وفى زمن حكومة العرب نقصت عن سعتها الأصلية نحو الثلثين، فكانت الحوادث كلما زحزحتها عن موضعها زحزحتها عن سعدها، حتى فارق الناس أرضها؛ لأنها بعد أن كانت زمن (ديودور الصقلى) عامرة بثلثمائة ألف نفس من الأحرار أو ستمائة ألف، على فرض أن عدد غير الأحرار كالأحرار، كما فى مدينة أثينا بناء على ما ذكره (لاثرون الفرنساوى) صار لا يوجد بها غير ستة آلاف نفس، فكانت عصىّ الأدبار تسوقها ولا تفارقها، حتى صار عدد سكانها جزءا من مائة جزء، من أصلها إلى زمن استيلاء العزيز محمد على باشا على الديار المصرية، فعمرت وازدادت، وطلع نجم سعدها حتى بلغ عدد أهلها فى سنة ١٨٣٠: ستين ألفا.
والآن فى زمن الخديو إسماعيل باشا بلغ عدد سكانها مائتين وسبعين ألفا، قدر ما كانت تحتوى عليه زمن جده محمد على باشا خمسين مرة تقريبا.
وبسبب ما جبل عليه من تتبع أسباب العمار، لم تزل سائرة فى طريق السعد والثروة، وكل يوم تراها تتحلى بما يزيد فى فخرها، ويتمكن به أساس ثروتها، وتمتاز به فى زمن الخديوى عن سائر الأزمان السابقة حتى زمن إسكندر؛ لأن أساس سعدها مرتبط بالتجارة، وهى مرتبطة بالمينا، فكلما تحسن أمرها تحسن أمر التجارة وتقدمت المدينة.
وليس فيمن سبق من السلاطين، من ذكر المؤرّخون عنه أنه تصدى لما تصدى له هذا الخديوى، من تنظيم الليمان بالأرصفة حوله وداخله، وجعله مستوفيا لشروط الأمان على السفن، وسهولة شحن البضائع وتفريغها.
ولا شك أن عين التجارة لا تغفل عن الفوائد الناتجة من هذا المشروع العظيم، وترتقى- طبعا-بالتدريج إلى أن تفوق الدرجة التى كانت قد بلغتها فى الأزمان العتيقة.
وخليج السويس لا يمنع من ذلك، بل ربما كان أيضا سببا فى اتساع مدينة الإسكندرية، وزيادتها عن حدودها الأصلية، وامتلائها بالسكان-كما كانت قبل-بانتشار أسباب العمارة داخل الأقطار المصرية.
стр. 1822
وفى الزمن القديم كان أهل إسكندرية-جميعا-أهل تجارة كالآن، وبهذا السبب كانت من أسعد مدن القطر. ومما كانت تفتخر به على غيرها: معامل الزجاج، وأبسطتها المزخرفة بأنواع النقش، فكانت تفوق أبسطة بابل الشهيرة.
وكان يوجد من ضمن حاراتها حارة تسمى: بزار-يعنى سوقه-كانت محلا لبيع أمور الزهو والزخرفة. وكان أغلب سكان المدينة أرواما وليس بها من المصريين إلا القليل، ولكن كان يغلب على طبعهم الخفة والهزل، فنشأ عن ذلك نقمتهم وإهانتهم عدة مرات بالحكام الذين تعاقبوا عليها؛ بسبب الأشعار والقصائد التى كانوا يصرّحون فيها بألقاب وأسماء فظيعة لبعض البطالسة وغيرهم. وبعدما كانوا متصفين بالجراءة والقوّة العسكرية، وكانت لهم درجة الفوقان على غيرهم فى فن مصارعة الديوك، وفن الشعر، وإنشاء القصائد والخطب، مالت طباعهم عن هذه الأمور النفيسة إلى الأمور الخسيسة، وذلك من خفتهم وطيشهم وعدم ثباتهم، فكانت سجاياهم تقريبا آخذة من طباع الإفريقيين، والبزانيون يتلوّنون بكآبة المصريين.
ولسان الروم كان هو اللسان المستعمل فى المحاكم والدواوين وغيره، كان لا ينقش على المبانى والآثار والمعاملة، وبقى ذلك إلى زمن (ديوكليتان)، وكذلك جميع الأعياد والرسوم الجارية فى الدواوين وبيوت الملوك والأمراء، كانت منقولة عن الروم.
فبكل هذه الأمور كانت مدينة إسكندرية، كأنها بلد من الروم نقلت إلى مصر، لأن جميع أمورها مأخوذة عن الروم، ولو أن اليهود كانوا كثيرين بها، لأن عددهم كان يبلغ نحو مائة ألف نفس، لكن كان الجزء الغالب الأروام. ولذا كانت طباع اليهود لا تخالط أهلها إلا مع الندوة، وأما الطبع المصرى فكان منحصرا فى مدن وادى النيل وأرضه، ولم يؤثر فى أهل إسكندرية.
стр. 1823
مطلب المسلتين
وفى تلك المدينة/مسلتان لكيلوباترة إحداهما قائمة والأخرى مطروحة بجوارها، وكانت قائمة، قبل، كأختها ثم أهديت لدولة الإنكليز، كما قد أهدى محمد علىّ باشا إلى الفرنساوية مسلة من مسلات الكرنك، وهى الآن قائمة بأحد ميادين باريس تجاه سراى الملك، ولكن الإنكليز تنحوا عنها، وتركوها ملقاة بسبب أنه كان اعترى كتابتها بعض تلف.
والمسلة القائمة ارتفاعها ٢٠،٤٦ مترا أى ٦٣ قدما، من نهاية القاعدة إلى آخر الهرم الصغير، ومن هذه النهاية إلى قاعدة الهرم ١٨،٤٦، وطول ضلع القاعدة سبعة أقدام وثلاثة أصابع، فجسمها عبارة عن ٧٠،٢٠ (١) مترا مكعبة، وترن ١٨٦٢٤٦ (٢) كيلوجرام.
والأخرى مثلها تقريبا.
وقال (بلين) المؤرخ: إن ارتفاع كل من المسلتين ٤٢ ذراعا، وبمقارنة أجزاء المسلة إلى بعضها، يرى ارتفاع الهرم الصغير قريبا من عرض القاعدة، وهذا العرض منحصر بين التسع والعشر للارتفاع الكلى. وقد امتحنت جميع المبانى التى من هذا القبيل، فوجدت جميعها على هذه النسبة، ومن هنا يظن أنه كان للمصريين قواعد لا يخرجون عنها فى تفصيل أجزاء مثل هذه المبانى.
وباعتبار طول الذراع المصرى كما قدمنا:٤٦٢، مترا يكون ارتفاع المسلة إلى أصل الهرم ٤٠ ذراعا، وإلى آخره ٤٤.
وفى زمن البطالسة كانت المسلتان قائمتين أمام المعبد، الذى كان بنى بإسكندرية، زمن الملكة كيلوباترة باسم القيصر والد ابنها، وقد عاينه (استرابون) حين ساح فى بلاد مصر، وذلك قبل الميلاد بأربع وثمانين سنة، فنسبتهما حينئذ-إلى هذه الملكة-لا شك فيها بخلاف خليج إسكندرية، وما يسميه الناس بحمامات كيلوباترة فإنهما لا ينسبان لها أصلا، فإن الخليج موجود قبلها، والحمامات كانت مقابر لا غير.
стр. 1824
وقد اختلفت فى قصد المصريين من المسلات، فقال (بلين): كانوا يجعلون المسلة علما على شعاع الشمس. وزعم (بيكانوس) أن المسلة كانت علما على الحياة السرمدية الكاملة الطيبة، وفيها تكون الروح بعد مفارقتها الجسم، وهكذا من هذا القبيل.
وفى اللسان العتيق المسلة إشارة إلى الثبات لا غير، فإن كل مسلة تنتهى إلى هرم صغير، دقيق من أعلاه. وفى هذه الصورة تكون المسلة أقرب شبها لهرم قاعدته طويلة، وكان الهرم عند المصريين إشارة للبقاء والدوام، ولا بد أن هذا هو السبب فى جعل مقابر الفراعنة فى الصورة الهرمية، والمسلات تقرب منها فى الشكل فلا تدل إلا على الثبات، ولذا كانت توضع فى المعابد دائما قبل الأبواب الجسيمة، التى كان يكتب على جوانبها عبارة معناها: الباقى على الدوام.
وحينئذ فالمسلتان أمام كل معبد كحرفين من حروف الهجاء، أو كلمتين معناهما ما ذكر.
ومن العادة القديمة فى مصر: بناء المعابد باسم الآدميين، وكان لهم فيها عبادة فى أوقات مخصوصة أشبه بالأعياد، ويبجّلونهم فيها ويعظمونهم كما يبجل الخالق ، فمن ذلك: معبد (منيس) مؤسس الدولة المصرية، وكان له قسوس مخصوصة، وكذا كان للفراعنة الذين بنوا الأهرام.
وبقيت هذه العادة إلى زمن البطالسة، وأتبعها عقبهم، وسار على آثارهم الرومانيون، فكانت قسوس مختصة ب (برنيس) وأخرى مختصة ب (أرسنوى) من بنات البطالسة.
والرومانيون أخذوا عن المصريين عادة المسلات، ولكن لجهلهم بما كانوا يقصدونه جعلوها بعيدة عن المعابد. وحيث كانت أفكارهم متجهة نحو المفيد النافع، كانوا يجعلونها فى مقاصد نافعة، مثلا: المسلتان المنقولتان فى زمن (أغسطس) قيصر الروم من إسكندرية، وضعت إحداهما فى الميدان المعروف ب (شان دومارس) واستعملت كمزولة لبيان الوقت، والأخرى جعلت حدا، وصارت هذه العادة مستعملة فيما بعد، وصارت المسلات توضع فى ميادين الألعاب، فحصل فى ميدان قيصر الروم (تبرون) (١) فى الفاتيكان، وفى ميدان إسكندرية، وفى ميدان قسطنطينية.
стр. 1825
ومع هذا فقد شوهد استعمالهم المسلات أمام العمارات الشهيرة؛ كما حصل أمام مقبرة قيصر الروم (سيزار) وأمام معبد (إزيس سيرابيس).
والمسلتان الموجودتان أمام هذا المعبد، اللتان ليستا متساويتين فى الارتفاع، إحداهما:
عملت زمن (سيزوستريس). والأخرى: زمن (ابريس) ونقوشهما تدل على ذلك.
ومن هنا ظهر أن الذين وضعوا المسلات المذكورة، حفظوا لها الكيفية التى كانت عند المصريين من دون أن يعلم الرومانيون الغرض من ذلك، ولذا تراهم استعملوا المسلات للزينة. وبابات روما تبعت القياصرة، وصارت تزين المدينة بالمسلات أيضا، من غير وقوف على الغرض منها.
ومسلات إسكندرية غريبة من أرضها، أتت إليها من الجهات القبلية، فكما نقلت لباريس وروما فى الأزمان الأخيرة، كذلك نقلت إلى إسكندرية فى الأزمان السابقة، أى زمن زهوها وزينتها؛ لتزيين معابدها وميادينها.
مطلب الكتابة التى بالمسلات
وقد اختلف كثير فى الكتابة التى على المسلات، فقال بعضهم: أنها القوانين الطبية، وقال آخرون: قواعد فلسفة المصريين، والقوانين المدبر بها هذا العالم.
وهذا الاختلاف إنما هو بالنسبة للأزمان السابقة، وأما/الآن فلا يعوّل إلا على ما يقرأ ويفهم منها، بناء على المعلومات التى اكتسبها أهل عصرنا من معرفة اللسان القديم، وبواسطتها لم يوجد مسطرا على صفحاتها إلا ما فيه مدح فرعون وقتها، وحروبه، ونصره ولقبه، وما أشبه ذلك.
