب فى محراب القبة وستة خدام يقيمون بها، وكتب بذلك كتاب وقف، وعمل بالقبة مجمعا عظيما قرئت فيه ختمة كريمة، انتهى باختصار من خطط المقريزى فى ذكر المدارس.
وقال فى ذكر المارستانات: هذا المارستان الكبير المنصورى كان قاعة ست الملك ابنة العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله أبى تميم معد، ثم عرف بدار فخر الدين جهاركس بعد
стр. 1377
الدولة الفاطمية وبدار موسك، ثم عرف بالملك المفضل بن العادل بن أيوب وصار يقال لها:
الدار القطبية. إلى أن/أخذها الملك المنصور من ابنة العادل المعروفة بالقطبية وعوضت عنها قصر الزمرد برحبة باب العيد، ورسم بعمارتها مارستانا وقبة ومدرسة فتمت فى أحد عشر شهرا وأيام على يد سنجر الشجاعى، وكان ذرع هذه الدار عشرة آلاف وستمائة ذراع.
وسبب بناء ذلك أن الملك المنصور لما توجه وهو أمير إلى غزاة الروم سنة خمس وسبعين وستمائة أصابه بدمشق قولنج عظيم فعالجته الأطباء بأدوية أخذت له من مارستان نور الدين الشهيد فبرأ ونذر: إن آتاه الله الملك أن يبنى مارستانا. فلما تسلطن أخذ فى عمل ذلك وولى الأمر سنجر الشجاعى أمر عمارته، فأبقى القاعة على حالها وعملها مارستانا وهى ذات إيوانات أربع لكل إيوان شاذروان وبدور قاعتها فسقية يصير إليها من الشاذروانات الماء.
مبحث مارتب للمارستان:
ولما نجزت العمارة وقف عليها الملك بديار مصر وغيرها ما يقارب ألف ألف درهم فى كل سنة، ورتب مصاريف المارستان والقبة والمدرسة ومكتب الأيتام، ثم استدعى قدحا من شراب المارستان وشربه، وقال: قد وقفت هذا على مثلى فمن دونى وجعلته وقفا على: الملك والمملوك والجندى والأمير والكبير والصغير والحر والعبيد والذكور والإناث.
ورتب فيه العقاقير والأطباء وسائر ما يحتاج إليه وجعل فيه فراشين من الرجال والنساء وقرر لهم المعاليم، ونصب الأسرة للمرضى وفرشها وأفرد لكل طائفة من المرضى موضعا قسما للرجال وقسما للنساء، وجعل الماء يجرى فى جميعها، وأفرد مكانا لطبخ الطعام والأدوية ومكانا لتركيب المعاجين والأكحال ونحوها، ومكانا للخزن ومكانا لتفرقة الأشربة والأدوية ومكانا لدرس الطب.
وجعل النظر لنفسه ثم لأولاده ثم لحاكم المسلمين الشافعى، وضمن وقفه كتابا تاريخه يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر سنة ثمانين وستمائة، وبلغ مصروف الشراب منه فى كل يوم خمسمائة رطل سوى السكر، ورتب فيه عدّة ما بين أمناء ومباشرين للإدارة ولاستخراج مال الوقف، ومباشرين فى المطبخ وفى عمارة الأوقاف، وقرر فى القبة خمسين مقرئا يتناوبون القرآن ليلا ونهارا وإماما راتبا ورئيسا للمؤذنين عندما يؤذنون فوق منارة ليس فى إقليم مصر أجلّ منها، ورتب بها درسا لتفسير القرآن فيه مدرس ومعيدان وثلاثون طالبا ودرس حديث، وجعل بها خزانة كتب وستة خدام طواشية، ورتب بالمدرسة إماما
стр. 1378
راتبا ومتصدرا لإقراء القرآن، ودروسا أربعة على المذاهب الأربعة، ورتب بمكتب السبيل معلمين يقرئان الأيتام، ورتب لكل يتيم رطلين من الخبز يوميا مع كسوة الشتاء والصيف.
فلما ولى الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك نظر المارستان أنشأ به قاعة للمرضى وتحت حجارة الجدر حتى صارت كأنها جديدة، وجدّد تذهيب الطراز بالمدرسة والقبة، وعمل خيمة تظل الأقفاص طولها مائة ذراع، وأبطل حوض ماء بجانب الباب كانت الناس تتأذى من رائحته وأنشأ عوضه سبيلا.
وقد تورّع طائفة عن الصلاة فى هذه المدرسة والقبة وعابوا المارستان لكثرة عسف الناس فى عمله وإخراب عمائر الغير ونقل أنقاضها إليه؛ فقد نقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوّان والرخام والقواعد والأعتاب وغير ذلك، ومدح غير واحد هذه العمارة منهم شرف الدين البوصيرى، فمما قال فيها:
مدينة علم والمدارس حولها … قرى أو نجوم بدرهنّ منير
إلى أن قال:
بناها سعيد فى بقاع سعيدة … بها سعدت قبل المدارس نور
انتهى باختصار:
وفى ابن إياس: أنه فى سنة سبع وتسعين وثمانمائة أمر الأمير الكبير أزبك الأتابكى من ططح (صاحب جامع الأزبكية) بتجديد عمارة المدرسة المنصورية التى بدهليز البيمارستان وعمل الفسقية التى بها قبة وجدد بها منبرا، وأقام بها خطبة ولم يعهد قبل ذلك أن أحدا من الأتابكية قبله أقام بها خطبة.
وفى سنة ثمانمائة واثنتين فى دولة الناصر فرج أراد أيتمش البجاسى الأتابكى أن يفعل ذلك فتعذر عليه وأفتاه بعض العلماء بعدم جواز ذلك لمخالفته شروط الواقف، فلما تولى الأتابكية تمراز الشمسى بعد ذلك أبطل الخطبة منها؛ فلما قتل تمراز وأعيد أزبك إلى الأتابكية أعاد بها الخطبة واستمرت إلى الآن، انتهى.
وفى حجة مؤرخة بثمانية المحرم سنة خمس وسبعين ومائة وألف: أن الملك المنصور أبا المظفر قلاوون الصالحى قسيم أمير المؤمنين وقف جميع القبة والمدرسة والمارستان بصدر الدهليز الجامع لذلك ومكتب السبيل والصهريج وما يتبع ذلك داخلا وخارجا، ويجمع ذلك سور دائر عليه وجميع الحوانيت والأماكن والحواصل والخزائن والربوع والطباق
стр. 1379
والعقارات الكائنة بخط المدارس الكاملية والصالحية والظاهرية وغير ذلك مع الأطيان المرصدة على تلك المصالح مع ما ألحق بذلك من قبل السلطان الأشرف برسباى والمرحومة جانم عتيقة الجمالى/يوسف زوجة يشبك الدوادار خازن السلطان الموما إليه، ويشتمل ذلك على الحكم بنظر الأمير عبد الرحمن كتخدا بموجب تقرير مؤرخ فى شهر الحجة سنة أربع وسبعين ومائة وألف، وفيه: أن له أن يؤجر عقارات الوقف بأجرة المثل فما فوقها ثلاث سنين فما دونها، ويؤجر الأراضى ثلاثين سنة بأجرة المثل كذلك، ولا يدخل عقدا على عقد ولا يؤجره لمن يخشى سطوته.
ويصرف ريعه فى وجوهه المشترطة ولا يولى على الوقف يهوديا ولا نصرانيا.
ويصرف على مصالح القبة والمدرسة والمكتب والصهريج ما يلزم لها من حصر وزيت طيب وشمع سكندرى وزجاج وسلاسل وأحبال وزحاحيف وثمن ألواح لأولاد المكتب ومحابر وأقلام بحسب ما يراه الناظر.
ويصرف على المارستان كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية والفرش والغطاء والسرر، ويصنع كل صنف من الأشربة من المعاجين والذرورات والشيافات ونحو ذلك فى أوانه ويدخر فى أوعية معدة له، فإذا فرغ عمل مثله ولا يصرف لأحد إلا بقدر الحاجة ويقدم الأحوج فالأحوج.
ويصرف كل يوم ثمن مشموم للمرضى وزبادى فخار لأغذيتهم، وأقداح زجاج لأشربتهم وكيزان وأباريق فخار وسرج وقناديل لوقودهم، ومكبات خوص لتغطية أغذيتهم ومراوح خوص يستعملونها فى الحر.
ويصرف ما يلزم لتكفين من يموت منهم وتغسيله وتحنيطه ودفنه. ويصرف على من يكون مريضا فى بيته وهو فقير حتى يشفى.
وإذا قصر الإيراد عن الكفاية يقدم الأهم فالأهم، وتفصيلات هذه المصاريف موضحة فى ثلاثة كتب من رق الغزال. تاريخ أحدها ثلاثة عشر من الحجة سنة أربع وثمانين وستمائة، وثانيها: مؤرخ باثنى عشر من صفر سنة خمس وثمانين وستمائة، وفيه بيان الضم والإلحاق الذى صار للوقف. وتاريخ الثالث: أربع وعشرون من رجب سنة ست وثمانين وستمائة اه.
والآن قد بطل هذا المارستان بالمرة وبطل أكثر مرتبات القبة والمدرسة، ومما بقى من مرتبات القبة درس مالكى يقرأ صبح كل يوم خميس، ولم تزل الجمعة والجماعة والأذان السلطانى محافظا عليها بتلك المدرسة.
стр. 1380
ترجمة الشيخ عمر البجاوى:
وفى طبقات الشعرانى: أن الشيخ عمر البجاوى المغربى سكن فى قبة المارستان هذه إلى أن مات بها فى سنة عشرين وتسعمائة وكان أولا فى جامع آل ملك بالحسينية، ثم انتقل إلى جامع محمود فنازعه أهل القرافة فرجع إلى هذه القبة.
