← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحوادث قد أمحلت حال القطر ولو طلب من الأهالى شيئا مع تعطيل زراعتهم لعدم الاعتناء بتطهير الترع أوغر صدورهم رأى أن يمسح أرض القطر، ويربط على كل جهة بحسبها. فعيّن لذلك ولده إبراهيم باشا، فتممها فى سنة ست وثلاثين ومائتين وألف، وقرر على كل فدان مبلغا معينا. فعرف الناس ما عليهم، بعد أن كان غير معلوم، فاستراح الفلاحون نوعا. وجعل لمشايخ البلاد على كل مائة فدان خمسة أفدنة، وسماها «مسموح المشايخ». وأبطل عمل الشمع الزفر بالبيوت، وجعل له معملا. وأبطل الذبح بالبيوت أيضا، وجعل المذبح ميريا، ورتب على كل رأس تذبح مبلغا، وجعل السقط والجلد للديوان، ودخل فى سلك النظامات والروابط أنوال الحياكة والحصر والصابون، والمخيش، والقصب والتلى، ووكالة الجلابة، وعسل النحل. وأعطى الملاحة التزاما، وجعل لهذه الأمور ديوانا وكتابا، وكذا جعل لما يتحصل للديوان من محصول المزروعات أشوانا بالبلاد، تورّد إليها الفلاحون ما يتحصل عندهم بثمن مقدر، فيخصم منه ما عليهم من الأموال، ويصرف لهم ما يبقى أو يعطى لهم به رجع طلب، ثم يباع منها لتجار الإفرنج، وغيرهم. وجعل للأرز دوائر، وأمر بحفر آبار بأرض الوادى، وأن يزرع حولها شجر التوت فما كان غير قليل، حتى نما الشجر وعظم، فأحضر من الشام وغيرها أهل الخبرة بتربية دود القز، وصنع معامل الحرير، فنتج وصار من جملة محصولات مصر. استيلاء العزيز محمد على باشا على الأقطار السودانية ثم تراءى للباشا أن يبعد عسكر الأرنؤود عن القطر لما يعرف فيهم من شراسة الأخلاق، ورأى أن أهل بلاد السودان يحصل منهم التعدى على من جاورهم فى كثير من من الأحيان، فكان يريد إخضاعهم، فدسّ إلى الأرنؤود من أدخل فى ذهنهم أن بلاد السودان هى معدن الذهب ليرغبوا فيها، فيستريح منهم خاطره من جهة، ويؤدب السودانيين من الجهة الأخرى، ويحفظ حدود القطر من الجهة القبلية، مع توسيعها بقدر ما يلزم. وقد كان ذلك، فانه بمجرد أن ندبهم إليها لبوا دعوته ممتثلين، فجعل ابنه إسماعيل باشا قائد تلك الجيوش، وأرفق معه محمد بيك الدفتردار، فتوجها بالجيوش إلى بلاد السودان. واهتم بجمع تجريدة أخرى تحت قيادة ابنه إبراهيم باشا، لتلحق بالأولى.

стр. 177

ولم يمض غير قليل، حتى استولى إسماعيل باشا على بلاد سنار - التى هى بلاد الزنج - واستحصل على تبر وعبيد، ولكن وقع الوباء فى العسكر المصرى حتى أفنى جملة، فاستأذن أباه فى العودة إلى مصر فماطله، فتوجه إلى شندى، وطلب من أميرها النمر بعض المطاليب، وأخذ بعض العسكر فى العسف بتلك الجهة على عادتهم فى تلك الأوقات، فضجرت الأهالى، ودبر النمر وقومه عليهم مكيدة لتلفهم، وذلك أنه أنهى إلى إسماعيل باشا أن أهل البلد يرغبون فى إعمال زينة للأمير، فرحا بحلوله بلدهم، ودعاه إلى الدخول إليها، فرضى، ودخلها، وأنزلوه منزلا كان قد أعد له، وجعلوا حوالى المنزل تبنا كثيرا، وقالوا: إنه للزوم المواشى والحيوانات. فلما أخذ الناس مضاجعهم أوقدوا النار بالمنزل وما حوله، فاحترق بمن فيه، الباشا ومن معه، ونجا محمد بيك الدفتردار. وكان الإذن وصل إلى اسماعيل باشا بالعود وهو بشندى، فسبقه الأجل، فتجرّد الدفتردار لأخذ ثأره، فقتل منهم نحوا من عشرة آلاف نفس، ولم يزل الباشا يمدهم من مصر بالقواد والعساكر، حتى دخل كافة السودان فى حوزته، وجعل مدينة الخرطوم محل كرسى حكومة تلك البلاد، وعرفت من ذلك الوقت بحكمدارية السودان. مبدأ ترتيب العساكر المنتظمة، وإنشاء الأساطيل والمدارس وغير ذلك ورأى الباشا أولا أن يرتب من العبيد عسكرا منتظما، إلا أنه عدل عن ذلك فيما بعد، واجتهد فى تنظيم عسكر بعضه من المماليك، وبعضه من شبان الأهالى، والبعض من العبيد فجمعهم وأمر عليهم ولده إبراهيم باشا، وأرسلهم إلى أسوان، ليبعدوا عن أعين الناس، وعين لهم اثنين من مهرة المعلمين الفرنساوية، ليعلموهم التعليمات والحركات العسكرية، الأوروباوية، أحدهما يسمى مرى، والثانى يسمى سيف، ترقى بعد ذلك ودخل فى الإسلام، وعرف بسليمان باشا الفرنساوى، فأخذ فى تمرين العسكر وتعليمهم، حتى نجح مراد الباشا. وكان الناس، وخصوصا الأرنؤود، يظنون أن هذا المشروع لا ينجح، لا سيما إذا أخذ الباشا من شبان مصر، فخوّفوه على ملكه الجديد، وهو لم يكترث بلومهم، ولم ينزعج بتخويفهم، واستمر على عزمه، حتى تم له ما أراد، ودخلت العساكر مصر، بعد سنتين على هيئة لم تكن تتصور، يقدهم الترنيبتات، وهم فى غاية الانتظام، فكمدت نفوس عسكر الأرنؤود، لتحققهم أن القطر صار فى غنى عنهم، وكانوا يظنون أن وجودهم فيه من

стр. 178

ثم توجهت همة الباشا إلى عمل الأساطيل البحرية، فصنع منها عدة، واستعان بجماعة من الأوروباويين، جعلهم من جملة خدمتها، وأنشأ مدرسة لتعليم علوم البحر، وأدخل فيها جملة من الشبان المصريين، وجلب إليها مهرة المعلمين. ثم أنشأ مدرسة الطب بجهة أبى زعبل، وعيّن لها الماهر كلوت بيك. [تدخل الدول الكبرى فى حرب المورة] فاشتهر صيته وعلا اسمه فى كافة الأنحاء، لا سيما فى بلاد الإفرنج، فلحظوه بعين الاعتبار، وكذا الدولة، فإنها وجدته مساعدا ومعينا لها، عند ما رفع اليونانيون لواء العصيان، وأرسلت لهم الدولة عساكر، فكسروهم بمورة، فراسلت محمد على باشا فى أن يساعدها، على أن كل ما أدخله تحت طاعته كانت له ولايته، فانتصب للمعاونة، وأرسل الأسطول المصرى تحت إمرة ابنه إبراهيم باشا، فتقابل بالأسطول السلطانى بمياه اليونان، وتتابعت العساكر وحصل لعساكر مصر عند تلاقيها بالعدو عدة نصرات بجريد ومورة. وطال أمد الحرب بين الفريقين، فرأت كل من دولة إنكلترا وفرنسا والروسيا أن هذه الحرب مضرة بالمصالح العمومية، فتعاقدوا سنة ٢٧ ميلادية على التكفل بإنهاء هذه الحرب إما صلحا وإما قهرا، وقدموا لديوان السلطان بواسطة سفرائهم أن يسمح السلطان بحضور أساطيلهم إلى مياه اليونان، وعرضوا الصلح، فامتنع من قبوله، فاجتمع أساطيل المتحالفين وحصروا أساطيل الدولة بمرسى نوارين، فلم يكن لها بهم طاقة فأتلفوها، وكذا أتلفوا أساطيل مصر. ومع ذلك لم يذعن السلطان للصلح، فاتفق الدول على إنهاء هذه المسألة بالقوة، وتجهزوا لذلك فتكفّل الأسطول الإنكليزى بالبحر، وعينت فرنسا جيشا للبر مركبا من أربعة وعشرين ألفا، ووجهته إلى مورا، فحين رأى ذلك الباشا، أمر ابنه بالرجوع، وانحلّت الحرب بذلك. [إدخال زراعة القطن وغيره من المحصولات والصناعات] وأخذ الباشا فى تتميم ما كان شارعا فيه من بناء القناطر والترع والجسور وزراعة القطن، وكان أشار عليه به أحد الفرنساوية المسمى جوميل، فجلبه إلى مصر، وبعد قليل بيع من محصوله للإفرنج مائتا ألف قنطار، وكذا جلب النيلة والأفيون وقصب السكر، وصنع له المعامل، وجدّد ورشا لغزل القطن، وفتح الشوارع، وغرس الأشجار حول القاهرة.

стр. 179

الحرب المهولة الشامية وبينما هو مشتغل بذلك نشأت الحرب المهولة الشامية، وسببها أن الباشا التمس من السلطان ضم ولاية الشام إلى ولاية مصر بدلا مما استرد بحكم الحوادث من ولاية مورة حسب سابقة الاتفاق، فلم تسمح الدولة بغير جزيرة كريد، فرأى الباشا أنها لا تكفى إلا أنه سكت. ولم يمض غير قليل، حتى عنّ له أن يطالب عبد الله باشا والى الشام بما له فى ذمته من المبالغ التى كان أقرضه إياها من قبل عشر سنين. وذلك أن عبد الله باشا المذكور كان فى تلك المدة قد أظهر العصيان للدولة، فعزلته عن تلك الولاية، حتى توسط محمد على باشا فى العفو، فقبلت الدولة، على أن يدفع ستين ألف كيس، ورأى أن هذا المبلغ صعب تحمله ولكن حيث كان متحتم الأداء، التزم بالتسديد، واستعان بمحمد على باشا، فأعانه بخمس المبلغ، ومضى على ذلك ما مضى ولم يطالبه الباشا بالمبلغ تكرما، ولم يخطر بباله هو أن يدفع ما اقترضه، حتى كاتبه الباشا فى طلب المبلغ، فأجاب بجواب واه حجته، فتغير خاطر الباشا. ثم عقب ذلك بلغ الباشا أن عبد الله باشا يساعد الفارين من مصر، ويهرّب بضائعها من الجمارك، ويحسّن لهم استيطان الشام، فكاتبه الباشا فى ذلك. ولما لم تأت المكاتبة بفائدة جهّز جيوشه المصرية لقتاله، بعد أن كاتب الدولة، وأمّر على الجيوش ابنه إبراهيم باشا، فسار بتلك الجيوش العظيمة إلى الشام، وتتابعت العساكر برا وبحرا، فاستولى بلا ممانع على يافا وحيفا، وسار إلى قلعة عكا وبها عبد الله باشا الوالى، وكانت حصينة فحاصرها، وضيّق عليها الحصار ستة أشهر، ثم والى عليها الهجمات، حتى افتتحها عنوة، وأخذ الوالى أسيرا، وصيّره إلى الإسكندرية، فقابله بها محمد على باشا بالإجلال، وعامله بالإحسان. ولما بلغ الخبر رجال الدولة أخذهم العجب لمعرفتهم أن هذه القلعة من أمنع القلاع. ولما تمكن إبراهيم باشا من عكا قام إلى غيرها، فكلما ورد بلدا أو نزل قبيلة أذعن له أهلها. ولما رأت الدولة العلية توغله فى بلادها بعساكره أرادت صدّه بعساكر أخرى، فحصلت بين الفريقين وقعات شديدة، إحداها بقرب حمص، وأخرى بمضيق بيلان بالقرب من بعلبك.