ووجد مكتوبا على المسلتين اسمان من أسماء الفراعنة وهما: (طوطموزيس) (١) و (سيزوستريس) أو رمسيس الأكبر، والأول: فى الصف الأوسط، والآخر: فى الصفين المتطرفين، ولا بعد فى وجودهما معا، أو أن أحدهما هو المنشئ لهما، والآخر أتى بعده ووضع اسمه عليهما.
стр. 1826
وقد شوهد كثير من هذا القبيل، والعادة أن اسم المنشئ يكون فى الوسط، وحينئذ فهاتان المسلتان ينسبان إلى (طوطموزيس) فى المدة التى كان التقدم فيها لا مزيد عليه فى أمر العمارة، وفيها بلغ النقش والتصوير عند المصريين، درجة لم تكن عند السابقين، ولم يصل إليها اللاحقون.
والذى ينبغى التنبه له، أن من ضمن الكتابة المسطرة على أوجه مسلات الإسكندرية، عبارة جديرة بالذكر، لدلالتها على حادثة عظيمة، حصلت فى الأزمان الماضية بالديار المصرية، وهى: هجوم العربان عليها سنة ٢٥٠٠ قبل الميلاد، وأقاموا حاكمين فيها ٥٠٠ سنة، قاست فيها البلاد بلاء لا مزيد عليه.
وعلى المسلات يقرأ بعد ألقاب الفراعنة عند ذكر (طوطموزيس الثالث) كلمة معناها: المشهور بطرده للهيك، ومعلوم أن اسم الرعاة الواردين مصر من العرب-فى لغة المصريين-هو: هيكوسوس، ولا بد أن لفظة (هيك) مختصرة منها.
والذى يغلب على الظن، هو ما ورد عن المؤرخ (مانيتون المصرى) من أن هذه الكلمة مركبة من كلمتين: هيك وسوس، الأولى: من اللسان المصرى العتيق ومعناها:
الملك، والثانية: من لسان العامة ومعناها: رعاة، فمجموعهما: ملك الرعاة، فاكتفى بكتابة الكلمة الأولى لدلالتها على هذا المعنى.
وحيث أن المعروف أن الرعاة كان طردهم من مصر قبله بأحد ملوك عائلته، يلزم أنهم هجموا عليها مرة أخرى فجلاهم عنها (طوطموزيس الثالث) ولذا اكتسب الذكر الجميل، ونقشت هذه الفعلة ضمن افتخاره.
وبالتأمل لتاريخ هذه المدة المشحونة بالأهوال، يرى ويستدل من الكتابة المنقوشة على مسلات إسكندرية، أن امتيازها كان فى زمن (طوطموزيس الثالث)، وذلك قبل الميلاد بسبعة عشر قرنا، وأنّ المسلة التى بباريس. وأختها الموجودة بالكرنك-للآن-بعدها بقرنين، وهاتان المسلتان ينسبان إلى (سوزستريس).
стр. 1827
عمود السوارى
الإفرنج تسمى هذا الأثر (عمود بومبى) والمصريون يسمونه (عمود السوارى)، ويؤخذ من التسمية الأولى أن هذا العمود ينسب عمله إلى (بومبى) المذكور، والحال أن هذا الأمير رومانى لم يطأ إسكندرية، بل ثبت أنه قتل بمدينة الطينة-التى على ساحل مصر- بدسيسة زوج كيلوباترا الأول وأخيها.
والكتابة الرومية الموجودة على جلسة العمود، تدل على إهدائه إلى قيصر الروم (ديوكليتان) فهل يقال إنه لم يرفع إلا فى زمنه؟ وجعل علما على فتحه مدينة إسكندرية، ونصرته على الإسكندرانيين الذين كانوا رفعوا لواء العصيان، وعاقبهم بعد نصره عليهم عقابا شديدا، سفك فيه كثيرا من الدماء.
لكن جميع الناس العالمين بتاريخ مصر وآثارها، اتفقوا على أن البدن من أعمال المصريين السالفين، وأن الجلسة من أعمال الرومانيين، ومن هنا يعلم أن العمود نفسه قديم قبل هذا القيصر.
وغاية ما يقال إنه كان قد وقع أو تخلخل، فأقامه على القاعدة الجديدة، ونقش عليه الكتابة المذكورة لتخليد ذكره، فإنه بعد قسوته عقب دخول المدينة فى الطاعة، أحسن للأروام الذين كانوا بها، وفرق عليهم الغلال، وأدخل ضمن قوانين الحكومة بعض قوانين نافعة.
ويؤخذ من التسمية الثانية: أنه منسوب إلى قيصر الروم (سيزوستريس) ولكن التاريخ لم يذكر ذلك، فهى غير صحيحة، كنسبته عند الأروام إلى إسكندر مؤسس مدينة الإسكندرية.
والصحيح أن العمود المذكور من آثار الأروام، حسب اتفاق كثير من أهل التاريخ، وأنه أقيم فى مكانه زمن أحد البطالسة الذى فيه أنشئ المكان المعروف بالسيرابيوم، وهو أعظم عمارات الإسكندرية فى زمن عزها، وقد وصفه العالم الرومانى (أفتونيوس) السائح فى
стр. 1828
بلاد مصر وإسكندرية، فى القرن الرابع من الميلاد بقوله: «متى دخل المرء قلعة إسكندرية، وجد مكانا محدودا بحدود أربعة متساوية، وفى وسطه فضاء متسع، محاط بأعمدة، وبعده دهاليز فيها قيعان، بعضها لحفظ الكتب المجعولة لمن يريد المطالعة فى العلوم والحكم، وبعضها معد لعبادة المقدسين، وفى وسط هذا الفضاء عمود عظيم الارتفاع، وهو علم يستدل به على هذا المكان، لأنه تغير عن حالته الأصلية، فيتحير الإنسان ولا يدرى أين يتوجه إذا أراد هذا المحل إلا بهذا العمود، فهو دليل لمن أراد هذا المكان من أهل البر والبحر».
وهذه العبارة تدل على أن هذا العمود فى وسط حوش السيرابيوم، لأنه لم يوجد بالإسكندرية عمود بهذه الصفة إلا هو، وتدل أيضا على أن موضع السيرابيوم هو الموضع الذى فى وسطه العمود الآن، ولا يقال إنه كان فى موضع غير هذا الموضع ثم نقل منه إليه، لأن ذلك/من العمليات الجسيمة، التى لا يغفل المؤرخون عن ذكرها والتنويه بمن حدثت فى مدته من القياصرة أو غيرهم
والأرجح أن العمود المذكور قائم فى موضعه الأصلى ضمن عمارات السيرابيوم-كما ذكرنا-، وكون الجلسة حدثت بعد العمود، لا يؤخذ منه سوى حدوث حادثة كزلزلة- مثلا-أثرت فى الجلسة، فأصلحها (ديوكليتان) فى زمنه، وردّ العمود إلى الحالة التى كان عليها أولا، وكتب فوق الجلسة ما نوه فيه بذكره.
مطلب فى الكلام على التمثال الذى فوق عمود السوارى
ذكر كثير ممن تكلم على هذا العمود فى الأعصر الأخيرة، أنه كان فوقه تمثال، ولكن لم يذكره (أفتونيوس) فى تاريخه، مع أن وقت سياحته كان قريبا من زمن (ديوكليتان)؛ لأن هذا الوقت زمن القيصر (قسطنطين) والقيصر (جوليان)، وكذا لم يذكر القبة، التى ذكر عبد اللطيف البغدادى فى رحلته أنها كانت فوقه أيضا.
стр. 1829
ولا يقال إن التمثال المذكور حدث بعد (أفتونيوس)، أو لم يكن موجودا من أصله حتى أنه لم يتعرض له فى كلامه، لأنه ذكر فى عبارة أغلب المؤلفين، فلا بد أنه كان موجودا قبل سياحته، إلا أن يقال إن هذا التمثال أزيل عن العمود مدة سياحته، ولذا لم يذكره فى كلامه.
وهذا التمثال كان للمقدس (أبيس)، وليس تمثال (ديوكليتان) أو تمثال حصانه، بناء على ما ذكره بعض المؤرخين من الإسكندرانيين؛ لما اعترفوا بشفقة القيصر عليهم، جعلوا لحصانه هذا التمثال، بعد أن عثر به حين دخوله من أحد أبواب المدينة، وكان ذلك سببا فى رفع القيصر عنهم النهب والسلب والقتل، بعد أن كان أصدر أمره بذلك عقابا لأهل هذه المدينة، على ارتكابهم العصيان والفساد، فرأى أن ما حصل من الحصان المذكور كأنه أمر إلهى ينهاه عن استمرار القسوة عليهم، ويأمره بالشفقة عليهم.
ويؤكد هذا الاعتقاد ما حققه بعض السلف، من أن (بطليموس فلادلفوس) رفع تمثالا عظيما فوق الكثيب الذى كانت فيه القلعة والبلد القديمة-التى هى رقودة-وكان بها السيرابيوم، وهو من أحسن العمارات وأجملها، وكان يظهر من بعد عظيم، لا يصل إليه الإنسان إلا بعد صعود مائة درجة. وقيصر الروم (كركلا) كان فى أعلى محل منه وقت أن أصدر أمره بالقتل وغيره لأهل الإسكندرية.
وجميع الفتن التى توّلدت من عداوة الديانة العيسوية والديانة العتيقة، كان مركزها هذا المكان، ولهذا يرى أن هذه البقعة استمرت تسقى بدم الخلق أزمانا عديدة، فتارة كانت القوة لحزب أبيس، فيقتل جميع النصارى بغاراته، وتارة كانت لحزب المسيح، فيقتل جميع رجال الآخر، إلى أن كانت الكلمة للعيسوية فى زمن القيصر (طيودوز) (١)، فهجمت النصارى على هذا المكان وهدمته وأزالته بالكلية.
ومع ذلك ففى القرن الخامس من الميلاد، زمن الفتن، كانت أهالى الإسكندرية تحتمى فى بواقيه، وفى زمن صلاح الدين كانت عدة من أعمدة دهاليزه باقية، وكانت من ضمن الآثار العجيبة التى وقرّها الدهر ولم يعتد عليها.
стр. 1830
وكان هذا المحل قديما مركز الديانة الوثنية والرومية، وكذلك الديانة العيسوية فيما بعد؛ فإنه بعد زوال عبادة أبيس، حدثت الديانة المسيحية فى كنيسة بنيت فى هذا الموضع، وكانت تسمى كنيسة (جان بابست).
ويستفاد مما قدمنا، أن الموضع القائم فيه عمود السوارى الآن، هو المحل الذى كان به السيرابيوم، والمحل الذى هو فيه هو محل القلعة وقرية رقودة، التى كانت فى زمن الفراعنة لإقامة الخفراء والعساكر.
ويستفاد منه-أيضا-أن العمود المذكور من أعمال الروم، وأن الجلسة التى تحته من أعمال المصريين. ولا بد أنه كان قبل وضع هذا العمود بهذا المحل مسلة أزيلت ووضع هو محلها، ويدل على ذلك وجود كتابة عليها مضمونها: (شامبليون اسم سباماتيك الثانى من فراعنة صا الحجر الغربية من النيل) فلا بد أن هذا الأثر نقل من عمارات هذه المدينة.
ويستفاد من كلام بعض المحققين، أن السيرابيوم كان فيه راهبات ورهبان لخدمة المقدسين، ووجد شرح بعض قضايا هؤلاء الرهبان على بعض البابيروس (١) المحفوظ الآن بخزانة الآثار، وعلم أنهم كانوا تحت رياسة أحد كهنة المصريين، ومن هنا علم أن الرهبانية التى ابتدعها العيسوية، كانت موجودة عند قدماء المصريين، وكانت إحدى هذه الدعاوى لبعض المقدونيين.
