← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وجميع المكان الذى بالقاهرة بخط الطراشة وحده القبلى إلى الطريق وفيه ستة حوانيت، والبحرى إلى أملاك بأيدى أربابها، والشرقى إلى قاعة الطباخ، والغربى إلى الزقاق. وجميع الحوانيت الخمسة المجاورة للسبيل من حقوق هذا الجامع. وجميع المكان بظاهر القاهرة المعروف قديما بدار التفاح والسقطيين وحده القبلى ينتهى إلى البراذعيين والبحرى إلى الفندق الذى بالسقطيين، والغربى إلى طاحون البراذعية والشرقى إلى الطريق وفيه الباب المعروف بباب دار التفاح ويفصل بين ذلك وبين الجامع الطريق السلطانى. وجميع المكان بالمحمودية من القاهرة: حده القبلى ينتهى إلى الجامع المستجد والبحرى إلى باب الفرج، والشرقى إلى باب المحمودية، والغربى بعضه إلى وقف الطواشى وبعضه إلى الجامع المستجد. وجميع الحمام بخط المحمودية: حده القبلى إلى بئر ساقية الجامع والبحرى إلى باب الفرج وفيه معالم البئر التى من حقوق معالم المستوقد، والشرقى إلى الطريق الموصل إلى باب الفرج وفيه الباب وثلاثة حوانيت وحوض سبيل، والغربى إلى ربع الظاهر. وجميع البناء الذى بداخل باب الشعرية من القاهرة، وفيه ساقية وصهريج وذرعه من قبلى إلى بحرى ثلاثة وأربعون ذراعا، ومن الشرقى إلى الغربى ستة وثلاثون ذراعا وحده القبلى ينتهى إلى خليج اللؤلؤة وفيه الزريبة والساقية، والبحرى إلى الطريق وفيه الحوانيت والسبيل والساحة المكشوفة المعدة لبيع الغلال التى هى أسفل الحوانيت ومساحتها بالتكسير ستون ذراعا بذراع العمل، والشرقى إلى الشون وإلى جامع المغاربة وفيه باب السبيل، والغربى إلى الزقاق المعروف بزند الفيل. وجميع الوكالة التى بخط رحبة العيد من القاهرة: حدها القبلى ينتهى إلى خربة مشحونة بالأتربة، والبحرى إلى الطريق الموصل إلى خانقاه سعيد السعداء، والشرقى إلى مكان يعرف بملك القبانى وقف الخانقاه الصلاحية وفيه الباب الكبير، والغربى إلى الزقاق وفيه أربعة أبواب وساقية. وجميع الصهريج داخل باب النصر بجوار الخانقاه البيبرسية: حده القبلى ينتهى إلى خانقاه بيبرس، والبحرى إلى الطريق وفيه الباب والشرقى إلى الخانقاه المذكورة، والغربى إلى الحوانيت التى من وقف الظاهرية العتيقة

стр. 1437

وجميع البناء بخط قناطر السباع بظاهر القاهرة، وحده القبلى إلى فندق وقف ابن صورة، والبحرى إلى مكان وقف تاج الدين الشنشى، والشرقى إلى الطريق والغربى إلى بركة قارون. وجميع البناء بخط الجسر الأعظم بظاهر القاهرة، وحده القبلى إلى طريق تجاه الكبش والمصلى والبحرى إلى بركة الحمصانيين، والشرقى إلى طريق قناطر السباع، والغربى إلى بركة الحمصانيين. وجميع أنشاب البستان الذى بخط جزيرة الفيل من ظاهر القاهرة ينتهى حده القبلى إلى بستان المقر العالى الركنى بيبرس، والبحرى إلى بستان القبطى والشرقى إلى الطريق وفيه الباب والغربى إلى البحر الأعظم. وجميع البناء الكامل خارج باب زويلة وباب القوس بظاهر القاهرة والباب الجديد بخط الصليبة الطولونية بجوار حمام النائب، وينتهى حده القبلى إلى حمام النائب والبحرى إلى الجزع المغروز بالشركة بين هذا البناء وبين بناء يعرف بفتق المرأة الكامل /والشرقى إلى الزقاق وفيه الباب، والغربى إلى الزقاق الموصل إلى بيت جاهين. وجميع المكان بمنشأة المهرانى: وحده القبلى إلى الطريق وفيه الفاخورة، والبحرى إلى البحر الأعظم والشرقى إلى المغلاة والغربى إلى الأملاك. وجميع الصهريج بباب القلعة بالمرمى: وحده القبلى إلى قاعة بجواره والبحرى إلى جنينة وستعد مستجد، والشرقى إلى المرمى، والغربى إلى الزقاق المجاور للمسجد العتيق. وجميع أراضى منية قيصر بالقليوبية، وجميع أراضى الجزائر بالمنوفية وعدتها أربعة، وجميع أراضى اللوادى بالأعمال المنوفية المعروفة بجزائر قايتباى، وجميع الحصة التى قدرها النصف من جزيرة بنى فراس الكائنة بالسيوطية، وجميع الحصه التى قدرها النصف بناحية قاو من الأخميمية، وجميع قطعة الأرض بناحية الدير وأم على بناحية قوص، وجميع قطعة الجزيرة التى بين الجزيرة وشطنوف، وجميع ناحية سنباط بالفيوم، وجميع ناحية أبى رقبة بالمنوفية وقطعة أرض بناحية شنوان بالمنوفية مساحتها ستون فدانا بالقصبة الحاكمية وقطعة بناحية كومشيش بالمنوفية أيضا، وجميع الرزقة بناحية وسيم بالجيزة مائة فدان، وقطعة أرض بناحية دمريس من عمل الأشمونين أربعمائة فدان، وجميع معصرة القصب بما فيها من الآلات والنحاس الذى وزنه

стр. 1438

مائتان وستون قنطارا بالمصرى. وجميع الساقية المعروفة بساقية محفوظ من أعمال البهنسا التى مساحتها سبعمائة وثمانية وثمانون فدانا وسدس فدان بالقصبة الحاكمية. وجميع البستان من أراضى المطرية من ضواحى القاهرة بجميع تعلقاته. وجميع الحصة التى هى النصف شائعا فى عمارة السوق بظاهر دمشق المحروسة، وجملة من الحوانيت والرباع والخانات والبساتين والطواحين وغير ذلك من العقارات فى دمشق وحلب وصفد وحماه، وفى أعمال هذه المدن وقفا صحيحا شرعيا نافذا مرضيا، وجعل للناظر التحدث فيه على ما يراه بالمصلحة فيما رتبه به. فيرتب شيخا للصوفية يكون حنفيا عالما له قدم عال فى طريق التصوف حسن الهيئة حسن الاعتقاد حافظا للنقول والتأويلات واختلاف المذاهب، له قدرة على حل المشكلات وإقامة الأدلة وتسهيل العسير، ويكون قائما بدرس مذهب أبى حنيفة بهذا الجامع ويحضر وظيفة التصوف بذلك الجامع كل يوم بعد العصر على عادة الخوانق والجوامع، ويصرف له فى كل شهر من الفضة البيضاء خمسمائة وخمسون نصفا أو ما يقوم مقام ذلك من النقود. ويرتب معه خمسون طالبا حنفيا ويحضرون أيضا درس التصوف ولكل منهم شهريا أربعون نصفا فضة، وكل يوم أربعة أرطال من الخبز، ويرتب شافعيا بتلك الصفات وأربعين طالبا شافعيا، وللشيخ شهريا مائة وخمسون نصفا، وللطالب أربعون ويوميا أربعة أرطال خبزا. ويرتب مالكيا معه خمسة وعشرون طالبا، وللشيخ مائة نصف، وللطالب أربعون شهريا وأربعة أرطال خبزا يوميا. ويرتب حنبليا معه عشرة، وللشيخ مائة نصف وللطالب أربعون نصفا شهريا. ويرتب محدثا معه عشرون طالبا وله مائة وخمسون نصفا وللطالب أربعون، وكل يوم أربعة أرطال خبزا، ويرتب مقرئا للقراءات السبع والشواذ ومعه عشرة، وله مائة وخمسون نصفا وللطالب أربعون نصفا شهريا، وأربعة أرطال خبزا يوميا .. ويرتب أربعة أئمة أحدهم بالمحراب فى الإيوان القبلى له شهريا مائة وعشرون نصفا ويوميا أربعة أرطال خبزا، ولكل من الثلاثة الآخرين. ستون نصفا ويرتب رجلين حافظين للقرآن بصوت حسن يقرءان فى المصحف أحدهما كل يوم وله فى الشهر أربعون نصفا، والآخر يوم الجمعة فقط وله فى الشهر ثلاثون نصفا، ويرتب بالشباك سبع عشرة جوقة كل جوقة سبعة أشخاص يتناوبون القراءة ليلا ونهارا، ولكل منهم خمسة أنصاف. ويرتب كاتب غيبة له شهريا خمسة عشر نصفا وخطيبا وله مائة نصف وخازن كتب بالجامع وله أربعون نصفا ويوميا أربعة أرطال خبزا.

стр. 1439

وشرط أن لا يخرج الكتب من الجامع وأن وظيفة خزن الكتب ووظيفة الخطبة يكونان لأبى عبد الله محمد بن البارزى ومن بعده لمن يصلح من ذريته. ويرتب سبعة عشر مؤذنا حسان الأصوات يؤذنون على المنارات الثلاث التى جعلها لهذا الجامع، ولكل منهم شهريا خمسة عشر نصفا، ولهم كاتب غيبة له شهريا أربعون نصفا ويوميا أربعة أرطال خبزا وخادما لجماعة الصوفية على عادة الخوانق، وله فى الشهر ستون نصفا، وفى اليوم أربعة أرطال خبزا. ويرتب شيخا يشتغل بالكتاب المعروف بالطحاوى ومعه عشرة طلبة، وله مائة وخمسون نصفا وللطالب أربعون نصفا شهريا. ويرتب خمسة رجال لخدمة الربعات على التتاوب لكل منهم أربعون نصفا شهريا وأربعة أرطال خبزا يوميا. ويرتب عشرة فراشين لكل ثلاثون نصفا شهريا. ويرتب سبعة /وقادين لكل عشرون نصفا، ويرتب رجلين لخدمة سجادات الصوفية لكل أربعون نصفا شهريا وأربعة أرطال خبزا يوميا. ويرتب قارئا لعقيدة التوحيد وله عشرون نصفا شهريا، ولسواق الساقية ستون نصفا، وللمزملاتى الذى فى سبيل الجامع ثلاثة وأربعون نصفا وللآخر الذى فى سبيل القلعة خمسة عشر. ويرتب خادمين للقبتين من الطواشية لكل منهما أربعون نصفا شهريا وأربعة أرطال خبزا يوميا. ويرتب مادحا حسن الصوت ومبخرا وشحنة وقبانيا ومخبريا وأمينا على الحواصل ومزملا بدهليز الجامع، ولكل واحد من هؤلاء أربعون نصفا شهريا وأربعة أرطال خبزا يوميا. ويرتب كناسا للأرض المحيطة بالجامع ويرشها وله فى الشهر ثلاثون نصفا. ويرتب عشرة من القراء حسان الأصوات يكونون قراء الصفة عن يمين المحراب ويساره وقت حضور الصوفية بعد العصر يقرءون بالتهليل والتكبير، ولكل فى الشهر أربعون نصفا وفى اليوم أربعة أرطال. ويرتب لكاتب غيبة الصوفية ستون نصفا وأربعة أرطال ويرتب طبيبا طبائعيا وكحالا وجرائحيا وكاتب طبقة ومهندسا ومرخما وسباكا، ولكل من السبعة ثلاثون نصفا فى الشهر.

