← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

إنفاذ مضمون وصيته وكل عام يجتمعون مع جمهور من الأمة والرؤساء والروحيين فى دير القديس أبى رويس لإقامة الصلاة الاحتفالية والتقديس على روح والدهم وزيارة قبره، ويفرقون هناك الصدقات الوافرة على اكليروس الدير وخدمته والفقراء، ويصنعون وليمة معتبرة عمومية يحضرها كافة المصلين والزائرين والمقيمين فى الدير، ولهم محل معدّ يعلو الضريح يستقبلون فيه المصلين والزائرين وغيرهم فضلا عما يصنعونه من هذا القبيل بأيام أخرى كل سنة على روح والدتهم وغيرها من المتوفين من العائلة، ومع مواظبة حضرة البيك نجله على القيام بتوزيع ريع حصة الوقف على جهاتها سنويا جارى والده أيضا فى العناية بأمر فقراء الأمة من جهة تحصيل وصرف مرتباتهم. ويوجد غير ذلك من الأضرحة داخل الدير قديمة وحديثة ومن الحديثة أيضا ضريح الشهير فى الرهبان والإكليروس الأغومانس بطرس بن جرجس مفتاح شقيق يوسف أفندى جرجس مفتاح المتوفى فى توت سنة ١٥٩١ للشهداء، وكان عابدا محبا للعلم مجدا فى إحياء المدارس محسنا للغاية توفى بدير الملاك البحرى، ونقل جسمه بجنازة شهيرة حضرها جميع أكابر الأمة والرؤساء الروحيين وصلى عليه بدير أبى رويس وتليت إذ ذاك خطبة مرثية لوفاته، ودفن فى مقبرة القسوس داخل الدير والناظر الآن على هذا الدير المعلم الشهير ميخائيل بن جرجس الزيات صاحب الهمة الزائدة فى نظام الكنيسة وعمارة الدير وتحسين حالة أوقافه وتدبير خدمته على أحسن ما يكون، ومن عادته أنه كان يهتم فى كل عام فى يوم الحادى والعشرين من بابه القبطى باحتفال عيد القديس أبى رويس ويدعو/البطريرك وأكابر الإكليروس وجمهورا كبيرا من الشعب، وبعد القداس يصنع وليمة معتبرة للجميع فقراء وأغنياء يخدم فيها بشخصه مع أنجاله.

стр. 1717

الكنيسة الثانية بالخندق هى بدير الملاك ميخائيل وهى باسمه وهذا الدير يعرف الآن بدير الملاك البحرى، وهو بحرى دير أبى رويس يفصل بينهما جسر السكة الحديد الموصل للعباسية، وهو فى موقع حسن للغاية تحيط به الرياض والحقول من الجهات الأربع، وهى كنيسة جليلة قديمة المنشأ. ومما يوجد من الكتب القديمة الموقوفة عليها كتاب محرر سنة ١٠٠٨ للشهداء أعنى من نحو ٥٩٠ سنة. ونظارة هذا الدير من مدة لعائلة دميان بك وهى الآن مخصوصة بحضرة الوجيه ميخائيل أفندى جاد، وقد جدّد نظام هذه الكنيسة وزاد فى رونقها وجمالها الأفندى الناظر المذكور منذ أربع سنوات وعمر بالدير عمارة حسنة للغاية يتردد إليها من يريد من أكابر الأمة فى أوقات معلومة. وكان من عادة البطريرك الكبير بطرس أن يتردد كل يوم خميس إلى هذا الدير ويستمر فى قصر بناه مخصوصا فى حديقة الدير كان أولا صغيرا بوسط الحديقة ثم نقل إلى آخرها بالجهة الشرقية البحرية، وبعد وفاته لم يزل خلفاؤه يترددون هناك. وقد نقض هذا القصر جناب البطريرك الموجود الآن وبناه وجعله فى غاية الظرف، من جهة الموقع فإنه يشرف من الجهة البحرية على الحقول الممتدة لجهة القبة ومن الجهة الشرقية على الحدائق والحقول الممتدة لجهة العباسية ومن الجهتين القبلية والغربية على حديقة الدير؛ ولحسن موقع هذا الدير يهرع إليه المسيحيون من كل جنس للزيارة والتروح فى أماكنه المشرفة على الرياض والحقول الرائقة، وله مواسم حافلة كل سنة منها عيد الصليب فى السابع عشر من توت وعيد الملاك ميخائيل فى الثانى عشر من بؤنه، وهناك يجتمع كثير من الأمة من القاهرة والجهات القريبة للزيارة والصلاة والنزهة ويسمى هذا الدير دير الفرح، ويوجد قريبا

стр. 1718

من هذا الدير بالجانب البحرى الشرقى آثار كنيسة الملك غبرئيل، وهى المذكورة فى كتاب المقريزى دثرت من مدة مديدة ولم يبق من آثارها إلى الآن إلا بعض بناء صهريجها. ومما دلت عليه الكتب الموقوفة عليها الباقية إلى الآن أنها معاصرة لكنيسة ميخائيل المذكورة آنفا هذا إذا لم تكن أقدم منها.

стр. 1719

ظاهر القاهرة من الجهة القبلية دير مارمينا العجائبى قبل القاهرة بطريق مصر العتيقة قديم العهد. وقد ذكره المقريزى فى الكنائس وقال: إن موقعه قريب من السد بين الكيمان بطريق مصر داخله كنيسة معتبرة برسم مارمينا، ويوجد فى دائرتها هيكل مخصوص بطائفة السريان الأصليين الأرثدوكس وخارجا عنها مدافن المسيحيين الأقباط وكثير من أكابرهم مدفون بها ويحيط بالمدافن سور ويليها بستان عظيم ملك الدير، وكان هذا الدير تحت نظارة المعلم الشهير إبراهيم الجوهرى، وله فيه وفى كنيسته أتعاب فى العمارة والإصلاح كما له فى غيره، وفى المدة الأخيرة كانت نظارته للشهير من معتبرى المحروسة المعلم تادرس جرجس جلبى ذى الهمم والمآثر الحميدة والمساعدات الجزيلة لكثير من كنائس الأمة وأديرتها سيما الكنيسة المرقسية الكبرى بالأزبكية التى حين شرع البطريرك كيرلوس فى عمارتها كان له الحظ الأوفر من المساعدة فيها. ولما توفى البطريرك المذكور أقيم وكيلا على عموم إدارة البطريكخانة، وكان مع سعة اقتداره ونفوذ كلمته لين الجانب متواضع النفس جدّا محسنا محبوبا للجميع توفى سنة ١٥٧٧ للشهداء ودفن فى ضريحه الكائن بهذا الدير من الجهة الغربية البحرية يحيط به سور مخصوص ويعلوه منزل منتظم يجتمع فيه أولاده المحترمون وعائلاتهم فى أيام مخصوصة، وقسيس هذه الكنيسة الاغومانس النجيب تادرس ابن الأغومانس مينا، وقد اجتهد ونظم بعض أبنية مهمة فى منازل الكنيسة وخارجا عنها حتى صار الدير والكنيسة فى رونق بهيج، وبجوار هذه الكنيسة من الجهة البحرية فى دائرة الدير كنيسة للأرمن الأصليين وحولها مدافنهم وعليها سور مخصوص.

стр. 1720

تتمة فى تاريخ بطاركة الإسكندرية مختصرا وهم بطاركة الأقباط الأصليين الأرثدوكسيين تكميلا لما أورده المقريزى بتاريخه: ولما كان آخر من ذكره منهم عند التكلم على دخول الأقباط فى الدين المسيحى هو البطريرك إثناسيوس ابن القس أبى المكارم بن كليل الذى تقلد البطريركية فى عهد الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى واستمر فى الرئاسة إحدى عشرة سنة ونحو شهرين، وتوفى فى أول كيهك سنة ٩٧٨ للشهداء الموافقة سنة ١٢٦٢ مسيحية، وكان البطريرك المذكور السادس والسبعين فى عدد البطاركة الذين تولوا الكرسى البطريركى الاسكندرى شرعنا نذكر من تولوا بعه بالتتابع لتتمة التاريخ فقلنا:

стр. 1721

السابع والسبعون: غبرئيل الثالث. والثامن والسبعون: يوأنس السابع. لما توفى إثناسيوس انتخب جماعة من أكابر الملة بمصر القديمة يوأنس أى يوحنا بن أبى سعيد السكرى وجماعة أخرى من القاهرة غبرئيل بن تريك، ثم تقارع الفريقان على أيهما يولى فجاءت القرعة باسم غبرئيل، ومع ذلك نهضت فرقة يوحنا ونازعت الأخرى إلى أن تغلبت عليها وأخر أمر غبرئيل وقدم يوحنا فى ٢٢ طوبه سنة ٩٧٨ للشهداء الموافقة سنة ١٢٦٢ مسيحية فى أيام الملك الظاهر بيبرس، واستمر متصرفا فى البطريركية ست سنوات وتسعة شهور، ثم أخر وقدم غبرئيل وأقام فى الرئاسة سنتين وشهرين، ثم أخر وأعيد الأول وبقى غبرئيل منعزلا عن البطريركية إلى أن توفى، واستمر الآخر فى البطريركية إلى أن توفى فى ٢٦ برمودة سنة ١٠٠٩ للشهداء الموافقة سنة ١٢٩٣ مسيحية؛ فجملة الاثنين ٣١ سنة ونحو ثلاثة أشهر منها جملة ما أقامه يوحنا ٢٩ سنة ونحو شهر وغبرئيل سنتان وشهران، وكان فى أيامهما ضيق شديد على المسيحيين من قبل الحكومة. التاسع والسبعون: ثاودوسيوس الثانى وكان أولا يدعى عبد المسيح بن رويل وهو من منية بن خصيم قدم بطريركيا فى ١٨ مسرى سنة ١٠١٠ للشهداء الموافقة سنة ١٢٩٤ مسيحية فى عهد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون بعد أن خلا كرسى البطريركية سنة واحدة وثلاثة أشهر ونصفا، واستمر فى الرئاسة خمس سنوات ونحو خمسة أشهر وتوفى فى ٦ طوبه سنة ١٠١٦ للشهداء الموافقة سنة ١٣٠٠ مسيحية، وقد كانت قلوب الجماعة غير مؤتلفة مع هذا البطريرك حيث كان ارتقاؤه للرئاسة من غير اختيارهم فضلا عن كونه نسب لأخذ الرشوة وحدث فى أيامه غلاء وفناء شديدان، وبقى بعد وفاته كرسى البطريركية خاليا نحو أربعين يوما.