وكان دخوله مصر أيام السلطان الغورى وحصل له القبول التام عند الخاص والعام، وكان يخبر بالوقائع قبل وقوعها فتقع كما أخبر، وكان وجهه كالقنديل المنور وكان طويلا وليس له عمامة وإنما يتطرح بملاءة على عرقية، وكان الشيخ محمد عنان يحبه حبا شديدا، ولما مات دفن بالقرافة فى حوش عبد الله بن وهب بالقرب من القاضى بكار اه.
جامع محب الدين
هذا المسجد على يمينة السالك من الخرنفش إلى باب سر المارستان المنصورى برأس الزقاق بشارع خان أبى طقية، وهو عظيم البنيان ذو إيوانين وصحنه مفروش بالرخام الملون ومحرابه مكسو بالرخام النفيس، ومنبره دقيق الصنعة مرصع بالعاج والآبنوس، وشعائره مقامة، وله أوقاف تحت نظر ديوان الأوقاف وصاحبه محب الدين أبو الطيب.
جامع المحكمة
هو ببولاق متخرب وله بابان منقوش على أحدهما: أمر ببناء هذا الجامع المبارك المعز الأشرف العالم المولوى الزينى أبو زكريا يحيى، وباقى الكتابة ممحو.
وعلى الباب الآخر آية قرآن وتاريخ تمام بنائه وهو فى شعبان سنة اثنتين وثمانمائة.
جامع المحكمة
هو بقناطر السباع فى ساحة السيدة زينب ﵂ بين قرة قول السيدة والخليج الحاكمى على يسرة السالك من مشهد السيدة إلى الحوض المرصود كان جامعا كبيرا بمنبر وخطبة ومنافع تامة.
стр. 1381
وأول أمره كان مدرسة أنشأها الأمير بردبك الأشرفى الدوادار الثانى فى زمن أستاذه السلطان أينال العلائى، ولها شبابيك مطلة على الخليج الحاكمى قاله السخاوى فى كتاب تحفة الأحباب، وقد أزيل هذا الجامع بالمرة بعد سنة ثمانين ومائتين وألف وجعل محله ميدانا أمام جامع السيدة زينب ﵂.
جامع المحكمة
هو بشارع خط باب الشعرية بجوار درب المحكمة على يسرة السالك من رأس الشارع المقابل لوكالة الزيت إلى سوق الجراية ورقعة الغلة، وهو صغير يصعد إليه بدرج وشعائره مقامة.
جامع سيدى محمد الأنور
هذا الجامع بخط الخليفة بالقرب من مسجد السيدة سكينة ﵂ عن يمين الذاهب إلى القرافة الصغرى، له باب على الشارع يدخل منه فى طرقة مستطيلة مفروشة بالحجر، وعلى وجهه بيت شعر فى لوح رخام يتتضمن تاريخ عمارة جرت فيه سنة خمس وتسعين ومائة وألف وهو:
مسجد حلّ فيه نجل لزيد … ذلك الأنور الأجل محمد
سنة ١١٩٥.
وهو مسجد صغير قائم على عمود واحد وبه منبر من الخشب وله منارة قصيرة، وشعائره مقامة من طرف ديوان الأوقاف، وفى الطرقة باب المطهرة وشجرة لبخ وبه مسكن، وبداخل المسجد ضريح سيدى محمد الأنور ﵁ عليه قبة جليلة وفوق القبر تابوت كبير من خشب.
وفى رسالة الشيخ الصبان: أن السيد محمد الأنور هو ابن زيد بن الحسن المثنى بن الحسن السبطين على بن أبى طالب، فهو عم السيدة نفيسة ﵂.
قال الشعرانى فى مننه: أخبرنى سيدى على الخوّاص أن الإمام محمد الأنور عم السيدة نفيسة فى المشهد القريب من عطفة جامع ابن طولون مما يلى دار الخليفة فى الزاوية التى هناك ينزل لها بدرج، انتهى.
стр. 1382
وهذه الصفة كانت قديما وأما الآن فقد بدلت تلك الزاوية بمسجد مرتفع ورونق مقام ذلك الإمام ﵁.
هذا والمنقول عن النسابين: عدم ذكر محمد هذا فى أولاد زيد بن الحسن والله أعلم، انتهى.
جامع محمد بن أبى بكر
هذا المسجد فى مصر القديمة بشارع باب الوداع قريبا من الباب عن يسرة السالك مشرقا إلى باب الوداع بجوار قبر منهدم يعرف بالكردى. ويعرف هذا الجامع أيضا بجامع الصغير وكان يعرف بجامع زمام، وهو مقام الشعائر وله أوقاف تحت نظر بعض الأهالى عرف بأبى القاسم محمد بن أبى بكر الصديق ﵄؛ لأن رأسه مدفون به وكان يعرف أيضا بمسجد زمام. قال السخاوى فى تحفة الأحباب: وبظاهر مصر قبر أبى القاسم محمد بن الإمام أبى بكر الصديق بن أبى قحافة.
مات مقتولا بأمر معاوية بن حديج لأربع عشرة خلت من شهر صفرسنة ثمان وثلاثين.
وكان مولده سنة حجة الوداع وقيل أنه أحرق بالنار ودفن فى ذلك الموضع؛ فلما كان بعد سنة أتى زمام مولى محمد بن أبى بكر إلى الموضع فحفر عليه فلم يجد سوى الرأس فأخذه ومضى به إلى المسجد المعروف بمسجد زمام فدفنه فيه وبنى عليه المسجد.
ويقال: أن الرأس فى القبلة وبه سمى مسجد زمام. وقيل: لما شق بعض أساس الدار التى كانت لمحمد بن أبى بكر وجد رمّة رأس قد ذهب فكها الأسفل فشاع فى الناس أنها رأس محمد بن أبى بكر الصديق ﵄، فتبادر الناس ونزلوا فى الجدار وموضعه قبلة للمسجد القديم، وحفروا محراب مسجد زمام وطلب الرأس منه فلم يوجد، وحفروا أيضا الزاوية الشرقية من هذا المسجد والمحراب القديم المجاور له والزاوية الغربية من المسجد فلم يجدوا شيئا، وكان هذا الرأس معروفا مشهورا بين كيمان مصر.
وفى أوائل دولة الملك الأشرف برسباى جدد هذا المكان المقر تاج الدين الشوبكى الشامى والى القاهرة، وعمل فيه الأوقات وأمر مشايخ الزوار أن يزوروه.
وهو مكان مبارك مشهور بإجابة الدعاء عند أهل مصر.
واختلف فى كونه صحابيا أولا؛ فمنهم من عده فى الصحابة لأنه ولد فى حجة الوداع ومنهم من لم يعده فيهم.
стр. 1383
وكان محمد كثير العبادة وكنيته: أبو القاسم. والقاسم ولده هو عالم المدينة وأحد الفقهاء السبعة رحمة الله عليهم أجمعين اه.
وسبب قتله ﵁: أنه لما قتل عثمان بن عفان ﵁ فى ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وقد خرج من مصر ستمائة رجل إلى قتله قام شيعته بمصر وعقدوا لمعاوية بن حديج عليهم وبايعوه على الطلب بدم عثمان. فسار بهم إلى الصعيد، فبعث إليه محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بجيش فانهزم، ثم سار معاوية إلى برقة ورجع؛ فبعث إليه ابن أبى حذيفة بجيش آخر فاقتتلوا بخربتا (١) ثم جاء معاوية بن أبى سفيان إلى مصر، فمنعه ابن أبى حذيفة أن يدخلها وأبى أن يسلمه قتلة عثمان؛ فقال معاوية: لا يكون بيننا وبينكم حرب. فخرج إليه ابن أبى حذيفة وعبد الرحمن ابن عديس وكنانة بن بشر وأبو شمر بن أبرهة وغيرهم من قتلة عثمان؛ فلما بلغوا لدّ من بلاد فلسطين سجنهم بها معاوية فهربوا من السجن غير أبى شمر، وتبعهم صاحب فلسطين فقتلهم، فلما بلغ على بن أبى طالب ﵁ قتل ابن أبى حذيفة بعث قيس بن سعد بن عبادة الأنصارى مصر؛ فاستمال الخارجة بخربتا ودفع إليهم عطياتهم ووفدوا عليه فأحسن إليهم - ومصر يومئذ من جيش على ﵁ إلا أهل خربتا الخارجين بها فاجتهد معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص فى إخراج قيس من مصر ليغلبا على أمرها فامتنع عليهم بالدهاء والمكايدة؛ فاحتال معاوية على إخراجه بمكيدة عملها، فقال لأهل الشأم: لا تسبوا قيسا فإنه شيعة لنا ألا ترون ما يفعل بإخوانكم بخربتا يجرى عليهم عطياتهم ويؤمن سربهم ويحسن إليهم!. فسمع جواسيس على بالعراق فأنهاه إليه محمد بن أبى بكر وغيره فاتهم قيسا، فكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا وهم عشرة آلاف فأبى قيس وكتب لعلى: أنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم وقد رضوا منى بأن أومن سربهم، وأجرى عليهم أرزاقهم وقد علمت أن هواهم مع معاوية فلست بكائدهم بأمر أهون على وعليك من الذى أفعل بهم وهم أسود العرب؛ فأبى عليه/ إلا قتالهم فامتنع قيس وكتب إلى على: إن كنت تتهمنى فاعزلنى.
стр. 1384
وقد كتب معاوية إلى بعض بنى أمية بالمدينة: أن جزى الله قيسا خيرا قد كف عن إخواننا الذين قاتلوا فى دم عثمان واكتموا ذلك لئلا يعزله على إن بلغه ذلك، فلما بلغ عليا ذلك قال رؤساء حزبه: تحول قيس. فقال على: ويحكم إنه لم يفعل.
فقالوا: لتعزلنه فإنه بدل. فلم يزالوا به حتى كتب إليه: قد احتجت إليك فأقدم.