стр. 1440

ويرتب أربعة بوابين لأحدهم وهو من يكون بالباب الكبير ستون نصفا، ولبواب الباب المقابل لدار التفاح خمسة وأربعون، ولكل من الثالث والرابع فى البابين الآخرين ثلاثون نصفا. ويرتب خمسة وستين يتيما منهم فى الجامع المذكور خمسون لهم مؤدب وعريف، للمؤدب ثلاثون نصفا شهريا ورطلان خبزا يوميا، وللعريف خمسة عشر شهريا ورطلان يوميا ولكل يتيم عشرة أنصاف شهريا ورطلان يوميا. ومنهم بالقلعة المحروسة خمسة عشر يتيما لمؤدبهم ثلاثون نصفا شهريا ورطلان من الخبز يوميا وللعريف وكل طفل مثل ما قبله. ويرتب موقعا يتعاهد كتب الوقف وله أربعون نصفا. ويرتب شاهدين يضبطان أحوال العمارة لكل منهما ثلاثون نصفا وشاهدين عدلين لديوان الوقف يضبطان متحصل الريع ولكل منهما ستون نصفا. ويرتب أمينا عارفا بالحساب وله تسعون نصفا وشادا لاستخراج الريع واستخلاصه وإعانة الجابى وله مائتا نصف وجابيا وله مائة نصف. ويرتب بزد دارا يتولى طلب الغريم وغيره مما عادة مثله أن يتولاه وله عشرون نصفا. وشرط أن كل من قرر له خبز قرصة يلزمه حضور وظيفة التصوف كل يوم، ويصرف من الباقى ثمن الزيت بقدر الكفاية وكذلك الماء لملء الصهريج، وكذا كسوة الأيتام صيفا وشتاء، ويصرف لقارئ البخارى فى رمضان كل عام ثلثمائة نصف وكل يوم أربعة أرطال من الخبز. ويصرف كل عام ألفان وخمسمائة نصف لمصالح المدرسة التى أنشأها أبو محمود العينى الحنفى ناظر الأحباس المبرورة بالديار المصرية بقرب بيت الصاحب كريم الدين ابن الغنام عند الجامع الأزهر: حدها القبلى إلى الطريق وفيه الباب، والبحرى إلى ملك ابن الحسام، والشرقى إلى الطريق، والغربى إلى ملك بانيها يعطى هذا المبلغ للشيخ بدر الدين العينى يصرفه فيها، ويصرف لشيخ الصوفية بالخانقاه المستجدة المعروفة قديما بالخروبية كل شهر مائتا نصف وأربعة أرطال خبزا يوميا، ولكل من جماعة الصوفية بتلك الخانقاه وهم عشرون ثلاثون نصفا شهريا ورطلان خبزا فى اليوم، ولكل من المؤذنين ثلاثون نصفا وللقيم الوقاد بها ثلاثون نصفا ورطلا خبز، ولبوابها ثلاثون نصفا ورطلا خبز. ويصرف لها ما يكفى من الزيت وللكاتب تسعون نصفا، ورتب لجماعة الصوفية فى رمضان قنطارا من اللحم الضأن بالمصرى يصرف لكل نصف رطل مع الكفاية من الأرز المفلفل.

стр. 1441

ولشيخ الصوفية الشيخ أبى عبد الله الديرى الحنفى مائة نصف زيادة على ما تقدم يكون ذلك ستمائة نصف وعشرة أرطال خبز وثلاثة أرطال لحما كل يوم، وراويتى جمال وثلاثة علائف شعير مغربل وجملتها نصف وربع ويبه. وشرط أن مريد حجة الفريضة يجرى عليه معلومة ومن يحج متنفلايؤتى ببدله، وأن الصوفية يلازمون الجامع، وأن حضور الدرس يكون على العادة، وأن ما بقى بعد تلك المصاريف يكون لأولاده ثم لعقبهم فإذا انقرضوا فلعتقائه ثم للحرمين الشريفين، وجعل النظر لنفسه ثم للأرشد فالأرشد من ذريته الذكور خاصة لكن بالاشتراك مع من يكون دوادارا كبيرا ومع كاتب السر مجتمعين غير منفردين، فإن تعذر نظر ذريته كان النظر للدوادار وكاتب السر معا، ويصرف لكل منهما خمسمائة نصف شهريا فإن تعذر فلحاكم المسلمين بالديار المصرية وتاريخ الحجة رابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، انتهى. ترجمة السلطان المؤيد: والملك السلطان المؤيد هو كما فى الضوء اللامع للسخاوى (١): شيخ المحمودى، ثم الظاهرى برقوق المؤيد أبو النصر الجركسى الأصل ولد تقريبا سنة سبعين وسبعمائة وكان قدومه للقاهرة فى أول سنة ثلاث وثمانين أو آخر/التى قبلها فى السنة التى قدم فيها أنص والد الظاهر برقوق وهو ابن اثنتى عشرة سنة فعرض - وهو جميل الصورة - على الظاهر برقوق قبل سلطنته فرام شراءه من جالبه فاشتط فى الثمن ولم يلبث أن مات، فاشتراه الخواجا محمود شاد البزدى تاجر المماليك بثمن يسير فنسب محموديا لذلك، وقدمه لبرقوق وهو حينئذ أتابك العساكر فأعجبه فأعتقه، ونشأ ذكيا فتعلم الفروسية من اللعب بالرمح ورمى النشاب والضرب بالسيف والصراع وسباق الخيل وغير ذلك، ومهر فى جميع ذلك مع جمال الصورة وكمال القامة وحسن العشرة وأول ما كان فى الكثابية ثم فى الخاصكية ثم فى السقاة واختص بسيده إلى الغاية مع غضبه عليه بسبب نهيه غير مرة عن التهتك والميل إلى اللهو والطرب ولكن لم يعزله عن وظيفته ولا أبعده، ثم أنعم عليه بامرة عشرة فى سلطنته الثانية وذلك فى ثانى عشر صفر سنة أربع وتسعين وكان ممن سجن قبل ذلك من مماليكه فى فتنة منطاش بخزانه شمائل ونذر حينئذ:

стр. 1442

إن نجاه الله تعالى منها أن يجعلها مسجدا. ففعل ذلك فى سلطنته بعد بضع وعشرين سنة، وتأمر على الحاج سنة إحدى وثمانمائة بعد موت أستاذه وناب فى طرابلس. ولما نازل اللنك حلب خرج مع العساكر فأسر ثم خلص من اللنك بحيلة عجيبة وهى: أنه لما أسر استمر فى أسر اللنكية إلى أن فارقوا دمشق، ثم رجعوا فاغتم وقت رحيلهم وألقى نفسه بين الدواب وستره الله؛ فمشى إلى قرية من عمل صفد ثم توصل إلى طرابلس وركب البحر إلى الطينة ثم مشى فى البر إلى قطيا فبالغ الوالى فى إكرامه بعد أن كان جفاه لكونه لم يعرفه واعتذر وقدم له خيلا. فركب ودخل القاهرة وأعيد كما كان أولا لنيابة طرابلس، ثم ولى نيابة الشام وجرت له من الخطوب والحروب ما ذكر فى الحوادث، بل وأشير إليه فى ترجمته من تاريخ ابن خطيب الناصرية وملك وكانت مدة كونه فى السلطنة ثمان سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام، وأقام فى الملك عشرين سنة ما بين نائب ومتغلب وأتابك وسلطان. وكان شهما شجاعا عالى الهمة كثير الرجوع إلى الحق محبا فى العدل متواضعا يعظم العلماء ويكرمهم ويحسن إلى أصحابه ويصفح عن جرائمهم يحب الهزل والمجون مستترا ومحاسنه جمة. وحدث بصحيح البخارى عن السراج البلقينى بإجازة معينة وكانت معه فى أسفاره لا يفارقها، وكان يعظم الشرع وحملته وكان محبا فى الصلاة لا يقطعها وإن عرض له عارض بادر فى قضائها، وكان مفرطا فى الشجاعة افتتح حصونا وخطب له بقيسارية ثم جهز ولده إبراهيم فظفر بابن قرمان وأحضره أسيرا، ولما أصابته عين الكمال مات ابنه إبراهيم ثم مات هو بعده بقليل، وذلك فى المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة اه. وقال العينى فى تاريخه: لما مات السلطان المؤيد كان فى الخزانة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار من الذهب على ما قيل فلم تمض السنة وفيها دينار واحدا. قال: وهو من طائفة من الجراكسة يقال لهم: كرموك. ويقال: أنه من ذربة أينال ابن ركماس بن سرناس بن طحا بن جرباش بن كرموك وكان كرموك كبير طائفة وكذلك نسله .. وعمل العينى فى سيرته أرجوزة سماها الجوهر وكذا أفردها ابن ناهض فى مجلد حافل، وتكرر نزوله فى سنة اثنتين وعشرين إلى بيت الناصرى بن البارزى ببولاق وعام فى البحر غير مستتر مع ما به من ألم رجله وضربان المفاصل.

стр. 1443

وقال المقريزى فى عقوده: كان شجاعا مقداما يحب أهل العلم ويجالسهم، ويجل الشرع النبوى ويذعن له ولا ينكر على الطالب أن يمضى من بين يديه إلى قضاة الشرع بل يعجبه ذلك، وينكر على أمرائه معارضة القضاة فى أحكامهم غير مائل إلى شئ من البدع، له قيام فى الليل إلى التهجد أحيانا، لكنه كان بخيلا مسيكا يشح حتى بالأكل لجوجا غضوبا نكدا حسودا معيانا يتظاهر بأنواع المنكرات فحاشا سبابا شديد المهابة حافظا لأصحابه غير مفرط فيهم ولا مضيع لهم، وهو أكبر أسباب خراب مصر والشام لكثرة ما كان يثيره من الشرور والفتن أيام نيابته بطرابلس ودمشق، ثم ما أفسده فى أيام ملكه من كثرة المظالم ونهب البلاد وتسليط أتباعه على الناس، وأرخ وفاته بعد تنوع الأسقام وتزايد الآلام قبيل ظهر يوم الاثنين تاسع المحرم وقد زاد على الخمسين، وصلى عليه خارج باب القلة وحمل إلى جامعه فدفن بالقبة قبيل العصر ولم يشهد دفنه كبير أحد من الأمراء والمماليك، واتفق فى أمره موعظة فيها أعظم عبرة وهو: أنه لما غسل لم توجد له منشفة ينشف بها فنشف بمنديل بعض من حضر غسله ولا وجد له مئزر تستر به عورته حتى أخذ له مئزر صوف صعيدى من فوق رأس بعض جواريه فستر به ولا وجد له طاسة يصب عليه الماء بها حين غسله مع كثرة ما خلفه من المال. واقعة الزرب وفى نزهة الناظرين: أن جماعة الزرب تحصنوا بالجامع المؤيد وبيان ذلك أنه فى سنة ست وسبعين وألف حصلت واقعة مهولة عرفت بواقعة/الزرب وأصلها: أن جماعة من البغاة كانوا بالشام وخرجوا مع حسن باشا فى أراضى حلب وكثر منهم الأذى والفسق والفجور فانزعج منهم العالم ووصل خبرهم إلى مسامع السلطان محمد؛ فجرد عليهم فقتل منهم الكثير وانتهب أموالهم، والذى نجا منهم حضر إلى مصر وأخذ يتعيش فى سبب من الأسباب فمنهم من عمل خبازا يصنع الخبز ومنهم من أخذ يصنع الكباب ومنهم من دخل التكايا وتدروش، ومنهم من دخل العسكر بطائفة العزب والينكشارية وجعلوا ملجأهم إلى خمسة أشخاص منهم وهم: كور يوسف وأصلان وفضلى الميمنلى وقرافضلى وكورعلى. وأدخلوا معهم محمد بك أمير اللواء فكانوا عصبة للفساد برؤوسهم المذكرين وفتكوا بأمراء كثيرين ونهبوا أموالهم كدرويش كتخدا ومراد كتخدا وأويس بيك، وجعلوا بيت محمد بيك المذكور ديوانا لهم وقد اتسعت دائرته حتى صار له الحل والعقد فى جميع بلاد مصر، وقلد الوظائف العالية لأتباعه وأكثر من سفك الدماء فى العسكر فخربت من أجل ذلك الخانات وغلقت الدور وصودرت

стр. 1444

التجار فى أموالها وجعلوا على كل تاجر غرامة يكتب بها حجة بأنه اقترضها وذلك بعد الحبس والضرب، وكان من شعارهم ركوب الحمير العوالى وحولهم أعوانهم كجنود الدجال، ثم لما اتسع نطاق فسادهم فى المدينة وكثر بغيهم ونهبهم لأموال الناس احتمى بعض التجار بالجامع الأزهر فأتوا إلى الوزير وطلبوا منه الأمر بقتلهم، فلما سمع العلماء ذلك غلقوا أبواب الجامع فأتوا إليه وحاصروه فنزل إليهم زعيم مصر فأهانوه فرجع إلى الباشا وأخبره فصار بتحيل فيما يفعله فى قطع دابر هؤلاء المفسدين، وكان فى أثناء تلك الحادثة أصلان نازل فى روضة بجانب حديقة شيخ الإسلام الشيخ شرف الدين فغضب الشيخ من ذلك ومما رآه من أفعالهم الذميمة؛ فتوجه إلى الأزهر وعرض الأمر على العلماء فقاموا وتوجهوا إلى قاضى العسكر وطلبوا منه أصلان ليحاكموه، فطلبه قاضى العسكر فعصى فأثبتوا عليه الكفر وحكموا بقتله، وكان أصلان هذا قد توجه عند الباشا وهو فى أمن لظنه أنه لن يقدر عليه أحد، فلما دخل عند الباشا غمز عليه فقطعت رأسه فبلغ الخبر جنوده وكانوا فى ذلك اليوم قد خرجوا للنزهة بالبساتين فأتوا على حميرهم متسلحين إلى باب العزب فلم يمكنهم الدخول إلى القلعة فرجعوا وتحصنوا بالمؤيد، فاستفتى عمر باشا حاكم مصر العلماء فأفتوه بأنه يقابلهم بما يقابلونه به وإن انهدم من الجامع شئ فيبنى. فأمر العسكر بالزحف عليهم ومعهم اثنا عشر مدفعا، وضاقت الأزقة من كثرة الراكب والراجل وضربوا عليه بالمدافع والبندق إلى وقت العصر، فلما رأوا أن لا قدرة لهم على ذلك طلبوا الأمان وفتحوا الأبواب ورموا أسلحتهم وصار القبض على أغلبهم فقطعت رؤوسهم عند باب زويلة وأخذت أموالهم لبيت المال وقتل من بقى منهم، وذلك يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من صفر سنة ست وسبعين وألف. وقال بعضهم فى ذلك: قوم بمصر عتوا بالظلم ثم طغوا … إذا أتاهم فتى سوء إليه صغوا هم زربة حين زالوا مصرنا أمنت … قالوا متى هلكوا أرخت حين بغوا انتهى. وفى تاريخ الجبرتى من حوادث رأس القرن الحادى عشر: أن الأمير أحمد باشا كتخدا إبراهيم باشا الذى مات بمصر قد أجرى فى مدة ولايته على مصر ترميم هذا الجامع، وكان قد تداعى إلى السقوط فأمر بالكشف عليه وعمره ورفعه، انتهى.