وكان من ضمن خدم السيرابيوم (منفيس) وفيها يشتكى من الرئيس ومعاملته السيئة له، بسبب أنه من الروم، وفى هذا دليل على احتقار الروم عند المصريين فى الأزمان القديمة، وكانت الكتبخانة التى حرقت فى زمن القيصر (سيزار) فى السيرابيوم أيضا، وكان بها نسخة بالعبرانى من التوراة، وفى هذا دليل على أن اليهود كانوا غير ممنوعين من دخولها.
стр. 1831
أسوار مدينة الإسكندرية
قد استدل من البحث، الذى أجراه العالم الفاضل محمود بيك الفلكى (١)، على جدران السور القديم الذى كان لهذه المدينة، أن عرضه كان خمسة أمتار، وأنه كان مبنيا من قطع الحجارة والمونة المركبة من الجير والحمرة، وقد تتبع أثره من ابتداء برج السلسلة، الذى كان يسمى قديما (رأس لوشباس (٢)) إلى الحدرة، وطول هذه المسافة ٣٠٠٠ متر، وقد عثر بين ترعة المحمودية والتلول التى بجوارها على جملة نقط من السور/منحطة عن الأرض، بعضها ثلاثة أمتار وبعضها أربعة وبعضها خمسة.
وقد ظهر أن السور-من برج السلسلة إلى المينا الغربية-كان يتبع مسير الساحل، وشاهد هناك آثارا مغطاة بمترين وأكثر من الماء، وقد تتبع هذه الآثار، ورسم السور المذكور فى كل هذا الامتداد.
ويظهر من الخرطة التى حررها، أن السور القديم-من جهة رشيد-كان بعيدا عن السور الموجود الآن بنحو ١٦٠٠ متر، ومن جهة المحمودية بعضه بمائتى متر، وبعضه بأربعمائة، وكان من جهة البحر، بعضه يتبع اعوجاج الساحل، وكان أغلب الضلع الرابع منه مستقيما وبعيدا عن جامع الألف عمود، بنحو مائة متر.
وبناء على ذلك، وجد أن محيط السور مع الاعوجاج ١٥٨٠٠ متر، عدد الرؤوس الداخلة فى البحر التى إن أضيفت هذا المحيط ٦٠٠ متر، وبلغ فى هذا الرسم أعظم طول للمدينة ٥٠٩٠ مترا. وأما العرض فأصغره الذى من جهة النكروبولس (مدينة الأموات) قدره ١١٥٠ مترا، وأكبره ٢٢٥٠ مترا، وبين هذين البعدين كان تارة ١٤٠٠ متر، وتارة ١٥٦٠، وتارة ١٧٠٠.
стр. 1832
مطلب فى الكلام على أبعاد مدينة الإسكندرية
وتكلم كثير، من المؤلفين على أبعاد هذه المدينة، فجعل (استرابون) عرضها ما بين سبع أستادات وثمانية، وجعله (فلوبوس) و (يوسف) و (فيلون) عشر أستادات، واتفق الجميع على أن طولها ٣٠ أستادة، وقال (كانتكورس): إن المعمار (دينكرات) جعل محيطها ١٨٠ أستادة، وجعله (أثنين البيزانتى) ١١٠ أستادة، العرض ٨ أستادات، والطول ٣٤ أستادة.
وقد استنبط العالم المذكور من ذلك أن الأستادة الرومية ١٤٧،٩٥ مترا، والميل الرومانى ١٤٧،٩٥، وأن الأستادة المستعملة فى أبعاد المدينة هى الأستادة الرومانية، وقدرها بالمتر ١٦٥ مترا بأدلة واستنباطات أوردها.
وفيما قاله نظر يحتاج بيانه، لا يراد ما يخرجنا عن الغرض، وسنذكر لك إن شاء الله- فيما بعد-تحقيق هذا المقام.
ولعل سبب هذا الاختلاف الواقع بين المؤلفين، نشأ من تكلمهم عليها فى أوقات مختلفة، أورد كل منهم قياسها فى زمنه، أو أن ما اعتبره أحدهم لأطول بعد لم يعتبره غيره، وهكذا العرض.
وعلى كل حال، فأقوالهم جميعا تفيد: أن المدينة كانت أكبر جدا من مدينة العرب، وكانت التلول الموجودة قريبا من السور-بعد الاستحكامات-من ضمن هذه المدينة.
وفى خطط الفرنساوية، أنه عملت مقارنة بين مساحة إسكندرية فى الزمن القديم- حال سعدها، وبين مساحة مدن أوروبا-فى ذلك الوقت-فوجد أن: مساحة باريس ٥٩٨٠٥٧٠ تواز مربع، لوندره ٤٢٦٤٠٠٠، برلين ٣٤٧٩٨٦٠، ونينة ٣١٧١٨٥٠، روما ١٩٢٦٢٣٠، ومساحة مدينة الإسكندرية-بناء على قول (كانتكورس) من أن محيطها
стр. 1833
ثمانون أستادة-يكون ٢٧٠٧٥٠٠ تواز مربع، وبناء على قول (بولين) من أن محيطها ١٥٠٠٠ خطوة، التى هى عبارة عن ١١٣٤٠ توازا مربعا، تكون المساحة ٦٠٢٧٩١٨ توازا مربعا.
فعلى كل حال يظهر من هذا الفرق الجسيم، أن مساحة المدينة-كانت بالأقل- تساوى برلين وونينة، وإن أضيفت لها الضواحى زادت عن ذلك بكثير.
وقد عثر بها أيضا على أحد عشر شارعا مبلطا تقطعها عرضا، وسبعة شوارع تقطعها طولا، وأحد الشوارع الطويلة هو المعروف بعضه الآن بشارع باب شرقى، وكان جامع العطارين من ضمن هذا الشارع، وكذلك محل كنيسة (سنعطناس). وقد صار الآن محل الجامع من ضمن الأملاك الأهلية، وبجواره كنيسة الروم، ويظهر أنه دخل فيها جزء من أرض الجامع.
والمسافة التى بين هذا المحل وعمود السوارى ١٢٨٥ مترا، والذى بينه وبين المسلة ٨٠٠ متر، وبينه وبين باب رشيد ١٨٣٥ مترا، وقد يوجد بلاط أرضية الشارع القديم فوق استواء ماء المالح بقدر ٤٧، وتحت الأرض-الآن-بقدر ٣٠.
مطلب فى الكلام على وصف الشارع المعروف قديما بشارع كانوب
وقد استدل بالبحث على نقط أخر غير هذه النقط، علم منها أن الشارع المسمى- قديما-بشارع كانوب، كان مستقيما، وواصلا بين الضلعين المتطرفين من المدينة، أحدهما من جهة رشيد، وعرضه من الجزء المبلط ١١٤ مترا، وطوله ٥٠٩٠ مترا، واتجاهه من الشرق والشمال الشرقى إلى الغرب والجنوب الغربى، وبينه وبين خط الشرق والغرب ٢٤ و ١٥، وبين محور هذا الطريق وعمود السوارى ١١٦٥ مترا، وبينه وبين المسلة ٥١٧ مترا.
стр. 1834
وعرض الحارات الطويلة الأخر، نصف عرض شارع كانوب المذكور، وجميعها موازية له، وأبعادها الواقعة بينها متساوية وقدرها ٢٧٨ مترا.
وجميع الحارات العرضية متوازية وعمودية على الشارع الأصلى، المسمى بشارع كانوب، وبين كل منها وخط الشمال والغرب زاوية قدرها:١٥ ٢٤، وجميعها ممتد من البحر إلى المحمودية، والأبعاد الأصلية التى كانت بينها وبين بعضها ٣٣٠ مترا، وكان فيها أيضا حارات أخر متوازية-غير هذه-لكنها متقاربة، فمنها المتباعد بقدر ١١٠ أمتار، ومنها المتباعد بقدر ٩٦ مترا.
وكان من ضمن الحارات العرضية، شارع يخرج من برج/السلسلة، بسبب أنه كان به سراية ملوكية، تمر بالميدان الكبير، عمودية على شارع كانوب، وتمتد إلى مينا خارج السور على الخليج، وكان عرضها ١٤ مترا-مثل عرض الشارع الأصلى-، وكان على جانبها الشرقى بجمون لتوصيل المياه العذبة إلى السراية والصهاريج، وكان فى الجهة الأخرى مجرى القاذورات.
ويظن من كثرة الأعمدة التى وجدت فى امتداد هذا الشارع، أنه هو الشارع الذى تكلم عليه (أشيلبس تاتيوس) وكان بحافتيه من الجهتين بواك.
ويظهر من الميزانية التى أجراها محمود بيك، أن أراضى المدينة لم تكن مستوية، وكانت منقسمة-بطبقة الأرض إلى قسمين-بواد يختلف عرضه ما بين ٦٠٠ و ٧٠٠ متر، وابتداء الوادى المذكور من برج السلسلة، ويمتد إلى بحيرة مريوط، فيكون الساحل فى هذا الوادى منقسما قسمين: قسم من جهة أرض مصر، وقسم من جهة أرض ليبيا، ولا بد أن هذا سبب كون الإسكندرانيين يقولون: إن جزأ من المدينة من مصر، وجزأ من ليبيا.
بجمونات إسكندرية وصهاريجها
يظهر من رؤية الباقى منها الآن، أنها كانت كثيرة الصهاريج، وكانت الخلجان المتفرعة من الخلجان الأصلية لتوصيل المياه إلى المنازل والحارات لا تنحصر، ولا سيما ما كان منها
стр. 1835
للبساتين والحدائق، وما كان مختصا بامتلاء الصهاريج الموزعة فى جميع أرجاء المدينة، لكفاية الأهالى، والواردين، والمترددين فى جهات القطر، وسواحل البحر المالح.
وحيث أن أهالى إسكندرية كانوا-بالأقل-٦٠٠ ألف نفس، ولو أضيف قدر هذا العدد عليه نظرا للواردين عليها، لكان اللازم لهم من الماء مليونا ونصفا فى مدة السنة، وهذا غير ما يلزم للحيوانات والبساتين، ولا يكفى لذلك أقل من ٤٠٠٠٠ متر مكعب كل يوم- أعنى قريبا من ٦٠٠٠٠٠ قربة.
ويوجد إلى الآن فى هذه المدينة خمسة خلجان، من الخلجان الأصلية التى كانت مستعملة فى دخول مياه النيل لامتلاء الصهاريج التى كانت فى هذه المدينة، وكانوا يسدون أفواه البجمونات لامتلاء الصهاريج، فإذا امتلأت فتحوها، ويعملون لذلك موسما مشهورا.
والبجمون الأول منها: فى استقامة الخليج القديم إلى المينا الغربية.
والثانى: يبتدئ من الخليج، ويكون فى استقامة الشارع المار بعمود السوارى.
والثالث: يبتدئ من الخليج ويستمر مع الشارع الداخل فى البلد، بعيدا عن شارع العمود بقدر ٩٠٠ متر تقريبا.
والرابع: يسير مع الشارع المار ببرج السلسلة.
والخامس: خارج من سور البلد من جهة كانوب، على بعد ١٣٠٠ متر منه، وعلى بعد ٢٣٥٠ مترا من سيدى جابر.
والخلجان المذكورة كانت تتبع فى سيرها الحارات، فتخرج منها فروع لتوصيل المياه إلى صهاريج المدينة، وبعض هذه الخلجان كان يجتمع ماؤها، ويسير تحت أرض الميدان الكبير، ويدخل من هناك فى جزيرة فاروس من خليج واحد كان يمر فوق القنطرة التى كانت توصله بأرض المدينة.