стр. 1722

الثمانون: يوأنس الثامن (أعنى يوحنا) بن قديس وهو من المنية كان رئيس دير شهران المعروف الآن بدير العريان وسيأتى ذكره، وقدم بطريركيا فى ١٦ أمشير سنة ١٠١٦ للشهداء الموافقة سنة ١٣٠٠ مسيحية برضا الجماعة فى أيام الملك الناصر المذكور سابقا، وحدث فى أيامه شدة منكية للمسيحيين وأمر بغلق كنائسهم، وكان فى عهده القديس برسوم العريان صاحب الدير المشهور باسمه الكائن قبلى طرا على الساحل الشرقى، وتوفى يوأنس فى وجوده ومدة مقامه على الكرسى البطريركى ٢٠ سنة وثلاثة أشهر وعشرون يوما، وتوفى فى ٤ بؤنه سنة ١٠٣٦ للشهداء الموافقة سنة ١٣٢٠ مسيحية وخلا الكرسى بعده أربعة أشهر. الحادى والثمانون: يوأنس التاسع كان من جهة المنوفية قدم بطريركيا فى أول بابه سنة ١٠٣٧ للشهداء الموافقة سنة ١٣٢١ فى عهد الملك الناصر المذكور، واشتد فى أيام رئاسته الكرب على المسيحيين وتزايد الضيق عليهم بأنواع مختلفة إذ كان يحرق بعضهم ويسم بعضهم وقهر الجميع بلبس الثياب الزرق، ثم تدارك الله خلقه برحمته وارتفع الضيق عن الأمة، وبعد أن استمر فى الرئاسة ستة أعوام ونصفا توفى فى ٢ برموده سنة ١٠٤٤ للشهداء الموافقة سنة ١٣٢٨ مسيحية وخلا الكرسى بعده ثلاثة وأربعين يوما. الثانى والثمانون: بنيامين الثانى من أهل الدمقراط كان راهبا بجبل طرا وأقيم بطريركا فى ١٥ بشنس سنة ١٠٤٤ للشهداء الموافقة سنة ١٣٢٨ مسيحية فى أواخر ملك الملك الناصر، وفى أيامه أعيد الكرب على المسيحيين من ولاة الأمور على الرجال والنساء لا سيما على الرهبان والاكليروس، وعمّر هذا البطريرك دير بشوى الكائن ببرية النطرون المعروفة عند المسيحيين ببرية شيهات، وبعد أن أكمل فى الرئاسة عشر سنوات وثمانية أشهر توفى فى ١١ طوبة سنة ١٠٥٥ للشهداء الموافقة سنة ١٣٣٩، واستمر كرسى البطريركية بعده خاليا عاما واحدا.

стр. 1723

الثالث والثمانون: بطرس الخامس كان يدعى أولا داود وكان راهبا بدير القديس مقاريوس أقيم بطريركا فى ٦ طوبه سنة ١٠٥٦ للشهداء الموافقة سنة ١٣٤٠ فى آخر سنى ملك الملك الناصر، واستمر فى البطريركية ثمان سنوات وستة أشهر وفى أوائل مدته توفى الملك الناصر، واستولى بعده أولاده على التوالى الملك المنصور أبو بكر والسلطان كجك والسلطان أحمد والملك الصالح عماد الدين والأشرف شعبان والسلطان حاجى والسلطان حسن، وكانت الأمة المسيحية فى أيامه آمنة مطمئنة، وتوفى فى ٤ أبيب سنة ١٠٦٤ الموافقة سنة ١٣٤٨ وخلا كرسى البطريركية بعده شهرين وبعض أيام. الرابع والثمانون: مرقس الرابع وهو من قليوب كان يدعى أولا فرج الله ترهب ورسم قسيسا بدير شهران ثم أقيم بطريركا فى ١٠ توت سنة ١٠٦٥ الموافقة سنة ١٣٤٩ فى مدة تملك السلطان حاجى، وفى أوائل مدته توفى السلطان حاجى وتملك أخوه السلطان حسن، ثم خلع وتولى أخوه السلطان صالح، ثم عاد الأول للسلطنة وحدث فى أيامه فناء عظيم حتى خرب/أغلب القرى، ومع ذلك تطلب الولاة أن يدمروا المسيحيين ومن ذلك هاج عوامّ الناس عليهم وضايقوهم كثيرا، وبعد أن استمر هذا البطريرك فى الرئاسة مدة أربع عشرة سنة وخمسة أشهر. توفى فى ٦ أمشير سنة ١٠٧٩ الموافقة سنة ١٣٦٣ وخلا كرسى البطريركية بعده ثلاثة أشهر وستة أيام. الخامس والثمانون: يوأنس المؤتمن وهو (يوحنا العاشر) كان يلقب بالشامى أقيم بطريركا فى ١٢ بشنس سنة ١٠٧٩ الموافقة سنة ١٣٦٣ فى زمن تملك الأشرف شعبان، واستمر فى الرئاسة ست سنوات وشهرين وثمانية أيام وتوفى فى ١٩ أبيب سنة ١٠٨٥ الموافقة سنة ١٣٦٩ وخلا كرسى البطريركية بعده ستة أشهر.

стр. 1724

السادس والثمانون: غبرئيل الرابع (أعنى جبرائيل) كان راهبا بدير المحرق وأقيم بطريركا فى ١١ طوبة سنة ١٠٨٦ الموافقة سنة ١٣٧٠ فى زمن تملك الأشرف شعبان، واستمر فى الرئاسة ثمان سنوات وثلاثة أشهر واحدا وعشرين يوما، وتوفى فى ٢ بشنس سنة ١٠٩٤ الموافقة سنة ١٣٧٨ وخلا الكرسى البطريركى بعده ثلاثة أشهر. السابع والثمانون: متاؤس الكبير كان راهبا بدير المحرق وأقيم بطريركا فى أول مسرى سنة ١٠٩٤ الموافقة سنة ١٣٧٨ فى عهد تملك على بن الأشرف شعبان، واستمر فى البطريركية ثلاثين سنة وخمسة أشهر وبعض أيام وفى أوائل مدته توفى الملك المذكور وتولى بعده أخوه السلطان صفرخان حسين آخر الأتراك ثم تولى بعده السلطان برقوق أول دولة الجراكسة، وتوفى البطريرك المذكور فى ٥ طوبة سنة ١١٢٥ الموافقة سنة ١٤٠٩ وخلا كرسى الرئاسة بعده أربعة أشهر وأياما. الثامن والثمانون: غبرئيل الخامس وهو من دير القلامون بالجيزة أقيم بطريركا فى ٢٦ برمودة سنة ١١٢٥ الموافقة سنة ١٤٠٩ فى عهد تملك السلطان الناصر فرج بن برقوق، واستمر فى الرئاسة ثمان عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما، وتوفى فى ٨ طوبة سنة ١١٤٤ الموافقة سنة ١٤٢٨ وخلا كرسى الرئاسة بعده أربعة أشهر وأياما. التاسع والثمانون: يوأنس الحادى عشر كان بالقاهرة أقيم بطريركا فى ١٦ بشنس سنة ١١٤٤ الموافقة سنة ١٤٢٨ فى عهد تملك الملك الأشرف أبى النصر برسباى من ملوك الجراكسة، واستمر فى البطريركية نحو خمسة وعشرين سنة، وتوفى فى ٩ بشنس سنة ١١٦٩ الموافقة سنة ١٤٥٣ وخلا كرسى الرئاسة بعده أربعة أشهر وأياما.

стр. 1725

التسعون: متاؤس الثانى وهو من الصعيد كان راهبا بدير المحرق وأقيم بطريركا فى ١٣ توت سنة ١١٧٠ الموافقة سنة ١٤٥٤ فى عهد تملك الأشرف أبى النصر أينال العلائى، واستمر فى البطريركية اثنتى عشرة سنة، وتوفى فى ١٣ توت سنة ١١٨٢ الموافقة سنة ١٤٦٦ وخلا الكرسى البطريركى بعده خمسة أشهر. الحادى والتسعون: غبرئيل السادس ويعرف بالغرباوى قدم بطريركا فى ١٥ أمشير سنة ١١٨٢ الموافقة سنة ١٤٦٦ فى تملك الملك الظاهر خشقدم الناصرى، واستمر فى البطريركية ثمان سنوات وعشرة أشهر وبعض أيام، وتوفى فى ١٩ كيهك سنة ١١٩١ الموافقة سنة ١٤٧٥ وخلا بعده الكرسى البطريركى سنتين ونحو الشهرين. الثانى والتسعون: ميخائيل الثالث وهو من سمالوط أقيم بطريركا فى ١٣ أمشير سنة ١١٩٣ الموافقة سنة ١٤٧٧ فى عهد الملك الأشرف أبى النصر قايتباى الظاهرى المحمودى، وأقام فى البطريركية سنة واحدة وثلاثة أيام، وتوفى فى ١٦ أمشير سنة ١١٩٤ الموافقة سنة ١٤٧٨ وخلا بعده كرسى الرياسة سنتين وشهرين وسبعة أيام. الثالث والتسعون: يوأنس الثانى عشر وهو من نقادة أقيم بطريركا فى ٢٣ برمودة سنة ١١٩٦ الموافقة سنة ١٤٨٠ فى عهد الملك الأشرف المذكور سابقا، أقام فى البطريركية ثلاث سنوات وأربعة أشهر وأياما، وتوفى فى ٧ توت سنة ١٢٠٠ الموافقة سنة ١٤٨٤ وخلا كرسى الرئاسة بعده خمسة أشهر. الرابع والتسعون: يوأنس الثالث عشر ويعرف بابن المصرى، أقيم بطريركا فى ١٥ أمشير سنة ١٢٠٠

стр. 1726

الموافقة سنة ١٤٨٤ فى عهد الملك الأشرف المذكور سابقا، وكان هذا البطريرك عالما وله مؤلفات كثيرة فى الدين المسيحى، وكان محسنا على الجميع بدون استثناء استمر فى الرئاسة إحدى وأربعين سنة إلا أربعة أيام وتوفى فى ١١ أمشير سنة ١٢٤٠ الموافقة سنة ١٥٢٤، وفى مدته توفى الملك الأشرف وتولى بعده سبعة ملوك آخرهم الملك العادل طومان باى ابن أخى قانصوه الغورى الذى قتله السلطان سليم خان ملك القسطنطينية، وبموته انقطعت دولة الجراكسة وبطلت السلطنة من مصر وصارت تابعة للمملكة العثمانية، وبعد وفاة البطريرك المذكور استمر كرسى الرئاسة خاليا سنة وثمانية أشهر. الخامس والتسعون: غبرئيل السابع كان يدعى أولا رفائيل وهو من منشاة المحرق وترهب ببرية شيهات، وأقيم بطريركا فى ٤ بابة سنة ١٢٤٢ الموافقة ١٥٢٦ فى عهد السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان، استقر فى البطريركية ثلاثة وأربعين سنة. وكان له اهتمام زائد فى عمارة الأديرة فعمر دير الميمون وديرى القديس أنطنيوس الكبير والقديس بولا ببرية العربة بعد دمارهما وعمر أيضا دير المحرق بالوجه القبلى، ولما قام عرب بنى عطية ونهبوا دير القديس بولا وأخربوه وقتلوا راهبا من رهبانه وشتتوا شمل الباقى اجتهد واهتم فى عمارته ثانيا وعمره بالرهبان، وكان مهيبا ذا نفوذ آمر لدى أمته وفى أواخر حياته طالبه متولى الأمر بمصر بما لا يقدر عليه من الغرامة؛ فرحل قاصدا الأديرة ببرية العربة وبينما هو عابر النهر من جهة الميمون توفاه الله فى ٢٩ بابه سنة ١٢٨٥ الموافقة سنة ١٥٦٩، وبعد وفاته لم يوجد له شئ من المال مخلفا عنه لأن إيراداته صرفها بأسرها فى منافع الأمة، واستمر كرسى البطريركية خاليا بعده خمس سنوات ونحو ستة أشهر. السادس والتسعون: يوأنس الرابع عشر وهو من منفلوط وكان راهبا بدير العذراء المعروف بالبراموس ببرية النطرون، أقيم بطريركا فى ٢٢ برمودة سنة ١٢٩٠ الموافقة سنة ١٥٧٤ فى أوائل تملك السلطان مراد خان الأول ابن السلطان سليم الثانى.