стр. 1445

حكاية الواعظ الرومى: وفيه أيضا: أن رجلا روميا واعظا جلس يعظ الناس بجامع المؤيد سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف وازدحم عليه المسجد وأكثرهم أتراك، ثم انتقل عن الوعظ وذكر ما يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء وإيقاد الشموع والقناديل عليها وشنع على ذلك وعلى من يقول بالاطلاع على اللوح المحفوظ. وذكر: أنه لا يجوز بناء القباب على ضرائح الأولياء والتكايا ويجب هدم ذلك، وذكر أيضا وقوف الفقراء بباب زويلة فى ليالى رمضان. فلما سمع حزبه بذلك خرجوا بعد صلاة التراويح ووقفوا بالنبابيت والأسلحة، فهرب الذين يقفون بالباب فقطعوا الجوخ والأكر وهم يقولون: أين الأولياء؟. فذهب بعض الناس إلى العلماء بالأزهر وأخبروهم بقول ذلك الواعظ وكتبوا فتوى من الشيخ النفراوى والشيخ أحمد الخليفى بأن كرامات الأولياء لا تنقطع بالموت، وأن إنكاره اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ لا يجوز ويجب على الحاكم زجره عن ذلك، وأخذ بعضهم تلك الفتوى ودفعها للواعظ وهو فى مجلس وعظه؛ فلما قرأها غضب وقال: أيها الناس إن علماء بلدكم أفتوا بغير ما ذكرت لكم وأريد أن أباحثهم فى مجلس قاضى العسكر، فهل منكم من يساعدنى على ذلك وينصر الحق؟، فقالوا له: نحن معك لا نفارقك. فنزل عن الكرسى واجتمع عليه زيادة عن ألف نفس، ومر بهم من وسط القاهرة إلى أن دخل بيت القاضى قريب العصر فانزعج القاضى وسألهم عن مرادهم. /فقدموا إليه الفتوى وطلبوا منه إحضار المفتين والبحث معهم، فقال القاضى: اصرفوا هذا الجمع ثم نحضرهم ونسمع دعواكم. فقالوا: ما تقول فى هذه الفتوى؟. قال: هى باطلة. فطلبوا منه أن يكتب لهم حجة ببطلانها، فقال: إن الوقت قد ضاق والشهود ذهبوا إلى منازلهم. وخرج الترجمان وقال لهم ذلك فضربوه واختفى القاضى بحريمه وما وسع النائب إلا أن كتب لهم حجة حسب مرامهم. ثم اجتمع الناس وقت الظهر بالمؤيد لسماع المواعظ على عادتهم فلم يحضر لهم الواعظ فسألوا عن المانع من حضوره، فقال بعضهم: أظن القاضى منعه من الوعظ. فقام رجل متهم وقال: أيها الناس من أراد أن ينصر الحق فليقم معى. فتبعه الجم الغفير. فمضى بهم إلى مجلس القاضى، فلما رآهم القاضى ومن فى المحكمة طارت عقولهم من الخوف وفر الشهود ولم يبق إلا القاضى فدخلوا عليه وقالوا له: أين شيخنا؟ فقال:

стр. 1446

لا أدرى. فقالوا له: قم فاركب معنا إلى الديوان لنكلم الباشا فى هذا الأمر ونسأله أن يحضر لنا أخصامنا الذين قضوا بقتل شيخنا ونتباحث معهم فإن ثبت دعواهم نجوا من أيدينا وإلا قتلناهم. فركب القاضى معهم مكرها وتبعوه من خلفه وأمامه إلى أن طلعوا إلى الديوان فسأله الباشا عن سبب حضوره فى غير وقته، فقال: انظر إلى هؤلاء الذين ملئوا الديوان والحوش فهم الذين أتوابى، وعرفه عن قصتهم وما وقع منهم بالأمس واليوم وأنهم ضربوا الترجمان وأتوا اليوم وأركبونى قهرا. فأرسل الباشا إلى كتخدا الينكشارية وكتخدا العزب وقال لهما: اسألا هؤلاء عن مرادهم. فسألاهم فقالوا: نريد إحضار النفراوى والخليفى ليبحثا مع شيخنا فأعطاهم الباشا بيورلديا ونزلوا إلى جامع المؤيد، وأتوا بالواعظ وأصعدوه على الكرسى؛ فصار يعظهم ويحرضهم على اجتماعهم فى غد بالمؤيد ليذهبوا بجمعيتهم إلى القاضى، وحضهم على الانتصار للدين وافترقوا على ذلك. وأما الباشا فإنه لما أعطاهم البيورلدى أرسل بيورلديا إلى إبراهيم بيك وقيطاس بيك يعرفهما ما حصل وما فعله العامة من سوء الأدب وقصدهم تحريك الفتن فجمع الأمراء الصناجق والأغاوات فى بيت الدفتردار، وأجمعوا رأيهم على أن يخرجوا من حق هؤلاء وينفوا ذلك الواعظ من البلد، وأمروا الأغا أن يركب للقبض على من يجده منهم وأن يدخل جامع المؤيد ويطرد من يسكنه من السفط. فركب الأغا وأرسل الجاويشية إلى جامع المؤيد فلم يجدوا منهم أحدا وجعل يتفحص عليهم فمن ظفر به أرسله إلى باب أغاته فضربوا بعضهم ونفوا بعضهم وسكنت الفتنة وفى ذلك يقول الشيخ حسن الحجازى: مصر قد حل بها واعظ … عن منهج صدق أعرض أبدى جهلا فيها قولا … منه الحبلى حالا تجهض فأساء الظن بسادات … أحكام الدين بها تنهض إذ قال لنا: من أين لكم … ختم بالخير لهم يفرض وكرامات لهم انقطعت … بالموت زيارتهم ترفض وتهد جميع قبابهم … ومرتبهم كلا ينقض وعل اللوح المحفوظ فما … للهادى مطلع يعرض وخرفات شتى الألسن … بها إن فاهت شرعا تقرض وغلا واستوغل واستعلى … وعلينا العسكر قد حرض

стр. 1447

وإلى القاضى ذهبوا جهرا … كى يكتب ما فيه منقض وبه نحو الباشا انطلقوا … فارتاع وما عنهم أعرض ولهم أمضى ما قد طلبوا … أن يبقى الواعظ واستنهض فى الحال صناجق والأمرا … فى قمع أولئك واستحضض فإذا قاموا معه صدقا … وأزالوا كل من استعرض والواعظ فر وقيل قتل … وعليه الخزى قد استربض وكفانا الله مؤنته … وله أرخ عيب أمرض انتهى. ترجمة الشيخ خليل بن محمد المغربى: وفى الجبرتى أيضا: أن هذا الجامع كان به خزانة كتب معتبرة وكان المغير عليها الإمام الفقيه المحدث المحقق الشيخ خليل بن محمد المغربى الأصل المالكى المصرى أتى والده من المغرب إلى مصر، ثم ولد المترجم فنشأ على عفة وصلاح وأقبل على تحصيل المعارف فأدرك منها مقصوده وحضر دروس الشيخ الملوى والسيد البليدى وغيرهما من فضلاء الوقت، وفاق أقرانه فى التحقيقات واشتهر، وكان حسن الإلقاء والتقرير حاد القريحة جيد الذهن، تولى الخزانة المذكورة مدة فأصلح ما فسد منها ورم ما تشعث. ومن مؤلفاته شرح المقولات العشر وهو مفيد جدا. توفى يوم الخميس الخامس والعشرين من المحرم سنة سبع وسبعين ومائة وألف بالرى، وهو منصرف من الحج رحمه الله تعالى، انتهى. وهذا الجامع إلى الآن من أشهر الجوامع وأعظمها وأوسعها وشعائره مقامة وبه منبر وخطبة، وعلى محرابه قبة مرتفعة وله مقصورة يفصلها من الصحن جدار، ودائر صحنه مفروش بالرخام الملون وفى وسطه حنفية وأشجار وبداخله أربعة مدافن أحدها للمنشئ والثانى لزوجته والآخران لابنه وبنته وبه صهريج، وله ثلاثة أبواب أكبرها /بشارع السكرية. والآخران بالجدار البحرى يفتح أحدهما على المطهرة بقرب شارع تحت الربع، والآخر بقرب الاشراقية وأرض الجامع مرتفعة عن أرض الشارع بنحو

стр. 1448

خمسة أمتار وتحته جملة دكاكين على شارع السكرية، وقد هدمت جدران هذا الجامع ما عدا الذى فيه القبلة وأعيدت بأمر الخديو السابق إسماعيل باشا، وصرف على ذلك من خزانة ديوان الأوقاف فقارب التمام على هيئته الأصلية والعزم على عمل مطهرته أحسن مما كانت. وأما المقصورة التى فيها المنبر والدكة فباقية على أصلها وفيها أعمدة جليلة من الرخام تحمل سقفا من الخشب النقى القديم الصنعة العديم المثال فإن ذلك السقف يقصد للفرجة لقلة وجود مثله. ***

стр. 1449

حرف النون جامع نائب الكرك هذا الجامع بظاهر الحسينية مما يلى الخليج تخرب بخراب ما حوله. أنشأه الأمير جمال الدين أقوش الرومى السلاحدار الناصرى المعروف بنائب الكرك. توفى سنة سبع وسبعمائة، انتهى مقريزى. ترجمة نائب الكرك: وقال فى ذكر الدور: أن نائب الكرك هو الأمير أقوش الأشرفى جمال الدين، ولاّه الملك الناصر محمد بن قلاوون نيابة دمشق بعد مجيئه من الكرك، ثم عزل واعتقل ثم أفرج عنه وجعل رأس الميمنة لتنكز وصار يقوم له إذا قدم دون غيره من الأمراء. وكان لا يلبس مصقولا ويمشى من داره التى بين الخرنفش وباب سر المارستان المنصورى إلى الحمام وهو حامل المئزر والطاسة وحده فيدخل الحمام. ويخرج عريانا، فاتفق أن رجلا عرفه فحك له رجله بالحجر وغسله وهو لا يكلمه فلما صار إلى بيته طلب الرجل وضربه وقال له: أنا مالى مملوك ما عندى غلام ما لى طاسة حتى تتجرأ على!. وكان يتوجه إلى معبد فى الجبل الأحمر وينفرد فيه اليوم والثلاثة ويرجع وذيله على كتفه، وباشر نظر المارستان المنصورى ثم أخرج إلى نيابة طرابلس سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ثم قبض عليه واعتقل فى دمشق ثم نقل إلى صفد ثم أخرج إلى الاسكندرية فمات بها معتقلا سنة ست وثلاثين. وكان عسوفا جبارا مات عدة من الناس تحت الضرب قدامه، وكان كريما إلى الغاية وعرف بنائب الكرك لأنه أقام فى نيابتها من سنة تسعين وستمائة إلى سنة تسع وسبعمائة انتهى.

стр. 1450

الجامع الجديد الناصرى قال المقريزى: هذا الجامع بشاطئ النيل من ساحل مصر الجديد عمره القاضى فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيش باسم السلطان الملك الناصر حسن محمد بن قلاوون، وكان الشروع فيه يوم التاسع من المحرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وانتهت عمارته فى ثامن صفر سنة اثنتى عشرة وسبعمائه، وأقيم فى خطابته قاضى القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الشافعى، ورتب فى إمامته الفقيه تاج الدين بن مرهف فأول ما صلى فيه صلاة الظهر من يوم الخميس ثامن صفر المذكور، وأقيمت فيه الجمعة يوم الجمعة تاسع صفر، وخطب عن قاضى القضاة بدر الدين ابنه جمال الدين. ولهذا الجامع أربعة أبواب وفيه مائة وسبعة وثلاثون عمودا منها عشرة من صوان فى غاية السمك والطول، وجملة ذرعه أحد عشر ألف ذراع وخمسمائة ذراع بذراع العمل من ذلك طوله من قبليه إلى بحريه مائة وعشرون ذراعا، وعرضه من شرقيه إلى غربيه مائة ذراع، وفيه ستة عشر شباكا من حديد وهو يشرف من قبليه على بستان العالمة وينظر من بحريه بحر النيل. وكان موضع هذا الجامع فى القديم مغمورا بماء النيل ثم انحسر عنه النيل وصار رملة فى زمن الملك الصالح نجم الدين أيوب يمرغ الناس فيها دوابهم أيام احتراق النيل، وما برح هذا الجامع من أحسن منتزهات مصر إلى أن خرب ما حوله وفيه إلى الآن بقية وهو عامر، انتهى. قلت: وقد زال هذا الجامع ولم يبق له أثر وموضعه الآن حوش كبير من وقف السادات يعرف بحوش التكية كائن عند فم الخليج بحرى سراى السادات التى هناك كما يؤخذ ذلك من كتاب وقفيتهم فإنه ذكر فيه: أن الحد القبلى للسراى المذكورة ينتهى بعضه للخلاء وبعضه للدرب القديم المعروف بدرب الحجارة وبعضه لمدرسة طيبرس العبدانى ولمقام الشيخ الجمل وباقيه لوكالة السمن، والحد البحرى ينتهى بعضه للخلاء وبعضه للتربة المعدة لدفن أموات المسلمين وبعضه للجامع الجديد ولقطعة الأرض الجارية وفى الجامع المذكور وباقيه لمطهرة الجامع المذكور، والحد الشرقى ينتهى للطريق السالك للخلاء وإلى باب مصر القديمة والكيمان، والحد الغربى ينتهى للطريق السالك منها لدار النحاس وبعضه للخربة الحادثة فى أوقاف أسيادنا بنى الوفا، انتهى.

