← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

على تختها، فإنها كانت فى غاية من الضعف وقلة من العدد والعدد، حتى أن فئة قليلة من الإفرنج استولت عليها فى ثمانية وعشرين يوما، لرخاوة حكامها وقتئذ وذلك أنه حين استيلاء الفرنسيس على جزيرة مالطة، كما نقل عن كلوت بك، كان موسيو (روسيتى) قنصلا للدولة النمساوية وغيرها بالديار المصرية فتوجه إلى مراد بيك، حاكم مصر إذ ذاك، وأخبره أن الفرنساوية استولوا على جزيرة مالطة ولا يبعد أن يقصدوا الديار المصرية، فلم يعبأ بخبره بل استهزأ وقال: كيف نخاف من هؤلاء الرعاع الذين لا فرق بينهم وبين الواقفين على أبوابنا؟ وإن فرض وصولهم لأرضنا فمماليك الخزنة وحدهم يكفوننا المؤنة ويقطعون دابرهم، فحاول القنصل (روسيتى) صرفه عن هذا الرأى فلم يزدد إلا استهزاء وسخرية، ثم أمر بإرسال قنطارين من البارود إلى الإسكندرية احتياطا. فلم يمض إلا القليل حتى جاء الفرنسيس فدخلوها، فلما بلغه ذلك أمر بإحضار مسيو (روسيتى) وطلب منه أن يكتب من عنده للفرنسيس بالخروج من هذه الديار، فقال له (روسيتى): هم لم يحضروا إليها بإذنى حتى يخرجوا منها بإذنى، فإن كان ولا بد فارسل إليهم مع المكتوب خمسين ألف فرنك حتى يرتحلوا. فانظر كيف كان حال أمراء تلك الأيام، وعدم استعمالهم للحزم والتدبير بالنسبة إلى ذلك العزيز، الذى قمع الأشرار وحمى هذه الديار، وجيّش الجيوش ووجههم إلى الأقطار الخارجية مثل جزيرة موره وجزيرة العرب، وأرض السودان، أليس ذلك باعثا لجميع أهل الديار المصرية على إدامة الدعاء له: بتخليد دولته ودولة أنجاله؟. وكان مما مّن الله به عليه، أنه لا يقتصر على الأعمال الكبيرة، بل كانت جميع موجبات الثروة والتقدم تشغل فكره، فإنه أحدث فى البلاد طرقا متسعة وشوارع معتدلة، وجعل قوانين لتنظيم المبانى-سيما الإسكندرية-فإنه فتح بها عدة شوارع متسعة، وبنى باب رشيد للمرور بحارة النصارى ومحلات التجار لأغراض حسنة، وفى خارجها عدل طرقا كثيرة، وغرس بجوانبها أشجارا على أوضاع فائقة.

стр. 1892

مطلب عدد بيوت التجارة التى أنشئت بالإسكندرية فى عهد العزيز محمد على وكان له التفاتات تامة إلى ما يوجب رواج الفلاحة وأنواع الصنائع والمتاجر، حتى تجدد فى عهده بيوت كثيرة تجارية لأهل الوطن وغيرهم، فإن العلائق التجارية صارت مرتبطة بهمته مع سائر الدول، فنشأ بالإسكندرية تسعة بيوت للفرنساوية، وسبعة للإنكليز، وتسعة للنمساوية، وثمانية لأهل بلاد التسكار، وبيتان للسردينيا، وواحد لبلاد سويد، وواحد للهند، وواحد لبروسيا، وستة لعمد تجارة الأهالى. وكذلك حدثت مراكز كثيرة بالقاهرة وغيرها من المدن والبنادر، ومن ذلك احتفاله بأمر الزراعة الصيفية وغيرها، سيما زراعة القطن، فإنها سبب كبير فى زيادة ثروة الأهالى. ومن أكبر دواعى الاكتساب، الباعثة على بذل الهمة فى تحصيل الحرف والصنائع، فتح باب تغيير الهيآت فى الأبنية والملابس والرفاهية، فإنها فتحت/بابا للمصرف كان مقفلا من قبل. وبالجملة، فمحاسن العائلة المحمدية لا تحصى، وعوائد فوائدها لا تستقصى. فمنها تربية أولاد الوطن بالمكاتب والمدارس، والسعى فى كل ما فيه للرعية فائدة، كعمل الترع والخلجان والجسور، حتى اتسعت أرض الزراعة وصلح زرعها، وكثرت العلوم والمعارف فى أولاد الوطن الذين تربوا تحت ظله، وحفهم بعنايته حتى قاموا بمصالح القطر، واستغنى بهم عن غيرهم، كما هو جل قصده بتلك الغراسة، فهم غرس فكرته وأولاد نعمته، وكل ذلك مما يحمل أبناء الوطن على إدامة الدعاء له ولأنجاله حيث اقتفوا أثره فى آرائه وأفعاله.