стр. 180

فلما بلغ ذلك مسامع السلطان محمود خان - عليه سحائب الرضوان - مال إلى المسالمة، فراسل محمد على باشا فى ذلك، فرضى على شرط أن ما استولى عليه يكون تحت إمرته، فتوقّف السلطان فى قبول هذا الشرط، واستعان بدولة أوربا بعد امتناعه من قبول وساطتهم، وبدأ بمكاتبة الروسيا، فبادرت إليه بارسال فرقتين، وأمرت قنصلها بمبارحة مصر، وكانت غاية ما تتمناه التداخل فى مصالح الشرق، فتعرضت دولة فرنسا لمعاكستها، فحصل الخلف، فرجع السلطان لحل مشكلته بنفسه، وجهز جيشا جرارا تحت قيادة الصدر الأعظم محمد رشيد باشا، فقام لمقاتلة جيوش مصر، وكانوا وصلوا إلى قونيا، وتحصّنوا هناك. فلما التقى الجمعان، انهزم جيش محمد رشيد باشا، وأسر هو، واستولى إبراهيم باشا على عشرين مدفعا، وكثير من المهمات العسكرية والأزواد. [معاهدة كوتاهية] وشاع خبر هذه الواقعة فى الأقطار، ففتحت البلاد الشامية أبوابها، فرجع السلطان إلى وساطة الدول، فسعت دولة فرنسا بينهما، فصمم الباشا على ما طلبه أولا، وأن يكون الملك فى عقبه، وأن ما صرفه فى الحرب يحسب له، مما هو مقرر عليه دفعه للسلطنة سنويا، وصمم السلطان على عدم القبول. فأصدر الباشا أمره لولده بأن يسير إلى كوتاهية، فسار إليها، وأرسلت دولة الروسيا أسطولها إلى البحر الأسود وعشرين ألف مقاتل تكون تحت تصرف السلطان. فمذ بلغ سفير فرنسا بالآستانة - وهو الأميرال روسيان الذى كان حضر إليها قريبا بدلا عن السفير الأول - مجئ الأسطول المسقوبى، ورأى أن ذلك مضر بالمصالح العمومية، أنهى إلى السلطان أن الأسطول الروسى إن بارح مكانه الذى هو فيه - وكان قد وصل إلى جناق قلعة - سافر هو فى الحال، وكان ذلك قطعا للعلائق بين دولته ودولة السلطان، فأصدر أمره إلى الأسطول أن يكون مكانه، وكان ذلك جلّ مرغوب السلطان، لأنه كان لا يحب تداخل الروسيا. وحينئذ سعت الدول فى الصلح، وكثرت المراسلات، حتى تم فى رابع عشر شهر مارس سنة ٣٣ ميلادية، وكتبت المعاهدة المعروفة «بمعاهدة كوتاهية» متضمنة أن ولايتى مصر والشام تكون لمحمد على، وعدن والحرمين لابنه إبراهيم باشا، فاجتمع لمحمد على باشا فى هذه السنة ولاية مصر والشام والسودان والحجاز وجزيرة كريد، فتوجه بنفسه إليها ونظر فى أحوالها، ورتّب فيها ما رتب بمصر، وأخذ يكتب العسكرية على الطريقة المستجدة،

стр. 181

فلم يرض بذلك أهل تلك الجزيرة، ورفعوا لواء العصيان فأرسل إليهم عثمان باشا رئيس العساكر المصرية البحرية، بفرقة من الألايات، ودبر فى إخماد نار الفتنة حتى أطفأها، وتعهد لرؤسائها بعدم إساءتهم، فلم يسمح محمد على باشا بذلك، ورأى أن لا بد من قتل بعضهم، فاستعفى عثمان باشا، وتوجه إلى الآستانة، ومات بها، فعادت الفتنة بكريد. [تمرد الشام بعد كريد] ولم يثن الباشا عن عزمه ما حصل فى كريد من الهيجان بسبب الترتيبات، فأخذ يرتب الشام كمصر، فوضع القوانين، وأمر بإدخال الشبان فى العسكرية، فنشأ عن ذلك فتنة امتدت أغصانها فى أنحاء هذه الأقطار، واضطربت نيرانها، وأخذ الباشا يمد ولده بالعساكر والأموال، وتوجه هو بنفسه إلى الأمير شبل العريان أمير جبل لبنان، واتحد معه على المساعدة. فقدر بذلك على إخماد الفتنة، والقبض على رؤسائها، وجرد الأهالى من الأسلحة، وهدأت الحال، فظن الباشا أنه قد تمكن، فما هو إلا أن قام شبل العريان رئيس الدروز، ونصب شباك الحيل لتصيد عساكر مصر وتحصن هو بجباله، وصار يقاتلهم ويخاتلهم، حتى أفنى الكثير، وأعيتهم الحيلة معه، وتشعبت فتنه. فاضطر إبراهيم باشا لاستمالة طائفة المارونية كى تكون معه على الدروز، فأجابوه، وقاموا بنصرته، حتى تمكن بهم من قتل كثير من الدروز، وإطفاء نار حدّتهم، وإزالة الارتباك وعود الطمأنينة. وكان الباشا دائما يكرر الطلب من الدولة بأن تجعل له ولاية مصر والشام والحجاز وراثة فى عقبه، فمال السلطان لأن يجيبه فى الأولين، ويجعل له الشام مدة حياته، فلما تم للباشا ما تم من إطفاء الفتن الشامية، تاقت نفسه لأرفع مما كان يطلبه، فخاطب الدول رسميا بواسطة القناصل المقيمين بمصر، طالبا للاستقلال، راغبا تحديد بلاده، فعارضه القناصل فى ذلك بطريقة ودادية، فقبل على أن ينفذ ما كان طلبه أولا من أمر التوارث. وفى الحين قام إلى البلاد السودانية يشاهد معدن الذهب الذى لهج الإفرنج بخبره، وليترك الدول وحالهم فى شأن ما بينه وبين الدولة. [معركة نصيبين] وكان السلطان من بعد إبرام الصلح المتقدم مجتهدا فى الاستعداد، مهتما بتنظيم العساكر فنظّم جيشا تحت قيادة حافظ باشا رئيس العساكر السلطانية، ووجهه إلى الشام، فأخذ فى بناء الاستحكامات تجاه معسكر الجنود المصرية. فكتب إبراهيم باشا إلى والده بعلمه بذلك،

стр. 182

ويستشيره فيما يصنع، وكان الباشا قد رجع من السودان، فكتب إليه أن لا يبارزهم بالحرب إلا على الأراضى المصرية، كى لا تكون المسئولية عليه، فامتثل ما رسم. ولما طال الأمر على العساكر الشاهانية تعدّوا إلى نصيبين، فقابلهم إبراهيم باشا بجنوده، والتحمت الحرب بين الفريقين، واشتد القتال وانجلت عن نصرته. وفى عقب ذلك انتقل السلطان محمود خان عن دار الفناء إلى دار البقاء، فجلس على تخت المملكة السلطان عبد المجيد، والأمور فى غاية الارتباك، والعساكر المصرية تحت قيادة إبراهيم باشا، متجمعة للوثوب، ولكن الباشا رأى أن حل هذه المشكلة بطريقة ودادية أولى، فطلب من الدولة عزل محمد باشا خسرو من الصدارة، لأن هذه الفتن هو أسّها لكونه العدو الألدّ، فعزل. [تدخل الدول الكبرى للقضاء على نفوذ محمد على] وجرت المراسلات بين الدول فى هذه المسألة، حتى تم الاتفاق على أن دولة الروسيا وبروسيا وانكلترة وفرنسا والنمسا يمعنون النظر فى حلها، وأخبروا الباب العالى أنه لا يجرى شيئا إلا باطلاعهم وتصديقهم. وكانت فرنسا مساعدة لمحمد على باشا والإنكليز معاكسة له، لحقدها عليه بعض أمور، منها أنها كانت اشترت جزيرة عدن من بعض مشايخ العرب مع قطعة أرض متصلة بها، بمبلغ ستة آلاف ليرة، وأنشأت بها قلعة لعلمها بما يكون لها من الأهمية فى مستقبل الزمان، فلما امتدت شوكة الباشا إلى الخليج الفارسى خافت دولة الإنكليز على مستعمراتها المتسلطة على مدخل البحر الأحمر، فترجت الباشا أن يأمر جنوده بمبارحة تلك الجهة بناء على ما كتب إليها عاملها بتلك القلعة، لأن وجود العساكر المصرية ربما هيّج قبائل العرب، فرأى الباشا أن تركه موقعا استولى عليه بالقوة بمجرد طلب دولة أجنبية مخل بشرفه، ورأى أنه إن مكث هناك تكلف مصروفا لا فائدة منه، فتنازل عن تلك الجهات للدولة، وكذا عن مكة والمدينة وكافة أرض الحجاز. فهذا كان من الأسباب التى حقدتها دولة إنكلترة على الباشا، وحيث كان لها رياسة المؤتمر سعت فى معاكسته، ولم يلبث أن ورد رفعت بيك أحد رجال الدولة حاملا الفرمان إلى الباشا بأن له ولاية مصر ووراثتها وولاية عكا مدة حياته فقط كما اتفق عليه المؤتمر.

стр. 183

فغضب الباشا، وحمّل السفراء مكاتبة للحضرة العلية، يلتمس فيها الإنعام بجعل الشام كلها له، فعارضت دولة الإنكليز فى ذلك، بدعوى أن أهالى الشام غير راضين عنه، وأنه إن بقى واليا عليهم لا يخلو الشام من العصيان، ووافقتها الدول على ذلك، وأوعزوا إلى الباشا بواسطة قناصلهم أن يخلى أرض الشام من جنوده، فامتنع من ذلك، فأرسلوا إلى بيروت أسطولا نمساويا، وآخر إنكليزيا، وطلعت بعض عساكر إلى السواحل، فملكوا عكا وغيرها من المدن الأصلية، وتقهقرت أمامهم عساكر مصر. وأرسلوا أسطولا آخر إنكليزيا، تحت إمرة الأميرال نابييه إلى الإسكندرية، فأرسل إلى الباشا بأنه إن لم يرسل بتخلية عساكره للبلاد الشامية خربت الإسكندرية. فأخذ الباشا يتفكر فى هذا الأمر، ويستشير رجاله، فرأى أن امتناعه ينشأ عنه متاعب كثيرة، فسلّم للأميرال الإنكليزى على أن تكون مصر له ميراثا، فقبل منه، وتوقف الأميرال النمساوى، وكذا عند ما أخبروا الدولة توقفت لما رأت من إعانة الدول لها، فلم يجد الباشا بدّا من التسليم بلا شرط، ووكل أمره لسفراء الدول بالآستانة فى تسوية هذه القضية على وجه مقبول، فصممت دولة الإنكليز على أنه لا يكون له الوراثة على مصر، وعارضها باقى الدول بتمدن سواحل النيل فى أيامه والإصلاحات الكثيرة. ولم يزل الكلام دائرا حتى أمضى السلطان العقد المؤرخ باليوم الثانى عشر من يناير سنة ٤١ ميلادية، ومن ضمنه أن يكون واليا على مصر مدة حياته، ثم تكون ولايتها من بعده لأكبر أولاده وحفدته وأسباطه، وأن يورد إلى الخزينة السلطانية فى كل سنة ثمانين ألف كيس، وأن لا يزيد عدد عسكر مصر على ثمانية عشر ألفا، بشرط أن تكون ملابسهم كملابس عسكر السلطان. وتم الأمر على ذلك، واستراح خاطر الباشا، واستتبت الراحة، واخذت البلد فى الرفاهية والعمران، واتسع بها نطاق الثروة، إلى أن حصل للمرحوم محمد على باشا المرض الشديد الذى اعتراه فى آخر عمره، حتى منعه من القيام بشئون القطر، والنظر فى أحواله. تولية إبراهيم باشا ابن العزيز محمد على فجلس بعده على تخت الحكومة المصرية أكبر أولاده المرحوم إبراهيم باشا سر عسكر، فصار خديويا بعده، وجاء الفرمان السلطانى بذلك، فنظر فى أحوال القطر النظر المحكم، وعزم على فعل أشياء متينة يعود نفعها على القطر، فاخترمته المنية.

стр. 184

تولية عباس باشا وولى بعده ابن أخيه المرحوم الحاج عباس باشا حلمى بن طوسون باشا ابن محمد على، بعد أن تنقل فى ولايات الحكومة المصرية، وولى كثيرا من فروعها، حتى تهذب وتخرج وترشح للخديوية، فسار فى شأن مصر بما فيه صلاح أهلها، وانتظام أحوالها. ثم توفى المرحوم محمد على باشا إلى رحمة الله تعالى فى مدة حفيده المرحوم عباس باشا، ودفن بجامعه الذى أنشأه بقلعة الجبل. وسار المرحوم عباس باشا فى أهل مصر بسيرة حسنة، وكان يسير بالليل مستخفيا فى أزقة مصر، يتعهد أحوال أهلها، وكان يحب الأولياء، خصوصا أهل البيت، ويعمل لهم الليالى الخيرية فى مساجدهم، إلى أن توفى شهيدا فى قصره الذى أنشأه ببنها ﵀. تولية سعيد باشا ثم تولى بعده عمه محمد سعيد باشا ابن المرحوم محمد على، وقد تولى قبل ذلك رياسة البحرية بعد تعلمه فنها. وكان محبا للجهادية، مولعا بجمع العساكر المصرية، مغدقا عليهم، لا يقرّ له قرار إلا معهم وفى وسطهم، وكان ملازما لعساكره، ورقى الكثير منهم فى الرتب. وكانت تعرض عليه القضايا والمهمات وهو بينهم لا يفارقونه، أين حلّ أو ارتحل، وكان كثير التنقل بهم من مصر إلى الإسكندرية، ثم إلى مربوط، وإلى قصر النيل بالقشلاق الذى أعدّه هناك لعسكره. ومن مهمات الأعمال التى حدثت فى عهده اتصال البحرين الأحمر والأبيض بالترعة المالحة المارة فى برزخ السويس، وأمرها من أهم المسائل السياسية الشاغلة لأفكار جميع الدول. وسار فى شأن مصر سيرا منتظما إلى أن توفى بالإسكندرية، ودفن فى مسجد نبى الله دانيال على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. *** تولية الخديو إسماعيل باشا ثم تولى بعده الخديو إسماعيل بن إبراهيم بن محمد على. وكان قبل ذلك متقلبا فى مهمات ولايات الحكومة المصرية، خبيرا بأحوالها، شاربا من جميع مناهلها، حنكته تجاربها، فسار فى أمر الحكومة المصرية سالكا سبيل التمدن والحضارة، ناهجا منهج الترفه والثروة والبهجة

стр. 185

والنضارة. فشرع فى أمور جمة داخل القطر ومدنه توجب له زيادة التمدن، حتى انتظمت القاهرة والإسكندرية فى أسلوب جديد، أزال عنها هيئتها الأولى، فصارت تضاهى مدن أوروبا، وتواردت عليها وعلى جميع القطر الأغراب من كل جهة، واتسع نطاق التجارة والأخذ والإعطاء. غير أنه نشأ من اتساع دائرة الأعمال، والأشغال والمصاريف على الحكومة أن ثقل كاهلها من الديون والمطالب، فحصل من ذلك شغب فى آخر مدته، وشئ من غمام الفتنة عكر جوها، وحجب بعض أسفار بدرها، حتى انفصل عنها عام ست وتسعين بعد المائتين والألف. *** تولية أفندينا محمد توفيق وخلفه فى ذلك العام فجلس على تخت الحكومة المصرية ولى عهده شبله الليث الهمام، والبدر المنير التمام، الخديو المعظم، والداورى المفخم، ذو المقام الرفيع، والحصن المنيع، والفخر الجلى، أفندينا محمد توفيق بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد على - لا زالت أندية السرور عامرة بالثناء عليه، ولا برحت مجامع الخير قائمة بجميل ذكره، وإسداء صالح الدعوات إليه. فقد تحلّت مصر بولايته، واستقام أمرها بعدالته، وانفسح مجال الثروة فى أيامه، وتقلّب الناس فى مرحمته وإكرامه. وصارت مصر فى أرفع درجات الانتظام، وأخصبت أرجاؤها، وجللها النفع العام. وسار فى أمور القطر فى سنن جديد، مراعيا مصالح البلد والمعاهداث المتفق عليها، بين مصر والدول الأجنبية، غير مستقل برأيه، بل مشاركا فى ذلك مجلس نظّاره، فاستقامت أحوال القطر، وسارت الأعمال على نهج يناسب أحوال البلاد وأهلها. لكن هذا السير لم يوافق أغراض المفسدين، فوسوس لهم شيطانهم، ونشأ عن تلك الوسوسة تخرب العسكرية، وكفروا بالنعمة، ورفضوا ما عليهم من الحقوق لولى أمرهم ولوطنهم، وفعلوا أفعالا فظيعة نشأ عنها اختلال حال القطر وأهله (١). ومع ما حصل منهم من الكبائر والأمور الفظيعة لم ينحرف الخديو عن سيره المعتدل، وثبت عند هذه الشدائد، حتى زالت تلك الفتنة المشؤومة على ما هو معلوم مسطور فى هذا الشأن.

