← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وبعد قليل قتلها، فغضب أهل المدينة وحقدوا عليه ما فعل. ومن خوفهم من (سلا) لم ينتقموا منه عاجلا وما زالوا منتظرين الفرصة حتى مات سلا، بعد أيام قليلة، فقاموا عليه، ففر منهم إلى مدينة (صور) سنة ٦٥، ومات فيها بعد زمن يسير، وجعل فى وصيته الديار المصرية للرومانيين، ومع هذا لم يتعجل الرومانيون وضع أيديهم عليها. وأسباب ذلك غير معلومة، لكن يقال إن الأمة المصرية تلك المدة، كانت آخذة فى الضعف، والرومانيون كانوا منتظرين تمام ضعفها، سيما، وهى المتصرفة فى أمر الدولة المصرية وبيدها الحل والعقد، فكانت آمنة من نقلها من يدها، جازمة بأن مصر تؤول إليها، حتى أنه لم يكن للبطالسة إلا الإسم، والدليل على ذلك أن تولية البطالسة كانت برأى الرومانيين، وأغلب أموال مصر تذهب إليهم على سبيل الرشوة، وكانت أفراد العائلة الملوكية المصرية تتسابق فى العطايا فكان/الرومانيون ينتصرون للأكثر عطاء. وترك (بطليموس) غير ابنته (بيرنيس) ولدين من السفاح، فأحضروا أحدهما وقلدوه الملك، ولقب بأوليت (الناياتى) وجعلت جزيرة رودس للثانى، وكانت-إلى ذاك الحين- لم تفصل عن حكومة مصر، ولكن حكم الرومانيون بانفصالها، وأسسوا ذلك الحكم على وصية إسكندر، وأرسلوا من طرفهم (كاتون) لإتمام هذا الأمر، فلم يقبل المصريون هذا الانفصال، بل جعلوا رودس تابعة لمصر كما كانت، وسعى (بطليموس) بالمال عند الرومانيين حتى تم له ذلك، وتعاهد معهم، وعد من أحبابهم بواسطة حبيبيه (قيصر وبومبيوس) فإنه دفع لهما ستة آلاف طالان هدية، وهى عبارة عن مليون وخمسمائة ألف بينتو، وضربها على البلاد المصرية، فضجروا ضجرا شديدا، ونتج من ذلك خروج الأهالى عن طاعته وطردهم له، وتولية بنته (بيرنيس) بدله، فذهب إلى روما وأقام بها زمنا، حتى استمال قلوب أكثر أمرائها بالمال. وطال عليه الحال هناك وابنته غير غافلة فإنها تزوجت بأكبر القسس بمملكة البون، وتمكنت فى مكانها. ولما رأى والدها أن إقامته بروما غير مفيدة ذهب إلى الشام، ودفع أموالا

стр. 1752

إلى رئيس الجيش الرومانى، ووعده بعشرة آلاف طالان إن هو ساعده، فساق الجيوش على مصر، فقابلتهم جيوش مصر واقتتلوا، فمات فى تلك الواقعة زوج (بيرنيس). مطلب رجوع بطليموس إلى ملكه ورجع بطليموس إلى ملكه، وجلس على التخت، وأخذ يظلم ويتعدى ويجمع ما وعد به من المال وقتل ابنته بيرنيس، وبقيت الديار المصرية فى الهوان، إلى أن مات سنة ٥١ قبل الميلاد، وترك ولدين وبنتين. وكان قد أوصى قبل موته، بأن الملك من بعده يكون للبكرىّ من أولاده وأكبر بنتيه. وحيث أنه كان متعاهدا مع الرومانيين، وتحت كنف (ديوبوس) ترجاه فى تنفيذ ذلك، وجعل أولاده تحت رعاية الأمة الرومانية. فلما مات اتحد ابنه البكرىّ مع أحبابه وأقاربه، واتفقوا على طرد أخته كليوباترا من حكومة مصر، فانحاز لها طائفة من الأمراء والأعيان، وتحزبوا، وقاموا على أخيها، فاشتعلت نيران الفتن فى جهات مصر. وفى تلك المدة كانت نيران الحروب مشتعلة بين (بومبيوس) و (قيصر) رئيس الجمهورية، وفى الواقعة الأخيرة كان المهزوم (بومبيوس) ففر إلى مصر. وبالنظر للألفة التى كانت بينه وبين بطليموس المتوفى، ظن أنه يأمن على نفسه فى الإسكندرية، وبناء على هذا وصل بمراكبه إلى الطينة، وكان هناك (بطليموس) فحيا رسله، وأكرمهم، فاطمأن خاطر بومبيوس، لكن فى الحال أحضر (بطليموس) (أشيلاس) أحد رجاله، وأمره بأن يتوجه إليه ويكون معه، وأمره بقتله عند انتهاز فرصة، فتوجه إليه وقابله، فكان الرومانى آمناليس محترسا، وخرج من سفينته، وركب زورقا بمفرده، ورغب الخروج إلى البر، فقبل أن يصل انفرد به (أشيلاس) وقتله. ولما بلغ قيصر أن (بومبيوس) قصد جزيرة رودس، ظن أنه يتوجه بعد ذلك إلى مصر، فسبقه إليها لينتظره هناك، وأخذ معه ثمانمائة من الخيالة سوى البيادة، ولما وصل (١) يقصد أخيلاس. انظر: إبراهيم نصحى: تاريخ مصر فى عصر البطالمة، ج ١، ص ٢٧٣.

стр. 1753

صعد بعسكره إلى مدينة الإسكندرية، فلما رآه أهلها لا يوقر ملكهم، غضبوا وهجموا على عساكره، فقتلوا منهم جملة فى طرق المدينة، فعظم ذلك على (قيصر) وتحفظ على نفسه إلى أن تحضر العساكر-التى أمر بحضورها من جهة آسيا-للقصاص من أهل الإسكندرية، ولأخذ حقوق الرومانيين منهم بناء على وصية (بطليموس) المتوفى، وفصل النزاع بين الأخ وأخته فى الحكومة، وأمر بترك القتال، وطرد العساكر، وإحضار الأخ وأخته ليفصل بينهما، فلم يرض بذلك (قوتان) وكيل (بطليموس) حتى يصير رشيدا، وظن أنه يقدر على طرد قيصر وعساكره، وأرسل سرا إلى العساكر التى بالطينة لينجدوه. ولما حضروا، وبلغه قدرها، علم أنه لا يقدر على مقاومتها، فتحصن بالمكان الذى كان به مع عساكره، وحبس نفسه منتظرا حضور العساكر الشامية لنجدته. وأما (أشيلاس) فوقع بينه وبينهم واقعات كثيرة، حرق فيها جزء عظيم من الكتبخانة الكبرى التى جمعتها البطالسة فى المدد الماضية. وأما كليوباترا فلم تتأخر عن شئ يوصلها إلى قيصر، وبذلت له المال وعرضت نفسها عليه، وكانت ذات جمال، فتعلق بها وواقعها فحملت منه، وأتت بغلام وسمته (قيصروم (١) فمال إليها قيصر، ودافع عنها، وكان لكليوباترا هذه أخت تسمى (أرستوى (٢) وكانت متحدة بأحد الأمراء، فحصل منه-تحت ظل اسمها- أمور غيرت قلوب الأهالى، فعرفوا أن مقصودهما زيادة اشتعال النار؛ لتخلو لهما الدار. ومن طول مدة الحروب تعطلت تجارتهم، وكثرت المصائب، وزاد اشتعال نار البغضاء بين بطليموس وأخته، وصار قيصر يقلّب عليهم جميع أنواع الحيل، التى لم تفده شيئا، وأخيرا صار الاتفاق معه على أن يطلق ملكهم (بطليموس) فرضى بذلك وأطلقه، فلم يسع بعد الاطلاق فى إخماد نار الفتن بل ازدادت. وكانت العساكر التى طلبها (قيصر) حضرت، فقصدها قيصر بعساكره لينضم لها، فتوسط بينهما (بطليموس) ليمنعهما عن الانضمام، فوقعوا وقعة قتل فيها كثير من الطرفين، وهزمت العساكر المصرية، وقتل/ (بطليموس) غريقا سنة ٤٧ قبل الميلاد، وبقى (قيصر) متصرفا فى مصر جميعها بما فيها الإسكندرية، وأقام كليوباترا ملكة مع أخيها، فما رضيت، وطلبت منه أن يرسله إلى جزيرة رودس،

стр. 1754

ويتزوج بأخته (أرستوى) فأرسله بعد زواجه. ثم بعد مدة قتل، فقامت زوجته وأعلنت بالحرب مع قيصر، فحاربها وغلبها، وأخذها أسيرة إلى مدينة روما، وطيف بها فى طرق المدينة فماتت غيظا، وبقيت كليوباترا وحدها على سرير ملك مصر، من ابتداء سنة ٣٧ قبل الميلاد بدون منازع. وأعقب ذلك موت قيصر، فاتهموها بأنها ساعدت من قتله، فطلبها (انتوان) رئيس الجمهورية، للمرافعة والمدافعة عن نفسها، فقامت وتحلت بأحسن ما عندها من الحلى والملابس، وركبت فى مركب مزينة بالذهب، ومجاديفها من الفضة، وقلوعها من الحرير، وسارت فى نهر سيدنوس، وكانت الفرش التى معها من أقمشة الذهب. وليلة دخولها صنعت وليمة فاخرة، وتجملت بجميع ما يزيد فى جمالها، ثم دعت (انتوان) فلما حضر ورآها، أخذت بقلبه من أول وقوع بصره عليها، ورغب فى تزوجها، وإن كان متزوجا ب (اوكتافى) أخت (أوغسطس) فكان ذلك داعيا لقيام الحرب بينهما؛ محتجا (أوغسطس) بأنه ينتقم لأخته، وكان قد أشركه (انتوان) معه فى الرئاسة، فحصلت معركة انهزم فيها (انتوان) ففر إلى مصر ليكون مع صاحبته كليوباترا، ويكتفى بها، فلم يمكنه (أوغسطس) ولحقه فلم يتخلص (انتوان) منه إلا بقتل نفسه، ولحقته كليوباترا أيضا؛ لأنها لم تتحصل على صيد (أوغسطس) بشرك مكايدها، واستعملت الطرق التى استعملتها مع (قيصر وأنتوان) فلم تنجح، وخافت على نفسها أن يأخذها مع الأسرى إلى روما، فقدّمت الهلاك على العار، واستحضرت حية، ووضعتها فى سبت فيه تين، على ما قيل، وعمدت إليها بيدها فلدغتها، وماتت فى وقتها. وبموتها انتهى ملك البطالسة، ودخلت مصر تحت حكومة الرومانيين، وصارت مديرية كباقى المديريات، يحكم فيها وال من طرف الجمهورية الرومانية. هذا، وإن كانت الفتن فى المدد الأخيرة. لم تنقطع؛ وسببها ذرية البطالسة، وعداوتهم لبعضهم التى هى نتيجة الوراثة. وكانت الرومانيون دائما، تتداخل فى أرض (١) يقصد أوكتافيا. انظر: إبراهيم نصحى: تاريخ مصر فى عصر البطالمة، ج ١، ص ٢٩٧.

