← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وأجدبت مكة، فبلغ أردب القمح بها تسعمائة درهم، والشعير سبعمائة، فرحل أهلها حتى لم يبق بها من الناس إلا اليسير. وعدم القوت ببلاد اليمن، وكثر بها الوباء، فباعوا أولادهم، واشتروا بهم قوتا، وفروا إلى حلل بنى يعقوب، فتلاقوا مع أهل مكة، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، فأفناهم الجوع جميعا، ما عدا طائفة قليلة. وحصل القحط ببلاد المشرق، وفنيت دوابهم، وهلكت مراعيهم، وأمسك المطر عنهم. واشتد الأمر بمصر، وكثر بها الناس من الآفاق، فعظم الجوع حتى كان الخبز ينهب من المخبز والحوانيت، وكان العجين-إذا خرج به صاحبه ليخبزه-نهب قبل أن يصل، فكان لا يصل إلا إذا كان معه عدة يحمونه من النهابين … ومع ذلك، فكان من الناس من يلقى نفسه عليه ليأخذ منه بلا مبالاة، بما أصابه من ضرر الضرب. فلما تجاوز الأمر حده، أمر السلطان بجمع الفقراء وذوى الحاجات، وفرقهم على الأمراء، فأرسل إلى أمير المائة مائة، وإلى أمير الخمسين خمسين، حتى وزع على أمير العشرة عشرة، فكان منهم من يطعم من خصه من الفقراء ثريد لحم البقر، ومنهم من يعطى كل واحد رغيفين، ومنهم من يعطى كعكا، ومنهم من يعطى رقاقا، فخف ما بالناس. ولكن عظم الوباء فى الأرياف، وفشت الأمراض بالقاهرة ومصر، وعظم الموتان، وكثرت طلبة الأدوية، حتى أن عطارا بباب حارة الديلم، باع فى شهر واحد باثنين وثلاثين ألف درهم، وبيع من حانوت شخص، يعرف بالشريف عطوف، من سوق السيوفيين، بمثل ذلك، وكذلك حانوت بالوزيرية، وآخر خارج باب زويلة، باع أيضا بمثل ذلك. وطلبت الأطباء، وبذلت لهم الأموال، وكثر ما تحصلوا عليه، فكان الواحد منهم يكتسب فى اليوم الواحد مائة درهم. ثم أعيا الناس كثرة الموتى، حتى بلغت عدة من يصل اسمه الديوان السلطانى-فى اليوم الواحد-ما يزيد عن ثلاثة آلاف.

стр. 1787

وأما الطرحى، فلم يحص عددهم بحيث ضاقت بهم الأرض، وحفرت لهم حفر وآبار. وألقوا فيها، وجافت الطرق والنواحى والأسواق، وكثر أكل لحم بنى آدم-خصوصا الأطفال-فكان يوجد عند رأس الميت لحم ابن آدم الميت، ويمسك بعضهم فيوجد معه كتف طفل، أو فخذه، أو شئ من لحمه. وخلت الضياع من أهلها، حتى أن القرية التى كان بها مائة نفس، لم يوجد بها غير نحو عشرين، وأغلبهم يوجد ميتا فى مزارع الفول، لا يزال يأكل منه حتى يموت، ولا يستطيع الحرّاس ردّهم لكثرتهم. ومع ذلك وجد المحصول-بعد الحصاد-أضعاف المعتاد. ولقد كان للأمير فخر الدين ألطنبغا المساحى، من جملة زرعه مائة فدان من الفول، لم يمنع أحدا من الأكل منها فى موضع الزرع، ولم يمكّن أحدا أن يحمل منها شيئا زيادة عن أكله، فلما كان أوان الدرس خرج بنفسه، وقف على أجران المائة فدان المذكورة، فإذا تل عظيم من القشر الذى أكلت حبه الفقراء، فطاف به وفتشه، فلم يجد فيه من الحب شيئا، فأمر به أن يدرس لينتفع بتبنه، فلما درس جاء منه سبعمائة وستون أردبا، فعدّ ذلك من بركة الصدقة، وفائدة أعمال البر، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. وكثرت أرباح التجار والباعة، وازدادت فوائدهم، فكان الواحد من الباعة يستفيد فى اليوم ثلاثين درهما، وكذلك كانت مكاسب أرباب الصنائع، واكتفوا بذلك مدة الغلاء، وأصيب جماعة كثيرون ممن ربح فى الغلال، من الأمراء، والجند، وغيرهم، مدة الغلاء، إما فى نفسه وإما فى ماله؛ فلقد كان لبعضهم ستمائة أردب باعها، سعر كل أردب مائة وخمسون درهما، بل بعضها باعه بأزيد، فلما ارتفع السعر عما باع به، ندم على بيعه الأول حيث لم ينفعه الندم، فلما صار إليه ثمن الغلال أنفق معظمه فى عمارة زخرفها، وبالغ فى تحسينها، حتى إذا فرغ منها، وظن أنه قادر عليها، أتاها أمر ربها فاحترقت، وأصبحت لا ينتفع بها أصلا.

стр. 1788

مطلب أول وزن الفلوس ولما ضربت الفلوس، لعبت الناس فيها، فنودى أن يستقر الرطل منها بدرهمين، وزنة الفلس درهم، وهذا أول وزن الفلوس. واشتد ظلم الوزير الصاحب فخر الدين الخليلى (١)، لتوقف أحوال الدولة من كثرة الكلف، فأرصد متحصل المواريث للغداء والعشاء، وأخذ الأموال الموروثة-ولو كان الوارث أبا أو ابنا-فإذا طالبه الوارث بما يستحقه، كلفه إثبات نسبه واستحقاقه، فلا يكاد يثبت ذلك إلا بعد عناء طويل ومشقة، فإذا تم الإثبات أحاله على المواريث. وهكذا كان يفعل بتركة كل من مات، فتضجر الورثة من الطلب، فتترك المطالبة واشتد الأمر على التجار، لرمى البضائع بالأثمان الزائدة، والقيم الكثيرة، وكثرت المصادرات، وعظم الأمر، واشتد الجور على أهل النواحى، وحملت التقاوى السلطانية من الضياع، واشتد الأمر على أهل دمشق ونابلس وبعلبك وغيرها، فكانت تلك الأيام فى/ غاية الشدة. وهذا كله، وجدته مسطورا برسالة المقريزى، ونقلت بعضه حرفيا، ليعلم القارئ فظاعة تلك الأيام، وسوء تدبير حكامها. ولم تنته الشدة على أهل مصر، بانتقال الملك من الدولة الأيوبية إلى التركية، بل زادت زيادة فاحشة أضرت بالبلاد والعباد، واستمر ذلك إلى عهد قريب منا. وفى جميع هذه المدد، كان القحط والوباء متعاقبين، وحصل منهما خراب البلاد فى الأقاليم البحرية. وهاك بيان مما حدث منهما، فى الأقطار المصرية إلى سنة ١٢١٣، التى كان فيها دخول الإفرنج ديار مصر.

стр. 1789

سنة ٦٩٤: حصل طاعون وقحط، وفتن وحرب، فى زمن محمد بن قلاوون، الملقب بالملك الناصر. سنة ٧٤٨: حدث وباء شديد فى زمن السلطان حسن، وهلك فيه كثير من الناس. سنة ٨٤٢: حدث وباء عظيم فى زمن جكمك، الملقب بالملك الظاهر. سنة ١٠٠٧: حدث طاعون عظيم، وقحط أليم، فى زمن على باشا السلحدار. سنة ١٠٢٧: حدث طاعون شديد، فى زمن الوزير جعفر باشا، فخربت البلاد، وأقام أربعة أشهر، وكان أغلب من يموت عمره من ١٥ إلى ٢٥ عاما، وعدد من مات فيه ٦٠٠٠٠٠ نفس. سنة ١٠٢٨: حصل غرق عظيم، تلاه وباء أليم، وقحط مهين. سنة ١٠٢٩: حصل غلاء ووباء شديدان، فى زمن إبراهيم باشا. سنة ١٠٣٤: طغى النيل، وخافت الناس الغرق والقحط، ولكن الله سلم، وزرعت الناس، وأخصب الزرع، لكن حدث وباء. سنة ١٠٣٥: مات أكثر من ٣٠٠٠٠٠ نفس من القاهرة. ولتسكين روع الخلق، حرّج الباشا على الصياح، فكان الميت يمر بالحارة ولا يسمع به، وكان الباشا يستحوذ على التركات. سنة ١٠٣٩: جاء سيل عظيم إلى مكة المشرفة، فخرب أغلبها، وهدم حوائط الكعبة، فكتب السيد مسعود-شريف مكة المشرفة-إلى الباشا والى مصر، ومن طرفه كاتب الآستانة، فأمر ببناء الكعبة، وأرسل من مصر جميع ما يلزم من عملة ومهمات، وصرف على ذلك مائة ألف قرش، وقرش ذاك الوقت، يعدل أربع فرنكات. سنة ١٠٤٩: قصّر النيل فزادت الأسعار، وتلاه وباء، وكثر السارقون وقطاع

стр. 1790

الطريق، فكان لا تمضى ليلة إلا وتنهب فيها حارة من الحارات، وذلك زمن الوزير مصطفى باشا البوستانجى. سنة ١٠٥٠: فى زمن منصور باشا، حصل طاعون لم يسمع بمثله، وكان ابتداؤه ببولاق، ولم يظهر بالقاهرة إلا بعد شهرين، والذين ماتوا وصلى عليهم ٩٠٠٠٠٠ نفس، كما قال ابن أبى السرور، وكثر الموت، حتى صارت الموتى تدفن بدون صلاة، وخرب بهذا الطاعون ٢٣٠ بلدة من الجهات البحرية. وفى سنة ١٠٦٠: قصّر النيل ولم يبلغ غير ستة عشر ذراعا، فشرق ثلث الأراضى القبلية، ولم يرو غالب أرض الوجه البحرى، وعلا السعر علوا فاحشا، وتعطلت الأموال الميرية، وكثرت المظالم، وفشا النهب. ثم من سنة ١٠٦٣ إلى سنة ١١١٢: تبادل على حكومة مصر ٢٢ من الباشاوات، فكان الأمر بين قتل ونهب، ولم أعثر على أمر يخص الأهالى. سنة ١١٤٢: حصل طاعون شديد، يعرف فى كتب الإفرنج: بطاعون كاوى، وذلك زمن شياخة ذى الفقار على القاهرة، ولم أر أعظم منه. وسبب تسميته بهذا الاسم-على ما ذكر المؤرخون-أن فقيرا زنجى الأصل، كان يجرى فى الحارات، وينادى. كاوى كاوى، وبعد ذلك رمى نفسه فى النار فمات. ثم حدث طاعون زمن شياخة عثمان بيك، واستمر مدة مع قحط شديد، ولكن تدارك عثمان بيك أمر الناس، فلم يحصل لهم كبير عناء. ومن بعد هذا التاريخ حصلت حروب متوالية، وفتن على سوقها قائمة متتابعة لا تنقطع، لا داخلا ولا خارجا. سنة ١٢٠٥: حدث طاعون فظيع سماه أهل مصر: طاعون إسماعيل بيك، وذكر المؤرخون أنه لم يحصل مثله فى الأيام السابقة، فإنه كان يموت بالقاهرة-كل يوم-زيادة عن