стр. 186

فاستقامت له الأحوال، وانتظمت الأمور - نسأل الله تعالى أن يصلح به أحوال عباده ويكثر به خير بلاده، آمين بجاه سيدنا محمد، سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. *** وحيث وصلنا إلى هذا الحد من سرد الحوادث التى ألمت بالقاهرة منذ أسسها الفاطميون إلى هذا الزمان، أعنى سنة خمس وثلثمائة وألف من الهجرة النبوية، وبيان التقلبات العجيبة فى المدد المتتابعة على وجه الإيجاز، أردنا أن نبين ما كانت عليه القاهرة من هيئة المبانى أولا، ليتمكن المطالع لكتابنا هذا من المقارنة بينها وبين ما حدث فى القطر المصرى، فى أيام العائلة المحمدية العلوية إلى زمن الخديو المعظم محمد توفيق - أيده الله تعالى - من الأبنية والعمارات والأعمال التى بيّناها فى مواضعها من هذا الكتاب، ويعلم أن السعادة كالشقاوة تلحق الأمكنة والبلاد، كما تلحق الأزمنة والعباد.

стр. 187

بيان ما كانت عليه القاهرة عند تولى العائلة المحمدية من أمعن النظر فيما كتبناه، وتأمل فيما سطرناه، علم أن الفاطميين، ما قصدوا بوضع القاهرة إلا جعلها معقلا لعساكرهم، ومقرا لخلفائهم، فلذا سوّروها بالسور، وجعلوا لها الأبواب المنيعة، واشترطوا للمرور بها شروطا، ولم يبيحوا سكناها لكل أحد، كما هو شأن الحصون. ولم يحصل التهاون فى ذلك إلا آخر مدتهم، فسكنها بعض الناس، وبنوا فى رحابها، وكانت عاصمة الحكومة مدينة الفسطاط. ولما زالت دولة الفاطميين بالأكراد الأيوبية، أباحوا سكناها لكل أحد، وأخذ رجال الدولة يغرسون حولها البساتين، ويبنون بها القصور للنزهة وتغيير الهواء، كما هو الآن فى مبانى جهة شبرا وغيرها. ثم بتقادم الزمان، وازدياد الثروة بنى الناس فى الفضاء، وفى أرض تلك البساتين، وعلى ما تخلف من النيل فى الأراضى، وحول البرك المتخلفة عنه، وتجددت الأسواق والدروب، فاتسعت المدينة باتصال تلك المبانى بها، حتى كان زمن الناصر محمد بن قلاوون، فأخذت فيه العمارة غايتها، وبلغت البلد فى السعة نهايتها، لكونه كان مشغوفا بالأبنية، فحذا الناس حذوه، وجدّدوا المبانى العظيمة، لا سيما عند ما حفر الخليج الناصرى، فان الناس أكثروا من المبانى على حافتيه. كما نوّهنا بذلك فيما تقدم، وفصّل فى محله. فكانت المدينة فى زمانه يجدها من الشرق الجبل ذاهبا إلى المطرية مبحرا، وإلى الأثر مقبلا، وكثرت البساتين حولها، وعملت الميادين بمنية الشيرج وشبرا، كما أسلفناه. ولم تزد المدينة من بعده، وإنما كانت تنتقل هيئتها، فتعمّر هذه الجهة أكثر من غيرها مرة، وبالعكس أخزى على حكم مقتضيات الحوادث. ثم ألمت بها الكوارث فى زمن الغز حتى تخربت أبنيتها، وانكمشت عمارتها، كما بيّنا.

стр. 188

وقسّمت القاهرة - كالفسطاط - إلى أثمان وأخطاط، وكل خط يحتوى على شوارع، والشوارع بها دروب وحارات وعطف، وأغلب الحارات والعطف غير نافذ إلا إلى الدرب، فكان المتأمل يراها كعدة قرى متلاصقة. وكانت البلد إلى زمن الفرنساوية عليها البوابات موضوعة على الدروب والحارات. والعطف منها العمومية، ومنها الخصوصية. وكل بوابة تغلق عند العشاء، وينام خلفها بواب بأجرة من أهلها، أى من أهل تلك الحارة، ولا يتأخر أحد بعد العشاء خارج الحارة إلا لضرورة، مع تنبيهه على البواب حتى يفتح له إذا حضر. وكان أهل البلد لكثرة الحوادث، وانتشار اللصوص، يبالغون فى متانة الأبواب والمحافظة على البيوت والحارات، فيصفحون الأبواب بصفائح الحديد، ويسمرونها بالمسامير الكبيرة، ويفرطحون رؤوسها، ويجعلون بأكتاف الباب السلاسل المتينة، ويجعلون للباب الضبة والضبتين فى الخارج والداخل، ويزيدون من الداخل الترباس، وهو خشبة طويلة، ينقرون لها بالحائط نقرا تبيت فيه، فإذا جاء الليل أو خيف أمر سحبوها من مقرها بواسطة حلقة فى طرفها، فتأخذ فى عرض الباب أو آخره، وربما يبيتونها فى نقر من جهة عقب الباب. وكانوا يتفننون فى الحيل لمنع الضبة من الفتح بعمل الدواسيس وشق المفاتيح ووضع السواقط، كما أدركنا أكثره، وبعضه موجود للآن. ولم يكن لظاهر البيوت رونق، بل كانت الهمم مصروفة لرونقة الداخل منها، خصوصا بيوت الحرم، والحيشان والاصطبلات. وكل إنسان له فى ذلك اعتناء، على قدر حاله. وكانت العادة أن يكون البيت ذا طبقتين؛ السفلى تحتوى على الحواصل والإصطبلات والبئر أو الساقية، والطاحون غالبا، والمنظرة، والعليا تحتوى على المقعد وتوابعه من التنها، ومحل القهوة، وتحتوى على القاعات والفسحات، والحمامات والمطابخ. وربما كان المطبخ بالطبقة السفلى، وله سلم يوصل إليها من الطبقة العليا، غير المعتاد أو هو المعتاد. وكانوا يعتنون بتوسعة الفسحات والقاعات ويفرشونها بالرخام الملون على هيئات جميلة، ويجعلون من القطع الصغيرة من الرخام أشكالا باهرة، ويجعلون على الحوائط قطع القيشانى الباهرة على أشكال فائقة، ويجعلون لها المشربيات البديعة المصنوعة بصناعة الخرط على رسوم وكتابة وأشكال حيوانات بدون تسمير المسامير. وفوق تلك المشربيات الشبابيك المصنوعة من الحبس المفرغ، على أشكال عجيبة، موضوع فى التفاريغ الزجاج الملون، فينشأ من ذلك صور بديعة، تأخذ بالأبصار وتشرح الخواطر.

стр. 189

وبالتأمل فى أوضاع البناء يرى أن همة الواضع لم تكن متجهة نحو التناسب، أو تصرّف الهواء، بل كانت الهمة فى البناء حيثما اتفق، فيجعل مكانا أرفع ومكانا أسفل، وآخر منيرا وآخر مظلما، والبعض واسع جدا والبعض ضيق جدا، وترى القاعة التى يعجز الواصف عن حصر رونقها، منزوية داخل دهليز مظلم، فيتبين أن البنائين فى الأزمنة المتأخرة لم يكن لهم علم فى الأوضاع، بل يقلدون من تقدمهم، صادفوا الصواب أو خالفوه. ومع تأخر صناعة البناء بنى الأمراء المنازل الواسعة، والمساجد العجيبة، والبيوت. وكان كل أمير يبلغ فى السعة على قدر حشمه وأتباعه، ويجعل فى دائرة البيت الدكاكين، والحياض وغالب لوازم المنزل، مثل بيت الشرقاوى فإنه كان يبلغ أربعة أفدنة - نحوا من سبعة عشر ألف متر مربعة. وكثيرا ما تجد مثله وأوسع بجهة سوق السلاح وسويقة العزة، وجهة عابدين، مما صار الآن حيشانا، تسكنها رعاع الناس، وغالب الحيشان أصلها بيوت فاخرة، دمرتها الحوادث. وأما الحارات، فكانت كثيرة الانعطافات، ضيقة المسالك، ليست على هيئة انتظامية، بل بعض البيوت بارز فى الطريق، والبعض داخل عنه، وهذا من أسفل، وأما الأعلى فكانت بعض المشربيات تتلاصق من جوانبها، وتتلاقى مع ما واجهها، حتى تحدث ساباطا مركبا على جميع الطريق، فضلا عن الأسبطة الحقيقية. ومن حدثت عنده عمارة ورأى أمام منزله فضاء أدخل منه فى المنزل ما أحب بلا ممانع. وكذا الشوارع، لا تزيد على الحارات فى السعة إلا قليلا، فكان إذا تلاقى جملان تعسر المرور، وسدّ الطريق، اللهم إلا فى بعض أماكن قليلة. وكان للبلد بوابات تقفل بالليل، ويقف عليها الحرس. ولم يكن للحكومة اعتناء بأمر النظافة أو الصحة، فكانت القاذورات تلقى بجوانب الحارات، وعلى أبواب الأزقة، وتحت الأسبطة، وما نشأ من الهدم من الأتربة إن اعتنى به ألقى على باب المدينة، فيصير تلالا، فاذا نسفتها الرياح تكوّن منها فوق البلد سحابة تراب كريه الرائحة متعفن الشم، فتتسع دائرة الأمراض، فأين توجهت فى البلد ترى مجذوما أو أبرص أو مجدرا أو أعمى، أو من اجتمع فيه كل هذه الأمراض أو أغلبها. وذلك لأن البلدة كانت محاطة بالتلال، ضيقة المسالك، مرتفعة البناء على غير انتظام، قذرة الحارات فلا تتمكن الشمس من تحليل الرطوبات، ولا الريح من نسفها، فتتصاعد على من بالمساكن فتحدث الأمراض كالحكّة والجرب، وسائر الأمراض الجلدية.

стр. 190

ولم يكن بالمدينة أطباء يعتنون بالمرضى، بل كانوا يعوّلون فى ذلك على ما تصفه العجائز، وعلى أقوال الدجّالين والمشعبذين، فإذا مرض إنسان ذهب أهله فطرقوا له الودع والفول، وحسبوا له النجم، وقاسوا أثره، فما أخبرهم به الدجال اعتمدوه، وكتبوا له الأحجبة، أو بخروه باللبان والجلد، وعلقوا عليه الخرز. وكانت لهم خرزات، كل واحدة يزعمون أنها تبرئ داء، فللعين خرزة حمراء يسمونها البذلة، وللرقبة خرزة بيضاء مصفرة تسمى خرزة الرقبة، ولهم أحجار يحكونها للخضة - أى الفزعة - وللحمّى، ويسمونها حجر الشفاء، ومن لسع حكوا له الخرتيت، أو وضعوا على اللسعة فصا، يسمى فص العقرب، وغير ذلك. ومن الإهمال فى أمر الصحة، اتخذ الناس مقابر وسط المدينة كمقبرة السيدة زينب ﵂ والقاصد، بل دفن كثير من الناس موتاهم فى منازلهم، وفى المساجد والمدارس. وكذا كان الإهمال فى أمور الضبط، فلا نفوذ للمكلفين به إلا إذا كان على وفق الأمير أو الكبير، فكل له غرض لا ينفذ سواه، وأحكام الخط أو الدرب تحت سلطة من يسكنه من الأمراء، ولا يد للحاكم البتة. وإذا تعرض الحاكم أو الباشا لنقض ما أبرمه، قام سوق الحرب، وطما بحر الفتن، فكان للرعاع نفوذ بواسطة الانتماء إلى بعض الأمراء، والناس تقاسى الأهوال، والمحتسب يسومهم سوء العذاب، وكل تاجر له محام من الأمراء، ليبيع باسمه، لأنه إن لم يتخذ له محاميا ضاع رأس المال نهبا، فكان أرباب الوجاقات متقاسمين التجار والتجارة لأنهم أصحاب الوظائف. ولا بد للتاجر من وضع إشارة فى حانوته، تدل على أنه من طائفة كذا وهذا عام فى كل متجر وبكل جهة، وبهذه الواسطة كان التاجر يشتط فى الثمن كما يحب، كى يتسنى له دفع ما قرر. وكذا كانت حالة المراكب فى البحر؛ فكل مركب عليها راية تدل على محاميها حتى لا يتعرض لها إنسان. وبسبب اتساع دائرة الخوف، ضاقت حلقة التجارة، واقتصر فيها على ما يتحصل من القطر، ولم تجسر تجار الأجانب على الدخول فى مضايق تلك الأحوال، إلا ما كان يرد من نحو جهات الشام والحجاز، ملتزما أربابه الاحتماء بزيد أو عمرو، كعادة أهل البلد، فكان التجار من أهل القطر خاصة، إلا قليلا من نصارى الشوام، وبعض الحضارمة، والنادر أن ترى إفرنجيا.