стр. 1893

مطلب ما كان يتحصل من الجمارك ولنورد لك بيان قدر ما كان يتحصل من جمرك الإسكندرية وغيرها، من الثغور المصرية، فى مبدأ أخذ العزيز بزمام أحكام تلك الديار، ثم ما كان يتحصل فى آخر أيامه السعيدة، لتعلم ما حصل بهمته لهذا الفرع، وتقيس عليه غيره من باقى فروع الثروة فى الديار المصرية فنقول: كانت محلات الجمرك فى تلك الديار فى زمن المماليك والفرنساوية هى: القصير، ومصر القديمة، والقاهرة، وبولاق، والسويس، ودمياط، ورشيد، والإسكندرية. فأما جمرك القصير فكان متروكا لحكام الجهات القبلية، وأما جمرك باقى الجهات فكان بين إبراهيم بيك ومراد بيك، وبقى الأمر على ذلك مدة، ثم بعد ذلك اقتسما تلك الجهات خوفا من حصول النزاع بينهما، فاختص مراد بيك بجمرك القاهرة، وبولاق، ومصر القديمة، ورشيد، ودمياط، والإسكندرية، وأما إبراهيم بيك فاختص بجمرك السويس فقط، وكان يجعل من طرفه عمالا يحصلون الجمرك، بخلاف مراد بيك فإنه أعطى جمارك الثغور الأربعة التى خصته لأربعة من الملتزمين، وجعل على كل منهم شيئا معينا يؤدّيه إليه فى أوقاته. والملتزمون جعلوا من تحتهم عمالا وكتبة فى كل ثغر، على حسب الوارد قلة وكثرة، فكان فى ثغر دمياط ثمانية من الكتبة وخمسون من العمال، وفى رشيد ثلاثة من الكتبة وعشرون عاملا، وفى الإسكندرية اثنا عشر كاتبا وستون عاملا، وفى بولاق ومصر القديمة ستة من الكتبة وأربعون عاملا، فالجملة تسعة وعشرون كاتبا ومائة وسبعة وستون عاملا، وكانت مرتباتهم تدفع لهم من طرف الملتزمين فى كل سنة على هذا الوجه:

стр. 1894

بولاق ٢٤٠٠ ريالا بطاقة، دمياط ٤٠٠٠، رشيد ١٠٠٠، إسكندرية ٤٠٠٠، منها مربوط الكاتب كل يوم من ٦٠ إلى ٣٠٠ نصف فضة، ومربوطه كل سنة ٣٧٠ بطاقة، يكون مرتب هذه الوظيفة كل سنة ٢١،١٧٠، ومربوط العامل كل يوم ٤٥ نصف فضة، مربوطه كل سنة ١٨٢،٥ بطاقة، ومرتب الجميع فى السنة ٣١٠٢٥، فيكون مرتب المصلحة فى السنة ٦٥٥٩٥ بطاقة. وكان مرتب الالتزام الذى يدفع إلى مراد بيك فى كل شهر ٢١٠٠٠، وفى كل سنة ٢٥٢٠٠، فيكون الجميع ٣١٥٥٩٥. ولا يخلو الحال، على حسب العادة، من تداخل الخدمة والكتبة فى الجمرك بالاختلاس وإخفاء بعض المتحصل، فيصل المبلغ تقريبا إلى ٤٨٠٠٠٠ بطاقة، يكون ما يخص الشهر ٤٠٠٠٠ بطاقة، وهذا ما كان يدفع من طرف الملتزمين-وقت دخول الفرنساوية-إلى مراد بيك فى التزام الثغور الأربعة. وحيث أن المنصرف للخدمة من طرف الملتزم يقرب من الثمن، فإن فرض أن ما كان يصرفه فى الهدايا والرشا مثل ذلك أيضا، يكون المنصرف من طرفه كل سنة ١٢٠٠٠٠، يضاف إليه مرتب الالتزام ٢٥٢٠٠٠، فيكون الجميع ٣٧٢٠٠٠، ويكون الباقى من ٤٨٠٠٠٠ هو ١٠٨٠٠٠، وهو أرباح الملتزم بعد المصاريف، وهذا المبلغ يعادل ٣٣٤٠٠٠ فرنك تقريبا. وأما المتحصل من جمرك السويس فهو ٤٠٩٣٦٥ بطاقة، وهو قريب من المتحصل من الثغور الأربعة المذكورة، وبالضرورة هو لا يحتاج لمصرف قدر ما تحتاجه الثغور الأربعة من ماهيات الكتبة والعمال، ولذلك كانت أرباح إبراهيم بيك تزيد كثيرا عن أرباح مراد بيك.