стр. 1451

جامع الناصرية هو بشارع النحاسين بجوار القبة المنصورية والمارستان المنصورى، الذى هو المدرسة المنصورية عن يسار الذاهب من النحاسين إلى الحسينية، وشعائره مقامة بالأذان السلطانى والجمعة والجماعة، وهو المعروف فى خطط المقريزى بالمدرسة الناصرية. قال فى الخطط: هذه المدرسة بجوار القبة المنصورية من شرقيها كان/موضعها حماما، فأمر الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى بإنشاء مدرسة موضعه. فوضع أساسها وارتفع بناؤها إلى نحو الطراز المذهب الذى بظاهرها فكان من خلعه ما كان. فلما عاد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى مملكة مصر سنة ثمان وتسعين وستمائة أمر بإتمامها وقد اشتراها قبل الإشهاد بوقفها فكملت فى سنة ثلاث وسبعمائة، وهى من أجل مبانى القاهرة وبابها من أعجب ما عملته أيدى بنى آدم فإنه من الرخام الأبيض البديع الزى الفائق الصناعة نقل إلى القاهرة من كنيسة من كنائس عكا وأخذه كتبغا من ورثة الأمير بيدار وعمله على باب هذه المدرسة. وأنشأ الملك الناصر من داخل بابها قبة جليلة لكنها دون قبة أبيه ونقل إليها أمه، ووقف عليها قيسارية الأمير على بخط الشرابشيين والربع الذى يعلوها وكان يعرف بالدهيشة، ووقف حوانيت بخط باب الزهومة ودارا خارج دمشق. فلما مات ابنه أنوك من الخاتون طغاى دفنه بهذه القبة وعمل عليها وقفا يختص بها، ورتب فيها أربعة دروس على المذاهب الأربعة فى الأربعة أواوين، وأجرى عليهم المعاليم ورتب بها إماما وجعل بها خزانة كتب، وكان يجلس بدهليزها الطواشية وكان يفرق بها على سائر أرباب الوظائف السكر فى كل شهر ولحوم الأضاحى فى كل سنة، وهى اليوم عامرة من أجل المدارس، انتهى من المقريزى باختصار. جامع نجم الدين هذا الجامع خارج باب البحر بطريق بولاق. أنشأه نجم الدين بن غازى دلال المماليك، وأقيمت فيه الجمعة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ولقلة السكان حوله يغلق فى غير يوم الجمعة اه. مقريزى.

стр. 1452

جامع سيدى نصر هذا الجامع ببولاق فى درب نصر. وهو صغير وبه ضريح يقال له: ضريح سيدى نصر. يعمل له مولد فى شهر شعبان وحضرة كل ليلة سبت وشعائره مقامة، وكان ناظره المعلم أحمد زهدة شيخ اللحادين. جامع نعمان هذا الجامع بالداوودية. أنشأه الأمير رجب أغا فى غرة جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وتسعمائة كما فى بعض الآثار، وهو مسجد عامر وله بابان وبه منبر وخطبة وبه ضريح معتقد يقال له: ضريح الشيخ نعمان. وله أوقاف تحت نظر ديوان عموم الأوقاف شعائره مقامة من ريعها، وقد أخذ منه جزء فى الشارع الجديد المعروف بشارع محمد على فصار مشطورا غير معتدل الصفوف، وصار على الشارع وعلى رأس حارة الداوودية، وشعائره مقامة بالأذان والخطبة والجماعات. الجامع النفيسى هذا الجامع خارج خط الخليفة داخل البوابة الكبيرة الموصلة إلى القرافة الصغرى بقرب العيون، التى عليها مجرى القلعة عن شمال الذاهب إلى القرافة. وحدده فى كتاب المزارات وغيره بأنه فى درب السباع بين القطائع وأرض العسكر التى عرفت فيما بعد بكوم الجارح. قال المقريزى: الجامع بالمشهد النفيسى. قال ابن المتوج: هذا الجامع آمر بإنشائه الملك الناصر محمد بن قلاوون فعمر فى شهور سنة أربع عشرة وسبعمائة، وولى خطابته علاء الدين محمد بن نصر الله بن الجوهرى شاهد الخزانة السلطانية. وأول خطبته فيه يوم الجمعة الثامن صفر السنة المذكورة، وحضر أمير المؤمنين المستكفى بالله أبو الربيع سليمان وولده وابن عمه والأمير كهرداش متولى شد العمائر السلطانية وعمارة هذا الجامع ورواقاته والفسقية المستجدة. وقيل: ان جميع المصروف على هذا الجامع من حاصل المشهد النفيسى، وما يدخل إليه من النذور ومن الفتوح. قاله المقريزى فى ذكر الجوامع.

стр. 1453

وقال فى ذكر المشاهد: لما توفيت السيدة نفيسة ﵂ دفنت فى منزلها وهو الموضع الذى به قبرها الآن ويعرف بخط درب السباع ودرب بزرب، وأراد زوجها إسحاق بن الصادق أن يحملها ليد فدفنها بالمدينة فسأله أهل مصر أن يتركها ويدفنها عندهم لأجل البركة. قيل: أنهم جمعوا له اثنى عشر ألف درهم فتركها مدفونة عندهم، وقبرها أحد المواضع المعروفة بإجابة الدعاء بمصر، وهى أربعة: سجن نبى الله يوسف الصديق ﵊، ومسجد موسى صلوات الله عليه، وهو الذى يطرا، ومشهد السيدة نفيسة ﵂، والمخدع الذى على يسار المصلى فى قبلة مسجد الأقدام بالقرافة. فهذه المواضع لم يزل المصريون ممن أصابته مصيبة أو لحقته فاقة أو جائحة يمضون إلى أحدها فيدعون الله تعالى فيستجاب لهم مجرب ذلك. ويقال: أنها حفرت قبرها هذا بيدها وقرأت فيه مائة وتسعين ختمة: ثم قال: وذكر غير واحد من علماء الأخبار بمصر: أن هذا قبر السيدة نفيسة ﵂ بلا خلاف، وقد زار قبرها من العلماء والصالحين خلق لا يحصى عددهم. ويقال: أن أول من بنى على قبر السيدة نفيسة عبيد الله بن السرى بن الحكم أمير مصر، ومكتوب فى اللوح الرخام الذى على باب ضريحها وهو الذى كان مصفحا بالحديد بعد البسملة ما نصه: ﴿(نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ)﴾ (١) لعبد الله ووليه معد أبى تميم الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين أمر بعمارة هذا الباب السيد الأجل أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الأنام كافل قضاة المسلمين وهادى دعاة المؤمنين عضد الله به الدين وأمتع بطول بقائه المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته، وشد عضده بولده الأجل الأفضل سيف الإمام جلال الإسلام شرف الأنام ناصر الدين خليل أمير المؤمنين، زاد الله فى علائه وأمتع المؤمنين بطول بقائه فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. والقبة التى على الضريح جددها الخليفة الحافظ لدين الله فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وأمر بعمل الرخام الذى بالمحراب اه.

стр. 1454

وفى كتاب المزارات للسخاوى: أن نظر المشهد النفيسى صار للخلفاء العباسية، وأول من تولى النظر عليه المعتضد بالله أبو الفتح أبو بكر بن المستكفى بالله بتوقيع سلطانى من السلطان الناصر حسن سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. وفى تاريخ الجبرتى: أن الأمير عبد الرحمن كتخدا عمر المشهد النفيسى ومسجده وبنى الضريح على هذه الهيئة الموجودة، وجعل لزيارة النساء طريقا بخلاف طريق الرجال، وذلك فى سنة ثلاث وسبعين ومائه وألف. وقال فى ترجمة الشيخ محمد بن إسماعيل النفراوى المالكى: أنه لما جدد الأمير عبد الرحمن كتخدا المشهد النفيسى عمل أبياتا منها بيتان كتبا على باب الضريح بالذهب على الرخام وهما: عرش الحقائق مهبط الأسرار … قبر النفيسة بنت ذى الأنوار حسن بن زيد بن الحسن نجل الإما … م على ابن عم المصطفى المختار ومنها ما كتبه على باب القبة: عبد رحمن لعفو قد ترجى … قد بناها روضة للزائرين فلذا أرختها يا زائريها … ادخلوها بسلام آمنين ويدخل إلى هذا الجامع من طرقة طويلة مفروشة بالحجر المنحوت بعد النزول من نحو ثلاثة سلالم، وعن يمين الداخل فى تلك الطرقة مطهرة الجامع من ميضأة ومرافق ومصنع وبجوارها مكتب جدد فى زمن نظارة المرحوم أدهم باشا، وعن اليمين والشمال عدة خلا وللصوفية وفى نهايتها بابان: أحدهما يدخل منه إلى الضريح ومن الآخر إلى الجامع. والباب الذى إلى الضريح يدخل منه إلى طرقة مفروشة بالرخام الأبيض بها نحو الأربعة سلالم وزيادة، وعن شمال الداخل منها سبيل وجهه من الرخام عليه كيزان من النحاس الأصفر، وعن اليمين بقرب نهايتها المشهد الشريف له باب من الرخام والقيشانى ويكتنفه عمودان صغيران من حجر السماق وحائط القبة من الأسفل مكسو بالرخام والقيشانى نحو ثلثى قامة، وفى أعلاها آيات قرآنية وفيها قبلة بالرخام والقيشانى وأخرى من الخشب، وعلى البرزخ الشريف مقصورة من النحاس الأصفر المتين وبجوار باب المشهد من الخارج إيوان يجلس عليه القراء فى ليلة الحضرة فيه قبلة

стр. 1455

وباب صغير إلى الضريح لا يفتح إلا فى أيام المولد وشباك مطل على مدافن السادة العباسية التى دفن بها فى سنة سبع وعشرين وتسعمائة كما فى ابن إياس الخليفة يعقوب العباسى رحمه الله تعالى، اه. وتجاه الباب الكبير باب للمسجد يصعد إليه بسلالم من الرخام وعليه من الخشب المصفح بالنحاس وعلى وجهه مما يلى الجامع البيتان المتقدمان من كلام النفراوى: عرش الحقائق مهبط الأسرار … إلخ فلعلهما نقلا من باب الضريح إلى باب الجامع، وتحت البيتين تاريخ سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف وهو تاريخ تتميم عمارة أجراها محب الخيرات المرحوم عباس باشا رحمه الله تعالى. فإنه جدد المقصورة وبعض الأبواب والرخام والدرابزينات وغير ذلك، وتحت التاريخ سطر فيه: «رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد». وبالجامع سبعة عشر عمودا من الرخام ومنبر خشب ودكة للتبليغ، وسقفه خشب بصنعة بلدية، وهناك خلوتان صغيرتان أبوابهما إلى الجامع ويكتنفهما ثلاثة أحجار فى الحائط من الحجر الأسود اللماع، وبجوار ذلك لوح قيشانى صغير فيه خط كوفى ويوسطه طرة مكتوب فيها: توكلت على خالقى. وفى مؤخر الجامع درابزين من الخشب حائل بينه وبين الطرقة الموصلة له. وللمسجد باب آخر فى الحائط التى عن شمال القبلة خارجه طرقة طويلة مفروشة بالحجر، وفى خارجها باب بجوار ضريح الست جوهرة وهناك سبيل ومدافن كثيرة، وهو مسجد جامع ورحاب واسع، وشعائره مقامة إلى الغاية ولا يخلو من الازدحام لكثرة زوار هذه السيدة ذات المناقب الكثيرة والبركات الشهيرة، فترى الناس يهرعون إليها رجالا ونساء لزيارتها والتماس بركتها سيما عند الشدائد وخصوصا فى ليلة حضرتها وهى كل ليلة/اثنين. ولهذا المشهد والجامع إيراد عظيم يبلغ كل سنة خمسة وعشرين ألف قرش وتسعمائة وثلاثة عشر قرشا منها ثمانية عشر ألف قرش وستمائة وثمانية وثلاثون قرشا إيجار مائة وخمسين فدانا موقوفة عليها وستة آلاف قرش ومائتان وثلاثة وثلاثون قرشا إيجار عقارات من رباع وحوانيت ونحوها، ومائتان وثلاثة قروش أحكار ومرتب فى الروزنامجه ثمانمائة وسبعة وثلاثون قرشا. يصرف للخدمة من ذلك كل سنة خمسة آلاف ومائتان وثمانية