стр. 1755

مصر، ووصلت لأن تجعل أمر تولى الوارث للملك بمعرفتها، لكنها غير مانعة من تقدم العلوم والمعارف، بل ما زالت مدينة الإسكندرية متقدمة فى العلوم فى مدة كل منهم. وكان التقدم سائرا نحو الأوج، ولما انضمت إلى الرومانيين، وصارت تابعة لدولتهم وقفت العلوم، واضمحل حال مصر، ورجعت إلى أسوأ ما كانت عليه فى زمن الفرس. وكانت أعياد المصريين ومواسمهم، فى زمن البطالسة، على قديم عادتهم، وكان المستعمل فى نقش الآثار والهياكل، هو الكتابة المقدسة. ولما كثرت الأروام بتخت البطالسة، كانت عقائد الروم داخلة معهم فى الديار المصرية، سيما فى الإسكندرية، وباختلاطهم بالمصريين، تولدت عقائد جديدة، تخالف عقيدة الأصليين، فبذلك تبدلت الحكم المصرية بغيرها، وصارت أوهاما وشعوذة، لا يمكن الوقوف على صحيح القواعد التى هى أساس الديانة المصرية فى الأزمان القديمة. وفى مدة قياصر الرومانيين، بلغ الظلم غايته، واحتقروا الديانة المصرية، حتى ضاعت من أصلها وابتدئ فى تخريب العمارات، ونقلها إلى أوروبا، من ابتداء استيلائهم، فنقلوا الهياكل والأحجار المكتوبة، والمسلات التى كانت مدن القطر الشهيرة متحلية بها؛ كطيبة، ومنف، والإسكندرية، وظهرت فى روما وفى القسطنطينية الآثار التى اعتنت بتشييدها الفراعنة أمام معابدهم. المدة الرابعة وهى سنة ٣٩٣، فى هذه المدة دخلت الديار المصرية فى حيازة القياصرة، بدون أدنى مشقة، ومع ذلك كانت الفتن الداخلية باقية، فتسبب عنها تخريب بعض مبانى الإسكندرية، سيما دار الكتب؛ فإنها تلف منها مقدار عظيم، بعضه بالحرق، وبعضه بالنهب، وذلك من أنفع الكتب ونادرها، التى كانت البطالسة جمعتها مدة سلطنتهم بالديار المصرية. ولحق العلم وأمكنة تدريسه، من الإهانة ما لحق غيره، وانحطت درجة مدرسة

стр. 1756

الإسكندرية، التى كانت هى المشار إليها بأطراف البنان، مدة اعتناء البطالسة بها ورعايتهم لها. وبقى الاضمحلال يزداد-طول المدة الرابعة-إلى سنة ٣٦٤، فانقسمت المملكة الرومانية، ولكن بقيت الإسكندرية حافظة لبعض مزاياها، فكانت هى الثانية بعد روما؛ لأن روما تقدمت عليها واستولت على سكانها. وبظهور الديانة المسيحية، وإقرار القياصرة لأهلها عليها، وإحاطة قياصرة القسطنطينية برعايتها، أخذت مدينة الإسكندرية تنتقل عن حالها القديم، وكثر التغير فى جميع أمور أهلها، بظهور المدرسة المسيحية، المؤسسة فيها على المدرسة القديمة، وباستمرارها على سيرها فى نشر العلوم والفوائد، انفردت بالشهرة، واشتهرت بذلك الإسكندرية بعض شهرة. ولكن الفتن كانت دائمة فى خلال تلك المدة، وكانت أمور العلم مضطربة، وازداد الاضطراب بغارات (زنوبيا) ملكة تدمر، على ديار مصر سنة ٢٦٥ بعد الميلاد، وسبب ذلك أن (أودنيات) صاحب/تدمر كان ساعد جيوش الرومانيين مساعدة عظيمة، حين حربهم (لسابور) ملك الفرس، فمكافأة له على ما بذله، عدّ من الرومانيين، وجعل ملكا على تدمر، سنة ٢٦٤ ميلادية، ثم توفى بعد مدة وترك ولدين ذكرين، فلم تكتف والدتهما (زنوبيا) بملك تدمر، بل طمعت فى مملكة الرومانيين المشرقيين جميعها، ولقبت ولديها بالقيصرية، وتلقبت بلقب القراليجة. وطمعت فى جميع الولايات المشرقية، مع أنها كانت تحت يد الرومانيين، وجهزت جيوشا وأغارت بها على مصر، ووضعت يدها عليها، ووقع بينها وبين القيصر (أورليان) وقعات، انتهت على أخذ مصر من يدها وطردها، فتبعها القيصر المذكور فى بلادها، واستولى على تدمر نفسها وهدمها سنة ٢٧٠. فباشتغال دار الحروب الداخلية والخارجية، توقفت أسباب الثروة والرفاهية بالديار المصرية. وحيث كانت إسكندرية ميدان حروب الأحزاب، تخرب أغلب مبانيها، وأزيل أغلب آثارها.

стр. 1757

وفى تلك المدة كان تمام ظهور الديانة العيسوية، فإنها ظهرت مدة قيصر الروم (أوغسطس) ثم اشتهرت وانتشرت بمملكة الرومانيين، التى من ضمنها مصر. وأول من حضر للديار المصرية، ونشر بها الديانة المسيحية، المقدس (مارك) تلميذ المقدس (القديير) وكان حضوره سنة ٤٣ ميلادية، ونشر بها إنجيله، الذى كان ألفه بروما، تحت نظر المقدسين، وتبعه خلق كثير من المصريين والإسكندرانيين، فأسس لهم كنيسة عرفت بكنيسة إسكندرية. وبسبب أن أعين المخالفين لهذه الديانة هم الأمة بتمامها، ومنهم القياصرة، كانوا ينظرون إليها نظر احتقار وإهانة، فصارت من عهدها عرضة لجميع أنواع الإهانة والذل فى كل جهة، وصدرت أوامر من الدولة بضبطهم وقتلهم، فتركوا المعمور، وفروا إلى الصحارى، وسكنوا المغارات المنحوتة فى الجبل المقطم، وجبال الأقاليم القبلية. واختاروا تلك الحالة على ترك اعتقادهم، وبعضهم بنى ديورا وأقام بها، وتعرف جميعها إلى الآن ب (ديورانطون). والذى سل سيف الهوان على النصارى، وبالغ فى أنواع تعذيبهم، أكثر من غيره، من القياصرة، القيصر (ديوكليتيان (١) خصوصا فى أرض مصر، وسيأتى شرح ذلك إن شاء الله تعالى. المدة الخامسة وهى سنة ٢٧٧، كان فيها تقسيم الدولة الرومانية، ونتج من ذلك فوائد كثيرة للقطر المصرى، سيما إسكندرية، منها: اضمحلال الدولة الرومانية المغربية بقيام الأمم المتبربرة عليها. ومنها: اشتغال الأروام بالعلوم والتقدم، فلم يمنعهم عنها تهاون القياصرة وإهمالهم لها، وتصديهم للمجادلات الدينية. ومنها: تسلطن المعارف البشرية فى مملكة المشرق، ومنها: حفظ مدينة إسكندرية لدرجة عظيمة فى التقدم مشتهرة بها بين المدن.

стр. 1758

وأما الديانة العيسوية، فكانت آخذة فى الانتشار فى مملكتى المشرق والمغرب، وعظم شأنها بمدينة إسكندرية. ومن كثرة الجدال الذى كان يحصل بين علمائها وبينهم، وبين أضدادهم، تمكنت قواعدها وعظم حزبها بإسكندرية ومصر. ومن تسلط يد العدوان والقسوة على المتدينين بها فى جهات المغرب، هاجر كثير منهم لمصر، وسكنوا صحاريها وبنو بها الديور، فنشأ عن ذلك وعن عداوتهم لديانة المصريين، تهديم المعابد، وتخريب الهياكل، وتعذيب رجالها بأنواع العذاب، فتضعضعت أركانها، وزال بذلك أكثر مبانيها الفاخرة، التى كانت تباهى بها مدن الأقطار، خصوصا إسكندرية، فإنه حصل بتخريبها إزالة الآثار القديمة منها. فمن ذلك يعلم أن أكثر التخريب سببه لهذه الديانة الناسخة للديانة المصرية العتيقة والوثنية المتولدة عنها فى زمن البطالسة وقياصرة الروم الأول. فأغلب ما حصل فى القطر من الأمور، التى تغيرت بها أحواله وأحوال أهله ينسب إليها، فإن التغير الذى به دمرت المبانى، وخرّجت الأهالى عن طباعها وعوائدها وأخلاقها، لا ينسب إلا لها. وبقيت الديار المصرية تتقلب على لظى المظالم المتنوعة، إلى أن ظهرت فرقة دينية، انفصلت عن كنيسة روما والقسطنطينية، وأخذت تتقوى، واستقلت بالإسكندرية، وبعدها بقليل، سرت إلى باقى الديار المصرية، ونشأ عنها جميع المصائب لمدينة إسكندرية. ومع ذلك لم تنحط فى جميع هذه المدة عن درجتها التجارية. وما سنذكره من الآثار، هو ما بقى منها بعد المدد الثلاث، التى تعاقبت على الإسكندرية، أى مدة البطالسة، والقياصرة الأول، وقياصرة القسطنطينية. وقبل ذلك نورد ما وقع من الديانة العيسوية بالديار المصرية، فنقول: إن الديار المصرية-حين القسمة-صارت من نصيب (ديوكليتيان) فكان له مملكة الشرق، وكان حاكم هذه الولاية قبل القسمة أميرا رومانيا، اسمه (أشيى) وكان يطمع فى القيصرية، ولما لم ينلها، رفع لواء العصيان فى مدينة إسكندرية، وتلقّب بقيصر بين الأهالى والعسكر، وبقى

стр. 1759

متمتعا بهذا اللقب خمس سنين، إلى أن صارت الدولة المشرقية من نصيب (ديوكليتيان) فحضر بالجيوش/إلى إسكندرية، يريد الانتقام من حاكمها، فدخلها، وقبض على الحاكم وقتله، ونهب بيوت الأهالى، وجميع البلاد التى دخلت تحت لواء العصيان، وعمّ النصارى بجبروته زيادة عن غيرهم؛ فإن مأمورى الحكومة جمعوا منهم أناسا كثيرين، نحو ثمانين ألف نفس، وساروا بهم إلى مدينة إسنا، وقتلوهم هناك عن آخرهم بأمر القيصر. والكنيسة الموجودة هناك، بنيت محل المعركة لتخليد ذكرها، وهذه الوقعة كانت سنة ٢٨٤ من الميلاد، وجعلتها نصارى مصر مبدأ تاريخ لهم. ثم بعد موت (ديوكليتيان) المذكور و (عالير (١) الذى أخذ القيصرية بعده، زالت السحب عن سماء الديانة العيسوية، وسوعدت كل المساعدة بشمول نظر القيصر (قسطنطين) من وقت جلوسه على تخت قيصرية المشرق. ومع هذا، فقد تشعبت الديانة فى هذه المدة إلى مذاهب وفرق، بسبب الاختلاف الذى حصل بين رجالها فى بعض قواعدها، ونشأ من ذلك تعدى الفرق على بعضها، وهلاك خلق كثيرين، ونتج منه فشل عظيم بالديار المصرية وغيرها. وكان عدد الفرق فى مبدأ القرن الرابع من الميلاد خمسا وخمسين، ولكن-لهذا التاريخ-كانت جميعها متحدة فى الأصل، ولو اختلفت فى الفروع. ومعظم الأسباب التى نشأ عنها تفرق تلك الديانة إلى فرق وشعوب: دخول قيصر الروم (قسطنطين) فى دين النصرانية، وجعل هذا الدين وحده هو دين الحكومة القيصرية دون غيره من الأديان. فمن ذلك العهد كثرت المجادلات الدينية، وتضعضت أركان الدولة، واضمحلت قوتها، وكان عاقبة ذلك طمع الأقوام المتبربرة فيها، التى وفدت من الجهات الشرقية والشمالية وأول من قاسى مشاق هذه الشعوذات الديار المصرية.