стр. 1836
وقال محمود بيك فى رسالته: إن ما عثر عليه من الصهاريج فى مدينة إسكندرية، يبلغ ٧٠٠ بعضها مركب من طبقتين، والطبقة العليا محمولة على أعمدة من الرخام أو الزلط، وفى المواضع المرتفعة من المدينة كانت تبلغ طبقات الصهاريج أربعة، ولم تكن جميعها تملأ من الخلجان، بل كان يملأ أكثرها بالقرب.
وفى كتاب (جركى) الفرنساوى: أن جليس بيك عند إجرائه عمليات الاستحكامات، كشف عن ٨٩٦ صهريجا مبنية جميعها بالحجر، وواصلة لبعضها، وتأخذ ماءها من خليج كبير يشق البلد، ويمتد إلى بحيرة مريوط.
ولا بد أنه لم يعثر على جميعها، وكانت تنظف كل سنة حتى لا يضر ماؤها بالصحة، وقد استدل على ٣٠٠ صهريج داخل المدينة الجديدة، ردم أغلبها ولم يبق منها الآن إلا القليل، بعضه فى حيازة أهل الملك، وبعضه فى حيازة الحكومة، وكان الموجود منها فى زمن الفرنساوية ٣٠٨، ووجد فى واحد منها ٣٠ عامودا فوقها عقود من البناء.
جزيرة فاروس
كانت هذه الجزيرة فى الأيام الخالية محصنة بأسوار وأبراج فى دوائرها. وآثار المبانى القديمة التى كانت بها وقت دخول الفرنساوية، تدل على أنها كانت عامرة بالسكان، منفصلة عن المدينة بالكلية، وكان طولها موازيا للساحل من ابتداء المينا الشرقية إلى نهايتها من جهة الغرب-الموجود بها الآن المنارة الجديدة-٣٦٠٠ متر، وعرضها المتوسط ٥٠٠ متر، وكان فى نهاية الجزيرة من جهة الشرق، صخرة طولها قريب من ٢٥٠٠ متر، وكانت المنارة القديمة مبنية فوقها، والبعد من وسط هذه الصخرة إلى المنارة الجديدة الآن ٣٠٣٠، وكان الماء يحيط بهذه الصخرة من جميع الجهات-كما ذكر ذلك استرابون-والجزيرة الصغيرة الموجودة نحو الشمال، لم تكن فى القديم إلا رأسا من الجزيرة الأصلية.
стр. 1837
وشكل الجزيرة يشبه الساق، والثلاثة ارتفاعات-المرتفع كل منها بقدر عشرة أو أحد عشر مترا-شبه الكعب، والسمانة، والركبة، وأحدها يقع فى الشيخ الموازينى، والثانية فى المدرسة، والثالثة فى رأس التين والشعب/الممتد فى البحر بين برج السلسلة والجزيرة من جهة، وبين العجمى والجزيرة من الجهة الأخرى، فدل ذلك على أن هذه الجزيرة- والشعوب المذكورة-أصلها من الساحل، وانفصلت منه بحادثة حدثت فى الأزمان العتيقة.
وتكلم أميروس الشاعر على ما يتعلق بها قبل المسيح بعشرة قرون، وترجمة عبارة أميروس هى هذه: (هناك توجد مينا، منها تخرج السفن بعد أخذ الماء، وبينها وبين النيل يوم ملاحة، يعنى ٥٤٠ أستادة، لأن يوم الملاحة قدره هذا المقدار، وتطابق هذه المسافة الجزيرة وفم الفرع القانونى. وكانت فى الأيام العتيقة من أحسن المواضع وأجملها، وكان بها مواضع كثيرة للنزهة، وجهاتها نحو الشمال فيكون هواؤها أيام القيظ رطبا لطيفا، وبعضها متوجه جهة الجنوب، لسكن الشتاء، وكان بها بساتين كثيرة، فيها من جميع الفواكه، لكنها مشتهرة بالتين، ولذا كانت تسمى: روض التين، ويقى ذلك إلى أكثر من نصف القرن الثانى عشر، وكان يهاجر إليها فى كل سنة-زمن الخريف-الطير المعروف بالسمان، فتأخذ الناس منه كثيرا حتى اكتفى عن اللحم) اهـ ملخصا من كتاب (مالى).
ولا يعلم كيف كانت هذه البساتين، لأن أرض جميع جهاتها حجر، ولا بد أن بعض مبانيها كانت تردم بالطين المنقول كما يشاهد الآن.
المنار القديم
قال المقريزى فى خططه-نقلا عن المسعودى-: أما منارة الإسكندرية، فذهب الأكثرون من المصريين والإسكندرانيين-ممن عنى بأخبار بلدهم-إلى أن الإسكندر هو الذى بناها، ومنهم من رأى أن (دلوكة) الملكة بننها، ومنهم من رأى أن العاشر من فراعنة مصر هو الذى بناها. وقال: إن الذى بناها جعلها على كرسى من الزجاج، على هيئة السرطان فى جوف البحر، وعلى طرف اللسان الذى هو داخل فى البحر من البر.
стр. 1838
وفى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان، صار هدم أعلى المنارة بحيلة عملها عليه ملك الروم، ثم بقيت على ما كانت عليه إلى سنة ٣٣٢ هلالية. وفى سنة ٧٧٧ سقطت رأسها من زلزلة.
وقال ابن وصيف شاه-عند ذكر أخبار مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح-وبنوا على البحر مدنا منها: رقودة، التى كانت قبل الإسكندرية فى مكانها، وجعلوا فى وسطها قبة على أساطين من نحاس مذهب، ونصبوا فوقها منارة عليها مرآة من أخلاط شتى، قطرها خمسة أشبار، وكان ارتفاع القبة مائة ذراع.
ونقل السيوطى عن ابن فضل الله: أن هذه المنارة قد خربت وبقيت أثرا للأعين، فزال الباقى فى أيام قلاوون وولده.
وبناء على قول مؤرخ النوبة: إن المنارة المذكورة كانت موجودة إلى القرن الثالث عشر، كما ذكر أبو الفداء-فإنه كان موجودا فى سنة ١٣٢٠ ميلادية-تكون المنارة المذكورة تخربت فى القرن الحادى عشر. ومحل هذه المنارة الآن البرج الزفر، الذى هو محل طابية قائد بيك، الذى فى النهاية البحرية الشرقية من جزيرة فاروس.
وما ذكره (استرابون) وغيره يؤيد ذلك، فقد ذكر ما معناه: أن النهاية الشرقية من الجزيرة عبارة عن صخرة محاطة بالماء من جميع جهاتها، والمنارة فوقها عبارة عن برج من جملة طبقات، مبنية بغاية الإحكام من الرخام الأبيض، واسم الجزيرة، واسمه واحد، والذى بناه (سوستران) (١) محبوب الملوك لأجل أمن الملاحين، لأن الساحل من جهة إسكندرية منحط ومجرد عن المينا وكثير الشعوب والصخور، فكان من المهم جعل دليل مرتفع لأجل دخول الملاحين الواردين وعدم وقوعهم على الصخور.
والمدخل الغربى-ولو كان عسرا-لكنه لم يكن فى الأهمية كالشرقى، ومنه كان يتوصل إلى مينا تسمى: (أونست) (٢)، من داخلها مينا محفورة بالآدميين مقفولة.
стр. 1839
فالموجودة فى مدخلها المنارة هى المينا الكبرى، والأخريان مجاورتان لها، ولم يفصلهما عنها إلا القنطرة المعروفة باسم (هبتا استاد (١).
ومن هنا يعلم أن محل المنار القديم محل طابية قائد بيك، فى النهاية البحرية الشرقية من جزيرة فاروس.
وقال المقريزى فى خططه: إن منارة إسكندرية أحد بنيان العالم العجيب، بناها بعض البطالسة من ملوك اليونانيين، بعد وفاة الإسكندر بن فليبش، لما كان بينهم وبين ملوك روما من الحروب فى البر والبحر، فجعلوا هذه المنارة مرقبا، فى أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار الشفافة، ليشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من روما، على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها، فيستعدون لها قبل ورودها.
وطول المنارة فى هذا الوقت-تقريبا-مائتان وثلاثون ذراعا، بعد أن كان طولها أربعمائة ذراع، فتهدمت من ترادف الأمطار والزلازل.
وبناؤها على ثلاثة أشكال، فقريب من النصف وأكثر من الثلث، بناؤه مربع الشكل بأحجار بيض، وذلك نحو مائة ذراع وعشرة أذرع تقريبا، ثم بعد ذلك يكون مثمن الشكل مبنيا بالحجر والجص، وذلك نحو نيف وستين ذراعا، وحولها فضاء يدور فيه الإنسان، وأعلاها مدوّر.
ورّم أحمد بن طولون شيئا منها، وجعل فى أعلاها قبة من الخشب، ليصعد إليها من داخلها، وهى مبسوطة منحرفة/بغير درج.
وفى الجهة الشمالية من المنارة كتابة برصاص مدفون بقلم يونانى، طول كل حرف ذراع فى عرض شبر، ومقدارها على جهة الأرض نحو مائة ذراع، وبلغ ماء البحر أصلها، وقد كان تهدم أحد أركانها الغربية مما يلى البحر، فبناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون.
وفى الخطط: أنه فى أيام الظاهر بيبرس، تداعى بعض أركان المنارة وسقط، فأمر
стр. 1840
ببناء ما تهدم منها فى سنة ٦٧٣، وبنى مكان القبة مسجدا، وهدم فى ذى الحجة سنة ٧٠٢ من زلزلة، ثم بنى فى سنة ٧٠٣، وهو باق إلى يومنا هذا.
وبينها وبين مدينة إسكندرية فى هذا الوقت نحو ميل، وهى على طرف لسان من الأرض قد ركبه البحر، وهى مبنية على فم مينا إسكندرية، وليست المينا القديمة لأنها فى المدينة العتيقة، ولا ترسو فيها المراكب لبعدها عن العمران، والمينا هى الموضع الذى ترسو فيه مراكب البحر إلى آخر ما قال.
وفى سنة ٣٤٤ تهدم من المنارة نحو ٣٠ ذراعا من أعلاها، بالزلزلة التى كانت ببلاد مصر وكثير من بلاد الشام والمغرب فى ساعة واحدة؛ على ما وردت به الأخبار المتواترة ونحن بفسطاط مصر.
مطلب المجمع الذى كان للمنارة
وكان لهذه المنارة مجمع فى يوم خميس العدس، يخرج فيه أهل إسكندرية إلى المنارة من مساكنهم، ولا بد أن يكون فيها عدس، فيفتح باب المنارة وتدخله الناس، فمنهم من يذكر الله، ومنهم من يصلى، ومنهم من يلهو ولا يزالون كذلك إلى نصف النهار ثم ينصرفون. ومن ذلك اليوم يحترس على البحر من هجوم العدوّ.
وقال بعضهم: إنه قاسها فوجد طولها ٢٣٣ ذراعا، وهى ثلاث طبقات، الطبقة الأولى مربعة وهى ١٢١ ذراعا ونصفا، والثانية مثمنة وهى ٨١ ذراعا ونصفا، والطبقة الثالثة مدوّرة وهى ٣١ ذراعا ونصف ذراع.
وذكر ابن جبير فى رحلته أن منار إسكندرية يظهر على بعد ٧٠ ميلا فى البحر، وأنه قاس أحد أضلاع المنارة فى سنة ٥٧٨ هجرية فوجده يزيد على ٥٠ ذراعا، وأن الارتفاع يزيد على ٥٠ باعا، وفى أعلاها مسجد يتبرك الناس بالصلاة فيه.
стр. 1841
وذكر قلاوبوس يوسف فى وصف فزائل (١) بمدينة القدس، الذى ارتفاعه ٥٠ ذراعا، وضلع مربع قاعدته ٤٠ ذراعا، أن شكل هذه المنارة يشابه شكل منار إسكندرية.