стр. 1456

وثمانون قرشا ولنحو الزيت والحصر والبسط وملء الميضأة ونحو ذلك ثلاثة عشر ألف قرش وسبعون قرشا ويحفظ الباقى فى ديوان الأوقاف لنحو العمارات. وذلك غير النذور والعوائد الآتية من الزوار، لكن ذلك يأخذه الخدمة ولا يحسب فى الإيراد ومن ذلك إيراد القنديل المعلق فى القبة فوق المقصورة بجوار الضريح، فإن من كان بعينه داء من رمد ونحوه من أهل المحروسة وغيرهم رجالا ونساء يذهب فى ليلة الحضرة إلى الزيارة فيبيت هناك ويكحل عينه من زيت ذلك القنديل ويدفع للوقاد ما تيسر من النقود، ويرون فى ذلك شفاء فإذا تم الشفاء يأتون بالنذور والهدايا، ولذلك القنديل شهرة تامة فى هذه الخاصية وقد ترجم هذه السيدة الكريمة جماعة من المؤرخين ترجمة السيدة نفيسة ﵂: قال المقريزى: نفيسة ابنة الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب أمها أم ولد تزوجها إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين فولدت له ولدين القاسم وأم كلثوم لم يعقبا. وكانت نفيسة من الصلاح والزهد على الحد الذى لا مزيد عليه فيقال: أنها حجت ثلاثين حجة وكانت كثيرة البكاء تديم قيام الليل وصيام النهار؛ فقيل لها: ألا ترفقين بنفسك!. فقالت: كيف أرفق بنفسى وأمامى عقبة لا يقطعها إلا الفائزون!. وكانت تحفظ القرآن وتفسيره، وكانت لا تأكل إلا فى كل ثلاث ليال أكله. وذكر أن الإمام الشافعى ﵁ زارها من وراء الحجاب وقال لها: ادعى لى. وكان صحبته عبد الله بن عبد الحكم، وماتت ﵂ بعد موت الإمام الشافعى ﵁ بأربع سنين. وقيل: أنها كانت فيمن صلى على الإمام الشافعى وقد توفيت ﵂ فى شهر رمضان سنة ثمان ومائتين ودفنت فى منزلها المعروف بخط درب السباع ودرب بزرب. ويقال: أنها حفرت قبرها هذا وقرأت فيه مائة وتسعين ختمة وأنها لما احتضرت خرجت من الدنيا وقد انتهت فى حزبها إلى قوله تعالى: ﴿(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)﴾ (١) ففاضت نفسها مع قوله تعالى: (الرحمة) اه. باختصار. وفى ابن خلكان: أنها دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر. وقيل: دخلت مع أبيها الحسن وأن قبره بمصر.

стр. 1457

ويروى أن الإمام الشافعى ﵁ لما دخل مصر حضر إليها وسمع عليها الحديث، وكان للمصريين فيها اعتقاد عظيم وهو إلى الآن باق كما كان، ولما توفى الإمام الشافعى أدخلت جنازته إليها وصلت عليه فى دارها، وكانت فى موضع مشهدها اليوم، ولما ماتت عزم زوجها على حملها إلى المدينة فسأله المصريون بقاءها عندهم فدفنت فى الموضع المعروف بها الآن بين القاهرة ومصر عند المشاهد، وهذا الموضع يعرف يوم ذاك بدرب السباع فخرب الدرب ولم يبق هناك سوى المشهد وقبرها مشهور بإجابة الدعاء عنده وهو مجرب اه. وفى إسعاف الراغبين فى فضائل أهل البيت للشيخ محمد الصبان: وأن المشهور بمصر أن السيدة نفيسة ﵂ هى بنت الحسن بن زيد بن الحسن أن جمهور النسّابين يقولون: أنها بنت زيد بن الحسن بن على ولدت بمكة سنة خمس وأربعين ومائة، ونشأت بالمدينة فى العبادة والزهد وكانت ذات مال، فكانت تحسن إلى الزمنى والمرضى وعموم الناس، ولما ورد الشافعى مصر كانت تحسن إليه وربما صلى بها فى رمضان ولما قدمت مصر كانت بها بنت عمها السيدة سكينة ولها بها الشهرة التامة فخلعت عليها الشهرة فصار للسيدة نفيسة القبول التام بين الخاص والعام وماتت وهى صائمة فألزموها الفطر فقالت: واعجباه لى منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه وأنا صائمة أفطر الآن هذا لا يكون. ثم قرأت سورة الأنعام فلما وصلت إلى قوله تعالى: ﴿(لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ)﴾ (١) ماتت وكانت قد حفرت قبرها بيدها وقرأت فيه ستة آلاف ختمة، ولما ماتت دفنت فيه ببيتها فى درب السماع بالمراغة محل معروف بينه وبين مشهد ها الذى بزار الآن مسافة، ثم ظهرت فى هذا المكان الذى يزار الآن لأن حكم الحال فى البرزخ حكم إنسان تدلى فى تيار جار فيظهر بعد ذلك فى مكان آخر اه. وفى رحلة النابلسى: أن قبر السيدة نفيسة ﵂ معروف بإجابة الدعاء مقصود للزيارة من كل جهة، ولما وصلنا إلى القرافة للزيارة ابتدأنا بزيارة قبرها فدخلنا نحن والجماعة الذين كانوا معنا إلى مزارها المعمور، فإذا هو ملآن من الناس مع كمال الخشوع والحضور والنساء هناك وجدناهن تقرأ لهن القرآن امرأة حافظة بالصوت العالى وكوكب الهيبة والجلال فى سماء تلك الحضرة متلألئ/فوقفنا وقرأنا الفاتحة ودعونا الله تعالى، ثم دخلنا إلى معبدها هناك وصلينا فيه ركعتين بقصد

стр. 1458

حصول البركة، وفيه شباكان مطلان على قبور الخلفاء العباسيين عليهما من الحديد شبكة، وقرأنا الفاتحة ثانيا ودعونا الله تعالى وخرجنا بأدب وحضور (١) اه. وفى كتاب المزارات للسخاوى: أن سبب قدوم السيدة نفيسة إلى مصر أنها حجت ثلاثين حجة راكبة فى بعضها وماشية فى بعضها، وكانت تقرأ القرآن وتفسيره وتقول: إلهى لك علىّ زيارة قبر خليلك إبراهيم ﵊. فحجت سنة وقضت حجتها وتوجهت مع زوجها إلى بيت المقدس فزارت قبر الخليل وأتت مع زوجها إلى مصر فى رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكان لقدومها إلى مصر أمر عظيم تلقاها الرجال والنساء بالهوادج من العريش، ونزلت أولا عند كبير التجار بمصر جمال الدين عبد الله بن الجصاص - بالجيم - وقيل: بالحاء. وكان من أصحاب المعروف والبر فأقامت عنده شهورا يأتى إليها الناس من سائر الآفاق للتبرك، ثم تحولت إلى مكانها المدفونة به وهبه لها أمير مصر السرى بن الحكم. وسبب ذلك: أن بنتا يهودية زمنة تركتها أمها عندها وذهبت إلى الحمام فشفاها الله تعالى ببركة السيدة ﵂ وأسلمت، ثم أسلمت أمها ثم أسلم أبوها ثم أسلم جماعة من الجيران يقال أن عدد من أسلم فى هذه الحادثة سبعون نفرا ودارا فى ذلك النهار أو تلك الليلة. ولما شاع ذلك لم يبق احد إلا يقصد زيارتها وكثر الناس على بابها؛ فطلبت الرحيل إلى بلاد الحجاز فشق على أهل مصر وسألوها الإقامة فأبت فركب إليها السرى بن الحكم وسألها الإقامة؛ فقالت: إنى امرأة ضعيفة وقد شغلونى عن جمع زادى لمعادى ومكانى قد ضاق بهذا الجمع الكثيف. فقال لها: أما ضيق المكان فإن لى دارا واسعة بدرب السباع فأشهد الله أنى قد وهبتها لك وأسألك أن تقبليها منى. وأما الجموع الوافدة فقررى معهم أن يكون ذلك يومين فى الجمعة وباقى أيامك فى خدمة مولاك، فجعلت لهم يوم السبت ويوم الأربعاء إلى أن توفيت فى هذا المكان. وكراماتها ومناقبها جليلة وقد أقبل على زيارتها فى الحياة وبعد الممات خلق لا يحصون من العلماء والخلفاء والأولياء وغيرهم. قيل: أن الخلعى كان يقول عند زيارتها: السلام والتحية والإكرام من العلى الرحمن على السيدة نفيسة الطاهرة المطهرة سلالة البررة وابنة علم العشرة الإمام حيدرة. السلام عليك يا ابنة الإمام الحسن المسموم أخى

стр. 1459

الإمام الحسين سيد الشهداء المظلوم: السلام عليك يا بنت فاطمة الزهرا وسلالة خديجة الكبرى، رضى الله ﵎ عنك وعن جدك وأبيك وحشرنا فى زمرة والديك وزائريك. اللهم بما كان بينك وبين جدها ليلة المعراج اجعل لنا من همنا الذى نزل بنا انفراج، واقض حوائجنا فى الدنيا والآخرة يا رب العالمين. وزاد بعضهم على هذا على الدعاء فقال: السلام والتحية والإكرام على أهل بيت النبوة والرسالة، والسلام والرحمة على بنت الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن المثنى الحسن السبط بن على المجتبى وابن فاطمة الزهرا، أنتم غياث لكل قوم فى اليقظة والنوم، فلا يحرم فضلكم إلا محروم، ولا يطرد عن بابكم إلا مطرود، ولا يواليكم إلا مؤمن تقى، ولا يعاديكم إلا منافق شقى. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأعطنى خير ما رجوت بهم، وبلغنى خير ما أملت فيهم. يا آل بيت المصطفى، إنما السر والسلامة فيكم جئتكم قاصدا فبالله اقبلونى فقد حسبت عليكم. اللهم إنى ألوذ إليك بحب آل محمد ﷺ أرجو بذلك رحمة الرحمن منى الدعاء بحبهم لك دائما يا دائم المعروف والغفران. وكان بعضهم يقف عند هذا المشهد ويقول: يا رب إنى مؤمن بمحمد … وبآل بيت محمد بتوال فبحقهم كن لى شفيعا منقذا … من فتنة الدنيا وشر مآل وكان بعضهم يقول: يا بنى الزهراء والنور الذى … ظن موسى أنه نار قبس لا أوالى قط من عاد كو … إنه آخر سطر فى عبس وقد أخذ أرباب الدولة فى العمارة بجوار ضريح السيدة نفيسة ﵂ للتبرك بها قديما وحديثا فمنهم الستر الرفيع والحجاب المنيع أم السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب بن شاذى الكردى أنشأت رباطا بجوارها، والملك الناصر محمد بن قلاوون أمر بإنشاء جامع بخطبة وشيد بناءه. ولما توفى الخليفة أمير المؤمنين أبو العباس أحمد بن العباسى المعروف بالأسمر فى سنة إحدى وسبعمائة أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون أن يدفن بالمشهد النفيسى

стр. 1460

فدفن هناك وبنيت له قبة وهو أول خليفة دفن بمصر من العباسيين، وكان دخوله مصر سنة ستين وستمائة فى دولة السلطان بيبرس البندقدارى، وكانت مدة خلافته أربعين سنة وبجوار المشهد قبور جماعة من العباسين. وادعى/قوم: أن السيدة نفيسة ورابعة العدوية كانتا متعاصرتين وليس كذلك. فإن السيدة رابعة العدوية أم الخير بنت إسماعيل البصرى توفيت سنة خمس وثلاثين ومائة فى خلافة السفاح، وكان مولد السيدة نفيسة فى سنة خمس وأربعين ومائة فكان بين مولد السيدة نفيسة وموت رابعة العدوية عشر سنين اه. ومن حوادث هذا المشهد والجامع ما فى تاريخ ابن إياس من حوادث سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة: أن العساكر العثمانية عند تغلبهم على الديار المصرية وكسرهم للسلطان طومان باى. وعساكره جاء جماعة منهم على مصر القديمة وطلعوا من على باب القرافة الكبرى إلى المشهد النفيسى، ودخلوا الفرنج وداسوا على القبر وأخذوا القناديل الفضة والشموع والبسط وغير ذلك، وقتلوا من وجدوه مختفيا هناك من المماليك الجراكسة وفعلوا ذلك فى عدة مساجد كالجامع الأزهر وجامع ابن طولون والجامع الحاكمى انتهى. نادرة العنز: وفى تاريخ الجبرتى من حوادث سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف: أن خدام المشهد النفيسى أظهروا عنزا صغيرا مدربا وكان كبيرهم إذ ذاك الشيخ عبد اللطيف وزعموا: أن جماعة أسرى ببلاد النصارى توسلوا بالسيدة نفيسة ﵂، وأحضروا ذلك العنز لذبحه فى ليلة يجتمعون فيها للذكر والدعاء ويتوسلون فى خلاصهم من الأسر، فاطلع عليهم الكافر فزجرهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنز؛ فرأى فى المنام رؤيا أهالته فأعتقهم وأعطاهم دراهم وصرفهم مكرمين، فحضروا إلى مصر ومعهم العنز وذهبوا بها إلى المشهد النفيسى وكثرت فيها الخرافات. فمن قائل: أنهم أصبحوا فوجدوها عند المقام. ومن قائل: فوق المنارة. ومن قائل: سمعناها تتكلم. ومنهم من يقول: السيدة أوصت عليها وأن الشيخ سمع كلامها من القبر، ثم أنه أبرزها للناس وجعلها بجانبه، وجعل يقول ما يقول من الخرافات التى يستجلب بها الدنيا وتسامع الناس بذلك، وأقبلوا من كل فج رجالا ونساء لزيارتها وأتوا للشيخ بالنذور والهدايا، وعرفهم: أنها لا تأكل إلا قلب اللوز والفستق ولا تشرب إلا ماء الورد والسكر المكرر فأتوه من ذلك بالقناطير وعمل الناس للعنز قلائد الذهب وأطواق الذهب وافتتنوا بها،