стр. 1760

مطلب فى ذكر أريوس، ومناقضته مع غيره ظهر فى إسكندرية رجل يقال له (أريوس)، وفى كون أصله من القيروان أو من إسكندرية خلاف، وكان قد بلغ درجة عالية فى العلوم وعرف بالفصاحة فى زمن (أسبين) وكان لين العريكة، طلق اللسان، عذب الألفاظ، فبسبب هذه الأمور، تحصل فى زمن هذا الحاكم على أن يكون قسيسا فى كنيسة من كنائس إسكندرية، وبقى فيها إلى موت (أشيىّ) ثم قام وطلب أن يكون بطريقا بإسكندرية لموت البطريق الذى كان فيها، فاختلف الناس فى ذلك، ثم اختاروا (إسكندر) وقلدوه البطريقية، فبغضه وعاداه من ذلك الحين، وصار ينسب إليه ما يشينه فى كل مجلس، مع كونه متصفا بحميد الصفات، وحسن العقيدة. فلما لم يجد (أريوس) بدا من نيل أغراضه، غير أسلحة عدوانه، وأخذ يذم عقيدته، وينسبه للجهل. وكان فيما يدرسه (إسكندر) للقسس: أن الإبن يساوى الأب، وأن مادة الاثنين واحدة، فعلى هذا يكون التثليث وحدة بلا خلاف، فنقض (أريوس) هذا عليه، وقال: إن كان للولد علوق، فبالضرورة يكون له أول، وقد مر زمن لم يكن فيه موجودا، فيكون وجوده بعد عدم، فلم تكن مادته مادة الأب. وفى مبدأ الأمر نصح (إسكندر) (أريوس) لعله ينتهى، فلم يزدد إلا طغيانا. ودخل معه فى رأيه ومذهبه كثير من الأهالى، فلما رأى (إسكندر) منه ذلك طرده من وظائفه، فنشأ من ذلك: أن قام كل حزب على الآخر، فكان ذلك فى كل مدينة وقرية، من القطر المصرى، وصار لا يسمع غير محاورات ومناقشات فى هذا الشأن، وصار كل بيت أو مجمع كأنه مدرسة، لا يسمع فيه إلا المباحثة، فأنتج ذلك كون عامة الخلق الذين عادتهم أن يميلوا مع الغالب، صاروا تارة مع هذه الفرقة، وتارة مع الأخرى.

стр. 1761

وحيث أن الحزب لا يقوى إلا بميل الحكومة لمذهبه، فكانت الأهالى عرضة للإساءة، ودخل الفشل جميع البيوت، وقامت أفراد العائلات على بعضها، وعادى الأخ أخاه، والأب ابنه. وعمت هذه البلوى جميع الديار المصرية، من أقصى الصعيد إلى إسكندرية، فلما بلغ قسطنطين أمر بانعقاد جمعية من رؤساء الديانة، لفصل الكلام فى المسائل الخلافية، وكان ذلك فى سنة ٣٢٥ من الميلاد، فاجتمع من الأحبار جمع عظيم بمدينة أزنيق، التابعة لولاية بروسه، وسألوا فى المسئلتين الموجبتين للاختلاف: الأولى: فى أى يوم يكون عيد الباك (عيد الفصح)؟ والثانية: هل مادة الإبن غير مادة الأب كما يزعم (أريوس) وحزبه، أو هما من مادة واحدة، كما تعتقد الطائفة الأخرى؟ وكانت جميع الأساقفة، وأحبار الأمة النصرانية، مجتمعة ما بين مشرقيين ومغربيين، وحضر (أريوس) وشرح مذهبه، وأقام البراهين عليه، فكان تارة يستدل بعبارات الإنجيل، وتارة يسبح فى بحور الفصاحة ويغوصها، ويستخرج منها درر المعانى، ويكلل بها تاج مذهبه، حتى بهر عقول الحاضرين. وكان بالمجلس شاب من تلامذة بطريق إسكندرية، والمقربين عنده، يقال له (عطاناز (١) فقام، وأخذ يقيم الأدلة على بطلان ما ادعاه (أريوس) ويتكلم على كل دعوى بما ينقضها من أسها-سواء كانت معقولة أو منقولة-حتى تحول جميع من/بالمجلس عن مذهب (أريوس) فيه، وحكموا بفساد عقيدته، وجعلوا لعنه ولعن من اتبعه، ضمن الصلوات فى جميع الكنائس. وأما عيد باك (عيد الفصح) فقرروا وقته يوم الأحد الذى يعقب الهلال الجديد، الذى يهل بعد الاعتدال الخريفى، ونشر ذلك فى جميع أرجاء المملكة الرومانية.

стр. 1762

وكان المظنون أن تطفأ بذلك نار الفتن، فلم يحصل، لأن طائفة (أريوس) لم تترك معتقدها، بل بقيت عليه وتمكنت فيه، واشتغلت بنشره، وترغيب الناس فيه وترجيحه، فثارت الفتن فى الديار المصرية. وصار أهل إسكندرية فريقين: فريق على مذهب (عطاناز)، وكان قد بلغ رتبة البطريقية، وفريق على مذهب (أريوس). وأهل هذا المذهب، كانوا دائما ينظرون فى الأسباب التى تقوى مذهبهم، ويحتالون على استمالة قلوب الأمراء، والأعيان، وأرباب الكلمة، فبلغوا بذلك إلى قبول كلامهم لدى القيصر، وتكلموا فى حق البطريق بأمور مخلة، فغضب عليه، ونفاه إلى ناحية طريف من بلاد الأندلس، فأقام بها ستا وأربعين سنة، يتقلب بين أنواع الإساءة. ومع هذا لم يزل متمسكا بمذهبه، مدافعا عنه، إلى أن رضى عنه القيصر (قسطنطين) سنة ٣٣٦، ورده إلى وطنه، فلم يقنع بذلك، بل دبر فى إزالة البطريق عن وظيفته، فجاءه هادم اللذات، فمنعه عن إتمام ما أضمر عليه فى تلك السنة. وبقيت فرقته-بعد-تثير الفتن والشقاق، وكان فيهم كثير من أصحاب الكلمة، فبذلك لم تزل هذه الفرقة تزداد مدة ثلاثة قرون متوالية. وكانت الديار المصرية، تتقلب فى ثياب الشعوذات الدينية، وخصوصا بدخول القياصرة ضمن هذه الفرق، واشتراكها معها. ومن حين انقسام المملكة الرومانية بين (ولانتينيان (١) وأخيه (والنص (٢) سنة ٣٦٣، وانفصال مملكة قسطنطين من مملكة روما، واشتهارها بالمملكة الشرقية، اتسعت الفتن باستتباع كل من الأخوين فريقا، وعادى كل منهما أرباب المذهب الآخر، فكان بمصر (والنص) وهو تابع مذهب (أريوس)، فانحط قدر مذهب (عطاناز) وعدّ أتباعه خوارج، كفارا، وقست عليهم الحكام وأمراء الدين. ومن تفرقهم واختفائهم فى بلاد الريف، لحق الأهالى ضرر لا مزيد عليه؛ فإنه كان

стр. 1763

لا يمر أحد ببلد إلا اتهمه أهلها بأنه من أتباعه، وعاقبوه بالضرب، والقتل، ونهب المال، فصار هذا لم يسمع بمثله فى مدة عبادة الأوثان ولا فى غيرها. وفى عقب فتنة من الفتن، صدرت أوامر من القيصر (طيوروز) (١) سنة ٣٨٨ من الميلاد، بهدم جميع المعابد القديمة بمدينة إسكندرية، وأخذ ما فيها من حلىّ الذهب والفضة، وإعطائه للكنائس. والفرق التى ظهرت بعد فرقة (أريوس)، وهى فرقة (نستيربوس (٢)، ومن اعتقادها: أن جوهر عيسى ﵇، مركب من جوهرين: إلهى، وبشرى، وأن العذراء ليست والدة له. وفرقة (أنتيشيس)؛ وهذه تجعل الجوهر الإلهى والبشرى واحدا فى المسيح ﵇. وفرقة (المونوفيزتية)، وهذه لا تجعل للمسيح غير إرادة واحدة، وقد انضم لها القيصر (هيراكليوس) وانتصر لها، وجعلها المعتمدة فى جميع جهات مملكته، وألف كتبا فى ذلك، ونشرها بين الناس، وشغل جميع أوقاته فى ذلك، وترك أحوال المملكة وسياستها. وهو-وإن كان أصله من طائفة العسكر، وخلّص الملك من يد الظالم (قوكاس (٣) وتولى مكانه-إلا أنه كان يكره الحرب بطبعه، فأهمل أمر الجيوش حتى تلاشت قوة المملكة، وطمع فى ملكه خسرويه-ملك الفرس-وزحف بعساكره، وأخذ من ملكه عدة ولايات منها: مصر، والشام، وبلاد فلسطين، وذلك سنة ٦١٦، فخاطبه (هيراكليوس) فى الصلح، ورضى أن يفرض له على نفسه جزية، فلم يقبل خسرويه منه ذلك، وزحف على بيت المقدس وأخذه، ونقل خشبة الصليب منه إلى بلاده، وطلب من (هيراكليوس) ورعاياه أن يتركوا الديانة العيسوية، ويتدينوا بديانة الفرس. فغضب (هيراكليوس) وجرد جيوشه، وتلاطم مع خسرويه فكسره وأخذ منه الخشبة، ورجع إلى بلاده، واشتغل

стр. 1764

بالشعوذة أكثر من الأول، وأهمل الحكومة، فصارت المملكة الرومانية مضطربة، فى جميع جهاتها، بسبب الفتن الداخلية، والحروب الواقعة بينها وبين الفرس، إلى أن ظهر دين الإسلام بجزيرة العرب، وابتدأ نوره يكشف غياهب الجهل عن عقول سكانها، فاجتمعت كلمة المسلمين، وصاروا يدا واحدة على نصر الحق، وإعلاء كلمة الدين، فعلا الحق على الباطل، واستولى الإسلام على فارس والروم، فمن عهدها، تضعضعت أركان دولة الفرس والرومانيين، وفى زمن قريب أزيلت الفارسية بالكلية، وبقيت الرومانية على ولايات قليلة، واستولى الإسلام على أرض النصرانية، والديانة الوثنية، واستولت المملكة الإسلامية على المملكتين المذكورتين. ثم بعد زمن يسير، سطع نور الإسلام فى المشرق والمغرب، كما سنورده فى محله، إن شاء الله تعالى. المدة السادسة وهى سنة ٣٢٩، وفى جميع المدد الماضية كانت/إسكندرية تخت ملك الديار المصرية، وإن كانت التقلبات الزمنية جلبت لها تغيرات كثيرة، وصيرتها ميدانا لفتن متنوّعة، لكنها مع ذلك، كانت أول مدينة فى القطر، إلى أن ظهرت الديانة المحمدية بأرض الحجاز، وأخذت تمتد حتى علا قدرها، وسار مسير الشمس فخرها، وطمست معالم الديانة العيسوية-بل زالت بالكلية، من جميع جهات المشرق-ودخلت الديار المصرية تحت تصرف العرب، فانتقل الفخر الذى كان للإسكندرية، إلى مدينة الفسطاط، التى أسست على شاطئ النيل. ومن ذاك الحين، أخذت الإسكندرية فى النقص والخراب، وصارت لا تذكر، إلا كما يذكر غيرها من المدن. ولما دخلها عمرو بن العاص، سنة ٦٤٢ ميلادية، كان الخراب عم سراياتها الملوكية، وأعظم شوارعها-المسمى بروشيوم (١) -كان بلقعا، لا يرى فى جانبيه غير تلال من أنقاض البيوت.