فلما قرأ الكتاب قال: هذا من مكر معاوية ولولا الكذب لمكرت به مكرا يدخل عليه بيته. ثم ولى على بدله الأشتر بن مالك فلما قدم القلزم شرب شربة عسل فمات فأخبر على بذلك فقال: لليدين وللفم. وقال عمرو بن العاص: إن لله جنودا من العسل. ثم ولى على ﵁ محمد بن أبى بكر ﵁ على مصر، وجمع له صلاتها وخراجها فدخلها فى نصف رمضان سنة سبع وثلاثين فلقيه قيس بن سعد، فقال له:
لا يمنعنى عزله إياى من نصحى لك، ولقد عزلنى عن غير وهن ولا عجز فاحفظ ما أوصيك به يدم صلاح حالك: دع معاوية بن حديج ومسلمة بن مخلد وبسر بن أرطاة ومن ضوى إليهم: لا تكفهم عن رأيهم فإن أتوك فاقبلهم وإن تخلفوا عنك فلا تطلبهم، وألن جناحك لهذا الحى من مضر وقرب عليهم مكانك وارفع عنهم حجابك، وانظر هذا الحى من مدلج فد عهم وما غلبوا عليه يكفوا عنك شأنهم، وأنزل الناس منازلهم فإن استطعت أن تعود المرضى وتشهد الجنائز فافعل، فإن هذا لا ينقصك إنك والله ما عملت لتظهر الخيلاء وتحب الرياسة والله موفقك.
فعمل محمد بخلاف ما أوصاه به قيس فبعت إلى ابن حديج والخارجة معه يدعوهم إلى بيعته فلم يجيبوه، فبعث إلى دور الخارجة فهدمها ونهب أموالهم وسجن ذراريهم فنصبوا له الحرب، فلما علم أنه لا قوة له بهم أمسك عنهم ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية وأن ينصب لهم جسرا يجوزون عليه ولا يدخلون الفسطاط ففعلوا ولحقوا بمعاوية، فلما أجمع على ومعاوية ﵄ على الحكمين أغفل على أن يشترط على معاوية ألا يقاتل أهل مصر، فلما انصرف على إلى العراق بعث معاوية عمرو بن العاص ﵄ فى جيوش الشأم إلى مصر فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم فيه أهل مصر، ودخل عمرو الفسطاط وتغيب محمد بن أبى بكر فأقبل معاوية بن حديج فى رهط ممن كان يعينه على من كان يمشى فى قتل عثمان ﵁، وطلب محمد بن أبى بكر فدلتهم عليه امرأة، فقال: احفظونى فى أبى بكر، فقال ابن حديج، قتلت ثمانين رجلا من قومى فى عثمان وأتركك وأنت صاحبه!، فقتله ثم جعله فى جيفة حمار وأحرقه بالنار.
стр. 1385
وكانت ولاية محمد بن أبى بكر ﵄ خمسة أشهر ومقتله لأربع عشرة خلت من شهر صفر سنة ثمان وثلاثين ثم وليها عمرو بن العاص من بعده انتهى من خطط المقريزى.
وفى حارة الباطلية عند جامع سودون القصروى المعروف بجامع المدعى ضريح فى خلوة يعرف بضريح محمد بن أبى بكر الصديق ﵄، وعليه تابوت مرقوم فى كسوته اسمه، وله خادم وشباك على الطريق ويزوره كل من مر عليه بقراءة الفاتحة والدعاء عنده.
جامع محمد أبى الدلائل
هو فى بولاق داخل حارة المذبح وهو صغير جدا، وشعائره مقامة وبه خطبة، وبداخله ضريح سيدى محمد المذكور يعمل له حضرة كل ليلة أحد ومولد كل سنة مع مولد السلطان أبى العلاء.
جامع محمد بدر
هو فى بولاق القاهرة بدرب الشيخ فراج به خمسة أعمدة من الرخام وبه ضريح يقال: أنه ضريح سيدى محمد بن بدر، وبجواره ضريح يقال له: ضريح الشيخ أحمد الفقيه يعلوهما معاقبة واحدة عظيمة وبه أيضا ضريح يقال له: ضريح سيدى سعد.
جامع محمد بن صارم
فى المقريزى: أن هذا الجامع بخط بولاق خارج القاهرة. أنشأه محمد بن صارم شيخ بولاق فيما بين بولاق وباب البحر، انتهى.
جامع محمد باشا عزت
هو عند باب قره ميدان تحت القلعة. أنشأه عزت محمد باشا المتولى على مصر سنة إحدى عشرة ومائة وألف بعد ارتحال إسماعيل باشا الوزير، وجعل فيه خطبة كما فى تاريخ الجبرتى، فإنه قال: ومن مآثر محمد باشا عزت تعمير الأربعين الذى بجوار باب تره ميدان، وأنشأ فيه جامعا بخطبة وتكية لفقراء الخلوتية من الأروام وأسكنهم بها.
стр. 1386
وأنشأ تجاهها مطبخا ودار ضيافة للفقراء وفى علوها مطبخا ومكتبا للأطفال يقرءون فيه القرآن ورتب لهم ما يكفيهم، وأنشأ فيما بينهما وبين البستان المعروف بالغورى حماما فسيحة مفروشة بالرخام الملون، وجدد بستان الغورى وغرس فيه الأشجار ورمم قاعة الغورى التى بالبستان، وعمر بجوار المنزل سكن أمير اخور وبنى مصطبة عظيمة برسم الباس القفاطين، انتهى.
ويظهر أن هذا الجامع قد زال الآن وصار محله من ميدان محمد على بالمنشية.
جامع محمد بيك أبى الذهب
هذا الجامع بجوار الأزهر ليس بينهما فاصل إلا الطريق وقليل حوانيت، وهو معلق يصعد إليه بدرج وله ثلاثة أبواب على وجه أحدها/الذى فى حائط القبلة هذان البيتان:
أنشأت يا مولى الأكابر مسجدا … ولواء نصرك فى البرية يسعد
ولك العناية بالسعادة أرخت … حاز الفضائل والكمال محمد
وعلى الباب الثانى: وهو الذى تجاه الطريق الموصل إلى المشهد الحسينى:
أمير اللواء الأكرمين محمد … بمسجده حاز الفضائل والذهب
عليه ضياء للقبول مؤرخ … بسعد لقد دام العزيز أبو الذهب
والثالث: عند الميضأة فى الطريق النافذ إلى الكعكيين، وفى داخل الباب الأول طرقة مستطيلة مفروشة بالحجر توصل إلى مقصورة الجامع وإلى التكية والميضأة.
ولمقصورة الجامع ثلاثة أبواب على أحدها هذان البيتان:
أمير اللوا أنشأت لله مسجدا … عليه بهاء العز جل الذى وهب
لك الفوز فيه بالثواب مؤرخ … لقد حاز ألطاف القبول أبو الذهب
على الثانى:
فريد الآن مسجده تحلى … بما سرّ النواظر والمسامع
لواء النصر شيده فأرخ … مكان محمد للخير جامع
وعلى الثالث: كتابة لم يظهر منها إلا بيت:
فيه لواء النصر لاح مؤرخا … لمحمد خير المساجد يشمل
стр. 1387
وبها ثمانية شبابيك من النحاس ومنبره مشغول بالصدف، وخارج المقصورة من الجهة اليسرى فى نهاية الرحبة مدفن الأمير محمد بيك أبى الذهب عليه مقصورة من النحاس الأصفر، وعلى القبر تركيبة من الرخام عليها نقوش فيها آيات قرآنية، وعلى أحد الشاهدين هذه الأبيات:
هذا مقام عزيز مصر أميرها … عين الأكابر ذى العلا والسودد
أعنى أبا الذهب الذى فى عصره … كانت له الأقطار فى طوع اليد
تجرى على طول المدى صدقاته … بدروس علم أو عمارة مسجد
فسحائب الرحمات يصحبها الرضا … تهمى عليه فى المساء وفى الغد
والحور فى المأوى له قد أرخت … دار الكرامة مسكن لمحمد
وعلى الشاهد الآخر:
يا واقفين بقبرنا … لا تعجبوا من أمرنا
بالأمس كنا مثلكم … وغدا تكونوا مثلنا
وبجواره قبر ابنته عديلة هانم زوجة إبراهيم بيك الألفى، وبجوار ذلك خزانة الكتب.
ثم ان هذا الجامع كان أصل إنشائه برسم مدرسة وهو إلى الآن يدرس فيه كثيرا.
ففى تاريخ الجبرتى من حوادث سنة تسع وثمانين ومائة وألف: أن الأمير محمد بيك أبا الذهب شرع فى آخر سنة سبع وثمانين ومائة وألف فى بناء مدرسته التى تجاه الجامع الأزهر، وكان محلها رباعا متخربة فاشتراها من أربابها وهدمها وأمر ببنائها على هذه الصفة، وهى على مثال جامع السنانية الكائن بشاطئ النيل ببولاق، فرتب لنقل الأتربة وحمل الجير والرماد والطين عدة كبيرة من قطارات البغال، وكذلك الجمال لشيل الأحجار العظيمة كل حجر واحد على جمل، وطحنوا لها الجبس الحلوانى المصيص ورموا أساسها أوائل شهر الحجة ختام السنة المذكورة، ولما تم عقد قبتها العظيمة وما حولها من القباب المعقودة على الأواوين وبيضوها نقشوا داخلها بالألوان والأصباغ، وعملوا لها شبابيك عظيمة كلها من النحاس الأصفر المصنوع، وعمل بظاهرها فسحة مفروشة من الرخام المرمر، وبوسطها حنفية وبدائرها مساكن للصوفية الأتراك، وبداخلها عدة كراسى راحة وكذلك بدورها العلوى، وبأسفل ذلك ميضأة عظيمة تمتلئ بالماء من
стр. 1388
نوفرة بوسطها نصب فى صحن كبير من الرخام المصنوع - نقلوه إليها من بعض الأماكن القديمة، - ويفيض منه فيملأ الميضأة، وحول الميضأة عدة كراسى راحة.