стр. 1461

وشاع الخبر عند الأمراء وأكابر النساء فجعلن يرسلن كل على قدر مقامه من النذور وازدحمن على زيارتها، فأرسل الأمير عبد الرحمن كتخدا إلى الشيخ عبد اللطيف يلتمس منه حضوره إليه بالعنز ليتبرك هو وحريمه بها، فركب الشيخ بغلته والعنز فى حجره وصحبته الطبول والبيارق والجم الغفير من الناس حتى دخل بيت ذلك الأمير على تلك الحالة وصعد بها إلى مجلسه وعنده كثير من الأمراء فتلمس بها وأمر بإدخالها إلى الحريم للبركة، وكان قد أوصى بذبحها وطبخها فلما أخذوها ذبحوها وعملوها قممه وأخرجوها مع الغذاء فى صحن فأكلوا منها، وصار الشيخ عبد اللطيف يأكل والأمير يقول: كل يا شيخ من هذا الرميس السمين. فيقول: والله إنه طيب ونفيس. وهو لا يعلم أنه عنزه وهم يتغامزون ويضحكون، فلما أكلوا وشربوا القهوة طلب الشيخ العنز فعرفه الأمير أنها التى كالت بين يديه فى الصحن وأكل منها فبهت عند ذلك، ثم بكته الأمير ووبخه وأمر أن يوضع جلد العنز على عمامته وأن يذهب به كما جاء بجمعيته وبين يديه الطبول والأشاير، ووكل به من أوصله إلى محله على تلك الصورة، وفى ذلك يقول الأديب الكامل الشاعر الثائر عبد الله بن سلامة الإدكاوى: ببنت رسول الله طيبة السنا … نفيسة لذ تظفر بما شئت من عز ورم من جداها كل خير فإنها … لطلابها يا صاح أنفع من كنز ومن أعجب الأشياء تيس أراد أن … يضل الورى فى حبها منه بالعنز فعاجلها من نوّر الله قلبه … يذبح وأضحى الشيخ من أجلها مخزى جامع نقيب الجيش هو بدرب الجماميز عند عطفة حبيب أفندى على يمنة السالك من الشارع إلى قناطر السباع، ويعرف أيضا بجامع الشيخ مصطفى المنادى. وقد ذكرناه فى حرف الميم. جامع النوبى هذا المسجد بدرب النوبى داخل درب مصطفى، وهو مقام الشعائر ولم أقف على تاريخ إنشائه، وبه ضريح يقال له: ضريح الشيخ أحمد النوبى. والناظر على أوقافه الشيخ إبراهيم ضرغام. ***

стр. 1462

حرف الهاء جامع الهياتم هذا الجامع بحارة الهياتم من خط الحنفى. أنشأه الأمير يوسف جربجى وعلى بابه رخامة بها هذه الأبيات: بشراك أحييت البقاع بمسجد … فيه الثناء كذا السنا مجموع وسبيل ماء قال رائى حسنه … هذا السبيل بحكمة مصنوع /رغبت أناس فى مساجد أسست … فسبيلهم بثوابهم مشفوع ومشيد يوسف حظه أرخته … بشرى ومسجد يوسف مرفوع وحائط وجهه منقوشة وبها شبابيك مركب عليها نحاس وعلى كل منها رخامة منقوش فى إحداها: «الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين» (١) وفى الثانية: ﴿(إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً)﴾ (٢) وفى الثالثة: «أول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله» (٣) صدق النبى المكى المدنى. وعلى الرابعة: عجلوا بالصلاة قبل الفوت وعجلوا بالتوبة قبل الموت. وهو مسجد معلق بأسفله دكاكين موقوفة عليه وأعمدته من الرخام وقبلته رخام منقوش وبه منبر خشب قديم وسقفه صنعة بلدية وله ميضأة ومراحيض وبئر، وبلصقه سبيل تابع له يعلوه مكتب وعلى بابه لوح رخام عليه أبيات تتضمن تاريخ سنة سبع وسبعين ومائة وألف، وعلى باب من داخل هذا الباب لوح رخام منقوش فيه هذا البيت: فى ماء هذا السلسبيل سرى الشفا … ومزاجه فى الشرب من تسنيم وله شباك مكتوب بأعلاه: لله بالتقوى تأسس مسجد … يروى الفضائل بالفضائل يوصف فزهى بإشراق وزان بمكتب … بسنا ضيا القرآن أضحى يعرف

стр. 1463

ويدل يا منشيه عنك بأنما … لله أخلص فيه منك المصرف فلك الرضا عن مسجد أرخته … وسبيلك الفردوس بشرى يوسف قال الجبرتى فى حوادث سنة ثمان وثمانين ومائة وألف: لما بنى المرحوم يوسف جربجى مسجد الهياتم قرب منزله بخط أبى محمود الحنفى جعل إمامه الفقيه الفرضى الأصولى الصالح الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن شاهين الراشدى الشافعى فأعاد دروس الحديث فيه، انتهى. ***

стр. 1464

حرف الواو جامع السادات الوفائية هذا المسجد بسفح الجبل المقطم شرقى مسجد الإمام الشافعى وسيدى عقبة ﵄، كان أصله زاوية تعرف بزاوية السادات أهل الوفاء فجددها مسجدا على ما هى عليه الآن الوزير عزت محمد باشا بأمر كريم من السلطان عبد الحميد فى سنة إحدى وتسعين ومائة وألف؛ ففى كتاب وقفية هذا الجامع: أنه لما ورد الخط الشريف السلطانى من حضرة سيدنا ومولانا السلطان المغازى عبد الحميد خطابا لحضرة سيدنا ومولانا الوزير عزت محمد باشا محافظ مصر المحمية بأن يخرج القدر الآتى ذكره من مال الخزينة العامرة برسم عمارة الزاوية الشريفة كعبة الأسرار القدسية بسفح الجبل المقطم، المعروف بغراس أهل الجنة المعروفة بزاوية السادات أهل الوفاء، المشمولة بنظر سيد السادات مولانا السيد الشيخ محمد أبى الأنوار بن وفا بموجب التمسكات الشرعية المخلدة بيده، وقابل ذلك الوزير الأمر بالسمع والطاعة وفوض أمر العمارة والصرف عليها للناظر المشار إليه، وأبرز فرمانه الشريف لطرف الروزنامجة لإخراج القدر المعين بالخط الشريف الخاقانى ليصرفه الناظر فيما هو مأمور به؛ فعند ذلك شرع الأستاذ المشار إليه فيما هو مفوض إليه وأزال كامل ما بالزاوية وما هو تبع لها من الأود والخلاوى والمساكن والمنافع وغير ذلك من الأبنية القديمة، وأحضر المؤن والآلات المحكمة والرجال القادرين على العمل، وأنشأ محل ذلك بناء جديد يشتمل على واجهة بحرية مبنية بالحجر الفص النحيت الأحمر بها باب مقنطر مدائنى بجلستين يمنة ويسرة يعلوه سكفة من الرخام المرمر الأبيض مكتوب عليها أبيات، وتجاه هذا الباب من الخارج سلم ثلاث درج مبنى بالحجر الفص النحيت ومصطبة برسم الركوب، ويدخل من هذا الباب إلى فسحة كبيرة مستطيلة مفروشة بالحجر النحيت مبنى دائر جهاتها بالحجر النحيت الأحمر بها تجاه الداخل باب المسجد، وهو باب مقنطر مبنى بالرخام المرمر الأبيض ملمع بالذهب الأحمر يعلوه سكفة من الرخام المرمر الأبيض مكتوب على عارضته علو السكفة المذكورة بالذهب الأحمر: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿(وَقالُوا﴾

стр. 1465

﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ)﴾ (١). ومكتوب على السكفة أربعة تواريخ فى ضمن بيتين وهما: /باب شريف قد رفى بينى الوفا … الحب فيه أفضل الأقطاب سنة ١١٩١ سنة ١١٩١ قالت لنا أنوار سر جنابه … لا شك هذا أكمل الأبواب سنة ١١٩١ سنة ١١٩١ وبجانبى الباب دائرتان من الرخام الأبيض يمنة ويسرة مكتوب على إحداهما بيتان بالذهب الأحمر وهما: لسلطاننا عبد الحميد مكارم … أقام بها للدين ركنا مشيدا له النصر من آل الوفاء مؤرخ … تدوم وتبقى بالصلاح مؤيدا سنة ١١٩١ وعلى الدائرة الثانية بيتان بالذهب الأحمر وهما: عبد الحميد بجاه النصر معتصم … عن الملوك بأوصاف الثنا فاقا حزت الفلاح أبا الأنوار دم فرحا … أعطاك ربك أنوارا وإشراقا وبجوار باب المسجد المذكور شباك يعلوه دائرة من الرخام الأبيض مكتوب عليها بالذهب الأحمر: حيا الله سلطان البرية نصره … وأيده المولى الحميد بمجده وجازاه عن آل الوفا أحسن الجزا … وأولى أبا الأنوار سائر قصده ومكتوب عليها أيضا نثرا: قد كمل بناء هذا الحرم الوفائى السعيد بعناية الله الملك الحميد فى غاية عام إحدى وتسعين ومائة وألف من هجرة من له العز والشرف ﷺ . يغلق على الباب المذكور مصراعا باب من خشب الجوز مصفحان بصفائح

стр. 1466

النحاس الأصفر بكل منهما حلقة من النحاس الأصفر، ويعلو ذلك الباب من داخل المسجد لوح مكتوب عليه هذا البيت: والأولياء وإن جلت مراتبهم … فى رتبة العبد والسادات سادات ويدخل من الباب المذكور إلى مسجد شريف جامع لجميع المحاسن أعلاه قناديل تقارن الثريا تقام فيه الصلوات الخمس بالجماعات والجمعة والعيدان والسنن معمور بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن. ويشتمل هذا المسجد على محراب مبنى بالرخام الملون به يمنة ويسرة عمودان صغيران من الرخام المرمر الأبيض يعلوه تاج من خشب الجوز منقوش بالذهب الأحمر، يجاوره منبر من خشب الجوز له باب بمصرا عين من خشب الجوز منقوش بالذهب الأحمر، وسلم عشر درج يعلوه قبة بأربعة عساكر وهلال من النحاس المصفى المموه بالذهب المحلول. وبالمسجد أربعة أواوين: أحدها تجاه الداخل به المنبر والمحراب واثنان على يمنة الداخل والرابع على يسرته وبينها الصحن يوصل إليه مجاز مفروش بالرخام الملون. والمسجد مسقف جميعه روميا بالخشب النقى به إزار من الخشب مكتوب عليه باللازورد والذهب الأحمر قصيدة فى مدح بنى الوفا، وأرضه مفروشة بالبلاط الكذان دائر جهاته بالحجر الفص النحيت الأحمر الجديد، وبحائط المحراب والمنبر من أوله إلى آخره أرزة كبيرة من الرخام المرمر الملون، وبه ستة عشر عمودا من الرخام المرمر الأبيض عليها اثنان وعشرون بائكة معقودة بالحجر النحيت، وبالسقف أربعة ممارق وقبة من الخشب برسم النور يعلوها هلال من النحاس المموه بالذهب المحلول، وبحائط المسجد الغربى اثنا عشر شباكا قمريات بالصحن دكة خشب برسم الاستقبال، وبالمسجد ثلاث خلوات إحداها برسم الخطيب بجوار المنبر على عارضته بابها بالذهب الأحمر: رب افتح يا فتاح. فهو تاريخ للبناء. والثانية لوقاد المصابيح بالمسجد وما يتعلق بالوقادة من الأحمال والقناديل وغير ذلك مكتوب على عارضة بابها بالذهب الأحمر: ﴿(اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ (١) والثالثة لشيخ السجادة مكتوب على عارضة بابها بالذهب الأحمر: «اللهم هب لنا الخلوة معك والعزلة عما سواك». وبجوار الخلوة باب يوصل للمساكن ودواليب من الخشب، وبالصحن مقصورة ضريح القطب الكبير سيدى أبى الحسن على وفا ووالده القطب الغوث الفرد الجامع الختم المحمدى كما نص عليه الشيخ الأكبر الإمام ابن العربى والعارف الشعرانى وغير واحد.

