← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وجميع هذه الأبواب كانت مبنية من أحجار وعمد قديمة، وكان فى أعتابها أعمدة كاملة، فكان فى عتبة كل باب عمود وفى أعلاه عمود يمتد بعرض العتبة. مطلب فى الكلام على ضواحى مدينة إسكندرية نيكروبوليس: يعنى مدينة الأموات، وكانت خلف السور من الجهة الجنوبية الغربية، ومحلها الآن القبارى مع المكس. وكلمة قبارى تحقق ذلك؛ لأن معناها الدفن، وكانت حدودها من الشمال الغربى الخليج الموصل بين المينا وبحيرة مريوط. وكان بين محل الدفن وسور المدينة بساتين ومنازل تنتهى إلى خليج يوصل ماء النيل إلى المينا-بناء على ما ذكره استرابون- ومحل اتصال هذا الخليج بالبحر يعرف بباب البحر، وبعده باب العرب؛ وسمى بهذا الاسم لدخول المسلمين منه وقت فتح إسكندرية. وبإضافة طول الأرض المشغولة بالمقابر إلى طول المدينة، يحصل ١٠٠٠٠ متر، وهو الطول الكلى، وبإضافة هذا الطول إلى نفسه، وإضافة ضعف العرض إليه-وهو ١٥٠٠ متر-يتحصل على محيط المدينة القديمة وهو ١٢٣٠٠٠ متر تقريبا، وهو موافق لما ذكره (بلين) من أنه ١٥ ميلا رومانيا. ولم يكن هذا المحل خاصا بالقبور، بل كان به أيضا منازل/القسوس المعدة لدفن الأموات، وبسبب كونها تشرف من جهة على البحر ومن جهة على البحيرة، بنى بها كثير من الأهالى منازل وبساتين، وكان هذا المحل-كغيره-مملوءا بالناس، وفيه محلات للبيع والشراء، وكان يعمل به كثير من الموالد يجتمع فيها كثير من الناس. وبعد الخليج-بقدر ٦٢٠٠ متر-يوجد العجمى، وكان محله الرأس المعروف عند الأقدمين (شيروزنوس) وبينه وبين النهاية القبلية الغربية من جزيرة رأس التين، كانت جميع الصخور الموجودة فى فم المينا، ومنها كانت الثلاثة الأفواه المعدّة للدخول فيها. والبعد بين هذا الرأس وبين سور المدينة ٧٠ أستادة، على ما ذكره (استرابون)، وذلك بالمتر ١١٥٠٠.

стр. 1857

وفى الجهة الشرقية البحرية من المدينة، على بعد ٣٠ أستادة، كانت (نيكوبوليس مدينة صغيرة. وكانت الواقعة التى بين (قيصر وأنتوان) هناك، وكان بها سرايات الأمراء، ومنازل الأعيان، والبساتين النضرة الفاخرة. ومعنى كلمة نيكوبوليس: مدينة النصر، واستكشف بها فى هذه الأزمان معبد قريب من المحل المعروف عند الأهالى: بقصر قيصر، والغالب أنه من ضمن النيكوبوليس، وكان بعد هذه الناحية ناحية أخرى تسمى (بوكليس)، وكانت منازلها منها ما هو على البحر، ومنها ما هو على الخليج الحلو، وكانت محل تنزه وتفسح، وكان الخليج المذكور على يمين الخارج من باب كانوب، بناء على قول استرابون، وبساحل البحيرة الخليج الموصل إلى ناحية (شيديا)، وكانت على خليج إسكندرية المتصل بالنهر الأكبر وقبل أن يصل إلى مدينة كانوب يصل إلى ناحية بيلوزه، وهو محل قريب من إسكندرية ومن نيكوبوليس على شاطئ الخليج، وكان بها أيضا بساتين وحدائق ومحلات للنزهة، يذهب إليها أهل اللهو والفجور من رجال ونساء، ومحلها الآن على-ما حققه محمود بيك-جنينة بستزيه، والحضرة، وكان به كثير من الدكاكين والمضايف، وكان يوجد فيه دائما خلق كثيرون من أهالى إسكندرية بالليل والنهار، وكان فيه عدة أسواق وموالد سنوية يهرع إليها خلق كثيرون من جميع الجهات. فلو أضفنا ضواحى إسكندرية إليها لوجدنا مساحة ذلك تبلغ ٢٥ كيلومترا مربعا، وهو ربع مساحة مدينة باريز الآن. مطلب فى بيان عدد أهالى إسكندرية لو فرض أن الأهالى كانت موزعة على أرض إسكندرية، كما هى موزعة فى أرض باريس، لوجدنا أن عدة الأهالى تنقص عن ٤٠٠٥٠٠ نفس، وهذا يحقق ما ذكره (ديودور) وغيره من أن أهلها فى زمن أغسطس كانوا ٣٠٠٠٠٠ من الأحرار، فبإضافة الأرقاء إليهم يكون ٥٠٠٠٠٠، إن لم يكن أكثر من ذلك.

стр. 1858

والآن-أعنى سنة ١٨٧٢ ميلادية-بإضافة أهالى القبارى والمكس والمحمودية إليهم يبلغ عددهم ٢٠٠٥٠، وفى وقت جلوس العزيز محمد على باشا، كان عدد الأهالى من سبعمائة ألف نفس إلى ثمانمائة ألف نفس، وعند انتقاله إلى رحمة الله بلغ ذلك ١٠٠٠٠٠ نفس. مطلب فى الكلام على وصف مدينة إسكندرية خليج إسكندرية هذا الخليج كان محاذيا لسور المدينة القبلى، على بعد ٣٠٠ متر منه، وفمه الآن بحرى شرقى فم المحمودية بقدر ألف متر، وكان من داخل المدينة معقودا غير مكشوف. وترعة المحمودية التى حفرها العزيز محمد على باشا سنة ١٨٢٠ ميلادية كلها محل الخليج ما عدا الفم فإنه فى المينا هو وبعض تعديلات جليلة، وكان على الخليج القديم ثلاث قناطر، بين الحضرة والبلد، وعند حفر المحمودية تهدمت. وكانت القناطر المذكورة على أبعاد متساوية: الأولى: من جهة البلد فى مواجهة الشارع الموصل لجسر السبع غلوات. والثانية: فى مقابلة الشارع الموصل لرأس السلسلة. والثالثة: قبل ناحية بلوزه على بعد ١٤ أستادة، ولا بد أنه كان فى مقابلتها شارع كبير يوصل إلى الميدان الكبير الذى كان خارج البلد فى الجهة الشرقية البحرية، وهو الذى كانت الخلق تجتمع فيه للتفرج على الملاعب المعتادة فى كل خمس سنين، بناء على قول مؤرخى الروم، أو فى كل سنة بناء على أقوال مؤرخى العرب، وهذا الشارع كان يوصل إلى المعبد الذى على البحر ومدينة النصر. ووجود تلك القناطر وسعة المدينة وكثرة أهلها، يدل على أنه كان فى دائر محيط البحيرة، وبينها وبين الخليج أراض وبساتين كثيرة للنزهة فى جميع أوقات السنة.

стр. 1859

والمسافر من إسكندرية فى خليج شيديا، بعد أن يجاوز إيلزى بثلاثة آلاف وخمسمائة متر، يرى عن شماله فم ترعة كانت تخرج من خليج شيديا، محاذيا لكثبان الرمل التى بنيت عليها نيكوبوليس، ثم بعد ذلك تنتهى عند مدينة قانوب. وكانت قرية شيديا على بعد أربعة وعشرين فرسخا من إسكندرية، بناء على ما ذكره (استرابون) وغيره، وكانت كثيرة العمران تقرب من أن تعدّ من المدن لكثرة أهلها، وكانت مركزا لأخذ الجمرك من المراكب الحادرة والمقلعة، ولذا قال (استرابون) إنه كان هناك قنطرة من المراكب على النهر واسم القرية مستعار من اسم القنطرة. ويظهر من قول (استرابون) هذا أن شيديا كانت على فرع قانوب، وعلى بعد ١٦٠ أستادة من إسكندرية، لأن الشى (١) عبارة عن ٤٠ أستادة على قول المؤلف المذكور. وقد قاس محمود بيك البعد من القرية المعروفة بالنشوة الجديدة، إلى إسكندرية/فظهر له أن هذه القرية يوافق محلها محل قرية شيديا، وأن بينها وبين إسكندرية ٢٧ كيلومترا، فعلى ذلك تكون التلول الممتدة بقرب القرية فى طول ١٨٠٠ وعرض ٥٠٠ متر، وقرية نشوة التى فى وسطها هى آثار هذه المدينة، وأن فرع النهر كان فى أسفل هذه التلول جهة الجنوب، ممتد إلى قريب من ٢٠٠٠ متر، يعنى قريبا من الكيريون وأن خليج الإتكاوية فى محله. ويحقق ذلك ما نقله (استرابون) عن (بركوب) من أن النيل كان يأتى إلى ناحية (كيرو)، وهى قريب من ناحية شيديا على بعد ٢٠ ميلا من إسكندرية، وكان يخرج من هذا الموضع خليج إسكندرية، والنيل ينعطف إلى الشمال ويفارق أرض الإسكندرانيين، ويكون المحل المسمى (كيرو)، فى العبارة السابقة، هو الكاريون لأن البعد من هذا المحل إلى إسكندرية على الخرطة باتباع اعوجاج الخليج قريب من ٢٩ كيلو ونصفا، وهو قريب من العشرين ميلا، التى عينها (بركوب).

стр. 1860

فعلى ذلك يظهر من هذه العبارة، ومما ذكره (استرابون)، صحة كون شيديا على النيل، وأن محلها النشوة الجديدة، وأن ترعة الإتكاوية الآن بعض الفرع المذكور، وأن مبدأ خليج إسكندرية كان بين هاتين. وذكر المقريزى أنه فى سنة ٧١٠ من الهجرة فى زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، اشتغل ٤٠٠٠٠ من الناس فى تطهير خليج إسكندرية، وبعد تطهيره قيس فوجد ثمانية آلاف قصبة حاكمية، من ابتداء فم النيل إلى مشتيار (١)، ومن مشتيار إلى إسكندرية كذلك، وكانت فى القديم قرية مشتيار مبدأ خروج الخليج من النيل. وحيث أن القصبة الحاكمية ٣،٨٥، فالثمانية آلاف قصبة بها هى البعد ما بين إسكندرية والمنشية تقريبا، فتكون هذه القرية فى محل شيديا، التى فى عبارات استرابون، وشيتار، التى فى عبارة المقريزى، وتكون نقطها من نقط فرع كانوب ونقطة الكاريون ثانية، ونقطة كانوب ثالثة. وقد اختلف المؤرخون فى موضعها، ولكن حقق محمود بيك رسالته، أنه يقع فى منتصف جسر أبو قير على بعد ٦ كيلو مترات من رأس أبو قير، وبقدرها من الكوم الأحمر الذى على الساحل، وعلى بعد ٢ كيلومتر غربى فم بحيرة إتكو المسمى بفم المعدية. فبناء على ذلك يظهر أن البحر زحف على أرض المدينة، وأن جميع محلها الآن أو أكثره مغطى بالمياه المالحة. وفم فرع قانوب، بناء على أقوال المؤرخين وقول الفاضل المذكور، كان فى أسفل الكوم الأحمر على بعد ٢ كيلومتر من فم المعدية، وفى هذا الموضع أعنى محل الكوم الأحمر، كان معبد هيركول، وكان بينه وبين جزيرة فاروس، بناء على قول (استرابون)،١٥٠ أستادة وهو بالمتر ٢٥ كيلومترا.