стр. 1727

وكان من أمره أن الدولة كلفته بجمع الجزية من المسيحيين فطاف بلاد مصر القبلية وجمعها وأدّاها للحكومة، ومن المضايقات التى كان يتقصده بها الوزراء رحل مرة ثانية إلى الصعيد وثالثة وأخيرا إلى الاسكندرية، ولما سكن الاضطراب عاد منها إلى النحارية وبها ضعف، وتوفى فى ٣ من نسئ سنة ١٣٠٥ (١) الموافقة سنة ١٥٨٩ بعد أن استمر فى البطريركية خمس عشرة سنة وأربعة أشهر وأياما وخلا الكرسى بعده عشرة أشهر. السابع والتسعون: غبرئيل الثامن وهو من منبير. الثامن والتسعون: مرقس الخامس وهو من البياضية. التاسع والتسعون: يوأنس الخامس عشر وهو من ملوى. المتمم للمائة: متاؤس الثالث من طوخ دلكة. الحادى بعد المائة: مرقس السادس وهو من بهجورة. هؤلاء البطاركة الخمسة الذين تولوا البطريركية القبطية الاسكندرية استغرقت مدتهم نحو خمسة وستين سنة، ولم يذكر التاريخ مفصلات وقائعهم غير أنه قد تحقق أن الأول منهم أقيم بطريركا فى ١٦ بؤنة سنة ١٣٠٦ الموافقة سنة ١٥٩٠ فى عهد السلطان مراد خان الأول وكان يدعى أولا شنوده وهو راهب من دير القديس بيشوى. وبعد إقامته اختلف القوم فى بقائه وافترقوا إلى أحزاب فأقاموا عوضه وخلعوه وبعد مدة

стр. 1728

أعيد إلى رئاسته وثبتت له البطريركية إلى أن توفى فى ٩ بشنس سنة ١٣٢٦ الموافقة سنة ١٦١٠. والثانى والرابع: لم تتعين مدة توليهما الرئاسة. والثالث أقام عشر سنوات وكذلك الخامس أقام عشر سنوات وبوفاته انتهت مدة الخمسة البطاركة المذكورين وكان آخرها فى برمودة سنة ١٣٧١ الموافقة سنة ١٦٥٥. ومن المحقق: أن هذه المدة ابتدأت من أواخر عهد السلطان مراد خان الأول وتولى بعده ولده السلطان محمد خان وبعده ولده السلطان أحمد خان وبعده أخوه السلطان مصطفى خان ثم خلع وتولى ابن أخيه السلطان عثمان خان ثم أعيد السلطان مصطفى وبعده السلطان إبراهيم، ثم خلع وتولى ولده السلطان محمد خان وفى عهده انتهت مدة البطاركة المذكورين وخلا كرسى البطريركية بعد ذلك أربع سنين وسبعة أشهر ونصفا. الثانى بعد المائة: متاؤس الرابع كان يدعى أولا جرجس وهو من ناحية مير وترهب ببرية النطرون بدير البراموس، انتخب للبطريركية وأرسلت الجماعة تطلبه فامتنع؛ فقام حزب من المصريين ورغبوا فى تعيين خلافه فلما لم يتم لهم الأمر أحضر المنتخب الأول بواسطة الدولة وحضر الاثنان وعملت بينهما القرعة فى الكنيسة، وفى دار الولاية وفى الجهتين جاءت باسم جرجس المنتخب أولا فأقيم بطريركا فى آخر هاتور سنة ١٣٧٦ الموافقة سنة ١٦٦٠ فى عهد السلطان محمد خان ابن السلطان إبراهيم خان، واستمر هذا البطريرك فى الرئاسة أربع عشرة سنة وثمانية أشهر ونصفا وقاسى شدائد مختلفة، وكان هذا البطريرك آخر من سكن من البطاركة فى حارة زويلة ومن بعده انتقل مركز البطريركية إلى حارة الروم على ما سيأتى ذكره، وتوفى فى ١٦ مسرى سنة ١٣٩١ الموافقة سنة ١٦٧٥ وخلا كرسى البطريركية بعده سبعة أشهر. الثالث بعد المائة: يوأنس/السادس عشر كان يدعى أولا إبراهيم وهو من طوخ دلكة ترهب بدير

стр. 1729

القديس أنطونيوس، وأقيم بطريركا فى ١٢ برمهات سنة ١٣٩٢ الموافقة سنة ١٦٧٦ فى عهد السلطان محمد خان المذكور، واستمر فى البطريركية اثنتين وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وفى أثناء مدته طاف الوجه القبلى والبحرى متفقدا أحوال المسيحيين وزار القدس، وكان فى صحبته رجل من أكابر النصارى يدعى جرجيسا الطوخى، وقد ساعده هذا الرجل فى عمارة ما دثر من الكنائس والأديرة وخصوصا دير القديس بولا الذى كان تخرب من أعوام مديدة فعمره هذا البطريرك وأعاد إليه الرهبان بعد أن بقى خاليا منهم مائة سنة، وبنى دار البطريركية (وتسمى قلاية أيضا) فى حارة الروم. وكان هذا البطريرك ممدوح الخصال محسنا إلى الفقراء والمحتاجين فاتحا داره لاستقبال الغرباء والمنقطعين، وتوفى فى ١٠ بؤنة سنة ١٤٣٤ الموافقة سنة ١٧١٨ وخلا كرسى البطريركية بعده شهرين وخمسة أيام. الرابع بعد المائة: بطرس السادس كان أولا يدعى مرجانا وهو من مدينة أسيوط، أقيم قسيسا على دير القديس بولا وانتخب للبطريركية وتولاها فى ١٥ مسرى سنة ١٤٣٤ الموافقة سنة ١٧١٨ فى عهد السلطان أحمد خان ابن السلطان محمد خان. وكان هذا البطريرك وجيها لدى أولى الأمر طاف الوجه البحرى والقبلى لتفقد أحوال قومه، وكان شديد المحافظة على أمته مانعا لهم عن الوقوع فيما يحرمه المذهب المسيحى من جهة الزواج أو الطلاق ونحو ذلك، واجتمع بالسنجق ابن إيواز وغيره من المتكلمين وجرت له معهم خطوب فيما يختص بحدود مذهبه؛ فأفتى له العلماء وأصدر له فرمان من الوزير المتولى بإقراره على قانون مذهبه ومنع التعرض له فى مثل ذلك، واستمر فى الرئاسة سبع سنوات وستة أشهر وأياما، وتوفى فى ٢٦ برمهات سنة ١٤٤٢ الموافقة سنة ١٧٢٦ وخلا منصب البطريركية بعده تسعة أشهر. الخامس بعد المائة: يوأنس السابع عشر كان يدعى أولا عبد السيد وهو من ملوى وترهب بدير القديس بولا

стр. 1730

وأقيم بطريركا فى ٦ طوبة سنة ١٤٤٣ الموافقة سنة ١٧٢٧ فى أواخر مدة السلطان أحمد خان المتقدم، واستمر فى البطريركية ثمان عشرة سنة وبعض أشهر. وفى أثناء مدته أنشأ كنيستين فى ديرى أنطونيوس وبولا بمساعدة الشهير جرجيس السروجى أمير قومه بوقته. وفى سنة ١٤٥١ الموافقة سنة ١٧٣٥ فى عهد السلطان محمد خان ابن السلطان مصطفى خان صدرت أوامر سلطانية بزيادة الجزية على النصارى واليهود وجعلت ثلاث درجات: الأولى أربعة دنانير والثانية اثنان والثالثة دينار. ثم تزايد أمرها بعد ذلك حتى ألزم بها القسوس والرهبان والصبيان والفقراء، وفى آخر رئاسته حدث غلاء عظيم ثم حصلت زلزلة وقع فيها جملة أماكن، وتوفى فى ٢٣ برموده سنة ١٤٦١ الموافقة سنة ١٧٤٥ وخلا منصب البطريركية بعده أحدا وثلاثين يوما. السادس بعد المائة: مرقس السابع كان يدعى سمعان ترهب بدير القديس بولا، وأقيم بطريركا فى ٢٤ بشنس سنة ١٤٦١ الموافقة سنة ١٧٤٥ فى عهد السلطان محمود خان المتقدم ذكره. وكان هذا البطريرك طلق اللسان محسنا ممدوح السيرة محبوبا فى قومه، واستمر فى البطريركية أربعا وعشرين سنة، وتوفى فى ١٢ بشنس سنة ١٤٨٥ الموافقة سنة ١٧٦٩ وخلا منصب البطريركية بعده خمسة أشهر وثلاثة أيام. السابع بعد المائة: يوأنس الثامن عشر كان يدعى أولا يوسف ترهب بدير القديس أنطونيوس، وأقيم بطريركا فى ١٥ بابه سنة ١٤٨٦ الموافقة سنة ١٧٧٠ فى عهد السلطان مصطفى خان ابن السلطان أحمد خان، واستمر هذا البطريرك فى الرئاسة ستا وعشرين سنة وسبعة أشهر وسبعة عشر يوما، وفى أثناء رئاسته نالته شدائد من مأمورى الأحكام واختفى من الظلم، وكان المعارض له الأمير الشهير فى أعيان المسيحيين إبراهيم الجوهرى رئيس كتاب البر المصرى،

стр. 1731

الذى شمر عن ساعد الجد وأصلح ما دمره مرور الأيام من أديرة الأمة المسيحية وكنائسها ومعابدها وأوقافها ففى القدس توجد دلائل همته. وفى الأديرة للآن تشاهد آثار خيريته والعمارات والأوقاف الخيرية الناطقة رسومها وحججها باسمه تشهد بما لهذا الرجل من المآثر فضلا عما ينسب إليه من المروآت وبذل الهمم فى إغاثة الملهوفين وإنقاذ المكروبين والإفراج عن المتضايقين من كل ملة ونحلة حسبما تصل إليه قدرته وتساعده عليه وظيفته مما شهدت به الآثار ونطقت به ألسنة القوم المعترفين بالجميل، وتوفى البطريرك فى ٢ بؤنه سنة ١٥١٢ الموافقة سنة ١٧٩٦ وخلا منصب البطريركية بعده نحو أربعة أشهر. الثامن بعد المائة: مرقس الثامن كان يدعى أولا يوحنا وهو من طما وترهب بدير القديس أنطونيوس، وأقيم بطريركا فى ٢٨ توت/سنة ١٥١٣ الموافقة سنة ١٧٩٧ فى عهد السلطان سليم الثالث ابن السلطان مصطفى. وفى أوائل مدته أتى أمير الجيوش الفرنسية بونابارتو نابليون الأول إلى الديار المصرية بجنود فرنساوية، وكان من أمر أخذه بلاد مصر وإقامة الفرنساوية بها ثلاث سنوات ما هو مشهور، ثم رحلوا من مصر وعاد زمام حكمها للسلطنة العثمانية وحان سعدها وتلألأ رونق مجدها بتولى المرحوم الخديوى الكبير محمد على باشا الذى حاز خديوية مصر لنفسه ولذريته الفخيمة من بعده فهذا البطريرك وافقت مدته ثلاث حكومات: الأولى حكومة الولاة المعينين من السلطنة، والثانية حكومة الفرنساوية، والثالثة الحكومة الخديوية السنية التى جاءت عليه وعلى أمته الأرثدوكسية بأحسن ختام. وكان فى مدته المعلم الشهير جرجس الجوهرى أخو إبراهيم الجوهرى، وكان هذا البطريرك رجلا محسنا وهو أول من نقل مركز البطريركية إلى الأزبكية، واستمر فى الرئاسة ثلاث عشرة سنة وشهرين وستة عشر يوما وتوفى فى ١٣ كيهك سنة ١٥٢٦ الموافقة سنة ١٨١٠.