وأنشأ لذلك ساقية فلما حفروها خرج ماؤها حلوا فعد ذلك أيضا من سعده مع أن جميع الآبار والسواقى التى بتلك الخطة ماؤها فى غاية الملوحة. وأنشأ أسفل ذلك صهريجا عظيما يملآ منه الماء ويمتلئ فى كل سنة من ماء النيل.
وأنشأ حوضا عظيما لسقى الدواب وعمل بأعلى الميضأة ثلاثة أماكن برسم جلوس المشايخ الثلاثة المفتين يجلسون بها حصة من النهار/لإفادة الناس بعد إملاء الدروس.
وقرر فيها الشيخ أحمد الدردير مفتى المالكية، والشيخ عبد الرحمن العريشى مفتى الحنفية، والشيخ حسنا الكفراوى مفتى الشافعية.
ولما تم البناء فرشت جميعها بالحصر ومن فوقها البسط الرومى من داخل وخارج حتى فرجات الشبابيك ومساكن الطباق.
ولما استقر جلوس المفتين المذكورين بالأماكن الثلاثة التى أعدت لهم أضرت بهم الرائحة الصاعدة إليهم من المراحيض التى من أسفل فأعلموا الأمير بذلك فأمر بإبطالها وبنوا خلافها بعيدا عنها.
وتقرر فى خطابتها الشيخ أحمد الراشدى، وترتب بها غالب المدرسين بالأزهر مثل الشيخ على الصعيدى والشيخ أحمد الدردير، والشيخ محمد الأمير والشيخ عبد الرحمن العريشى والشيخ حسن الكفراوى، والشيخ أحمد يونس والشيخ أحمد السمنودى والشيخ على الشنويهى، والشيخ عبد الله اللبان والشيخ محمد الحفناوى والشيخ محمد الطحلاوى، والشيخ الجداوى والشيخ أبى الحسن القلعى والشيخ البيلى، والشيخ محمد الحريرى والشيخ منصور المنصورى والشيخ أحمد جاد الله والشيخ محمد المصيلحى. وقرر درسا ليحيى أفندى شيخ الأتراك.
وتقرر السيد عباس إماما راتبا، وفى وظيفة التوقيت الشيخ محمد الصبان، وجعل بها خزانة كتب عظيمة وجعل خازندارها محمد أفندى حافظ وينوب عنه الشيخ محمد الشافعى الجناحى.
ورتب للمدرسين الكبار فى كل يوم مائة وخمسين نصفا فضة، ورتب لمن دونهم خمسين نصفا، ومن الطلبة من رتب له عشرة أنصاف فى كل يوم، ومنهم من له أكثر
стр. 1389
وأقل وبقدر عدد الدراهم أرادب من البر فى كل سنة، ولما انتهى أمرها فى شهر شعبان سنة ثمان وثمانين حضر الأمير المذكور واجتمع المشايخ والطلبة وأرباب الوظائف وصلوا بها الجمعة، وبعد انقضاء الصلاة جلس الشيخ على الصعيدى على الكرسى وأملى حديث:
«من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا فى الجنة» (١)، فلما انقضى ذلك أحضرت الخلع والفراوى فألبس الشيخ عليا الصعيدى والشيخ الراشدى الخطيب والمفتين الثلاثة فراوى سمور، وباقى المدرسين فراوى نافا بيضا، وأنعم على الخدمة والمؤذنين وفرق عليهم الذهب والبقاشيش، وتنافس الفقهاء والأشياخ والطلبة وتحاسدوا وتفاتنوا.
ووقف على ذلك أمانة قويسنا وغيرها ولم يصرف ذلك إلا سنة واحدة، فإنه لما مات تأمر أتباعه وتقاسموا البلاد ومن جملتها أمانة قويسنا فبرد أمر المدرسة وعوضوا عن ذلك الوكالة التى أنشأها على بيك ببولاق لمصرف أجر الخدمة وعليق الأثوار بعد ما أضعفوا المعاليم ونقصوها ووزعوا عليهم ذلك الإيراد القليل.
ولم يزل الحال يتناقص ويضعف حتى بطل التوقيت والأذان، بل والصلاة فى أكثر الأوقات، وخلق فرشها وبسطها وعتقت وبليت وسرق بعضها، وأغلق أحد أبوابها المواجهة للطريق الموصل للمشهد الحسينى، بل أغلقت جميعها شهورا مع كون الأمراء أصحاب الحل والعقد أتباع الواقف ومماليكه لكن لما دخل عليهم الطمع ظهر الخلل فى كل شئ حتى فى نظام دولتهم وإقامة ناموسهم، انتهى.
ترجمة محمد بيك ابى الذهب:
ثم انه قبل ذلك ترجم هذا الأمير فقال: هو الأمير الكبير محمد بيك أبو الذهب تابع على بيك الشهير بالكبير اشتراه أستاذه فى سنة خمس وسبعين فأقام مع أولاد الخزنة اياما قليلة وكان إذ ذاك إسماعيل بيك خازندار، فلما قلد إسماعيل بيك الإمارة قلد الخازندارية مكانه وطلع مع مخدومه إلى الحج، ورجع أوائل سنة ثمان وسبعين وتأمر فى تلك السنة وتقلد الصنجقية، وعرف بأبى الذهب بسبب أنه لما تلبس بالخلعة بالقلعة صار بفرق البقاشيش ذهبا، وفى حال ركوبه ومروره جعل ينثر الذهب على الفقراء الجعيدية حتى دخل منزله فعرف بذلك فإنه لم يتقدم نظيره لغيره ممن تقلد الإمارة، واشتهر عنه هذا اللقب وسمع شهرته بذلك فكان لا يضع فى جيبه إلا الذهب ولا يعطى إلا الذهب
стр. 1390
ويقول: أنا أبو الذهب فلا أمسك إلا الذهب.
وعظم شأنه فى زمن قليل ونوّه مخدومه بذكره وعيّنه فى المهمات الكبيرة.
وكان سعيد الحركات مؤيد العزمات لم يعهد عليه الخذلان قط، واستكثر من شراء المماليك والعبيد حتى اجتمع عنده فى الزمن القليل ما لا يتفق لغيره فى الزمن الكثير وتقلدوا المناصب والأمريات؛ فلما تمهدت البلاد بسعده المقرون بيأس أستاذه ثم خالفوا عليه ضم المتشردين وغمرهم بالإحسان، واستمال براقى أركان الدولة واستلانوا جانبه فجنحوا إليه وأحبوه وأعانوه وتعصبوا له وقاتلوا بين يديه حتى أزاحوا على بيك وخرج هاربا من مصر إلى الشام، واستقر المترجم بمصر وساس الأمور وقلد المناصب وجبى الأموال والغلال وأرسلها إلى الدولة، وأظهر الطاعة وقلد مملوكه إبراهيم بيك إمارة الحاج وصرف العلائف وعوائد العربان، وأرسل الغلال والصرر للحرمين وتحرك على بيك للرجوع إلى مصر وجيش الجيوش، فلم يهتم المترجم لذلك وكاد له كيدا بأن جمع القرانصة والذى يظن فيهم النفاق، وأسر إليهم أن يراسلوا على بيك/ويستعجلوه فى الحضور وينمقوا مساوى للمترجم ويعدوه بنصرته متى حضر. ففعلوا ذلك فراج عليه واعتقد صحته وأرسل إليهم بالجوابات وأعادوا الرسالة لذلك باطلاع مخدومهم وإشارته، فقوى عزم على بيك على الحضور وأقبل بجنوده إلى الديار المصرية؛ فخرج إليه ولاقاه بالصلاحية وأحضره أسيرا حتى مات بعد أيام قليلة وانقضى أمره، وارتاح المترجم من قبله وجمع باقى الأمراء المطرودين وأكرمهم واستوزرهم وقلدهم المناصب ورد إليهم بلادهم وعوائدهم واستعبدهم بالإحسان والعطايا؛ فثبتت دولته وارتاحت النواحى من الشرور والتجاريد وهابته العربان وأمنت السبيل وسلكت الطرق، ووصلت المجلوبات من الجهات للتجارات وحضر والى مصر خليل باشا وطلع إلى القلعة، وحضرت للمترجم المرسومات والخطابات من الدولة وسيف وخلعة، فلبس ذلك فى الديوان ونزل فى أبهة عظيمة وانفرد بإمارة مصر، وأهمل أمر أتباع أستاذه على بيك فأقام أكثرهم بمصر بطالا، وحضر إلى مصر مصطفى باشا النابلسى من أولاد العضم والتجأ إليه فأكرم نزله ورتب له الرواتب وكاتب الدولة وطلب له ولاية مصر فأجيب إلى ذلك، ووصلت إليه التقاليد والتقادم فى ربيع الثانى سنة تمان وثمانين، ووجه خليل باشا إلى ولاية جدة وسافر من القلزم.
ثم قال: وبالجملة فإن المترجم كان آخر من أدركنا من المصريين شهامة وصرامة وسعدا وحزما وحكما وسماحة وحلما، وكان قريبا للخير يحب العلماء والصلحاء ويميل
стр. 1391
بطبعه إليهم ويعظمهم وينصت لكلامهم ويعطيهم العطايا الجزيلة، ويكره المخالفين للدين ولم يشتهر عنه شئ من الموبقات والمحرمات ولا ما يشينه فى دينه أو يخل بمروءته، بهى الطلعة جميل الصورة أبيض اللون معتدل القامة والبدن مسترسل اللحية مهيب الشكل وقورا محتشما، قليل الكلام والالتفات ليس بمهزار ولا خوار ولا عجول، مبجلا فى ركوبه وجلوسه يباشر الأحكام بنفسه، ولولا ما فعله آخرا من قتل أهل يافا بإشارة وزرائه لكانت حسناته أكثر من سيئاته، وذلك أنه توجه إلى البلاد الشامية بقصد محاربة الظاهر عمر واستخلاص ما بيده من البلاد فبرز خيامه إلى العادلية وفرق الأموال والتراحيل على الأمراء والعساكر والمماليك، واستعد لذلك استعدادا عظيما فى البر والبحر وأنزل بالمراكب الذخيرة والجبخانة والمدافع والقنابر، وسافر بجموعه وجيوشه فى أوائل المحرم من سنة تسع وثمانين، وأخذ صحبته مراد بيك وابراهيم بيك طنان وإسماعيل بيك تابع إسماعيل بيك الكبير، وترك بمصر إبراهيم بيك وباقى الأمراء والباشا الذى بالقلعة وهو مصطفى باشا النابلسى وأرباب العكاكيز والخدم والوجاقية.