стр. 191

وكان لكل جهة صنف من المتجر؛ فالجمالية أكثر ما يباع بها وارد الشام والحجاز وحضرموت، والحمزاوى يباع فيه الجوخ والحرير وما يرد من الهند وبلاد الإفرنج، وخان الخليلى يباع فيه ما يرد من البلاد التركية، وأما المأكولات وأنواع العطارة فليست مختصة بجهة. وكان لأهل البلد أسواق وقتية، فمنها ما يكون فى يوم معين، كسوق الجمعة والاثنين والخميس، ومنها ما يكون كل يوم بعد العصر، كسوق العصر، وكانت تنتقل من مكان إلى آخر، حسب ما يراه الحاكم. وكذا كانت لهم أماكن لتجمع الحرف والمشعبذين؛ كالحواة والقرادين، وأكبر مجتمع لهم هو الرميلة، وكذا كانت مقر سماسرة الخيل والحمير ونحوها، ومقر الحشاشين والمصارعين فلذا تغيرت مبانيها الفاخرة إلى عشش، وحيشان وأخصاص، واستحوذ كل إنسان على ما قدر عليه من أرض تلك الجهة، حتى المساجد والمدارس، وبنوا حول المساجد التى بها أبنية قذرة، شوهت محاسنها، وكذا ضيقوا واسع أرض الميدان وسوق السلاح، فكان المار بتلك الجهات يخطو على القاذورات، ويمر فى خليط من الأراذل إلى أرذل منه، حتى يتخلص بعد الجهد الجهيد. وانعدمت الصنائع من القطر، إلا الدنئ، وانحصرت صنائعه بعد السعة فى قزازة الكتان والصوف وعمل الضبب، بعد أن كانت القزازة بمصر من أشهر الأعمال فى الأقطار وكذا النجارة والسباكة، فلم تزل تتقهقر، ويرحل الصناع لتسلطن الفقر، وكثرة الهرج، وموت البارع جوعا، حتى انمحت آثارها. وعمت الأهوال هذه جميع أنحاء القطر، وانحطت أثمان الأماكن وأجرها، فكان البيت الذى تبلغ مساحته ألف ذراع يباع بخمسين ريالا، وتؤّجر أكبر دكان أو قهوة بستين فضة، وأعظم بيت بألف فضة. وما ذلك إلا لانحلال الروابط، وكساد الوسايط، وتخييم الفقر بين أظهرهم، ومقاساة الشدائد، وكثرة الفتن، وما من رادع. فكان من يمر فى شوارع القاهرة لا يرى إلا فقيرا مرقعا، أو قتيلا مصروعا، أو جنديا ينهب، أو محتسبا يضرب، وإذا تأمل فى المبانى لا يرى إلا خرابا، وأسوارا وأبوابا. وإذا انتهى إلى أطراف البلد كالحسينية التى كانت مخيما للنزهة، ومقرا للفرجة، لا يرى إلا التلال والكيمان، وأطلالا تبكى على من كان. وما بقى من آثار بيوت الأمراء والوزراء، ومساجدهم ومدارسهم - التى ذكرها المقريزى - صارت مساكن للرعاع، ومعاطن للدباغ، ومرمى للأوساخ، وملقى للسباخ، وكذا جهة باب النصر، وباب الحديد، والعدوى، والأزبكية، وباب البحر.

стр. 192

وكان يقام بالأزبكية أيام النيل، بعض قهاو يجلس عليها الناس لاستنشاق الهواء. لوجود الماء وقتئذ بهذه الجهة، وأن الخراب اتصل منها إلى عابدين، بل قد امتد الى الداودية والقربية والخليفة: وبالجملة فقد عم كافة البلدة، بل جميع القطر. وأما جهة المدابغ وباب اللوق، فلا تسل عما احتوت عليه من التعفنات والروائح الكريهة. وأحاطت التلال بالمدينة إحاطة الدائرة بالنقطة، عوضا عما كان بالقرافة من مساجد وقصور، وبالفسطاط من مدارس وديور، أصبحت خاوية على عروشها، فلا ترى إلا عقدا بلا سور، وجدارا بلا قائم، وخرابا ممتدا فى جميع النواحى. إلا أنه كان يوجد على حافة النيل الشرقية بعض مبان، كقصر العينى، وبيت محمد كاشف قبليه، وبيت محمد بيك بحريه محل القصر العالى، وغيرها أبنية قليلة، تمتد إلى جزيرة العبيط - محل الإسماعيلية الآن، وكان يتوصل إليها من بوابة زالت الآن، تجاور غيط قاسم بيك المعروف الآن «بجنينة وهبى باشا»، وكانت تلك الجنينة تنتهى إلى تل مرتفع قد زال وبقى أثره مزروعا قريبا من ديوان المالية إلى عهد قريب، ثم قسم للبناء فيه. وكان بوسط تلك الكيمان مسالك للمارة، إلى ترب القاصد وبولاق ومصر العتيقة. وكان ساحل النيل كما هو اليوم، ولكن النيل كان منقسما إلى قسمين: قسم موضعه الآن، والآخر يمر غربى الجزيرة لبولاق التكرور، وهو الأكبر، ويجتمع مع فرع بولاق بحرى الجزيرة عند انبابة. وفى زمن فيضان النيل تغطى جزيرة بولاق - التى بها الآن السراى الخديوية - ويكون عرض النيل نحوا من ألف وأربعمائة متر، وفى زمن التحاريق يجف فرع بولاق، ولا تمر المراكب إلا من جهة الجيزة إلى بولاق التكرور، ويتعسر جلب الماء إلى المدينة، لبعده، فيشرب الناس من الصهاريج، ومن البرك الراكدة، ومن الغدير الذى كان بجهة بولاق، مقابل الترسانة، إلى شبرا. وبالجملة فقد كان الخراب عمّ، والدمار طمّ، وكثير من التلال داخل وسط الأماكن، سوى ما فى الخارج من التلال الشاهقة فى الهواء، الممتدة إلى أمد بعيد. فإذا هبت الريح فهى القيامة، ولا ترى إلا غبارا منبثا على البيوت، متلفا للصحة وللعيون، حتى قيّض الله تعالى لها المرحوم محمد على باشا، فأخذ فى مداواة أمراضها شيئا فشيئا، وحذا حذوه من تولى الملك من عائلته، حتى اكتست حلل البهاء والنضارة المشاهدة الآن. وسأسرد عليك

стр. 193

عمائرها وحاراتها وشوارعها كما وعدت، وأقدم بين يدى ذلك فائدة جليلة نافعة إن شاء الله تعالى، تشتمل على مجمل ما سنفصّله فى الأجزاء الأربعة التى بعد هذا المتعلقة بالقاهرة، وهو وإن كان فى الحقيقة فذلكة، لما يتعلق بالقاهرة (أى إجمالا لما بسط من القول فيما يتعلق بها)، لكنا احببنا أن تقدمه على بسط الكلام عليها، ليكون ذلك من باب إجمال القول قبل تفصيله، فان الإجمال قبل التفصيل أوقع فى نفس السامع كما هو مشهور، فأقول: وعلى الله توكلت واعتمدت، إنه ولى التوفيق، والهادى إلى أقوم طريق.

стр. 194

فائدة فى إجمال ما سنفصله فى خطط القاهرة وما يتعلق بها مطلب جغرافية القاهرة وضواحيها اعلم أيدك الله أن القاهرة، وهى تخت الأقاليم المصرية، واقعة بين الأقاليم البحرية، والأقاليم القبلية، فى عرض ثلاثين درجة ودقيقتين وإحدى وعشرين ثانية شمالا، وفى طول ثمانية وعشرين درجة وثمانية وخمسين دقيقة وثلاثين ثانية شرقى مدينة باريس - تخت مملكة فرانسا - وبعدها عن القناطر الخيرية خمسة فراسخ، وارتفاع أرضها بقرب النيل بالنسبة لسطح مياه المالح تسعة عشر مترا ونصف، وفى غربيها على النيل ثغر بولاق، وفى قبليها على النيل أيضا مصر العتيقة. ومدينة القاهرة مبنية فى سفح جبل المقطم، وأرضها آخذة فى الارتفاع إلى قلعة الجبل. ولو فرض أن مستوى مياه النيل الأعظم فيضان حصل لوقتنا هذا، وهو عشرون مترا ونصف فوق سطح مياه المالح، امتد إلى الجبل وإلى شبرا، الواقعة بحرى القاهرة، لنتج أن جزء المدينة المحصور بين الشاطئ الغربى للخليج من ابتداء قنطرة السد عند فم الخليج، إلى ترعة الإسماعيلية وبولاق جميعها وما جاورها من الأرض، كل ذلك يكون تحت هذا المستوى - ما عدا مزلقان كبرى قصر النيل، فإنه يكون جميعه فوق المستوى بقدر ثلث متر فى أوله وثلاثة أمتار فى آخره عند القنطرة. وتكون قنطرة فم الإسماعيلية عند قصر النيل فوق المستوى المذكور بقدر مترين وثلث وأما القنطرة الثانية الواقعة على طريق بولاق، بقرب قصر النيل، فيكون ارتفاعها فوق هذا المستوى بقدر متر وثلث، ويكون ارتفاع القنطرة الواقعة على جسر أبى العلاء فوقه بقدر متر وثمانية أعشار متر، وجسر أبى العلاء، من ابتداء القنطرة إلى البحر يتقابل مع المستوى

стр. 195

المذكور، بسبب انحداره عند جامع سيدى أبى العلاء، فيكون جزؤه الواقع بين الإصطبلات والنيل تحت المستوى، وأما جزؤه الواقع بين القنطرة والإصطبلات فيكون فوقه، وجميع شوارع خطة الإسماعيلية وحاراتها بعضها مع المستوى، وبعضها فوقه بمقدار يختلف من عشرى متر إلى نصف متر، وبعضها تحته بمقدار يسير يختلف كذلك من عشرى متر إلى نصف متر، وأغلب حارات الإسماعيلية من عند المالية تكون تحت المستوى، بقدر متر ونصف متر، بمعنى أنه لو حصل قطع فى جسر النيل، لكان الماء فوق تلك الحارات بقدر متر ونصف. وأما شارع باب الخرق المنحدر وأعلاه فى عابدين فيقطعه المستوى، ويكون ارتفاعه فوق المستوى المذكور، بقدر ثمانية أعشار متر، عند ميدان منصور باشا، ومتر ونصف فى أوله بميدان عابدين، وغيط العدة تحت المستوى بمتر ونصف، وميدان عابدين المذكور بعضه تحت المستوى بقدر متر وبعضه بقدر ثلاثة أرباع متر، وخط الحنفى بعضه منحط بقدر مترين وبعضه بقدر متر وربع، وشارع درب الجماميز منحط بقدر متر وربع بقرب قنطرة الذى كفر، ومن القنطرة المذكورة ترتفع أرض الشارع إلى أن تتقابل بشارع محمد على. وجميع شارع محمد على المعروف بشارع السلطان حسن يكون فوق المستوى، بقدر عشر متر فى أوله عند العتبة الخضراء، وبقدر مترين وربع فى تقاطعه بشارع قوصون، ثم يرتفع بعد ذلك إلى المنشأة (يعنى الرميلة)، وشارع الموسكى والسكة الجديدة، فجميعه فوق المستوى بقدر ستة أعشار متر فى مبدئه عند العتبة الخضراء، ثم يزيد أو يقل فى الارتفاع فوق المستوى إلى شارع النحاسين، فيبلغ هذا الارتفاع مترا وثمانية أعشار متر فى تقاطعه بشارع النحاسين، ويبلغ الارتفاع فوق المستوى اثنى عشر مترا فى آخر هذا الشارع قبل الوصول إلى تلول البرقية. وجزء المدينة الواقع بحرى هذا الشارع، وغربى الخليج إلى الفجالة، كل حاراته وشوارعه منحطة بمقدار يختلف من عشرى متر إلى ثلاثة أمتار فى الأرض الخارجة عن السور. والمرتفع فى هذا الجزء قليل، بعضه نصف متر وبعضه أقل، وإنما هى مواضع ربما كانت تلولا أو ما أشبه ذلك. وأما جزء المدينة المنحصر بين شاطئ الخليج الشرقى والجبل من ابتداء العيون، فينقسم إلى أقسام: الأول محدود بالعيون وسور القلعة إلى الحطابة إلى الدرب الأحمر إلى باب زويلة إلى قصبة رضوان والخيمية إلى قوصون إلى السيوفية إلى الصليبة إلى قلعة الكبش