стр. 1791

ألف نفس، وتغيرت الحكام فى اليوم الواحد أربع مرات من هوله وشدته؛ فإنه كان يتعين الحاكم منهم فيموت من يومه، فيتعين بدله، وهكذا. ومات فيه إسماعيل بيك وأهل بيته، وذريته وأتباعه، وخلا بيته مرة واحدة. وتلا ذلك قحط شديد، وغلاء عظيم لم ير مثله؛ بسبب أن إبراهيم بيك، ومراد بيك احتكرا غلال الصعيد، وصارا يتجران فيها فى الخارج. هذا، ولم أذكر من حوادث تلك الأيام غير المهم منها، وإلا فما تركته أكثر مما ذكرته. والآن قد أزال الله جميع ذلك، وخلصنا من مهاوى هاتيك المهالك، حتى صرنا لا نسمع به، فلأى سبب كان يوجد فى الماضى، ولأى سبب لم يوجد الآن؟ ولأى شئ لم يكثر فى أرض مصر زمن الفراعنة، ومن أتى بعدهم، وفشا فى مدة العرب ومن عقبهم؟ وكيف بعد أن كان تعداد أهالى مصر ثمانية ملايين-كما قال استرابون-وقبلهم، صار يتناقص حتى وصل لثلاثة ملايين، حين دخول الفرنسيس؟ وكيف انتقل حتى صار الآن خمسة ملايين، ولم يزل يزداد سنة فسنة، فهل يعرف لذلك سبب غير سوء التدبير، والجهل بسياسة أمور الأمة فى تلك الأزمان؟ وزال ذلك كله والحمد لله فى الأزمان الحالية، فإنا نعلم أن الطاعون كان يظهر فى القطر كل خمس أو أربع سنين/مرة، والآن ذهب من أصله، بسبب ترتيب مجالس الصحة، وإزالة الأمور الضارة: كالبرك والمعاطن، وإحكام المدافن، واختيار المقابر فى المواضع اللائقة؛ خصوصا حين ابتدئ فى تلقيح الجدرى للأطفال، فخلص منه كثير، وأخذ تعداد الأمة يزداد كل سنة، مع أنه كان فى السابق يموت الأغلب ويبقى القليل. وكذلك لو سردنا الأمراض التى كانت قاطنة ببيوت الأهالى، تحصد فيهم حصد الزرع، لوجدنا أن أغلبها ذهب، ونجى الله الخلق منه، وليس هناك سبب، غير عناية الحكومة المحمدية العلوية، وتوفيق الله إياها لإجراء ما يصلح العباد، فكم من مرة مررت-

стр. 1792

وأنا صغير-بطرق القاهرة، وكنت أفزع من النظر للمبتلين والمجذومين المنتشرين فى أزقة البلد والطرقات، فانظر ما الذى صار، حتى أنا لا نرى منهم الآن أحدا؟، هل لذلك سبب غير ضبطهم ومعالجتهم بالمستشفى المنتظم فى كل بندر ومدينة، فمن يمر الآن فى أزقة القاهرة لا يرى شيئا مما ذكره أحد السياحين: من أنه رأى فى العشرة من أهل مصر ثمانية، ما بين أعمى وأعور، أو على عينه نقطة، أو به رمد، فهل ينبغى لنا تكذيب السياح المذكور؟ بل الذى نقوله: إن الناس تشبثت بمعالجة أمراض العيون، وكثر الكحّالون، واتبعت طرق تلطفت بها أمراض العيون. ولا ينكر أحد ما كانت الناس تعانيه فى الأرياف من أمر معالجة المرضى، فإنه كان يندر وجود طبيب بالجهات البحرية، وكان أمر المعالجة موكولا للحلاقين وعجائز النساء، أما الآن فقد صار بكل مديرية إسبتالية، وأجزاخانة، وأطباء، وتمرجية، وبكل قسم طبيب. فمن ذلك الترتيب الحسن صفا الهواء من العفونات، التى كان يحملها من مناقع الماء والبرك والمعاطن، وتخلص أهل القرى من القاذورات، ونظفت أماكنهم، وأجروا بين مزارعهم ترعا وأنهارا، وغرسوا أشجارا، فما يزرع الآن بأرض مصر أكثر مما كان يزرع بها زمن البطالسة والرومانيين؛ فإن الأصناف المعتادة أخذت فى الزيادة، باتساع أسباب دائرة النموّ والفائدة: كالإكثار من الجداول والأنهار والجسور والمساقى، التى أوصلت مياه النيل إلى أطراف أراضى البلاد جميع فصول السنة، وكانت-قبل-لا تصلها إلا نادرا، وذلك كله ليس إلا من وجود المهندسين، وتفننهم فى رىّ ما كان يتعسر أو يتعذر ريه، فكان النيل وقت فيضانه لا يعم البلاد، مع أنه يغرق بعضها، ووقت النقصان تحرم منه. فمن ينظر إلى حسن سير ولاتنا فى هذه الأزمان وسير الولاة السابقين، يجد أنا وصلنا الآن إلى درجة عظيمة فى الثروة، صرنا بها من ضمن الأمم المتمدنة؛ خصوصا بالتفات الخديو إسماعيل، فإنه بذل مجهوده فى توسيع دائرة المنافع العامة، وهذا بخلاف ما كانت عليه الحكام فى الأزمان الماضية، التى ذكرتها لك آنفا.

стр. 1793

ولنورد لك أنموذجا لتكون على بصيرة فى أمور الولاة، بحيث إذا حكمت لهم وعليهم بشئ يكون حكمك عن تصوّر، فإن الحكم على الشئ فرع عن تصوّره فنقول: إنه فى سنة ٩٧١ من الهجرة، كان الوالى على مصر على باشا الصوفى، فبدلا عن أن يحضر إليها، ويولى أمورها من شاء من أمرائها وأهلها، أحضر معه جملة من حلب، ووظفهم فى قبض الأموال وضرب النقود، فنزل سعر العملة من كثرة الغش الداخل فى العيار، وضرر ذلك لا يخفى. وفى زمنه كثر السارقون وقطاع الطريق، لا سيما حول القاهرة، فاضطر إلى بناء حائط من قنطرة الحاجب إلى الجامع الأبيض، خوفا من السارقين والأشرار أن يدخلوا البلد، فإنهم كانوا لا يكترثون بشئ، لا ليلا ولا نهارا. وتولى بعده على مصر محمد باشا، وكان مشهورا بالظلم وسفك الدماء، فكان لا يمشى فى البلد إلا ومعه الطوباش؛ أى الوالى، فيقتل بذنب وغير ذنب، فمتى أشار إلى أحد وقعت رأسه، وكان له جواسيس تخبره عن أصحاب الثروة وأرباب الأموال، فيحبسهم ويطلب منهم مبالغ يقرّرها عليهم، وينوع لهم العذاب حتى يسليهم أموالهم، واستعمل المصادرة وضرب الجرائم. وفى سنة ١٠٠٧، كان الوالى على مصر الوزير على باشا السلحدار، وكان أيضا غشوما ظلوما سفاكا للدماء، لم يعهد أنه خرج فى البلد مرة ورجع إلى بيته بدون سفك دم؛ فإنه كان يقتل العشرة أو الأكثر ثم يدوس رممهم بفرسه ليعتاده. وكان يأمر بترك القتلى فى الطرق الأيام العديدة. وفى زمن الوزير حسين باشا، المتولى على مصر سنة ١٠٤٤، كثر الظلم، وفشا الغدر حتى صار يضرب به المثل، ولما حضر أحضر معه جملة من الدروز، ثم سلطهم على نهب الأموال، فكانوا يدورون فى البلد، وينهبون الأموال جهارا، حتى أغلق الناس حوانيتهم، وتعطلت الأسواق، وقل الأمن فى جميع الرعية على المال والنفس.

стр. 1794

وتفنن ذلك الباشا فى جوره، واستحوذ على نقود التركات، فكان أكثر من يقتله يستولى على ماله، ووضع يده على إيراد الأوقاف، ومرتبات الأرامل والفقراء. ولنقتصر على ذلك لئلا يطول الكلام، ونخرج عما نحن بصدده، فمن أراد استيفاء أحوال تلك الأزمان، فعليه بملخص تاريخها فى آخر هذا الكتاب؛ ليعلم أن جميع الباشوات الذين تولوا/مصر كان مطمح نظرهم، ومسرح فكرهم الحصول على المال، بدون التفات إلى أحوال الخلق، وقلّ من وجه منهم نظره لهذا الأمر. وأيضا لو فرض أن لبعضهم رغبة وميلا لفعل الخير، لا يتيسر له ذلك لأمور منها: أن القوانين فى تلك الأيام كانت موكولة إلى الديوان العالى، لا استقلال للولاة بشئ منها، فلم يكن لهم من الحكم إلا الاسم. ومنها: أن البلد كانت بيد أمرائها ومشايخها، فمن وافقهم أحبوه وأبقوه، ومن خالفهم عزلوه ونفوه. ومنها: أنه كان كل من يأتى إلى مصر من الولاة لا يستغنى عن بطانة من الآستانة، وتكون له مستندا يستند إليها فى أوقات شدته، فكان مضطرا إلى مواساة بطانته، فمن أين يتحصل على ذلك-بل على مؤنته-لو لم يتملق إلى كل من كان له فى البلد كلمة؛ ولو اشتهر بالفجور أو كان أحد الظلمة. ومنها: ما استقر فى أذهان ولاة ذلك الزمان، وربما شاهدوه بالعيان. أن الوالى قد يولى فلا يصل إلى ديوانه، إلا وقد لحقه الأمر بعزله ورجوعه إلى مكانه، فلذلك كان من يلى مصر لا يستقر، ولا يهدأ له سر، حتى يدور مع الأيام حيث دارت، ويوافق أعيان البلد فى كل ما به عليه أشارت، ويداهن العدوّ والحبيب، ويجامل البعيد والقريب، ليطمئن على وظيفته، ويحصل على ما يلزم لمؤنته. وهناك ما هو أدهى من ذلك كله؛ وهو علمه بأن روحه بيد البيكوات الذين كانوا

стр. 1795

بمصر وقتئذ إذ كان من عوائدهم أنهم إذا غضبوا على وال أرسلوا له من يهدده، فإن رجع إلى رأيهم ووافقهم على أغراضهم، وإلا أرسلوا له الطوباش فيذهب إليه فى هيئة غير معتادة راكبا حمارا، فإذا رآه العامة بهذه الحالة عرفوا ما هو بصدده، واجتمعوا حوله وتبعوه إلى القلعة، فيكون لهم هناك ضجيج وغوغاء، فإذا أدخل على الوالى قبّل الأرض بين يديه، ثم سلمه الأمر، وطوى طرفى البساط الذى هو جالس عليه، فيقوم من فوره وينزل إما إلى منزله، أو السجن أو القتل. فكان كل من ولى مصر من هذا القبيل. ولا ينجو منهم من يد البيكوات ومشايخ البلد إلا القليل، لأنه إن أرضى البيكوات أغضب الدولة، وإن أرضى الدولة أغضب البيكوات، وإن أرضاهما أغضب الأهالى. ولا تسل عما يكون خلال ذلك مما يغضب المولى- ﷻ -فأين ما كان فى ذاك الزمان مما نراه الآن، فقد أمن الخلق، واتسعت أسباب الرزق-خصوصا أيام أفندينا إسماعيل-وفقه الله لكل أمر جليل جميل. المدة السابعة ٢٠٢ سنة من ذاك الزمن نزلت مدينة الفسطاط عن درجتها، وانحط قدر مدينة الإسكندرية انحطاطا كليا، وانفردت مدينة القاهرة بما كان لهاتين المدينتين من المزايا العلمية والسياسية، وصارت تتزين بالمبانى الفاخرة، إلى أن حصل حرب الصليب فى منتصف القرن الحادى عشر، الذى بعده اختلطت الأورباويون بالمشرقيين، وظهر صلاح الدين سنة ١١٧١. فإنه فى القرن الحادى عشر من الميلاد، كانت أوروبا فى أرض الخمول، ولا دخل للمعقول فى أحوالها، وكانوا جميعا فى انقياد تام للديانة، تقتبس طباعها وأخلاقها وإدارة