ولما وصل إلى جهة غزة ارتجت البلاد لوروده ولم يقف أحد فى وجهه وتحصن أهل يافا بها وكذلك الظاهر عمر بعكا، فلما وصل إلى يافا حاصرها وضايق أهلها فامتنعوا عليه وحاربوه من داخل وحاربهم من خارج ورمى عليهم بالمدافع والمكاحل والقنابر عدة أيام وليال؛ فكانوا يصعدون إلى أعلى السور ويسبون المصريين وأميرهم سبا قبيحا، ولم يزالوا بالحرب عليها حتى نقبوا أسوارها وهجموا عليها من كل ناحية وملكوها عنوة ونهبوها وقبضوا على أهلها وربطوهم فى الحبال والجنازير وسبوا النساء والصبيان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ثم جمعوا الأسرى خارج البلد ودوروا فيهم السيف فقتلوهم عن آخرهم، ولم يميزوا بين الشريف والنصرانى والعالم والجاهل ولا بين الظالم والمظلوم وبنوا من رؤوس القتلى عدة صوامع وجعلوا وجوهها بارزة تنسف عليها الأتربة والرياح والزوابع.
ثم ارتحل عنها طالبا عكا فلما بلغ الظاهر عمر ما وقع بيافا اشتد خوفه وخرج من عكا هاربا وتركها وحصونها؛ فوصل إليها المترجم ودخلها من غير مانع وأذعنت له باقى البلاد ودخلوا تحت طاعته وخافوا سطوته وداخله من السرور والفرح ما لا مزيد عليه، وأرسل البشائر إلى مصر وأمر بزينتها فنودى بذلك وزينت مصر وبولاق والقاهرة وخارجها زينة عظيمة، وعمل بها وقدات وشنكات وأفراح ثلاثة أيام بلياليها، وذلك فى أوائل شهر ربيع الثانى، وعند انقضاء ذلك ورد الخبر بموته واستمر يفشو ويزيد
стр. 1392
حتى وردت السعاة بتصحيح ذلك وشاع بين الناس وصاروا يتعجبون ويتلون قوله تعالى: ﴿(حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ)﴾ (١). وذلك أنه لما تم له الأمر وملك البلاد المصرية والشامية وأذعن الجميع لطاعته أرسل إسماعيل أغا أخا على بيك الغزاوى إلى اسلامبول يطلب أمر مصر والشام، وأرسل صحبته أموالا وهدايا فأجيب إلى ذلك وأعطوه التقاليد والخلع واليرق والداقم؛ فأرسل له يبشره بتمام الأمر فوافاه ذلك يوم دخول عكا فامتلأ فرحا وحم بدنه فى الحال فأقام محموما ثلاثة أيام ومات ليلة الأربعاء ثامن ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائة وألف وأخفوا موته على بعضهم، ثم ظهر ذلك وارتبك العرضى وجردوا على/بعضهم السلاح بسبب الأموال؛ فحضر مراد بيك وصدهم وكفهم عن بعضهم وجمع كبراءهم وتشاوروا فى أمرهم؛ فاتفق رأيهم على الرحيل وأخذوا رمة سيدهم صحبتهم فعند ذلك غسلوه وكفنوه ولفوه فى المشمعات ووضعوه فى عربة وارتحلوا طالبين الديار المصرية؛ فوصلوا فى ستة عشر يوما ليلة الرابع والعشرين من شهر ربيع الثانى أواخر النهار وأرادوا دفنه بالقرافة؛ فحضر الشيخ على الصعيدى وأشار بدفنه فى مدرسته تجاه الجامع الأزهر فحفروا له قبرا فى الإيوان الصغير الشرقى وبنوه ليلا، ولما أصبح النهار عملوا له مشهدا وخرجوا بجنازته من بيته الذى بقوصون، ومشى أمامه المشايخ والعلماء والأمراء وجميع الأحزاب والأوراد وأولاد المكاتب وأمام نعشه مجامر العنبر والعود حتى وصلو به إلى مدفنه، وعملوا عنده عدة ختمات وقراآت وصدقات نحو الأربعين يوما، انتهى؛ فسبحان مالك الممالك الحى الذى لا يموت.
وقفية محمد بيك أبى الذهب:
وفى كتاب وقفيته المؤرخ بثمانية من شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف: أنه وقف ذلك المسجد والتكية والصهريج والحوض بخط الأزهر، ووقف فى أسفل المسجد ثلاثة وثلاثين حانوتا وتسع خزائن فوقها تسعة مقاعد، وفى خان الزركشية سبعة عشر حاصلا وعشر طباق وفى ربع ذلك الخان ثلاثة بيوت، وبجوار باب الخان حانوتا وحانوتا بجوار وكالة قايتباى وعمارة ببولاق على شط البحر بظاهر وكالة الخرنوب تعرف بعمارة على بك أمير اللواء تشتمل على قيسارية بداخلها من الصفين حوانيت وخزائن، وبخارجها حوانيت وقهاو ووكالة فيها ثلاثة وعشرون حاصلا وفوقها ثمانية وعشرون مسكنا.
стр. 1393
ووقف أراضى كثيرة صالحة للزرع فى نواح متعدد منها بولاية الغربية ناحية قويسنا وشرانيس وكفر الأقرع ودملو وكفر السعديين وعرب الرمل ومنية الحوفيين وجزيرة منية الحوفيين وناحية بجيرم وناحية الرمال. ومنها بولاية جرجا ناحية بلسفورة وبندار الكرمانية وجزيرة بندار، وناحية الصلعا وجزيرة جوبلى والبقلى والرمال بناحية بندار الكرمانية.
ووظف وظائف بمرتبات جسيمة فجعل بالمدرسة ستة عشر مدرسا منهم ثلاثة من شيوخ الحنفية. لأولهم فى اليوم مائة وخمسون نصفا وفى السنة مائة وخمسون أردبا، ولمقرئه فى اليوم أربعة عشر نصفا وفى السنة عشرة أرادب، ولعشوة من الطلبة يحضرون درسه فى اليوم سبعون نصفا وفى السنة مائة أردب. ولثانى الشيوخ فى اليوم سبعون نصفا وفى السنة ثلاثون أردبا ولمقرئه فى اليوم عشرة أنصاف وفى السنة عشرة أرادب، ولعشرين طالبا يحضرون درسه فى اليوم مائة وأربعون نصفا وفى السنة مائتا أردب. ولثالثهم فى اليوم خمسون نصفا وفى السنة ثلاثون أردبا، ولمقرئه فى اليوم أربعة عشر نصفا وفى السنة عشرة أرادب، ولسبعة من الطلبة يحضرون درسه فى اليوم تسعة وأربعون نصفا.
ومنهم ستة من شيوخ المالكية. لأولهم مقرئان واثنان وعشرون طالبا ومرتباتهم كمرتبات أول الحنفية وطلبته. ولثانيهم مقرئان أيضا وثمانية وعشرون طالبا ومرتبه مع المقرئين كالأول ولطلبته فى اليوم مائة وستة وعشرون نصفا وفى السنة مائة وثمانون أردبا. ولثالثهم خمسون نصفا وثلاثون أردبا وله مقرئ وسبعة من الطلبة مرتبهم بحسب ما قبله وكذلك الرابع. ولخامسهم عشرون نصفا وثلاثون أردبا ومقرؤه كما قبله وله أربعة من الطلبة مرتبهم كما سبق. والسادس كالخامس إلا أن طلبته خمسة.
ومنهم سبعة من شيوخ الشافعية لأولهم مقرئ وعشرة من الطلبة مرتباتهم كمرتبات أول المالكية مع طلبته. ولكل من: ثانيهم وثالثهم ورابعهم وخامسهم خمسون نصفا يوميا وخمسون أردبا شهريا ومقرئ كل وطلبته كما قبله. وللسادس فى اليوم ثلاثون نصفا وفى السنة ثلاثون أردبا وله مقرئ وسبعة من الطلبة مرتبهم كما سبق. وللسابع عشرون نصفا وثلاثون أردبا ولمقرئه وسبعة من طلبته مثل ما مر ويفتى ويدرس كل منهم فى مذهبه وفيما يشاء من تفسير وحديث وغيره. ولشيخ التكية فى اليوم خمسون نصفا وفى السنة خمسون أردبا. ولكل واحد من ثلاثة وخمسين طالبا من الأتراك المقيمين بالتكية فى اليوم عشرة أنصاف وفى السنة عشرة أرادب، ولكل من قارئ
стр. 1394
فضائل رمضان وفضائل ليلة نصف شعبان وفضائل ليلة القدر وفضائل المولد النبوى وقصة المعراج فى اليوم ثلاثة أنصاف وفى السنة عشرة أرادب. ولاثنين يقرءان بالقراآت السبع فى اليوم عشرون نصفا وفى السنة عشرون أردبا. ولخمسة عشر يقرءون فى المسجد خمسة عشر جزءا فى اليوم خمسة وسبعون نصفا وفى السنة مثلها أرادب ومثلهم خمسة عشر يقرءون الربعة كل يوم. ولعشرة من الصالحين يقرءون سورة الإخلاص فى اليوم ألفى مرة لكل واحد خمسة عشر نصفا فى اليوم وخمسة أرادب فى السنة.