стр. 1732

التاسع بعد المائة: بطرس السابع كان يدعى أولا منقريوس وهو من الجاولى وترهب، ثم رسم قسيسا بدير القديس أنطونيوس. وفى عهد رئاسة سلفه انتخب للمطرانية لاجل تعيينه لبلاد الحبشة ولأمر يعلمه الله تأخر أمر تعيينه ورسم مطرانا على الكنيسة عموما، واستمر فى الدار البطريركية مدة فلما توفى مرقس البطريرك اتفقت الجماعة قاطبة على إقامته بطريركا، وقد تم تعيينه فى ١٦ كيهك سنة ١٥٢٦ الموافقة سنة ١٨١٠ بعد وفاة سلفه بثلاثة أيام، وذلك فى عهد خديوية المرحوم محمد على باشا الكبير. وكان هذا البطريرك محبا للدرس غير مكترث بالدرهم حليما فى رئاسته محكما فى تصرفه وقورا مهيبا فى لقائه محبوبا لدى الكل، ولقد تمتع هذا البطريرك بحظوظ قلما سبقه فيها غيره فكانت الحكومة راضية عنه وعن أمته، وكان قومه حاصلين على الأمن والرفاهية والكنيسة مشهورة فى القطر المصرى حاصلة على إقامة شعائرها، وكان فى مدته أساقفة منهم: كيوساب الأخميمى وكاثناسيوس الغمراوى وتوماس المليجى وكالاسقف صرابامون صاحب المنوفية وغيرهم. وكانت الأمة زاهرة بأكابر ذوى درجات فى الحكم واعتبار فى القطر، وقد عمر كثيرا حتى بلغت مدة بطريركيته اثنتين وأربعين سنة وثلاثة أشهر واثنى عشر يوما، وكانت مدته جميعها سليمة فى مذهبه وقومه ونفسه ورسم نحو ثلاثة وعشرين أسقفا لجهات مصر ومطرانين للحبش. وتوفى ليلة الاثنين ٢٨ برمهات سنة ١٥٦٨ الموافقة سنة ١٨٥٢ ودفن بالإكرام اللائق لمقامه فى الأزبكية وخلا منصب البطريركية بعده سنة واحدة وأحد عشر يوما. العاشر بعد المائة: كيرولس الرابع كان يدعى أولا داود وكان رئيسا على دير القديس أنطونيوس، انتخب للبطريركية وأحضر للقاهرة حالا نظرا لما كان متصفا به من الشهامة والذكاء، ولكن لما كان

стр. 1733

بعض القوم لم يخل من الأغراض لعدم موافقته مشربهم قام ذلك البعض من الأمة مضادا لانتخابه وإن كان المتفقون على انتخابه أكثر إلا أن تحزّب هذا البعض بلغ إلى أن عرض الأمر فى ذلك لأولى الأمور المدنية ومن ذلك أخر أمره مدة ما، وحيث كانت أصوات المنتخبين أفوق كثيرا كما ذكرنا ولم يكن لتقدمه مانع سوى التحزب ولتلافى الاصلاح بين الفريقين استقر رأى أولى الأمر على جعله أولا مطرانا على عموم الملة، وقد حصل ذلك وأقيم مطرانا عاما فى ١٠ برموده سنة ١٥٦٩ الموافقة سنة ١٨٥٣، وبذلك ارتفعت المضادة واستمر متولّيا إدارة أمور الملة برتبة مطران سنة واحدة وشهرين، وحيث إن تصرفه الخاص ومشروعاته النافعة للأمة كانت نشهد بانفراده باستحقاق البطريركية أقيم بطريركا فى ١١ بؤنه سنة ١٥٧٠ الموافقة سنة ١٨٥٤ فى أواخر خديوية المرحوم عباس باشا حفيد الخديوى الكبير الذى توفى فى تلك السنة وتولى الخديوية بعده المرحوم سعيد باشا نجل الخديوى الكبير، وبعد توليه البطريركية جد فى تكميل مشروعاته النافعة؛ فأنشأ المدرسة الكبرى القبطية بالأزبكية وفتح مدرسة أخرى بحارة السقائين، وجدّد فيهما اللغة القبطية بعد دثورها وجدّد فيها لغات وعلوما أخر، ونظم مكتبين للبنات وجدد كنيسة للأمة بحارة السقائين. وفى السنين الأخيرة من حياته نقض الكنيسة البطريركية القديمة وأسس خلافها بالنظام اللائق بمثلها، ولو لم تكن مدته قليلة لا سيما وقد تخللها سفره لبلاد الحبشة الذى عاقه عن إتمام أعماله إذ تغرب عن مركزه نحو السنتين لتمم الكنيسة الكبرى وغيرها على أحسن نظام، ومع ذلك فإن حالة الإدارة البطريركية من جهة سياسة الإكليروس ورعاية الأمة ونحو ذلك قد امتازت/فى مدته كثيرا جدا عن السابق. ولقد كان هذا البطريرك حاذقا نبيها ذا عناية شديدة بالمنقطعين وذوى البيوت من أمته طلق اللسان عارفا بالتاريخ مدققا فى علوم الدين المسيحى محافظا على حدود المذهب ماقتا للرشوة غير مكترث بالمال قائما بأعباء وظيفته. وفى الحقيقة: أنه كان لم تعب سيرته بشئ ما ولو لم يكن حادا فى المشروعات سريع الإقدام على الأمور التى تفتقر للتأنى والمشورات لكان يعجز القلم عن تحبير صفاته، ومع ذلك

стр. 1734

كان محبوبا لدى الدولة الخديوية مألوفا عند جميع ملل النصرانية وغيرها مهيبا عند رجال أمته. وفى مدته أقام مطرانا خصوصيا لمصر ولم يكن بها من قبل مطران نظرا لوجود مركز البطريرك بها، وأقام على البحيرة والاسكندرية مطرانا وعلى المنوفية مطرانا آخر، وقد كان على الجهتين رئيس واحد من قبل ورسم مطرانا بالقدس وأسقفين بالوجه القبلى بعد وفاة أسلافهم؛ فجملة الرؤساء الذين عينهم ستة. وفى أيامه أنشئت كنائس للأمة فى مواقع ضرورية جدا بأوامر من الحكومة السنية كمدينة طنتدا والمحمودية وغيرهما، واستمر فى الرئاسة سبع سنين وتسعة أشهر وثمانية عشر يوما مطرانا وبطريركا، وتوفى فى ٢٣ طوبة سنة ١٥٧٧ الموافقة سنة ١٨٦١ وخلا الكرسى بعده سنة واحدة وثلاثة أشهر وسبعة أيام. الحادى عشر بعد المائة: ديمتريوس الثانى كان أولا يدعى ميخائيل رئيس دير القديس مقاريوس ببرية النطرون، انتخب للبطريركية ثم قرر فى ٩ بؤنة سنة ١٥٧٨ الموافقة سنة ١٨٦٢ فى أواخر خديوية المرحوم سعيد باشا، وبعد تقليده زار الجناب الخديوى وذوات الحكومة ثم شرع فى تكميل الكنيسة الكبرى بالأزبكية التى أسسها سلفه حتى تمت على نظامها الحالى، واستمر مديرا لحركات المدارس التى أنشأها سلفه أيضا ومع كونه كان ذاتأن فى المشروعات الأدبية والحركات المادية لا يرى فى نشاطه فى أوائل أمره ما كان يرى من سلفه، لكن توفر له الحظ بتولى الخديوى اسماعيل باشا الذى أمدّه بوافر إحسانه وشمل قومه بجزيل امتنانه إذ أنعم عليه بجملة كثيرة من الأراضى الزراعية للقيام بلوازم مدارسه ولوازم الدار البطريركية، ولم يبرح مرادفا له بصلاته مسعفا له بإصدار أوامره الكريمة مرقيا جملة من قومه الأقباط الأصليين للرتب والخطط الفخيمة، ونشط وبذل الجهد فى تكميل الكنيسة المذكورة وأحسن إدارة المدارس لا سيما وقد ساعدته الحظوظ بأن أنعم عليه من قبل الخديوى المذكور بإجراء امتحان

стр. 1735

مدارسه بعد امتحان المدارس الأميرية كالرسوم الجارية بها، وذلك بأن يصير الامتحان باحتفال يتزين كل عام بالذوات الكرام والعلماء الأعلام والأمراء الفخام. وهذا الأمر هو الذى أضحت المدارس القبطية تفتخر به على مر الزمان وقد بلغه أن بعضا من قومه بالجهات القبلية نبذوا عنهم بعض عقائدهم الأرثدوكسية واتبعوا آراء أجنبية طارئة؛ فقام بنفسه فى برمهات سنة ١٥٨٣ للشهداء ليتفقد تلك الجهات، وعينت له مركب بخار من طرف الحكومة السنية حسب التماسه وزار مدن وبلاد وكنائس الوجه القبلى إلى أن بلغ إسنا واستمر فى هذا السفر ثلاثة أشهر، وبعد حصوله على إقناع وارتداد أولئك الأشخاص وضمهم للكنيسة عاد إلى مركزه. وقد كان هذا البطريرك ذا حلم ووقار ونباهة حسن الإدارة سعيد الحظوظ، ولما حجبته أعباء رئاسة ديره الأولى قبل البطريركية عن التعمق فى بعض دقائق مهمة تستدعيها أحوال هذه الرتبة الكبرى كلف نفسه بعد ترقيه واختباره الأمور المثابرة على ما فاته. وفى الحقيقة: كان كلما تقدّمت سنو رئاسته مع ما كان فيه من تلك التوفيقات المدنية تمتد مزاياه النافعة لقومه، واستمر فى الرئاسة سبع سنين وسبعة شهور وسبعة أيام، وتوفى ليلة عيد الغطاس أعنى ليلة ١١ طوبة سنة ١٥٨٦ الموافقة ١٨٧٠. الثانى عشر بعد المائة: كيرلوس الخامس وهو البطريرك الحالى كان يدعى أولا يوحنا ولد فى بنى سويف سنة ١٥٤٨ للشهداء وتربى فى مديرية الشرقية مع عائلته، ولما بلغ سن الرشد رسم شماسا من مطران القدس ابنا ابراآم المتوفى، وفى سنة عشرين من عمره أعنى سنة ١٥٦٧ للشهداء ترهب بدير السيدة بالبراموس، وفى سنة ١٥٦٨ رسم قسيسا من أسقف المنوفية المتوفى ابناطربامون، وإذ كان قد سلم له تدبير أمور مجمع الرهبان بنفس الدير فظهر ناجحا فى المعرفة والسيرة رسم أغومانس (أعنى مدير القسوس أو رئيسهم) من البطريرك سلفه سنة ١٥٧٩، واستمر متعاطيا تدبير مجمع الرهبان من إرشاد وتأديب وسياسة على أحسن حال، وطالما رغب سلفه