стр. 1467

تشتمل تلك المقصورة على درابزين من خشب الجوز مموه بالذهب الأحمر، وباب بمصراعين من خشب الجوز مصفح بصفائح النحاس، ورفرف فى الجهات الأربع والأسفل من دائرة المقصورة مبنى من الجهات الأربع بالرخام المرمر الأبيض يعلوها قبة منقوشة بالذهب محمولة على ستة أعمدة من الرخام المرمر الأبيض، وستة أكتاف متصلة بسقف المسجد مدهونة بالدهانات الملونة، وبالمقصورة عساكر من النحاس/المصفى المموه بالذهب ويعلو قبتها هلال من النحاس المصفى المموه بالذهب، وعلى دائرة المقصورة أبيات بالذهب أولها: هذه روضة وهذا مقام … مزهر نوره وقطب إمام هذه جنة بروض رضاها … خير آل نزيلهم لا يضام وآخرها: بالرضا فى ضريح جدك أرخ … حى قطب الأقطاب هذا المقام سنة ١١٩١ وعلى باب المقصورة بيتان هما: إن باب الله طه جدكم … ولكم قدر على عن على كل من يرجو الوفا من بابكم … وأتى من غيركم لم يدخل وعلى رفرف القبة من الجهات الأربع بالذهب الأحمر آيات شريفة، وبجوار المقصورة حوض كبير من الرخام المرمر موضوع به الرمل الأحمر على العادة فى ذلك، وتجاه باب المقصورة تاج من الرخام المرمر الأبيض بأربع وجوه مكتوب بالذهب على الوجه الأول: لا إله إلا الله الواحد الحى الدائم العلى الحكيم. وعلى الثانى: محمد رسول الله الفاتح الخاتم أصل الوفا المشفع العظيم. وعلى الثالث مكتوب نسب حضرة روح أرواح اللطائف المحمدية وسر أسرار كنز المواهب الرحمانية: الأستاذ أبى الحسن على وفا بن محمد بن محمد بن محمد النجم بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن عيسى بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن عبد الكريم بن محمدين عبد السلام بن حسين بن أبى بكر بن على ابن محمد بن أحمد بن على بن محمد بن إدريس التاج ابن إدريس الأكبر ابن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه ورضى عنه. وتجاه باب المقصورة العتبة التى تقبل، وبالإيوان الأول الذى على يمنة الداخل من باب المسجد ثلاث مقصورات على كل منها درابزين من الخشب النقى بالأولى: ضريح

стр. 1468

القطب الربانى سيدى أبى الإسعاد ابن وفا وضريح سيدى عبد الفتاح أبى الإكرام ابن وفا، وبالثانية: ضريح القطب الربانى سيدى محمد أبى الفتح ابن وفا. وبالثالثة: ضريح القطب الربانى سيدى يحيى أبى اللطف ابن وفا. والإيوان الثانى الذى على يمنة الداخل من المسجد أيضا به ثلاث مقصورات على كل منها درابزين من الخشب بالأولى: ضريح القطب المعظم سيدى عبد الوهاب أبى التخصيص ابن وفا، وبالثانية: ضريح القطب المعظم سيدى يوسف أبى الإرشاد ابن وفا، وبالثالثة: ضريح القطب المعظم سيدى عبد الخالق أبى الخير بن وفا، وضريح القطب المعظم سيدى محمد أبى الإشراق بن وفا، وضريح القطب المعظم سيدى محمد أبى هادى بن وفا، وضريح القطب المعظم سيدى أحمد أبى الإمداد ابن وفا. والإيوان الثالث الذى على يسرة الداخل من المسجد به مقصورة كذلك بها ضريح القطب المعظم سيدى عبد الرحمن أبى الفضل الشهيد ابن وفا، وبالإيوان المذكور الشباك الذى علوه الدائرة بجوار باب المسجد، وله مطهرة بها مصلى بمحراب وفسقية وحنفية وسبعة كراسى راحة وساقية، وله منارة بدورين عليها هلال نحاس مصفى مموه بالذهب، ويتبع ذلك عمارة واسعة بجوار المسجد تشتمل على: دهاليز وتبليطات وبسطات وقصور ومساكن ذات رواشن وخورنقات وخلاو ومخازن لأمتعة الوقف ولوازمه من نحاس وفرش وزيت وقناديل وغير ذلك، وقاعات لطعام سماط الموالد ومطابخ وبيت عجين وطابونة وطاحون فرد فارسى كامل، وبيت قهوة ودست كبير برسم الماء ومصاطب وكلارات (١) ووكالة لربط دواب الزوار ونحوهم وحوش كبير فيه مدافن وصهريج وبزابيز وحنفيات وكراسى راحة. وتلك الأبنية بالحجر الفص النحيت الأحمر الجديد وبعضها مفروش بالبلاط الكذان وبعضها بالرخام وسقوفها من الخشب النقى وشبابيكها من الخشب الخرط النقى وسلالمها معقودة بالبلاط الكذان إلى غير ذلك .. وصرف مولانا الأستاذ المشار إليه مبلغا قدره من الأكياس المصرية التى عبرة كل كيس منها خمسة وعشرون ألف نصف فضة مائة كيس وستة وعشرون كيسا وواحد وعشرون ألف نصف وأربعمائة نصف وخمسون نصفا فضة ديوانيا. استهلك ذلك فى ثمن مؤن وأجر من جير وجبس وطين ورماد وطوب ودبش وأحجار نحيت وبلاط ورخام وأخشاب متنوعة وقصار وأغلاق ودبلاق وأنخاخ ومسمار

стр. 1469

حديد وقريقيات ورزز حديد ونحاس ورصاص ودهانات وزجاج، وأجرة فعلة وبنائين ومهندسين ونحاتين ونجارين ونشارين وخراطين ومبلطين ومبيضين ومرخمين وسباكين ودهانين وقمرياتية ونقاشين، ونقل أتربة إلى الكيمان وغير ذلك مما احتاج إليه كل ذلك من مال الخزينة العامرة، وما صرفه الأستاذ المومى إليه من ماله أحد وعشرون ألف نصف وأربعمائة وخمسون نصفا فضة باقى مبلغ الصرف المعين بمفرداته وتفاصيله بالدفتر المحرر فى شأن ذلك تحت يد الأستاذ، والتمس حضرته الإذن الكريم من شيخ مشايخ الإسلام مولانا الشريف محمد أفندى قاضى القضاة يومئذ بمصر المحمية لمن يعتمد عليه من عدول مجلسه/الشريف بالتوجه معه صحبة معمارجى باشا وأهل الخبرة للكشف على ذلك وقطع قيمة البناء فأجابه لذلك. وحضر الجم الغفير من الأعيان وغيرهم فوجد البناء مشتملا على الأوصاف المشروحة وذرع بذراع العمل المعتاد فبلغ ثلاثا وعشرين ألف ذراع ومائة وخمسة عشر ذراعا مكسر ابحساب الشطرنج، وبلغت قيمته من الأكياس أحدا وأربعين كيسا مصريا وخمسة عشر ألف نصف ومائة وسبعين نصفا فضة ديوانيا بحساب كل ذراع خمسة وأربعين نصفا فضة عددية، وذلك خارج عن ثمن البلاط وجبس البلاط وجبس البياض والأخشاب والرخام والرصاص والنحاس والحديد والزجاج والدهانات وأجرة الشغالة وأرباب الصنائع وقدر ذلك خمسة وثمانون كيسا مصرية وستة آلاف نصف ومائتا نصف واثنان وثمانون نصفا فضة بما فى ذلك من ثمن قطنى هندى وأطلس وصندل وبفته هندى برسم ستر المقام الكبير الوفائى كيس واحد وثمن حصر نقش أحمر وأبيض برسم فرش المسجد كيس واحد وكسور وثمن ذهب وفضة دستات يرسم نقش القبة الشريفة ودوائر المسجد والتواريخ ثلاثة أكياس مصرية وكسور، وثمن صفائح نحاس أصفر محلى بالذهب المحلول برسم الأبواب وهلالات برسم القبة الشريفة، والمنبر والمنارة ثلاثة أكياس وكسور وثمن جوخ وقطنى وألاجات وشاشات كساوى برسم المعلمين أرباب الحرف والصنائع المشروحة وغيرهم كيس واحد وكسور. وبعد شهادة كاتب العمارة وشهادة أمينها وطوائف المعلمين وأهل الخبرة المعينين لذلك حكم القاضى بجريان كامل البناء الموصوف فى أوقاف ساداتنا بنى الوفا نفع الله بهم المسلمين. وأمر بكتابة ذلك وقيد بسجل الديوان فى السادس والعشرين من شهر الله المحرم افتتاح سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف انتهى ملخصا من كتاب وققيته.

стр. 1470

وهذا الجامع باق على معالمه المشروحة إلى الآن وشعائره مقامة على الوجه الأكمل، وأوقافه كثيرة تحت يد ناظره أبى الوفاء السيد عبد الخالق السادات فرع هذه الشجرة الطيبة الوفائية، ويعمل به كل ليلة جمعة حضرة جامعة وكل سنة فى شعبان مولد حافل، ثم ان لهؤلاء السادات فضلا تليدا وعزا قديما وجديدا فهم غنيون عن التعريف فائقون على كل شريف، ينتهى نسبهم إلى سيدنا الحسن بن الإمام على ﵃ كما تقدم بيانه. وأكبرهم شهرة وجلالا وأوفرهم حرمة وأحوالا: سيدى محمد وفا ﵁ ابن سيدى محمد بن محمد. ترجمة سيدى محمد وفا: قال الشعرانى فى طبقاته: كان سيدى محمد وفا من أكابر العارفين وأخبر ولده سيدى على أنه هو خاتم الأولياء صاحب الرتبة العلية وكان أميّا وله لسان غريب فى علوم القوم، وله مؤلفات كثيرة حتى فى صباه نظما ونثرا منها: كتاب العروس وكتاب الشعائر وديوان عظيم، وله رموز مطلسمة لم يفك أحد معناها فيما نعلم وسمى وفالأن بحر النيل توقف فى أوان الوفاء فعزم أهل مصر على الرحيل فجاء إلى البحر وقال: اطلع بإذن الله تعالى فطلع سبعة عشر ذراعا وأوفى فسمى وفا. وسئل ولده سيدى على أن يشرح تائيته فقال: لا أعرف مراده لأنه لسان أعجمى على أمثالنا. ومن كلامه ﵁ فى كتاب فصول الحقائق: أعوذ بالله من شياطين الخلق والكون وأبالسة العلم والجهل وأغيار المعرفة والنكرة، اللهم إنى أعوذ بك وبسبق قدمك من شر حدودك وبظلمة ذاتك من نور صفاتك، وبقوة سلوبك من ضعف إيجادك وبظلمة عدمك من نور تأثيراتك، وأعدنى اللهم بك منك فى كل شئ بكل ذلك كذلك من وجه العلم ولا كيف كذلك من حيث العقل، ولا بذلك من جهة قصد النفس ولا كذلك من حيث تصّور الفهم أعوذ بك من كل ذلك كذلك من حيث إنه كذلك لا من حيث إنك ولى ذلك. اللهم أغنى بديموميتك عن بقاء آلائك وبإحاطة وجودك عن تصوّر الواحد والأحد، وبقيومية قيامك عن استقامة تقويم المدد وغيبتى فى ظلمة ذاتك التى تعجز فيها الأبصار والبصائر، وتستجيل فيها معارف العقول الإلهية ذات الأسرار والسرائر، وأستغفرك بلسان الحق لا بلسان الوقاية والنظر بعين التلاشى لا بعين الرعاية، والجذب بسر العدم لا بقوة الهداية، والتلاشى بنفى الرسم لا برسوم الولاية،

стр. 1471

سبحانك من وجه ما أنت لا من وجه ما أنا، سبحانك من وجه الوجه المنزه عن وسم الأسماء والكنى، سبحانك فى الحيث الذى لا يلتحق به البقاء ولا الفنا أحاشيك عن العلم والقول، وأنزهك عن القوة والحول وأشاكل لا فى المنة والطول، وأمد لك يد التأييد لا يد الوسيلة، وأسألك بسبح التفضل لا فضل الفضيلة، وأعوذ بك من تحليل التحويل ومحاولات الحيلة. اللهم أرنى وجهك لا من حيث كل شئ هالك، واسلك بى لا سبيل المهالك والهالك. اللهم إنى أسألك بذات عدمك وبذات وجودك، وبالذات المجردة وبالذات المتصفة بذات التكوين والتلوين، وبالذات الفاعلة وبالذات المنفعلة. اللهم اجعلنى عينا لذات الذوات ومشرقا لأنوارها المشرقات/ومستودعا لأسرارها المكتتمة فى غيوبها المبهمات. اللهم إنى أنزهك لا لتنزيه الحس لك عن أوصاف الجسم والنفس عن شهوات الطبع والعقل وأخلاق النفس والقلب، وأنزهك عن كل ذلك ونده ومثله وخلافه وغيره تنزيها معجوزا عن تصوره وتوهمه، انتهى. وساق الشعرانى جملة من كلامه الذى لا تسعه العقول ثم قال: وقد ذكرنا مناقبه فى كتاب مستقل ﵁، وفى كتاب مناهل الصفا باتصال نسب السادات بالمصطفى تأليف الشيخ على أبى جابر الإيتائى وهو رسالة ذكر فيها نسب السادات الوفائية: أن سيدى محمدا هو ابن محمد النجم السكندرى يقال أنه مغربى الأصل وأن أصلهم من صفاقس - بفتح الصاد والفاء وضم القاف آخره سين مهملة - بلد بافريقية على البحر شربهم من الآبار قاله فى القاموس. وفى المعجم: أنها شرقى المهدية وبها بساتين كثيرة وكانت ولادته بالاسكندرية سنة اثنتين وسبعمائة وفى ديباجة شرح الفتح للتاج الوسيمى أن كنيته: أبو الفضل وفا. وفى بعض المجاميع: أنه أبو التدانى. أخذ الطريق عن داود ابن باخلا وياقوت العرشى، انتهى. ترجمة سيدى على وفا: وترجم الشعرانى ابنه الأستاذ سيدى على وفا أيضا، وساق جملة كبيرة من مناقبه وكلامه فقال: كان سيدى على وفا ابن سيدى محمد وفا ﵄ فى غاية الظرف والجمال لم ير فى مصر أجمل منه وجها ولا ثيابا، وله نظم شائع وموشحات ظريفة سبك فيها أسرار أهل الطريق، وله عدة مؤلفات شريفة وأعطى لسان الفرق والتفصيل زيادة على الجمع وقليل من الأولياء من أعطى ذلك.