/وللإمام خمسون نصفا وخمسون أردبا وللخطيب كذلك، وللمرقى فى اليوم نصف واحد وفى السنة خمسة أرادب. ولقارئ سورة الكهف يوم الجمعة كل يوم خمسة أنصاف وفى السنة خمسة أرادب. وللمبخر كل يوم ثمانية أنصاف وثلث نصف، ولخمسة مؤذنين فى اليوم خمسون نصفا وفى السنة خمسون أردبا، وللميقاتى خمسة عشر نصفا وثلاثون أردبا ولخازن الكتب ستون نصفا وستون أردبا ولثلاثة بوابين فى اليوم أربعة وعشرون نصفا ولثلاثة كناسين فى اليوم ثلاثون نصفا ولاثنين يخدمان المطهرة فى اليوم أربعة عشر نصفا وفى السنة عشرة أرادب. ولأربعة وقادين فى اليوم أربعون نصفا وفى السنة أربعون أردبا ولبواب الميضأة فى اليوم عشرة أنصاف، ولثلاثة مزملاتية فى اليوم خمسة عشر نصفا ومثلها فى السنة أردبا، ولخادم المزيرة بالتكية فى اليوم عشرة أنصاف ولاثنين سقاءين فى اليوم عشرون نصفا، ولخادم حوض الدواب فى اليوم عشرة أنصاف، ولثلاثة سواقين بالساقية فى اليوم اثنا عشر نصفا وفى السنة عشرة أرادب ولنجار الساقية فى اليوم نصف نصف وفى السنة أربعة أرادب.
ويصرف فى مهمات المسجد والتكية والساقية والصهريج كل سنة مائة ألف وأربعة وستون ألفا وخمسمائة نصف، وبرسم عليق أثوار الساقية الأربعة فى السنة ثلاثون أردبا من الفول، ولشراء اثنين وأربعين قنطارا من الزيت الطيب للاستصباح فى المسجد والتكية والمنارة والمطهرة فى السنة اثنان وأربعون ألف نصف فضة، وفى ثمن شمع اسكندرانى لمحراب المسجد فى رمضان أربعة آلاف نصف، وفى ثمن حصر فى السنة أحد عشر ألف نصف وفى ثمن زجاج وسلاسل وحبال وتوابيت ستة آلاف نصف، وفى ثمن مكانس وزحاحيف ومزاريق ألف وخمسمائة نصف، وفى ثمن ماء عذب للصهريج فى السنة ثلاثون ألف نصف، وفى أجرة نزح الصهريج وبخوره وثمن سلاب ودلاء وقلل فى السنة ثمانمائة نصف، وفى ثمن قرب شعارى ودلاء للرش ونحوه فى السنة ألف وخمسمائة نصف، وفى ثمن طوانس وقواديس وحلفاء وكلالات ودهن للساقة
стр. 1395
ألفان وثمانمائة نصف، وفى أجرة جرش الفول عليق الأثوار ستمائة نصف، وفى ثمن تبن تسعة آلاف وستمائة نصف ولربيع الأثوار سبعة آلاف ومائتا نصف وفى أجرة كسح المسجد خمسة آلاف نصف، وفى أجرة مراكب لنقل غلال الوقف ومصاريفها ببولاق أربعة وثلاثون ألف نصف، وفى ثمن عجول جاموس تذبح فى عيد الأضحى وتفرق على الفقراء والمساكين سبعة آلاف وخمسمائة نصف.
ولناظر الوقف فى السنة مائة وخمسة وعشرون ألف نصف فضة وخمسمائة أردب قمحا، وللمباشر سبعة آلاف ومائتا نصف فى السنة وخمسون أردبا، وللجابى ثلاثة آلاف نصف وعشرة أرادب ولشاد الوقف كذلك. وما فضل من الريع بعد ذلك فهو للواقف وأولاده ومن بعده لعتقائه وأولادهم، فإذا انقرضوا كان الثلثان لعميان الأزهر والثلث لناظر الوقف فإن تعذر ذلك فللفقراء والمساكين.
وقد أذن للموظفين بسفر الحج إلى بيت الله الحرام وبغياب ثلاثين يوما لزيارة سيدى أحمد البدوى ﵁ وصلة الرحم.
وقد جعل فى خزانة كتبه نحو ستمائة وخمسين كتابا منها جملة وافرة من كتب التفسير ككتاب الفخر الرازى والكشاف والدر المنثور والبحر والبيضاوى والجلالين وحواشيه وأبى السعود وغير ذلك.
وجملة من كتب الحديث كالسنن الستة وشروحها والشفاء والجمع بين الصحيحين والمواهب اللدنية وغير ذلك.
وجملة من كتب القراآت. وجملة من كتب التصوف وفقه المذاهب الأربعة، وكتب النحو والمعانى والبيان والصرف واللغة والمنطق والتوحيد والفرائض والتواريخ، وغير ذلك.
وشرط فى وقفيته: أنه إذا ضاع شئ من كتب الوقف يلزم خازن الكتب تعويضه.
وأما أموال الديوان التى على الأطيان فتصرف من الفائض، انتهى.
***
стр. 1396
جامع محمد بك المبدول
كان هذا الجامع بداخل حارة الزير المعلق بجوار سراى عابدين.
أنشأه الأمير محمد بك المبدول فى سنة اثنتى عشرة ومائتين وألف، وكان به قبر منشئه عليه تركيبة من الرخام مكتوب عليها: هذا قبر محمد بك أمير اللواء وتاريخ وفاته وهو سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف، وكان على يسار قبلته لوح رخام منقوش عليه: ﴿(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)﴾ (١) ﴿(كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ)﴾ (٢) أنشأ هذا المسجد أمير اللواء محمد بك أمير الحاج سابقا غفر الله له وللمسلمين فى سنة اثنتى عشرة ومائتين وألف.
وله أوقاف تحت نظر الديوان وقد أزيل هذا الجامع الآن بسبب ما حدث من الشوارع والتنظيم الجديد، وعمل بجوار جامع الخلوتى مدفن نقلت إليه جثة محمد بك المذكور وجثة الشيخ البرمونى صاحب جامع البرمونى والشيخ الكريدى صاحب جامع الكريدى وغيرهم ممن أخذت مساجدهم فى الشوارع والتنظيمات/التى بحارة عابدين.
ولما بناه ذلك الأمير وقف عليه أوقافا سجلت فى سجل القاضى وقد أخذت صورة ذلك وحفظت فى ديوان الأوقاف.
وحاصل ما فيها أن أمير اللواء محمد بيك الأزبكاوى أمير الحاج سابقا ابن عبد الله معتوق أمير اللواء حسن بك حاكم ولاية جرجا وقف جميع المسجد والساقية بحارة عابدين داخل الدرب الجديد وما به من الصهريج والمكتب وجميع المكان الكبير بجوار المسجد وأماكن أخر. وحماما بحارة عابدين.
وجعل النظر من بعده وبعد أولاده وعتقائه لشيخ الجامع الأزهر؛ فإن تعذر المصرف فللفقراء، ولكن تاريخ تلك الحجة ما انتهى إلينا هو سنة أربعين بعد المائتين والألف فلعل هذا التاريخ محرف.
стр. 1397
جامع الشيخ محمد الدواخلى
هذا الجامع فى كفر الطماعين عن يمين السالك منه إلى قصر الشوك بحارة عطفة الدواخلى به منبر لخطبة الجمعة والعيدين، وشعائره مقامة ومنافعه تامة إلا أنه لا مئذنة له.
قال الجبرتى: أنشأه السيد محمد بن أحمد بن محمد المعروف بالدواخلى الشافعى تجاه دار سكنه القديمة بكفر الطماعين، وجعل فيه منبرا وخطبة وكان قد اشتهر ذكره خصوصا أيام الفرنساوية وانتفع انتفاعا عظيما.
ثم صادمه الدهر بالنكبات فمات ولده أحمد ولم يكن له سواه فحزن عليه حزنا شديدا ودفنه بمسجده المذكور وعمل عليه مقاما ومقصورة، ثم أخرج منفيا إلى دسوق فأقام بها شهرا ثم نقل إلى المحلة الكبرى بشفاعة المحروقى فأقام بها إلى أن مات ودفن بها سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، انتهى.
وقد ترجمناه فى الكلام على بلدته محلة الدواخلى وإلى الآن مقصورته موجودة بها.
جامع محمد السعيد
هذا الجامع بميدان القطن وهو مقام الشعائر كامل المنافع، وبصحنه شجرتان ونخلتان وبه صهريج له خرزة من الرخام يملأ كل سنة وهو تحت نظر ديوان الأوقاف.
جامع محمد ميالة
هو بباب الشعرية كان متخربا فجدده محمد الكواء، وبه أربعة أعمدة من الآجر وله منبر وخطبة وشعائره مقامة، وبه ضريح يقال له: ضريح الشيخ محمد ميالة وله أوقاف.
جامع المحمدى
هذا الجامع بشارع الصليبة بالقرب من جامع شيخو تجاه منزل الأمير عبد اللطيف باشا له باب على الشارع يصعد إليه بسلالم، وآخر صغير من داخل درب السماكين يوصل إلى الميضأة والكراسى، وكان قد وهى فجدده حضرة الأمير عبد اللطيف باشا فى سنة
стр. 1398
سبع وثمائنين ومائتين وألف على ما هو عليه، وهو مسقوف على غير أعمدة، وبه طارتان من الحجر متقابلتان وبه منبر من الخشب وخطبة وعلى مطهرته مساكن للإمام والخدمة، وبه ضريح الأستاذ المحمدى عليه قبة مرتفعة بداخلها محراب يكتنفه عمودا رخام بجوار كل عمود لوح رخام على هيئة قبلة وبه نقوش عجيبة، ومكتوب بأعلى أحدهما: ﴿(أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)﴾ (١)، وبأعلى الثانى: ﴿(إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)﴾ (٢) الآية، وبدائر القبة من الخارج كتابة وكذا دائر المئذنة، ويتبعه سبيل له شباك على الشارع، وله بالروزنامجة خمسة وأربعون قرشا كل شهر، وله منزل موقوف عليه وشعائره مقامه من ذلك ومن طرف الأمير المذكور، ويعمل به مولد كل سنة للشيخ المحمدى.