стр. 1861

وذكر المؤرخون أن هذا المعبد كان فى غاية الاحترام، حتى كان من يدخله من الأرقاء لا يؤخذ منه ولا يتعرض له، وبسبب هذه المزية كثرت عنده المساكن حتى صار حوله كمدينة أو قرية كبيرة. ومن ابتداء الفم إلى قرية شيديا كثبان كثيرة على أبعاد مختلفة، وبجميعها آثار قديمة تدل على أنه كان عليها بلاد كثيرة عامرة بالخلق، ومن هذه الكثبان كوم الذهب، وهو على الشاطئ الأيسر من النهر على بعد ٤٠٠٠ متر من الفم فى الجنوب. وبعده كيمان مازين؛ وهى كيمان متصلة ببعضها فى طول ١٥٠٠ متر، وهى أيضا على الشاطئ المذكور على بعد ٨٠٠٠ متر من الفم. وتل الكناس على بعد ١٥ كيلومترا من الفم و ٣٠ من دمنهور، ولا مانع من أنه محل مدينة أنتيل المذكورة فى مؤلفات (هيردوت) وكانت من المدن العظيمة. مديرية مريوط هذه المديرية منفصلة عن مديرية البحيرة ببحيرة مريوط التى فى جهتها الشرقية، ممتدة إلى الشمال والشمال الغربى إلى حد البحر المالح، وفى الجنوب والجنوب الغربى إلى وادى النطرون، وبحر بلا ما بعد أبى قير بقدر ٥ ميريامترات، وكان ماء النيل فى الأزمان القديمة يروى أغلب جهاتها، وكان بها كثير من المدن والضياع، وكانت كثيرة الأهالى وبها كثير من أنواع المحصولات، وكانت مشهورة بجودة النبيذ وكروم العنب، وكانت ترسل فى كل سنة من نبيذها مقدارا عظيما إلى مدينة روما وغيرها من المدن، ويؤيد ذلك ما ورد عن السلف فى مؤلفاتهم. ولنذكر هنا ملخص ما حققه محمود بيك فى رسالته، من غير أن ندخل فى تفاصيل

стр. 1862

ما ذكره فنقول: قد قسم العالم المذكور أرض هذه المديرية إلى ٤ (١) مناطق مختلفة فى الارتفاع، وجميعها محاذ لساحل البحر. الأولى: وهى ساحل البحر عرضها ٤ كيلومترات بقرب الشيخ العجمى، وواحد ونصف فقط بقرب أبى صير، وفوق هذه المنطقة مدينة إسكندرية وأبو قير، وهى كثيرة الخصوبة تنبت كثيرا من الخضراوات والبطيخ والتمر، ويوجد بها إلى الآن كثير من الآثار القديمة التى تدل على أنها كانت معمورة بكثير من القرى والضياع، وكان بها كثير من المبانى الشهيرة، وبقيت كذلك أزمانا مديدة. والمنطقة الثانية: هى المسماة بذراع البحر، وهى ما ستمر من وادى البحيرة نحو أبى صير وبعده. ومبدؤها فى مواجهة المكس وفيما بين السواحل والجبل الذى فوقه/الشيخ المعروف بالشيخ على مرغب. وعرضها قريب من ٤ كيلومترات فى طول ٢٠ كيلومترا، ونصفها الأسفل مغمور بماء البحيرة، فهو فيها الآن كما كان فى الأزمان السابقة، والنصف الثانى يشاهد فيه كثير من الجزائر فى أرض مستملحة، وكان بجميع هذه الجزائر قرى مسكونة فى الأزمان المختلفة، متصلة بخراب كثير يمتد إلى الشيخ أبى الخير الكائن على بعد ٣٠ كيلومترا من عمود السوارى فى الجهة الجنوبية الغربية. وعلى بعد ١٩ كيلومترا من العجمى، ويقرب أبى الخير يضيق الوادى حتى يكون عرضه كيلومترا بين الشيخ المذكور وخراب مدينة مريا أو ماريوط، وفى الجنوب الغربى من هذا الشيخ يتسع الوادى ويكون عرضه كيلومترين ونصفا فى طول ١٣ كيلومترا تقريبا من أبى صير، ومن بعده إلى ٤ كيلومترات تقريبا. وجميع أرض هذه المنطقة مستملحة لكنها جامدة منحطة عن استواء ماء البحر، من إبتداء أبى صير إلى ما بعد البحيرة وفيها كثير من الآثار التى منها خراب متسع فى الشمال الشرقى من أبى صير يمتد فى طول ٩ كيلومترات، والخراب الذى فى قرب أبى صير وبرج العرب هو

стр. 1863

خراب مدينة طابوزريس، ومن هذا الموضع على بعد بعض ميريامتر فى الجنوب الغربى فى مواجهة منفذ بحر بلاما، وعلى بعد ١٠٠ كيلومتر من مدينة إسكندرية. وفى هذه المنطقة أرض تعرف بالبردان، وهى عبارة عن حوض تجتمع فيه مياه الأمطار الساقطة فى الأراضى المجاورة، وفى جميع أوقات السنة على بعد قليل من سطح الأرض ينبع منه الماء، ويكفى أن يحفر فى الصيف نصف متر فقط. والمنطقة الثالثة: هى الجبل الذى فى نهايته البحرية الشرقية الشيخ على مرغب، ويدخل فى البحيرة على هيئة لسانه، وتنحصر هذه المنطقة بين هذا الجبل والمنطقة الأولى، وعرض المنطقة الثالثة ٧ كيلومترات وطولها نحو ١٠٠ كيلومتر، وأرضها غير مستوية لكنها خصبة، وانحدارها من الجنوب الغربى إلى الشمال الشرقى، وهى الأرض الأصلية للمديرية، والغيطان الموجودة بها الآن تعرف بالكروم، وكان بها بلاد كثيرة، وقد عدّ منها محمود بيك ٤٠ قرية، يشاهد فيها إلى الآن آثار معامل النبيذ وكثير من السواقى والمعاصر. وجميع ذلك يدل على أن هذه المنطقة كانت حسنة كثيرة العمار. وبين الشيخ على مرغب وأبى صير فى طول قريب من ٣٧ كيلومترا تشاهد آثار خمس مدن، من ضمنها خراب مدينة ماريوط ومدينة طابوزريس، وتسمى العرب الأولى من هاتين بالمدينة، ومحلها فى الشمال الشرقى من الجبل على بعد كيلومتر غربى الشيخ على مرغب، وطول خرابها قريب من ١٠٠ متر وعرضه قريب من ٤٠٠ متر على سفح الجبل، والمدينة الثانية، قريبة من قصر المرحوم سعيد باشا، وطول خرابها قريب من ٦٠٠ متر وعرضه ٥٠٠ متر، وبينها وبين عمود السوارى ٢٠٠٠٠ متر، ومنها إلى العجمى ١٣٦٠٠ متر، ومن المدينة إليها ٨٨٠٠ متر، وفى وسط هذا الخراب كثير من الآبار والصهاريج ومعامل النبيذ. ويرى فى الشمال الغربى على بعد ٢ كيلومتر خراب تسميه العربان: القصر، وفيه آثار كثيرة من معامل النبيذ. ويوجد قريبا من هذا المحل واد متسع يقرب طوله من ٣ كيلومترات، وعرضه ٢، ومساحته تقرب من ١٥٠٠ فدان مصرى، تسميه العربان بالغيط، وأطلقت

стр. 1864

عليها العساكر فى زمن المرحوم سعيد باشا برنجى مريوط، واستكشف فيها زيادة عن ١٠٠ ساقية من مبانى الرومانيين والعرب، وجميعها فى غاية من المتانة، وبعضها عبارة عن ثمانية آبار تحيط بالبئر الأصلى متصلة به بمجار تحت الأرض. والخراب المعروف بالقرية، بينه وبين الخراب الثانى ٤ كيلومترات، ومنه إلى العجمى ١٥ كيلومترا، وإلى الشيخ على مرغب ١٣ كيلومترا، وطوله مثل عرضه، وقدر الواحد ٥٠٠ متر، ومساحته تقرب من ٧٥ فدانا، وفيه آثار معامل النبيذ ومعاصر الزيت، وتقرب مساحة أرض القرية من ٢٥٠٠ فدان، وقد وجد بها ما يزيد عن ١٠٠ ساقية أيام المرحوم سعيد باشا، وأطلقت عليها العسكر فى وقته اسم (ايكنجى مريوط) وأرضها منقسمة إلى الآن إلى عدة كروم، يعرف بعضها بأسماء مخصوصة، وذلك يدل على أن هذه الأرض كانت كثيرة الكروم. ثم يوجد خراب آخر يعرف بالسر وهو على ساحل البحيرة على بعد ١٠٠٠ متر تقريبا، وبينه وبين الخراب السابق ٢٨٠٠ متر فى جهة الغرب، وعلى بعد ٨ كيلومترات من شرق مدينة مريوط، ويطلق على أغلب كرومه: كروم السر. ويوجد غير ما ذكر خراب بينه وبين أبو صير قريب من ٧ كيلومترات، ومنه إلى مدينة مريوط ١٣ كيلومترا. ومن ضمن هذه المنطقة أيضا مدينة قوموتيس القديمة. والمنطقة الرابعة: تشتمل على جميع الأراضى الواقعة بين المنطقة الثالثة وصحارى ليبيا، وتمتد إلى فم وادى النطرون وبحر بلاما، وفيها كثير من آثار القرى والبلاد، وتعرف أرضها أيضا بالكروم. فمن جميع ذلك يعلم ما كانت عليه هذه المديرية فى الأيام السالفة من كثرة العمرات، وكانت فى/القرون الأولى من النصرانية وزمن قياصرة القسطنطينية، بناء على ما ذكره (جراثيان لوبير)، مسكونة بالنصارى الفارّين من الفتن والمنازعات المذهبية، وبنى بها كثير من الديور، وورد إليها كثير من الخلق حتى أن القيصر (ولانس (١) أمر حاكم إسكندرية فى

стр. 1865

القرن الرابع من الميلاد بأن يجمع كل من كان يصلح للعسكرية من هذه المديرية ومن صحارى الوجه القبلى، فجمع من مديرية مريوط ومن خط وادى النطرون، الملاصق له فى جهة الجنوب، خمسة آلاف، وأرسلهم إلى القسطنطينية فأدخلهم العسكرية. مدينة مريوط هذه المدينة كانت من المدن القديمة، ذكرها (هيردوت) وغيره، وذكرها مؤلفو العرب. وهى بقرب إسكندرية وموضعها الآن فى مقابلة الشيخ أبى الخير، وسعة أرضها ١٥٠٠ متر طولا و ٨٠٠ متر عرضا. ومن أمعن النظر فى خرابها وما به من آثار المبانى العظيمة، عرف أنها كانت من المدن الكبيرة من ضمنها آثار أرضة ومولص، وهذا يدل على أنها كانت تمتد إلى البحيرة، وأنها كانت من مراكز التجارة المشهورة. وكانت فى جميع التقلبات الزمانية عرضة لحوادث شتى أعقبت خرابها وخراب ما حولها من البلاد، ويعلم من موقعها الجغرافى أنها من أهم النقط العسكرية، وأن أهميتها بالنسبة لديار مصرفى الأزمان القديمة، كانت كأهمية مدينة الطينة أو الفرما بالنسبة لبلاد الشام، وقد مر بها عمرو بن العاص عند توجهه إلى فتح إسكندرية، ومر بها قبله قيصر الروم فى محاربته لمتريدات، وكانت فى هذه الأزمان الأخيرة طريق جيش الفرنساوية مع بونابارته بعد أخذه إسكندرية. وكانت فى الأزمان السابقة حصينة ويرى إلى الآن بعض آثار أسوارها. ونقل المقريزى عن الذين ينظرون فى الأهوية والبلدان، وترتيب الأقاليم والأمصار، أنه لم تطل أعمار الناس فى بلد من بلدان كورة إسكندرية كطول أعمار أهل مريوط. طابوزيريس كانت هذه المدينة قريبا من برج العرب فى الجنوب الشرقى منه، وتسمى بين الناس