стр. 1736

وكثير من الأمة فى إحضاره للقاهرة وتعيينه فى رتبة أعلى مما كان عليه فلم يقبل ولم تسمح كبار الرهبنة بتركه إياهم. ولما توفى سلفه أقامت الأمة-باسئذان الحكومة السنية-/جناب المطران مرقس مطران البحيرة ووكيل إسكندرية وكيلا لأجل عدم توقيف حركة إدارة الدار البطريركية فجعلت ألحاظ الجميع تتوجه نحو الأغومانس يوحنا المذكور وأصوات الانتخاب صارت تترادف عليه، ولولا ما حصل من الأسباب الاعتيادية والأعراض الشخصية التى نشأ عنها خلو المنصب البطريركى من الرئيس أربع سنوات وتسعة أشهر لأحضر وقلّد حالا ولم ينتخب الجمهور لهذه الرتبة سواه ولم يكن ثمّ باعث يمنع تقليده. وكانت الأمة رتبت لها مجلسا مليا يتعاطى تدبير أمورها الخصوصية وتأيد مجلسها هذا بأمر عال كريم؛ فبعد ترتيبه بسنة التسمت الأمة بواسطة مجلسها من مقام الخديوية السنية إحضاره بمساعدة الحكم برسمه بطريركا فتم ذلك وأحضر للقاهرة فى ١٦ بابة سنة ١٥٩١. وبعد العرض للأعتاب السنية الإسماعيلية بحضوره ورضا الجمهور عن شخصه دون غيره صدر الأمر الكريم برسمه، وقد تم ذلك ليلة الأحد ٢٣ بابة سنة ١٥٩١ الموافق سنة ١٨٧٥ باحتفال عجيب مشرف بالذوات الأجلاء الكرام وأمراء الوطن الفخام والرؤساء الأكليريكين، وجميع أصحاب الرتب الروحانية وجمهور عظيم من الملة القبطية الأرثدوكسية وغيرها فى الكنيسة الكبرى البطريركية بالأزبكية وتم ارتسامه على أحسن نظام وأكمله. وفى ثانى يوم من بطريركيته زار الجناب العالى الداورى والأنجال الكرام، والذوات الفخام واستمر ثلاثة أيام فى مركزه البطريركى يقبل تهانى الأمة والمتحابين من رجال الوقت. هذا وقد أجرى حال قبوله التهانى رسوم التشكرات والدعوات المبرورات بحفظ بقاء الذات العلية الخديوية وبعد استتمام الرسوم المعتادة الملية شرع يتعاطى واجبات رياسته الروحية داعيا للجناب الخديوى بدوام العز والإقبال وحفظ جميع الأنجال. ***

стр. 1737

تم الجزء السادس ويليه الجزء السابع أوله مدينة الإسكندرية

стр. 1738

مدينة إسكندرية لم يوجد فى الأقطار المصرية من المدن الشهيرة التى حفظ المؤرخون حوادثها وقيدوها فى كتبهم مثل مدينة اسكندرية، وإن لم يبق من آثارها القديمة إلا القليل، ولعل سبب حفظهم لحوادثها وإطنابهم فى آثارها، أهمية موقعها عند من حكموا الديار المصرية وغيرهم بالنسبة للتجارة، التى بلغت فيها درجة علائقها الغاية عند جميع الأمم المتفرقة بسواحل البحر الأبيض، فبتلك الواسطة صارت تخت المملكة متسعة الأطراف، قد مدّت شجرة العلوم فيها أغصانها، واتسعت دائرة المعلومات البشرية فى مدارسها، وانجلت غياهب الشك عن حوادثها من ذلك الحين، وصار كل ما سطّر فى صحائف أوراق كتب التاريخ يكشف عن حقائق صحيحة بالنسبة لأحوال هذه المدينة وغيرها، ويبين لنا أسباب خرابها وخراب ما حولها، بذكر التقلبات والحوادث التى كانت تمتد من أطراف هذه الجهة إليها فتعطل أسباب الرزق من المزارع والمتاجر وغيرها. ولذا نجد فى الكتب وصف أبنية عجيبة وآثار غريبة كانت بهذه المدينة وغيرها من مدن الوجه البحرى، وإن لم يبق الآن منها ما يدل على ما كانت عليه هذه المدينة من العزّ فى الأزمان الماضية. ولنذكر لك نقلا عن السلف ما شاهدوه وما علموه من أمرها، وكيف انقلب الدهر عليها على حسب الترتيب الزمانى، ليعلم القارئ سلسلة تلك التقليات وما حدث فيها من خير وشر، ويعرف قدر ما كانت عليه من العز والأسباب التى أزالته عنها فنقول:

стр. 1739

المدة الأولى بقيت الديار المصرية رافلة فى حلل سعدها وعزها قرونا عديدة، والعلوم فيها زاهية زاهرة حين كانت الأمم الأخر سابحة فى بحار الجهل، وذلك كان قبل بناء إسكندرية، التى لم يظهر ذكرها إلا بعد انحطاط درجة مدينة منف وخرابها. وأقوال المؤرخين مضطربة فى تقدير مدة التقدّم فى هذا القطر، والوقت الذى ابتدأ فيه ظهوره، ولكنهم متفقون على أن منشأه شواطئ النيل، ثم انتقل منها إلى ما جاورها من البلاد التى على سواحل البحر الأبيض. وكانت مصر زمن الفراعنة كعبة (١) يحج إليها طلاب العلم من كل جهة، ويقيمون بمدارسها ويتلقون عن علمائها وأحبارها، إلى أن دخل قمبساس (٢) هذه الديار وجعلها ضمن مملكة الفرس سنة ٥٢٥ قبل الميلاد فأخذت فى الخراب من ذلك العهد، وتهدمت أبنيتها، ودمرت مدنها، وامتدت يد الظلم والجور على العلماء والمدرسين، فتلاشى أمر التقدم والعلم، وانحط قدر الأمة المصرية، وصارت المعلومات والتقدمات ممنوعة عن السير-جميع مدة الفرس-كما أطبق عليه جميع المؤرخين. والرومانيون تلك المدة كانوا فى أوائل ظهورهم، فكانت دولتهم فى مهد الطفولية لا ذكر لها أصلا، بخلاف الأروام فإن التقدم الذى غرسه المصريون فى جزيرتهم-زمن الفراعنة-أخذ فى أهبة الظهور عندهم، وكان لا يوجد فى موضع إسكندرية غير قرية صغيرة تسمى (رقودة) كان يسكنها قبل الفراعنة نفر (٣) من العرب.

стр. 1740

المدة الثانية وهى سنة ١٩٣؛ ومن حين استيلاء الفرس على هذه الديار إلى دخول إسكندرية وتغلبهم على مصر، لم ير فيها غير فتن داخلية أضرت بالقطر، وترتب عليها فقر الأهالى وإهانة العلم وأهله، ولم يلتفت إلى أهمية موضع إسكندرية أصلا، وبقيت قرية (رقودة) خامدة الذكر. ومن النصر المتتابع للجيوش الرومية فى محاربتها جيوش الفرس قويت شوكتهم، وعظمت صولتهم، وزادت شهرتهم، وأخذت شجرة العلم التى غرسها المصريون فيهم تتسع وتعظم تبعا لعظم قدرهم. وعلى قدر عز الروم ذلك الفرس وتفرقت بها الفتن، واضمحل حالها، وساقها إلى الزوال سوء/تدبيرها. ولما حلّت الأروام محل الفرس أقاموا زمنا طويلا منفردين بالحكم على باقى الأمم. ثم انحطت دولة الروم بمثل الأسباب التى كانت للفرس، ولمجاورة روما لهذه الأمة كانت تقتبس من معارفها، وتتحلى بفضائلها، حتى صارت تأخذ الروم فى التقهقر إلى أن ظهرت ظهورها، وأخذت جميع ذكرها وملكها. المدة الثالثة وهى سنة ٣٠٢؛ فى تلك المدة زال ملك الأكاسرة من آسيا بالكلية، ودخلت مصر فى ضمن فتوحات الإسكندر سنة ٣٢٢ قبل الميلاد، بعد قمبساس بقرنين تقريبا، ونشأ عن هذا الانقلاب تغير كلىّ فى أحوال جميع الأمم المتمدينة (١) التى تغلب عليها الإسكندر؛ لأنه

стр. 1741

نظر فيما يوجب ربط علائق هؤلاء الأمم، فلذا أسس مدينة الإسكندرية وسماها باسمه، وجعلها مركزا للتجارات بدل مدينة صور التى هدمها وخربها، فوردت إليها التجارة، وعمرت فى مدة يسيرة، وملأها الأغراب، سيما الأروام، وبلغت فى مدة قريبة درجة عظيمة فى الثروة والعمار؛ بسبب كونها مقرّ حكومة البطالسة، وانحط بها قدر منف. وبسبب تحلية ملوك البطالسة لها بالمبانى والمعابد والمدارس، صارت مدينة إسكندرية مركزا لجميع أمور العالم، وشاع ذكرها حتى ملأ الآفاق، وقصدها جميع الناس، فاتسعت حدودها، وعظم أمرها، وفاقت جميع مدن الدنيا فى تلك الأزمان، وانتقل إليها العلم والعلماء، وصارت مركزا للعلم والأدب كما كانت مركزا للتجارة والسياسة، وبقيت كذلك تلك المدة الطويلة رافلة فى حلل العزّ؛ لما اشتملت عليه من علوم المصريين والروم وتمدنهم، فكانت كالشمس يستضئ بها كل إنسان من أى بقعة، ونسى بها غيرها من المدن. وفى أغلب تلك المدة كانت مدينة روما فى حال التبربر، فأطلقت عنان طمعها، وخربت مدينة قرطاجة وكرت بجيوشها على ما جاورها، فاتسع سلطانها باستيلائها على القلواء وجزائر الروم. ولم تكتف بذلك بل قصدت الممالك المشرقية، ومن ذلك الوقت بدا فى الكون ذكرها، واستمر ذلك إلى وقت قيصر الروم (أغسطس). ولنذكر لك ملخص تاريخ تقلبات هذه المدة وحوادثها، من ابتداء إسكندر الأكبر إلى زمن دخول قياصرة الروم فنقول: مطلب تقلبات الأحوال من ابتداء إسكندر الأكبر إلى زمن قياصرة الروم بعد موت الإسكندر صارت قسمة مملكته المتسعة بين رؤساء جيوشه، فكانت مصر فى نصيب (بطليموس (١) بن لاغوس)، وكان أعظم الجميع عقلا وأكملهم فضلا، فأسس دولة البطالسة سنة ٣٢٣ قبل الميلاد. وذكر المؤرخون أن بطليموس المذكور أخو إسكندر من السّفاح؛ لأن (أرسينوى)