стр. 1895

وبناء على هذا الذى تبين لك، يمكن تقدير جمرك الديار المصرية على هذا الوجه المشروح كما ترى: الثغور الأربعة ٤٨٠٠٠٠، السويس ٤٠٩٣٦٥، القصير ١١٠٦٥٥، الجملة ١٠٠٠٠٢٠ وهو عبارة عن ثلاثة ملايين فرنك، من ضمنها جميع المصاريف وأرباح الملتزمين. وقد علم من الكشف المبين للمتحصل من هذا الفرع، زمن الحكومة الفرنساوية، أن متحصل جمرك الإسكندرية من ابتداء سنة ١٢٠١ هجرية إلى سنة ١٢١٠، يعنى فى مدة عشر سنين، هو ١٣٧٦٠٩٨ بطاقة، ومجموع المصاريف فى هذه المدة هو ٣٤٤٠٤، فالباقى لجهة الخزينة بعد المصاريف هو ١٠٣٥٦٩٤ بطاقة، فينتج أن المتحصل السنوى هو ٣٢٢٨٧٢ فرنك، وهو عبارة عن ستة عشر ألف بينتو وكسور، هى متحصل جمرك الإسكندرية فى سنة ١٢١٠ هجرية، وبالضرورة هو الذى كان يتحصل حين جلوس/العزيز على تخت الديار المصرية، وكان الريال البطاقة-إذ ذاك-عبارة عن تسعين نصف فضة، وكان القرش ثلاثين نصف فضة. وبعد أن تمهدت الأمور، وانتظمت الأحوال، زاد المتحصل أضعافا حتى بلغ بعد انعقاد الصلح سنة ١٨٤١ ميلادية قريبا من ثلثمائة ألف جنية، أعنى نحوا من تسعة عشر ضعفا مما كان أوّلا، وما ذاك إلا من تدبير العزيز واتساع دائرة الأمنية، التى أوجبت اتساع دائرة التجارة، وكثرة توارد الأغراب بمحصولات الأقطار الخارجية. ومن أعظم أسباب ذلك، ما حصل من مساعدة الفلاحين على فلاحة الأراضى، مع إجراء الطرق المصلحة للأرض كالترع والجسور، فازدادت محصولات الزراعة، واتسعت الأرض الصالحة لها حتى زادت المحصولات عن كفاية القطر، وانتفعت الأهالى ببيع الزائد لأهل الأقطار الخارجية، فأورثهم ذلك رفاهية وتحسينا للهيئات والمساكن والركائب، وراجت التجارات الداخلية والخارجية، كما يعلم ذلك من الجدول الآتى، الدال على قيم المحصولات الواردة على الديار المصرية، من ثغر الإسكندرية، والمحصولات الخارجة عنها إلى الديار الأوروباوية وغيرها من ابتداء سنة ١٨٢٣ إلى ١٨٤٢ ميلادية