стр. 1796

أحوالها من رجالها، وكانت كلمة القسوس هى الكلمة النافذة، لا يخالفها الملك ولا أحد من الرعية. ولما اتسعت دائرة الإسلام وتتابع نصره وتمكن ببلاد المشرق، انحصر النصارى ببلاد المغرب، وكانت أهالى القسطنطينية-حينئذ-على وجل من قيام الساعة، لا يتكلم فى مجالسهم إلا بقربها فمنهم من ينسبه إلى طوفان عام، ومنهم من ينسبه إلى حريق عام. وكانوا جميعا قائلين بزوال هذا العالم، موجهين أفكارهم نحو الديانة، طالبين من الله الرحمة. ثم قصدوا بيت المقدس-من كل ناحية-وفيهم رجل فرنساوى اسمه عندهم (بيراى الحجر) فتردد على بطرق بيت المقدس مرارا واتفق معه على أن يوصل مكاتيب يكتبها للبابا وملوك أوربا: أن يتعاهدوا على طرد المسلمين من القدس، فتوجه إلى البابا وعرض عليه الكيفية فاستحسنها. وفى سنة ١٠٥٥ حصل الاتفاق من كبار الديانة على محاربة المسلمين، ولما أعلنوا بالحرب صارت الناس تطلب الدخول فى المجاهدين تطوّعا منهم، وباع أغلب الناس ما يملكه ليصرفه فى سبيل الله. مطلب حرب الصليب ثم لما جاءوا وتصادموا مع المسلمين، نجحوا أول مرة ونصروا على المسلمين، واستولوا على بيت المقدس، وانتصب (جودفروى) -أحد الرؤساء-على أرض القدس وذلك سنة ١٠٩٩. ثم طمع النصارى فى المسلمين، ورغبوا فى الاستيلاء على باقى بلاد الإسلام؛ لضعف الخلفاء وتساهلهم فى حفظ البلاد وذلك مدة العباسيين والفاطميين فقام (أمورى الأول) -

стр. 1797

ملك القدس-وقصد الديار المصرية سنة ١١٦٨ بجيش عظيم، واستولى على بلبيس، وتوجه نحو القاهرة، فصالحه الخليفة العاضد رغم أنفه؛ لعجزه عن المدافعة، وقرر على نفسه مليونا من الدنانير، ورغب الدخول فى المدينة للحصول على الدراهم، فخاف أهل القاهرة خوفا شديدا، فاتفق أمراء الدولة مع الخليفة على أن يحرروا مكاتيب إلى الملك نجم الدين (١)، يطلبون منه النجدة، فأرسل لهم صلاح الدين على جيش عظيم، وكان صلاح الدين حاز شهرة عظيمة فى محاربة نور الدين مع النصارى، لكن/بعد قدومه بالعسكر، رأى العاضد أن إبعادهم عن مصر خير له، فتمّم أمر المصالحة مع النصارى، وصرف الجميع عن بلاده، ثم اضطر ثانيا إلى طلب المعونة من نور الدين؛ لأن (أمورى) وملك القسطنطينية كانا اتحدا معا، وأرسلا جيشا عظيما فى البحر إلى ثغر دمياط، فأرسل له نور الدين، صلاح الدين يوسف، فلما حضر ثانيا جلاهم عن الديار المصرية بعد محاصرة دمياط شهرين، فكافأه العاضد على ذلك؛ بجعله أكبر وزرائه ورئيس جيوشه، ولقبه بالملك الناصر. فلم يكتف بذلك صلاح الدين، بل أخذ يبدى ما هو كامن فى ضميره، وما أسرّ إليه سيده. وأول شئ أظهره إبطال اسم الخليفة الفاطمى من الخطبة، وتعويضه باسم الخليفة العباسى الثالث والثلاثين من بنى العباس، وإكرام من بقى من نسل العباسيين الذين بمصر، فخصهم بجميع مزايا الأبهة والشرف-فى الأمور الدينية فقط -وبقيت لهم هذه المزايا فيما بعد، ومن ذاك الحين صار لا يسمع بذكر شيعة علىّ وجعلت الإمامة للشافعية. وفى أثناء جميع تلك التغيرات، كان العاضد مريضا ثم مات، فاغتنم صلاح الدين فرصة موته، وجعل الملك باسم سيده، ومحا ذكر الفاطميين من الديار المصرية، واستولى على أموالهم وذخائرهم.

стр. 1798

مطلب استقلال صلاح الدين بالحكومة المصرية وبعد ذلك رأى فى نفسه القدرة على الاستقلال فاستقل بحكومة مصر، وأسس بها العائلة الأيوبية. ومات نور الدين سنة ١١٨٣، فطمع فى مملكته، وأغار عليها، واستحوذ عليها جميعها، وجرد أولاد سيده نور الدين من ملك أبيهم. ثم فى سنة ١١٨٨ توجه إلى بلاد القدس وحاصرها، وتغلب عليها، وطرد ملكها منها، وسطا على ملك النصارى بالبلاد الشامية وبلاد فلسطين، وجلاهم عنها، وشاع ذكره، واشتهر أمره ببلاد أوروبا والمشرق، وخافه الخلق أجمعون؛ لشهامته وحسن تدبيره ونظره فى الأمور. وهو الذى لهج المؤرخون بمدحه، من بين من جلس على تخت هذه الديار قبله وبعده، ومع ذلك لما مات لم يوجد فى خزائنه إلا سبعة وأربعون درهما ودينار واحد، ولم يخلف ملكا ولا عقارا، ولكن لا تخفى فعلته التى فعلها بسيديه الأول: نور الدين وأولاده، والثانى: العاضد وأولاده، لأنه لما توفى العاضد، استحوذ على القصر بما فيه من نفائس الأموال، واعتقل أقاربه من نساء ورجال، ومنعهم عن نسائهم لئلا يتناسلوا، ولكن أين صاحب فضل لم يغلب عليه الطمع؟ ومن ذا الذى ترضى سجاياه كلها؟. ثم مات سنة ١١٩٣، فقسمت دولته بين ولديه العزيز والأفضل، وعلت كلمة الأيوبية فى الديار المصرية. ولكنها لم تبق على ذلك إلا زمنا يسيرا، فالذى كان على تخت مصر من أولاده هو الملك العزيز، وأما الملك الأفضل فكان على الديار الشامية، والأول مات ولم يترك ذرية، فصار الأفضل على الولايتين، وجعل تخت ملكه القاهرة، ولم تطل مدته بل طرده عمه الملك العادل وقام مقامه.

стр. 1799

وهو الذى لجماله عشقته أخت (رتيشارد) وكان حصل الاتفاق بين صلاح الدين وأخيها على زواجها به، لكن توقف المسلمون. ومن ذاك العهد صارت أولاده تتوارث ملكه إلى زمن الملك الصالح الملقب بنجم الدين. ثم حصلت وقعة سنلويز المشهورة، وهاك بعض تفاصيلها. مطلب وقعة سانت لويز (١) المشهورة فى سنة ١٢٤٤، حصل لجيش النصارى-فى ضواحى غزة-هزيمة عظيمة، وصل خبرها بلاد النصرانية، فأمر البابا بانعقاد مجلس من أمراء الروحانيين، وذلك سنة ١٢٤٥، فانحط الرأى على تجريدة سابقة (٢) على المسلمين. وفى تلك المدة كان ملك قسطنطينية، وملك ألمانيا، وملك إيطاليا فى ارتباك تام، فلم يمكنهم أن يرسلوا جيشا، فانفرد بهذا الأمر ملك فرنسا، فجمع العساكر ووكل على المملكة والدته سنة ١٢٤٨، وسار بهم فى البحر، وكان معه إخوته الثلاثة وجميع رؤساء دولته. وفى شهر سبتمبر وصل جزيرة رودس، فأقام هناك إلى فصل الصيف من السنة القابلة، وهى سنة ١٢٤٩، ثم قام فوصل دمياط بعد خمسة عشر يوما، فاغتنم الصالح نجم الدين الفرصة، وحصّن مدينة دمياط، وجمع ما يلزم من السلاح، والذخيرة، والرجال، وجعل على الساحل جيشا من الخيالة رئيسهم فخر الدين؛ لمنع النصارى من الخروج إلى البر، وأغلق بوغاز النيل. ومع هذا، فقد هجمت النصارى وخرجت، وانهزم فخر الدين بمن معه، ودخل دمياط مرعوبا فاغتّم الأهالى والعسكر ففروا هاربين منها، فدخلها الفرنسيس بدون ممانع، واستحوذوا على ما فيها.

стр. 1800

ولولا غفلة الفرنسيس عن اتباع أثر المنهزمين لدخلت مصرفى قبضتهم؛ لأنه لم يكن بها حينئذ جيش غير هذا الجيش، ولكن قضى الله بذلك لأمر يعلمه. وأقام الملك ينتظر حضور أخيه بمن معه من العساكر. وأما نجم الدين أيوب، فبعد أن أفاق من دهشته وتفكر فى الأمور، أقام فى مدينة المنصورة، وجعل الاستحكامات فيها بين المدينة والبحر الصغير، وجمع من جميع جهات القطر ما تعظم به القوة، وتتم به المدافعة. وفى أثناء ذلك اشتدّ مرض السلطان ومات، فأخفت زوجته شجرة الدرموته؛ خوفا من فتور همة الجيش عن الحرب، وذلك باتفاقها مع رئيس الجيش عز الدين أيبك، وعقد الكلام بينهما، على أن ذلك الإخفاء يستمر إلى/حضور ولدها الملك-الملقب بطوران شاه- من ديار بكر. ثم حضر جيش النصارى من البر الشرقى إلى البحر الصغير، ورغبوا مجاوزته والعبور عليه، فمنعهم المسلمون من ذلك، ثم دلهم بعض الناس على جهة يخوضونه منها نظير مبلغ ألف فرنك جعلوها له، فساروا إلى ذلك الموضع، فعلم المسلمون بذلك فمانعوهم، واقتتل الفريقان ولم يجد ذلك شيئا، بل جاز جيش النصارى البحر، وساروا حتى دخلوا المنصورة، فدخل أخو الملك داخلها مع جماعة من العسكر، وانفرد عن الجيش فتفرق جمعه، ولكن قيض لهم من جمع شملهم، ولولا ذلك لأخذت مصر وقتها. وفى هذه الواقعة، نزل أهل المنصورة المقبرة الإسلامية، وقاتلوا من دخل المدينة وأفنوهم عن آخرهم، وفيهم أخو الملك، وكان جيش النصارى متفرقا بعضه فى البر البحرى، وبعضه فى البر القبلى، فكان المسلمون ينتهزون الفرصة، ويحاربون هذا الفريق تارة والآخر تارة، ومع ذلك لم يتم النصر لأحد الفريقين فى هذا اليوم. وكانت النصارى زحزحت المسلمين عن معسكرهم، وفى اليوم الثانى حضر طوران شاه وتقلد بأعباء الملك، فاصطدم الفريقان صدمة هلك فيها كثير من الفريقين، ولم يتم الفوز لأحد من الفريقين على الآخر فى هذا اليوم أيضا.