стр. 1765

ومع ذلك فكانت معدودة من ضمن المدن العظيمة، وكانت أسوارها قائمة، محيطة بها من كل جهة، على غاية من المتانة. ومما يدل على ذلك أنها صدت الجيوش الإسلامية، ومنعتهم عن دخول المدينة مدة. ولكن بظهور الفسطاط، وعدم إقامة الحاكم بها، تلاشت مبانيها وهدم سورها الذى بنته العرب، عوضا عن السور القديم، ولم يعمّر إلا فى القرن العاشر، زمن أحمد بن طولون، بناء على ما ذكره المكين (١). ثم إن ما بقى بها من المبانى والآثار الموروثة عن الديانة العيسوية، تسلطنت عليه رجال الديانة المحمدية، فخربوه كما أن الديانة العيسوية خربت ما كان للديانة المصرية من المعابد وغيرها، وترتب على ذلك محو أكثر آثارها، حتى صار لا يسمع به إلا فى الكتب. وبعد انفصال الديار المصرية، صارت مملكة المشرق عرضة لتسلط الديانة المحمدية، ومن غارات جيوش الإسلام المتوالية، انفصل أكثر من نصف المملكة الرومانية المشرقية عنها، وانضمت حدودها، ومع ذلك لم تزل مملكة متسعة الأطراف إلى القرن الثامن من الميلاد. وأما المملكة القيصرية المغربية، فقد آل أمرها إلى تقسيمها ممالك صغيرة، بعد إغارات كثيرة من المتبربرين الوافدين عليها من جهة الشمال، فكانوا دائما فى محاربات ومناوشات لا تنقطع، واستمر ذلك قرنين كاملين، فحصل فيهما لتلك المملكة مصائب لا تحصى، واضمحل حالها، وتضعضعت أركانها، حتى أتى زمن (شارلكان (٢) وصار لها بعض اعتبار، ومع ذلك فهى فى طفولية وتوحش، لأن أهلها كانوا بمعزل عن التجارة، مع أنهم أحق بها من غيرهم، لإقامتهم بالسواحل. وكان مركز التجارة وقتئذ لأهل المشرق والمغرب الإسكندرية، وباختصاصها بهذه

стр. 1766

المزية كانت متميزة، ودائما تتجدد فيها المبانى الفاخرة، وتزداد بها المدارس والعلوم. ولحقها من عناية الخلفاء العباسيين بعض شرف، سيما المأمون، وبقيت أعظم مدينة بالقطر إلى سنة ٨٦٨، ثم انفصلت عن الديار المصرية، وخرجت عن تخت المملكة بخروج عاملها أحمد بن طولون عن طاعة مولاه. واستمرت الديار المصرية فى هذا الانفصال والاستقلال مدة تقرب من مائة سنة، وتفصيل حوادث هذه المدة موجود فى كتب شتى مطوّلة، فليراجعها من يريد ذلك. وأما نحن-ههنا-فلسنا نذكر إلا ملخصا لطيفا، يفهم منه سلسلتها، وما نشأ عنها. وحيث أن أعظم شئ وأهمه منها، هو ظهور الديانة المحمدية، بظهور نبينا محمد رسول الله ﷺ ، لكونها نتج منها جميع حوادث هذه المدة، فيجب علينا أن نذكر سيرته بأخصر كلام فنقول: مطلب ذكر السيرة النبوية ولد ﵊ سنة ٥٧٠ من الميلاد، وتربى فى حجر جده عبد المطلب، ثم بعد سنتين من عمره مات جده فكفله أبو طالب عمه، وبقى عنده إلى أن اشتد وقوى، فصار يسافر معه فى تجارته، ثم تاجر لخديجة بنت خويلد، وكانت من أغنى الناس، وسافر بمتجرها إلى الشام، فأعجبها استقامته وحسن معاملته، فتزوجت به وعمره-إذ ذاك-خمس وعشرون عاما، وعمرها أربعون، وأتت منه بثلاثة ذكور، ماتوا فى حداثة السن، وأربع بنات تزوّجن برؤساء المسلمين. ولما بلغ عمره، ﵊، أربعين سنة، بعثه الحق، ﷻ ، لهداية الخلق إلى طريق الحق، فتبعه أبو بكر وابن عمه علىّ، وزيد بن حارثة وزوجته خديجة، ولحقهم غيرهم، فأنكرت قريش على النبى ﷺ ومن تبعه معتقدهم، وهموا بقتلهم، فهاجر إلى مدينة يثرب، التى بينها وبين مكة ٧٥ فرسخا، فى الجهة البحرية من

стр. 1767

مكة، وهاجر بعض أتباعه إلى بلاد الحبشة، فقام أهل المدينة مع النبى ونصروه، وغيّر اسم المدينة فقال: (لا تقولوا يثرب إنما هى طيبة)، ثم صار الناس يقولون: المدينة المنورة. واتخذ المسلمون الهجرة مبدأ تاريخ الإسلام، وسمى بالتاريخ الهجرى. وحيث كانت هجرته-﵊-ليلة الجمعة ستة عشر شهر يوليه الإفرنجى، سنة ٦٢٢ من الميلاد، جعل هذا اليوم مبدأ تاريخهم. والسنة الهجرية: اثنا عشر شهرا قمرية، فمن هنا تكون السنة الهجرية أقل من/الشمسية بأحد عشر يوما، ويكون الاثنان وثلاثون سنة شمسية، قدر ثلاث وثلاثين سنة قمرية. فإذن ينبغى لمن أراد أن يستخرج السنة الهجرية من التاريخ الميلادى، أن يطرح من التاريخ الميلادى ما مضى منه قبل الهجرة وهو ٦٢٢، ثم يضيف إلى كل ٣٢ سنة مما بقى منه سنة فما بلغ فهو التاريخ الهجرى، مثلا لو أردنا أن نعرف السنة الهجرية الموافقة لسنة ١٨٧٣ ميلادية، نطرح منها ٦٢٢ سنة، التى مضت قبل الهجرة، فيبقى معنا ١٢٥١، نضيف إليه ٣٩ سنة، وهى عدد احتواء ١٢٥١ على ٣٢، فما بلغ فهو التاريخ الهجرى. وقد اتخذ ﵊ المدينة مركزا، وصار يعّلم الناس ويهديهم، ودخلت الناس فى دين الله أفواجا، وقدر أن يكون مبدأ نصرة دينه، وإعلاء كلمته، يوم هجرته من مكة، فكان ذلك هو الأساس؛ لعدول خلق كثيرين عن معتقدهم القديم، واتخاذهم دين الإسلام دينا. وكان-﵊-فى ذلك الحين يخطب الناس. ويبلغهم كلام الله، ولكن كان أكثرهم ينكر عليه ولا يصغى إليه، فجرّد المسلمون السيف لإعلاء كلمة الله وانتصار الدين القويم، فرفعت كلمة الله على أقوى أساس، وتمكن المسلمون بما حصل لهم من النصر المتتالى، وكثرة الداخلين فى الإسلام، ممن كانوا يعبدون الأوثان وغيرهم، فلم يلبثوا غير يسير، إلا وقد ظهر من صحارى جزيرة العرب، رجال ذوو علم وبأس، واجتمع منهم جيوش إسلامية، سطت بقوّتها وحسن تدبيرها على الممالك المجاورة من ممالك الشرك،

стр. 1768

فعظمت سطوتها واتسعت دائرتها، وظهرت المملكة الإسلامية، وتسمى بالمملكة العربية، لا يسمع فيها مشرقا ومغربا غير التوحيد، وما يختص بدين الإسلام، وتألفت قلوبهم، وزال الشقاق والخلف من بينهم. وفى السنة الثانية من الهجرة، حصل بينه-﵊-وبين قريش وقعة، كان لحزبه-﵊-فيها النصر من الله، ومع هذا، فكان عدد جنوده ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، وعدد جنود الأعداء ألف رجل، ومعهم مائة فرس، وسبعمائة بعير، وبعدها دخل رسول الله- ﷺ -مكة المشرفة، وتمكنت قواعد الإسلام، وخضع المخالفون وانقادوا. ومن عهدها أقبلت جميع القبائل المنتشرة فى أرض الحجاز، ودخلوا فى الإسلام، وكسرت عصىّ المخالفة، وصار الجميع تحت اللواء المحمدى، وكبرت عصابة الإسلام، وقويت شوكته، وسمع به فى أطراف البلاد المجاورة لأرض الحجاز. مطلب معاهدة قيصر وارتج تخت الرومانيين، وخاف القيصر (هير اقليوس) على بلاده من المسلمين، فتدارك الأمر، واجتهد فى استمالة الإسلام إلى معاهدته، وترك لهم جهة من الجهات، التابعة لحكومته من بلاد العرب-وكانت هذه الجهة تجنح للفرس-حتى أنها ساعدتهم عليه فى المحاربات، فأرسل النبى-﵊-لأمراء تلك الجهة رسوله يدعوهم إلى الإسلام، فقام من بينهم حاكم بوسترا، واتحد مع حاكم مدينة مؤتة، من مدن الشام خلف نهر الأردن، وقتلوا الرسول؛ فغضب النبى- ﷺ -لفعلهم، مطلب فى الوقائع التى جرت بين المسلمين والقياصرة وأرسل لهم ثلاثة آلاف مقاتل تحت إمرة مولاه زيد، وتقابلوا مع عساكر الرومانيين عند مدينة مؤتة المذكورة، وكانوا أكثر منهم عددا، والتطم الفريقان، وحصل بينهما مقاتلة

стр. 1769

عظيمة، فمات كثير منهما، ومات أيضا جملة من رؤساء المسلمين منهم: زيد-﵁-فقام مقامه خالد بن الوليد، فحصل منه ما يبهر العقول، فإنه بعد أن كان يظن أن المسلمين مهزومون، جمع المسلمين، وقوّى قلوبهم، وهجم بهم على عساكر الرومانيين هجمة بدد فيها شملهم، وولوا الأدبار، وتم النصر للمسلمين، وغنموا، ثم رجعوا إلى المدينة، ومعهم السبى والغنيمة. وهذه كانت افتتاح الوقعات، التى جرت بينهم وبين القياصرة، فى جهات آسيا وإفريقيا وجزء من أوربا، وتمامها بزوال ملك القياصرة من بلاد المشرق، ووضع الإسلام يده على الدولة الرومانية. لكن بعد ثمانية قرون، كلها مضت فى حروب، هلك فيها من الفريقين ما لا يحصى. ومن جملة الولايات التى توجه لها نظر المسلمين: ولاية مصر، وكان حاكمها (المقوقس) المصرى الأصل، من طرف قيصر، وكان له شهرة عظيمة فى الرفعة والاعتبار، وكان من فريق (أوتيشيس)، وكان يكره الروم لإنكارهم على أهل فريقه، وإبطالهم اعتقادهم فى جميع ديار مصر والرومان وغيرها، وكان الطمع وحب الاستبداد عنده يغلبان على الأمر الدينى، لكنه اغتنم فرصة قيام الفتن على المملكة الرومانية فى بلاد العرب، ولقب نفسه بلقب إمارة مصر، وصار يأمر وينهى فى ديار مصر. ومن مخافة تقلب الأيام، أراد أن يعاهد المسلمين، فلم يقبل النبى منه غير الدخول فى الإسلام، وكتب كتابا إلى النبى- ﷺ -يعترف له فيه بالرسالة، ويطلب منه الإمهال زمنا، ليتمكن مما يريده، وكانت الحروب من المسلمين قائمة فى جهات كثيرة، ما عدا/مصر، فإنهم تركوها فى ذلك الوقت، وبعد ذلك توجهت همتهم إلى محاربتها، وشن؟؟؟ الإغارات عليها، فنظر ﵊ أن هذا لا يتم إلا بالاستيلاء أولا على ديار الشام، لأنه ليس لمصر غير طريقين: الأولى: طريق البحر الأحمر، وليس للمسلمين فى

стр. 1770

ذلك الوقت مراكب. والثانية: طريق البر، التى فى الصحارى التى بين مصر والشام. فأخذ فى أهبة الدخول بالعساكر إلى أرض الشام. ولكن لم يتم هذا الأمر، لوفاته ﵊، بالمدينة المنورة، فى السابع عشر من شهر يونية الإفرنجى سنة ٦٣٢، الموافق لليلة الاثنين، من آخر صفر سنة عشر من الهجرة، وعمره ثلاثة وستون سنة. مطلب خلافة أبى بكر الصديق اتفقت الأمة الإسلامية على تولية أبى بكر ﵁، فقام بأحوال المسلمين، وسار على أثر صاحب المعجزات، ففتح الله فى أيامه على المسلمين عراق العرب وبلاد الشام، وأخذت مدينة دمشق سنة ٦٣٤، واتسع الإسلام، واشتهر ذكره فى الآفاق، ومات ﵁ يوم فتحت دمشق. مطلب خلافة عمر بن الخطاب تولى الخلافة بعده، عمر بن الخطاب، ﵁، ولقب بأمير المؤمنين، واستمر حرب الشام سنة ٦٣٥، وأخذت مدينة بعلبك، ومدينة قنسرين، من المدن الشهيرة، وبينها وبين حلب خمسة فراسخ. وفى السنة التى بعدها، فتحت مدينة درستيون (١)، وحماة، وشيزر، وايميز (٢). ومن توالى النصر للمسلمين جبر (هيراقليوس) على أن يتنبه من غفلته، ويتوجه بنفسه مع جيوشه لمحاربتهم، فذهب إلى سواحل الشام، وأقام بمدينة ايمز مدة، ثم انتقل إلى أنطاكية، ولما بلغه أخذ دمشق، يئس من السواحل الشامية، فتوجه إلى القسطنطينية،