стр. 1896

وهذا هو الجدول سنة ميلادية قيمة الوارد بالقرش قيمة الصادر بالقرش ١٨٢٣ ٨٠٤٥١٩٧٥ ١٥٨٤٧٦٤٦٠ ١٨٢٤ ١١٩٥٢٠٩٧٥ ٢٤٣١٦٧٧٥٠ ١٨٢٥ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ١١٥٥٦٦٤٣٠ ١٨٢٦ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ٨٠٨٥٥٩١٠ ١٨٢٧ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ٨٥٣٨٣٤٠٠ ١٨٢٨ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ٣٠١٥٩١٥٠ ٠٠٠٠ ٠٠٠٠ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ١٨٣٤ ٨٢٤٥٤٠٢٥ ٨٥٨٠٦١٨٥ ١٨٣٥ ١٠٢٤١١٩٤٥ ١٣٦٧٠٢٢٦٠ ١٨٣٦ ١٣٠١٣٨٤٣٠ ١٧٦٢٠٧٠٨٠ ١٨٣٧ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ١٨٣٨ ٣٨٠٠٠٠٠٠٠ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ١٨٣٩ ٣٠٣٠٠٠٠٠٠ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ١٨٤٠ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ١٨٤١ ١٧٠٦١٢٠٠٠ ١٥٤٠٨٠٠٠٠ ١٨٤٢ ٢٤٧٠٩٢٠٠٠ ١٨٠٦٨٨٠٠٠ فمن هذا الجدول يعلم أن حركة التجارة، من ابتداء استيلاء العزيز على تلك الديار، كانت كل سنة فى ازدياد، وفى مدة تسع عشرة سنة تضاعف الصادر والوارد جدا، وبعد أن بلغت قيمة الصادر والوارد فى سنة ١٨٢٣ ميلادية ٢٣٨٩٢٨٤٣٥ قرشا صاغا، وهو قريب من أربعمائة وثمانين ألف كيسة، صارت تبلغ فى سنة ١٨٤٢ ميلادية ٤٢٧٧٨٠٠٠٠، وهو قريب من ثمانمائة وستين ألف كيسة، وهذا أدل دليل على علوّ همته وسعيه فى مصالح الرعية، فكان-عليه الرحمة-رحمة عامة لهذا القطر.

стр. 1897

الكلام على الإسكندرية فى زمن العزيز إبراهيم باشا لم تزل هذه المدينة حين جلوس العزيز إبراهيم باشا على تخت الديار المصرية، آخذة فى السير فى طرق التقدمات والشهرة والقوة، بسبب ما جدّده ورسمه فيها والده العزيز محمد على باشا من المحاسن التى تقدم ذكر بعضها، فلما جلس هذا العزيز على كرسيها زاد فرحها وابتهاجها، لما كانت تؤمله فيه من بلوغها على يديه أوج السعادة وتمام الشهرة اللذين مهدهما لها بحروبه ونصراته، ومعاناته للشدائد من شبيبته إلى مشيبه، حتى حصلت على يديه فتوحات كثيرة، واكتسب هذا القطر بسببه هيبة عند جميع الممالك، فهو فى الحقيقة مشارك للمؤسس الأصلى فى تقدم هذه الديار، وإن كانت مدّة حكمه قصيرة لا تزيد على سبعة أشهر، فإنه- عليه سحائب الرحمة-تولى هذه الديار بطريق الوكالة عن والده فى ربيع الآخر سنة ١٢٦٤، وفى رمضان من تلك السنة توجه إلى الآستانة، فخلع عليه الملك فرمان الأصالة ورجع مستوليا/على التخت، وقد اشتغل بمجرد استيلائه بأمور مهمة فى إسكندرية وغيرها، ذات منافع عمومية من ضمنها: تكميل طوابى إسكندرية واستحكاماتها على الوجه الذى أسست عليه فى عهد العزيز والده، وشحنها بالعسكر والأسلحة والآلات. ومرّ بالساحل من إسكندرية إلى رشيد، ثم إلى دمياط واستكشفه بنفسه، ورتب لبغازى رشيد ودمياط، بمعرفة جليس بيك، جميع ما يلزم لحفظ الثغور من الطوابى والآلات والعساكر، وهكذا استحكامات القناطر الخيرية، وترعتى العطف وأبى حماد، وبرنبال، والعريش، والسويس، والقصير وما يلزم لحفظ الآبار والعيون التى بطرق تلك الجهات، وأمر فى ثغر إسكندرية بإنشاء مائتين وخمسين شولو باطوبجية، كل واحدة تحمل مدفعين لحفظ البغازات والملاحات، وكان عازما على تخطيط سكة تبتدئ من إسكندرية وتمر بناحية أبى قير وتستمر إلى رشيد، ليسهل السير على العساكر والمهمات عند الحاجة، وعلى ترتيب ضابطان أركان حرب.