стр. 1866

أبو صير، وبينها وبين مدينة الأموات ٢٥ ميلا رومانيا، أعنى ٢١ كيلومترا وذكر بعضهم أن هذه المدينة كانت مشهورة بالأقمشة النفيسة. مدينة فوموتنيس هذه المدينة توجد آثارها فى الجنوب الغربى من أبى صير على بعد ١٦ كيلومترا، وبينها وبين آثار مدينة مريوط ٣٠ كيلومترا ومنها إلى الخراب الموجود بقرب قصر المرحوم سعيد باشا ٤٣ كيلومترا، وتسمى الناس موضع هذه المدينة الآن (بومنه)، ويرى فيها إلى الآن عدد وافر من السواقى والصهاريج المبنية بالحجر، وعقود كثيرة فى آثار بيوتها تدل على أن أكثر بيوتها كانت معقودة. بحيرة مريوط يستفاد مما ذكره (مانى) فى كتابة على مصر: أن هذه البحيرة حفرت فى زمن الفراعنة، وكان ماء النيل يصل إليها من الجهات القبلية والبحرية فتسير فيها السفن بأنواع البضائع والتجارة، وتمر بإسكندرية والبلاد والمدن التى على ساحلها، كان يخرج منها عدّة فروع: منها ما هو للرى، ومنها ما هو للرى والملاحة، وكان كثير من الخلجان مقبوّا فى داخل المدن ولامتلاء الصهاريج. ومكان هذه البحيرة بقرب مينا إسكندرية كمينا بلتة، تتردد المراكب الصغيرة إليها وإلى مينا سيبوتوس (١). والخليج الذى تقدم ذكره، لا بد أنه الخليج الذى كان قديما يوصل لها الماء، المسمى فى المقريزى بخليج الحافر، وهو المنهى. ولم تختلف سعة البحيرة-الآن-عما كانت عليه فى الأزمان العتيقة، إلا أن السفن لا تجرى كما كانت قديما، وقد تجف فى بعض السنين، كما وقع ذلك سنة ١٨٠١ ميلادية، فإنها جفت بالكلية ثم امتلأت بالمياه المالحة الواردة إليها من قطع أبو قير بالإنكليز وسببه:

стр. 1867

مطلب دخول الفرنساويين أرض مصر أنه لما دخل الفرنساويون أرض مصر، حاصرهم الإنكليز، وكانت مراكبهم تتردد فى سواحل البحر، فحصل بين الإنكليز ومحافظى إسكندرية فى بعض الواقعات واقعة انتصر فيها الإنكليز، وانهزم الفرنساوية ودخلوا المدينة، فعمدوا إلى جسر بحيرة المعدية وقطعوه؛ لأجل قطع الزخرة والذخيرة والإمداد التى ترد إليهم من مدينة القاهرة، فملأ المالح جميع بحيرة مريوط، ودخلها مراكب الإنكليز، وساروا بها إلى جهات كثيرة، وانقطع الاتصال بين خارج المديرية وداخلها. ولما ارتحل جيش الفرنساوية بعد المصالحة التى صارت مع الدولة العلية، سد الترك القطع، فجفت البحيرة قليلا، وقطعه الإنكليز ثانيا بعد وقعة رشيد التى حصلت سنة ١٨٠٧ من الميلاد، فإنهم لما حبسوا أنفسهم داخل المدينة، أدخلوا ماء البحر فى البحيرة فامتلأت بالماء، وبقيت كذلك إلى خروجهم، وسد القطع المذكور، وبقى على ذلك إلى الآن، وفى كل سنة تصرف الحكومة عليه مبلغا جسيما. مطلب واقعة رشيد وملخص واقعة رشيد المذكورة هو أنه بعد خروج الفرنساوية، كانت الفتن كثيرة وكان ثورانها من الإنكليز؛ لأنهم كانوا يرغبون فى رجوع مصر إلى حكم المماليك، بسبب ما كان حاصلا بينهم من الاتفاق، وإلى ذلك الوقت كان العزيز آخذا بزمام الأحكام بمقتضى الفرمان العالى. وفى سنة ١٨٠٧ أحضروا ٢٥ سفينة إنكليزية، وبخيانة أمين أغا المحافظ وتواطئه معهم، فتح لهم أبواب المدينة، وكان العزيز فى ذلك الوقت بالأقاليم القبلية خلف المماليك، ولم يكن بمدينة رشيد إلا قليل من المحافظين، فأرسل الإنكليز إليها عسكرا، فلما بلغ المحافظين قدومهم خرجوا منها وتركوها لهم.

стр. 1868

ولكن لما توطنت العساكر الإنكليزية بها، هجموا عليهم دفعة واحدة بمعونة الأهالى، فقتلوا منهم عددا وافرا وأسروا منهم ١٢٠ نفسا، وأرسلوهم مع رءوس المقتولين إلى القاهرة، فطيف بهم حول البلد، ثم وضعت الرءوس حول ميدان الأزبكية فوق المزاريق، فبلغ خبر هذه الواقعة العزيز فحضر سريعا من الوجه القبلى، وجهز ٤٠٠٠ مقاتل من المشاة، و ١٥٠٠ من الخيالة، وتوجه بهم إلى ناحية فوّة بعد أن حصّن القاهرة، وكانت الإنكليز أرسلت فرقة أخرى من العسكر إلى رشيد، حاصرتها ١٦ يوما إلى أن حضر العزيز بعساكره، فوقع بينه وبينهم محاربة عظيمة انهزم فيها الإنكليز بعد موت كثير وأسر كثير منهم أيضا، والذى سلم رجع إلى الإسكندرية. ولخوفهم قطعوا جسر بحيرة مريوط من جهة البحر، وبعد ذلك بقليل صولحوا وردّت إليهم الأسرى، وخرجوا من مصر وبقى العزيز بعد ذلك متمكنا فى الديار المصرية. مطلب حدّ جزء البحيرة الأول والثانى وجزء البحيرة الأول، الواقع بين المنطقة الأولى والمنطقة الثانية من أرض مديرية مريوط، محدود من جهة الجنوب الغربى بخراب مديرية مريوط. والجزء الثانى من البحيرة، وهو أكبر من الأوّل، محدود من الجنوب بجزيرة الطفلة، وتل بلال، وتل أحفين، وتل الحنش، ومن جهة الشرق بكيمان الريش، وكوم البركة، وكفر الدوّار. وبين هذا الكفر وكثبان الإسكندرية تتحد البحيرة-فى وقتنا هذا-من جهة الشمال الشرقى ومن جهة الشمال الغربى بخليج المحمودية، وتمتد البحيرة الآن نحو الشمال الشرقى، وكان من ضمنها جزء عظيم من بحيرة أبى قير. ونقل المقريزى عن ابن عبد الحكم، وكان فى القرن الثانى من الهجرة، أن الماء كان يدخلها من (أشتوم) فى بحر الروم، ويخرج جزء منه فى بركة بقربها بواسطة خليج عليه مدينتان: إحداهما: الهدبة، والأخرى: الكر.

стр. 1869

ويظهر من هنا أن بحيرة أبى قير لم تكن موجودة فى القرن الثانى، وأن الذى كان موجودا وقتئذ بحيرة إتكو، ولا بد أن الخليج الموصل لهما هو الذى تسبب عنه-فيما بعد-بحيرة أبى قير الواقعة بين بحيرة إتكو وبحيرة مريوط، ولا بد أن الخليج المذكور بعيد عن شيديا، وكان فى ذلك الوقت فرع رشيد قد جف وانقطع جريانه. ومما يحقق أن هذه البحيرة كانت تمتد فى الطرف الباقى من المحمودية، ما قاله (بولين واسترابون) حيث ذكر الأوّل: أن طول البحيرة ٣٠ ميلا رومانيا، أعنى ٤٤ كيلومتر ونصفا تقريبا، وذكر الثانى: أن هذا الطول أقل من ٣٠٠ أستادة، عبارة عن ٤٩ كيلومترا، وكل من هذين البعدين لو قيس من مدينة مريوط لجاوز المحمودية بأربع كيلومترات فأكثر. وأما عرض البحيرة فقدره (استرابون) بنحو ١١٥٠ أستادة، وهو عبارة عن ٢٤ كيلومتر ونصف تقريبا، وهو إلى الآن كذلك، ومحيطها ١٢٠ كيلومتر، ينتهى بالسكة الحديد وكان فى القديم ١٢٠ كيلومتر و ٢٥ ميلا رومانيا تقريبا. مطلب الجزائر السبع وذكر (استرابون) أنه كان بها ثمان جزائر، والمعروف منها الآن سبعة: الأولى: جزيرة الطفلة، وهى على بعد ٤ كيلومترات من جنوب الشيخ علىّ مرغب. والثانية: يقال لها كوم المحار، وكوم الخرز، وهى الأرض التى فيها الشيخ غازى. والثالثة: تسمى جزيرة السعران، وهى تجاه كفر الدوّار، ومن ضمنها كوم الويلى، وكوم العبسة، وربما دلت آثارها على أنها كانت أكبر الجميع. والرابعة: تجاه بركة أبى الخير، على يمين المتوجه من الإسكندرية إلى السكة الحديد. وأما الثلاثة الباقية: فهى فى المكان المسمى بذراع البحر. وأرض بحيرة مريوط، منحطة عن ماء البحر بمترين ونصف، ولا بد أن ارتفاع الماء فى القديم كان يصل فيها إلى قريب من ٣ أمتار، لإمكان الوصول منها إلى البحر، ومنه إليها،

стр. 1870

الكلام على الإسكندرية فى عهد العائلة المحمدية كانت الإسكندرية، بل وسائر الديار المصرية، قبل استيلاء المرحوم محمد على باشا عليها وتوجيه نظره إليها فى غاية من الاضمحلال وسوء الأحوال، مع قلة العدد والعدد، قليلة المتاجر والأسفار، كثيرة الفتن والأشرار، قعدت أعرابها على أذناب الطرقات، واستعملت القتل والسلب فى كل الأوقات، ليس لأهلها فكرة فى اكتساب أنواع المعارف والصنائع، ولا لهم خبرة بما يستوجب كثرة محصولات المزارع، فلما جلس على التخت، وذلك لإثنى عشر يوما خلت من ربيع الأول سنة ١٢٢٠ من الهجرة، الموافقة لسنة ١٨٠٥ من الميلاد، التفت إليها، بل إلى القطر جميعه، ووجه إليه جميل أفكاره، وشمله بجليل أنظاره، وأخذ فى إصلاح ما أفسدته التقلبات الدهرية. وحيث كان غير خفى على ذكائه أهمية موقع الإسكندرية من الديار المصرية، وأنها بالنسبة للقطر جميعه كالرأس/بالنسبة للإنسان، سيما وهى من أعظم ثغور الإسلام عليها المدار فى تحصين القطر وسدّ عوراته، صرف إليها همته العلية، واحتفل بها احتفالات سنية، وأجرى فيها من محاسن الترتيبات والتنظيمات ما أوجب لها العمارة وتزايد الخيرات، وكثر فيها الصادر والوارد فعاد إليها وسيم نضرتها وقديم شهرتها. مطلب فى بيان عدد أهالى إسكندرية فى عهد محمد على وفى عهد خلفائه من بعده فبعد أن كان ما بها من الأنفس، قبل أيام المرحوم محمد على، لا يزيد عن ٨٠٠٠ نفس، وذلك وقت دخول الفرنساوية الديار المصرية، سرت فيها العمارة سريان الماء فى العود الأخضر، وأورق غرس سعدها وأثمر، حتى بلغت عدة أهلها ٦٠٠٠٠ نفس. ثم فى سنة ١٨٣٠، بلغت ١٣٠٠٠٠ نفس.