جامع محمود
هو بسفح الجبل المقطم فى القرافة الصغرى وهو من مساجد الخطبة ينسب لمحمود ابن سالم بن مالك الطويل من أجناد السرى بن الحكم أمير مصر بعد سنة مائتين من الهجرة ويقال: أن السرى ركب يوما فعارضه رجل فى طريقه ووعظه بما غاظه. فالتفت فرأى محمودا فأمره بضرب عنقه ففعل، ثم ندم على ذلك وكثر أسفه وبكاؤه وتاب وحسنت توبته، وخرج من الجندية وأقبل على العبادة واتخذ هذا المسجد وأقام فيه وتوفى سنة خمس وخمسين وستمائة.
وكان أيضا نقيب الأشراف اهـ من المقريزى باختصار. وهو الآن غير موجود.
جامع محمود الكردى
هو فى آخر قصبة رضوان وفى أول الخيمية تجاه البيت الكبير المتخرب المعروف ببيت خليل باشا بين عطفة زقاق المسك وجامع أينال على يسرة السالك من باب زويلة إلى الصليبة، وهو اليوم مقام الشعائر تام المنافع وبه خطبة وله منارة.
وهذا الجامع هو المدرسة المحمودية التى ذكرها المقريزى بقوله: المدرسة المحمودية بخط الموازنيين خارج باب زويلة تجاه دار القردمية يشبه أن موضعها كان فى القديم
стр. 1399
من جملة الحارة التى كانت تعرف بالمنصورية. أنشأها الأمير جمال الدين محمود بن على الاستادار فى سنة سبع وتسعين وسبعمائة، ورتب بها درسا وعمل فيها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر ولا الشام مثلها وهى باقية إلى اليوم لا يخرج لأحد منها كتاب إلا أن يكون فى المدرسة، وبهذه الخزانة كتب الإسلام من كل فن وهذه المدرسة من أحسن مدارس مصر.
ترجمة محمود بن على الاستادار:
محمود بن على بن أصفر عينه الأمير جمال الدين الاستادار ولى شد باب رشيد بالاسكندرية مدة، وكانت واقعة الفرنج بها فى سنة سبع وستين وسبعمائة وهو مشد؛ فيقال:
أن ماله الذى وجد له حصله يومئذ ثم أنه سار إلى القاهرة/فلما كانت أيام الظاهر برقوق خدم استادارا عند الأمير سودون باق، ثم استقر شاد الدواوين إلى أن مات الأمير بهادر المنجكى استادار السلطان فاستقر عوضا عنه، ثم خلع عليه واستقر مشير الدولة فصار يتحدث فى دواوين السلطنة الثلاثة: المفرد والخاص وديوان الوزارة. ونفذت كلمته فى سائر المملكة.
فلما زالت دولة الظاهر برقوق بحضور الأمير يلبغا الناصرى نائب حلب بعساكر الشام إلى القاهرة واختفى الظاهر ثم أمسكه هرب هو وولده فنهبت دوره، ثم انه ظهر من الاستتار وقدم للأمير يلبغا الناصرى مالا كثيرا فقبض عليه وقيده وسجنه بقلعة الجبل وأقيم بدله فى الاستادارية الأمير علاء الدين آقبغا الجوهرى، فلما زالت دولة يلبغا الناصرى بقيام الأمير منطاش عليه قبض على آقبغا الجوهرى فيمن قبض عليه من الأمراء وأفرج عن الأمير محمود وألبسه قباء مطرزا بذهب وأنزله إلى داره ثم قبض عليه وسجن بخزانة الخاص؛ فكانت جملة ما حمله للأمير يلبغا الناصرى وللأمير منطاش ثمانية وخمسين قنطارا من الذهب المصرى، ولما عاد الظاهر برقوق إلى المملكة خلع عليه واستقر استادارا، ولم يزل فى تولية وخلع ومصادرة إلى أن مات سنة تسع وتسعين وسبعمائة ودفن بمدرسته وقد أناف عن الستين.
وكان كثير الصلاة والعبادة مواظبا على قيام الليل إلا أنه كان شحيحا مسيكا شرها فى الأموال، وأكثر من ضرب الفلوس بديار مصر حتى فسد بكثرتها حال إقليم مصر، وكان جملة ما حمل من ماله بعد نكبته مائة قنطار ذهبا وأربعين قنطارا عنها ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار عينا وألف ألف درهم فضة، وأخذ له من البضائع والغلال والقنود (١) والأعسال ما قيمته ألف ألف درهم وأكثر اهـ باختصار.
стр. 1400
جامع محمود محرم
هو بدرب المسمط على يسرة السالك من رأس شارع رحبة العيد المشهور بشارع حبس الرحبة طالبا المشهد الحسينى.
كان إنشاؤه سنة ست وأربعين وتسعمائة كما هو منقوش على عمود فيه من رخام.
ثم جدده الخواجا الحاج محمود محرم سنة سبع ومائتين وألف كما هو مكتوب على بابه، ووقف عليه أوقافا وشعائره مقامة منها، وبه منبر وخطبة وبه خزانة كتب عليها قيم يتعهدها ويغير منها للطالبين.
ترجمة محمود محرم:
وفى تاريخ الجبرتى من حوادث سنة ثمان ومائتين وألف.
إن محمود محرم: هو الخواجا المعظم والملاذ المفخم سيدى الحاج محمود بن محرم أصل والده من الفيوم واستوطن مصر وتعاطى التجارة وسافر إلى الحجاز مرارا واتسعت دنياه، وولد له الحاج محمود المذكور وتربى فى العز والرفاهية.
ولما ترعرع وبلغ رشده خالط الناس وشارك وأخذ وأعطى وظهرت نجابته وسعادته حتى كان إذا أمسك التراب صار ذهبا فسلم له والده قياد الأمور، فشاع خبره بالديار المصرية والحجازية والشامية والرومية، وعرف بالصدق والأمانة والنصح، وأذعنت له الشركاء والوكلاء وأحبه الأمراء وتداخل فيهم بعقل وحشمة وحسن سير وفطانة ومداراة وتؤدة وسياسة وأدب وحسن تخلص فى الأمور الجسيمة، وعمر داره وزخرفها وجعل لها قاعة عظيمة وحولها بستان بديع، وزوج ابنه سيدى أحمد، وعمل له مهما دعا إليه إلأكابر وتفاخر فيه إلى الغاية، وعمر المسجد بجوار بيته قريبا من حبس الرحبة فجاء فى غاية الإتقان والبهجة، ووقف عليه جهات ورتب فيه وظائف تدريس.
وكان وقورا محتشما جميل الطباع مليح الأوضاع ظاهر العفاف كامل الأوصاف، حج من القلزم ورجع فى البر فى أحمال مجملة، وهيئة زائدة مكملة، فمات فى هذه السنة فى الطريق ودفن بالخيوف ﵀.
стр. 1401
وللشيخ مصطفى الصاوى فيه مدائح عديدة منها قصيدة فى التهنئة بالفرح أولها:
بشرى بأفراح المنى والمنن … لاحت علينا بالسرور الحسن
ومعاهد الأكوان فاحت بالشذا … مسكا وطيبا فى العلا والسكن
انتهى.
وفى هذا المسجد ضريح يقال أنه ضريح الشيخ إبراهيم البقاعى المفسر.
جامع المخفى
هو بدير النحاس بين فم الخليج ومصر القديمة بجوار البرودخانات، ويعرف أيضا بجامع جقمق وهو قائم على ستة وثلاثين عمودا بعضها من الزلط وبعضها من الرخام وبوسطه ثلاث نخلات، وله ميضأة وبئر ومنارة بدورين. وبناؤه قديم جدا، وبجواره منازل موقوفة عليه من طرف بشير أغا ونظره لديوان الأوقاف، وبه ضريح الشيخ محمد المخفى ظاهر يزار، ويعمل له مولد كل سنة وحضرة كل ليلة سبت.
جامع مدين
هذا الجامع فى خط باب الشعرية بداخل حارة مدين قائم على أربعة أعمدة من الرخام وبأرضه فرش من الرخام الملون، ومنافعه كاملة وشعائره مقامة ولمطهرته ساقية ويتبعه بجواره صهريج له شباك حديد وأوقافه تحت نظر السيد عبد الخالق السادات. وبه ضريح سيدى مدين ويعمل له مولد كل سنة وهو المترجم فى طبقات سيدى عبد الوهاب الشعرانى حيث قال فيها:
ترجمة سيدى مدين:
ومنهم/الشيخ مدين بن أحمد الأشمونى ﵁ أحد أصحاب سيدى الشيخ أحمد الزاهد ﵁ كان من أكابر العارفين وانتهت إليه تربية المريدين فى مصر وقراها، وتفرعت عنه السلسلة المتعلقة بطريقة أبى القاسم الجنيد ﵁.
قالوا: وكان رضاعه على يد سيدى أحمد الزاهد وفطامه على يد سيدى الشيخ محمد الحنفى، فإنه لما توفى سيدى أحمد الزاهد جاء سيدى مدين إلى سيدى محمد
стр. 1402
الحنفى وصحبه وأقام عنده مدة فى زاويته مختليا فى خلوة، ثم انه طلب من سيدى محمد إذنا بالسفر إلى زيارة الصالحين بالشام وغيره؛ فأعطاه الشيخ إذنا فأقام مدة طويلة سائحا فى الأرض لزيارة الصالحين، ثم رجع إلى مصر فأقام بها واشتهر وشاع أمره وانتشر وقصده الناس واعتقدوه وأخذوا عليه العهود وكثرت أصحابه فى إقليم مصر وغيرها.