стр. 1898

وكان له التفاتة تامة لتنظيم القوّة العسكرية، فجدد أورط المهندسين الحربية والكبورجية، وأحضر لذلك رجالا من الدولة الفرنساوية، فكان هو أول مؤسس لهذا الأمر المهم؛ فإن الجيوش لا تستغنى عن ذلك عند سيرها داخل القطر وخارجه، لتعدية البحور والأنهار والخلجان، سيّما عند مزاحمة العدوّ. وكان موجها همته لتحصيل ما به التربية العامة والأسباب الصحية، وسلك ذلك بالفعل فى سلك التنظيم، من جملة أعمال خيرية لجميع الوطن، لكن لم تمهله الأيام حتى يتم ما شرع فيه وما عزم عليه، وتوفى إلى رحمة الله تعالى فى شهر ذى الحجة سنة ١٢٦٤ هلالية، عوّض الله أبناء الوطن فيه خيرا، فمدة جلوسه على التخت وإن كانت قليلة فى الحس. لكنها كثيرة فى المعنى، بما نالته إسكندرية وغيرها من آثار همته، ولو طالت به الأيام لنالت على يديه ما كانت تؤمله وزيادة، ولكن قد عوضنا الله تعالى أضعاف ما فاتنا منه، بأن أوجد لنا من ولده لصلبه، حضرة الجناب الخديوى إسماعيل باشا، فقد حصل لنا على يديه ما أزال أسفنا وحزننا، فإنا بحول الله وقوّته وعناية هذا الجناب، فضلا عن حوزنا لجميع ما قصده المؤسس الأصلى، قد وصلنا الآن إلى درجة من التقدم لم تكن لدولة من الدول المشرقية، ولا يبعد أنّا نناظر بها الدولة الأوروباوية، فإنه بأرض مصر الآن جميع نتائج الاختراعات النافعة العلمية والعملية المستعملة على الوجه الأرجح فى تنمية الأرزاق، وما من أحد من أهل القطر والطارئين إلا وقد أخذ بحظ من ذلك، وكلهم شاهدون له مثنون عليه وعلى آبائه وأبنائه. *********

стр. 1899

الكلام على الإسكندرية فى زمن المرحوم عباس باشا كان جلوسه-﵀-على تخت الديار المصرية فى سنة ١٢٦٤ هجرية، ومن ذاك الحين إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى، لم يغير السير السياسى-الذى كان رسمه جده وعمه من قبله-لسياسة هذه الديار، بل سار فى هذا الطريق بقلبه وقالبه، لأنه كان لا يرى وجها للعدول عنه إلى غيره؛ لما اشتمل عليه المنافع والفوائد الجمة للقطر وأهله. وقد نشأ عن هذا السير، التقدم فى التجارة والثروة فى الإسكندرية وغيرها من بلاد القطر، ومن محافظته على القوانين الموضوعة لرواج الفلاحة نما محصولها، ومن جودته كثرت الرغبة فى الفلاحة حتى من الأمراء والأعيان، فزرعت أراضى كثيرة من الأراضى المتروكة، واتسع زمام القطر ودائرة الرزق، وسرى بشير الثروة فى نواحى القطر، فعم القاصى والدانى، وكان-﵀-لا يكثر من الإقامة بالإسكندرية، إلا أنه كان مهتما بشأنها، لما كان يعلمه من أهميتها وعظم موقعها من هذا القطر، فشملها بعنايته واجتهد فى تتميم ما شرع فيه زمن جده وعمه، رحمهما الله تعالى، وبنى برأس التين سراية أعدّها لإقامة مجلس التجار، وصمم على عمل خمسة ميادين فيها لتكون فى زمن الهدنة محلا للتفسح والألعاب، وفى زمن الحرب مجتمعا للعساكر لتوجيهها إلى محل اقتضائها، وصدرت أوامره بفتح شارع مستقيم يقسم مدينة الإسكندرية نصفين، من باب شرق إلى باب المحمودية، على أن يكون هو الشارع العمومى، واشترى جميع ما بجانبه من الأملاك، وفتح منه بالفعل جزءا عظيما من باب شرق إلى جنينة (جرجس حزام) وبعد وفاته صرف عنه النظر، فأنعم به المرحوم سعيد باشا على الأهالى، فبنوا به المنازل والخانات المشهورة الآن، وجدد فى المنشية عمارة جسيمة، فى محل سبيل قديم من زمن العرب، وكانت هذه العمارة تعرف بالإلهامية نسبة إلى ابنه إلهامى