стр. 1771

وجمع فيها ما تفرق من عساكره فى المشرق والمغرب، فكان جيشا جرارا، وأمّر عليه رئيسا من رجاله اسمه (منويل) فسار بهم حتى تقابل مع المسلمين عند مدينة اليرموك سنة ٦٥٦، فحصلت بينه وبين المسلمين وقعة قتل فيها من الفريقين عدد عظيم، وآل الأمر بنصر المسلمين النصر التام، الذى خلت الديار الشامية بعده من جيش النصارى، ودخلت جميعا فى قبضة المسلمين. ثم سار المسلمون إلى مدينة القدس، ومعهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فدخلوها بلا حرب فى شهر مايو الإفرنجى سنة ٦٣٧. وبعد دخول هذه المدينة فى حوزة الإسلام، دخل باقى البلاد الشامية فى الإسلام، كما دخل جميع بلاد العرب فيه بعد دخول مكة؛ لأن كلا من هاتين المدينتين له شرف على البلاد المجاورة له، ومن قديم الزمان يتبركون بهما، ويحجونهما فى مواسم معلومة، فكان هذا هو الداعى لقصدهما فى الفتح أولا؛ فإن الحكم لا يتمكن فى هاتين الجهتين إلا بالاستيلاء على هاتين المدينتين. مطلب فى فتح مصر ولما تم فتح الديار الشامية-كلها-للمسلمين سنة ٦٣٨، أزيلت جميع الموانع عن قصد مصر، فخاف (المقوقس) من إغاوة المسلمين على مصر، فاتفق مع بطريق إسكندرية (قيروس)، وكتب إلى أمير المؤمنين كتابة، طلب فيها أن لا يحارب مصر، وجعل له فى مقابلة ذلك مائنى ألف دينار يدفعها سنويا، وأرسل بعض هذا المبلغ مع الكتاب، فبلغ ذلك (هيراقليوس) فغضب على (المقوقس) وأرسل العساكر لتدافع عن مصر، وتمنع عساكر المسلمين من الدخول فيها، فشاع ذلك حتى بلغ أمير المؤمنين، فأمر ﵁ عمرو بن العاص، وكان وقتئذ عاملا على الجهات الشامية الملاصقة لوادى النيل، أن يتوجه إلى مصر، وأرسل معه أربعة آلاف من المسلمين، فقام وسار من وقته إلى أن وصل حدود مصر، وتقابل مع العساكر الرومانية هناك. فاصطدم الفريقان وفاز المسلمون بالنصر

стр. 1772

ودخل عمرو بالمسلمين الديار المصرية. فلما وصلوا شاطئ النيل، حصل هناك وقعة أخرى، ونصر على النصارى نصرة خلت له بها البلاد، وسهلت الطرق، فسار حتى وصل مدينة باب الأون، وكانت مكان مصر العتيقة الآن، وكان بها قلعة منيعة تعرف فى كتب العرب بقصر الشمع، فحاصرها المسلمون، وحصروا من فيها حصرا شديدا والمقوقس، وإن كان وقتها يدافع، لكنه كان مائلا إلى الصلح مع المسلمين. حتى أنه فاتح عمرا فى ذلك، فرضى عمرو بما قرره المقوقس: من أن يدفع عن كل قبطىّ دينارين. غير الهرم والنساء والأطفال. مطلب فى فتح إسكندرية وبعد ما تم الكلام بينهما، وعقدت الشروط، ذهبت العساكر الرومانية إلى إسكندرية، وتحصنت فيها لأنها هى التى بقيت فى حكمهم وحدها، وجميع الجهات المصرية-بحرية وقبلية-صارت فى يد المسلمين. وكان أخذ إسكندرية أهم شئ عند المسلمين؛ لأنها لو بقيت تحت يد الرومانيين لكانت معسكر رجالهم التى ترسل من القسطنطينية، وتكون منبع الغارات على مصر. فلما رأى المسلمون ذلك، قام عمرو برجاله، وحاصرها محاصرة عنيفة، مدة أربعة عشر شهرا، حتى فتحها فى اليوم الحادى عشر من شهر ديسمبر الإفرنكى سنة ٦٤١، وكان المدد قطع عنها من مدة موت (هيراقليوس)، فأحاط الكرب بأهلها من الحصار، وجنحوا/للصلح. ولما دخلها المسلمون منعهم عمرو عن نهب الأهالى، والتعرض لهم بسوء. وكان بالمدينة كتبخانة، لم يوجد مثلها فى الأقطار، لما اشتملت عليه من نفائس الكتب العلمية والكنوز العقلية، جمعها ملوك مصر السالفون. وادعى مؤرّخو الفرنج، أنه كان بالمدينة قسيس يعرف باسم (جان)، تعرّف به عمرو وأحبّه لعلمه، فرغب هذا القسيس أن يغتنم فرصة هذا الحب، وطلب منه أن يعطيه كتب الفلاسفة، فجنح عمرو لتنفيذ غرضه، لكنه خاف أن لا يأذن له أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، ﵁، فحرر

стр. 1773

له خطابا، يخبره فيه بما طلبه القسيس من الكتب بالكتبخانة الموجودة هناك، فكتب له أمير المؤمنين «إن كانت تحتوى على ما فى القرآن فلنا حاجة بها، وإلا فلا فائدة لنا فيها، وعلى كلا الحالين ينبغى حرقها» فلم يسعه غير الإطاعة والامتثال، وأمر بحرقها فحرقت. وهذه الرواية الإفرنجية عارية عن الصحة؛ لأن عمر ﵁ برئ من ذلك، فإن احتراق الكتبخانة المذكورة كان قبل إشراق نور الإسلام، ولم يكن عمر مولودا إذ ذاك، وأن الذى أعدم هذه الكنوز العقلية النفيسة هو (جول القيصر)؛ وسبب ذلك أنه كان محصورا فى المحلة، التى كانت بها الكتبخانة، ولما أحاطت به الأعداء من كل الجهات، لم يجد له منجى سوى أنه أضرم النار فى جميع المنازل القريبة للكتبخانة، فحرقها واحترقت الكتبخانة معها. نعم، إنه بعد مضىّ مدة من الزمن قد أهدى الملك (أنطوان) إلى (كليوباترا) نحو أربعمائة ألف مجلد من كتبخانة (برجام)، وأنشأ فى السيرابيوم كتبخانة جديدة سميت: بنت الأولى، وهذه الكتبخانة الجديدة قد احترق أيضا معظم كتبها فى أثناء الفتن التى ظهرت بمدينة إسكندرية، ثم انعدمت بالكلية فى عهد الملك (ديتوز)، حيث سطت عليها أيدى الرعاع المتعصبين، ومزقوا جميع ما كان فيها من الكتب المشتملة على المؤلفات الوثنية، وفعلوا بها مثل ما فعلوا بالمعابد العتيقة، والهياكل القديمة المصرية. فبناء على ذلك، لم يكن لهذه الكتبخانة وجود بالكلية حين افتتحها عمرو بن العاص، ﵁. ويعلم مما سبق، كيفية انفصال مصر من حكومة القسطنطينية، وصيرورتها ولاية تابعة لمملكة العرب. ومن ذاك الحين، صار تاريخها ملحقا بتاريخ المسلمين، كما كان فى السابق ملحقا بتاريخ الرومانيين. وهذا الانفصال، قد خلص قلوب أهلها من أوحال الشرك والوساوس الشيطانية، وملأها بأنوار الحق المبين بدخولها فى الإسلام، كما تخلصت من أهوال تقلب الأحوال الزمانية عليهم، فصارت أمورها مبنية على منهج العدل والإنصاف، اللذين

стр. 1774

هما أساس الدين المحمدى، وقطعت يد الظلم، وكسر عصا الجور والعدوان، وذلك كله فى الصدر الأول، وإن كان قد حصل بعد ذلك شغب كثير، وفشل بين المسلمين نشأ منه اضمحلال حال ديار مصر، سيما فى الحروب التى تولدت عن ذلك، كما يعلم ذلك من تاريخ سلسلة حوادثها المتتالية. مطلب عدد من تولى مصر من العمال فإنه من حين فتح المسلمين مصر فى سنة ٢٠ من الهجرة، التى هى سنة تولية عمرو بن العاص عليها، إلى سنة ١٣٢، التى هى سنة انتقال الخلافة من بنى أمية إلى العباسيين، تولى عليها ثمانية وعشرون عاملا تناوبها اثنتين وثلاثين مرة، لأن بعضهم كان يعزل ثم يعود كعمرو ابن العاص فإنه حكم مرتين، ومدته فيهما إحدى عشرة سنة، وكعبد الملك بن رفاعة الفهمى، فإنه حكم مرتين أيضا ومدته فيهما ثمان سنين، وكحفص بن الوليد، فإنه حكم ثلاث مرات ومدته فيها أربع سنين. ويظهر من طول مدة بعض العمال الأول، أن الأحوال ابتداء كانت غير مضطربة، وإنما اعتراها ذلك فيما بعد، ويظهر أنه بتقادم الزمن كان الاضطراب متزايدا؛ فإنا نجد أنه تبدل على هذه الديار من سنة ١٣٢، التى هى ابتداء خلافة العباسيين، إلى زمن فصل مصر عن بيت الخلافة، فى زمن أحمد بن طولون سنة ٢٥٤، ستون عاملا، فى ظرف مائة واثنتين وعشرين سنة. فتكون مدة العامل نحو عامين، فكان العزل متقاربا، بل ربما حصل فى العام الواحد تبادل عاملين أو ثلاثة. ومن هذا يعلم أن قلة الأمن هى الباعثة على كثرة اضطراب أحوال البلاد، من عدم استقامة الإدارة العامة. وعدم طول إقامة الحكام ذوى العدل بين أهلها؛ لتطاول أيدى أهل البغى عليهم بكثرة الحروب والقتل، إلى أن دخلت الفرنساوية أرض مصر، وانجلوا عنها وحصلت العناية الربانية. واستولى مولانا العزيز محمد على باشا، عليه الرحمة والرضوان،

стр. 1775

على الديار المصرية، فزالت تلك الأكدار، وتغيرت هذه الأحوال كما سنقصه عليك فى محله. مطلب عدد من تولى مصر من الأتراك والجراكسة وفى رحلة (ولين) الفرنساوى نقلا عن (ابن مرعى) أن الذى تولى الملك من الأتراك ٢٤، ومن الجركس مثلهم فالكل ٤٨، وأن مدة حكمهم جميعا ٢٦٣ سنة (١)، فتكون مدة الواحد بالتوسط ٥ سنين ونصفا تقريبا. ومن غريب الاتفاق أن الذين ماتوا بالقتل من التركمان (٢) ١١، والذين عزلوا/ستة، وبالعكس فى الجركس، فإن الذين ماتوا بالقتل منهم ٦، والذين عزلوا ١١. وتولى من حين استيلاء السلطان سليم، إلى دخول الفرنساوية ٧٢ باشا، فى مدة ٢٨٧ سنة، فلو جمعت حكام مصر من إنتهاء حكم البطالسة لوجدتهم ٢٠٠ حاكم، كل منهم له سير مخصوص. وفى تلك المدد كان الغالب عدم النظر، لرفاهية الأهالى وعمار بلادهم، وإن حصل ذلك واستقامت الأحوال فلا يكون إلا بعض سنين ثم يتغير. ومن كثرة الفتن الداخلية وإهمال المصالح العامة، تعطلت أسباب الثروة والصحة، وقلت الفلاحة، وتطاولت الأيدى على جميع جهات القطر بالقتل والسلب، فقل بهذه الأسباب الأمان على النفس والمال. ومن ترك تطهير الترع والخلجان، حرمت أغلب الجهات من ماء النيل، ونشأ عن ذلك غلوّ أسعار الأقوات، بل وانعدامها فى بعض السنين، وتسلطت الأمراض، وسكن الوباء بأرض مصر، حتى صار عوده دوريا منتظما فى تلك الديار. ونزل بالناس من المصائب ما يبث الجبال، فهاجر الخلق من بلادهم، وملئت الطرق بجيف الأموات من مهاجرى المصريين. وصار هذا الأمر شائعا فى جميع بقاع الأرض، ووصفه مؤرخو العرب والفرنج بأوصاف تفتت الأكباد، وتشيب منها الولدان.