стр. 1742

والدة بطليموس هذا ولدته من (فليبش) الذى هو والد الإسكندر وملك مقدونيا، وهو الذى زوّجها إلى (لاغوس) والده، وكان من نسل أحد العامة، وكان بطليموس هذا من أعز أحباب إسكندر، وصاحبه فى جميع حروبه واشتهر بلقب (سوتير) أى المنجى؛ وسبب ذلك-كما قال بعضهم: أنه نجّى أهل جزيرة رودس من ظلم (ديمتريوس) ملكهم، فلقبوه بهذا اللقب. وقال آخرون: سبب ذلك أن نجاة الإسكندر كانت على يديه فى وقعة من وقعات الهند، فمن ذلك لقب بهذا اللقب. وبطليموس هذا كان صاحب تدبير، وعقل وافر غزير، فلذا كان ابتداء جلوسه على تخت الديار المصرية آخذا فيما يوجب لملكه الدوام والبقاء، وصارفا جل همته فى استمالة قلوب المصريين، فنشر فيهم ألوية العدل والإنصاف، وأوسع لهم فى العطاء فأحبوه، ولاذ بساحته أغلب الرجال من ذوى العقل من رجال الإسكندر وغيرهم، وتوصل لعقد معاهدات مع حكام الجهات المجاورة لملكه، فاستقام حال مصر، واستبشر أهلها بالأمن والراحة، ونمّت فيهم الثروة التى كانت رحلت من بلادهم منذ زمن مديد. ولم يمض عليه زمن يسير إلا وقد ظهرت ثمرة حسن رأيه وإصابته؛ فإن (بيردنكاس (١) أحد أقرانه فى مدة الإسكندر، رغب فى أخذ مصر منه وحزب عليه جيوشا، لكن اخترمته المنية أثناء ذلك، وبقى بطليموس مستريحا بعد هذه الفتنة التى كانت نتيجتها دخول بلاد القدس ضمن سلطنته لحفظ القطر المصرى من عدوّ يقصده من الشام، وربط به معاهدات صار بها مستقلا فى مصر وما والاها من بلاد العرب وبلاد ليبيا التى فى حدود مصر، ومن ذاك الحين صار مالكا متصرفا لا يعارض، وبذل الجهد فى إتمام مقاصد إسكندر من تمكين تجارة المشرق والمغرب من أرض مصر. وفى زمنة وزمن من أعقبه فى الملك، كثر ورود التجارة الهندية إليها، بسبب ما حدث فى سواحل البحر الأحمر من المين (٢) العظيمة، والمسالك الموصلة لتلك التجارة إلى نيل مصر، لتمر فى مدنها حتى تصل إلى إسكندرية وتنقل إلى أوروبا. ومن تلك المسالك:

стр. 1743

الخليج الذى كان يوصل إلى السويس بالنيل فى الأزمان القديمة، والطريق المنتظمة فى الصحراء الشرقية فى الوجه القبلى، بين النيل والقصير، وجعل فيها الصهاريج والخفراء لأمن المارين والمترددين فى تلك الفيافى، فكانت المصريون ترسل تجارتها ومحصولاتها المعتادة: كالصوف والحديد والرصاص والنحاس، وبعض أوان من الزجاج وغير ذلك إلى بلاد الهند وتستبدل تلك الأنواع/بالعاج والأبنوس والصدف، والثياب الملوّنة وغير الملوّنة، وأنواع الحرير واللؤلؤ والأحجار الثمينة، والبهارات وأنواع البخور. مطلب بطليموس الثانى كانت أيام بطلميوس بن لاجوس كلها، بالنسبة لمصر، أيام رفاهية وتقدم، وظللت أرض مصر أجنحة السعد، وأخذت الأهالى فى ازدياد الثروة. ثم لما تقدم فى السنّ خاف على ملكه من بعده، فأشرك معه فى حكمه ولده من زوجته الثانية، وقدمه على أولاده الذين قد رزقهم من الأولى ليدرّبه على سياسة الملك، فكان الأمر بينهما بالسوية إلى أن توفى بعد ذلك بسنتين وذلك سنة ٢٨٣ قبل الميلاد، فاستقل بالحكم بعده ولقب (بغيلادلقوس (١) أى محب الإخوة؛ لأن بعض المؤرخين ذكر أنه اجتهد فى استمالة قلوب إخوته فلقب بذلك. وذكر بعضهم أنه قتلهم واحدا بعد واحد بحيل مختلفة، فلقبه أهل إسكندرية بهذا اللقب، تهكما واستهزاء. ومع ما فيه فقد اقتفى أثر والده فيما يجلب لأهل مصر السعادة، فنمت التجارة والمعارف فى أيامه نموا شهدت به التواريخ. والمدة التى كانت ورثة إسكندر تشعل فيها نار الحروب وتسوق بها الجيوش، إلى أن خربوا جميع جهات آسيا، كان فيها بطليموس المذكور مشغولا بما يوجب رفاهية أهل مملكته، فأوسع دائرة التجارة والفلاحة، ووزع مياه النيل على الأراضى بإنشاء حلجان وجسور، حتى اكتسب بذلك شهرة لم تمحها حوادث الزمن.

стр. 1744

مطلب الكتبخانة واعتنى بالعلم وأسس الكتبخانة، التى أطنب فى مدحها المؤرخون، وصارت فريدة يقصدها الناس من الآفاق، ولم تزل فى ازدياد إلى زمن كليوباترا، فحرق أغلبها فى محاصرة قيصر بمدينة إسكندرية. وفى زمنه أحضر كتبا كثيرة من كتب العبرانيين، بناء على إشارة رئيس الكتبخانة، وكتب إلى رئيس أحبار بيت المقدس، فطلب ستة أحبار من كل قبيلة من قبائل العبرانيين الإثنى عشرة، ولما حضروا عنده أكرمهم وغمرهم بإحسانه، فترجموا له توراة موسى ﵇ سنة ٢٧١ قبل الميلاد بمدينة إسكندرية، فى المكان المعروف بجامع الألف عمود، وهى النسخة الأصلية التى أخذ منها جميع نسخ التوراة التى فى أيدى الناس. وفى تلك الأيام كانت الأغراب كثيرة بديار مصر؛ لأنه من وقت وفود إسكندر وبنائه إسكندرية كانت الأغراب تتوارد، وكثرت الأروام وأهالى السواحل الشامية بالإسكندرية، وكانت التجارة بأيديهم فتأكدت العلائق بين المصريين وغيرهم من أهل المغرب. وملك الرومانيين حينئذ، وإن كان قد أخذ فى الظهور، لكن شهرته كانت محصورة بإيطاليا، ولما اشتهرت حروبهم وشاعت ووصلت أخبارها مصر، رغب بطليموس فى تجديد علائق المحبة بينه وبينهم، فعمل معهم شرائط الاتحاد فمن ذلك الوقت دخلت الرومانيون ضمن من دخل مصر، واتجروا واستوطن أكثر الواردين منهم إسكندرية كغيرهم. وفى تلك المدة كانت الغلواء (١)، وهم المسمون الآن بالفرنساوية، تشن الغارات على الأمم البعيدة، وبالجملة أغاروا على الرومانيين، ودخلوا أرض اليونان وآسيا وأرض مصر. وبسبب تجلدهم على القتال كان منهم قوم فى جيش بطليموس، وقوم فى جيوش إسكندر. وفى مدة غياب بطليموس رفع أربعة آلاف منهم لواء العصيان عليه، وهمّوا بنزع الحكومة منه، فلم ينجحوا وقهرهم بطليموس، فحصروا أنفسهم فى إحدى جزائر النيل، ولما تحققوا

стр. 1745

عدم الخلاص قتل بعضهم بعضا، حتى لم يبق منهم أحد وفى عقب ذلك جمع (أنتكورس (١) طيوس) ملك الشام عساكر كثيرة، وهجم على ديار مصر لدولة البطالسة حسدا منه، ثم انتهى الأمر على الصلح بينهما. وسبب ذلك أن فئة من المصريين كانوا قد خرجوا عن الطاعة، فعظم ذلك الأمر على بطليموس ولكنه تداركه بتزويجه بنته لملك الشام، فانحسم أمر النزاع وزال ما كان فى النفوس. لكن لم يتمتع بطليموس بثمرة هذا الصلح زمنا طويلا، فإن موت زوجته (أرسينوى) أخته أوجب تعجيل منيته، لفرط حزنه عليها. وكان موته سنة ٢٤٦ قبل الميلاد. مطلب بطليموس الثالث وجلس بعده على تخت الملك ابنه بطليموس الثالث ولقبه (أويرجيت) أى المحسن، وسبب تلقيبه بذلك؛ وأنه أحضر معه بعد رجوعه من حرب الفرس أصناما كثيرة من أصنام آلهة قدماء المصريين، وكانت أخذت من المعابد زمن (جمشيد). ومن ذلك يعلم أن المصريين-كانت فى تلك الأزمان-تغيرت عن حالها القديم وداخلها الطيش والخفة، فإن بطليموس هذا كان غير مستحق لهذا اللقب؛ فإنه كان مشتغلا بالحروب فى بلاد بعيدة، ولم يسر سير أبيه، بل أهلك مال الدولة فى تلك الحروب، وأتلف رجالها، ونقصت درجة ثروة الإقليم عما كانت أيام أبيه وجدّه. وجميع هذه الحروب التى فى سواحل الشام، والفرات، والعجم، وحدود آسيا منشؤها أمر واه، كانت تسويته ممكنة بدون سفك دم، وذلك هو الانتقام لأخته من زوجها ملك بلاد الشام؛ لأنه كان هجرها. وهذه الحروب لولا أنهم تعصبوا عليه بمصر لدامت، لكنه لما رأى ذلك رجع وأطفأ نار الفتنة، وبعدها بقليل مات مسموما بواسطة أحد أولاده،/ وذلك سنة ٢٢٠ قبل الميلاد.

стр. 1746

مطلب بطليموس الرابع وتولى بطليموس الرابع الذى قتل أباه وتلقب ب (فيلوباتور) أى محب الأب، لقبه بذلك أهل الإسكندرية تهكما، وكانوا من أشد الناس عنادا وأقربهم للفتنة انقيادا، ومع ذلك فتلقييهم له بهذا اللقب مما يدل على جراءتهم، فإنه وإن لم ير فى تواريخ تلك المدة ما يثبت بطريق قطعى أن هذه الفعلة حصلت منه، لكن ما وقع منه بعد جلوسه على التخت فى عائلته الملوكية يحقق ذلك؛ لأنه لم يكتف بقتل أخيه وأخته-التى كان متزوجا بها-بل قتل والدته أيضا، واحتظى بامرأة فاجرة لجمالها، فلقبوه أيضا ب (تريفون) أى الجبار الشديد القسوة لقسوته وفجوره، فلم يرتدع بل ازداد طغيانا، وفسادا، وفجورا، وفسوقا وقسوة، وانهمك فى اللذات والمعاصى، وترك أمور الملك، وأكثر من ظلم الرعية، وأجحف فى طلب الأموال، فتلاشى حال مصر. وكانت أخبارها تصل إلى ملك الشام (انتيكوس الثالث) أولا فأوّلا، فظن أن الوقت وقت الانتقام من البطالسة، فجرد على مصر، لكن لم تساعده المقادير فانهزم أشنع هزيمة. وبقى بطليموس بعد ذلك سبع عشرة سنة وهو فى لهوه ولعبه، وما عمل شيئا يستحسن ذكره، غير تجديد المعاهدة التى عقدها أجداده مع الرومانيين، إلى أن مات سنة ٢٠٤ قبل الميلاد. مطلب بطليموس الخامس وترك الملك لولده بطليموس الملقب ب (أبيغان) أى المحترم، وكان عمره حين موت أبيه خمس سنين، فحدثت فتن واضطرابات داخل البلاد؛ لأن والدته من فجورها أخفت وفاة أبيه مدة طامعة أن تكون السلطنة لها، واتحدت مع أخيها وبعض أخدانها، وهمت بقتل ولدها، فعلم بذلك أهل الإسكندرية، فأخذوه منها قهرا وجعلوه تحت رعاية الرومانيين، وقتلوها مع من اتفق معها أشنع قتلة.