стр. 1900

باشا، فلما توفى إلهامى بيعت من ضمن متروكاته بخمسين ألف جنيه سوى التى اشتراها التاجر (أنطونيادس) الرومى وهى على ملكه إلى الآن، واعتنى اعتناء زائدا بتنظيم القوّة العسكرية، فأدخل فى ترتيب الألايات نوع تغيرات، منها: أنه جعل الألاى الواحد خمسة آلاف عسكرى/أعنى قدر ألايين مما كان قبل، ونظم العساكر الهجانة، وأورطتين مهندسين، وكان تعليمهم بواسطة الصف ضابطان، الذين كان طلبهم المرحوم إبراهيم باشا من بلاد فرانسا لهذا الغرض. فحضروا ومعهم جميع الآلات والأدوات، وأنشئت بمعرفتهم ستون مركبا لتعليمهم كيفية تعدية الأنهار والخلجان، وكيفية عمل الألغام والحيل العسكرية فنشأ من ذلك ما انتفع به القطر. ومن ضمن الضابطان (موتى بيك) رئيس الاستحكامات زمن المرحوم سعيد باشا و (ديبرنرزى بيك) و (مجاكية باش) مأمور ورشة الحوض المرصود، وكانت رتبته باشجاويش. وكان مما وجه همته إليه-زيادة على غيره-تتميم الاستحكامات والطوابى والقلاع، طبق ما رسمه رئيس هندسة الاستحكامات (جليس بيك)، ووافقه عليه ذو الدراية والخبرة وأقره الخديوى، فأقام معظم حصونها وأضاف إليها بعض حصون رأى أهميتها فأدخلها فى النقط المهمة، ومن ذلك: قلعة مقابر اليهود، وقلعة أبى قير، وقلعة العجمى، مع إنشاء مبان ملحقة بتلك القلاع للوازمها، فأنشأ فى قلعة مقابر اليهود جبخانة جسيمة تسع تسعة آلاف قنطار من البارود، وهى إلى الآن مستعملة فى حفظ البارود. وعمل فى قلعة أبى قير مخبزا وطواحين تدور بالهواء، وإسبتاليا لمرضى العساكر المقيمين بهذه القلعة وما جاورها من القلاع، فكانت العساكر المقيمة فى تلك الجهات لا تحتاج لشئ يأتى من الخارج.

стр. 1901

ولم يزل ملتفتا إلى الاستحكامات والقلاع والحصون، عازما على إتمامها، فيلحق بها ما يلزم من الورش والبطاريات الطوبجية وقشلاقات العساكر المحافظين، والإسبتاليات وغير ذلك، حتى انتظم أكثر القلاع التى كان جده وعمه مهتمين بها، وبنيت ورشة للطوبجية فى وسط المدينة فى شرقى المحل المعروف بكوم الناضورة، طولها مائتا مترفى مثلها عرضا، مشتملة على جميع محلات التشغيل: كمحلات النجارة، والحدادة، والبرادة، والسبك، وغير ذلك كالمخازن، وجلب لها جميع آلات التشغيل والعمال والمعلمين، فصارت من أحسن ما يعمل من هذا القبيل، وعمل بها عدة بطاريات، يعمر بها كثير من آلات السواحل وغيرها، ثم أبطلها المرحوم سعيد باشا، وأمر ببيع أرضها للأهالى، فبنيت منازل وغير ذلك، ومن ضمنها الآن: حمام هلندى. وأنشئت القشلاقات داخل الطوابى فمن ذلك: قشلاق فى طابية الأداء لإقامة خمسمائة عسكرى، وقشلاق فى قلعة أم كبيبة كذلك، وقشلاق فوق باب الصورى المعروف بباب محرم بيك لإقامة أورطة من العساكر. ولما أنشئت سكة الحديد الواصلة إلى الرمل مرت فى وسط القشلاق فقسمته نصفين والآن به عساكر محافظة الضبطية، وبنى الاسبتاليا الملكية فى حوش مقابر اليهود بجوار المسلة المعروفة بمسلة كيلوبترا، ووفّاها جميع لوازمها من مفروشات وملبوسات وأدوية وآلات، وجعل بها أجزاخانة وبيتا لتركيب الأدوية، ونوّع محلاتها بحسب أنواع الأمراض والعلل، ورتّب لها حكماء وجراحجية فجاءت من أحسن الإسبتاليات، وحصل بها النفع العام، وصار يدخلها الأهالى والغرباء للتداوى بدون مقابل، واستمرت على ذلك حتى هدمتها سكة حديد الرمل أيضا، والآن عمل من فيض المكارم الخديوية إسبتاليا عوضا عنها فى محل قريب منها.