стр. 1871

وهكذا لم تزل فى الزيادة فى عهده وعهد خلفائه من بعده، إلى أن صارت من أمهات الأمصار، وهرع الناس إليها من سائر الأقطار، حتى بلغت عدة أهلها فى عصرنا هذا، أعنى سنة ١٢٩١ هجرية-٢٧٠٠٠٠ نفس. وبعد أن كان لا يرى فى ميناها القديمة غير مراكب شراع قليلة، ترد إليها فى بعض الأوقات ببضائع قليلة من نحو البلاد التى على سواحل البحر الرومى وجهات إيطاليا، صارت كل يوم يرد إليها عدد وافر من المراكب، شراعية وبخارية، تجارية وحربية، من جميع الجهات، تجلب إليها مبالغ جسيمة من أنواع محصولات الأقطار، وذلك بسبب ما جدده بالإسكندرية من الآثار السنية والمنافع الوطنية، فإنه قد نزع عنها جلابيب الأحداد، وكساها حلل الإقبال والإسعاد، وأحدث فيها مبانى جميلة وعمائر جليلة، وأمر بإصلاح ما تهدم من أسوارها، وتجديد ما اندرس من آثارها، واحتفل بذلك إحتفالا زائدا تحسينا لهيئتها وحرصا على عمارتها. مطلب دخول الفرنج بالمينا ولأجل حرصه على جلب العمارة لها، صرح لمراكب الفرنج بالدخول فى المينا الغربية، التى كانوا قبل ذلك ممنوعين منها، وكانت المينا الشرقية هى المعدة لرسيان مراكب الفرنج، مع أنها كانت مخوفة وعلى غاية من الخطر، وكثيرا ما كان يحصل منها التلف للسفن التى ترسو بها، من كثرة تسلط الرياح الشرقية والشمالية عليها سيما لقلة عمق المياه التى بجوار المرسى، بخلاف المينا الغربية التى كانت مختصة بسفن المسلمين، فإنها فى غاية الأمن من ذلك كله، وكان الأغراب كثيرا ما يطلبون الدخول منها فلا يجابون، فلما صدر الإذن لهم بذلك فرحوا فرحا شديدا، وكان سببا فى كثرة جلب الخيرات إليها، وإقبال التجار وأهل الأسفار عليها، فإنه من وقت بلوغ هذا الخبر إلى الأقطار، أخذت السفن تتوارد بالتجارات من كل مدينة ومن كل قطر، حيث لم تختص ملة دون أخرى بمزية، حتى تكاثرت التجارات والأغراب فيها، وتيسرت بها أسباب المكاسب، وغرّدت فيها بلابل الثروة من كل جانب.

стр. 1872

ولما كان المقصود من تمدين تلك المدينة وتكثير خيراتها لا يتم إلا بكثرة المياه العذبة فيها، وسهولة وصول أهل القطر إليها بمتاجرهم، وكان خليجها القديم، بسبب إهماله وعدم الاعتناء بشأنه، قد ردم وارتفع قاعه، زيادة على ضعف عمقه الأصلى، حتى كان فى كثير من السنين لا يدخله الماء إلا فى وقت انتهاء زيادة النيل، ثم يجف فى باقى السنة، وذلك سبّب فى حصول مشقات زائدة لأهل المدينة والطارئين عليها من أهل القطر والأغراب، سيما ومجاورته للبحائر التى تكتنفه من الجانبين: مثل بحيرة أبى قير، وبحيرة المعدية، وبحيرة مريوط، كانت تستوجب سرعة ملوحة مائة، وتعطل منفعته، وربما لا تكفى الصهاريج بقية السنة، خصوصا مع كثرة الناس فيها جدا-كما علمت-. مطلب تاريخ حفر ترعة المحمودية صدرت أوامره السنية سنة ١٢٣٣ هجرية، الموافقة سنة ١٨١٩ ميلادية، بحفر ترعة المحمودية، وأن تعمق حتى تجرى صيفا وشتاء، وتوسع بحيث يسهل لجميع مراكب النيل الوصول منها إلى المدينة بأنواع المحصولات فى زمن قريب، بلا كبير مصرف ولا مشقة، مع حصول تمام النفع للآدميين وسائر الحيوانات والمزروعات. وكانت قبل ذلك تجارات القطر لا تصل إلى تلك المدينة إلا من ثغر رشيد أو دمياط، وذلك مستوجب لكثرة المصرف وزيادة المشقة جدا، فإن سفر البحر الملح لا يخلو عن الخطر، فكانت لا تخلو سنة عن حصول غرق لبعض المراكب والبضائع والآدميين. ولأهميتها جمع لها عددا كثيرا من الأهالى من جميع مديريات القطر، حتى تمت فى أقرب وقت مع الأبنية اللازمة لها، وقد بلغ ما صرف عليها إلى أن تمت، ثلثمائة ألف جنية، على ما نقله كلوت بك، وهذا بالنسبة لما ترتب عليها من المنافع شئ يسير، كما هو مشاهد، ولم يجعل فمها فى مكان فم الخليج القديم عند ناحية الرحمانية، بسبب ما حدث أمامه من الارتدام والرمال، فنقل بالقرب منه فارتدم أيضا، وفعل ذلك مرارا فلم ينفع، فجعل عند

стр. 1873

ناحية العطف فصلح وأنتج المطلوب فاستمر على ما هو عليه الآن، وكان ذلك سببا فى عمارة ناحية العطف واتساعها وكثرة خيراتها حتى ألحقت بالبنادر، حيث كانت مرسى للسفن التجارية الداخلية والخارجية، وجعل انتهاؤها البحر الأبيض بحيث تصب قريبا من مصب الخليج القديم. الذى كان فى زمن البطالسة. وبتمامها على هذا الوجه/حصل منها المقصود من المنافع العميمة والفوائد الجسيمة، مما ذكرنا وخلافه، كإحياء غالب الأراضى التى بجوانبها من ناحية العطف إلى الثغر، بعد أن كانت ميتة غير صالحة للزراعة، بسبب هجرها من قلة وصول الماء إليها، مع أنها كانت فى قديم الزمان معمورة بالناس وأصناف المزروعات، بل حصل بحفرها إحياء كثير من الأراضى البعيدة عن شواطئها بواسطة المساقى والترع التى تفرعت عنها من الجانبين على توالى الأزمان، حتى بلغ ما أحيى بها ١١٥٤٥ فدانا وكان الصالح قبل ذلك لا يزيد على ٤٠٠٠ فدان. مطلب ذكر تاريخ عمل هويسات المحمودية وهكذا لم تزل المزارع والأحياء تتزايد بسبب تلك الترعة، إلى وقتنا هذا فقد بلغ الصالح للزراعة زيادة عن مائة ألف فدان، حتى استوجب عدم كفاية ماء المحمودية بجميعه، واحتيج إلى تركيب وابورات العطف. ثم أنه عند تمام حفرها جعل فى فمها وفى مصبها قناطر فكانت مانعة لمراكب النيل من الدخول فيها وكانت التجارات الآتية من القطر إلى إسكندرية تنقل عند فمها إلى مراكب أخر من مراكب المحمودية وعند وصولها إلى الثغر ينقل ما كان منها على ذمة الأجنبيين إلى مراكب البحر الملح، وما كان على ذمة الأهالى يخرج إلى البر، وكذلك التجارات الآتية من الأقطار الأجنبية فكانت تنقل مرتين ولا يخفى ما فى ذلك من الضرر والخطر فصدرت أوامره السنية بإزالة تلك القناطر. وعمل هويسات فى فمها وفى مصبها وذلك سنة ١٨٤٢ ميلادية موافقة سنة ١٢٥٨ هجرية فعملت على هذا الوجه الذى هى عليه الآن بأن جعل فى فمها هويسان أحدهما صغير عرضه أربعة أمتار للمراكب الصغيرة والآخر كبير سعته ثمانية أمتار للمراكب الكبيرة وفى مصبها كذلك فارتفعت بذلك الصعوبات وخفت المصاريف.

стр. 1874

مطلب فى ذكر أبنية عديدة جوامع وغيرها وقد ألحق بذلك أبنية عديدة منها أنه بنى جامعين: أحدهما عند فمها والآخر عند مصبها قرب المينا، وجعل محراب كل واحد منهما قطعة واحدة من الرخام الأبيض، وكتب عليه تاريخ البناء، ورقم عليه اسم السلطان محمود. والجامع الذى عند مصبها يعرف الآن بجامع التاريخ، وكذلك الشارع الذى عنده يسمى بشارع التاريخ. ومنها: أنه جدد عدة أشوان لخزن الغلال الميرية. ومنها: حفر مجرى تحت الأرض لتوصيل الماء الحلو إلى جهة الترسانة والجمرك، قد فتح فى مواضع منه موارد لأخذ السقائين والأهالى فى أى وقت شاءوا، ولحرصه على دوام نفع تلك الترعة، جعل لها ما تتغذى منه عند الحاجة، فجعل (ملقة ديسة) مخزنا للماء يملأ وقت فيضان النيل ويبقى مملوءا حتى يصرف فيها على حسب الحاجة، وجعل فيه قناطر للصرف. والمخزن المذكور هو ما يعرف الآن بخزان الزرقون، وكان قريبا من عشرين ألف فدان، ولما استغنى عنه بوابورات العطف جعله المرحوم سعيد باشا جفلكا، وهو الآن فى ملك نجله المرحوم طوسون باشا. وقد حدث على جوانب تلك الترعة وبعيدا عنها فى ضواحى المدينة، عدة بلدان عامرة، وقصور مشيدة، وبساتين مملوءة بأشجار الفواكه والرياحين، وغير ذلك من المحاسن المشاهدة هناك. ثم إن من أسباب جعل قاع الخليج القديم مرتفعا حتى كان لا يجرى فيه النيل إلا وقت الفيضان، مجاورته للبحائر المالحة كما علمت، فلذا لما عمل العزيز ترعة المحمودية، أمر بسد أفواه تلك البحيرات من جهة البحر المالح، فصارت المحمودية آمنة مما يغيرها ويعطل منافعها. فهذه الأعمال الجليلة من أعظم أسباب العمارة بتلك المدينة، وكثرة الأهالى والأغراب فيها.