стр. 196

إلى السيدة زينب إلى الخليج، كل ذلك مرتفع، وجميعه فوق مستوى أعلى فيضان النيل، ما عدا خط السيدة زينب ﵂ المحصور بين قلعة الكبش وتلال بركة البغالة والشارع الموصل من السيدة زينب والخليج، فإنه منحط بمقدار يختلف من متر إلى متر وثلث، وارتفاع قلعة الكبش وجبل يشكر فوق أعلى فيضان النيل ستة عشر مترا ونصف. وفوق أرض شارع الصليبة ستة عشر مترا. والجزء الثانى من أول باب زويلة بالسير فى شارع المتولى والغورية إلى باب الفتوح من جهة الجبل، جميعه مرتفع، ويختلف ارتفاعه من متر إلى أربعة أمتار وربع فى الشارع، وأما فى حارات الجزء المجاور للسور، فيختلف ويزيد إلى سبعة عشر مترا من جهة تلول البرقية. وأرض الأماكن الواقعة فى جزء المدينة المحدود بشارع السيوفية والخليج وشارع الصليبة وشارع تحت الربع، بعضها تحت المستوى تارة بقدر مترين وتارة بقدر مترين ونصف، والمرتفع منها منحط تحت المستوى بقدر متر وربع. وميدان الحلمية مرتفع فوق المستوى بقدر متر ونصف، وحوش الشرقاوى المنخفض منه بعضه مع المستوى وبعضه مرتفع فوقه بقدر نصف متر، وجزؤه المرتفع فوق المستوى ارتفاعه تارة نصف وربع متر وتارة ثلاثة أمتار. وأرض جزء البلد المنحصر بين شارع تحت الربع، والخليج، والسور وشارع النحاسين، جميعه مع المستوى، والمقارب لشارع النحاسين مرتفع فوق المستوى، تارة بقدر متر وتارة بقدر مترين، بل يزيد على ذلك كلما قرب من السور. والأرض التى حول جامع الظاهر، منحطة على المستوى بقدر متر وثلاثة أرباع متر، وشارع الحسينية بعضه تحت المستوى بمترين، وبعضه بمتر واحد. والقلعة والمنشأة (الرميلة)، والسيدة نفيسة، جميع ذلك فوق المستوى، ويختلف ارتفاعه من اثنى عشر مترا إلى اثنين وسبعين مترا، وارتفاع أعلى نقطة من قلعة الجبل ثلاثة وسبعون مترا فوق مستوى أعلى فيضان النيل، وثلاثة وتسعون مترا وستة أعشار متر فوق مستوى البحر المالح، وارتفاعها فوق أرض قرا ميدان اثنان وخمسون مترا وعشر متر وستة وخمسون مترا وأربعة أعشار متر فوق الأرض التى تجاه قراقول المنشأة (الرميلة)، واثنان وسبعون مترا وأربعة أعشار متر فوق أرض شارع السيوفية عند المضفر. ***

стр. 197

مطلب شكل القاهرة وأسوارها ومقدار ذلك بالأذرع والمتر وشكل مدينة القاهرة فى زمن القائد جوهر كان مربعا تقريبا، ضلعه ألف ومائتا متر، ومساحة الأرض المحصورة فيه ثلثمائة وأربعون فدانا، منها نحو سبعين فدانا بنى فيها القصر الكبير، وخمسة وثلاثون فدانا للبستان الكافورى، ومثلها للميادين، فيكون الباقى مائتى فدان وهو الذى توزع على الفرق العسكرية فى نحو عشرين حارة، رسمت بجانبى قصبة القاهرة. وكان سور المدينة الغربى بعيدا عن الخليج بنحو ثلاثين مترا، وفى سنة ست وثمانين وأربعمائة، فى زمن وزارة بدر الجمالى، وخلافة المستنصر بالله، هدم هذا السور، وبنيت الأبواب من حجر على ما هى عليه الآن، وجعل عرض السور الجديد عشرة أذرع، وبلغت مساحة البلد أربعمائة فدان، فكان ما زاده بدر الجمالى نحو ستين فدانا. وفى سنة ست وستين وخمسمائة فى زمن صلاح الدين الأيوبى شرع فى عمل سور واحد، يحيط بالقاهرة ومصر والقلعة، وبناه من الحجارة، ومات قبل أن يكمل، وجعل خلفه خندقا، وطول ما بناه تسعة وعشرون ألف ذراع وثلثمائة ذراع وذراعان بالذراع الهاشمى، وهو قريب من اثنين وعشرين ألف متر. وبقى الأمر على ذلك إلى سنة ألف ومائتين وثلاث عشرة هجرية، عند استيلاء الفرنساوية على الديار المصرية، فقاسوا سور المدينة، فوجدوه أربعة وعشرين ألف متر، وبه أحد وسبعون بابا، منها ما هو داخل البلد فى السور القديم، ومنها ما هو فى السور المحيط بها. ولم تتغير مساحة البلد عما كانت عليه فى القرن التاسع من الهجرة، وكان شكل السور غير منتظم، وهو عبارة عن شكل كثير الأضلاع. والآن زال أكثر الأبواب، والباقى منها لم يستعمل، وتغير شكل المدينة، ومع ذلك فإن أطول شوارعها باق على أصله، وهو الموصل من بوابة الحسينية إلى بوابة السيدة نفيسة، وطوله أربعة آلاف وستمائة وأربعة عشر مترا. ومساحة المدينة القديمة، بما فى ذلك من ميادين وحارات وشوارع ومبان ألف وتسعمائة وثمانية وأربعون فدانا، من ذلك ألف وسبعمائة وستة عشر فدانا، مشغول بالمنازل والعمارة، ومنها مائتان واثنان وثلاثون فدانا مشغولة بالشوارع والحارات والميادين، بمعنى أن المشغول بالحارات والشوارع أكثر من الثمن وأقل من التسع. ***

стр. 198

مطلب عدد الحارات والشوارع والسكك الجديدة والقديمة ومقاديرها ومساحتها وعدد الحارات والعطف والدروب والشوارع ألف ومائتان وتسعون، منها الشوارع الكبيرة مائة وثلاثة وثلاثون شارعا، والحارات النافذة وغير النافذة مائة واثنان وستون، والعطف النافذة وغير النافذة سبعمائة وتسعة عشر، والدروب النافذة وغير النافذة مائتان وثمانية، والسكك أربعة وعشرون، وفروع السكك ستة عشر، والطرق تسعة عشر، وطول ذلك جمعيه أربعة وخمسون ألفا وخمسمائة وتسعة وخمسون مترا. وبالنظر لما حدث من الشوارع المستجدة بخطة الإسماعيلية والفجالة وغيرها - بما فى ذلك من جسر شبرا وجسر أبى العلاء وطريق مصر العتيقة - يبلغ طول الشوارع والحارات مائتين وثمانية آلاف متر وثلثمائة وتسعة أمتار، ومساحته ثلثمائة واثنان وثلاثون فدانا تقريبا، بمعنى أن مساحة ما استجد من الشوارع والحارات تبلغ مائة فدان، وهو يقرب من نصف مساحة الحارات القديمة، وصارت شوارع القاهرة وحاراتها، كما يأتى: ٣٤٩ شوارع، وطولها ٨٢١٧٦ ٨٧٢ عطف، وطولها ٤٤٢١١ ١٦ ميادين، وطولها ١٨٩١ ٣٥٧ حارات، وطولها ٤٣٦١٩ ٢١٩ دروب، وطولها ٢٨٣٣٦ ومساحتها أربع وثلاثون فدانا ومساحة الإسماعيلية الجديدة ثلثمائة وتسعة وخمسون فدانا، وبالنظر لذلك، ولما استنجد من المبانى فى أطراف القاهرة تبلغ مساحة المدينة الآن نحو ألفين وتسعمائة فدان، بمعنى أنها زادت فى مدة العائلة المحمدية نحو ألف فدان، وجميع ذلك إلا القليل منه حدث فى زمن الخديوى اسماعيل. *** مطلب توزيع المياه فى القاهرة بالوابورات والمواسير ومقدار ما يصرف فى القاهرة وضواحيها من المياه فى السنة الواحدة والأمر الذى كمل به نظام القاهرة وضواحيها هو أمر توزيع المياه والغاز فيها، وكان المرحوم محمد على قصد أن يحفر ترعة، فمها من شرق إطفيح، وتصب فى الخليج المصرى، ليجرى صيفا وشتاء داخل القاهرة، فلم يتم له ذلك.

стр. 199

وفى سنة خمس وستين ومائتين وألف قصد المرحوم عباس باشا إتمام أمر توزيع المياه فى القاهرة باستعمال وابورات رافعة للمياه، وتوزيعها بمواسير داخل البلد، وشرع المهندسون فى الأعمال الهندسية اللازمة لذلك، ثم عرض عليه مبلغ التكاليف وهو مائة وثلاثون ألف جنيه، فاستكثره وأعرض عن ذلك. فلما آل الأمر إلى الخديو اسماعيل كلّف به شركة مساهمين على شروط صار الاتفاق معهم عليها، فأخذوا فى إجراء العمل، وأتموه بمعرفة شركتى الماء والغاز، وحصل توزيع الماء والغاز فى المدينة وضواحيها. والآن كمية المياه التى تصرف فى مدينة القاهرة فى السنة الواحدة عشرة ملايين وسبعمائة وأربعة وستون ألفا وخمسمائة وثمانون مترا مكعبا، فيخص اليوم الواحد تسعة وعشرون ألفا وأربعمائة واثنان وتسعون مترا مكعبا من الماء، والمتر المكعب خمسة عشر قربة حمارى. وطول المواسير الموضوعة فى الشوارع والحارات داخل البلد وخارجها، وهى من الحديد الزهر، مائة وخمسون ألف متر. وعدد الفوانيس الموزعة، فى داخل البلد وخارجها ألفان وثمانمائة فانوس وفانوس واحد، منها بالإسماعيلية والأزبكية والفجالة وعابدين ثلثا ذلك، والثلث داخل البلد. *** ميادين القاهرة ورحابها ومقدار ذلك وفى الزمن السابق على العائلة المحمدية، لم يكن بالقاهرة سوى ميدانين: أحدهم ميدان الأزبكية فى غربى القاهرة، والثانى ميدان قرا ميدان فى قبليها، تحت القلعة، وكانت قد انعدمت جميع الميادين والرحاب، التى تكلّم عليها المقريزى فى خططه، وكان عددها تسعة وأربعين، ففى زمن الفاطميين كان القصر الكبير والقصر الصغير منفصلين بميادين كبيرة، وفى مواضع من القاهرة كانت رحاب واسعة تجاه منازل الأمراء. ولما زالت الدولة الفاطمية، كان عدد الميادين داخل القاهرة عشرة، وبقى ذلك فى الدولة الأيوبية، إلى زمن السلاطين الحراكسة، فكثر البناء داخل القاهرة وخارجها، ومع ذلك فكان كل أمير يجعل أمام بيته رحبة متسعة، حتى بلغت هذه الرحاب العدد المذكور. ولما حصل البناء خارج البلد، فيما كان هناك من البساتين، كان خارج القاهرة من جهاتها الثلاث القبلية والغربية والبحرية عبارة عن قصور وبساتين يتخللها ميادين كبيرة.

стр. 200

فى الجهة القبلية ميدان ابن طولون، وميدان الملك العادل، أمام الكبش على بركة الفيل، وميدانا الناصر محمد بن قلاوون؛ المعروف أحدهما بميدان المهارة والآخر بالميدان الناصرى، وكانا فى الأرض الواقعة تجاه قصر العينى والقصر العالى. وفى الجهة الغربية كان ميدان الصالح والميدان الظاهرى فى الأرض الواقعة تجاه قصر النيل، وميدان العزيز تجاه منظرة اللؤلؤة من أرض بركة الأزبكية. وفى الجهة البحرية، كان ميدان قراقوش الذى فى بعض مساحته جامع الظاهر. وكان جميع السلاطين يتأنق فيما يبنيه من القصور فى تلك الميادين، وكانت أيام خروجهم إليها أيام فرح وسرور، فكانت الناس تجد بعد فراغهم من الأعمال، وفى المواسم والأعياد، المحلات العديدة للنزهة والرياضة. ثم لما صارت مصر ولاية تابعة لدولة آل عثمان، احتكرت الناس أرض البساتين، والميادين والرحاب، وبنوا فيها، ثم لما كثرت الفتن، وتوالت المحن وتكرّر الهدم والبناء حتى صارت المدينة على الحالة التى وصفناها فيما سبق، وانحصرت بين التلول من جهاتها الأربع. ولما جلس العزيز محمد على باشا على تخت الديار المصرية وفرغ من الحروب التى عاناها اشتغل بإصلاح الأمور، وحذا حذوه خلفاؤه، فتنظمت الحارات والشوارع القديمة وفتحت شوارع وحارات جديدة، وعملت عدة ميادين، فصار فى داخل القاهرة وخارجها ستة عشر ميدانا، وقد تكلمنا على جميع ذلك فى هذا الكتاب.