стр. 1902

مطلب استكشاف عن السواحل ولأجل الوقوف على ما اشتملت عليه الأراضى المجاورة لثغر الإسكندرية، أمر باستكشاف ما حوله حيث كان لذلك دخل فى المحافظة، فكشف سواحل البحر من الإسكندرية إلى العريش ومنها إلى مطروح، وكشف بحيرة مريوط إلى حدود المزارع من مديرية البحيرة، وإلى حدود الأرض المرتفعة من جهة وادى النطرون وسيوة، وجميع الجزائر التى بالبحيرة، وعمل لكل ذلك رسوم، وظهرت الآبار والسواقى القديمة-المكشوفة وغيرها-والآثار والرؤوس، والمين، والمرتفع والمنخفض من الأرض، والطرق التى كانت تصل إلى الإسكندرية من كل جهة. واهتم أيضا بكشف الصهاريج التى بداخل الإسكندرية وخارجها، وما تشتمل عليه، وقدر ما تسعه من الماء والمجارى التى توصل الماء إليها، وصار التنبيه على أصحاب الأملاك أن لا يتلفوا شيئا من ذلك ولا يتصرفوا فيه، وجعل لذلك قوانين معمولا بها إلى الآن، وكانت قد بطلت مدة فنشأ عن بطلانها تصرف أصحاب الأملاك فى كثير منها بالنقض والهدم. وحيث كان الماء من أهم لوازم المينا، ولا يستغنى عنه زمنا ما، لا سيما لو فرض حصول محاصرة تقطع ماء المحمودية عن الثغر، صدرت أوامره السنية بعدم التعرض للصهاريج بوجه ما، والرجوع إلى تلك القوانين، فامتنع الناس من هدمها، ولا يخفى أهمية ذلك فإن تلك الصهاريج مبنية من قرون عديدة ولا شك أنها صرفت فيها أموال جسيمة، وهى من الآثار القديمة التى نوه التاريخ بقدرها وأهميتها/بالنسبة لهذه المدينة لبعدها عن النيل، والماء الواصل إليها من الخليج يمر فى وسط بحائر ملحة ومنحطة، وفى أى وقت يمكن صرفه إلى البرارى أو البحر وحرمان المدينة منه، فيقع أهلها فى الضرر، وتفارقها العمارية مع أنها مفتاح القطر، فلم يكن أهم مما يوصل إلى عماريتها وراحة أهلها.

стр. 1903

ومن ذلك كشف المسالك الموصلة إليها، ومعرفة ما اشتملت عليه تلك الطرق مما هو من لوازم الحياة: كالمياه العذبة، والمراعى، وحطب الوقود، وجلب الميرة، ومنع الأعداء، فكل ذلك معرفته مهمة فى وقت السلم لينتفع به عند حصول ضده. فهذا هو ملحظه-﵀-وملحظ المؤسس الأصلى، وملحظ سر عسكر، جزاهم الله عن الوطن خيرا، ومن هذا الاستكشاف ظهرت ثمرات جمة منها: عمل سكة عسكرية من طابية القبارى إلى باب العرب لتسهيل مرور العساكر والواردين على المدينة من جهة الغرب ووادى سيوة، وكانوا قبل ذلك يقاسون مشقات زائدة، لعدم انتظام المسالك فكانوا تارة يتبعون فى سيرهم الجبل، وتارة الأرض الغربية مع كثرة الصعود والهبوط المستلزم لطول المسافة وكثرة المشاق. ومنها: معرفة الحدّ بين قطر مصر وإيالة تونس، وكان قبل ذلك مبهما فزال إبهامه، وعين ما بينه وبين الإسكندرية من المحطات المعروفة عند العرب، يحطون فيها فى أسفارهم، وقد رسم ذلك كله فى خرط الإستحكامات حتى لا تتطرق إليه شبهة فيما بعد. وقد نشأ من هذا التعيين الجزم بأن المحطة المعروفة بالمطروح، هى حد ما بين الأقطار المصرية وإيالة طرابلس، والمحطة المذكورة مرسى للمراكب على البحر الملح، بينها وبين إسكندرية مسافة مائة وعشرين ميلا إلى جهة بحرى. وبقى الأمر على ذلك إلى زمن الخديوى، ثم اتضح أن الحد الحقيقى هو ناحية السلوم بحرى إسكندرية بمائتين وخمسة وعشرين ميلا، فبينها وبين المطروح مائة وخمسة أميال.