وذكر فى مواضع أخر: أن نور منار إسكندرية يرى فى البحر على بعد ٣٠٠ أستادة.
فيعلم من جميع ما تقدم: أن محل المنارة هو برج قائد بيك، وأنه المنارة المذكورة قديما، وربما كان سابقا على البطالسة، وأنه من بناء الفراعنة، وأجرى به الروم عمارات وزيادات، وكان فى غاية الارتفاع لأجل مشاهدة المراكب من بعد بعيد جدا عن المدينة، حتى يتمكن أهلها من الاستعداد لمقابلة العدوّ.
وفى خطط الفرنساوية فى صحيفة ٢٢٥: أن أحد شراح لوسيان، ذكر أنها مشابهة لأهرام مصر، وأن طول ضلعها أستادة.
فإن صح ذلك، لزم أن تكون الجزيرة فى الأيام السابقة أكبر مما هى عليه الآن بكثير.
وذكر مؤرخ النوبة: أن ارتفاعه ٣٠٠ ذراع، وعلى كل حال، فليست أقل من مائة أو مائة وعشرين مترا، وإلا لما ظهرت من بعد ٣٠٠ أستادة، يعنى قريبا من ٤٠٠٠ متر.
والمنار الجديد الذى بنى زمن العزيز محمد على باشا، فى غربى رأس التين من جهة البحر، يرى فى البحر من بعد ١٣٤٠٠٠ متر، مع أن ارتفاعه عن سطح البحر الملح لا يزيد عن ٦٥ مترا، وفى خطط الفرنساوية ما يدل على أن المنارة المذكورة كانت من أعظم المبانى، لأن (بلين) قال: إن تكاليفها بلغت ٨٠٠ تالان، يعنى ١٢٠٠٠٠ بنتو، وهذا التالان هو تالان أتينه؛ وقيمته ١٠٠٠ ايكو فرنساوى، لأن الرومانيين كانت تستعمله، ولو أراد التالان الإسكندرانى لبلغت التكاليف الضعف تقريبا.
стр. 1842
وعبارة (أميروس) تفيد أن مينا إسكندرية، كانت مطروقة قبل وفود إسكندر على أرض مصر، وكان فيها كثير من الصهاريج ومجارى المياه، وكانت السفن تأخذ مياهها منها.
ولا بعد فى ذلك؛ لأنه لا يعقل وجود مدينة بدون وجود ماء، وتردد السفن على المينا يقضى بوجود المنار لهدايتها، فحينئذ لا يبعد كونها من مبانى الفراعنة.
وفى كتاب (جسكى) أن جزيرة فاروس كانت معلومة قبل بناء إسكندرية بستة قرون، وذكرها (أميروس) بهذا الاسم، ولا بد أنه مأخوذ من اسم المنار، لأن فاروس بالرومية معناها: محل النور.
واتفق جميع المؤرخين على أن رقودة سابقة على إسكندرية، وأنها من مدة الفراعنة، وكانت بلدا تجارية وحوصرت مرارا بسكان سواحل البحر، وكان-قبل الآن بثلاثين قرنا.
يمر بها الصوريون، والكنعانيون، وكثير من سكان جزائر البحر، فلا بد أنه كان فى المينا شئ يهتدى به، وليس ثم غير المنار ونوره، ولا بد أنه كان فى مينا رقودة كما كان فى غيرها، وأن الجزيرة استعارت اسمها منه لا أنه استعار اسمه منها.
وفى كتاب (مانى) الفرنساوى: أنه فى زمنه-يعنى سنة ١٧٣٠ ميلادية-كان لا يوجد لمنار إسكندرية أثر بالكلية، وكان محله قلعة صغيرة فيها برج صغير من مبانى المسلمين، وكان هو المستعمل فى هداية المراكب القادمة على إسكندرية.
ولما دخل الفرنساوية مصر، كان محل المنار سورا، والقلعة فى جزء صغير منه، وكان السور فى محل أصغر من المحل/الذى كانت به المنارة القديمة، كما كان يظهر ذلك من الآثار، ويظهر أنه كان هناك جامع، وكانت تسمى هذه القلعة عند الإفرنج القاريون.
ومن ضمن ما وجد محل المنارة، حيضان قديمة من الرخام، وعواميد، وبعض أسلحة، وجلل من الحجر، وغير ذلك.
стр. 1843
الجسر المسمى هيبتاستاد
هذا الجسر كان الطريق الموصل بين جزيرة رأس التين والمدينة، وكلمة هيبتاستاد مركبة من كلمتين: هيبتا التى معناها ٧، وأستاد (١) التى معناها غلوة، فعلم من ذلك أن هذا الجسر كان طوله سبع غلوات.
وذكر (استرابون) أن هذا الجسر كان متجها نحو النهاية الغربية من جزيرة رأس التين.
وكان به فتحتان لدخول المراكب من المينا الشرقية إلى المينا الغربية، وكان طريقا لمجرى ماء النيل إلى الجزيرة (وجول سيزار قيصر) قدرها ٩٠٠ خطوة، وجعل (هيروتوس) هذا الطول ٨٠٠ خطوة فقط، وذكر أنه كان عند كل فتحة طابيتان: طابية من جهة البلد، والأخرى من جهة الجزيرة.
وقد عين محمود بيك فى البحث الذى أجراه على آثار المدينة القديمة، أن محل الطابية التى كانت فى جهة البلد: كوم النادورة، وأما الطابية الأخرى فمحلها الآن حمام صفر باشا، وقد هجر هذا الجسر من زمن مديد، وردم بعضه وبنيت فوقه منازل كثيرة، وهى ما بين كوم النادورة وحمام صفر باشا، وكذلك ردم جزء من المينا القديمة وبنى فوقه منازل أيضا، وبالاطلاع على خرطة إسكندرية يعلم قدر المردوم منها.
المينا الشرقية
هذه المينا هى التى كانت مشهورة فى الأيام العتيقة، ويسميها الإسكندرانيون-الآن- بالمينا الجديدة، وكان يسميها من قبلهم (مانيوس بورتوس) المينا الكبيرة، وكان مدخلها ضيقا وبه شعوب وصخور كثيرة، منها ما يظهر على سطح الماء، ومنها ما هو مغطى به، وكان فى داخلها سرايات كثيرة للملوك، بعضها مبنى على الصخور الطبيعية، وبعضها بنى فوق صخور حادثة، وكان ساحلها من ابتداء برج السلسلة، إلى آخر السبع غلوات، مزينا بالسرايات الفاخرة، والمبانى البهجة والعمارات الميرية.
стр. 1844
ويعلم مما ذكره فلاوبوس ويوسف، أنه على شمال الداخل فيها، جسر فى غاية المتانة والصلابة، وعلى يمينه جزيرة فاروس (رأس التين) ولذا كانت السفن التى تدخلها فى غاية الأمن، وسعتها ٣٠ أستادة، وهذا يطابق محيطها-الآن-وقدره قريب من ٥٠٠٠ متر.
وقد عثر محمود بيك، أثناء بحثه عن آثار إسكندرية القديمة، على بواق من الجسر المذكور تحت سطح الماء بقدر ٣ بل ٤ أمتار، وتلك البواقى متجهة من برج السلسلة إلى جهة مدخل المينا، ويمتد إلى مائتى متر تقريبا.
ويظهر أن الحفر الموجودة الآن فى مدخل المينا كانت من ضمن الجسر المذكور، فإن كان كذلك، كان طول الجسر-من ابتداء برج السلسلة-نحو ٩٠٠ متر فى الطول، و ٦٠٠ فى العرض.
ومن هنا يعلم أن المينا كانت مقفولة من جميع الجهات، ما عدا الفم الذى كانت السفن تدخل منه، الذى هو من جهة المنار، وعرضه ٦٠٠.
والظاهر أنه كان منقسما إلى قسمين: أحدهما صغير وهو الذى كان من جهة المنار وقدره ١٠٠ متر تقريبا، والآخر عرضه ٢٠٠، وكانا منفصلين بصخرة وهى الآن تحت الماء بقدر ٧ أمتار.
وفى كتاب (مانى) الفرنساوى: أن الفتحة الكبرى كانت بقرب المنار، وتنتهى بصخور بنى فوقها قلعة ومنارتان، والفتحة الثانية: كانت بعد هذه، وكان على نهايتها من جهة برج السلسلة منار ثالث انهدم، ولم يبق له أثر فى وقته، وكانت المراكب تمر بين الثانى والثالث من المنارات، ولكنه لصغره وكثرة صخوره، كان لا يستعمل إلا للمراكب الصغيرة، والآخر هو الذى كان يكثر استعماله. وكانت الفتحات المذكورة تقفل بسلاسل من الحديد.
وقد عثر محمود بيك-أيضا-على آثار المينا الصغيرة، التى غربىّ برج السلسلة ومتصلة به، وكانت معدة لمراكب الملوك، وعلى جزيرة داخل المينا بعيدة عن نصف الساحل بقدر
стр. 1845
٣٠٠ متر، وموضعها غربى مينا الملوك على بعد ٤٠٠ متر منها، وشكلها شكل حدوة الحصان، والآن صارت كغيرها تحت سطح الأرض بقدر ٣ أو ٤ أمتار، وظن أنها الجزيرة التى كانت فوقها سراية (التيمنوم (١)، وكان يتوصل منها إلى البر بجسر فى منتصف المسافة التى بين برج السلسلة وجسر السبع غلوات، وكذا على آثار غير هذه من آثار المبانى والسرايات، التى كانت داخل المينا.
والمسافة الكائنة بين برج السلسلة وجسر السبع غلوات طولها ٢٢٠٠ مترا، وكان به السرايات الملوكية ومبانى البحرية، وكانت إحدى السرايات المسماة بالسراية البرانية محل برج السلسلة، ولعل سبب تسميتها بذلك خروجها عن المينا.
وعلى مقتضى ما ذكره (بلين) أنه كان مسلتان عند سراية السيرابيوم، التى بنتها كليوباترا الملكة، ومحلها الآن محدّد بالمسلة القائمة، وهذه السراية كانت باقية زمن (استرابون) وكان إحدى المسلتين-عند دخول الفرنساوية-قائمة، والأخرى ملقاة على الأرض، وقيس ارتفاع القائمة من القاعدة إلى آخر الهرم الأعلى فوجد ٦٢ قدما؛ أعنى ٢٠،٤٦ متر، وعرض ضلع القاعدة ٧/أقدام وثلاثة أصابع، وحسب مكعبها فوجد ٧٠ مترا مكعبا وعشرين من مائة، ووزنها ١٨٦٢٤٦ كيلو جرام و ٦٣ سنتجرام، وهاتان المسلتان من آثار الفراعنة، ونقلا إلى إسكندرية زمن البطالسة، وكانا زينة أمام السراية الملوكية فى مواجهة المعبد.
وكان بقرب السراية من جهة الشرق، ما بين برج السلسلة والمسلة، برج عظيم السعة، مستدير مركب من ثلاث طبقات، ويسمى عند الإفرنج بالبرج الرومانى، ولا بد أنه البرج المعروف ببرج المسلة.
والسرايات الأخر كانت بين هذه السراية وبرج السلسلة والتياترو.
والسراية التى أقام بها قيصر حين دخوله مصر ومحاربته مع (مارك أنتوان) كانت فى مقابلة جسر التيمنيوم (٢)، من جهة المدينة منحرفا قليلا إلى الشرق.