стр. 1472

وله كلام عال فى الأدب ووصايا نفيسة نحو مجلدات ألخصها لك فى هذه الأوراق بذكر عيونها الواضحة وحذف الأشياء العميقة؛ لأن الكتاب يقع فى يد أهله وغير أهله فأقول وبالله التوفيق، ثم ساق جملة من كلامه البحر الخضم الذى ليس له ساحل ونحن نذكر من ذلك طرفا من واضحه فنقول: كان ﵁ يقول: مولدى سحر ليلة الأحد حادى عشر محرم سنة إحدى وستين وسبعمائة وتوفى سنة إحدى وثمانمائة كما قيل. وكان يقول فى حديث ليلة الإسراء: فدخلت فإذا أنا بآدم أى فإذا أنا فى صورة حقيقة آدم وناطق بناطقته. وكذلك القول فى جميع من رآه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تلك الليلة فصرح بأنه ظهر بصور حقائق الكل وجميع نواطقهم وزاد عليهم بما زاد ونحن الوارثون لرقائقهم. وكان يقول: أولوالعزم من الرسل سبعة وهم: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى عليهم الصلاة والسلام وأطال فى السر فى ذلك. وكان يقول: إنما كانت شريعة محمد ﷺ لا تقبل النسخ لأنه جاء فيها بكل ما جاء به من تقدمه وزيادة خاصة، ونزلت شريعته من الفلك الثامن المكوكب فلك الكرسى وهو فلك ثابت فلذلك قبلت شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام النسخ دون شريعته وأطال فى ذلك. وكان يقول: من أعجب الأمور قول الحق لموسى ﵊: ﴿(لَنْ تَرانِي)﴾ (١) أى مع كونك ترانى على الدوام فافهم. وكان يقول فى قول الجنيد: لون الماء لون إنائه. حين سئل عن المعرفة والعارف هو على قسمين: أحدهما أن الماء على لون وإناؤه لا لون له كالأوانى الشفافة الساذجة من الصبغ فيكون الإناء مشهودا على لون مائه. والثانى عكسه فيكون الماء مشهودا على لون إنائه. وفى الأول المشهود هو لون الماء والوهم فى تشبهه فى الإناء والثانى عكسه، فليس التحقيق إلا فى الافراد كل حقيقة بنفسها فى كل مقام بحسبه فافهم. وكان يقول فى قوله تعالى: ﴿(أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)﴾ (٢)، أى: كإحاطته فيما هو البحر بأمواجه معنى وصورة فهو حقيقة كل شئ وهو ذات كل شئ وكل شئ عينه وصفته فافهم. وكان يقول: من لم يشهد إلا واحدا فليس عنده زائد، ومن لم يشهد إلا حقا فاعل

стр. 1473

فى خلق قابل ليس عنده باطل، ومن لم يشهد إلا أمر الرحمن ليس عنده أمر الشيطان وقس على هذا فلكل مقام مقال فافهم. وكان يقول: من علم أن لا إله إلا الله لم يبق لأحد عنده ذنب. وكان يقول: ما عبد عابد معبودا إلا من حيث رأى له وجها إلهيا ولكن الكامل يدعو ناطقة النواطق إلى الإنطلاق من قيد وجه إلهى محجوب بمرتبة مألوهه وأطال فى ذلك. وكان يقول: لولا الواجب ما ظهر الممكن ولولا الممكن ما ظهر الواجب واجبا فلكل واحد أثر فى الآخر كالعلة والمعلول والفعل والمفعول والعالم والمعلوم. وكان يقول: لا يسود أحد قط فى قوم إلا أن آثرهم ولم يشاركهم فيما يستأثرون به. وكان يقول: كنية الشيطان أبو مرة تدرى من هى المرة التى هذا أبوها؟ هى النفس الجسمانية ذات الشئون المنكرة شهوة بهيمية فلا هى حرة وغضب كلبى سبعى فلا هى برة. تدرى لم سميت مرة؟ لأنها ما دخلت فى شئ إلا أفسدته كما يفسد الحنظل اللبن فافهم. وكان يقول: لا تهجر ذات أخيك ولكن اهجر ما تلبس به من المذمومات فإذا تاب من ذلك فهو أخوك فافهم. وكان يقول: الشيطان نار/وحضرة الرب نور، والنور يطفئ النار فجاهده بنور ربك. وكان يقول: إذا وجدت من يدعو إلى الله فأجبه ولا يصدنك كونه من الطائفة التى انتميت إلى غيرها بمثل ذلك صدّ الأشقياء قبلك؛ فقال اليهود: لو جاء محمد منا لاتبعناه ولكن جاء من العرب فلا نتبعه. فكان الجن أعقل منهم حيث قالوا: يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به. وكان يقول: النفس ماله الإدراك والروح ما به الإدراك فى كل مقام بحسبه. ومن هنا سمى القرآن روحا وعيسى روحا وجبريل روح الوحى النبوى المرسل من المعانى الجلالية، وميكائيل روح هذا الوحى فى المراتب الجمالية. وكان يقول: كل ما أرضى العارف بالله أرضى معروفه وكل ما أغضبه أغضب معروفه. كما جاء فى الحديث: «إن الله يرضى لرضا عمر ويغضب لغضبه» وجاء مثل ذلك فى حق فاطمة وبلال وعلى وسلمان وخبيب؛ فاعملوا أيها المريدون على أن يرضى عنكم العارفون إن أردتم رضا ربكم.

стр. 1474

وكان يقول فى معنى قول بعض الصوفية: أن الحق ذات كل شئ والمحدثات أسماؤه. معنى الأول أن كل شئ لا يقيمه ويوجده ويحققه إلا الحق؛ لأن الذات هى المقوّمة المحققة للعرض ولما كان الحق من المحدثات بهذه المنزلة هو قيومها الذى لا قيام لها دونه أطلقوا عليه ذاتها. وأما كونها أسماءه فلأنها دالة عليه دلالة لازمة لها كما هو دلالة المفعول على فاعله والإسم ما دل بذاته على ما وضع له؛ فمن ثم سموا المحدثات أسماء بقيومها الذى أوجدها فافهم إلى آخر ما هو مبسوط فى الطبقات؛ فعليك به ترى بحرا زاخرا. وفى مناهل الصفاء: أن أباه مات وهو طفل فنشأ هو وأخوه أحمد فى كفالة وصيهما أبى حفص الزيلعى، فلما بلغ سيدى على تسع عشرة سنة جلس مكان أبيه وعمل الميعاد وشاع ذكره، ولما انتقل قال أخوه سيدى أحمد لمن حضر: الشاهد يعلم الغائب شاهد الإدراك وشاهد الخبر لا تضيعونا يضيعكم الله وأستاذنا ما مات ولكن كما قيل: ما غاب ساقينا ولكن ربما … حجبت أشعتها صدى الأكوان وفى المنح سمعته يقول فى المشهد الشريف فى قوله تعالى: ﴿(خِتامُهُ مِسْكٌ)﴾ (١) إذا حسبت لفظة (مسك) بحساب جمل الغالب والمغلوب، وهو أن الميم بأربعة والسين بستة والكاف باثنين فالمجموع اثنا عشر، واحسب اسم على فالعين بسبعة واللام بثلاثة والياء بواحد. والقاعدة: أن الحرف المشدد بحرفين فتكون الياء مكررة فالمجموع اثنا عشر فكأنه يقول: ختامه على. وفى ذلك فليتنا فس المتنافسون. وفى الضوء اللامع للسخاوى: أن سيدى على هذا هو على بن محمد بن محمد بن وفا أبو الحسن القرشى الأنصارى السكندرى الأصل المصرى الشاذلى المالكى الصوفى أخو أحمد ويعرف كسلفه بابن وفا. ومن ذكر فى آبائه محمدا ثالثا فقد وهم، ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة ومات أبوه وهو صغير فنشأ هو وأخوه فى كفالة وصيهما الشمس محمد الزيلعى فأدبهما وفقههما، وكان هذا على أحسن حال وأجمل طريقة فلما بلغ سبع عشرة سنة جلس مكان أبيه وعمل الميعاد وشاع ذكره وبعد صيته وانتشر أتباعه وذكر بمزيد اليقظة وجودة الذهن والترقى فى الأدب والوعظ. وكان أكثر إقامته فى الروضة قريب المشتهى، وحصل له أتباع وأحدث ذكرا بألحان وأوزان يجمع الناس عليه، وله نظم كثير واقتدار على جلب الخلق مع خفة ظاهرة.

стр. 1475

قال: قال شيخنا فى أنبائه: اجتمعت به مرة فى دعوة فأنكرت على أصحابه إيماءهم إلى جهته بالسجود فتلا هو وهو يدور فى وسط السماع: ﴿(فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)﴾ (١)، فنادى من كان حاضرا من الطلبة: كفرت كفرت. فترك المجلس وخرج هو وأصحابه قال: وكان أبوه معجبا به وأذن له فى الكلام على الناس وهو دون العشرين اه. وهذا غير مستقيم مع كونه فى الدرر أرخ موت والده سنة خمس وستين وسبعمائة، فالله أعلم. قال: ثم قال شيخنا: وله من التصانيف الباعث على الخلاص فى أحوال الخواص، والكوثر المترع من الأبحر الأربع. يعنى فى الفقه، وديوان شعر وموشحات وفصول مواعظ، وشعره ينعق بالاتحاد المفضى إلى الإلحاد وكذا نظم أبيه، وفى أواخر أمره نصب فى داره منبرا وصار يصلى الجمعة هو ومن يصاحبه مع أنه مالكى المذهب يرى أن الجمعة لا تصح فى البلد ولو كبر إلا فى المسجد العتيق من البلد. قال ومن شعره: أنا مكسور وأنتم أهل جبر … فارحمونى فعسى يجبر كسرى يا كرام الحى يا أهل العطايا … انظروا لى واسمعوا قصة فقرى قال: وقال فى معجمه: أنه اشتغل بالآداب والعلوم وتجرد مدة وانقطع، ثم تكلم على الناس ورتب لأصحابه أذكارا بتلاحين مطبوعة استمال بها قلوب العوام ونظم ونثر، وكان أصحابه يتغالون فى محبته وتعظيمه ويفرطون فى ذلك، لقيته مرة أو مرتين وسمعت كلامه قال: وقال فى ترجمة أبيه: من درره أنه أنشأ قصائد على طريق ابن الفارض وغيره من الاتحادية/ونشأ ابنه على طريقته فاشتهر فى عصرنا كاشتهار أبيه ثم أخوه أحمد من بعده ثم ذريتهم ولأتباعهم فيهم غلوّ مفرط قال: وقال المقريزى: أنه كان جميل الطريقة مهيبا معظما صاحب كلام بديع ونظم جيد وتعددت أتباعه وأصحابه ودانوا بحبه واعتقدوا رؤيته عبادة وتبعوه فى أقواله وأفعاله، وبالغوا فى ذلك مبالغة زائدة وسموا ميعاده المشهد، وبذلوا له رغائب أموالهم. هذا مع تحجبه وتحجب أخيه التحجب الكثير إلا عند عمل الميعاد أو البروز لقبر أبيهما أو تنقلهما إلى الأماكن بحيث نالا من الحظ ما لم يرتق إليه من هو فى طريقتهم حتى مات. قال: يعنى بمنزله فى الروضة فى يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ذى الحجة
следующие страницы →