стр. 201

تنظيم شوارع القاهرة، وأول من أدخل المبانى الرومية فى الديار المصرية، ومن تبعه، وزاد عليه بالإتقان والإبداع وكان الخديو اسماعيل يود تنظيم ما بقى من القاهرة، على أسلوب تنظيم الإسماعيلية، وصدرت أوامره لديوان الأشغال بذلك، وعملت رسومات طبق رغبته، فكان من أغراضه جعل سراى عابدين مركزا يتفرع منه عدة شوارع، منها ما تم وامتد إلى الإسماعيلية وإلى الأزبكية، ومنها ما لم يتم كشارع يمتد من عابدين ويمر تجاه جامع الشيخ صالح، ويمتد مستقيما إلى ميدان السيدة زينب ﵂، وآخر من قبلى عابدين خلف سراى المرحوم راغب باشا، ويمتد مستقيما إلى أن يلتقى مع شارع محمد على ثم رغب فى إنشاء شوارع مركزها جامع السيدة زينب، وتمتد فى جهاتها، وتقطع حارات البلد القديمة مع عطفها وأزقتها، لتجديد الهواء وإزالة العفونة، وأحدها يكون من ميدان السيدة إلى بركة الفيل إلى شارع محمد على. وكذلك كان يرغب فى جعل سراية العتبة الخضراء مركزا لعدة شوارع، منها ما تم، ومنها ما كان يرام امتداده من العتبة الخضراء إلى باب الفتوح إلى الخلاء، وغير ذلك كثير. وكان من مشروعاته إحداث ميادين متسعة، أحدها عند باب الفتوح، والثانى عند السلطان حسن، والثالث عند بركة الفيل، وغير ذلك خارج البلد. وكان من مشروعاته أيضا إزالة تلول البرقية وباب النصر. *** وأول من أدخل المبانى الرومية فى الديار المصرية هو العزيز محمد على، فأحضر معلمين من الروم، فبنوا له سراية القلعة، وسراية شبرا، وعمل بينها وبين مصر طريقا متسعا مستقيما، غرسه من جانبيه بالجميز واللبخ، وعمل مثله بين القاهرة وبولاق، وأنشأ بستان الأزبكية، وأزال التلول التى كانت خارج باب الحديد وفى غربى القاهرة.

стр. 202

وبنوا لبنته زينب هانم سراية الأزبكية، ولبنته نازلى هانم سراية على ساحل النيل هدمها المرحوم سعيد باشا وبنى محلها قشلاق قصر النيل، لإقامة العساكر به. وحذا حذوه فى إنشاء العمائر على هذا الأسلوب بنوه وأمراؤه، فبنى المرحوم سر عسكر إبراهيم باشا قصر القبة بعد العباسية، فى طريق الخانقاه، حيث قبة الغورى المشهورة قديما، وبنى فى جزيرة الروضة والمقياس قصرا عرف بقصر المغارة، لأنه عمل فيه مغارة، ورصّع حيطانها بأنواع الودع الملون، على أشكال بديعة، وبنى القصر العالى. وبنى المرحوم عباس باشا سراية بجهة الخرنفش، وبنى أحمد باشا يجن دارا عظيمة فى عطفة عبد الله بيك وجعلها قصرين؛ قصرا للرجال وقصرا للحريم. وبنى إبراهيم باشا يجن دارا فى سويقة اللالا مثل دار أخيه وبنى أحمد باشا طاهر فى الأزبكية سرايته المشهورة باسم ثلاثة ولية. وبنى خورشيد باشا السنارى داره فى عابدين، وكذا محو بيك بنى دارا بجوار دار عثمان بيك ابن المرحوم إبراهيم بيك. وبنى المرحوم شريف باشا الكبير سرايته على بركة أبى الشوارب، وبنى سامى باشا المرهلى (١) سراية بدرب الجماميز التى فيها المدارس الميرية الآن. وحذا الأهالى حذو الأمراء، فكثرت المبانى الرومية فى داخل القاهرة وضواحيها. [قصور عباس باشا] وفى زمن المرحوم عباس باشا بنيت له سراية الحلمية وسراية العباسية وبولغ فى تشييدهما وسعتهما وتحسينهما، والمدارس، والقشلاقات العسكرية، وتنظمت الطرق التى بينها وبين القاهرة، وبنى له أيضا قصر بنها، وبركة السبع، والدار البيضاء فى الجبل بطريق السويس، والعتبة الخضراء بالأزبكية. وزادت الرغبة فى البناء خارج البلد، وكثرت هذه الرغبة فى مدة سعيد باشا بعد استعمال السكة الحديد بين الإسكندرية والسويس والقاهرة، وظهرت عدة قصور فى جانبى طريق شبرا، وفى جهة المهمشا. [قصور اسماعيل باشا] وفى زمن الخديو اسماعيل تنظّمت خطة الإسماعيلية والفجالة، وفتح شارع محمد على، وعمل كبرى قصر النيل، وتنظمت جهة الجزيرة والجيزة، بعد بناء سرايتهما، وهما

стр. 203

من أعظم المبانى الفخيمة، التى لم يبن مثلها، ويحتاج لوصف ما اشتملت عليه كلتاهما من المحلات والزينة والزخرفة والمفروشات، وما فى بساتينهما من الأشجار والأزهار والرياحين والأنهار والبرك والقناطر والجبلايات إلى مجلد كبير، ولكن يكفى فى هذا الملخص أن نقول إن أرض سراية الجزيرة ستون فدانا، وتحتوى على سراية للحريم، وأخرى برسم سلاملك كبير، خلاف سلاملك صغير فى غربى السلاملك الكبير. والسلاملكان من رسم فرانس باشا النمساوى، اجتهد فى تشبيههما بالمبانى العربية القديمة فى شكلهما وزينتهما ومفروشاتهما، وجعل فى خارج السلاملك الكبير برسم الزينة بلكونات وبواكى من الحديد جلبت من البلاد الإفرنجية، وأحاط البستان بسور، وجعل فيه محلات للحيوانات المتنوعة، كالفيلة والسباع والنمور والقردة والنسانيس ونحوها، وأنواع الطيور المجلوبة من بقاع الأرض، وفرش مماشيه بالرمل والزلط، ووزع فيه فوانيس الغاز، فكان من أبدع ما يرى خصوصا فى الليل بعد أن توقد فوانيسه. وما صرف على هذه السراية من النقود كثير، لكنه بالنسبة لما صرف على سراية الجيزة قليل. وفى الأصل كانت سراية الجيزة قصرا صغيرا وحماما بناهما المرحوم سعيد باشا، وبعد موته اشتراهما الخديو اسماعيل باشا وما يتبعهما من الأرض وهو نحو ثلاثين فدانا من ابنه المرحوم طوسون باشا، وهدمهما، وبناهما وفرشهما. وبعد قليل أخذ فى توسيع السراية من جهة البحر، وزاد فى المبانى، وأحضر من الآستانة أحد القلفاوات المعروفين، فعمل له رسومات اقتضت المحو والإثبات فيما تم، وأحضر من الآستانة أيضا أسطاوات، فنظموا بستانها، وفرشوا مماشيه وطرقه بالزلط الملون المجلوب من جزيرة رودس على رسوم أشكال مختلفة، وجعلوا فيه جبلايات، وبركا متسعة، وأنهرا غدرانا عليها قناطر وكشكات للجلوس، وأقفاصا واسعة للطيور، وأوصل له مياه النيل المرفوعة بوابور مخصوص، ووزع فيه فوانيس الغاز. ثم عنّ له أن يعمل سلاملكا يبنيه جميعه من الحجر النحيت، وكلّف برسم ذلك وعمله مهندسين وعمالا من الإفرنج، ووسع البستان الأصلى، ونقض ما عمل فى المماشى من الزلط والرخام، وأعاده ثانيا، وأنشأ بستانا ثالثا عرف بالأرمان جلبت أشجاره من جزائر الروم بعد ما ردمت أرضه بطمى النيل إلى قريب من مترين، وكذا ردم الأرض المجاورة لهذه السراية وسراية الجزيرة إلى ارتفاع مترين. وبلغ ما ردم فى الجهتين نحو ثلثمائة فدان بمعرفة مقاولين من الإفرنج، اشترط معهم على أن تكاليف المتر المكعب افرنك ونصف خلاف السكك الحديدية التى جعلت لهذه العملية فكانت على الحكومة.

стр. 204

وكلف برسم البساتين المهندس باريل بى المشهور فى تنظيم البساتين، وهو الذى نظّم بستان الأزبكية، فنوع فى رسومات أرمان الجيزة، وجعل به مناظر مختلفة وجبالا عليها قناطر تمر فوق وديان، ونوّع مستوى أرضه، فجعل بعضه مستويا، وبعضه منحدرا، وجعل به أبحرا وغدرانا. وفى مواضع منه ضم الأشجار إلى بعضها، وفى غيرها فرّقها، واجتهد فى تشبيه تلك الأرض بأراضى الروم وغيرها، واستعمل مبلغا جسيما من «الصيمنتو» فى عمل الصخور، ووزع الغاز به فى فوانيس من البللور على أعمدة من الحديد. ورتّب من الخدمة لتلك البساتين نحو خمسمائة نفر تحت إدارة أسطاوات من الإفرنج لخدمة الأشجار وسقيها بالخراطيم وكنس الطرقات والمماشى ونحوها، فصارت بساتين الجيزة والجزيرة فريدة فى نوعها، وبلغت مساحة الأرض المشغولة بتلك الأعمال أربعمائة وخمسة وستين فدانا. وكان الخديو اسماعيل باشا مشغوفا بحب البناء، فبنى غير هذه السرايات سرايات أخرى مثل سراية عابدين، وسراية الإسماعيلية الصغيرة، سميّت بذلك لأنه كان قد شرع فى بناء سراية الإسماعيلية الكبيرة محل جزيرة العبيط بعد شراء ما كان بها من المنازل والقصور، ولكنه أوقف العمل فيها بعد أن صرف على جدرانها فقط ثمانية وثلاثين ألفا وثمانمائة وعشرين جنيها مصريا، وصرف على مشترى أماكن الجزيرة - وهى مائة بيت وواحد - تسعة آلاف وستمائة واثنين وثمانين كيسة، وهى عبارة عن ثمانية وأربعين ألفا وأربعمائة جنيه وعشرة. واستمر العمل فى سراية الجيزة، وسراية بولاق التكرور، وسراى فاطمة هانم، والقصر العالى، وسراية الزعفران بالعباسية للوالدة، وسرايات أخر بالإسكندرية والمنصورة والمنيا والروضة، وغير ذلك من بيوت الإشراقات وغيرها، وسراية كبيرة بالعباسية، وهى التى احترقت، وبعضها الآن عمل اسبتاليا للمجاذيب، وكان جميع حيطان محلاتها من الداخل وسقوفها مكسوة بالأقمشة المتنوعة الأجناس والقيم. ووجدت قائمة فيها ما صرف على السرايات من أجر صناع ومفروشات ونقوش ونحوها، من ضمن ذلك ما صرف على الجيزة ألف ألف وثلثمائة وثلاثة وتسعون ألفا وثلثمائة وأربعة وسبعون جنيها، وعلى سراى عابدين ستمائة وخمسة وستون ألفا وخمسمائة وسبعون جنيها، وسراى الجزيرة ثمانمائة وثمانية وتسعون ألفا وستمائة وإحدى وتسعون جنيها، وسراى الإسماعيلية الصغيرة مائتا ألف وواحد ومائتان وستة وثمانون جنيها، وباقى العمارات ألفا ألف وثلثمائة وإحدى وثلاثون وستمائة وتسعة وسبعون جنيها، منها على سراى الرمل أربعمائة واثنان وسبعون ألفا وثلثمائة وتسعة وتسعون جنيها.

стр. 205

وفى مدته كثرت الرغبة فى المبانى الرومية الفخيمة، فبنى الأمراء وغيرهم من أصحاب الأموال فى خطة الإسماعيلية والفجالة وشبرا القصور والسرايات المكلفة، منها ما تبلغ نفقته ثلاثين ألف جنيه، وكثرت حتى صارت عدة مئين. وللآن فى مدة الحضرة الخديوية التوفيقية لم تنقطع الرغبة فى تلك المبانى، وفى كل يوم تظهر مبان مشيدة، بأشكال ظريفة، حتى امتدت العمارات إلى طريق السبتية الواصل بين محطة السكة الحديد وبولاق، ونتج من تلك الأعمال زوال التلول والبرك العفنة التى كانت بأرض الإسماعيلية وبجانبى طريق بولاق وطريق السبتية والفجالة، وصارت هذه المحلات من أحسن محلات المدينة. [تنظيم شوارع القاهرة] وقبل العائلة المحمدية كانت حارات القاهرة وأزقتها كثيرة الانعطافات والأسبطة، وأرضها غير مستوية، فلما كثرت بها السكان والمتاجر صارت لا تناسب هذه الحالة، فكان يحصل الازدحام وتعطيل الماشى والراكب، فلما أخذ العزيز محمد على بزمام الأحكام، واستتبت الراحة، صدرت أوامره لأقلام الهندسة بعمل لائحة التنظيم، فعملت، وصار العمل بمقتضاها، ونشأ عن ذلك اتساع الحارات، وسهولة المرور بالمتاجر وغيرها، واستمر ذلك فى زمن خلفائه. [خصائص البناء الرومى الجديد] واتبع الناس فى بنائهم الأشكال الرومية، وهجروا الأسلوب القديم، لما رأوا فى الأسلوب الجديد من بهجة المنظر وحسن الوضع وقلة المصاريف عن الأسلوب القديم، فإن المحلات فى الأسلوب الجديد، شكلها إما مربع، أو مستطيل، ولا تختلف، إلا بالكبر والصغر، بخلاف القديم فإن القاعة الواحدة كانت تشغل أكثر أرض الدار، ولوازمها يعسر معها الانتظام، وكانت الطرقات والفسحات تأخذ مبلغا عظيما، ومراحيضها قريبة من محلات النوم والجلوس، وأكثر محلات الدار قليل النور والهواء اللذين هما من أساس الصحة، وقلّ أن تخلو من الرطوبات، التى تتولد عنها الأمراض. وفى الأسلوب الجديد، استعوضت المشربيات التى كانت تصنع من الخرط بشبابيك مستطيلة، وعليها ضفف الزجاج، واستعمل فى الدور الأرضى عوضا عن الخرط شبابيك من الحديد، بأشكال مختلفة. واستعوضت خردة الرخام التى كانت تجعل فى درقاعات