стр. 1801

ثم إن طوران دبر تدبيرا؛ وهو أن يمنع ما يرد إلى جيش النصارى فأرسل خلقا إلى المراكب التى بها مأكلهم، فلحق جيش النصارى من الكرب ما لا مزيد عليه، وهجم عليهم الطاعون والأمراض، فانهزموا فلحقهم المسلمون، فجازوا البحر على قنطرة من خشب كانوا صنعوها على البحر الصغير، فالتقى الفريقان بفارسكور، فاقتتلوا قتالا عظيما، انتصر المسلمون فيه على النصارى، وأسروا ملكهم ومن معه من الرجال والعساكر، وكر المسلمون راجعين إلى المنصورة، فرحين بما أوتوا. وهناك اشترطوا على ملك النصارى شروطا، منها: أنه يخرج من مصر، وأن يسلم نظير فك أسره مائة ألف وزنة من الذهب-والوزنة خمسة ليورا باريزى-. وعلى هذا ذهب جيش النصارى من مصر، وسلم دمياط. ولما وصل ملك النصارى عكا، أرسل ما فرض عليه. وإنما خرجنا عن الموضوع، وأطلنا فى تفصيل حوادث هذه الأوقات؛ ليعرف القارئ ما ورد على الديار المصرية. ومع ذلك فالغارة الأولى التى كانت فى سنة ١٠٩٦، والثانية التى كانت فى سنة ١١٤٨، لم يحصل منهما انتقال لمدينة إسكندرية عما كانت عليه. ثم أنه يقال: إن الفرنساوية كانوا تحت إمرة (أمورى الأول) ملك بيت المقدس، الذى أغار على الديار المصرية وحاصرها، ولم يتمكن منها؛ لمدافعة أهلها عنها وارتد خائبا، كما صار له فى هجومه على القاهرة ودمياط. ثم أنه عقب تلك الغارات هجم صلاح الدين على بلاده فخربها. المدة الثامنة ٧٩ سنة، وهى دولة الأيوبيين والأكراد، التى أعقبت الفاطميين، وكان فى إمكان الفاطميين أن يبقوا الأسباب الموجبة لاضمحلال ملك العباسيين، ويجعلوا العدل أساس

стр. 1802

ملكهم، ويسيروا على منهج الشرع لتتمكن حكومتهم فى الأرض وتبقى، وذلك إنما يكون بتأليف قلوب الأهالى. ولكن لم يلتفتوا لذلك أصلا، بل تبعوا فى سيرهم الخلفاء ببغداد، وأكثروا من الظلم والزهو، واشتغلوا بالمحاورات الدينية، واشتركوا مع العلماء فى المجادلات المذهبية، وأكثروا من العدوان بقصد الحصول على رجال يدخلون فى مذهبهم. وأضلهم الحاكم بأمر الله، الذى ادعى الألوهية، فأشعل النار بالقاهرة للتسلى، فضاق الحال بالخلق، وآل أمر الخلافة الفاطمية إلى ما آلت إليه من الاضمحلال، وضعفت شوكتهم وطمع فى الخلافة المقربون منهم. وفى زمن الخليفة العاضد-آخر سلسلتهم-توعده أحد رؤوس الجيش-وكان قد عزله-بأنه يخليه من الخلافة. فمن خوفه وعدم أمنه على حاشيته وأهله-لكثرة ظلمة استعان بالأجانب، وطلب النجدة من نور الدين ملك حلب، ولم يتفكر فى العاقبة، فأرسل له جيشا فخلصه مما رضى أن يدفعه للإفرنج بعد وقعته معهم فى الشام، ونصره على القائمين عليه من رجاله، وما علم أنه تخلص من عدوّ ضعيف، ووقع فى مخالب من لا طاقة له به. فبهذه الكيفية أنشب صلاح الدين-رئيس الجيش من طرف نور الدين-مخالبه بملك العرب، فأزاله عنهم، وانتقلت حكومتهم إلى طائفة من الأكراد والأتراك-عرفت بالطائفة الأيوبية-وأوّلهم صلاح الدين، فإنه هو الذى أتى بجيوشه المركبة من الأكراد والأتراك، وأزال الفاطميين من الديار المصرية، وجلا الإفرنج عن الديار الشامية، بعد أن كانوا مستولين عليها من زمن مديد. وفى زمنه حصلت غارات منهم متعددة: ففى الأولى، وهى الرابعة بالنسبة لحرب الصليب-وكانت تكونت ببلاد الونديك سنة ١١٢٢ - أخذت مدينة قسطنطينية.

стр. 1803

وتلاها غارة سانت لويز سنة ١٢٤٨ على الديار المصرية، ولم تضر بالقطر إنما أضرت بإسكندرية؛ لأن الفرنساوية والبندقيين أضرموا فيها النار، وتركوها حين علموا أنهم لا يمكنهم الإقامة بها، وذلك سنة ١٢٥٠. وعلى نسق الفاطميين اتخذ الأيوبيون القاهرة تخت مملكة، وزادوا فى زخارفها بما أحدثوه فيها من المبانى/العظيمة، واتسعت دائرة العلم فيها بعناية صلاح الدين وخلفائه من حين إلى حين. وأما إسكندرية فإنها كانت آخذة فى الانحطاط. مطلب واقعة التتار وحيثما كانت مصر تتقلب فى شباك هذه التقلبات، كانت جهة شمال آسيا عرضة لأمر فظيع، لم يسمع بمثله، وهو أن (جانجيسخان) بعد أن آلت له الرياسة على جميع قبائل التتار، كان يترقب فرصة الإغارة على البلاد المجاورة وينهبها. فلم يمض عليه زمن إلا وحصل ما يرومه، وأغار على بلاد بلخ بدعواه أن ملكها تعدى على تجار تحت حمايته، وسبى أهلها ودمر بلادها. وكذلك أغار على الفرس، وحصل من ذلك هول عظيم لجميع سكان هذه البلاد. وفى هذه الغارة الفظيعة، حصل ما لم يسمع بمثله، وعم النهب والسبى والحرق والقتل جميع مدن هذه الممالك وقراها. ولم يكتف بهاتين المملكتين بل تعدى إلى بلاد الروسيا وغيرها، وأوجب الخراب لكافة بلاد هذه الجهات، ونتج من ذلك دخول المماليك أرض مصر، وزوال سلطنة الأيوبيين منها؛ لأن التتار بعد أن فعلوا ما فعلوا، ساقوا الأهالى على الأسواق المعلومة فى آسيا، فملئت، وصاروا يبيعونهم بأنجس الأثمان، فاستحوذ سلطان مصر الملك العادل (١) -بسبب

стр. 1804

إغواء رجاله الأكراد-على مقدار عظيم منهم ليجعلهم جيوشا له-سيما-وقد كان بين الأيوبيين وبين هذه الجهات علائق محبة. وفى سنة ١٢٣٠ اشترى اثنى عشر ألفا من الشبان، فكانوا من الجركس والأباظة والجرج وغيرهم، ورباهم وأحسن تعليمهم، فصار جيشه بهم أحسن جيوش الإسلام، وإنما سموا البحرية لأنهم أتوا مصر من طريق البحر. ومن اعتنائه بهم وقربهم منه، قويت شوكتهم، وعلت كلمتهم، حتى صار لهم الأمر والنهى فى المملكة، وتصرفوا فى جميع أمور السلطنة، وفى أحوال سيدهم، ثم استولوا على الملك بقتلهم آخر سلاطين الأيوبية، وأسسوا دولة عرفت بدولة المماليك وهى: المدة التاسعة وكان لرئيسهم (١)، عز الدين أيبك، شهرة عظيمة فى حربه مع الفرنج فى واقعة المنصورة، وعلت كلمته عند شجرة الدر ورجال الحكومة. وكان ذلك على غير مراد (طوران شاه)، الذى تولى بعد موت أبيه، فاجتهد فى إزالة هذه الشهرة عنه مع أصحابه الذين حضروا معه من ديار بكر. ولم ينجح فى ذلك لأنه كان مكبا على اللهو، محبا للزهو. ولما طلب عمال أبيه من والدته (٢) -شجرة الدر-التجأت إلى (أيبك) المذكور، فقام عليه وقتله، وبعد ذلك بقليل استولى على الملك، وأسس دولة بقيت زمنا مديدا، تتصرف فى أحوال الديار المصرية، على غير قانون معروف، فكان كل فعلهم تبعا لهوى النفس والشهوات. ومن وقت ظهور هذه الطائفة بأرض مصر إلى زمن الغورى-أى سنة ١٢٦٧ (٣) -استولى ٤٧ ظالما، نتج من توالى أفعالهم: تضعضع حال ديار مصر، وامتهن العلم وهجرت

стр. 1805

مدارسه، وهاجر منها السعد والعز الذى كان لا يفارقها، وافتقر أهلها واضمحل حالهم، وخربت البلاد؛ من كثرة الفتن وتوالى الظلم والجور. واستمر ذلك إلى دخول السلطان سليم هذه الديار سنة ١٥١٧، فتغيرت الحكومة ولم تتغير حالتها، حتى دخل الفرنسيس. وفى كل هذه المدة كانت البلاد الأورباوية آخذة فى التقدم، واتسعت دائرة التجارة فيها ودائرة العلم، بما ظهر من الاختراعات النافعة-لا سيما-بيت الإبرة، فإنه كان سببا قويا أعانهم على السير فى البحار والتوصل للأقطار البعيدة، بخلاف جهة المشرق فإنها دفنت نفسها فى أرض الخمول، ونامت فى مهاد الجهل، فكّر عليها الفقر بجيوشه. وفى سنة ١٥٠٤ تفكّر الغورى؛ الذى ولاه المماليك على حكومة مصر، فيما يقطع به حبال عنادهم ويكسر به شوكتهم، التى تسبب عنها استمرار الفتن من ابتداء سنة ١٢٥٠، فأرسل منهم جيشا إلى الهند قصد به طرد البرتغاليين عنها، ورجوع التجارة إلى طريق مصر، لأنها كانت أخذت تسلك طريق عشم الخير. ولكن لم ينجح هذا القصد، بل انكسرت عساكره البحرية، ومع هذا فكانت شهرته سارية فى جميع جهات المشرق، وكان فى القدر مثل إسماعيل-شاه العجم-، والسلطان سليم-سلطان آل عثمان-، وهذا السلطان كان يحب أن تمتد غصون شجرته، فاغتنم فرصة فرار ولد أخيه واحتمائه بشاه العجم، فأعلن له بالحرب، وسار له بجيش جرّار، ولما وصل إلى حلب أغراه حاكمها (خيرى بيك) على محاربة المصريين، فقبل منه ذلك. وفى سنة ١٥١٦ كانت واقعة حلب التى مات فيها الغورى، وانهزمت العساكر المصرية، فكر بعدها السلطان سليم بجيوشه على مصر القاهرة سنة ١٥١٧ ودخلها، وأخذ