ولما بلغ أمره سيدى الشيخ أبا العباس السرسى خليفة سيدى محمد الحنفى قال:
لا إله إلا الله ظهر مدين بعد هذه المدة الطويلة، والله لقد أقام عند سيدى فى هذه الزاوية نحو الأربعين يوما حتى كمل.
وهو من ذرية سيدى أبى مدين المغربى التلمسانى ﵁ وجده الأدنى على المدفون بطبلية بالمنوفية ووالده مدفون فى أشمون جريس وكلهم أولياء صالحون، وأول من جاء من بلاد المغرب جده الذى فى طبلية؛ فدخلها وهو مغربى فقير لا يملك شيئا فجاء جوع شديد فمر به إنسان يقود بقرة حلابة، فقال له: احلب لى شيئا من اللبن أشربه فقال: انه ثور. فصارت فى الحال ثورا ولم تزل ثورا إلى أن ماتت، ووقع له كرامات كثيرة فلم يمكنوه أن يخرج من بلدهم طبلية حتى مات.
وأما والد سيدى مدين رحمه الله تعالى فانتقل إلى أشمون فولد له سيدى مدين فاشتغل بالعلم حتى صار يفتى الناس، واستسلم من أشمون عدّة بيوت من النصارى منهم: أولاد إسحاق ومنهم الصديرية والمقامعة والمساعية، وهم مشهورون فى بلد أشمون.
ثم تحرك فى خاطره طلب الطريق إلى الله تعالى واقتفاء آثار القوم فقالوا له:
لا بد لك من شيخ. فخرج إلى مصر فوافق سيدى محمدا الغمرى حين جاء إلى القاهرة يطلب الآخر ما يطلب سيدى مدين، فسألوا عن أحد يأخذون عنه من مشايخ مصر فدلوهما على سيدى محمد الحنفى فهما بين القصرين وإذا بشخص من أرباب الأحوال قال لهما: ارجعا ليس لكما نصيب الآن عند الأبواب الكبار ارجعا إلى الزاهد. فرجعا إليه فلما دخلا تنكر عليهما زمانا ثم لقنهما وأخلاهما ففتح على سيدى مدين ﵁ فى ثلاثة أيام. وأما سيدى محمد الغمرى فأبطأ فتحه نحو خمس عشرة سنة
وكان سيدى مدين إذا رأى فقيرا لا يحضر مجلس الذكر يخرجه ولا يدعه يقيم عنده، وخرج فقير يوما من الزاوية فرأى جرة خمر مع إنسان فكسرها؛ فبلغ الشيخ رضى الله
стр. 1403
عنه ذلك فأخرجه من الزاوية وقال: ما أخرجته لأجل إزالة المنكر وإنما هو لإطلاق بصره رأى المنكر والفقير لا يجاوز بصره موضع قدميه.
وكان الشيخ عبادة أحد أعيان السادة المالكية ينكر على سيدى مدين ﵁، ويقول: إيش هذه الطريق التى يزعم هؤلاء نحن لا نعرف إلا الشرع. فلما انقلب بعض أصحاب الشيخ عبادة إلى سيدى مدين وصحبوه وتركوا حضور درسه ازداد انكارا؛ فأرسل سيدى مدين وراءه يدعوه إلى حضور مولده الكبير الذى يعمل له فى كل سنة فحضر، فقال الشيخ: لا أحد يتحرك ولا يقوم ولا يفسح له فوقف الشيخ عبادة فى صحن الزاوية حتى كاد يتمزق من الغيظ ساعة طويلة، ثم رفع سيدى مدين رأسه وقال: افسحوا للشيخ عبادة. فأجلسه بجانبه، وقال له: سؤال حضر. فقال الشيخ عبادة: سل. فقال: هل يجوز عندكم القيام للمشركين مع عدم الخوف من شرهم؟.
فقال: لا. فقال سيدى مدين: بالله عليك أغضبت حين لم يقم لك أحد؟. فقال:
نعم. فقال: لو قال لك إنسان لا أرضى عليك إلا إذا كنت تعظمنى كما تعظم ربك ماذا تقول له؟. قال: أقول له كفرت. فدارت فيه الكلمة فانتصب قائما على رؤوس الأشهاد وقال: ألا اشهدوا أننى قد أسلمت على يد سيدى مدين. ولازمه إلى أن مات رحمه الله تعالى ودفن فى تربة الفقراء.
ووقائع سيدى مدين وكراماته كثيرة شهيرة بين مريديه وغيرهم. توفى ﵁ سنة نيف وخمسين وثمانمائة.
ترجمة سيدى محمد الشويمى:
ومن أصحابه سيدى محمد الشويمى المدفون قبالة قبره ﵁ كان من أرباب الأحوال العظيمة، وكان يعمل هلالات المآذن والضبب، وكان يجلس بعيدا عن سيدى مدين وكل من مر على خاطره شئ قبيح يسحب العصا وينزل عليه.
وكان ﵁ يقول لأصحابه: عليكم بذكر الله تعالى تقضى لكم جميع حوائجكم، وهو الذى زرع الخروبة التى هى قريب من التيه فى طريق الحجاز حين توضأ سيدى مدين ﵁ لما سافر إلى الحج، ووقائعه كثيرة مشهورة.
مات ﵁ بعد سيدى مدين ودفن قبالة قبره كما تقدم.
стр. 1404
ترجمة سيدى أحمد الحلفاوى:
ومن أصحاب سيدى مدين أيضا سيد أحمد الحلفاوى ﵁ كان رجلا صالحا سليم الباطن، وكان يمشى بحلفايته بحضرة/الشيخ فى الزاوية وكان الشويمى يتأثر من ذلك ويقول له: أنت قليل الأدب. فغضب منه يوما فهجره فلما كان قبيل الغروب آخر اليوم الثالث جاء له الشويمى وصالحه، وقال له: رأيت الحق يغضب لغضبك يا أخى ولم يفتح على بشئ من مواهب الحق منذ هجرتك.
توفى ﵀ ودفن بصحن الزاوية، ودفن بهذا الجامع سيدى محمد بن أحمد الشمسى المالكى ابن أخت الشيخ مدين.
ترجمة سيدى محمد الشمسى:
وهو كما فى الضوء اللامع للسخاوى: محمد بن أحمد بن عبد الدائم الشمسى الأشمونى القاهرى المالكى ابن أخت الشيخ مدين ووالد أحمد الماضى، ويعرف بين جماعة خاله بابن عبد الدائم، ولد فى سنة أربع عشرة وثمانمائة بأشمون جريس منوفية ونشأ بها فحفظ القرآن وتلاه فيما قال مع جميع ما أثبته فى ترجمته تجويدا، وكذا لابن كثير على التاج ابن تمريه ولأبى عمرو على الزين طاهر، وحفظ الرسالة وابن الحاجب الأصلى والفرعى إلا قليلا. منه وألفية ابن مالك. ولازم الزين عبادة فى الفقه وأخذ عن البساطى جانبا من مختصر الفقيه خليل، وقرأ فى العربية على البرهان بن حجاج الابناسى، والصحيحين على البدر بن التنيسى والشفاء على الولى السنباطى، والرسالة القشيرية والعوارف السهروردية على الزين القاموسى. وسمع على المناوى والرشيدى والتلوانى والبخارى.
وصحب خاله وتلقن منه واختلى عنده وألبسه الخرقة وأذن له فى ذلك ولقن فى حياته جمعا من النسوة ونحوهن ورام بعد موت خاله الإقامة بزاوية عبد الرحمن بن بكتمر التى كانت إقامة خاله أولا بها فما مكن.
ثم لا زال ينتقل من مكان إلى مكان حتى استقر بالمدرسة البقرية داخل باب النصر، وله الخلاصة المرضية فى سلوك طريق الصوفية.
وبالجملة: فهو كثير الذكر والتلاوة مع مزيد التواضع والرغبة فى لقاء الناس للأخذ عنه والتردد إليهم لذلك تعلل مدة بضيق النفس والربو والسعال.
стр. 1405
ومات فى ليلة الثلاثاء سادس جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثمانمائة، وصلى عليه من الغد فى جمع متوسط تجاه مصلى باب النصر، ودفن بتربة فقراء خاله وقام بتكفينه وتجهيزه تغرى بردى القادرى خازندار الدوادار الكبير عفا الله عنه اه.
ملخصا ..
جامع المرازقة
هو بخط شارع رحبة باب العيد على رأس الطريق الموصل إلى قصر الشوك ودرب الطبلاوى، وهو مقام الشعائر وبه منبر وخطبة وبه ضريح الشيخ مرزوق اليمانى الذى تنسب إليه المرازقة وهم طائفة من أتباع السيد البدوى يقال: أن أسماءهم دائرة بين محمد ومصطفى والشيخ مرزوق.
جامع المرحومى
هو بمصر القديمة مقام الشعائر ليس به زخرفة ولا كتابة وله مطهرة ومنارة.
ويقال: أنه من إنشاء الشيخ المرحومى وبداخله ضريحه وضريح الشيخ جمعة الأزهرى، ويعمل لهما حضرة كل ليلة جمعة ومولد كل سنة، وبوجهه ستة دكاكين موقوفة عليه، وله منزل موقوف عليه أيضا ونظره لرجل يعرف بالشيخ أحمد نصار.
ترجمة المرحومى:
وفى طبقات الشعرانى: أن المرحومى هذا هو الشيخ شهاب الدين أحد أصحاب العارف بالله تعالى سيدى مدين. كان طريقه المجاهدة والتقشف، وكان يلبس الفروة صيفا وشتاء يلبسها على الوجهين، وكان دائما مطرقا إلى الأرض ويقرئ الأطفال بمصر العتيقة بالقرب من سيدى محمد ساعى البحر، وكان يقول: ذهبت الطريق وذهب عشاقها وصار الكلام فيها معدودا من البدعة، وكان الغالب عليه الخشوع والبكاء. من أجل أصحابه أبو السعود الجارحى والشيخ سليمان الخضيرى ﵄ اه.