стр. 1846
مطلب فى بيان محل السوق المعروف فى كتب الروم باسم النبريوم
ومن السيرابيوم إلى جسر السبع غلوات، كانت السوق المعروفة فى كتب الروم باسم (النبريوم) وكان به معبد (نيتون) ويظهر أنه كان معدا لبيع أصناف التجارة الواردة والصادرة، وأنه كان بالمدينة أسواق غيره، وهذا السوق كان أشبه شئ بالبروسة الآن.
وفى خطط الفرنساوية لمصر: أن (أمزيس) أحد فراعنة مصر، كان جعل عدة أسواق من هذا القبيل فى المدن المعتاد تجارة الأروام فيها، وكان ذلك قبل دخول الفرس أرض مصر، وكان يجلس فى هذه الأسواق عرفاء وقضاة لفصل القضايا، وكان بقرب السوق المذكور، مخازن البضاعة المعدة للبيع فى السوق المذكور، ثم بعد ذلك الترسانة
وكان أمام جسر السبع غلوات ميدان متسع من جهة المدينة؛ على ما ذكره (هيرينوس).
وقال (استرابون)، بعد أن ذكر المينا الكبيرة وما اشتملت عليه، أن مينا (أونست) (١) فى الجهة الثانية من جسر السبع غلوات، وكان بها مينا حفرها الآدميون تسمى (سيبتوس) وحولها ترسانات، وفى آخر هذه المينا فم خليج كان موصلا إلى الملاحة ثم إلى بحيرة مريوط، وكان خلف الخليج المذكور جزء صغير من المدينة ثم خطط لنكروبوليس (مدينة الأموات).
ثم قال: وفيها كثير من البساتين والقبور، ومنازل لتصبير الأموات.
والخليج الذى تكلم عليه (استرابون) أثره يوجد الآن جهة المكس، بعيدا عن البلد بخمسة آلاف متر وخمسمائة تقريبا، ووجد من جهته البحرية أثر أرصفة تعين المينا التى كانت فى البحيرة، وهو الذى جعله (جليس بيك) خندقا من الجهة الجنوبية الغربية لاستحكامات الإسكندرية.
وقال محمود بيك: إن مينا (سيبتوس) التى معناها الصندوق، بقرب جسر السبع غلوات، وأن مينا (أونوس) (٢) بعدها. ولكن يخالفه ما ذكره (مسيومانى) الفرنساوى فى كتابه
стр. 1847
على مصر المؤلف سنة ١٧٣٥ ميلادية، حيث قال: إن أول مينا تقابل القادم على مصر من الجهة البحرية هى مينا (سيبتوس)، التى هى شرقى برج العرب، البعيدة عنه بقدر ٤ أو ٥ فراسخ، وليست منفصلة عن مينا (أونوست (١) إلا بقدر ميلين أو ثلاثة، وكان الخليج معدا للملاحة بينهما.
ولم تكن هذه المينا مستعملة إلا فى النادر، بسبب أنها عرضة لتسلط الرياح الشمالية، ولذا لا تدخلها المراكب إلا عند عدم إمكان الوصول إلى مينا (أونوست)، فإن جزيرة رأس التين تحفظها من تسلط الرياح.
وعبارة (استرابون) تفيد أن الخليج يخرج من مينا (سيبتوس)، وأن مينا (أونوست) بعد المينا الشرقية، ومينا سيبتوس من ضمنها وهى بعدها أيضا.
وأظن أن هذه المينا، أكانت جهة المينا التى كان يقف بها وابور المرحوم سعيد باشا عند باب العرب، والمينا المستعملة الآن هى مينا أونوست المذكورة، ويوجد مدخلها بين الأرض والنهاية الغربية لجزيرة رأس التين، وهو عسر العبور لضيقه وكثرة شعوبه، لكن متى جاوزته السفن كانت فى مينا متسعة عظيمة آمنة، وكانت فى الزمن القديم متحدة مع المينا الشرقية، ثم انفصلتا بجسر السبع غلوات فى زمن الروم، فصار ما فى جهة الغرب المينا القديمة، وما فى جهة الشرق المينا الجديدة، وهى المستعملة الآن.
وبعد أن كانت هذه المينا مختصة بالسفن الواردة من الجهات الأروباوية، والمينا القديمة مختصة بسفن المسلمين، صارت المينا القديمة مشتركة بين سفن المسلمين وغيرهم.
وجميع العمارات البحرية المختصة بعمارة المراكب، والجمرك، وديوان البحرية، والحوض الذى عمل فى زمن المرحوم محمد علىّ باشا فى الجهة الشرقية البحرية منها، وصار الشروع زمن الخديوى فى عمل مولص يمتد فى وسطها بأرصفة فيه وفى دائر المينا، من ابتداء فم المحمودية إلى الحوض، قفل فمها من جهة البحر بجسر من الأحجار، لسهولة تفريغ البضائع الواردة والصادرة، وزيادة الأمن، ومنع الموج وتسلط الرياح فى داخلها، ليكون جميع السفن على غاية من الأمن.
стр. 1848
وبهذه الوسائط مع الحوض الجديد، الذى صنع فى زمن الخديوى، لإصلاح المراكب عوضا عن الحوض القديم، صارت هذه المينا من أعظم المين، ويرى فيها كل يوم عدد كثير من السفن التجارية وغيرها، الواردة من جميع الأقطار.
ولا يوجد شئ من الآثار القديمة/حول المينا بل كل ما هو هناك حادث.
والرياح الكثيرة الهبوب فى السنة هى الرياح الشمالية البحرية، وتيار المياه فى المينا من الغرب إلى الشرق، وهما اللذان مع تمادى الأيام كانا سببا فى ردم جزء عظيم بنى فوقه الناس، ودخل ضمن أرض المدينة الجديدة، وكان عند دخول الفرنساوية لا يوجد بها محلات لعمارة السفن، فأحدثوا لذلك محلات وقتية فى محل الترسانة الحالية.
العمارات الملحقة بالسرايات
من ذلك مدفن البطالسة، وقبر إسكندر، وكانت الأروام تسمى ذلك سوما: يعنى (الجسد) وكان فى وسط المدينة، بناء على ما ذكره (تيتوس).
وقد استدل محمود بيك-فى مباحثه-على أن كوم الدكة يوافق ذلك، لأن كوم الإسكندرانيين يسمونه كوم الديماس، ومن جملة مبانيه: السرداب والحمام، ويظهر أن ذلك أحد السراديب التى كانوا يدفنون بها موتاهم، ويؤيد قوله أنه عثر هناك على قبور شتى فيها كثير من العظام، وأن أصحاب المنازل المبنية هناك عثروا على كثير من ذلك.
مطلب فى تحقيق أن نبى الله دانيال لم يدفن بمدينة إسكندرية
واعتقد أهل الإسكندرية أن نبى الله (دانيال) دفن بالإسكندرية فى أسفل كوم الدكة، واتخذوا قبره مزارا. ولكن لم يقل أحد من المؤرخين، لا من العرب ولا من غيرهم، بأن هذا النبى دفن بها، ومن المعلوم أنه مات فى مبدأ زمن (كيروس) قبل بناء الإسكندرية بثلاثة قرون، وتقضى زمنه فى مدينة بابل، ولذلك قال محمود بيك: إنه لم يدفن
стр. 1849
بالإسكندرية، والقبر الذى يعزى إليه يمكن أنه قبر الإسكندر، وليس ذلك ببعيد.
وذكر (ليون) الإفريقى، وكان فى القرن الخامس عشر، أنه رأى أهالى الإسكندرية تعظم قبر الإسكندر كتعظيمهم للنبى.
وفى سنة ١٥٤٦ ذكر (مرمول) أنه شاهده فى وسط المدينة، قريبا من كنيسة سان مارك.
ومدفن البطالسة السابق الذكر كان ملحقا بالسراية، وكذا المزيوم؛ وهو عبارة عن محل يجتمع فيه عدة من العلماء، وكان به دار كتب حرّقت عند وضع سيزار، أو قيصر النار، فى سفن الإسكندرانيين.
وبناء على ما ذكره (استرابون)، كان به محل تنزه وذلك للجلوس، يجتمع فيه العلماء لتعاطى الطعام، وكان لهؤلاء العلماء إيراد مشترك، ورئيسهم فى الأصل كان من الكهنة، وكان توليته بأمر الملك ثم صار بأمر القيصر.
وبيت قنصل بروسيا الآن بالإسكندرية، هو محل المزيوم المذكور، وأما السيرابيوم فمحله على التحقيق عمود السوارى، وهو من بناء (بطليموس سوتر) فى قرية رقودة، على ما ذكره (تاسيت)، فى محل المعبد الذى كان للمقدس (إزيس) وللمقدسة (سيرابيس) (١) معبودة أهالى هذه القرية قديما.
وذكر المؤرخ المذكور: أنه فى زمن بطليموس، أول مؤسس دولة البطالسة، حين كان مشغولا بزينة المدينة، رأى فى نومه شابا جميل الصورة عظيم الخلقة، فأمره بأن يرسل إلى بلاد البون من يأتى بتمثاله، ووعده ببقاء ملكه وسعادته، ثم بعد ذلك صعد إلى السماء فى وسط سحاب من نار، فتعجب بطليموس من ذلك، وأرسل إلى المعبرين من المصريين، وقصّ عليهم ما رآه، فلم يدروا بلاد البون، فأرسلوا أحضروا من ناحية إيلوزى (بتمونى الاثنين) وسألوه فى ذلك، فبعد أن استفهم ممن لهم معرفة بهذه البلاد، قال: إنه فى ضمن
стр. 1850
الولاية مدينة تسمى (هيتوب)، وبقربها معبد يقال له: معبد المشترى بلاتون، فلم يلتفت بطليموس لذلك واشتغل بحظوظه، فأتى له الشاب وضايقه وقال له: إن لم تنجز ما أمرتك به أضعتك وملكك، فأرسل رسلا من طرفه بهدايا إلى ملك البون ليطلب التمثال، فحصل منه توقف ولكن بكثرة الهدايا والتهديد سلمه. فلما حضر التمثال بنى له معبد السيرابيوم.
وذكر أغلب المؤرخين: أنه مصرى، وذكر (جابيلونسكى) أنه (صنوب) بقرب منفيس اسمه (صنوبيوس) كان بقربه معبد سيرابيس، وهو المراد فى عبارة (تاسيت).
وكان المصريون يزعمون أن سيرابيس يشفى من الأمراض، وكان له كتاب من القسوس، يقيد ذلك فى دفاتر مخصوصة، وكان لهذا المقدس معابد كثيرة بمصر أشهرها ما كان بمنفيس والإسكندرية، وكان منها واحد بمدينة كانوب له شهرة عظيمة.
وكان بقرب السيرابيوم الملعب المعروف عند الروم بكلمة: استاد، وكان يلعب فيه على رأس كل خمس سنين ومحله الجمناس، على ما حققه محمود بيك، وكان على الشارع الكبير المار فى وسط المدينة طولا، ومن ضمنه الآن شارع باب شرقى، وعلى الشارع الكبير القاطع للمدينة عرضا وزاويته الشرقية البحرية تقاطع الشارعين. وباب شرقى الآن-أو باب رشيد- يقع فى جهتها البحرية بقليل.
وكان الجمناس المذكور أو الملعب، عبارة عن محل متسع محاط ببواك محمولة على أعمدة فى طول استاد، وكان بوسطه-على ما ذكره استرابون-المحكمة والبساتين.
وقد شاهد (مانى) الفرنساوى فى هذا المحل سنة ١٧٣٥ ميلادية عدة أعمدة، بعضها قائم وبعضها ملقى على الأرض فى مسافة خمسمائة خطوة، وجميعها على خط مستقيم تدل على أحد أضلاع الميدان، وفى مقابلتها بعض أعمدة أخرى تؤيد ذلك، وكان أثر بناء من الطوب فى الوسط يدل على بقايا نافورة، فإن لم يكن ذلك/الجمناس فهو الميدان الملاصق له.