стр. 1806

(طومان باى) -الذى ولته العسكر بعد الغورى على مصر-وصلبه على أحد أبواب القاهرة. وبه انتهت دولة المماليك. المدة العاشرة ٢٩٩ سنة، جاء بعد المماليك على مصر دولة العثمانيين، ولم تخالف دولة المماليك، ومن مبدأ ظهورها-فى صحارى الجهة العليا من آسيا-وهى تشن الغارات، وتشعل نار الحرب. وأول شئ أغارت على ما بقى لدولة الرومانيين الشرقية فى سواحل البحر/الأبيض، واستولت عليه فى أواخر القرن الثانى عشر، ثم دخلت أرض أوربا فى القرن الرابع عشر، وأشعلت نيران الحروب فى نواحيها. وفى القرن الخامس عشر استولى السلطان محمد على القسطنطينية، وأزال ملك الرومانيين بالكلية من جهات المشرق. ثم بعد ذلك بقليل صارت مصر داخلة فى حكومة آل عثمان. وأما أهل البلاد الأوروباوية، فأخذوا فى طريق المدافعة عن أنفسهم وبلادهم، ووقفوا عند حدود لا يتجاوزونها، فنجحوا بسبب ذلك. ومن اجتهادهم وغيرتهم على أوطانهم، نمت قوتهم العسكرية والسياسية، حتى فاقوا على عدوهم وأدخلوا فى ملكهم ما كان للأوروباويين من بلاد أوروبا. وفى خلال تلك الفتن والحروب، عمّ الخراب مدينة الإسكندرية، ولم يبق شيئا منها، وصارت فى مدة البيكوات لا اعتبار بها بين المدن إلى زمن الفرنسيس. والذى أتم خرابها، وأزال سعدها اتخاذ الأوروباويين طريق العشم للتجارة، وتركهم طريقها، فوقعت بذلك فى أسوأ حال، وتجردت عن كل مزية. مطلب تاريخ الحوادث من استيلاء الدولة العثمانية وحيث انجرّ بنا الكلام إلى ذكر تلك الحوادث، فلا بأس أن نذكر ملخص تاريخ

стр. 1807

الحوادث التى تقلبت فيها الديار المصرية، من استيلاء الدولة العثمانية عليها؛ ليقف القارئ على أسباب اضمحلال الديار المصرية، وسقوط هذه المدينة عن الدرجة التى كانت اكتسبتها فى الأزمان السالفة. ونبدأ بالأهم منه فنقول: إن السلطان سليم لما أخذ مصر، ورأى غالب حكامها من المماليك الذين ورثوها عن ساداتهم، رأى أن بعد الولاية عن مركز الدولة ربما أوجب خروج حاكمها عن الطاعة وتطلبه الاستقلال، فجعل حكومة مصر منقسمة إلى ثلاثة أقسام، وجعل على كل قسم رئيسا، وجعلهم جميعا منقادين لكلمة واحدة هى كلمته. ورتب الديوان الكبير، وجعله مركبا من الباشا-الوالى من قبله-ومن بيكين: السبع وجاقات، وجعل للباشا مزية توصيل أوامر السلطان إلى المجلس، وحفظ البلاد، وتوصيل الخراج إلى القسطنطينية، ومنع كل من الأعضاء عن العلو على صاحبه، وجعل لأعضاء المجلس مزية نقض أوامر الباشا بأسباب تبدو لهم، وعزله إن رأوا ذلك، والتصديق على جميع الأوامر التى تصدر منه فى الأمور الداخلية. وجعل حكام المديريات الأربع والعشرين من المماليك، وخصهم بمزية جمع الخراج من البلاد، وقمع العربان وصدهم عنها، والمحافظة على ما فى داخلها، وكل ذلك بأوامر تصدر لهم من المجلس، وجردهم عن التصرف من أنفسهم، ولقب أحدهم المقيم بمصر: شيخ البلد. ثم رتب الخراج، وقسمه أقساما ثلاثة: وجعل من القسم الأول: ماهية عشرين ألف عسكرى بالقطر من المشاة، واثنى عشر ألفا من الخيالة. والقسم الثانى: يرسل إلى المدينة المنوّرة ومكة المشرفة.

стр. 1808

والقسم الثالث: يرسل إلى خزانة الباب العالى. ولم يلتفت إلى راحة الأهالى، بل تركها عرضة للمضار كما كانت. ومن هذا الترتيب تمكنت الدولة العلية، من إبقاء الديار المصرية تحت تصرفها نحو مائتى سنة، ثم أهملت بعد ذلك القوانين التى وضعها السلطان سليم-من حين استيلائه عليها-وكانت هى الأساس. ولم تلتفت الدولة لما كان يحصل من المماليك من الأمور المخلة بالنظام، فضعفت شوكة الدولة وهيبتها، التى كانت لها على مصر، وأخذت البيكوات تكثر من المماليك وتتقوى بها، حتى فاقت بقوتها الدولة العثمانية فى الديار المصرية، وآل الأمر والنهى لهم فى الحكومة، وصارت حكومة الدولة صورية غير حقيقية؛ وسبب ذلك إكثارهم من شراء المماليك. ولو كانت الدولة العلية تنبهت لهذا الأمر ومنعت بيع الرقيق، لكانت الأمور باقية على ما وضعها السلطان سليم، ولكن غفلت عن هذا الأمر كما غفلت عن أمور كثيرة، ومن ذلك لحق الأهالى الذل والإهانة، وهاجر كثير منهم إلى الديار الشامية والحجازية وغيرهما وخربت البلاد وتعطلت الزراعة من قلة الزرّاعين، وعدم الاعتناء بتطهير الجداول والخلجان الذى عليه مدار الخصب، ونتج من ذلك، ومن خوف الدولة العلية من تمكن الباشا فى الحكومة، أن تغلبت البيكوات، وصارت كلمتهم هى النافذة، وانفردوا بالتصرف، ومن قرب الطائفة العسكرية منهم بالزواج، دخلوا ضمن عيالهم وأهلهم، وصاروا من حزبهم، فكان مقرّر الوجاقات-من العلوفات والمرتبات-منحصرا فى صندوق واحد، لا يصرف لأحد من البيكوات بإرادته، بل كان التصرف للديوان. وظاهر أن ذلك كان على غير رغبة الرؤساء، فاجتهدوا فى تغيير هذا النظام ونالوا مرغوبهم، وصارت لهم الأرض، وتملكوا بلادا من بلاد الأرياف.

стр. 1809

ومن مساعدة حكام المديريات لهم داخلهم حب المال، فتحولوا عن واجب وظيفتهم الأولى، وأمكن البيكوات أن يضموهم إلى أحزابهم، ويستعينوا بهم على نفوذ أغراضهم، بعد ما كانوا معدين لردعهم وقهرهم على طاعة السلطان. ومن ذاك الحين قويت شوكة البيكوات، وضعفت شوكة الباشا، واستقلوا بالكلمة، وأكثروا من/جمع المال ونوّعوا المظالم، وصار كل منهم يجعل لنفسه جيشا من المماليك، ويوسع فى دائرة سطوته بالاستحواذ على الوظائف لمعاتيقه فصارت الحكومة المصرية عبارة عن حكومات متعدّدة بعدد البيكوات، وقوة كل بالنسبة لقوة حزبه والرؤوس المتفرعة عن رأيه، وصارت كلمة الباشا منبوذة لا يعوّل عليها، واستقل الديوان بحكومة الديار المصرية، وتصرف فيها بالطريق التى يستحسنها. وفى سنة ١٧٤٦، وصل إبراهيم كيخيا، أحد أعضاء المجلس للاستحواذ عليها بكثرة رجاله وجيشه، لأنه كان من مماليكه ثمانية حكام بالمديريات من ضمن الأربعة والعشرين بيكا وحيث أن الباشا كان يتحصل من بيع الوظائف على مبالغ جسيمة، كان ذلك داعيا لإبراهيم باشا إلى الاستيلاء على كل وظيفة خلت، بأى سبب من الأسباب، فعلت كلمته على أقرانه، سيما بانضمامه إلى رضوان كيخيا صاحب الكلمة. ومن ذاك الحين سقط اعتبار الباشا المعين من قبل الدولة، وصارت أوامر الدولة غير مسموعة، وبقى له التصرف حتى مات سنة ١٧٥٧. ثم انتقلت الكلمة لعتقائه، ثم بعد طرد رضوان كيخيا وقتله بعصبة المماليك، صارت الرياسة لمن غلب وحصلت فتن أدّت إلى حروب داخل القاهرة وخارجها، فلحق الخلق من ذلك ما لا مزيد عليه من الضرر والكرب، وبلغت الشدّة منتهاها، وعم الخراب المدن والقرى.

стр. 1810

مطلب تمكين على بك أباظة واستمر ذلك إلى زمن على بيك الذى أصله من الأباظية، وكان قد أهداه الجركسى إلى إبراهيم كيخيا، فحظى عنده لما كان يرى فيه من البسالة، فأعتقه وزوجه ورقاه إلى رتبة الكشوفية، ثم جعله من ضمن البيكوات حكام المديريات، فكان جميع ذلك باعثا له على الطمع وتمنى الرياسة، فأخذ فى الأسباب، وصار يكثر من البر للأصحاب وغيرهم، فالفوه حتى صار له حزب عظيم-بعد موت سيده-مركب من مماليكه ومماليك غيره، فاستعمله فى إيقاد نار الفتن مدة رضوان كيخيا-الذى أعقب سيده-ومدة عبد الرحمن كيخيا، المتولى بعد رضوان كيخيا. وبمكره واستمالته القلوب توصل إلى نفى عبد الرحمن كيخيا، ومنعه من دخول مصر، وكان توجه أميرا على الحاج، ولكن لم يتمتع بثمرة هذا المكر زمنا طويلا، بل رجع عبد الرحمن كيخيا ونفاه إلى غزة. وفى أثناء الطريق تحيّل ورجع إلى الصعيد، وهناك اجتمع بأصحابه الذين وصلوا له من القاهرة، وصار يدبر أمرا يمكنه من الملك، ولم يكن غافلا عن ذلك فى مدة السنتين اللتين أقامهما بجدة، وكان يبذل الأموال فى القاهرة لاستمالة القلوب، فكثر حزبه وقوى، ودخل القاهرة على حين غفلة، وقتل فى ليلة واحدة أربعة من البيكوات، ونفى أربعة وتمكن من أمر الرياسة. ولم يكتف بذلك، بل رغب فى الاستبداد ورفض حكومة الدولة العلية سنة ١٧٦٨، وضرب المعاملة باسمه، وشاع أمر خروجه عن الطاعة. ولم تقدر الدولة العلية-حينئذ-على رده إلى امتثاله لها، لاشتغالها بحرب الموسكو، التى كانت نيرانها مشتعلة وذلك سنة ١٧٦٩. والظاهر أن الداعى-لعلى بيك المذكور-على رفض الطاعة للدولة، ما بلغه من عصيان عرب الشام، وكان كبيرهم-إذ ذاك-رجل يقال له: ضاهر، فاتحد معه البيك

стр. 1811

المذكور ووافقه على ذلك، وصار يجمع الرجال، ويغدق عليهم المال حتى اجتمع حوله نحو ستين ألف مقاتل. وأرسل محمد بيك أبا الذهب، فاستولى على مكة والبلاد الشامية، وكان ما صرفه على تجريد مكة-خاصة-ستة وعشرين مليونا من الفرنكات، وهى تعدل خمسمائة وعشرين ألف كيس من الدراهم، فما بالك بما صرف على غيرها فاشتد الكرب وقحط الناس سنتين أولاهما: سنة ١٧٧٠، ولم يعد عليه من ذلك أدنى فائدة، بل كان منبع المصائب التى غرق فى بحرها؛ فإن أبا الذهب لما التقى بجيش الدولة فى حلب وغلبهم، اجتمع برئيسهم عثمان باشا فوعده ومنّاه بإمرة مصر، وأراه أن الإلحاق بالسلطنة أقرب لمقصوده من الإلحاق بأحد أتباعها، وذكر له أمورا حوّلته عن صداقته لسيده وأصل غرس نعمته، فقام وعزم على الرجوع إلى مصر، فلحقه شيخ العرب ضاهر، ولامه على ما حصل منه، فلم يصغ لقوله وكر راجعا، وكان قد بلغ سيده ما حصل فصمم على الانتقام منه، فلم يتيسر له ذلك بما رآه من كثرة جيشه، فكتم الأمر إلى أن تلوح له فرصة، فلم ير طريقا غير الغدر-وإن كان وقع فيه فيما بعد-لأنه لما أصدر أمره بغلق أبواب القاهرة، وقتل كل من يخرج من المماليك، خرج محمد بيك فلم يتعرض له أحد؛ ظنا منهم أنه خارج لمأمورية من طرف على بيك، فتخلص وذهب إلى الصعيد، ونزل على أيوب بيك، فأكرم نزله. ولم يدر أن هذا الإكرام ربما يكون خداعا، فإن أيوب بيك من رجال على بيك، وبقى عنده، وكان أيوب يخاطب على بيك، فوقعت مكاتبته فى يد محمد بيك، فأخذه وقطع لسانه ويده وأرسله إلى القاهرة. ثم جمع المتشتت من المماليك والهّوارة-رجال همّام الذى قتل بسبب قيامه مدة على بيك-وقصد بهم مصر، فقابله على بيك بجيش من المماليك. ولخوفه وعدم اعتماده على/صداقة إسماعيل بيك-أمير جيشه-خرج بعياله من