стр. 206

القيعان والحمامات، وفى أسفل الحيطان بترابيع الرخام الأبيض والأسود، وهى أبهج منظرا، وأقل مصرفا، وتركت خردة الرخام، وكانت عبارة عن قطع صغيرة مختلفة الألوان توضع بهيئات مختلفة فى بعض منافذ القيعان بالجبس، وهى مع كثرة مصاريفها لا فائدة فيها. وتركت السقوف البلدية الملبسة ذوات الكرادى والمقرنصات التى كانت تجعل تحت الإزار فى دائر بعض المحلات وفى الزوايا الأربع. وكانت الصنّاع تقيم فى صناعة ذلك الأشهر العديدة، بل السنين، حتى كان السقف يتكلف مثل ما يتكلفه باقى المنزل، فعمل بدل ذلك السقوف الرومية المستوية أو المفرّغة، ويكون السقف فى الغالب منتهيا بإزار مزيّن ببعض الأعمال، وفى وسطه صرة مفرغة تفاريغ متنوعة، فإذا تم طلى بطلاء الزيت الملون بالأصباغ، ونقش بنقوش متنوعة. وكثيرا ما ينتهى السقف ببراويز وكرانيش يتفنن الصانع فى إتقانها بقدر استعداده ورغبة صاحب الشغل وثروته، وتارة تعمل السقوف بالبغدادى، وتكسى بالجبس، وتدهن بأنواع الأصباغ، وتنقش هى والحيطان باللون الذى يرغبه صاحب المنزل، أو تكسى بالورق المنقوش، وقد تكون النقوش فى الورق أو غيره محلاة بماء الذهب. وتغيرت وجهات البيوت التى كانت تعمل فى الأزمان القديمة بحسب ما يتفق على غير قانون هندسى، بحيث تكون لا فرق بينها وبين وجهات حيشان الأموات، فجعلت على قانون هندسى منتظم، وهيئات مألوفة حسنة، وقسمت الوجهة فى اتساعها وارتفاعها، بكرانيش بارزة، يحدث عنها بعض الظلال فى عرضها وارتفاعها، وتزيد فى رونق البناء، وبهائه. وفى السابق كانوا يجعلون أرض محلات المنازل غير مستوية، بل بعضها مرتفع وبعضها منخفض، فترى أهل المنزل فى تقلبهم فى المحلات يصعدون ويهبطون، وذلك فضلا عن مضراته مذهب للرونق، فجعلت فى الجديد محلات كل دور من المنزل فى مستوى واحد، بهيئة ينشرح لها الصدر. وكذلك السلالم جعلت مناسبة لتوزيع المحلات باتساع مناسب للمنزل كبرا وصغرا وارتفاعا، وجعلت درجاتها بهيئة لا تتعب الصاعد، وأعطيت النور الكافى على خلاف ما كانت عليه قديما. وتركت الأبواب المفرغة الدقيقة، التى كانت تعمل من قطع الخشب المتعشقة فى فى بعضها على أشكال مختلفة، وتارة كانت تلبس بالصدف وغيره، ويجعل لها ضبب من

стр. 207

الخشب، ويتفنن فى جنس خشبها وهيئتها، وربما لقمت بالعاج والأبنوس ومواد معدنية على هيئات كثيرة، فاستعوضت بالأبواب الحشو، واستعوضت الضبب بالكوالين، وبطلت الرفوف والدواليب التى كانت تعمل فى سمك الحائط ويتفنن فى عملها، وربما عملت بالخردة ونحوها، ويضعون عليها أنواع الصينى للزينة والمباهاة. ولما كثر دخول الإفرنج فى هذه الديار، بعد إحداث السكك الحديدية فيها، أخذت صور المبانى تتغير، فبنى كل منهم ما يشبه بناء بلده، فتنوعت صور المبانى وزينتها، وزخرفتها، وكذا تغيرت المفروشات الثمينة، والسجادات الهندية والعجمية والتركية، بالمفروشات الإفرنجية والتركية، وتغيرت كذلك الملبوسات وأوانى الأكل والشرب وغيرهما. ولرغبة الناس فى البضائع الإفرنجية لرخصها قل ورود الهندية والعجمية، وكثرت البضائع الإفرنجية، واستبدلت أوانى النحاس بالصينى، ومسارج الصفيح والشمع الكريه الرائحة بشمع المنّ الأبيض وبالفوانيس الزجاج وشمع دانات البللور والمعدن الحسنة الشكل البهيجة المنظر. وبالجملة فمن يدخل القاهرة الآن وكان قد دخلها من قبل أو قرأ وصفها فى كتب من وصفوها فى الأزمان السالفة، فلا يرى أثرا لما ثبت فى علمه، ويرى أن التغير كما حصل فى الأوضاع والمبانى وهيئاتها حصل فى أصناف المتاجر وفى المعاملات والعوائد وغيرها من أحوال الناس. *** مطلب تقسيم القاهرة وتوابعها الى ثمانية أثمان مع بيانها ولسهولة الضبط والربط انقسمت القاهرة إلى ثمانية أثمان، وكل ثمن ينقسم شياخات تكثر وتقل بالنسبة لكبر الثمن وصغره، ولكل ثمن شيخ يعرف بشيخ الثمن، مرتبه شهريا من المحافظة مائة قرش صاغ، ولكل شياخة شيخ يعرف بشيخ الحارة ليس له مرتب من المحافظة، وإنما تكسّبه يكون من النقود التى يأخذها برسم الحلوان من سكان الأملاك التى فى شياخته، لأن العادة أن من أراد أن يؤجر بيتا فى حارة من الحارات يكون ذلك بمعرفة شيخ الحارة، وبعد تأجيره للبيت يدفع له أجرة شهر برسم الحلوان. والحكومة تستعين بهم فى توزيع الفردة والطلبات، ويظهر مما كتبه الجبرتى أن هذا الترتيب لم يحصل إلا فى زمن الفرنساوية، فهم الذين وضعوه، وبقى مستعملا من بعدهم

стр. 208

إلى الآن، ولم أر ذلك فى خطط المقريزى، فإنه لم يتكلم على تقسيم القاهرة ولا الفسطاط إلى أثمان. والآن أثمان مدينة القاهرة هى: ثمن الموسكى، وثمن الأزبكية، وثمن باب الشعرية، وثمن الجمالية، وثمن الدرب الأحمر، وثمن الخليفة، وثمن عابدين، وثمن السيدة زينب، وثمن مصر العتيقة، وثمن بولاق. وكنت أود أن أبين حدود كل ثمن، لكن لكثرة التغيرات اكتفيت بذكر أسمائها، وهى مبينة فى المحافظة، فمن أراد الوقوف عليها فلينظرها هناك. *** مطلب القره قولات وبيوت الحكمة والطب وكان فى الأثمان المذكورة ثمانية وأربعون قره قولا موزعة داخل البلد وخارجها لإقامة العسكر المحافظين بها. والآن بطل أكثرها، ولم يبق منها إلا القليل. وفى كل ثمن بيت للصحة، به حكيم وحكيمة وكاتب وتمرجى، للكشف على من يموت، وتطعيم الجدرى، ومعالجة بعض المرضى، وإعطائهم بعض الأدوية، وقيد من يولد ومن يموت فى دفاتر مخصوصة ترسل لديوان الصحة، وإخبار بيت المال عمن يموت، وهو تابع لمجلس الصحة العمومية، يتلقى منه المخاطبات، ويخبره عن جميع الحوادث الصحية. وفى كل ثمن أيضا معاون وكاتب، وبعض عساكر، وهم تابعون لديوان المحافظة، ووظيفته النظر فى المنازعات والخصومات، فما يمكنه صرفه صرفه، وإلا أرسله إلى جهة الاختصاص. ***

стр. 209

[بيانات إحصائية عن عمارات القاهرة ومنشآتها وسكانها وصنائعهم ومختلف أحوالهم] مطلب عدد الجوامع والمساجد والمدارس والزوايا والرباطات والخوانق والعمارات المشتملة عليها مدينة القاهرة هى: أولا: محلات العبادة، وتشمل الجوامع، والمدارس، والزوايا، والمساجد، والرباطات، والخوانق. ولنذكر هنا بطريق الإجمال عدد كل منها مع تقلباته، فنقول: أما الجوامع الآن، فهى مائتان وأربعة وستون جامعا، ودخل فى ضمن الجوامع المدارس، التى تكلم عليها المقريزى وهى سبعون مدرسة، سوى ما ذكره من الجوامع، وهى ثمانية وثمانون جامعا، فمجموعها مع المدارس مائة وثمانية وخمسون، فيكون ما استجد فى القاهرة من بعد المقريزى إلى وقتنا هذا مائة جامع وستة ويظهر مما ورد فى الخطط أن الجوامع والمدارس لم تكثر إلا فى زمن السلاطين من الجراكسة. وإلى سنة ستين وخمسمائة من الهجرة كانت لا تقام الجمعة فى القاهرة ومصر إلا فى ثمانية جوامع وهى: جامع عمرو، وجامع العسكر، وجامع ابن طولون بالقطائع، والجامع الأزهر بالقاهرة، والجامع الحاكمى بالقاهرة، وجامع المقس بالقاهرة أيضا، وجامع القرافة، وجامع راشدة. ثم فى زمن السلاطين من الجراكسة كثرت الرغبة فى بناء الجوامع، حتى بلغت فى آخر مدتهم مائة وثلاثين جامعا تقام فيها الجمعة، كان منها بمصر العتيقة عشرة، وبالقرافة أحد عشر، وبجزيرة الروضة خمسة، وبالحسينية اثنا عشر، وعلى النيل خارج القاهرة أربعون، وبين القاهرة ومصر ثلاثة وعشرون، وبالقلعة أربعة، وخارج القاهرة بالترب سبعة، وداخل القاهرة سبعة عشر.

стр. 210

وكان كل من بنى جامعا وقفه لله، ووقف عليه الأوقاف الدارة، ورتّب له الخدمة والمؤذنين والأئمة وغير ذلك. والآن قد اندثر جميع المدارس، وصارت جوامع، ولم يبق محلا مختصا بالتدريس وللمدرسين فيه رواتب من جهة الحكومة والأوقاف، إلا الجامع الأزهر فقط، وتقام الجمعة فيه، وفى جميع الجوامع المذكورة، بل وفى بعض الزوايا. وفى المقريزى أن المدارس مما حدث فى الإسلام، ولم تكن تعرف فى زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حدثت بعد سنة أربعمائة من الهجرة، وأول مدرسة بنيت ببغداد سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ومصر كانت حينئذ فى يد الفاطميين، وهم شيعة إسماعيلية. وأول ما علم إقامة درس من قبل السلطان بمعلوم جار لطائفة من الناس، كان فى خلافة العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله فى الجامع الأزهر، والوزير يعقوب بن كلس كان يقرأ درسا فى داره، كان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهبهم، وعمل مجلسا بجامع عمرو أيضا. *** مطلب إبطال مذهب الشيعة من جميع الديار المصرية ولما صارت مصر إلى الأيوبية، وجلس على تختها يوسف صلاح الدين أبطل مذهب الشيعة من جميع الديار المصرية، وأقام بها مذهبى الإمام مالك والإمام الشافعى، وأول مدرسة حدثت بديار مصر كانت بجوار الجامع العتيق بناها صلاح الدين سنة ست وستين وخمسمائة، وعرفت بالمدرسة الناصرية وكانت للشافعية، وبنى فى السنة المذكورة المدرسة القمحية بقرب الناصرية للمالكية، وبنى أيضا المدرسة السيوفية للشافعية. وحذا حذو صلاح الدين خلفاؤه من الأيوبية، حتى كانت عدة المدارس بعد زوال ملكهم خمسا وعشرين مدرسة، منها الخاصة الشافعية سبعة، وللمالكية ستة، وأربعة للحنفية، وواحدة للحنابلة. وتارة كان يدرس بالمدرسة مذهبان، فكان للشافعية والمالكية معا أربعة مدارس، ومثلها للشافعية والحنفية. ولما تولى الملك من بعدهم مماليكهم، ساروا سير ساداتهم، وحذا حذوهم أمراؤهم، وأصحاب الأموال من الرجال والنساء، حتى كمل عدد المدارس إلى آخر حياة المقريزى

стр. 211

خمسا وأربعين مدرسة فى نحو مائة وثمانين سنة، وصار فى القاهرة سبعون مدرسة، يدرس بها المذاهب الأربعة، وبعضها كان مختصا بالصوفية. وكان يتأنّق فى بناء تلك المدارس وزينتها وزخرفتها وترخيمها، وتعمل لها الشبابيك من النحاس المكفت بالذهب والفضة، وتصفح أبوابها بالنحاس البديع الصنعة المكفت، ويجعل فيها خزانة كتب، بها عدة من المصاحف والكتب فى الحديث والفقه وغيرهما من أنواع العلوم. وكان يتأنق فى عظم المصاحف وكتابتها، فمنها ما كان طوله أربعة أشبار إلى خمسة، وعرضه قريب من ذلك، ولها جلود فى غاية الحسن معمولة فى أكياس الحرير الأطلس. وكانت العادة عند انتهاء عمارة المدرسة أن يدعو صاحبها القضاة والأعيان وغيرهم من الأمراء، ويمدّ لهم سماطا جليلا، وتملأ البركة التى بوسط المدرسة ماء قد أذيب فيه سكر، مزج بماء الليمون، ويسقى منه الحاضرون. وفى الجلسة يقرر المدرسين فى المذهب أو المذاهب، وفى الحديث والتفسير، ويخلع عليهم الملابس الفاخرة، ويقرر لكل من المدرسين طائفة من الطلبة، ويجرى عليهم الرواتب من الخبز فى كل يوم ومن الدراهم فى كل شهر، ويرتب الإمام والقومة والمؤذنين والفراشين والمباشرين، ويوقف عليهم الأوقاف الدارة، وقد بيّنا أوقاف بعض تلك المدارس، وما لحقها من التغيرات والأحوال فى هذا الكتاب. ومن ابتداء القرن التاسع إلى القرن الثانى عشر يعنى مدة ثلاثة قرون قد أهمل أمر المدارس، وامتدت أيدى الأطماع إلى أوقافها، وتصرف فيها النظّار على خلاف شروط وقفها، وامتنع الصرف على المدرسين والطلبة والخدمة، فأخذوا فى مفارقتها، وصار ذلك يزيد فى كل سنة عما قبلها، لكثرة الاضطرابات الحاصلة بالبلاد، حتى انقطع التدريس فيها بالكلية، وبيعت كتبها وانتهبت، ثم أخذت تتشعث، وتتخرب، من عدم الالتفات إلى عمارتها ومرمتها، فامتدت أيدى الناس والظلمة إلى بيع رخامها وأبوابها وشبابيكها، حتى آل بعض تلك المدارس الفخيمة، والمبانى الجليلة إلى زاوية صغيرة تراها مغلقة فى أغلب الأيام، وبعضها زال بالكلية وصار زريبة أو حوشا أو غير ذلك، كما بيّناه فى هذا الكتاب، ولله عاقبة الأمور.