стр. 1875

وبسط الكلام على الخليج القديم وترعة المحمودية، مذكور فى تاريخنا لمصر فليرجع إليه من أراد الوقوف عليه. ولأهمية ميناء الإسكندرية بواسطة أنها أعظم الثغور، وعليها تردد السفن بالبضائع وغيرها من جميع الأقطار، التفت إليها العزيز فوجدها غير كافية للمصالح، إذ لم يكن بها مواضع تكفى الصادر والوارد من التجارات، ولا أماكن لتحصيل الجمرك، ولا ترسانة لإنشاء المراكب وترميمها، ووجد مراكب التجارات لا تصل إلى البر لعدم عمق مياه المينا، وذلك موجب لمشقات ومصاريف جسيمة فى الشحن والتفريغ، فأمر بجلب كراكات من البلاد الأورباوية لأجل تعميقها، واشترى من جانبيها بعض أماكن من خط الصيادين، وهدمها لأجل توسيعها وذلك سنة ١٢٤٢ هجرية، أعنى سنة ١٨٢٩ ميلادية، فكان من ضمنها بيت يقال له: بيت البطاس، وهو جد الشيخ محمد المهدى لأمه، وكان التصميم على البناء فى ٩ شهر يونيه الإفرنجى من السنة المذكورة، وفى ذلك اليوم صار شروع العساكر فى حفر الأساسات، ثم صار الشروع فى البناء حتى تمت على الوجه المطلوب سنة ١٨٣١ ميلادية، وأول سفينة نزلت بها كان فى ٣ يونيه من السنة المذكورة، وكانت تحمل مائة مدفع، وقد رخص لأرباب الأملاك فى أخذ أنقاض أملاكهم ليستعينوا بها فى بناء منازل غيرها، فى الأماكن التى أنعم بها عليهم من الأراضى التى كانت إذ ذاك من زاوية خطاب من/الجهة البحرية إلى البحر المالح، وكانت قبل ذلك كلها مزروعة تينا برشوميا، ومقسمة إلى زربيات متنوعة، فاتسع بذلك دائر المينا وحدث بها ترسانة تشتمل على جميع ما يلزم لإنشاء وترميم المراكب الحربية وغيرها. ولما لم تستوف تلك المينا جميع ما يلزم لضبط الجمرك وخزن البضائع وغير ذلك من المصالح، صدرت أوامره السنية سنة ١٢٥١ هجرية، بعمل رصيف داخل البحر، فعمل وملئ ما خلفه بالأتربة والأحجار وغيرها، فحصل من ذلك أرض عظيمة الاتساع، فأنشأ فيها جميع ما تحتاج إليه المينا من مخازن ومحلات للجمرك، ومساكن لخدمة المصالح، فأمنت التجار على بضائعهم، وتمكنت الحكومة من ضبط الجمرك فزاد إيراده، وكان المباشر، إذ

стр. 1876

ذاك، شاكر أفندى الإسلامبولى، إلى أن توفى فقام مقامه المرحوم مظهر باشا إلى أن تم، وكان العزيز، إذ ذاك، مشتغلا بأمور الحرب التى كانت قائمة بينه وبين الدولة، موجها همته نحو العمارات البحرية كإعداد الحصون والقلاع وتقويتها، فأحضر لها سنة ١٨٢٩ ميلادية، من مدينة طولون من مملكة فرنسا، المهندس الحاذق الماهر موسيو (سيريزى) وجعله باشمهندس الترسانة، ورقّاه إلى رتبة البيكوية، وصار يعرف (بسيريزى بيك) ثم وصل إلى درجة لواء، وبامتحانه للمينا وجد عمق الماء بها قدر مترين فقط، ممتدا ذلك فى داخل البحر نحو مائتى متر، وذلك مستوجب لصعوبة الشحن والتفريغ، فظهر له أن الأولى أن يكون محل الترسانة عند العجمى، لعمق الماء هناك، لكن لبعده عن المينا، وتسلط الرياح على تلك الجهة عدل عنها إلى المحل الذى عنده الترسانة الآن، فعمقه حتى تمكنت السفن من الرسوّ هناك بقرب البر. وقبل حضور المهندس (سيريزى) المذكور، كان الرئيس على إنشاء وعمارة السفن بتلك المينا رجلا من الأهليين، يسمى الحاج عمر، وكان صاحب إدارة ومعرفة طبيعية وإقدام على مثل هذه الأعمال، مع الإصابة، فلما حضر موسيو (سيريزى) اتحد معه وساعده فى جميع أعماله. وفى ظرف خمس سنين من ابتداء سنة ١٨٢٩ ميلادية، ثم جميع مواضع الترسانة مثل: ورشة الحبالة المعروفة بالتبالة، وورشة الحدادين والقلوع والسوارى، والبصل، والنظارات والمخازن، وفى أثناء هذه الأعمال قد صار جلب كثير من شبان الأهالى من جميع المديريات، لأجل تحصيل الكمية الكافية للقيام بلوازم المراكب، وتعليمهم جميع ما تحتاج إليه السفن على أيدى معلمين من البلاد الخارجية، فاختص كل جماعة بفرع من فروع مصالح المراكب حتى أتقنوها، ونتج من تحت أيديهم فى زمن قليل سفن كثيرة حربية وغيرها مع غاية الإتقان، بحيث تضاهى سفن الجهات الخارجية، فكان الحبالة مثلا يفتلون كفاية المراكب من الحبال المتقنة فى أقرب وقت، وهكذا كل أهل فرع يحتفلون به حتى يتم على أكمل وجه، فاستغنت الحكومة المصرية بذلك بعض استغناء عن جلب السفن من البلاد الأجنبية

стр. 1877

إلا أن جميع ما يلزم لإنشاء المراكب وعمارتها مثل: الحديد والنحاس والخشب، كان يجلب من البلاد الأجنبية، وبسبب أهميتها واحتياج الأمر إليها، كان أربابها يتغالون فى أثمانها جدا، وليتها كانت من الأنواع الجيدة، بل كانت رديئة، فإن الخشب كان يأتى من الكرمانى، وبلاد إيطاليا غير مستوف لشروط الانتفاع به فى مثل هذه الأعمال، ولهذا كانت المراكب التى تصنع منه يسرع إليها التخريب وتحتاج للرمّ فى زمن قريب. ومع كل ذلك لم تقف همة العزيز عن إنشاء المراكب، وكثيرا ما كان تجار المراكب يثبطونه عن إنشائها ويبدون له ما لا مزيد عليه من الصعوبات وكثرة المصاريف، ويدخلون عليه بكل حيلة ليصرفوه عن هذا العزم، وذلك أنهم كانوا يربحون أرباحا كثيرة من بيعهم المراكب للحكومة المصرية، مع أن المراكب التى كانت تشترى منهم، مع ارتفاع أثمانها جدا، كانت إما قديمة، أو غير جيدة الصنعة، فلم يلتفت إلى تثبيطهم، ولم تقعد همته بل ازدادت رغبته فى تلك الأشغال، ورتب لها مجلسا أناط به جميع لوازم المراكب، وجعل رئيسه موسيو (سيريزى) المذكور وأنشأ مدرسة لتعليم صنعة السفن وما يتعلق بها. وكان المشتغلون بإنشاء المراكب وتعميرها إذ ذاك، نحو ٨٠٠٠ نفس، من الأهليين الذين تربوا على أيدى المعلمين من الإفرنج وغيرهم، وقد أتقن الصنعة منهم نحو ١٦٠٠ نفس، فاستغنت بذلك الحكومة المصرية عن شراء المراكب من الخارج، وكان المعين لها على هذا العزم موسيو (سيريزى) فكان دائما يبدى له من محاسن تلك الأعمال ونتائجها، ما يحمله على تنجيزها، وإعراضه عن تثبيط المثبطين له عنها، فلذا تعصب الإفرنج على موسيو (سيريزى) وضيقوا عليه ورمقوه بعين العداوة، حتى ألجؤوه إلى الاستعفاء من تلك الوظيفة، فعوفى منها وألحق ببلاده. وقد بلغ ما أنشئ وعمّر فى مدته وعلى يديه، من السفن الحربية وخلافها، وما تحمله كل سفينة، على ما ذكره كلوت بك فى تاريخه لمصر، ما نبينه لك فنقول:

стр. 1878

بيان السفن التى كانت موجودة تحت الحكومة المصرية وقت استعفاء سيريزى بيك إنشاء وتعميرا وبيان ما تحمله/من المدافع السفينة المسماة مصر تحمل ٩٨ مدفعا، عكا حمولة ٩٨، المحلة الكبيرة حمولة ١٠٠، المنصورة ١٠٠، إسكندرية ١٠٠، أبو قير ٧٨، طنتدا ٢٤، العزيزية ١٠، سفينة صغيرة للنزهة ٤، سفينة لرمى البنب ٠٠٠ (١)، سفينة لنقل الأخشاب ٠٠٠ (١)، ببلان ٨٦، حلب-كانت بالورشة-حمولة ١٠٠، دمشق-كانت بالورشة أيضا-١٠٠، وغير ذلك فرقطون. والسفن التى كانت محتاجة لكثرة العمارة، وتأخذ زمنا طويلا هى: البحيرة، وأصلها من مرسيليا ٦٠، الجعفرية وأصلها من ليفورنه ٦٠، رشيد وهى من بنديك ٣٠، كابشيك وتم عملها فى لونبرة ٣٠، شيرجهاد وأصلها من ليفورنه ٦٠، الدمياطية ٢٤، واسطة جهاد من الجزائر أعطتها فرنسا ٢٨، جن بحرى أصلها من جنوا ٢٤، جهاد بيكر أصلها من جنوا أيضا … (١)، فوّة … (١)، ومراكب أخرى حمولتها ٤٠٠، سمندجهاد من مرسيليا … (١)، شبرجهاد من أمريكا … (١)، بادى جهاد من أمريكا أيضا … (١)، أربع مراكب أخر … (١)، وجملة مراكب صغيرة وسفينة بخارية تسمى النيل. وأنشأ أيضا مدرسة البحارة، وجلب لها من شبان الأهالى ١٠٠٠٠ نفس وجعل رئيسها موسيو (بيسون بيك) وبعد موته تولى ذلك موسيو (حصار) حتى حصلت بهم الكفاية فى تركيب الدونانمه اللازمة.

стр. 1879

ولأجل تتميم جميع منافع الترسانة، وتحصيل زيادة الأمن على السفن الصادرة والواردة، أنشأ الفنار الموجود الآن برأس التين، وعين له مظهر باشا فبناه على أحسن هندام، وجعل ارتفاعه ستين مترا، ونوره يشاهد من ثمانية فراسخ فى البحر، فعمت منافعه وكثرت فوائده. مطلب عمل الحوض ولما كانت سفن الدوننمه وغيرها من المراكب لا تستغنى عن حوض فى المينا لأجل عمارة ما يحتاج منها إلى العمارة، لا سيما مينا الإسكندرية، لكثرة توارد المراكب عليها، صدر أمره بعمل حوض فى ليمان تلك المدينة. ولقلة المهندسين إذ ذاك بالديار المصرية، عين لعمله شاكر أفندى، المتقدم ذكره، فصار يعمل فيه أعمالا غير منتجة، لأنه فضلا عن عدم مهارته فى الأعمال الهندسية كانت أرض ذلك المحل رخوة يبلغ عمق رخاوتها نحو ستين قدما تحت استواء الماء، فكان يعمل صناديق كبيرة من خشب ويملؤها بالبنيان، ثم ينزلها فى الماء فى المحل الذى يلزم رميها به، وهكذا، واستمر على ذلك زمنا والعمل لا يتقدم، وربما انقلبت الصناديق بما فيها وتحوّلت عن أماكنها، حتى استوجب ذلك صرف كثير من الأموال بلا كبير فائدة، فعين لذلك كلا من المرحوم مظهر باشا، والمرحوم بهجت باشا، وكانا قد قدما من بلاد أوربا، وجعل ثالثهما لبنان بيك، وأمرهم بعقد مجلس للنظر فى ذلك، وبعد عقد المجلس والنظر فيه عملوا قرارا مضمونه، أن هذا العمل لا ينتج، وعرضوه عليه وبعد مضى زمن أحضر (موجيل بيك) من بلاد فرنسا وناط به عمل ذلك الحوض، فعمل أولا رسما وعرضه على العزيز فاستحسنه، ثم شرع فى البناء فجعل يدق خوازيق فى محله بعد حفر الطين منه بالكرّاكات، وكلما نزح موضعا ملأه بالخرصان، وهكذا إلى أن تم على وفق المرام، وانتفع به الخاص والعام.