стр. 1747

ومن ذلك يعلم أن كلمة الرومانيين كانت بلغت عند المصريين حد الاعتبار. وكانوا تداخلوا فى أمور بيت ملك المصريين، حتى كان يحتمى بهم، ويمتثل رأيهم. ولصغر سن بطليموس أقاموا له وليا، وكانت الأمور فى اضطراب، فنتج من ذلك أن صاحب الشام اهتم فى أن يسترد البلاد التى كانت بطالسة مصر اغتصبتها منه، فرأى أنه إن زوّج ابنته لبطليموس الخامس، جمع بين العائلتين ووصل لمرغوبه، ففعل ولكن خاب ظنه؛ فإن كليوباترا-بنته-فضلت زوجها عليه، ولم تساعده على قصده، ومع ذلك لم تتحصل على شكر صنيعها من زوجها، بل تمادى على الفجور، والفسق، واللهو واللعب، إلى أن قتل مربيه ووزيره (أرسومين) بالسم، وكان مربيه-هذا-شريفا فى قومه فاضلا. ومن شدة قسوته وتجبره قامت الأهالى فى حياته مرارا، وطفئت نار الفتن جميعها بواسطة رئيس جيوشه. وأخيرا اتفقت جماعة من رجال الدولة فقتلوه وخلصوا الملك من شره سنة ١٨٠ قبل الميلاد. وأعقب من زوجته ولدين وهما (فلومطور) (وفسكون) وكان عمر الأول-حين مات أبوه-سبع سنين فاختارته الأهالى، وجعلت أمر السلطنة موكولا إليه. مطلب بطليموس السادس وكان بطليموس السادس لا يحب أمه، لميلها لأخيه مدة ملكه، ولذا لقب بلقبه الذى معناه: محب الأم. وفى صغره استحوذ ملك الشام على بلاد فلسطين وغيرها من بلاده. ولما تملك مقاليد الملك جرّد عليه وحاربه، فلم ينصر عليه وأخذ أسيرا، وتغلب ملك الشام على قلعة الطينة، ودخل مصر فقام أهل الإسكندرية وجعلوا عليهم (فسكون) ملكا، فلم يحاربه ملك الشام، وخلى سبيل بطليموس (فليوباتور) من الأسر، وسلمه جميع البلاد-التى كان أخذها منه-سوى قلعة الطينة، فإنه حفظها ليكون بسببها واقفا على حقيقة ما يصير بأرض مصر، وما يقع بين الأخوين، وينتهز فرصة عداوتهما لبعض.

стр. 1748

هذا ما كان منه، وأما هما، فاتفقا وأقاما فى الملك سوية، فخاب ظنه، وقهره الرومانيون على ترك مصر والرجوع إلى بلاده. ثم بعدة ذلك وقعت الفتن بينهما، وحزّبا الأحزاب واقتتلا، فغلب (فيلامتور) وطرد (فسكون) ففر إلى روما، والتجأ بها، فاغتنمت الرومانيون فرصة الشقاق؛ لأنها كانت تطمع فى الاستيلاء على مصر، فتوسطت بينهما، وحكمت (لبطليموس فيلوباتور) بالأقطار المصرية وجزيرة رودس، ولأخيه (فسكون) ببلاد ليبيا وبلاد السيرانك، أى القيروان، فلم يقنع بذلك بل ذهب إلى روما وطلب جزيرة قبرص، فحكموا له بها. كانت تلك الحالة باعثة حكومة الرومانية، على أن تدخل فى أمر الديار المصرية دخولا تاما. وبسبب فصلها قضايا البطالسة، اتسعت دائرة سطوتها، وقويت شوكتها فى هذه الديار. ومن ذلك الوقت نفذت كلمتها فى حكومة المصريين، فمهدت طرق الطمع فى الاستيلاء عليها. وقد حصل-ولا شك-أن عدم الاستقامة وكثرة الظلم ينشأ عنهما كثرة الفتن. وهذا كان حال مصر والشام؛ فإن (إسكندر بلاص) أحد الأمراء، طرد ملك الشام عن ملكه، واتحد بملك مصر، ورغبا فى تمكين علائق الاتحاد بين أولادهما بتزويج إسكندر المذكور بنت بطليموس، فرضى بذلك، ثم عدل عنه فيما بعد وزوجها من (سورتير) ملك الشام المطرود، وجمع عسكره مع عسكره، وطردوا (بلاص) المذكور، واستقر صهره على ملك أبيه بالديار المصرية والديار الشامية، ونشأ عنها استيلاء إسكندر بلاص. ثم/بعد تمهيد الأمر، تزوج ملك الشام بإبنة ملك الملوك المجاورة له، فحنقت عليه زوجته، ودخل فى نفسها من جهته ما دخل. وبعد موته أرادت قتل ولدها-الوارث للملك عن أبيه بالسم، رغبة منها فى التصرف فى بلاد الشام، وجعل ابنها الثانى الصغير بدله، فلم ينجح مكرها؛ فإن ولدها-ولىّ العهد-اطّلع على ذلك، فأسقاها السم الذى كانت أعدته له.

стр. 1749

ومن ذلك يعلم أن (بطليموس فيلاماتور) أراد أن يفعل بحكومة ملك الشام ما أراد فعله ملك الشام قبله بحكومته، فخاب قصد كل منهما. وبعد ذا بقليل مات بطليموس سنة ١٤٥ قبل الميلاد، وبعد ما بلغه موت إسكندر بثلاثة أيام جلس على التخت، ولقب نفسه بالمحسن، ولقبه أهل الإسكندرية بالمسئ؛ لأنهم يعرفونه قبل بالفسق والقسوة. والذى مكنه من الجلوس على التخت: أن بطليموس لم يترك غير ولد صغير، وهو الحقيق بالجلوس، لكنه أبعده وجلس هو. لكن شرط عليه أهل الإسكندرية شروطا منها: بأنه يتزوج بأخته زوجة أخيه، وأن يكون ابن أخيه ولىّ عهده، فأظهر القبول وفى يوم زفاف زوجة أخيه له، ذبح ولدها فى حجرها، فلما رأى أهل البلد ذلك قاموا عليه، فهرب إلى جزيرة رودس، فتنصبت بعده زوجته. ثم بعد ذلك بمدة رجع وطلقها، وقدم لها على المائدة قطع ولدها التى كانت أتت به منه، وتزوج بإبنة أخيه (فيلاماتور) وبقى بعد ذلك يتنوع فى الفجور إلى أن مات قبل الميلاد سنة ١١٧. ومدة تملكه، كانت تسعا وعشرين سنة، ولم تنقطع الفتن فيها. وذكر بعض المؤلفين، أنه ألف تاريخا لمصر، لم تعثر الناس منه إلا على القليل. وأعقب من ابنة أخيه ولدين-غير ولد له من السفاح-كان أعطاه بلاد القيروان، ومات هذا الولد ولم يعقب، وكان قد أوصى ببلاد القيروان للرومانيين، فوضعوا عليها أيديهم، وبهذه الطريقة كان أخذها من البطالسة، وصارت من هذا العهد من ضمن ملك الرومانيين، وبسبب قوبها من الديار المصرية، ازداد تداخلهم فى أمور مصر وقوى طمعهم فيها. مطلب بطليموس الأصغر وكانت الملكة كليوباترا ممتثلة لجعل الملك لأصغر ولديها بطليموس إسكندر، وكان أهل الإسكندرية لا يوافقونها على ذلك، بل يميلون إلى الأكبر، فوافقتهم على ذلك ظاهرا

стр. 1750

لا باطنا، وأسرت إلى (إسكندرجانى) ملك اليهود أن يعينها، فأجابها وأرسل لها عساكر، وحصلت وقعة عظيمة بينه وبين بطليموس، ثم انهزم ملك اليهود وخابت مساعى كليوباترا، ومع ذلك فلم ترتدع، بل أخذت فى ازدياد المكر والحيل، حتى قهرت ولدها الأكبر على الفرار إلى جزيرة رودس، وأقام بها، وتخلى عن السلطنة لأخيه الأصغر. فلم يمض غير يسير حتى طلبته للحضور، فلما حضر خاف على نفسه، وخشى أن تكون والدته مضمرة له سوءا، فعجّل عليها وقتلها، ففزعت الأهالى من ذلك، وقاموا عليه وطردوه سنة ٩١ قبل الميلاد، وبعد مدة قليلة قتله أحد الملاحين، وانقطع ذكره من ذاك الحين. وبقى أخوه-بطليموس الأصغر-منفردا فى الملك ثمانية وستين سنة، وحصل فيها سنة ٨١ قبل الميلاد فتنة عظيمة فى الجهات القبلية من مصر، فجرد عليها جيوشا وحاربها، وانتصر عليها. لكن من بقى من رجال الفتنة انحاز لقوم آخرين، ودخلوا مدينة طيبة، وتحصنوا بها، فحاصرهم بطليموس ثلاث سنين، على ما قيل. ثم انتصر عليهم، وبدد شملهم، وهدم المدينة وشتت أهلها. مطلب كليوباترا وبعد موت بطليموس لم يكن له غير بنت تسمى (برينيس). وسميت كليوباترا، جريا على عادة بيت البطالسة، فورثت والدها فى الملك، وجلست على التخت وأقامت ستة أشهر بدون منازع. وبعدها حضر فى مدينة الإسكندرية من طرف (سلا) رئيس جمهورية الرومية، أحد أولاد بطليموس، وكان اسمه إسكندر الأول، وكان قد ترقى عند ملك البون. ولما بلغه موت بطليموس توجه إلى روما، والتجأ إليها وحضر بمساعدة إلى مصر، ومعه مكاتبة بجعله ملكا على أرض مصر، باسم بطليموس العاشر؛ حيث أنه الأحق لأنه الأقرب لبطليموس من الرجال، فلم ترض المصريون بذلك، ولكن خافوا حصول فشل، فاتفقوا على أن يزوّجوه بكليوباترا، ويكونا معا فى الملك فتزوجها

стр. 1751

وبعد قليل قتلها، فغضب أهل المدينة وحقدوا عليه ما فعل. ومن خوفهم من (سلا) لم ينتقموا منه عاجلا وما زالوا منتظرين الفرصة حتى مات سلا، بعد أيام قليلة، فقاموا عليه، ففر منهم إلى مدينة (صور) سنة ٦٥، ومات فيها بعد زمن يسير، وجعل فى وصيته الديار المصرية للرومانيين، ومع هذا لم يتعجل الرومانيون وضع أيديهم عليها. وأسباب ذلك غير معلومة، لكن يقال إن الأمة المصرية تلك المدة، كانت آخذة فى الضعف، والرومانيون كانوا منتظرين تمام ضعفها، سيما، وهى المتصرفة فى أمر الدولة المصرية وبيدها الحل والعقد، فكانت آمنة من نقلها من يدها، جازمة بأن مصر تؤول إليها، حتى أنه لم يكن للبطالسة إلا الإسم، والدليل على ذلك أن تولية البطالسة كانت برأى الرومانيين، وأغلب أموال مصر تذهب إليهم على سبيل الرشوة، وكانت أفراد العائلة الملوكية المصرية تتسابق فى العطايا فكان/الرومانيون ينتصرون للأكثر عطاء. وترك (بطليموس) غير ابنته (بيرنيس) ولدين من السفاح، فأحضروا أحدهما وقلدوه الملك، ولقب بأوليت (الناياتى) وجعلت جزيرة رودس للثانى، وكانت-إلى ذاك الحين- لم تفصل عن حكومة مصر، ولكن حكم الرومانيون بانفصالها، وأسسوا ذلك الحكم على وصية إسكندر، وأرسلوا من طرفهم (كاتون) لإتمام هذا الأمر، فلم يقبل المصريون هذا الانفصال، بل جعلوا رودس تابعة لمصر كما كانت، وسعى (بطليموس) بالمال عند الرومانيين حتى تم له ذلك، وتعاهد معهم، وعد من أحبابهم بواسطة حبيبيه (قيصر وبومبيوس) فإنه دفع لهما ستة آلاف طالان هدية، وهى عبارة عن مليون وخمسمائة ألف بينتو، وضربها على البلاد المصرية، فضجروا ضجرا شديدا، ونتج من ذلك خروج الأهالى عن طاعته وطردهم له، وتولية بنته (بيرنيس) بدله، فذهب إلى روما وأقام بها زمنا، حتى استمال قلوب أكثر أمرائها بالمال. وطال عليه الحال هناك وابنته غير غافلة فإنها تزوجت بأكبر القسس بمملكة البون، وتمكنت فى مكانها. ولما رأى والدها أن إقامته بروما غير مفيدة ذهب إلى الشام، ودفع أموالا