стр. 1812

القاهرة، ولما بلغه اتحاد إسماعيل بيك بمحمد بيك، فرّ بماله وعياله ومن بقى معه من المماليك إلى الشام، واجتمع بالشيخ ضاهر، وكتب إلى الدولة الموسكية أن تمده، فوعدته بذلك. ولكن لم يصبر إلى أن يأتيه المدد، بل رجع إلى مصر معتمدا على ما كتب له به رزق كيخيا- أمينه-من أن المنجمين حكموا بأنك لو عدت لمصر تمكنت من حكومتها، وكان ذلك بإغواء محمد بيك وتدبيره، فرجع، وحين وصل الصالحية قام عليه ألف خيّال-كانوا كامنين له بمركب من طرف محمد بيك-فشتتوا شمل رجاله، وقتل مراد بيك على بيك؛ رغبة فى أن يأخذ امرأته-فإنها كانت من أجمل النساء-وكان طلبها من محمد بيك فوعده بها إن قتل زوجها. ولما قتل انقطع ذكره، ولم تنقطع سلسلة الفتن، بل أخذت فى الزيادة؛ بتوالى الفجار من المماليك الذين أتوا بعده. وأول من فتح أبوابها أبو الذهب؛ لأنه من ابتداء قيامه بأحوال مصر سنة ١٧٧٣، أخذ فى أسباب اتساع دائرة الخراب، حيث التزم بدفع الخراج المعطل مدة ست سنوات ليبين للدولة صداقته. ثم إنه استأذن الدولة فى محاربة الشيخ ضاهر لينتقم لها منه على قيامه عليها، فأذنت له، فاستمرت سلسلة المصائب التى زرعها على بيك بديار مصر، ولحق ذلك بلاد الشام أيضا؛ فإنه لما دخل يافا بعد حصارها، أمر بنهبها وقتل أهلها عقابا لهم على المدافعة عن وطنهم. وقتل فى هذه الوقعة أغلب أهل المدينة، والذى نجا من القتل فرّ هاربا، وتفرقت الناس بالطرق، ومات أكثرهم جوعا وعطشا. وفى هذه الوقعة تبينت شدة قسوته، كما تبينت منه الخيانة-قبل-فإنه على ما يقال، لم يكتف بما فعل بأهل المدينة من شنيع الأمور، بل جمع رؤوس القتلى، وجعل منها هرما، ثم سار خلف الضاهر، وحاصر عكا وأخذها، ونهب وسلب.

стр. 1813

ولولا أخذ الموت له بغتة، لألحق أهل هذه المدينة بأهل يافا. وبموته كفوا عن القتال، ورجع فى الحال مراد بيك بالعساكر إلى مصر، وكان يروم الاستقلال بحكومتها مكان سيده. وإبراهيم بيك يرغب فى ذلك أيضا-وفى مدة الحرب كان وكيلا عن سيده-فاستعمل ما تزيد به قوته، فكانت الناس تخاف اتساع دائرة الفتن بينهما، وحصول الحرب الموجب اتساع دائرة الهموم بالقطر المصرى، فحصل اضطراب عام فى القاهرة وسائر البلاد، وكانت الناس لا تتكلم-سرا ولا جهرا-إلا فى هذا الأمر، وأخذوا فى طرق التحفظ على أموالهم وعيالهم. ولكن لم يحصل شئ ممّا تظنه الناس؛ لتساوى قوتى إبراهيم بيك ومراد بيك. مطلب اتفاق إبراهيم بيك ومراد بيك فاتفقا على المشاركة فى الأمر بالتساوى، مع إبقاء وظيفة مشيخة البلد لإبراهيم بيك، واشترطا شروطا، فكانت مصر كسفينة فيها رئيسان مختلفان فى الرأى: إن طلب أحدهما الشرق يطلب الآخر الغرب، فهى تسير تبعا لريح الشهوات، وما تقطعه بالأمس ترجعه بالغد، لأن كلا منهما كان يرغب فى الانفراد، ويرى أن ذلك لا يتم إلا بموت الخصم- طبيعة أو رغما، أو تخليته، رغبة أو كرها، الأول يستلزم الصبر أو القوة، والتخلى رغبة لا يتصوّر؛ لعدم رضا النفس بذلك إلا بأحد أمور منها: أن الخصم يتخلى من نفسه، ويرضى بالتجرد من علائق الإمرة والعظمة والسلطنة، ويكون تحتّ الطاعة بعد أن كان آمرا ناهيا، متمتعا بنفوذ الكلمة والجاه. وحيث أن قوة الحرب تستدعى الإكثار من الرجال، وهذا يستدعى كثرة المال، وبالطرق المعتادة كميته منحصرة فى حدود، فلا يبقى إلا الطريق المعتاد التى أسسها الظلم والغدر والعدوان.

стр. 1814

فكانت هذه الفكرة-الأخيرة-فكرة كليهما، وصار كل منهما يجمع المال بأى طريق سوّلتها له نفسه، من الأهالى. برجاله ونفسه، ويؤلف قلوب من يحب الفتن، من باقى العائلات القاطنة بمصر ومدن القطر، وبذلك وقعت الأهالى فى عميق بحور شهواتها. ومن كثرة الفتن، صارت أرض القطر جميعها ميدانا لحروب متتالية، نشأ عنها ترك الأهالى أسباب الحصول على القوت، وغرس أسباب الأمراض والعاهات بين الأهالى، وكثر الموت من شدة القحط والوباء، وهرع إلى القطر المصرى جميع أهوال الأقطار الأخر. وفى أثناء هذه الفتن، قامت فئة من مماليك على بيك، ورأست عليها إسماعيل بيك- الذى مر ذكره-ورغبت فى رجوع الرياسة إلى بيت سيدها، وبذلت جهدها فى ذلك، وصرفت المال وحرضت الرجال، فاجتمعت قوتها ولم يقدر إبراهيم ومراد على مقاومتها. وبعد مناوشات-فى حارات القاهرة-بين الفريقين التجئوا إلى القلعة، وبعد ذلك توجها نحو الصعيد، وبعد أن جمعا ما تفرق من رجالهما ومماليكهما وصار جيشا جرارا، حضرا مصر وتحاربا مع إسماعيل بيك، فغلبوه وفر إلى الشام، ثم جاء مصر من جهة وزنة، الواقعة فى الجهة الغربية من إسكندرية، ومن هناك توجه إلى الوجه القبلى، واجتمع بحسن بيك، الذى كان نفى إلى جدة قبله وجاء إلى الصعيد، وأقام هناك مدة ثوران الفتن، وانضم لهما كثير من المماليك المطرودة، وغيرهم من الهوارة والأشرار من كل طائفة، فحدث من ذلك جيش سوء، انتشرت رجاله بالقطر القبلى، والفيوم، والأقاليم الوسطى،/وضربوا الجرائم على الأهالى، ووضعوا أيديهم فى أرزاقهم، وعم النهب للمقيم والمسافر، فانقطع الأمان وصار لا يدخل القاهرة شئ من الغلال، فشق ذلك على البيكوات أصحاب الالتزام لحرمانهم من محصول التزامهم، فألحوا على إبراهيم بيك ومراد بيك فى رفع أسباب هذه الأحوال، فأمرا بتشكيل جيش من ثلاثة آلاف خيّال، وضربا على التجار خمسمائة ألف ريال نظير مصرف العساكر، فضج أهل القاهرة من ذلك، ومن تسخير المراكب وأهلها لحمل الحملة

стр. 1815

انقطع ورود الميرة عن البلد بالكلية، فصار لا يرد إليها شئ، وغلت أسعار الحبوب، وقهرت التجار على البيع، وباعت المأكولات بثمن بخس. فمن كل ذلك جرت أمور شنيعة، ولم تنقطع إلا بفرار حسن بيك إلى أسوان سنة ١٧٨٣، بعد تشتيت شمل حزبه، ورجوع مراد بيك بالعسكر إلى القاهرة. لكنها لم تدم، لأن بعض البيكوات المتروكين القاطنين بمصر، اغتنم الفرصة فى أثناء هذه الحادثة، وحزب حزبا رغب به الاستحواذ على الرياسة، واشتعلت نيران الفتن فى القاهرة، فكان سفك الدماء فى كل ناحية، وآل أمرهم-كغيرهم-إلى الالتجاء لجهة قبلى، بعد رجوع مراد بيك لأن هذه الجهة كانت مطمح نظر العصاة، وميدان المقاتلات. وبانضمامهم إلى هذين البيكين حسن وإسماعيل صارت عصبة قوية. وكان مركز الأفعال السيئة المنية فأخذت هذه العصبة فى قطع الميرة عن القاهرة، ومنعوا المراكب ونهبوا وسلبوا، فصالحهم إبراهيم بيك، وأعطاهم أراضى وآمنهم، فدخلوا القاهرة. فلم يوافق هذا التدبير رأى مراد بيك، صاحبه، بل ظن أن ذلك تقوية لحزبه، وخاف منه الخيانة، فقام برجال وتوجه نحو الوجه القبلى، وجرد جيشا لحرب صاحبه، وحضر به فى الجيزة أمام جيش إبراهيم بيك، الذى كان بالبر الآخر، وأقاما بدون حرب أربعة أشهر، وهما فى مكالمات. فهذه المدة حصل فيها للناس ضرر عظيم، فإن العسكر المقيمين بالبر الغربى أضروا البلاد التى على النيل والقريبة منه، والذين بالشرقى أضروا بمن فى الشاطئ الشرقى-ومن ضمن ذلك القاهرة-، وانقطع السير فى البر والبحر من التسخير والسلب، وبطلت التجارة، وكثر الموت فى الناس. ولم تطفأ هذه الفتن إلا وتزداد. ولم يتم الصلح وقام مراد بيك بجيشه إلى المنية ليجمع من الأهالى الرجال والمال.