стр. 1776

وللمقريزى رسالة (١)، جمع فيها مرات الغلاء والقحط، من دخول العرب مصر إلى سنة ٦٠٠ هجرية تقريبا، فبلغت ثلاث عشرة مرة. وفى رحلة (ولين) الفرنساوى، نقلا عن كتاب (مرعى بن يوسف الحنبلى)، الموجودة نسخته بكتبخانة باريس: أن عدد مرات القحط والوباء، من ابتداء فتح مصر إلى سنة ٨٤٣ هجرية، الموافقة سنة ١٤٤٠ ميلادية، إحدى وعشرون أو ست وعشرون، على قول العلامة (خليل بن جاهين الظاهرى) وزير السلطان الأشرف. وأسباب هذا الغلاء غالبا: إهمال الحكام تدبير ماء النيل، وتوزيع المياه على الأراضى، وكذا إتجار الحكام والسلاطين فى الأقوات، فينشأ من إهمال النيل، عدم زرع جميع الأراضى، فلا يكفى ما يخرج من المحصول جميع أهلها، وينشأ من الإتجار فى القوت غلوّ الأسعار غلوا فاحشا؛ فكانت أسباب البلايا كثيرة متنوعة، تتفنن فيها ولاة الأمور بما كانوا يبتدعونه من المظالم وسوء التدبير. ولولا الخوف من التطويل، لذكرنا ما حصل للديار المصرية فى كل زمن، ولكن، هذا للقارئ أنموذج يعلم منه أحوال تلك الأزمان، وما كانت تقاسيه الناس من حكامهم، والمقصود أنا نقارن ذلك بزماننا، فنجدنا الآن فى أرغد عيش بالنسبة لمن كان فى تلك الأزمان، وليس ذلك إلا بهمّة الخديوى المعظم، فإنه لا يشغله شاغل عن التفكر فى الأحوال الموجبة لرفاهية الرعية، فبحول الله وقوّته، وعناية الحضرة الخديوية، لا نخاف من حصول مثل ما كان فى تلك الأزمان، لأن الإكثار من الترع والخلجان والجسور، وإحكام تقسيم المياه بالقناطر فى الجهات البحرية والقبلية، صير رىّ جميع الأراضى ممكنا. إذا وصل النيل ستة عشر ذراعا، بل يمكن بأقل من ذلك، إذ تمت عمارة القناطر الخيرية. وبوجود سكك الحديد فى البر، والسفن البخارية فى البحر الملح والحلو، صار نقل ما يحتاج إليه من محصولات البلاد البعيدة فى أى وقت سهلا.

стр. 1777

مطلب أول غلاء حصل فى مصر وأوّل غلاء حصل بمصر فى الإسلام سنة ٨٧ هجرية، وكان أمير مصر وقتئذ: عبد الله ابن عبد الملك بن مروان. وبعد ذلك فى زمن الإخشيد، ثم فى زمن أبى القاسم (١) أبى الفوارس بن الإخشيد سنة ٣٣٨. وبعدها بثلاث سنين كثرت الفيران فى أعمال مصر، وأتلفت جميع الغلال والكروم، ولم يرو النيل البلاد، وغلا السعر واشتد الأمر إلى سنة ٣٤٣، وطلب القمح كل ويبتين ونصف بدينار، فلم يوجد، واستمر هذا العذاب تسع سنين متتابعة، وأمير مصر علىّ بن الإخشيد. وفى سنة ٣٥٦ عظمت البلوى بعد موت كافور، لأنه كان مجتهدا فى تدبير الأحوال، ثم قامت الجند على الأمراء، فهلك خلق كثيرون، ونهبت الأسواق، وأحرقت مواضع كثيرة من المدينة، واختلفت العسكر، فتبع أكثرهم الحسن بن عبد الله بن طغج، وهو يومئذ بالرملة، وكاتب أغلبهم المعز لدين الله الفاطمى، وصار الهول عظيما واستمر إلى أن دخل جوهر القائد سنة ٣٥٨، وبنى مدينة القاهرة. ولم ينقطع الغلاء إلى سنة ٣٩٠، فاشتد الوباء، وكثرت الموتى، وعجز الناس عن دفن موتاهم، فكان من مات بطرح فى النيل والطرق، واستمر هكذا إلى سنة ٣٦١. ثم نزل السعر بعض النزول، ثم غلا بعد ذلك فى أيام الحاكم بأمر الله سنة ٣٨٧، وبلغ النيل ستة عشر ذراعا. وفى سنة ٣٩٥ لم يتم النيل ستة عشر ذراعا إلا فى آخر شهر مسرى، وعم الكرب، وتغيرت أصناف المعاملة، وكثر فيها الغش حتى وصل الدينار أربعا وثلاثين درهما، فى سنة ٣٩٧. واشتد الكرب على الناس، فصدرت الأوامر بضرب دنانير جديدة، وفى يوم واحد وزعوا عشرين صندوقا منها على الصيارف، بقصد جمع الدنانير القديمة، وأمهلوا الناس

стр. 1778

ثلاثة أيام، وتلف للناس أموال كثيرة، لأن الدرهم الجديد صار يبدل بأربع دراهم قديمة، ونودى بأن/سعر الدينار الجديد ثمانية عشر درهما جديدة، فخسر الناس خسارات كثيرة، وعلا سعر الغلال وجميع أصناف المأكول، حتى عز وجودها، فضرب الحاكم الطحانين والخبازين، وقبض على مخازن التجار، وسعّر أصناف الحبوب. واستمر الغلاء إلى سنة ٣٩٩، فاجتمع الأهالى بين القصرين، وشكوا إلى الحاكم، فركب حماره وخرج من باب البحر، ووقف هناك ثم قال: «أنا متوجه لجامع راشدة، وإنى أقسم بالله، إن عدت ووجدت موضعا غير مستور بالغلة يطؤه حمارى، لأضربن عنق من يقال لى إن عنده شئ منها، وأحرقن داره، وأنهبن أمواله». ثم توجه وتأخر هناك لقريب المغرب، فلم يبق أحد من أهل مصر والقاهرة عنده غلة إلا وحملها من بيته أو مخزنه، وجعلها كيمانا فى الطرق، وأمر بحصر ما يحتاج إليه الناس فى كل يوم، فحصر وعمل به كشف عرض عليه، فأمر بعرضه على أصحاب الغلال، وخيّرهم بين أن يبيع كل بقدر ما يناسب تجارته بسعر معلوم قدّره لهم، وبين أن يختم على غلالهم إلى حين دخول الغلة الجديدة. فنزل السعر، وباعوا بما قدرّه لهم. وفى خلافة المستنصر غلت الأسعار، سنة ٤٤٤، غلاء شديدا، وقصّر النيل، وخلت المخازن السلطانية من الغلال، فحصل كرب شديد زاد على ما كان فى الأزمان السالفة. وكان من العادة الجارية، فى ذلك الوقت، أن السلطان يتجر فى الغلال، فكان يشترى له منها كل سنة بمائة ألف دينار ليتجر فيها، فدخل عليه وزيره، أبو محمد الحسن بن على بن عبد الرحمن البارزى-﵀-وكان قد أمر بترخيص الأسعار، وعرّفه بما منّ الله عليه به من رخص السعر، وتوالى الدعاء من الناس للسلطان، وذكر أن فى التجارة فى الغلال مضرّة على المسلمين وربما نزل السعر بعد شرائها، فتباع بأقل مما اشتريت به، أو تتلف بالمخازن. والأولى التجارة فيما لا كلفة على السلطان فيه، ولا مضرّة بالناس، وفائدة التجارة فيه أضعاف فائدة

стр. 1779

التجارة فى الغلة، ولا يخشى عليه من انحطاط السعر ولا من غيره. وهو: الخشب، والصابون والحديد، والرصاص، والعسل، وما أشبه ذلك، فأمضى السلطان له رأيه. والغلاء الذى حصل فى أيامه أيضا، سنة ٤٤٧، زاد على ما سبقه، ولم يكن وقته بالمخازن السلطانية إلا جرايات من فى القصور، ومطبخ السلطان وحواشيه، فقام الوزير أبو محمد، وكتب إلى عمال النواحى بحجز الغلال وأخذها للديوان، وتربيح التجار فى كل دينارين دينارا. وبعد ذلك أرسل المراكب فأحضرت جميع الغلال من البلاد، وأرسل إلى مصر سبعمائة أردب، وإلى القاهرة ثلثمائة. فحصل الرخاء، إلى أن قتل الوزير، فصار بعده لا يرى للدولة صلاح ولا استقامة حال. واختلت الأمور، ولم يستقر لها وزير تحمد سيرته، أو يرضى تدبيره، وخالط الناس السلطان، وكاتبوه مكاتبات كثيرة، وكان لا ينكر على أحد مكاتبته، فتقدم كل شقشاق، وحظى لديه الأوغاد، وكثروا حتى كانت رقاعهم أكثر من رقاع الرؤساء الأجلة. وتنقلوا فى المكاتبة إلى كل نوع، حتى كان يصل إلى السلطان كل يوم ثمانمائة رقعة، فاشتبهت عليه الأمور، وتناقضت الأحوال، ووقع الخلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدتهم، فكان الوزير منهم-من توليته إلى خلعه-لا يفيق من التحرز ممن يسعى به. وكانت الفترات بعد عزل من ينعزل منهم، أطول من مدة وزارته، فتعدوا الواجبات، وتفننوا فى المصادرات، فاستنفدوا أموال الخليفة، وأخلوا منها خزائنه، وأحوجوه إلى بيع عروضه، فاشتراها الناس نسيئة، وكانوا يعترضون ما يباع، فيأخذ من له درهم واحد ما يساوى عشرة درهم، ثم زادوا فى الجراءة حتى تصدروا إلى تقويم ما يخرج من العروض، فإذا حضر المقوّمون أخافوهم، فيقوّمون ما يساوى ألفا بمائة فما دونها، ويعلم المستنصر وصاحب بيت المال بذلك، ولا يتمكنان من إجراء ما يجب عليهم، فتلاشت الأمور، واضمحل الملك، وعلموا أنه لم يبق ما يلتمس إخراجه لهم، فتقاسموا الأعمال،

стр. 1780

وأوقعوا التساهم على ما زادت فيه الرغبات، وكانوا ينتقلون فيها ويتداولونها على حسب غلبة بعضهم لبعض. ودام ذلك بينهم خمس أو ست سنوات، ثم قصّر النيل، فغلت الأسعار غلوا بدد شملهم، وفرق ائتلافهم، وأوقع الله تعالى بينهم العداوة والبغضاء، فقتل بعضهم بعضا حتى بادوا وعفت آثارهم، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا. ثم وقع فى أيام المستنصر-أيضا-الغلاء الذى فحش أمره، وشنع ذكره، ومكث بمصر مدة سبع سنين، وسببه: ضعف السلطنة واختلال أحوالها، واستيلاء الأمراء عليها، وتوالى الفتن بين الأوغاد، وعدم علو النيل، وعدم من يزرع ما شمله الرى، وكان ابتداء ذلك سنة ٤٥٧، فعلا السعر، وتزايد الغلاء وأتى عقبه الوباء، حتى تعطلت الأراضى من الزراعة، وعمّ الخوف وخيفت السبل برا وبحرا، وجاعت الناس، وعدم القوت، حتى بيع رغيف خبز-فى سوق القناديل من الفسطاط -بخمسة عشر دينارا، وأكلت الكلاب والقطط حتى قلّت، وبيع الكلب بخمسة دنانير، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا. /وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها، ومعهم حبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد، ألقوها عليه، وأخذوه فى أسرع زمن، وشرّحوا لحمه وأكلوه. ثم آل أمر المستنصر إلى أن باع كل ما فى قصوره من ذخائر، وثياب، وسلاح وغيره، وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه، وذهب وقاره، وكانت نساء القصور يخرجن ناشرات شعورهن ويصحن: الجوع الجوع، يردن المسير إلى العراق، فيسقطن عند المصلى، ويمتن جوعا. واحتاج حتى باع حلية قبور آبائه. وجاء الوزير يوما-على بغلته-فأكلتها العامة، فشنق طائفة منهم، فاجتمع الناس عليهم فأكلوهم. وأفضى الأمر إلى أن عدم-المستنصر نفسه-القوت.