стр. 1880

وهذا الحوض عبارة عن ناحية من البحر متسعة، عميقة أو تعمق بالكراكات، تختار بقرب البر وتحاط بالبناء المتين المصنوع من المواد الجيدة والمؤن الطيبة، ويجعل طوله بحيث يسع أكبر سفينة فى البحر، وعرضه بنسبة ذلك، وله فم من جهة الماء يسد بباب بهيئة مخصوصة، وتجعل فيه منافذ صغيرة تفتح وتقفل بحسب الحاجة، فإذا أريد إدخال سفينة فيه للعمارة يفتح الباب فتدخل السفينة بسهولة، ثم يسد فينزح الماء منه بواسطة وابور حتى يجف، وبعد تمام العمارة يملأ الحوض ثانيا ويفتح الباب فتخرج السفينة. وسيأتى لذلك مزيد بيان عند الكلام على الحوض الذى أنشأه حضرة الخديو إسماعيل باشا هناك. فجميع تلك الأعمال كان سببا لقوة السفن الحربية وكثرتها، ولم تزل تكثر ويجلب لها من البلاد الخارجية ما يلزم لها من الأسلحة وخلافها حتى قويت الدونانمة المصرية، وأحرزت ما كانت فاتتها به دوننمة الدولة العلية من العدد والعدد والمدد والتعليمات النافعة الغريبة التى لم تسمح الديار المصرية بمثلها فى الأعصر الخالية. وجعل موسيو (بيون ويس) أميرا عليها جميعها، وأعطاة رتبة ميرألاى، وكان قبل ذلك أحد ضباط الدوننمة الفرنساوية، وحاصل أمره أنه كان سنة ١٨١٥ ميلادية فى مينا رشفور بسفينته حين كان نابليون نوريت يريد الهروب من بلاد فرنسا، فتعهد له أن يوصله إلى بلاد الأمريكا، وقبل منه نابليون ذلك فاستعد (بيون) لهذا الأمر، ووضع فى سفينته جملة براميل فارغة مصفوفة بعضها بجوار بعض ليخفيه فيها، فهيأ نابليون جميع ما يلزم لسفره، وتواعد مع (بيون) على أن ينتظره بجزيرة إكس، فلما اجتمع معه فى الميعاد وجده قد رجع عن العزم على السفر معه، وأخبره أنه كتب إلى أمير الدولة الإنكليزية أن يأخذه عنده. ثم شاع خبر توافقه معه على إخفائه فخاف (بيون) عاقبه ذلك، وقد حصل/بالفعل رفته لهذا السبب، فصار يشتغل بالتجارات والأسفار فى سفينة لزوجته، إلى أن حضر سنة ١٨٢٠ ميلادية بمدينة الإسكندرية، وكان العزيز إذ ذاك مهتما بإنشاء السفن، فعرض له بطلب الخدامة والمعيشة تحت ظله، فجعله ملاحظا للسفن الجارى إنشاؤها فى بلاد أوربا ثم

стр. 1881

جعله قبطانا للفرقطون المسمى بالبحيرة الذى أنشئ بمرسيليا، وكان به ٦٤ مدفعا، ولم يزل يترقى إلى أن أخذ رتبة البيكوية، ثم صار ميرألاى على الدوننمة المصرية بتمامها، ولما عدمت الدوننمة الأصلية فى وقعة مورة ولم ينجح منها إلا القليل، ركب العزيز دوننمة أخرى من المراكب التى أنشئت بمينا الإسكندرية على أيدى أولاد الوطن، مع ما بقى من الدوننمة الأولى، فكانت أعظم من الأولى قوة وترتيبا ومهابة. الدوننمة المصرية وبيان السفن الحربية والمدافع والرجال التى تركبت منها الدوننمة المصرية، على ما ذكره كلوت بك، فى هذا الجدول. مراكب كبيرة، وعدد رجالها: المحلة الكبيرة ١٠٣٤ رجلا، المنصورة ١٠٣٤، إسكندرية ١٠٣٤، أبو قير ٧٣٦، مصر ١٠٩٧، عكا ١١٤٨، حمص ١٠٣٤، ببلان ٩٠٠، حلب ١٠٣٤، فيوم ١٠٣٤، بنى سويف ١٠٣٤، منوفية ٥٥٨، بحيرة ٥١٠، دمياط ٤٧٠، سرجهاد ٥١٠، رشيد ٥١٠، وابور النيل ١٥٢، خمس كورومت ٩٢٢، وخمس جوبليت عدد رجالها ٤٤٢، مركبان صغيرتان ٦٠، وخمس مراكب عدد رجالها ٣٩٠. مجموع العساكر البحرية المصرية ١٥٦٤٣، شغالة الترسانة بإسكندرية ٤٠٧٦، المجموع ١٩٧١٩، والمدافع التى كانت بها وقتئذ ٣٦٤ مدفعا، ومنصرف العساكر والرجال البحرية ٧٥٠٠٠٠٠ فرنك، والمنصرف على المبانى العسكرية ١٨٧٥٠٠٠، والمنصرف على ترسانة بولاق ٤١٢٥٠٠، يكون المنصرف على الجميع ٩٧٨٧٥٠٠.

стр. 1882

ولأجل عدم إهمال جميع الأعمال وخلافها من العمائر النفيسة التى أبدتها فكرة العزيز بمدينة الإسكندرية، مع محبته للإطلاع على الأخبار التى ترد من البلاد الخارجية ليحيط علما بأحوالها وأخبارها فيتمكن بذلك من القيام بمصالح الرعية وسياستها، وتحصين جهات حكومته، اتخذ تلك المدينة مركز إقامته فى غالب أوقاته، فبنى برأس التين بجوار الترسانة ثلاث سرايات: ثنتين على المينا الغربية إحداهما للمسافرين، والأخرى لدواوينه، والثالثة لخاصته بجوار المينا الشرقية، ولم يشغله ذلك عن مصالح الرعية، بل لم يزل ساعيا فى جميع ما يصلح القطر وأهله، حتى خلصّ الديار المصرية من الأشرار، وعم الأمن جميع جهاتها. واستلزم ذلك كثرة وفود الأغراب على الديار المصرية بالبضائع، وانتشروا فى جميع جهات القطر ونشروا بها معارفهم من الحرف والصنائع، وعاد نفعهم على جميع أبناء الوطن، ولم يزالوا آخذين فى الازدياد حتى كان الموجود منهم فى الديار المصرية سنة ١٨٤٠ من الميلاد ما تراه: شوام ٥٠٠٠ نفس، أروام رعية ٣٠٠٠ نفس، أرمن ٢٠٠٠، أروام إفرنج ٢٠٠٠، تليانيون ٢٠٠٠، مالطية ١٠٠٠، فرنساوية ٨٠٠، إنكليز ١٠٠، نمساوية ١٠٠، مسكوف ٣٠، إسبانيوليون ٢٠، سوسية وبلجيكية وهولندية وإسبانية ١٠٠، وغيرهم. الجميع ١٦١٥٠. وفى سنة ١٨٤٦ بلغ عددهم ٥٠٠٠٠، وفى سنة ١٨٧٠ بلغ ١٥٠٠٠٠، سيما وقد خصتهم العناية الداورية بالإكرام الزائد، فاستوطنوا هذه الديار خصوصا مدينة الإسكندرية، وبنوا بها المنازل الفاخرة والقصور المشيدة على هيآت قصور أوربا، قد أكثروا فيها من الشبابيك، وركبوا عليها ألواح القزاز وغيرها، وصنعوها بالألوان المفرحة.

стр. 1883

مطلب فى بيان هيئة الأبنية التى كانت بالقطر المصرى قبل جلوس العزيز محمد علىّ باشا على التخت ولما رأى أهل الإسكندرية ذلك ونفاسته تركوا ما كانوا عليه من الأوضاع القديمة؛ وذلك أن جميع أبنية القطر كانت بأوضاع وهيآت غير ما هى عليه الآن، فكانت المنازل العظيمة مشتملة على دور أرضى، وفوقه دور أو دوران ببناء بارز عن سمت الدور الأرضى بمقادير مختلفة من ذراع إلى ثلاثة أذرع، ولها متكآت ودعائم من الأحجار والأخشاب، ولا يجعلون فيها شبابيك ولا يستعملون القزاز؛ لقلة وجوده فى الديار المصرية حينئذ بسبب قلة توارد البضائع الخارجية فى تلك الأزمان، وإنما يجعلون فيها مشربيات من الخرط، ثابتة فى البنيان، ذات خروق ما بين صغيرة وكبيرة، وبتلك المشربيات طاقات صغيرة مطلة على الحارات، لها أبواب من الخشب تقفل وتفتح على حسب الحاجة، وكانوا يتنافسون فى ذلك ويصرفون فيه مصاريف جسيمة، ومنهم من ينقشها نقشا نفيسا مع أنها كانت لا تقى من الحر ولا من البرد ولا من الأتربة، بل كانت فى الصيف عرضة للرياح الحارة والأتربة الثائرة، وفى الشتاء عرضة للبرد والمطر، وربما ألصقوا بتلك المشربيات فى زمن الشتاء أوراقا فيتسبب عن ذلك امتناع الهواء عن المرور فى المساكن، فتتولد من احتباسه عفونات ربما أضرت بأبدانهم وأبصارهم، خصوصا/الفقراء الذين لا اعتناء لهم بشأن النظافة. ومع أن هذه الأوضاع الجديدة، ربما كانت مع نفاستها وجلبها لأسباب الصحة أقل كلفة ومصرفا من تلك الأوضاع القديمة، فلذلك تجد أبنية إسكندرية الآن، وغيرها من جميع مدن القطر، غالبها من الأوضاع الجديدة تضاهى الأوضاع الأورباوية، بصور حسنة، وشوارع معتدلة متسعة، محفوفة من الجانبين بشبابيك القزاز وغيرها.

стр. 1884

وكانت منازل تلك المدينة جميعها، قبل جلوس المرحوم محمد على باشا على تخت ديار مصر، ما بين المينا الشرقية والغربية فى أرض تعرف بالجزيرة، فى مقابلة رأس التين خارج السور البحرى، وجميع الأرض المحددة بشارع أبى وردة، قبلى عمارة صفر باشا وعمارة شرين باشا، إلى أبى العباس وإلى رأس التين، كان بعضها مدافن للموتى وبعضها نقعا، ولم يكن بها مساكن سوى بعض بيوت للصيادين ذات أبنية خفيفة كانت بالجهة المعروفة بالسيالة، وكان يتوصل من هناك إلى برج قائد بيك وطابية الأضا، فكان حد تلك المدينة، قبل ذلك من الجهة القبلية، الحارة المعروفة بحارة المغاربة قريبا من المكان المسمى الآن بميدان محمد على. وكان فى خلال البلد فضاء وتلول، واستمر ذلك إلى سنة ١٢٥٢ هجرية، ثم أذن للأهالى فى الفضاء، الذى بين رأس التين وشارع أبى وردة وأبى العباس، فبنوا فيه قصورا ومنازل، وفى ذاك الوقت كان مجلس التنظيم تحت رياسة الخواجة (توسيس) وكان متشكلا من بعض التجار والمهندس (منشنى) وهو الذى رسم خرطة إسكندرية التى عليها العمل الآن. وكان ما بين الأسوار خاليا من الأبنية، ليس فيه إلا الصهاريج، وأربعة كفور مسكونة بخدمة البساتين التى بداخل تلك الأسوار، وبرجال القلاع والأبراج: أحد تلك الكفور، عن شمال الداخل من باب شرقى. والثانى: فوق كوم الديماس. والثالث: قرب باب سدرة، وهو باب عمود السوارى. والرابع هو المعروف الآن بالنجع، وهو قريب من باب المحمودية. ولما كثرت الرغبة فى العمارات، وتزاحم الناس على البناء فى أرض الجزيرة، صدر أمر الداورى المفخم، بتقسيم ما بين الأسوار على الراغبين.