стр. 1816

فكانت ولاية مصر بين هذين الظالمين الغشومين، أحدهما يظلم فى الوجه البحرى والآخر فى الوجه القبلى. فبهذه الحالة كان الإنسان أينما توجه وجد المظالم والأهوال، إلى أن حصل بينهم الصلح، وأخذت البيكوات الخمس-بعد فرارهم-وحرّج عليهم بالقاهرة بعد مصادرتهم فى مالهم. ومن النظر فيما تقدم من أخبار المدد السابقة، والتقلبات التى مرت على تلك الديار، علم أن مدينة إسكندرية-وغيرها من بلاد القطر-بعد أن كانت متوّجة بتاج المهابة والإجلال، رافلة فى حلل السعادة والإقبال، وكان وادى النيل مزينا من كل جانب بالمدن الفخيمة، ذات المعابد والهياكل المشيدة العظيمة، تلوح على صغير أهلها وكبيرهم لوائح الثروة والابتهاج، نالها من شدائد الأزمان ما أخرها عن هذه التقدّمات، كل على حسب حاله، وتبدلت سرّاؤهم بالضراء، واختلفت عليهم الأهوال والأهواء، إلى أن منّ الله عليها بالعائلة المحمدية العلوية، التى نزعت عنها ثياب الأحداد، وألبستها حلل الثروة والإسعاد. مطلب الكلام على مدينة إسكندرية ولنصف لك-الآن-المدينة وبعض ما بقى من آثارها، تابعين فى ذلك طريق (أمبير) الفرنساوى الذى ساح فى الديار المصرية، زمن العزيز المرحوم محمد على باشا سنة ١٨٣٠، فنقول: مدينة إسكندرية بناها إسكندر الأكبر، ولم تطل مدته حتى يتمم بناءها الذى تصوره فى اليقظة أو فى الرؤيا، كما قال بعضهم. إن (أميروس) الشاعر ألهمه صورتها فى نومه، وهو حضر تخطيطها لا غير. والمتمم لبنائها وتحليتها بفاخر البناء، (بطليموس سوتير) فالإسكندر له الفكرة الأصلية، وإلى بطليموس ينسب تجسيمها. وزعم أكثر الناس أن بطليموس أخوه، وقد بنى بها معابد، ونقل إليها ما تمّم به

стр. 1817

رونقها، وأحاطها بالأسوار، وحصنها بأمنع الحصون وحدودها من الشمال إلى الجنوب، منحصرة بين البحر وبحيرة مريوط. ويستفاد من كلام (استرابون) أن هذا الجزء من الأرض كان أقل مما هو عليه الآن، فإن الانتقالات التى حصلت لهذه المدينة-من الثروة والعز-تسبب عنها ردم بعض مواضع، كانت مغطاة بالماء والبناء فوقها. وكان طول المدينة من الشرق إلى الغرب، قريبا من خمسة آلاف وستمائة متر، وعرضها من الشمال إلى الجنوب ثلث الطول تقريبا. ومن حيث أن موقعها بين البحر وبحيرة مريوط، كان شكلها ذا أربعة أضلاع غير منتظم، ولذلك شبهه الأقدمون بشكل البرنس المقدونى، جريا على العادة القديمة من تشبيه صورة الإقليم أو المدينة بشئ يناسبها. وكان على يمينها وشمالها حفرتان فى البحر: إحداهما بجانبها الغربى، وثانيتهما بجانبها الشرقى، وبينهما لسان من الأرض طوله سبع غلوات، يوصل إليها بجزيرة صغيرة، كان الأقدمون يسمونها جزيرة خاروس (١) /والآن هى رأس التين، وهذا اللسان كان قنطرة للعبور، وفيه عيون لتوصيل الماء من الأرض إلى الجزيرة، وكان فيه فتحتان: إحداهما بجانب الجزيرة، والأخرى بجانب الأرض، وكانتا مستعملتين لمرور المراكب من مينا إلى أخرى. والمينا الغربية كانت متصلة بالبحيرة، وهذه متصلة بالنيل بخليج. وبهذه الكيفية الحسنة، سهلت الملاحة فى تلك المدينة وسائر بلاد القطر، فكانت مينتها مملوءة بالمراكب جميع أوقات السنة، حتى قال (استرابون) إنه لم يكن مثلها فى جميع مين الدنيا. وداخل المدينة كان فى غاية الانتظام، من حيث التخطيط، كما هو عادة المدن التى تتأسس على رغبة ملك أو أمة من الأمم، بخلاف المدن التى أوجب اتساعها حوادث الأيام.

стр. 1818

ففى الوسط كان يشقها شارع مستقيم، يمتد من باب من أبوابها إلى باب آخر، وفى وسط ذلك الشارع شارع آخر عمودى عليه، وأطول الاثنين كان فرسخا ونصفا، وعرضه مائة قدم. وباقى الحارات كان بعضه موازيا لأحد الاثنين، والبعض موازيا للآخر، فكان رسم المدينة أشبه شئ بالضامة أو الشطرنج، فأين هذا الشكل من شكلها التى اكتسبته فيما بعد؟ فتأمل كيف تغيرت هذه الاستقامة التى كانت فى الشوارع والحارات، وبدلت بغيرها معوجة فى كل ناحية، على حسب سير الزمان وتقلباته، من طور إلى طور، ومن حال إلى حال. ويقال إن حاراتها استقامت حين كان الزمان مقبلا عليها، واعوّجت حين أدبر عنها، فنحمد الله تعالى ونشكره؛ حيث ردّ لها استقامة حالها، لأنها الآن متحلية بشوارع مستقيمة، وعمارات بهجة، وكل عام تزيد عمارتها وبهجتها من جلوس العزيز محمد على باشا-عليه سحائب الرحمة والرضوان-. وما تم حسن منظرها وعلوّ شأنها، من أوّلها إلى آخرها، إلا زمن الخديوى إسماعيل باشا، فإنه لم يكتف بجعل استقامة الطرق دليلا على استقامة أحكامه، بل أدخل ذلك فى خليجها ومينتها. وموقع هذه المدينة فيه فائدة عظيمة: هى مرور ريح الشمال فيها، زيادة على تلطيف حرارة الجوّ فى فصل الصيف. وفى القرن الرابع من الميلاد، كانت من أحسن المدن وأبهجها، وقد وصفها (أشيل تايتوس) فى رحلته بقوله: قد دخلنا مدينة الإسكندرية بعد سيرنا فى البحر ثلاثة أيام، فمن حين دخولى من باب الشمس، تعجبت كل العجب من حسن منظرها، وكنت أرى وأنا سائر فى شوارعها-عن يمينى وشمالى-عمدا قائمة، فوقها قناطر على حافتى الشارع الموصل باب الشمس لباب القمر، لأن هذين النيرين هما مقدسا هذه المدينة. وفى وسط الشارع متسع، يوصل لجهات متفرّقة ما بين شوارع وحارات كثيرة، وكانت الناس تغدو وتروح فى الشارع الكبير والحارات، أشبه بقوم مهاجرين. وبعد قليل وصلت إلى الباب المسمى: باب

стр. 1819

إسكندر، فنظرت مدينة أعظم من الأولى-شكلا وصورة ونظاما-، فكنت أرى صفوف الأعمدة والبواكى بالميل، فطربت من هذا المنظر مثل الطرب الأوّل. وكنت كلما وجهت نظرى نحو جهة من الجهات، أرى عجبا يزيدنى طربا، وكلما نقلت قدما زدت فرحا. وليست همة الحكام والملوك-فى تلك الأزمان قاصرة-على الحسن فقط، بل كانت تنظر إلى النافع والمفيد مع الحسن، ولذا كان ماء النيل يصل المدينة من خليج، ويوزع داخلها فى مجار متفرّقة فى جميع جهاتها. وأحسن أخطاط المدينة، الذى كان على ساحل المينا الشرقية، وفيه كانت منازل البطالسة وسراياهم، وبقيت كذلك لزمن القياصرة الرومانيين، ودار التحف، والسراية، والكتبخانة العظيمة كانت تشغل بهذه المدينة سعة عظيمة من أرضها. وقال (بلين): كانت هذه السعة خمس سعة المدينة. وقال (استرابون): ربعها أو ثلثها. ولا غرابة فى ذلك، فإن هذه السعة كانت مملوءة بساتين وعمارات، كعادة السرايات بالبلاد المشرقية. وقريبا من وسط المدينة، كان قبر إسكندر فإن (بطليموس سوتير) استحوذ على جثته، وأخذها من (بيرديكاس)، وقت أن كان مارّا بها فى طريق مصر على عربة عظيمة، يسحبها أربعة وستون بغلا، فى تابوت من الذهب الإبريز، ثم إن هذا التّابوت أخذ فيما بعد، وعوّض بتابوت من الزجاج، وبعد حين ذهبت جثة إسكندر. وفى القرن الخامس عشر من الميلاد، كانت أهالى الإسكندرية تفرّج السياحين على قبر إسكندر، لكن من أين لنا إنه القبر الحقيقى؟ ويقال: إن الإدريسى جعل قبر إسكندر فى جزيرة بعيدة فى حدود الغرب، وسط بحر الظلمات. وهذا أيضا أمر مستغرب جدا، لأنه يبعد وصوله إلى هذا المكان، ولا يدرى ما هذه الجزيرة ولا الأسباب التى أوجبت ذلك.

стр. 1820

وهذا يدل على جهل تاريخ الإسكندر، مع أن أمره معلوم من وقت ولادته إلى حين موته، يوما بيوم، وشهرا بشهر، وسنة بسنة وكذلك موته وموضع دفنه وكيفيته. ومع ذلك، نرى من يتكلم على أخباره يترك المهمّ منها ويذكر خرافات لا أصل لها، ولا بد أن منشأ ذلك شهرة إسكندر وأفعاله الخارقة للعادة، فإنها-إلى الآن-تتكلم بها الأعجام والأعراب والأتراك، ويسمونه بأسماء ما سمى بها، وينسبون إليه أفعالا ما فعلها، وصفات ما اتصف بها، ولو كان/حيا وسمعها لكذبها. والقادم من الشرق إلى الغرب يمرّ أوّلا بمدينة البطالسة أو الأروام، ثم يكون بمدينة العرب، فعمود السوارى قائم على التل، الذى هو مكان الإسكندرية القديمة، وعليه كان معبد سيرابيس. وفى الغرب كانت مدينة الأموات، أو المقبرة المسماة سيرابيوم، جريا على عادة المصريين فى الزمن القديم، من جعلهم مقابر الأموات غربى مدينة الأحياء، لاعتقادهم أن محل اجتماع الأرواح المغرب. وفى تكلمهم وكتابتهم كانوا يطلقون على هذا الموضع اسم: أمانتى. وفى هذه الجهة الغربية من المدينة شاهد (استرابون) محلات تصبير أجسام الموتى قريب المقابر، فكان ما يصنع بمدينة طيبة نقل إلى إسكندرية؛ فإن المقابر وبيوت التصبير بها كانت بالجهة الغربية منها، كما هى كذلك بالإسكندرية. وبقى هذا المكان معدا لدفن الموتى من النصارى، بعد زوال الديانة المصرية، وقد بنى فيه (بطرس) بطريق إسكندرية مقبرة ودفن فيها، وإلى الآن تشاهد السياحون غربى البلد آثارها. ثم إن المدينة زمن الازدياد تزحزحت عن مكانها، حتى صارت على المكان المعروف باللسان، وملئت الأرض-التى كانت خارج البلد القديمة والحادثة-من تراكم الرمال، وتركت مكانها الأصلى. وهذا الانتقال لم يغير صورتها، بل بقيت مستطيلة كما كانت قديما.