стр. 212

مطلب عدد المدرسين فى المذاهب الأربعة وطلبة العلم بالجامع الأزهر وما يصرف لهم ولباقى الجوامع والزوايا والأضرحة ومن ابتداء جلوس العزيز «محمد على» على تخت الديار المصرية أخذت الحكومة فى التشديد على حفظ ما بقى من تلك المبانى، ومن فيض مراحمها أنشأت عدة مساجد فى القاهرة وغيرها، وعمرت القديم وأعدته للعبادة، وحذا حذوه خلفاؤه فى هذا الأمر الجليل، وترتب ديوان الأوقاف لحفظ تلك المبانى وأوقافها والصرف عليها، ووجهت جل عنايتها إلى أمر التربية فساعدت طلبة الأزهر والمدرسين، فانتظم سير التعليم فيه. وكثرت طلبة العلم فى المذاهب الأربعة فى مدته ومدة خلفائه، حتى بلغ عددهم فى سنة تسعين ومائتين وألف هجرية تسعة آلاف وأربعمائة واحدا وأربعين طالبا، منهم شافعية أربعة آلاف وخمسمائة وسبعون، ومالكية ثلاثة آلاف وسبعمائة وعشرة، وحنفية ألف ومائة وأحد وثلاثون، وحنابلة ثلاثون طالبا. وأما عدد المدرسين فى المذاهب الأربعة، فبلغ ثلثمائة وأربعة عشر، والجارى صرفه الآن من ديوان الأوقاف على الجامع الأزهر ومن به، من العلماء والطلبة، ألفان وخمسمائة وتسعة عشر جنيها واثنان وستون قرشا ونصف نقدية وخبز، وذلك خلاف الجارى صرفه للمدرسين من الروزنامجة. والجارى صرفه من الأوقاف لباقى الجوامع والزوايا والأضرحة - فى مرتبات وزيوت وشموع وحصر وإحياء ليال - ثلاثون ألف وأربعمائة وتسعة وأربعون جنيها وثمانية وثلاثون قرشا، والجارى صرفه على المكاتب التابعة للديوان المذكور أربعة عشر ألفا وستمائة وستة وعشرون جنيها وأحد وأربعون قرشا. بمعنى أن مجموع الجارى صرفه فى السنة الواحدة على إقامة الشعائر الدينية وعمارات محلاتها سبعة وأربعون ألفا وخمسمائة وخمسة وتسعون جنيها واثنان وأربعون قرشا. *** مطلب إنشاء المدارس الملكية وما يصرف عليها ومقدارها ثم إن الحكومة وجهت أنظارها إلى إنشاء مدارس لتربية الشبان، ونشر العلوم والفنون والصنائع، ففى زمن المرحوم محمد على أنشئت مدرسة الطب فى سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف، وجلب لها مائة تلميذ من طلبة الأزهر، ورتب لهم معلمين، جلبهم لها من بلاد

стр. 213

الإفرنج، ثم رتب المهندسخانة لتعليم العلوم الرياضية، ومدرسة البحرية، ومدرسة الزراعة، وأخرى لتعليم الألسن الأجنبية، ومدرسة لتعليم الصنائع والحرف، ومدرسة للموسيقى. هذا فضلا عن المدارس العسكرية وهى: مدرسة للطوبجية، ومدرسة للخيالة، ومدرسة للبيادة. هذا فضلا عن المكاتب التى نظمها بالقاهرة والإسكندرية ومدن الأقاليم المصرية. وقد بلغ عدد الشبان الذين كانوا يتلقون العلوم والصنائع فى وقته تسعة آلاف. [الإرسالات العلمية الى الدول الأجنبية] ولم يكتف بذلك، بل جعل يرسل إلى البلاد الأجنبية الإرسالات المتوالية من أذكياء الشبان للتبحر فى المعارف، وجعل لكل فن من العلوم طائفة منهم. وبلغ عدد المرسلين إلى فرانسا أربعة وأربعين تلميذا لحقهم غيرهم. وفى سنة ثمانية وأربعين بلغ عددهم ستين تلميذا وإلى سنة ألف ومائتين وثمان وخمسين كانت جملة المرسلين مائة وأربعة عشر تلميذا، وقد نجح منهم الكثير، وحصل النفع بهم فى مصالح البلاد. وفى سنة ستين ومائتين وألف أرسل أنجاله ضمن إرسالية كبيرة قدرها سبعون تلميذا، وفتح لها مدرسة مستقلة فى مدينة باريس لتعليم الفنون العسكرية، ولم تزل الإرساليات تتعاقب، وتحضر إلى مصر، ويوظفون فى المصالح، كتعليم الفنون الحربية والتعليمات العسكرية، وأشغال الهندسة كعمل المبانى والترع والقناطر، وعمل الآلات وإدارة الورش والمعامل، واستخراج الزيوت وعمل الصابون والشمع والعطريات، وتكرير السكر، وعمل الأسلحة النارية والسيوف والسكاكين والمطاوى والساعات، وطقومة الخيل، وسبك المعادن، وتركيب الأحجار الثمينة، والحياكة، والتجليد، وصناعة الورق، وعمل الاستحكامات، وغير ذلك مما يطول شرحه، وقد ظهرت ثمراته فى البلاد المصرية، واستمرت إلى الآن. وكان كلما علم بمزية فى جهة أرسل إليها من يعهد فيه الاستعداد للحصول عليها، فأرسل إلى بلاد الإنجليز، وبلاد إيتاليا، وبلاد النمسا، وألمانيا، فانتشرت المعارف المعاشية فى البلاد المصرية بعد خفائها. [التعليم فى عهد إسماعيل] وقد حذا حذوه خلفاؤه، وساروا على منهجه، وإن كان فى زمن المرحوم سعيد باشا حصل فتور فى سير التعليم، لكن لما آل الأمر إلى الخديو اسماعيل باشا أخذ التعليم

стр. 214

فى سيره القديم، ومن اهتمامه بأمر التربية، زاد فى النفقة عليه، فاتسع نطاق التربية، وزادت رغبة الناس فى تربية أولادهم. ولم يكتف الخديو المذكور، بالمدارس السالف ذكرها، بل أنشأ مدرسة للقوانين والشرائع، وهى المعروفة بمدرسة الإدارة، ومدرسة لتربية الخوجات، عرفت بدار العلوم، أخذت تلامذتها من طلبة الجامع الأزهر. وهو أول من فتح مدرسة للبنات، وأخرى للخرس والعميان من الذكور والإناث. وأنشأ مدارس فى مدن الأقاليم، جعل فيها التعليم على النسق الجارى فى المدارس الميرية، وأنشأ جملة مكاتب أهلية فى القاهرة والإسكندرية جرى التعليم فيها على هذا النسق، وجعل للنفقة عليها إيراد شفلك الوادى، وما يتحصل من الأوقاف الخيرية بناء على لائحة عملت لذلك، وما يدفع من أهالى الأولاد، على حسب اقتدارهم. ومن رغبة الناس فى تربية أولادهم ظهرت مكاتب متعددة قبل فيها الراغبون للتعلم من كافة طوائف الخلق، وتسابق المسلمون والنصارى فى هذا الأمر، فكثرت المدارس الإسلامية والإفرنجية، وزادت تلك الرغبة بما رأوه من إعطاء الإعانات من طرف الحكومة، للمساعدة على التعليم والتعلم. وإلى سنة تسعين ومائتين وألف بلغ عدد المدارس الميرية إحدى عشرة مدرسة، وعدد تلامذتها ألفا وتسعمائة وثمانية عشر تلميذا، منها أربعمائة وخمسة وأربعون بمدرسة البنات. وفيها من الخوجات مائة وتسعة وستون خوجة، وفى مدارس المديريات ثمانمائة وأربعة وستون تلميذا، وفيها من الخوجات خمسة وأربعون. وفى المكاتب الأهلية المنتظمة ألف وتسعمائة وأحد وسبعون تلميذا، وفيها من الخوجات اثنان وتسعون. فيكون مجموع الجارى النفقة عليه من طرف الحكومة ووقف الوادى أربعة آلاف وسبعمائة وثلاثة وخمسين تلميذا، وثلثمائة خوجة وستة خوجات، وهذا خلاف المدارس العسكرية. وكان المخصص لديوان المدارس الملكية من المالية فى كل سنة نحو ثمانية وأربعين ألفا وخمسة عشر جنيها، وكانت المدارس تتحصل على نحو عشرين ألف جنيه من إيراد الوادى، خلاف سبعة آلاف جنيه من ديوان الأوقاف، فيكون المجموع نحو خمسة وسبعين ألف جنيه. وفى القاهرة وضواحيها سبع وثلاثون مدرسة للأقباط واليهود والأرمن والإفرنج، بها من التلامذة ثلاثة آلاف وستمائة وثمانون تلميذا، منها أناث ألف ومائة وأربع وسبعون، وفيها من الخوجات مائتان واحد وعشرون، وأعطى لأكثر هذه المدارس إعانات، بعضها نقدية وبعضها أراض أحسن بها عليها، للصرف من ريعها.

стр. 215

ولم تغير الحوادث التى طرأت على القطر وغيرت محاسنه رغبة الناس فى التعلم واكتساب أولادهم حسن التربية. ومن ذلك وعدم إمكان قبول كل الراغبين فى المدارس الميرية على سننها القديم قد جعلت فى قانونها الجديد التلامذة داخلية وخارجية، وفرضت عليهم مبالغ فى مقابلة التعليم فوق طاقة الفقراء منهم، وإن قدر عليها أهل الثروة، فالرغبة فى دخول المدارس الميرية قليلة، لانقطاع الأمل من الانتفاع بثمرات التعليم، فعدم رجاء اجتناء الثمر يصد المرء عن غرس الشجر. *** مطلب عدد الأضرحة والموجود الآن بالقاهرة من الأضرحة مائتان وأربعة وتسعون ضريحا، بعضها داخل مزارات، وله خدمة، والبعض داخل بيوت، وفى زوايا الحارات والعطف، وهى إما قبور أمراء أو صالحين، وقد ترجمنا بعض من وقفنا على ترجمته منهم. ويوجد بالقاهرة أيضا - غير هذه الأضرحة - مائتان وخمس وعشرون زاوية، والمقريزى لم يترجم سوى ست وعشرين زاوية، وترجم لاثنين وخمسين مسجدا، منها بالقرافة الكبرى - التى كان بها جامع الأولياء وذكرنا أن محله الآن الحوش المعروف بحوش أبى على - ثلاثة وثلاثون مسجدا، والباقى داخل البلد، وترجم خمسة عشر مسجدا بالقرافة الصغرى، التى بها قبر الإمام الشافعى ﵁، فيكون مجموع المساجد والزوايا ثلاثة وتسعين. (أقول): ولا يبعد أنه مع تقلب الأزمان اندثر اسم المساجد، واستبدل باسم الزوايا، أو صار من بعض الزوايا الموجودة الآن. ومن ابتداء القرن التاسع إلى وقتنا هذا كثر بناء الزوايا، حتى بلغت العدد السابق، ولا أدرى إن كانت السبعة عشر رباطا، التى تكلم عليها المقريزى هى من ضمن ذلك أم لا، منها خمسة بالقرافة، والباقى فى البلد وضواحيها. وفى الأزمان السابقة كانت الزوايا لإقامة بعض الصالحين للتعبد فيها، ولم تكن تقام فيها الجمعة، والآن تغير الحال، وصارت تقام الجمعة فى أكثرها. وأما الرباطات، فكانت من المحلات الخيرية، وبعضها كان لإقامة الصوفية، وبعضها كان للنساء المنقطعات، أو المهجورات، أو المطلقات، أو العجائز الأرامل العابدات. وكان لها الجرايات والمقامات المشهورة من مجالس الوعظ، وقد انقطع ذلك من زمن مديد. ***
следующие страницы →