стр. 1885

مطلب فى تاريخ فتح الشارع الأخضر المار من شرقى الإسبتالية إلى المحمودية وفى سنة ١٢٦٠ هجرية، فتح شارع الباب الأخضر المار من شرقى الإسبتالية إلى المحمودية، وهدمت لأجله جملة من المساكن. ومن المحاسن التى أخذ التنظيم فيها حقه الشارع العمومى، والمنشية المشاهدة الآن بين باب رشيد ورأس التين. فأما المنشية وبعض الشارع فكان فضاء، وأما بعضه الآخر فكان منازل اشتريت من أربابها، وكان فى محل المنشية سوق تنزل فيه العرب لبيع الأغنام والتمر السيوى، والحطب، والصوف والسمن وغير ذلك، وكان يعرف بكوم الحلة، وحدّه الشرقى الوكالة المحروقة، والبحرى وكالة المراكشى، ووكالة الجمال المبرية، ووكالة الصوف، ومنزل الشيخ إبراهيم باشا والمنقعى. ومن هذه الأماكن إلى جهة الجنوب كان فضاء وبعض بساتين. وأوّل ما أنشئ بالمنشية جامع الشيخ إبراهيم باشا، ووكالة محرم بيك التى تحتها الآن خان شاكولانى، ثم بنى منزل ضانستاظى، ومنزل جبارة، وهو الآن فى ملك الخديوى، وأما سوق الخضار والجزارين-الآن-فهو محل حارة الجمال سابقا، فرّقه العزيز على بعض الأمراء، فبنوا فيه تلك الأبنية والحوانيت الموجودة الآن. وأما مقابر الموتى، فكانت داخل البلد خلال المساكن، فكان يتصاعد منها روائح كريهة، فنهى العزيز عن الدفن، فيها وأمر بجعل القبور خارج المدينة بعيدا عنها. وهكذا كانت عادته فى جلب كل ما فيه نفع، ودفع كل ما فيه ضرر، فكان-عليه سحائب الرحمة-لا يشغله بعض المصالح عن بعض، ولا تتعطل فكرته فى أمر مّا، ولم يسمع بمثله فى عصره فى اتساع دائرة أفكاره وإصابة أنظاره، ولذلك لما تراكمت عليه

стр. 1886

الحوادث فى مبدأ الأمر، إذ كانت المماليك مستولية على القطر بصورة غير مرضية، وكان الفساد قائما فى جميع بلاد القطر، بالقتل والنهب وقطع الطريق، وغير ذلك، مما أوجب اضمحلال الديار المصرية، وجه همته العلية إلى ذلك كله، وأعمل فكرته وبذل جده واجتهاده فيما يزيل به تلك الحوادث: فمنها ما استعمل فيه الرفق واللين، ومنها ما استعمل فيه بذل الأموال، ومنها ما استعمل فيه القهر والغلبة والسيف، حتى تمكن من جميع أغراضه، وأمن البلاد وخلص العباد من ربقة الإسترقاق، وأجلى المماليك بالكلية من الديار المصرية: فمنهم من قتل، ومنهم من أخرج منها حيا، ومنهم من أبقاه بها ضعيفا ذليلا. مطلب القوة العسكرية واحتفل من يومئذ بجلب شبان الأهالى من جميع بلاد القطر، ورتبهم عساكر حربية بحرية وبرية، وجعلهم أصنافا مختلفة، بتنظيمات وتعليمات مفيدة. وهكذا لم يزل الأمر آخذا فى الازدياد حتى بلغت العساكر البرية المصرية سنة ١٨٣٩ ميلادية هكذا: ألاى غارديا فى حمص ١٣٧٢ ألاى طوبجية فى الإسكندرية ٢٣٤٩ أربع بلوكات طوبجية متفرقة فى عكا ٣٣٧ أورطة طوبجية فى الحجاز ٣٧٩ ألايات بيادة غارديا ٨١٢٨ ألاى ثانى طوبجية بيادة ١٩٤٩ ألاى طوبجية سوارى فى حمص ٩٨٢ ألاى سوارى غارديا ٧٩٦ ألاى زرخ ٨٤٤ ومجموع عساكر تلك الألايات ١٧١٣٦

стр. 1887

عساكر البيادة ٣٥\ ألاى بيادة ومجموع عساكرهم\٩٠٤٩٥ ١٥\ألاى سوارى ومجموع عساكرهم\١٠١١٤ ٤\أورط إمدادية فى القاهرة\٣٩٨٠ ٢\ألاى بلطجية فى عكا\٨١٢ ١\أورطة مهندسين فى عدليب\٧٥٨ ١\بلوك لفمجية فى القاهرة\٩٤ ١\أورطة بلطجية فى الإسكندرية\٣٠٨ ١٦\بلوك موزعة فى الأقاليم\١٦٧١ عساكر خفر بالقاهرة ٢٨٥ عساكر جبهجية بمصر القديمة ١٨٥ ١\ألاى سر عسكر ١١٥٢ ١\أورطة إمدادية بطرابلس\١٦٤١ ١\أورطة بدنجلة\٨٥٥ وفى بلاد الحجاز:٢ بلوكات من الإمدادية ٢٠٠، ١\بلوك بالقربان\١٠٦.

стр. 1888

ومجموع العساكر المنتظمة الموجودة تحت السلاح خلاف الرديف على ما ذكره كلوت بك فى تاريخه لمصر ١٣٠٣٠٢ ومجموع العساكر الباش بوزوك ٤١٦٧٨ العرب وعساكر الرديف فى مصر وإسكندرية ودمياط ورشيد ومصر القديمة وبولاق ٤٧٨٠٠ ومدرسة الطوبجية والسوارى والبيادة والبحرية ١٢٠٠ وهذا بخلاف الورشجية وقدرهم ١٥٠٠٠ ومجموع ذلك ٢٣٥٩٨٠ وبناء على ذلك تكون القوة العسكرية المصرية، منتظمة وغير منتظمة كما ترى: عساكر منتظمة ١٣٠٣٠٢ عساكر غير منتظمة ٤١٦٧٨ الرديف ٤٧٨٠٠ رجال الورش ١٥٠٠٠ تلامذة المدارس الحربية ١٢٠٠ مجموع العساكر المصرية البرية ٢٣٥٩٨٠ الدوننمة المصرية ١٩٥٢٩ دوننمة الدولة العلية التى استولى عليها العزيز-كما سيأتى ٢١١٠٧ ومجموعهما ٤٠٦٣٦ فإذا ضمتا إلى العساكر البرية وهى ٢٣٥٩٨٠ كان الجميع ٢٧٦٦١٦

стр. 1889

وبيان منصرف العساكر البرية سنة ١٨٣٣، على ما ذكره كلوت بك: منصرف المدارس العسكرية فرنك ٢٠٠،٠٠٠ منصرف العساكر البرية المنتظمة ١٥،٠٠٠،٠٠٠ ماهيات الذوات ورؤساء المصالح ٥،٠٠٠،٠٠٠ ماهيات الخيالة الباش بزوك ٨١٢،٠٠٠ ماهيات العرب ٦٥٠،٠٠٠ مصروف المهمات البحرية ١،٧٥٠،٠٠٠ مرتبات الخيول والبغال والجمال ٣١٢،٠٠٠ يكون مصروف العساكر البرية ٢٣،٧٢٤،٠٠٠ وتقدم أن مصروف العساكر البحرية والمينيين ٩،٧٨٧،٥٠٠ يكون مصروف جميع القوة العسكرية ٣٣،٥١١،٥٠٠ ومع ذلك كانت له التفاتة تامة لعمل الاستحكامات اللازمة، حتى أحضر لها من الممالك الفرنساوية، موسيو (حليس) أحد المهندسين الحربيين المهرة، ورقاه إلى رتبة البيكوية، فلما حضر أخذ فى اختبار الأرض من جميع نواحى المدينة وضواحيها وجميع السواحل المصرية، ثم عين مواضع الاستحكامات والحصون اللازمة، فأسست على ما هى عليه الآن، وأحضر لها المدافع والآلات اللازمة، ورتبت لها العساكر الكافية والمعلمون بالقوانين المقررة المدوّنة، فتحصنت بذلك الديار المصرية وازدادت قوّتها أضعافا، حتى قاومت الدولة العلية، بل انتصرت العساكر المصرية على العساكر/التركية مرارا فى وقعات سارت بها أوراق الحوادث، وتخلدت فى الدفاتر والتواريخ عند جميع الملل، بل فى بعض

стр. 1890

الرقعات قد استولى العزيز على دوننمة الدولة العلية، ودخلت تحت طاعته، وكانت إذ ذاك تحت قيادة أحمد باشا فوزى، وكانت عدد سفنها ورجالها ما هو مذكور فى هذا الجدول: عدد رجالها ٩\ مراكب كبيرة\٩٤٤٣ ١١\فرقطين\٦٠٤٠ ٥\لريتيات\٦٢٤ وهذا خلاف ألايين عساكر قدرهم ٥٠٠٠ ليكون ٢١١٠٧ فإذا ضممتها إلى الدوننمة المصرية يكون الجميع ٤٠٦٣٦، فإذا ضم الجميع إلى العساكر البرية المتقدم بيانها ٢٣٥٩٨٠ كان الجميع ٢٧٦٦١٦. وكل ذلك قد تجدد فى الديار المصرية فى مدة يسيرة بعد جلوس العزيز على تختها، فاكتسبت بذلك قوة يمكنها أن تقاوم بها من عداها من الدول، ولذلك اضطروا إلى معاهدة الدولة العلية ليأمنوا بذلك من صولة الديار المصرية. مطلب أول دخول الفرنساوية فى الإسكندرية وإنما ذكرنا هنا ما يتعلق بالقوة العسكرية لتعرف أنها كغيرها من غرس فكرة العزيز وسعة دائرة عقله وعلوّ همته، ويظهر لك الفرق بين الحالة التى انتقلت إليها الديار المصرية فى أيامه، من العمران والثروة والقوّة حتى رجعت إلى حالتها الأولى، التى كانت عليها زمن البطالسة ومؤسسها الذى تسمت باسمه وبين الحالة التى كانت عليها قبيل جلوس هذا العزيز