стр. 1821

وفى زمن حكومة العرب نقصت عن سعتها الأصلية نحو الثلثين، فكانت الحوادث كلما زحزحتها عن موضعها زحزحتها عن سعدها، حتى فارق الناس أرضها؛ لأنها بعد أن كانت زمن (ديودور الصقلى) عامرة بثلثمائة ألف نفس من الأحرار أو ستمائة ألف، على فرض أن عدد غير الأحرار كالأحرار، كما فى مدينة أثينا بناء على ما ذكره (لاثرون الفرنساوى) صار لا يوجد بها غير ستة آلاف نفس، فكانت عصىّ الأدبار تسوقها ولا تفارقها، حتى صار عدد سكانها جزءا من مائة جزء، من أصلها إلى زمن استيلاء العزيز محمد على باشا على الديار المصرية، فعمرت وازدادت، وطلع نجم سعدها حتى بلغ عدد أهلها فى سنة ١٨٣٠: ستين ألفا. والآن فى زمن الخديو إسماعيل باشا بلغ عدد سكانها مائتين وسبعين ألفا، قدر ما كانت تحتوى عليه زمن جده محمد على باشا خمسين مرة تقريبا. وبسبب ما جبل عليه من تتبع أسباب العمار، لم تزل سائرة فى طريق السعد والثروة، وكل يوم تراها تتحلى بما يزيد فى فخرها، ويتمكن به أساس ثروتها، وتمتاز به فى زمن الخديوى عن سائر الأزمان السابقة حتى زمن إسكندر؛ لأن أساس سعدها مرتبط بالتجارة، وهى مرتبطة بالمينا، فكلما تحسن أمرها تحسن أمر التجارة وتقدمت المدينة. وليس فيمن سبق من السلاطين، من ذكر المؤرّخون عنه أنه تصدى لما تصدى له هذا الخديوى، من تنظيم الليمان بالأرصفة حوله وداخله، وجعله مستوفيا لشروط الأمان على السفن، وسهولة شحن البضائع وتفريغها. ولا شك أن عين التجارة لا تغفل عن الفوائد الناتجة من هذا المشروع العظيم، وترتقى- طبعا-بالتدريج إلى أن تفوق الدرجة التى كانت قد بلغتها فى الأزمان العتيقة. وخليج السويس لا يمنع من ذلك، بل ربما كان أيضا سببا فى اتساع مدينة الإسكندرية، وزيادتها عن حدودها الأصلية، وامتلائها بالسكان-كما كانت قبل-بانتشار أسباب العمارة داخل الأقطار المصرية.

стр. 1822

وفى الزمن القديم كان أهل إسكندرية-جميعا-أهل تجارة كالآن، وبهذا السبب كانت من أسعد مدن القطر. ومما كانت تفتخر به على غيرها: معامل الزجاج، وأبسطتها المزخرفة بأنواع النقش، فكانت تفوق أبسطة بابل الشهيرة. وكان يوجد من ضمن حاراتها حارة تسمى: بزار-يعنى سوقه-كانت محلا لبيع أمور الزهو والزخرفة. وكان أغلب سكان المدينة أرواما وليس بها من المصريين إلا القليل، ولكن كان يغلب على طبعهم الخفة والهزل، فنشأ عن ذلك نقمتهم وإهانتهم عدة مرات بالحكام الذين تعاقبوا عليها؛ بسبب الأشعار والقصائد التى كانوا يصرّحون فيها بألقاب وأسماء فظيعة لبعض البطالسة وغيرهم. وبعدما كانوا متصفين بالجراءة والقوّة العسكرية، وكانت لهم درجة الفوقان على غيرهم فى فن مصارعة الديوك، وفن الشعر، وإنشاء القصائد والخطب، مالت طباعهم عن هذه الأمور النفيسة إلى الأمور الخسيسة، وذلك من خفتهم وطيشهم وعدم ثباتهم، فكانت سجاياهم تقريبا آخذة من طباع الإفريقيين، والبزانيون يتلوّنون بكآبة المصريين. ولسان الروم كان هو اللسان المستعمل فى المحاكم والدواوين وغيره، كان لا ينقش على المبانى والآثار والمعاملة، وبقى ذلك إلى زمن (ديوكليتان)، وكذلك جميع الأعياد والرسوم الجارية فى الدواوين وبيوت الملوك والأمراء، كانت منقولة عن الروم. فبكل هذه الأمور كانت مدينة إسكندرية، كأنها بلد من الروم نقلت إلى مصر، لأن جميع أمورها مأخوذة عن الروم، ولو أن اليهود كانوا كثيرين بها، لأن عددهم كان يبلغ نحو مائة ألف نفس، لكن كان الجزء الغالب الأروام. ولذا كانت طباع اليهود لا تخالط أهلها إلا مع الندوة، وأما الطبع المصرى فكان منحصرا فى مدن وادى النيل وأرضه، ولم يؤثر فى أهل إسكندرية.

стр. 1823

مطلب المسلتين وفى تلك المدينة/مسلتان لكيلوباترة إحداهما قائمة والأخرى مطروحة بجوارها، وكانت قائمة، قبل، كأختها ثم أهديت لدولة الإنكليز، كما قد أهدى محمد علىّ باشا إلى الفرنساوية مسلة من مسلات الكرنك، وهى الآن قائمة بأحد ميادين باريس تجاه سراى الملك، ولكن الإنكليز تنحوا عنها، وتركوها ملقاة بسبب أنه كان اعترى كتابتها بعض تلف. والمسلة القائمة ارتفاعها ٢٠،٤٦ مترا أى ٦٣ قدما، من نهاية القاعدة إلى آخر الهرم الصغير، ومن هذه النهاية إلى قاعدة الهرم ١٨،٤٦، وطول ضلع القاعدة سبعة أقدام وثلاثة أصابع، فجسمها عبارة عن ٧٠،٢٠ (١) مترا مكعبة، وترن ١٨٦٢٤٦ (٢) كيلوجرام. والأخرى مثلها تقريبا. وقال (بلين) المؤرخ: إن ارتفاع كل من المسلتين ٤٢ ذراعا، وبمقارنة أجزاء المسلة إلى بعضها، يرى ارتفاع الهرم الصغير قريبا من عرض القاعدة، وهذا العرض منحصر بين التسع والعشر للارتفاع الكلى. وقد امتحنت جميع المبانى التى من هذا القبيل، فوجدت جميعها على هذه النسبة، ومن هنا يظن أنه كان للمصريين قواعد لا يخرجون عنها فى تفصيل أجزاء مثل هذه المبانى. وباعتبار طول الذراع المصرى كما قدمنا:٤٦٢، مترا يكون ارتفاع المسلة إلى أصل الهرم ٤٠ ذراعا، وإلى آخره ٤٤. وفى زمن البطالسة كانت المسلتان قائمتين أمام المعبد، الذى كان بنى بإسكندرية، زمن الملكة كيلوباترة باسم القيصر والد ابنها، وقد عاينه (استرابون) حين ساح فى بلاد مصر، وذلك قبل الميلاد بأربع وثمانين سنة، فنسبتهما حينئذ-إلى هذه الملكة-لا شك فيها بخلاف خليج إسكندرية، وما يسميه الناس بحمامات كيلوباترة فإنهما لا ينسبان لها أصلا، فإن الخليج موجود قبلها، والحمامات كانت مقابر لا غير.

стр. 1824

وقد اختلفت فى قصد المصريين من المسلات، فقال (بلين): كانوا يجعلون المسلة علما على شعاع الشمس. وزعم (بيكانوس) أن المسلة كانت علما على الحياة السرمدية الكاملة الطيبة، وفيها تكون الروح بعد مفارقتها الجسم، وهكذا من هذا القبيل. وفى اللسان العتيق المسلة إشارة إلى الثبات لا غير، فإن كل مسلة تنتهى إلى هرم صغير، دقيق من أعلاه. وفى هذه الصورة تكون المسلة أقرب شبها لهرم قاعدته طويلة، وكان الهرم عند المصريين إشارة للبقاء والدوام، ولا بد أن هذا هو السبب فى جعل مقابر الفراعنة فى الصورة الهرمية، والمسلات تقرب منها فى الشكل فلا تدل إلا على الثبات، ولذا كانت توضع فى المعابد دائما قبل الأبواب الجسيمة، التى كان يكتب على جوانبها عبارة معناها: الباقى على الدوام. وحينئذ فالمسلتان أمام كل معبد كحرفين من حروف الهجاء، أو كلمتين معناهما ما ذكر. ومن العادة القديمة فى مصر: بناء المعابد باسم الآدميين، وكان لهم فيها عبادة فى أوقات مخصوصة أشبه بالأعياد، ويبجّلونهم فيها ويعظمونهم كما يبجل الخالق ، فمن ذلك: معبد (منيس) مؤسس الدولة المصرية، وكان له قسوس مخصوصة، وكذا كان للفراعنة الذين بنوا الأهرام. وبقيت هذه العادة إلى زمن البطالسة، وأتبعها عقبهم، وسار على آثارهم الرومانيون، فكانت قسوس مختصة ب (برنيس) وأخرى مختصة ب (أرسنوى) من بنات البطالسة. والرومانيون أخذوا عن المصريين عادة المسلات، ولكن لجهلهم بما كانوا يقصدونه جعلوها بعيدة عن المعابد. وحيث كانت أفكارهم متجهة نحو المفيد النافع، كانوا يجعلونها فى مقاصد نافعة، مثلا: المسلتان المنقولتان فى زمن (أغسطس) قيصر الروم من إسكندرية، وضعت إحداهما فى الميدان المعروف ب (شان دومارس) واستعملت كمزولة لبيان الوقت، والأخرى جعلت حدا، وصارت هذه العادة مستعملة فيما بعد، وصارت المسلات توضع فى ميادين الألعاب، فحصل فى ميدان قيصر الروم (تبرون) (١) فى الفاتيكان، وفى ميدان إسكندرية، وفى ميدان قسطنطينية.

стр. 1825

ومع هذا فقد شوهد استعمالهم المسلات أمام العمارات الشهيرة؛ كما حصل أمام مقبرة قيصر الروم (سيزار) وأمام معبد (إزيس سيرابيس). والمسلتان الموجودتان أمام هذا المعبد، اللتان ليستا متساويتين فى الارتفاع، إحداهما: عملت زمن (سيزوستريس). والأخرى: زمن (ابريس) ونقوشهما تدل على ذلك. ومن هنا ظهر أن الذين وضعوا المسلات المذكورة، حفظوا لها الكيفية التى كانت عند المصريين من دون أن يعلم الرومانيون الغرض من ذلك، ولذا تراهم استعملوا المسلات للزينة. وبابات روما تبعت القياصرة، وصارت تزين المدينة بالمسلات أيضا، من غير وقوف على الغرض منها. ومسلات إسكندرية غريبة من أرضها، أتت إليها من الجهات القبلية، فكما نقلت لباريس وروما فى الأزمان الأخيرة، كذلك نقلت إلى إسكندرية فى الأزمان السابقة، أى زمن زهوها وزينتها؛ لتزيين معابدها وميادينها. مطلب الكتابة التى بالمسلات وقد اختلف كثير فى الكتابة التى على المسلات، فقال بعضهم: أنها القوانين الطبية، وقال آخرون: قواعد فلسفة المصريين، والقوانين المدبر بها هذا العالم. وهذا الاختلاف إنما هو بالنسبة للأزمان السابقة، وأما/الآن فلا يعوّل إلا على ما يقرأ ويفهم منها، بناء على المعلومات التى اكتسبها أهل عصرنا من معرفة اللسان القديم، وبواسطتها لم يوجد مسطرا على صفحاتها إلا ما فيه مدح فرعون وقتها، وحروبه، ونصره ولقبه، وما أشبه ذلك. ووجد مكتوبا على المسلتين اسمان من أسماء الفراعنة وهما: (طوطموزيس) (١) و (سيزوستريس) أو رمسيس الأكبر، والأول: فى الصف الأوسط، والآخر: فى الصفين المتطرفين، ولا بعد فى وجودهما معا، أو أن أحدهما هو المنشئ لهما، والآخر أتى بعده ووضع اسمه عليهما.
следующие страницы →