стр. 1851
مطلب فى الكلام على دار الكتب الصغيرة التى كانت بالإسكندرية
قد ذكر أعيان مارسلان عند التكلم على السيرابيوم، أنه كان به دار الكتب، لكنها غير دار الكتب الكبيرة التى كانت ملحقة بالسرايات، ويؤيد ذلك ما ذكره (وتروف) حيث قال: إنه كان بمدينة الإسكندرية دار كتب غير الكبيرة، ولم يكن ثم غير الموجودة فى معبد السيرابيوم، ولبعدها عن المينا لم تصلها الحريقة، التى احترقت فيها السراية وملحقاتها عند محاصرة الإسكندرانيين قيصر.
وقد قيل إن عدد ما كان بها من الكتب يبلغ ٣٠٠٠٠٠ مجلد، وفى زمن كليوباترا أضيف إليها مائتا ألف مجلد، كانت بدار كتب مدينة بيرجام، فأخذها (أنتوان) معشوقها وأهداها إليها.
وبعد احتراق دار الكتب الكبرى، صار لا يوجد بمدينة الإسكندرية غيرها، وبعد أن كانت المدرسة ودار التحف من ضمن ملحقات السرايات، ألحقا بمعبد السيرابيوم، ومن ذلك الحين اتسعت شهرته إلى القرن الرابع من الميلاد.
ونقل (أمبير) الفرنساوى أن هذا المعبد احترق مرتين: مرة فى زمن القيصر (ماركوربل (١) ومرة فى زمن القيصر (كومور) (٢).
وفى خطط الفرنساوية: أن إحراق السيرابيوم كان بأمر البطريق (ثيوفيل) بعد توقف كثير من العلماء والأهالى، ثم بنى محل السيرابيوم كنيسة سميت أركاديوم؛ من اسم القيصر (أركاديوس) المتولى تخت القيصرية بعد القيصر (تيودوز (٣) الأكبر) وجعل فيها دار كتب، جمع فيها ما أبقته النار، وشيئا كثيرا من كتب النصرانية وهى التى ينسب إحراقها إلى عمرو ابن العاص لكن لم يعلم وجه انتساب ذلك إليه، فإن هذه الحادثة لم يتكلم عليها أحد من المؤرخين فى عصره، من النصارى وغيرهم، ولم يظهر ذلك إلا فى القرن الثالث عشر من الميلاد، من كتابة تنسب إلى أبى الفرج بطريق مدينة حلب، مع أنه لم يذكرها فى تاريخه العام.
стр. 1852
وفى النبذة السنوية لمجلس مصر اللانبستيتو. أى المجلس العلمى، من ضمن ما قيل فى جلسة أغسطس سنة ١٨٧٤ ميلادية، أن (بولص أوروز) من تلامذة (ماراى أجستان) (ومارى جيزوم) لم يجد شيئا من الكتبخانة حين مروره بإسكندرية سنة ٤١٤ من الميلاد، يعنى قبل دخول سيدنا عمرو بلاد مصر بمائة وثلاثين سنة، فالظاهر أن القول بأن إحراق كتبخانة إسكندرية كان بأمر سيدنا عمر، محض افتراء اختلقته قسوس النصارى، فإنه قد حصل إحراقها مرارا قبل دخول الإسلام، والكتب القديمة الموروثة عن الأعصر الخالية، قد محتها أيدى النصارى.
مطلب فى الكلام على الجامع المعروف بجامع الألف عمود
ويقال له الجامع الأخضر، وجامع السبعين، كان الداخل من باب المدينة الغربى يشاهد الجامع المذكور عن يمينه، وكان موجودا بتمامه زمن دخول الفرنساوية، وكان يتعجب من كثرة أعمدته ونظامه، وكان شكله مربعا.
وإنما يسمى بجامع الألف عمود وجامع السبعين لأن الاثنين والسبعين حبرا الذين ترجموا التوراة من العبرية إلى الرومية، فى زمن بطليموس فليدانوس (١)، كانوا مقيمين به مدة الترجمة.
ولكن يظهر مما ذكره بعضهم: أن الترجمة كانت فى جزيرة رأس التين بإسكندرية، وظن بعضهم أنه من المبانى القديمة، وأنه كان قبل أن تجعله المسلمون جامعا، كنيسة من كنائس إسكندرية فى زمن قياصرة القسطنطينية، باسم الشهيد سان مارك، وكان بطريق إسكندرية يقيم بها. وقبل ذلك، فى زمن قياصرة روما، كان محكمة أو ديوانا.
стр. 1853
مطلب فى الكلام على وصف مدينة إسكندرية
بعد فتح المسلمين لها وما فعلوه بها
لما فتح الله على المسلمين مدينة إسكندرية سنة ٦٤٠ من الميلاد، أبقوا أسوارها على ما كانت عليه فى زمن الرومانيين، وعمروا ما تهدم منها بالمحاصرة التى أقامت أربعة عشر شهرا، واستشهد فيها من العرب ما يقرب من ٢٣٠٠٠ نفس.
لكن بسبب تركهم المدينة وإقامتهم بمدينة الفسطاط، نقص أهل مدينة إسكندرية مع مرور الزمن.
وفى القرن التاسع من الميلاد، أعنى بعد فتح مصر بقرنين، أيام خلافة المتوكل وهو العاشر من بنى العباس، والثانى والثلاثون من الخلفاء بعد رسول الله ﷺ ، هدم أحمد بن طولون الأسوار القديمة وبنى غيرها، فما كان جهة الغرب بقى على ما كان عليه مع بعض تغيير، وأما ما كان من الجهة الشرقية والجهة القبلية فقد دخل كثير الخراب هاتين الجهتين. وذكر بعضهم أن ابن طولون إنما عمر الأسوار القديمة فقط.
ثم فى سنة ١٢١٢ اعترى المدينة والأسوار تخرب فاحش، فبنى أحد من تولى على تخت الديار المصرية، بعد صلاح الدين، أسوارا أخر وهى التى بقيت إلى دخول الفرنساوية، فعلى ذلك يكون قد بقيت أسوار مدينة الروم قريبا من ٦٠٠ سنة بعد الفتح، وجميع المؤن التى بنى بها سور ابن طولون أخذت من الأطلال والأسوار القديمة، وكذلك جميع العمارات التى حدثت بعده فى أزمان السلاطين من المماليك، إلى دخول السلطان سليم، كلها كذلك من المبانى القديمة.
وبهذا الانتقال، كانت مساحة المدينة فى زمن ابن طولون أقل من نصف مساحتها فى زمن الرومانيين، وبقيت على ما وضعها عليه ابن طولون إلى زمن دخول الفرنساوية، لكنها على حسب/الأزمان والأحوال كانت أخذت فى التخرب.
стр. 1854
وفى سنة ١٧١٨ ميلادية، بناء على ما ذكره (ماتى) -قنصل فرنسا فى ذاك الوقت- فى وصف إسكندرية، أن التخرب كان قد اعتراها وغيّر معالمها، حتى صار لا يوجد فى مدينة العرب أكثر من مائة بيت، وتحول غالب الناس إلى ساحل المينا، وبنوا منازلهم فوق الأرض، التى حدثت من انحسار البحر، فى محل السبع غلوات، وهجرت مدينة العرب بالكلية، فكانت خرابا بلقعا لا يأوى إليها إلا أشقياء الناس، وتلك البلد التى حدثت بنيت بأنقاض مدينة الأروام.
وعلى هذا، كان الخراب ممتدا من مكان مدينة كانوب إلى باب العرب على ساحل البحر، ومن جهة الأرض إلى ساحل البحيرة وخليج إسكندرية، وكان لا يزيد عدد أهل البلد الجديد عن أربعة آلاف نفس بمن وفد إليهم من سائر الولايات.
مطلب فى بيان مساحة مدينة إسكندرية
فى أيام الفرنساوية
يظهر من رسم الفرنساوية لهذه المدينة، أن محيط أسوار مدينة العرب أربعة آلاف وثلثمائة تواز، أعنى قريبا من فرسخين، وكان فى زمن الأروام ١٣٤٠ توازا، وكان يمكن مقارنتها بمدينة القاهرة لمعرفة عدد السكان؛ لأن عوائد السكن واحدة فى المدتين، فنقول:
إنه قيس مساحة إسكندرية فوجدت ٨٠٠٠٠٠ تواز مربع، وهو أقل من نصف المساحة القديمة، وكان محيط القاهرة عند دخول الفرنساوية ٢٤٠٠ ألف مترا و ١٢٠٠ تواز، ومساحتها ٢٠٨٨٥٤٠ توازا مربعا، وأهلها ٢٥٠٠٠٠ نفس.
فبناء على ذلك، يكون أهل إسكندرية فى زمن ابن طولون قريبا من ٨٠٠٠٠ نفس، أعنى أنه حصل-فى ظرف مائتى سنة-نقص سبعة أثمان أهلها، مع ضياع شهرتها القديمة.
ومع ذلك فكانت من المدن الكبيرة، ولم تتحول عنها التجارة حتى يزول كل سعدها.
ويستفاد مما ذكره أبو الفداء، أن كثيرا من حارات البلد-لغاية القرن الثالث عشر من الميلاد-كان باقيا على وضعه القديم، وكذلك المنار ومبانيها العظيمة.
стр. 1855
ونقل عن السلف من المؤرخين: أن أسوار المدينة-فى غير جهة البحر-كانت عبارة عن حائطين أو ثلاثة بينهما أبراج يبلغ عددها-على ما قيل-مائة، بعضها من طبقتين، وبعضها من ثلاث طبقات، وكانت تبرز عن سمت الأسوار داخلا وخارجا، لأجل كشفها بالمحافظين، وكان بعض الأبراج المذكورة فى غاية من العظم والمتانة، حتى كان يرى-على حدته-كقلعة حصينة.
ولولا التراخى والإهمال، وعدم النظر فى الأحوال، ومعرفة (ماتى)؛ لكان فى الإمكان صد الفرنساوية، ومنعهم عن الدخول إلى أن تستعد الحكومة وترسل لهم من يطردهم، لكن يظهر أنه فى تلك الأوقات كانت أهمية إسكندرية منحصرة فى إيراد الجمرك لا غير، ولذا لم يجد جيش الفرنساوية من يصده ويردعه، وأخذت المدينة بقليل من العساكر بدون مكافحة ولا حرب ولا إطلاق مدفع.
ولما دخل الفرنساوية، كان داخل المدينة أشبه شئ بمبانى الأرياف، وكانت حاراتها ضيقة غير مستقيمة، والمنازل متلاصقة قليلة الارتفاع، وأكثرها أرضى، وكان لا يوجد بها غير جامعين للمسلمين وديرين للنصارى، وكان ما حول البلد جميعه خرابا، وكان إذا وجّه الإنسان وجهه إلى أى جهة، يجد بعض قطع الأعمدة والصخور ملقاة على وجه الأرض أو مدفونة بها، وكان يوجد فى وسط ذلك كثير من كوش الجير، تدل على أن الأهالى كانت تحرق ما بقى من المنازل القديمة، وكانت الأرض تحفر لإخراجها منها، وترتب على ذلك وجود حفر كثيرة فى أرض المدينة، فكم هلك من آثار المدينة العتيقة بهذه الأسباب.
مطلب فى بيان عدد أبواب إسكندرية التى كانت بسورها القديم
والأبواب التى كانت فى السور خمسة:
الأول: باب غرب، ومنه كان الوصول بين القبارى والمدينة.
والثانى: باب القرافة، فى مقابلة جسر السبع غلوات.
والثالث: باب الميدان، وكان على المينا الكبرى محل باب القمر فى القديم.
والرابع: باب العمود أو باب سدرة، وهو باب الشمس فى القديم.