стр. 1781

وكانت الشريفة، بنت صاحب السبيل، تبعث إليه كل يوم قعبا من فتيت، من جملة ما كان لها من البر والصدقات فى ذلك الغلاء، حتى أنفقت مالها كله فى سبيل البر- وكان يجلّ عن الإحصاء-. ولم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعثه إليه، وذلك فى اليوم والليلة مرة واحدة. ومن غريب ما وقع، أن امرأة من أرباب البيوت أخذت عقدا لها قيمته ألف دينار، وعرضته على جماعة، فى أن يعطوها به دقيقا، فكان كلّ يدفعها عن نفسه، إلى أن رحمها بعض، وباعها به زنبيل دقيق بمصر، فلما أخذته أعطت بعضه لمن يحميه من النهب فى الطريق، فلما وصلت باب زويلة، تسلمته من الجمالة ومشت قليلا، فتكاثر الناس عليها ونهبوه، فأخذت هى أيضا-مع الناس-من الدقيق مل يديها، ولم يتيسر لها غيره، ثم عجنته وسوته، فلما صار قرصة أخذتها معها، ووصلت إلى أحد أبواب القصر، ووقفت على مكان مرتفع، ورفعت القرصة على يديها بحيث يراها الناس، ونادت بأعلى صوت: يا أهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر، الذى سعدت الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى صار ثمن هذه القرصة ألف دينار. فلما بلغه ذلك أحضر الوالى، وتوعده وهدده، وأقسم له إن لم يظهر الخبز فى الأسواق، ويرخص السعر وإلا ضرب عنقه، ونهب أمواله. فخرج من بين يديه وذهب إلى الحبس، وأخرج قوما استحقوا القتل، وأفاض عليهم ثيابا واسعة، وعمائم مدورة، وطيالس سابلة، وجمع تجار الغلال والخبازين والطحانين، وعقد مجلسا عظيما، وأمر بإحضار واحد من القوم الذين استحقوا القتل، فلما مثل بين يديه قال له: ويلك، ما كفاك أنك خنت السلطان، واستوليت على مال الديوان، حتى أخربت الأعمال، ومحقت الغلال، فأدى ذلك إلى اختلال الدولة، وتلاشى الأحوال وهلاك الرعية، ثم قال للجلاد: اضرب عنقه، فضربت فى الحال، ووقع على الأرض بين يديه، ثم أمر بإحضار آخر منهم فقال: كيف قدرت على مخالفة الأمر، واحتكرت الغلال، وتماديت على ارتكاب ما نهيت عنه، إلى أن تشبّه بك سواك، فهلك الناس، اضرب عنقه فضرب فى الحال، واستدعى آخر، فقام إليه الحاضرون من التجار، والطحانين،

стр. 1782

والخبازين وقالوا: أيها الأمير، فى بعض ما جرى كفاية ونحن نخرج الغلة، وندير الطواحين، ونعمّر الأسواق بالخبز، ونرخص الأسعار على الناس، ونبيع الخبز كل رطل بدرهم، فقال: ما يقنع الناس بذلك، فقالوا: الرطلان بدرهم، فأجابهم: بعد اللتيا والتى، ووفّوا بالشروط، وتدارك الله الخلق باللطف، وأجرى النيل، وسكنت الفتن، وزرع الناس، وانكشفت الكروب. ثم حصل الغلاء، بعد ذلك، أيام الخليفة الآمر بأحكام الله، ولم تطل مدته، فلم تعم بليته، كما حصل بعده فى أيام الخليفة الحافظ لدين الله، بوزيره الأفضل بن وحش، ولكن الحافظ تدارك الأمر بنفسه، إلى أن منّ الله بالرخاء. وجاء بعده الغلاء، فى مدة الفائز، ووزارة الصالح طلائع بن رزيك. وهكذا كان الغلاء والوباء، شعار أكثر هؤلاء الخلفاء. فلم يجلس أكثرهم على تخت هذه الديار، إلا وجلس بجانبه بلوى من البلايا، وحصل فى زمنهم خراب أكثر البلاد، وتعطل أكثر الأراضى عن الزرع. ولم يختلف الحال بزوال ملكهم، بل تبدل فى صورة غير الصورة، ولبس ثوبا غير الثوب. وحصل فى زمن الأيوبيين مثل ما حصل فى زمن الفاطميين، ولم يلتفت الكثير منهم إلى أحوال الصحة والرفاهية، والسير على نهج السلف فى الحكم والإدارة، وبقيت البلاد عرضة للضرر، الذى كان مستوليا قبل، فكان الظلم والجور وتعدّى الحكام، وغاراتهم، وعدم الزرع، والقحط، والوباء، والأمراض، ومصائب أخر، مما غرسه الطوائف الواردة على الديار المصرية، إلى أيام استيلاء مولانا العزيز، محمد على باشا، على الديار المصرية. ولم يعمل أحد ممن تقدّم فى هذه الديار أعمالا تستحق الذكر. وفى رسالة العلامة المقريزى-التى ألفها فى حوادث سنة ٥٩٠ (١) هلالية-أنه حصل فى

стр. 1783

هذه السنة جوع عم الخلق فى القرى والأرياف، فتركوا بلادهم وانتقلوا إلى القاهرة، ودخل فصل الربيع، فهبّ هواء تبعه وباء، وفناء، وعدم القوت، حتى أكل الناس أطفالهم شواء وطبخا، ثم نهوا عن ذلك، فلم يفد، فكان يوجد بين ثياب المرأة، وكذا الرجل، كتف طفل أو فخذه أو شئ من لحمه، ويدخل بعضهم بعض حارات، فيجد القدر على النار فينظرها فإذا فيها/لحم طفل، وأكثر ما وجد ذلك فى بيوت الأكابر. وأغرق فى أقل من شهرين ثلاثون امرأة بسبب ذلك. ثم اشتد الأمر حتى صار أكثر غذاء الناس من لحم بعضهم، ولم يمكن منعهم لعدم القوت، من جميع الحبوب والخضراوات. فلما كان آخر الربيع، انحسر الماء عن المقياس إلى بر الجيزة، وتحوّل وتغير طعمه وريحه، ثم أخذ فى الزيادة-قليلا قليلا-إلى الثانى عشر من مسرى، فزاد إصبعا واحدا. ثم وقف أياما وأخذ بعد ذلك فى الزيادة القوية، وأكثرها ذراع، إلى أن بلغ خمسة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا، ثم انحط من يومه، فلم تنتفع به البلاد لسرعة نزوله. وكان أهل القرى قد فنوا، حتى أن القرية، التى كان أهلها خمسمائة نفر، لم يبق بها غير اثنين أو ثلاثة. ولم تعمل الجسور ولا مصالح البلاد لعدم البقر، فإنها فقدت حتى بيعت البقرة بسبعين دينارا، وملأت الجيف جميع الطرق بمصر والقاهرة، وغيرهما من بلاد الإقليم، والذى زرع-على قلته-أكله الدود ولم يمكن زرع غيره. وكانت التنانير لا يوقد فيها بغير خشب البيوت، وكانت جماعة من أهل الستر يخرجون ليلا، ويحتطبون من المساكن الخربة، فإذا أصبحوا باعوها. وكانت الأزقة كلها بمصر والقاهرة لا يرى فيها من الدور المسكونة غير القليل. وكان الرجل بالريف-فى أسفل مصر وأعلاها-يموت وبيده المحراث، فيخرج آخر فيصيبه ما أصاب الأول. واستمر النيل-ثلاث سنين-بدون أن يطلع منه غير قليل، حتى بلغ الأردب أو المدّمن القمح ثمانية دنانير، فأطلق العادل للفقراء شيئا من الغلال، وقسّم الفقراء على أرباب

стр. 1784

الثروة، وأخذ منهم اثنى عشر ألفا، وجعلهم فى مناخ القصر، وأفاض عليهم القوت، وكذلك فعل جميع الأمراء وأرباب السعة. وكان الواحد من أهل الفاقة إذا امتلأت بطنه الطعام، سقط ميتا، فكان يدفن منهم كل يوم العدّة الوافرة، حتى أن العادل-فى مدة يسيرة-دفن نحو مائتى ألف وعشرين، فإن الناس كانوا يتساقطون فى الطرق من الجوع، ولا يمضى يوم واحد إلا ويؤكل عدة من بنى آدم. وتعطلت الصنائع فلما أغاث الله الخلق بالنيل، لم يوجد أحد يحرث ولا يزرع، فخرج الأجناد بغلمانهم، وتولوا ذلك بأنفسهم. ومع ذلك لم يزرع أكثر البلاد، لعدم الفلاحين والحيوانات، وبيعت الدجاجة بدينارين ونصف، ومع ذلك كانت المخازن مملوءة من الغلال، وكان الخبز متيسر الوجود، يباع كل رطل منه بدرهم ونصف. وزعم كثير من أرباب الأموال، أن هذا الغلاء كسنى يوسف-﵇-وطمع أن يشترى بما عنده من الأقوات، أموال أهل مصر ونفوسهم، فأمسك الغلال، وامتنع من بيعها، فلما جاء الرخاء لم ينتفع بشئ منها، بل رماها لأنها تلفت. وأكثر أرباب المال أصيبوا، فبعضهم مات عقب ذلك شرّ ميتة، وبعضهم أصيب فى ماله، إن ربك لبالمرصاد، وهو الفعال لما يريد. ثم بعد ذلك جاءت دولة الأتراك، فكانت المصائب أشنع وأفظع، وتسلحت بأسلحة أحدّ وأقطع، فكان الغلاء والقحط فى سلطنة كتبغا سنة ٦٩٤ فى بلاد مصر، وهجم عليها من سكان برقة ٣٠،٠٠٠ نفس من الجوع، لقلة المطر ببلادهم، وجفاف العيون، فهلك جلهم جوعا وعطشا، ووصل القليل منهم فى جهد وقل. وتأخر الوسمىّ ببلاد الشام، حتى فات أوان الزرع، واستسقوا ثلاثا فلم يسقوا، ثم اجتمع الجميع وخرجوا للاستسقاء، وضجوا وابتهلوا إلى الله فأغاثهم وسقاهم. والنيل بمصر وقف عن الزيادة، فتحولت الأسعار، وتأخر المطر عن بلاد القدس والساحل حتى فات أوان الزرع، وجفت الآبار، ونضب ماء عين سلوان، وكان مبلغ النيل

стр. 1785

فى تلك السنة-أعنى سنة ٦٩٤ - ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا، ونزل سريعا، وكسر بحر أبى المنجى-قبل أوانه بثلاثة أيام-خوفا من النقص، فبلغ أردب القمح مائة درهم، والشعير ستين درهما، والفول خمسين، ورطل اللحم ثلاثة دراهم، فأخرجت الغلال من المخازن، وفرقت فى المخابز، ورتب لكل صاحب جراية ست جرايات فى شهرين. وكان راتب البيوت وأرباب الجرايات-كل يوم-ستمائة وخمسين أردبا ما بين قمح وشعير، ومن اللحم عشرين ألف رطل. وكان قد ظهر خلل فى الدولة؛ لقلة المال وكثرة النفقات، فتعددت المصادرات للولاة والمباشرين، ووزعت البضائع بأغلى الأثمان على التجار. ودخلت سنة ٦٩٥، والناس فى شدة من الغلاء وقلة الوارد، لكنهم كانوا يمنون أنفسهم بمجئ الغلال الجديدة-وكان قد قرب أوانها-فعند إدراك الغلال؛ هبت ريح مظلمة، من نحو بلاد برقة هبوبا عاصفا، وحملت ترابا أصفر كسا زرع تلك البلاد، فأتلف أكثرها، وعم ذلك التراب إقليم الجيزة، والغربية، والشرقية، وزرع الصعيد الأعلى، وفسد زرع الصيف كالأرز، والسمسم والقلقاس، وقصب السكر، وكل ما يزرع على السواقى، فتزايدت الأسعار. وبعد تلك الريح جاءت حمى عمت الناس، فغلا سعر السكر والعسل وما يحتاج إليه المرضى، وعدمت الفواكه، وبيع فرخ الدجاج بثلاثين درهما، ووصل سعر أردب البر مائة وتسعين، والشعير مائة وعشرين، والفول والعدس مائة وعشرة، ورطل البطيخ درهمين، وحبة السفرجل ثلاثة دراهم. وتزايد القحط فى بلاد/القدس والساحل، ومدن الشام إلى حلب، فوصلت غرارة القمح سعر مائتين وعشرين درهما، والشعير نصف ذلك، ورطل اللحم عشرة دراهم، والفاكهة أربعة أمثالها. وكان ببلاد الكرك، والشوبك، وبلاد الساحل لما يرصد للمهمات والبواكير ما ينوف عن عشرين ألف غرارة، فحملت إلى الأمصار.