стр. 1891

على تختها، فإنها كانت فى غاية من الضعف وقلة من العدد والعدد، حتى أن فئة قليلة من الإفرنج استولت عليها فى ثمانية وعشرين يوما، لرخاوة حكامها وقتئذ وذلك أنه حين استيلاء الفرنسيس على جزيرة مالطة، كما نقل عن كلوت بك، كان موسيو (روسيتى) قنصلا للدولة النمساوية وغيرها بالديار المصرية فتوجه إلى مراد بيك، حاكم مصر إذ ذاك، وأخبره أن الفرنساوية استولوا على جزيرة مالطة ولا يبعد أن يقصدوا الديار المصرية، فلم يعبأ بخبره بل استهزأ وقال: كيف نخاف من هؤلاء الرعاع الذين لا فرق بينهم وبين الواقفين على أبوابنا؟ وإن فرض وصولهم لأرضنا فمماليك الخزنة وحدهم يكفوننا المؤنة ويقطعون دابرهم، فحاول القنصل (روسيتى) صرفه عن هذا الرأى فلم يزدد إلا استهزاء وسخرية، ثم أمر بإرسال قنطارين من البارود إلى الإسكندرية احتياطا. فلم يمض إلا القليل حتى جاء الفرنسيس فدخلوها، فلما بلغه ذلك أمر بإحضار مسيو (روسيتى) وطلب منه أن يكتب من عنده للفرنسيس بالخروج من هذه الديار، فقال له (روسيتى): هم لم يحضروا إليها بإذنى حتى يخرجوا منها بإذنى، فإن كان ولا بد فارسل إليهم مع المكتوب خمسين ألف فرنك حتى يرتحلوا. فانظر كيف كان حال أمراء تلك الأيام، وعدم استعمالهم للحزم والتدبير بالنسبة إلى ذلك العزيز، الذى قمع الأشرار وحمى هذه الديار، وجيّش الجيوش ووجههم إلى الأقطار الخارجية مثل جزيرة موره وجزيرة العرب، وأرض السودان، أليس ذلك باعثا لجميع أهل الديار المصرية على إدامة الدعاء له: بتخليد دولته ودولة أنجاله؟. وكان مما مّن الله به عليه، أنه لا يقتصر على الأعمال الكبيرة، بل كانت جميع موجبات الثروة والتقدم تشغل فكره، فإنه أحدث فى البلاد طرقا متسعة وشوارع معتدلة، وجعل قوانين لتنظيم المبانى-سيما الإسكندرية-فإنه فتح بها عدة شوارع متسعة، وبنى باب رشيد للمرور بحارة النصارى ومحلات التجار لأغراض حسنة، وفى خارجها عدل طرقا كثيرة، وغرس بجوانبها أشجارا على أوضاع فائقة.

стр. 1892

مطلب عدد بيوت التجارة التى أنشئت بالإسكندرية فى عهد العزيز محمد على وكان له التفاتات تامة إلى ما يوجب رواج الفلاحة وأنواع الصنائع والمتاجر، حتى تجدد فى عهده بيوت كثيرة تجارية لأهل الوطن وغيرهم، فإن العلائق التجارية صارت مرتبطة بهمته مع سائر الدول، فنشأ بالإسكندرية تسعة بيوت للفرنساوية، وسبعة للإنكليز، وتسعة للنمساوية، وثمانية لأهل بلاد التسكار، وبيتان للسردينيا، وواحد لبلاد سويد، وواحد للهند، وواحد لبروسيا، وستة لعمد تجارة الأهالى. وكذلك حدثت مراكز كثيرة بالقاهرة وغيرها من المدن والبنادر، ومن ذلك احتفاله بأمر الزراعة الصيفية وغيرها، سيما زراعة القطن، فإنها سبب كبير فى زيادة ثروة الأهالى. ومن أكبر دواعى الاكتساب، الباعثة على بذل الهمة فى تحصيل الحرف والصنائع، فتح باب تغيير الهيآت فى الأبنية والملابس والرفاهية، فإنها فتحت/بابا للمصرف كان مقفلا من قبل. وبالجملة، فمحاسن العائلة المحمدية لا تحصى، وعوائد فوائدها لا تستقصى. فمنها تربية أولاد الوطن بالمكاتب والمدارس، والسعى فى كل ما فيه للرعية فائدة، كعمل الترع والخلجان والجسور، حتى اتسعت أرض الزراعة وصلح زرعها، وكثرت العلوم والمعارف فى أولاد الوطن الذين تربوا تحت ظله، وحفهم بعنايته حتى قاموا بمصالح القطر، واستغنى بهم عن غيرهم، كما هو جل قصده بتلك الغراسة، فهم غرس فكرته وأولاد نعمته، وكل ذلك مما يحمل أبناء الوطن على إدامة الدعاء له ولأنجاله حيث اقتفوا أثره فى آرائه وأفعاله.

стр. 1893

مطلب ما كان يتحصل من الجمارك ولنورد لك بيان قدر ما كان يتحصل من جمرك الإسكندرية وغيرها، من الثغور المصرية، فى مبدأ أخذ العزيز بزمام أحكام تلك الديار، ثم ما كان يتحصل فى آخر أيامه السعيدة، لتعلم ما حصل بهمته لهذا الفرع، وتقيس عليه غيره من باقى فروع الثروة فى الديار المصرية فنقول: كانت محلات الجمرك فى تلك الديار فى زمن المماليك والفرنساوية هى: القصير، ومصر القديمة، والقاهرة، وبولاق، والسويس، ودمياط، ورشيد، والإسكندرية. فأما جمرك القصير فكان متروكا لحكام الجهات القبلية، وأما جمرك باقى الجهات فكان بين إبراهيم بيك ومراد بيك، وبقى الأمر على ذلك مدة، ثم بعد ذلك اقتسما تلك الجهات خوفا من حصول النزاع بينهما، فاختص مراد بيك بجمرك القاهرة، وبولاق، ومصر القديمة، ورشيد، ودمياط، والإسكندرية، وأما إبراهيم بيك فاختص بجمرك السويس فقط، وكان يجعل من طرفه عمالا يحصلون الجمرك، بخلاف مراد بيك فإنه أعطى جمارك الثغور الأربعة التى خصته لأربعة من الملتزمين، وجعل على كل منهم شيئا معينا يؤدّيه إليه فى أوقاته. والملتزمون جعلوا من تحتهم عمالا وكتبة فى كل ثغر، على حسب الوارد قلة وكثرة، فكان فى ثغر دمياط ثمانية من الكتبة وخمسون من العمال، وفى رشيد ثلاثة من الكتبة وعشرون عاملا، وفى الإسكندرية اثنا عشر كاتبا وستون عاملا، وفى بولاق ومصر القديمة ستة من الكتبة وأربعون عاملا، فالجملة تسعة وعشرون كاتبا ومائة وسبعة وستون عاملا، وكانت مرتباتهم تدفع لهم من طرف الملتزمين فى كل سنة على هذا الوجه:

стр. 1894

بولاق ٢٤٠٠ ريالا بطاقة، دمياط ٤٠٠٠، رشيد ١٠٠٠، إسكندرية ٤٠٠٠، منها مربوط الكاتب كل يوم من ٦٠ إلى ٣٠٠ نصف فضة، ومربوطه كل سنة ٣٧٠ بطاقة، يكون مرتب هذه الوظيفة كل سنة ٢١،١٧٠، ومربوط العامل كل يوم ٤٥ نصف فضة، مربوطه كل سنة ١٨٢،٥ بطاقة، ومرتب الجميع فى السنة ٣١٠٢٥، فيكون مرتب المصلحة فى السنة ٦٥٥٩٥ بطاقة. وكان مرتب الالتزام الذى يدفع إلى مراد بيك فى كل شهر ٢١٠٠٠، وفى كل سنة ٢٥٢٠٠، فيكون الجميع ٣١٥٥٩٥. ولا يخلو الحال، على حسب العادة، من تداخل الخدمة والكتبة فى الجمرك بالاختلاس وإخفاء بعض المتحصل، فيصل المبلغ تقريبا إلى ٤٨٠٠٠٠ بطاقة، يكون ما يخص الشهر ٤٠٠٠٠ بطاقة، وهذا ما كان يدفع من طرف الملتزمين-وقت دخول الفرنساوية-إلى مراد بيك فى التزام الثغور الأربعة. وحيث أن المنصرف للخدمة من طرف الملتزم يقرب من الثمن، فإن فرض أن ما كان يصرفه فى الهدايا والرشا مثل ذلك أيضا، يكون المنصرف من طرفه كل سنة ١٢٠٠٠٠، يضاف إليه مرتب الالتزام ٢٥٢٠٠٠، فيكون الجميع ٣٧٢٠٠٠، ويكون الباقى من ٤٨٠٠٠٠ هو ١٠٨٠٠٠، وهو أرباح الملتزم بعد المصاريف، وهذا المبلغ يعادل ٣٣٤٠٠٠ فرنك تقريبا. وأما المتحصل من جمرك السويس فهو ٤٠٩٣٦٥ بطاقة، وهو قريب من المتحصل من الثغور الأربعة المذكورة، وبالضرورة هو لا يحتاج لمصرف قدر ما تحتاجه الثغور الأربعة من ماهيات الكتبة والعمال، ولذلك كانت أرباح إبراهيم بيك تزيد كثيرا عن أرباح مراد بيك.

стр. 1895

وبناء على هذا الذى تبين لك، يمكن تقدير جمرك الديار المصرية على هذا الوجه المشروح كما ترى: الثغور الأربعة ٤٨٠٠٠٠، السويس ٤٠٩٣٦٥، القصير ١١٠٦٥٥، الجملة ١٠٠٠٠٢٠ وهو عبارة عن ثلاثة ملايين فرنك، من ضمنها جميع المصاريف وأرباح الملتزمين. وقد علم من الكشف المبين للمتحصل من هذا الفرع، زمن الحكومة الفرنساوية، أن متحصل جمرك الإسكندرية من ابتداء سنة ١٢٠١ هجرية إلى سنة ١٢١٠، يعنى فى مدة عشر سنين، هو ١٣٧٦٠٩٨ بطاقة، ومجموع المصاريف فى هذه المدة هو ٣٤٤٠٤، فالباقى لجهة الخزينة بعد المصاريف هو ١٠٣٥٦٩٤ بطاقة، فينتج أن المتحصل السنوى هو ٣٢٢٨٧٢ فرنك، وهو عبارة عن ستة عشر ألف بينتو وكسور، هى متحصل جمرك الإسكندرية فى سنة ١٢١٠ هجرية، وبالضرورة هو الذى كان يتحصل حين جلوس/العزيز على تخت الديار المصرية، وكان الريال البطاقة-إذ ذاك-عبارة عن تسعين نصف فضة، وكان القرش ثلاثين نصف فضة. وبعد أن تمهدت الأمور، وانتظمت الأحوال، زاد المتحصل أضعافا حتى بلغ بعد انعقاد الصلح سنة ١٨٤١ ميلادية قريبا من ثلثمائة ألف جنية، أعنى نحوا من تسعة عشر ضعفا مما كان أوّلا، وما ذاك إلا من تدبير العزيز واتساع دائرة الأمنية، التى أوجبت اتساع دائرة التجارة، وكثرة توارد الأغراب بمحصولات الأقطار الخارجية. ومن أعظم أسباب ذلك، ما حصل من مساعدة الفلاحين على فلاحة الأراضى، مع إجراء الطرق المصلحة للأرض كالترع والجسور، فازدادت محصولات الزراعة، واتسعت الأرض الصالحة لها حتى زادت المحصولات عن كفاية القطر، وانتفعت الأهالى ببيع الزائد لأهل الأقطار الخارجية، فأورثهم ذلك رفاهية وتحسينا للهيئات والمساكن والركائب، وراجت التجارات الداخلية والخارجية، كما يعلم ذلك من الجدول الآتى، الدال على قيم المحصولات الواردة على الديار المصرية، من ثغر الإسكندرية، والمحصولات الخارجة عنها إلى الديار الأوروباوية وغيرها من ابتداء سنة ١٨٢٣ إلى ١٨٤٢ ميلادية
следующие страницы →