والخامس: باب رشيد، الذى يعرف الآن بباب شرق
стр. 1856
وجميع هذه الأبواب كانت مبنية من أحجار وعمد قديمة، وكان فى أعتابها أعمدة كاملة، فكان فى عتبة كل باب عمود وفى أعلاه عمود يمتد بعرض العتبة.
مطلب فى الكلام على ضواحى مدينة إسكندرية
نيكروبوليس: يعنى مدينة الأموات، وكانت خلف السور من الجهة الجنوبية الغربية، ومحلها الآن القبارى مع المكس. وكلمة قبارى تحقق ذلك؛ لأن معناها الدفن، وكانت حدودها من الشمال الغربى الخليج الموصل بين المينا وبحيرة مريوط. وكان بين محل الدفن وسور المدينة بساتين ومنازل تنتهى إلى خليج يوصل ماء النيل إلى المينا-بناء على ما ذكره استرابون-
ومحل اتصال هذا الخليج بالبحر يعرف بباب البحر، وبعده باب العرب؛ وسمى بهذا الاسم لدخول المسلمين منه وقت فتح إسكندرية.
وبإضافة طول الأرض المشغولة بالمقابر إلى طول المدينة، يحصل ١٠٠٠٠ متر، وهو الطول الكلى، وبإضافة هذا الطول إلى نفسه، وإضافة ضعف العرض إليه-وهو ١٥٠٠ متر-يتحصل على محيط المدينة القديمة وهو ١٢٣٠٠٠ متر تقريبا، وهو موافق لما ذكره (بلين) من أنه ١٥ ميلا رومانيا.
ولم يكن هذا المحل خاصا بالقبور، بل كان به أيضا منازل/القسوس المعدة لدفن الأموات، وبسبب كونها تشرف من جهة على البحر ومن جهة على البحيرة، بنى بها كثير من الأهالى منازل وبساتين، وكان هذا المحل-كغيره-مملوءا بالناس، وفيه محلات للبيع والشراء، وكان يعمل به كثير من الموالد يجتمع فيها كثير من الناس.
وبعد الخليج-بقدر ٦٢٠٠ متر-يوجد العجمى، وكان محله الرأس المعروف عند الأقدمين (شيروزنوس) وبينه وبين النهاية القبلية الغربية من جزيرة رأس التين، كانت جميع الصخور الموجودة فى فم المينا، ومنها كانت الثلاثة الأفواه المعدّة للدخول فيها. والبعد بين هذا الرأس وبين سور المدينة ٧٠ أستادة، على ما ذكره (استرابون)، وذلك بالمتر ١١٥٠٠.
стр. 1857
وفى الجهة الشرقية البحرية من المدينة، على بعد ٣٠ أستادة، كانت (نيكوبوليس مدينة صغيرة. وكانت الواقعة التى بين (قيصر وأنتوان) هناك، وكان بها سرايات الأمراء، ومنازل الأعيان، والبساتين النضرة الفاخرة.
ومعنى كلمة نيكوبوليس: مدينة النصر، واستكشف بها فى هذه الأزمان معبد قريب من المحل المعروف عند الأهالى: بقصر قيصر، والغالب أنه من ضمن النيكوبوليس، وكان بعد هذه الناحية ناحية أخرى تسمى (بوكليس)، وكانت منازلها منها ما هو على البحر، ومنها ما هو على الخليج الحلو، وكانت محل تنزه وتفسح، وكان الخليج المذكور على يمين الخارج من باب كانوب، بناء على قول استرابون، وبساحل البحيرة الخليج الموصل إلى ناحية (شيديا)، وكانت على خليج إسكندرية المتصل بالنهر الأكبر وقبل أن يصل إلى مدينة كانوب يصل إلى ناحية بيلوزه، وهو محل قريب من إسكندرية ومن نيكوبوليس على شاطئ الخليج، وكان بها أيضا بساتين وحدائق ومحلات للنزهة، يذهب إليها أهل اللهو والفجور من رجال ونساء، ومحلها الآن على-ما حققه محمود بيك-جنينة بستزيه، والحضرة، وكان به كثير من الدكاكين والمضايف، وكان يوجد فيه دائما خلق كثيرون من أهالى إسكندرية بالليل والنهار، وكان فيه عدة أسواق وموالد سنوية يهرع إليها خلق كثيرون من جميع الجهات.
فلو أضفنا ضواحى إسكندرية إليها لوجدنا مساحة ذلك تبلغ ٢٥ كيلومترا مربعا، وهو ربع مساحة مدينة باريز الآن.
مطلب فى بيان عدد أهالى إسكندرية
لو فرض أن الأهالى كانت موزعة على أرض إسكندرية، كما هى موزعة فى أرض باريس، لوجدنا أن عدة الأهالى تنقص عن ٤٠٠٥٠٠ نفس، وهذا يحقق ما ذكره (ديودور) وغيره من أن أهلها فى زمن أغسطس كانوا ٣٠٠٠٠٠ من الأحرار، فبإضافة الأرقاء إليهم يكون ٥٠٠٠٠٠، إن لم يكن أكثر من ذلك.
стр. 1858
والآن-أعنى سنة ١٨٧٢ ميلادية-بإضافة أهالى القبارى والمكس والمحمودية إليهم يبلغ عددهم ٢٠٠٥٠، وفى وقت جلوس العزيز محمد على باشا، كان عدد الأهالى من سبعمائة ألف نفس إلى ثمانمائة ألف نفس، وعند انتقاله إلى رحمة الله بلغ ذلك ١٠٠٠٠٠ نفس.
مطلب فى الكلام على وصف مدينة إسكندرية
خليج إسكندرية
هذا الخليج كان محاذيا لسور المدينة القبلى، على بعد ٣٠٠ متر منه، وفمه الآن بحرى شرقى فم المحمودية بقدر ألف متر، وكان من داخل المدينة معقودا غير مكشوف.
وترعة المحمودية التى حفرها العزيز محمد على باشا سنة ١٨٢٠ ميلادية كلها محل الخليج ما عدا الفم فإنه فى المينا هو وبعض تعديلات جليلة، وكان على الخليج القديم ثلاث قناطر، بين الحضرة والبلد، وعند حفر المحمودية تهدمت. وكانت القناطر المذكورة على أبعاد متساوية:
الأولى: من جهة البلد فى مواجهة الشارع الموصل لجسر السبع غلوات.
والثانية: فى مقابلة الشارع الموصل لرأس السلسلة.
والثالثة: قبل ناحية بلوزه على بعد ١٤ أستادة، ولا بد أنه كان فى مقابلتها شارع كبير يوصل إلى الميدان الكبير الذى كان خارج البلد فى الجهة الشرقية البحرية، وهو الذى كانت الخلق تجتمع فيه للتفرج على الملاعب المعتادة فى كل خمس سنين، بناء على قول مؤرخى الروم، أو فى كل سنة بناء على أقوال مؤرخى العرب، وهذا الشارع كان يوصل إلى المعبد الذى على البحر ومدينة النصر.
ووجود تلك القناطر وسعة المدينة وكثرة أهلها، يدل على أنه كان فى دائر محيط البحيرة، وبينها وبين الخليج أراض وبساتين كثيرة للنزهة فى جميع أوقات السنة.
стр. 1859
والمسافر من إسكندرية فى خليج شيديا، بعد أن يجاوز إيلزى بثلاثة آلاف وخمسمائة متر، يرى عن شماله فم ترعة كانت تخرج من خليج شيديا، محاذيا لكثبان الرمل التى بنيت عليها نيكوبوليس، ثم بعد ذلك تنتهى عند مدينة قانوب.
وكانت قرية شيديا على بعد أربعة وعشرين فرسخا من إسكندرية، بناء على ما ذكره (استرابون) وغيره، وكانت كثيرة العمران تقرب من أن تعدّ من المدن لكثرة أهلها، وكانت مركزا لأخذ الجمرك من المراكب الحادرة والمقلعة، ولذا قال (استرابون) إنه كان هناك قنطرة من المراكب على النهر واسم القرية مستعار من اسم القنطرة.
ويظهر من قول (استرابون) هذا أن شيديا كانت على فرع قانوب، وعلى بعد ١٦٠ أستادة من إسكندرية، لأن الشى (١) عبارة عن ٤٠ أستادة على قول المؤلف المذكور.
وقد قاس محمود بيك البعد من القرية المعروفة بالنشوة الجديدة، إلى إسكندرية/فظهر له أن هذه القرية يوافق محلها محل قرية شيديا، وأن بينها وبين إسكندرية ٢٧ كيلومترا، فعلى ذلك تكون التلول الممتدة بقرب القرية فى طول ١٨٠٠ وعرض ٥٠٠ متر، وقرية نشوة التى فى وسطها هى آثار هذه المدينة، وأن فرع النهر كان فى أسفل هذه التلول جهة الجنوب، ممتد إلى قريب من ٢٠٠٠ متر، يعنى قريبا من الكيريون وأن خليج الإتكاوية فى محله.
ويحقق ذلك ما نقله (استرابون) عن (بركوب) من أن النيل كان يأتى إلى ناحية (كيرو)، وهى قريب من ناحية شيديا على بعد ٢٠ ميلا من إسكندرية، وكان يخرج من هذا الموضع خليج إسكندرية، والنيل ينعطف إلى الشمال ويفارق أرض الإسكندرانيين، ويكون المحل المسمى (كيرو)، فى العبارة السابقة، هو الكاريون لأن البعد من هذا المحل إلى إسكندرية على الخرطة باتباع اعوجاج الخليج قريب من ٢٩ كيلو ونصفا، وهو قريب من العشرين ميلا، التى عينها (بركوب).
стр. 1860
فعلى ذلك يظهر من هذه العبارة، ومما ذكره (استرابون)، صحة كون شيديا على النيل، وأن محلها النشوة الجديدة، وأن ترعة الإتكاوية الآن بعض الفرع المذكور، وأن مبدأ خليج إسكندرية كان بين هاتين.
وذكر المقريزى أنه فى سنة ٧١٠ من الهجرة فى زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، اشتغل ٤٠٠٠٠ من الناس فى تطهير خليج إسكندرية، وبعد تطهيره قيس فوجد ثمانية آلاف قصبة حاكمية، من ابتداء فم النيل إلى مشتيار (١)، ومن مشتيار إلى إسكندرية كذلك، وكانت فى القديم قرية مشتيار مبدأ خروج الخليج من النيل.
وحيث أن القصبة الحاكمية ٣،٨٥، فالثمانية آلاف قصبة بها هى البعد ما بين إسكندرية والمنشية تقريبا، فتكون هذه القرية فى محل شيديا، التى فى عبارات استرابون، وشيتار، التى فى عبارة المقريزى، وتكون نقطها من نقط فرع كانوب ونقطة الكاريون ثانية، ونقطة كانوب ثالثة.
وقد اختلف المؤرخون فى موضعها، ولكن حقق محمود بيك رسالته، أنه يقع فى منتصف جسر أبو قير على بعد ٦ كيلو مترات من رأس أبو قير، وبقدرها من الكوم الأحمر الذى على الساحل، وعلى بعد ٢ كيلومتر غربى فم بحيرة إتكو المسمى بفم المعدية. فبناء على ذلك يظهر أن البحر زحف على أرض المدينة، وأن جميع محلها الآن أو أكثره مغطى بالمياه المالحة.
وفم فرع قانوب، بناء على أقوال المؤرخين وقول الفاضل المذكور، كان فى أسفل الكوم الأحمر على بعد ٢ كيلومتر من فم المعدية، وفى هذا الموضع أعنى محل الكوم الأحمر، كان معبد هيركول، وكان بينه وبين جزيرة فاروس، بناء على قول (استرابون)،١٥٠ أستادة وهو بالمتر ٢٥ كيلومترا.