стр. 1786

وأجدبت مكة، فبلغ أردب القمح بها تسعمائة درهم، والشعير سبعمائة، فرحل أهلها حتى لم يبق بها من الناس إلا اليسير. وعدم القوت ببلاد اليمن، وكثر بها الوباء، فباعوا أولادهم، واشتروا بهم قوتا، وفروا إلى حلل بنى يعقوب، فتلاقوا مع أهل مكة، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، فأفناهم الجوع جميعا، ما عدا طائفة قليلة. وحصل القحط ببلاد المشرق، وفنيت دوابهم، وهلكت مراعيهم، وأمسك المطر عنهم. واشتد الأمر بمصر، وكثر بها الناس من الآفاق، فعظم الجوع حتى كان الخبز ينهب من المخبز والحوانيت، وكان العجين-إذا خرج به صاحبه ليخبزه-نهب قبل أن يصل، فكان لا يصل إلا إذا كان معه عدة يحمونه من النهابين … ومع ذلك، فكان من الناس من يلقى نفسه عليه ليأخذ منه بلا مبالاة، بما أصابه من ضرر الضرب. فلما تجاوز الأمر حده، أمر السلطان بجمع الفقراء وذوى الحاجات، وفرقهم على الأمراء، فأرسل إلى أمير المائة مائة، وإلى أمير الخمسين خمسين، حتى وزع على أمير العشرة عشرة، فكان منهم من يطعم من خصه من الفقراء ثريد لحم البقر، ومنهم من يعطى كل واحد رغيفين، ومنهم من يعطى كعكا، ومنهم من يعطى رقاقا، فخف ما بالناس. ولكن عظم الوباء فى الأرياف، وفشت الأمراض بالقاهرة ومصر، وعظم الموتان، وكثرت طلبة الأدوية، حتى أن عطارا بباب حارة الديلم، باع فى شهر واحد باثنين وثلاثين ألف درهم، وبيع من حانوت شخص، يعرف بالشريف عطوف، من سوق السيوفيين، بمثل ذلك، وكذلك حانوت بالوزيرية، وآخر خارج باب زويلة، باع أيضا بمثل ذلك. وطلبت الأطباء، وبذلت لهم الأموال، وكثر ما تحصلوا عليه، فكان الواحد منهم يكتسب فى اليوم الواحد مائة درهم. ثم أعيا الناس كثرة الموتى، حتى بلغت عدة من يصل اسمه الديوان السلطانى-فى اليوم الواحد-ما يزيد عن ثلاثة آلاف.

стр. 1787

وأما الطرحى، فلم يحص عددهم بحيث ضاقت بهم الأرض، وحفرت لهم حفر وآبار. وألقوا فيها، وجافت الطرق والنواحى والأسواق، وكثر أكل لحم بنى آدم-خصوصا الأطفال-فكان يوجد عند رأس الميت لحم ابن آدم الميت، ويمسك بعضهم فيوجد معه كتف طفل، أو فخذه، أو شئ من لحمه. وخلت الضياع من أهلها، حتى أن القرية التى كان بها مائة نفس، لم يوجد بها غير نحو عشرين، وأغلبهم يوجد ميتا فى مزارع الفول، لا يزال يأكل منه حتى يموت، ولا يستطيع الحرّاس ردّهم لكثرتهم. ومع ذلك وجد المحصول-بعد الحصاد-أضعاف المعتاد. ولقد كان للأمير فخر الدين ألطنبغا المساحى، من جملة زرعه مائة فدان من الفول، لم يمنع أحدا من الأكل منها فى موضع الزرع، ولم يمكّن أحدا أن يحمل منها شيئا زيادة عن أكله، فلما كان أوان الدرس خرج بنفسه، وقف على أجران المائة فدان المذكورة، فإذا تل عظيم من القشر الذى أكلت حبه الفقراء، فطاف به وفتشه، فلم يجد فيه من الحب شيئا، فأمر به أن يدرس لينتفع بتبنه، فلما درس جاء منه سبعمائة وستون أردبا، فعدّ ذلك من بركة الصدقة، وفائدة أعمال البر، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. وكثرت أرباح التجار والباعة، وازدادت فوائدهم، فكان الواحد من الباعة يستفيد فى اليوم ثلاثين درهما، وكذلك كانت مكاسب أرباب الصنائع، واكتفوا بذلك مدة الغلاء، وأصيب جماعة كثيرون ممن ربح فى الغلال، من الأمراء، والجند، وغيرهم، مدة الغلاء، إما فى نفسه وإما فى ماله؛ فلقد كان لبعضهم ستمائة أردب باعها، سعر كل أردب مائة وخمسون درهما، بل بعضها باعه بأزيد، فلما ارتفع السعر عما باع به، ندم على بيعه الأول حيث لم ينفعه الندم، فلما صار إليه ثمن الغلال أنفق معظمه فى عمارة زخرفها، وبالغ فى تحسينها، حتى إذا فرغ منها، وظن أنه قادر عليها، أتاها أمر ربها فاحترقت، وأصبحت لا ينتفع بها أصلا.

стр. 1788

مطلب أول وزن الفلوس ولما ضربت الفلوس، لعبت الناس فيها، فنودى أن يستقر الرطل منها بدرهمين، وزنة الفلس درهم، وهذا أول وزن الفلوس. واشتد ظلم الوزير الصاحب فخر الدين الخليلى (١)، لتوقف أحوال الدولة من كثرة الكلف، فأرصد متحصل المواريث للغداء والعشاء، وأخذ الأموال الموروثة-ولو كان الوارث أبا أو ابنا-فإذا طالبه الوارث بما يستحقه، كلفه إثبات نسبه واستحقاقه، فلا يكاد يثبت ذلك إلا بعد عناء طويل ومشقة، فإذا تم الإثبات أحاله على المواريث. وهكذا كان يفعل بتركة كل من مات، فتضجر الورثة من الطلب، فتترك المطالبة واشتد الأمر على التجار، لرمى البضائع بالأثمان الزائدة، والقيم الكثيرة، وكثرت المصادرات، وعظم الأمر، واشتد الجور على أهل النواحى، وحملت التقاوى السلطانية من الضياع، واشتد الأمر على أهل دمشق ونابلس وبعلبك وغيرها، فكانت تلك الأيام فى/ غاية الشدة. وهذا كله، وجدته مسطورا برسالة المقريزى، ونقلت بعضه حرفيا، ليعلم القارئ فظاعة تلك الأيام، وسوء تدبير حكامها. ولم تنته الشدة على أهل مصر، بانتقال الملك من الدولة الأيوبية إلى التركية، بل زادت زيادة فاحشة أضرت بالبلاد والعباد، واستمر ذلك إلى عهد قريب منا. وفى جميع هذه المدد، كان القحط والوباء متعاقبين، وحصل منهما خراب البلاد فى الأقاليم البحرية. وهاك بيان مما حدث منهما، فى الأقطار المصرية إلى سنة ١٢١٣، التى كان فيها دخول الإفرنج ديار مصر.

стр. 1789

سنة ٦٩٤: حصل طاعون وقحط، وفتن وحرب، فى زمن محمد بن قلاوون، الملقب بالملك الناصر. سنة ٧٤٨: حدث وباء شديد فى زمن السلطان حسن، وهلك فيه كثير من الناس. سنة ٨٤٢: حدث وباء عظيم فى زمن جكمك، الملقب بالملك الظاهر. سنة ١٠٠٧: حدث طاعون عظيم، وقحط أليم، فى زمن على باشا السلحدار. سنة ١٠٢٧: حدث طاعون شديد، فى زمن الوزير جعفر باشا، فخربت البلاد، وأقام أربعة أشهر، وكان أغلب من يموت عمره من ١٥ إلى ٢٥ عاما، وعدد من مات فيه ٦٠٠٠٠٠ نفس. سنة ١٠٢٨: حصل غرق عظيم، تلاه وباء أليم، وقحط مهين. سنة ١٠٢٩: حصل غلاء ووباء شديدان، فى زمن إبراهيم باشا. سنة ١٠٣٤: طغى النيل، وخافت الناس الغرق والقحط، ولكن الله سلم، وزرعت الناس، وأخصب الزرع، لكن حدث وباء. سنة ١٠٣٥: مات أكثر من ٣٠٠٠٠٠ نفس من القاهرة. ولتسكين روع الخلق، حرّج الباشا على الصياح، فكان الميت يمر بالحارة ولا يسمع به، وكان الباشا يستحوذ على التركات. سنة ١٠٣٩: جاء سيل عظيم إلى مكة المشرفة، فخرب أغلبها، وهدم حوائط الكعبة، فكتب السيد مسعود-شريف مكة المشرفة-إلى الباشا والى مصر، ومن طرفه كاتب الآستانة، فأمر ببناء الكعبة، وأرسل من مصر جميع ما يلزم من عملة ومهمات، وصرف على ذلك مائة ألف قرش، وقرش ذاك الوقت، يعدل أربع فرنكات. سنة ١٠٤٩: قصّر النيل فزادت الأسعار، وتلاه وباء، وكثر السارقون وقطاع

стр. 1790

الطريق، فكان لا تمضى ليلة إلا وتنهب فيها حارة من الحارات، وذلك زمن الوزير مصطفى باشا البوستانجى. سنة ١٠٥٠: فى زمن منصور باشا، حصل طاعون لم يسمع بمثله، وكان ابتداؤه ببولاق، ولم يظهر بالقاهرة إلا بعد شهرين، والذين ماتوا وصلى عليهم ٩٠٠٠٠٠ نفس، كما قال ابن أبى السرور، وكثر الموت، حتى صارت الموتى تدفن بدون صلاة، وخرب بهذا الطاعون ٢٣٠ بلدة من الجهات البحرية. وفى سنة ١٠٦٠: قصّر النيل ولم يبلغ غير ستة عشر ذراعا، فشرق ثلث الأراضى القبلية، ولم يرو غالب أرض الوجه البحرى، وعلا السعر علوا فاحشا، وتعطلت الأموال الميرية، وكثرت المظالم، وفشا النهب. ثم من سنة ١٠٦٣ إلى سنة ١١١٢: تبادل على حكومة مصر ٢٢ من الباشاوات، فكان الأمر بين قتل ونهب، ولم أعثر على أمر يخص الأهالى. سنة ١١٤٢: حصل طاعون شديد، يعرف فى كتب الإفرنج: بطاعون كاوى، وذلك زمن شياخة ذى الفقار على القاهرة، ولم أر أعظم منه. وسبب تسميته بهذا الاسم-على ما ذكر المؤرخون-أن فقيرا زنجى الأصل، كان يجرى فى الحارات، وينادى. كاوى كاوى، وبعد ذلك رمى نفسه فى النار فمات. ثم حدث طاعون زمن شياخة عثمان بيك، واستمر مدة مع قحط شديد، ولكن تدارك عثمان بيك أمر الناس، فلم يحصل لهم كبير عناء. ومن بعد هذا التاريخ حصلت حروب متوالية، وفتن على سوقها قائمة متتابعة لا تنقطع، لا داخلا ولا خارجا. سنة ١٢٠٥: حدث طاعون فظيع سماه أهل مصر: طاعون إسماعيل بيك، وذكر المؤرخون أنه لم يحصل مثله فى الأيام السابقة، فإنه كان يموت بالقاهرة-كل يوم-زيادة عن
следующие страницы →