стр. 1752

إلى رئيس الجيش الرومانى، ووعده بعشرة آلاف طالان إن هو ساعده، فساق الجيوش على مصر، فقابلتهم جيوش مصر واقتتلوا، فمات فى تلك الواقعة زوج (بيرنيس). مطلب رجوع بطليموس إلى ملكه ورجع بطليموس إلى ملكه، وجلس على التخت، وأخذ يظلم ويتعدى ويجمع ما وعد به من المال وقتل ابنته بيرنيس، وبقيت الديار المصرية فى الهوان، إلى أن مات سنة ٥١ قبل الميلاد، وترك ولدين وبنتين. وكان قد أوصى قبل موته، بأن الملك من بعده يكون للبكرىّ من أولاده وأكبر بنتيه. وحيث أنه كان متعاهدا مع الرومانيين، وتحت كنف (ديوبوس) ترجاه فى تنفيذ ذلك، وجعل أولاده تحت رعاية الأمة الرومانية. فلما مات اتحد ابنه البكرىّ مع أحبابه وأقاربه، واتفقوا على طرد أخته كليوباترا من حكومة مصر، فانحاز لها طائفة من الأمراء والأعيان، وتحزبوا، وقاموا على أخيها، فاشتعلت نيران الفتن فى جهات مصر. وفى تلك المدة كانت نيران الحروب مشتعلة بين (بومبيوس) و (قيصر) رئيس الجمهورية، وفى الواقعة الأخيرة كان المهزوم (بومبيوس) ففر إلى مصر. وبالنظر للألفة التى كانت بينه وبين بطليموس المتوفى، ظن أنه يأمن على نفسه فى الإسكندرية، وبناء على هذا وصل بمراكبه إلى الطينة، وكان هناك (بطليموس) فحيا رسله، وأكرمهم، فاطمأن خاطر بومبيوس، لكن فى الحال أحضر (بطليموس) (أشيلاس) أحد رجاله، وأمره بأن يتوجه إليه ويكون معه، وأمره بقتله عند انتهاز فرصة، فتوجه إليه وقابله، فكان الرومانى آمناليس محترسا، وخرج من سفينته، وركب زورقا بمفرده، ورغب الخروج إلى البر، فقبل أن يصل انفرد به (أشيلاس) وقتله. ولما بلغ قيصر أن (بومبيوس) قصد جزيرة رودس، ظن أنه يتوجه بعد ذلك إلى مصر، فسبقه إليها لينتظره هناك، وأخذ معه ثمانمائة من الخيالة سوى البيادة، ولما وصل (١) يقصد أخيلاس. انظر: إبراهيم نصحى: تاريخ مصر فى عصر البطالمة، ج ١، ص ٢٧٣.

стр. 1753

صعد بعسكره إلى مدينة الإسكندرية، فلما رآه أهلها لا يوقر ملكهم، غضبوا وهجموا على عساكره، فقتلوا منهم جملة فى طرق المدينة، فعظم ذلك على (قيصر) وتحفظ على نفسه إلى أن تحضر العساكر-التى أمر بحضورها من جهة آسيا-للقصاص من أهل الإسكندرية، ولأخذ حقوق الرومانيين منهم بناء على وصية (بطليموس) المتوفى، وفصل النزاع بين الأخ وأخته فى الحكومة، وأمر بترك القتال، وطرد العساكر، وإحضار الأخ وأخته ليفصل بينهما، فلم يرض بذلك (قوتان) وكيل (بطليموس) حتى يصير رشيدا، وظن أنه يقدر على طرد قيصر وعساكره، وأرسل سرا إلى العساكر التى بالطينة لينجدوه. ولما حضروا، وبلغه قدرها، علم أنه لا يقدر على مقاومتها، فتحصن بالمكان الذى كان به مع عساكره، وحبس نفسه منتظرا حضور العساكر الشامية لنجدته. وأما (أشيلاس) فوقع بينه وبينهم واقعات كثيرة، حرق فيها جزء عظيم من الكتبخانة الكبرى التى جمعتها البطالسة فى المدد الماضية. وأما كليوباترا فلم تتأخر عن شئ يوصلها إلى قيصر، وبذلت له المال وعرضت نفسها عليه، وكانت ذات جمال، فتعلق بها وواقعها فحملت منه، وأتت بغلام وسمته (قيصروم (١) فمال إليها قيصر، ودافع عنها، وكان لكليوباترا هذه أخت تسمى (أرستوى (٢) وكانت متحدة بأحد الأمراء، فحصل منه-تحت ظل اسمها- أمور غيرت قلوب الأهالى، فعرفوا أن مقصودهما زيادة اشتعال النار؛ لتخلو لهما الدار. ومن طول مدة الحروب تعطلت تجارتهم، وكثرت المصائب، وزاد اشتعال نار البغضاء بين بطليموس وأخته، وصار قيصر يقلّب عليهم جميع أنواع الحيل، التى لم تفده شيئا، وأخيرا صار الاتفاق معه على أن يطلق ملكهم (بطليموس) فرضى بذلك وأطلقه، فلم يسع بعد الاطلاق فى إخماد نار الفتن بل ازدادت. وكانت العساكر التى طلبها (قيصر) حضرت، فقصدها قيصر بعساكره لينضم لها، فتوسط بينهما (بطليموس) ليمنعهما عن الانضمام، فوقعوا وقعة قتل فيها كثير من الطرفين، وهزمت العساكر المصرية، وقتل/ (بطليموس) غريقا سنة ٤٧ قبل الميلاد، وبقى (قيصر) متصرفا فى مصر جميعها بما فيها الإسكندرية، وأقام كليوباترا ملكة مع أخيها، فما رضيت، وطلبت منه أن يرسله إلى جزيرة رودس،

стр. 1754

ويتزوج بأخته (أرستوى) فأرسله بعد زواجه. ثم بعد مدة قتل، فقامت زوجته وأعلنت بالحرب مع قيصر، فحاربها وغلبها، وأخذها أسيرة إلى مدينة روما، وطيف بها فى طرق المدينة فماتت غيظا، وبقيت كليوباترا وحدها على سرير ملك مصر، من ابتداء سنة ٣٧ قبل الميلاد بدون منازع. وأعقب ذلك موت قيصر، فاتهموها بأنها ساعدت من قتله، فطلبها (انتوان) رئيس الجمهورية، للمرافعة والمدافعة عن نفسها، فقامت وتحلت بأحسن ما عندها من الحلى والملابس، وركبت فى مركب مزينة بالذهب، ومجاديفها من الفضة، وقلوعها من الحرير، وسارت فى نهر سيدنوس، وكانت الفرش التى معها من أقمشة الذهب. وليلة دخولها صنعت وليمة فاخرة، وتجملت بجميع ما يزيد فى جمالها، ثم دعت (انتوان) فلما حضر ورآها، أخذت بقلبه من أول وقوع بصره عليها، ورغب فى تزوجها، وإن كان متزوجا ب (اوكتافى) أخت (أوغسطس) فكان ذلك داعيا لقيام الحرب بينهما؛ محتجا (أوغسطس) بأنه ينتقم لأخته، وكان قد أشركه (انتوان) معه فى الرئاسة، فحصلت معركة انهزم فيها (انتوان) ففر إلى مصر ليكون مع صاحبته كليوباترا، ويكتفى بها، فلم يمكنه (أوغسطس) ولحقه فلم يتخلص (انتوان) منه إلا بقتل نفسه، ولحقته كليوباترا أيضا؛ لأنها لم تتحصل على صيد (أوغسطس) بشرك مكايدها، واستعملت الطرق التى استعملتها مع (قيصر وأنتوان) فلم تنجح، وخافت على نفسها أن يأخذها مع الأسرى إلى روما، فقدّمت الهلاك على العار، واستحضرت حية، ووضعتها فى سبت فيه تين، على ما قيل، وعمدت إليها بيدها فلدغتها، وماتت فى وقتها. وبموتها انتهى ملك البطالسة، ودخلت مصر تحت حكومة الرومانيين، وصارت مديرية كباقى المديريات، يحكم فيها وال من طرف الجمهورية الرومانية. هذا، وإن كانت الفتن فى المدد الأخيرة. لم تنقطع؛ وسببها ذرية البطالسة، وعداوتهم لبعضهم التى هى نتيجة الوراثة. وكانت الرومانيون دائما، تتداخل فى أرض (١) يقصد أوكتافيا. انظر: إبراهيم نصحى: تاريخ مصر فى عصر البطالمة، ج ١، ص ٢٩٧.

стр. 1755

مصر، ووصلت لأن تجعل أمر تولى الوارث للملك بمعرفتها، لكنها غير مانعة من تقدم العلوم والمعارف، بل ما زالت مدينة الإسكندرية متقدمة فى العلوم فى مدة كل منهم. وكان التقدم سائرا نحو الأوج، ولما انضمت إلى الرومانيين، وصارت تابعة لدولتهم وقفت العلوم، واضمحل حال مصر، ورجعت إلى أسوأ ما كانت عليه فى زمن الفرس. وكانت أعياد المصريين ومواسمهم، فى زمن البطالسة، على قديم عادتهم، وكان المستعمل فى نقش الآثار والهياكل، هو الكتابة المقدسة. ولما كثرت الأروام بتخت البطالسة، كانت عقائد الروم داخلة معهم فى الديار المصرية، سيما فى الإسكندرية، وباختلاطهم بالمصريين، تولدت عقائد جديدة، تخالف عقيدة الأصليين، فبذلك تبدلت الحكم المصرية بغيرها، وصارت أوهاما وشعوذة، لا يمكن الوقوف على صحيح القواعد التى هى أساس الديانة المصرية فى الأزمان القديمة. وفى مدة قياصر الرومانيين، بلغ الظلم غايته، واحتقروا الديانة المصرية، حتى ضاعت من أصلها وابتدئ فى تخريب العمارات، ونقلها إلى أوروبا، من ابتداء استيلائهم، فنقلوا الهياكل والأحجار المكتوبة، والمسلات التى كانت مدن القطر الشهيرة متحلية بها؛ كطيبة، ومنف، والإسكندرية، وظهرت فى روما وفى القسطنطينية الآثار التى اعتنت بتشييدها الفراعنة أمام معابدهم. المدة الرابعة وهى سنة ٣٩٣، فى هذه المدة دخلت الديار المصرية فى حيازة القياصرة، بدون أدنى مشقة، ومع ذلك كانت الفتن الداخلية باقية، فتسبب عنها تخريب بعض مبانى الإسكندرية، سيما دار الكتب؛ فإنها تلف منها مقدار عظيم، بعضه بالحرق، وبعضه بالنهب، وذلك من أنفع الكتب ونادرها، التى كانت البطالسة جمعتها مدة سلطنتهم بالديار المصرية. ولحق العلم وأمكنة تدريسه، من الإهانة ما لحق غيره، وانحطت درجة مدرسة
следующие страницы →