стр. 1904

مطلب بيان المحطات التى بين إسكندرية وإيالة طرابلس وهذا بيان المحطات المذكورة وبيان أبعادها إلى جهة بحرى بالميل: فمن أبى صير، وهى قلعة قديمة بها إشارة جديدة إلى المحل المعروف بالعميد، وفيه الآن فنار وضع فى زمن الخديوى ٢٠ ميلا ومن العميد إلى المحل المعروف باسم سيدى عبد الرحمن، وهو محل قديم خرب ٢٠. ومن سيدى عبد الرحمن إلى تنوب، وهى قرية قديمة خربة ١٠. ومن تنوب إلى المحل المعروف باسم جميمة، وهو مرسى المراكب المعتاد ٨ ومن جميمة إلى المحل المعروف باسم أبى جراب، وهو محطة عرب ٩. ومن أبى جراب إلى المحل المعروف برأس العقيلى، وهو محل منقطع ٦. ومن رأس العقيلى إلى المحل المعروف برأس الكناس، وهو مينا لرسوّ المراكب الكبيرة ١٢ ومن رأس الكناس إلى مطروح، وهو محل اجتماع التجار الواردين من الغرب وبه قبيلة من العرب ٣٥ ومن مطروح إلى محل يعرف بجرجوب، وهو محل خرب ٣٠. ومن جرجوب إلى السلوم-التى هى الحد بين مصر وإيالة طرابلس ٧٥. وفى هذه الأيام صار الشروع فى استخراج صنف السفنج من البحر، من ابتداء أبى صير لغاية السلوم، وذلك بمعرفة ملتزم التزمه من الحكومة على شروط مقررة بمدة عشر سنين، أوّلها سنة ١٢٩١ هجرية.

стр. 1905

ولما كثرت الإفرنج والأغراب فى مدينة الإسكندرية واستوطنوها، واستحوذوا على كثير من الفضاء الذى كان بداخل المدينة وضواحيها، رغبوا فى سكنى الرمل وهى قرية شرقى المدينة، بينها وبين أبى قير، وأكثروا من شراء الأملاك فى هذا المحل لقلة ثمن الأرض هناك إذ ذاك، فتيقظت الحكومة لذلك لما لتلك الجهات من الأهمية، لوقوعها فى المناطق العسكرية الممنوع البناء فيها، فأمرت بضبط ما بيع من هذه الأراضى، وبيان ما بنى وما لم يبن منها، ومنعت التصرف فى أراضى الرمل وغيرها إلا بإذن من الحكومة، وجعلت لذلك قوانين تتبع فى هذه الأمور. وبسبب قرب الرمل من المدينة واتساعه وطيب هوائه، رغب المرحوم فى إتخاذه معسكرا تجتمع فيه العساكر فى المناورات وغيرها، وأمر بردم الملاحة المجاورة لقرية الرمل لمنع العفونة، وعمل لذلك رسوم وميزانيات، ولكن بموته لم يتم ذلك. وقد اشترى الإفرنج بالحيلة والخداع كثيرا من تلك الأرض، وشيدت به قصور ومنازل، وغرست فيه بساتين حتى أشبه الآن المدينة كما سنذكره. مطلب قسمة الفضاء ولم تكن همته-عليه سحائب الرحمة-قاصرة على الأمور العسكرية، بل كانت أيضا متوجهة إلى ما يوجب رفاهية لأهل ولايته، فقسم الفضاء الذى فى مينا البصل ومينا الشراقوة بين أهل المدينة، فبنوها مخازن لتلقى البضائع المصرية والمشرقية، فراج كثير منهم من هذه العطايا الوافرة. وبعد أن كانت هذه الجهة من الضواحى القليلة القيمة لا يرغب فيها إلا القليل من الخلق، صارت بما لحقها من عناية العائلة المحمدية رفيعة القيمة ذات أبنية/مشيدة ومركزا لعموم تجارات القطر.

стр. 1906

ولم تزل إلى الآن على هذا الحال لقربها من المينا الغربية وساحل المحمودية، فتقف عندها المراكب الواردة من جهات القطر والخارجة من هويس المحمودية، فيتأتى هناك تفريغ بضائع القطر وشحن البضائع المسافرة إلى البلاد الخارجية. وقبل وجود السكة الحديد كانت قد بلغت من الأهمية ما لا يمكن وصفه، فكانت المراكب بها لكثرتها كأنها كوبرى يمكن المرور من فوقها من شاطئ المحمودية إلى الشاطئ الآخر، وكانت تمتد فى الجانبين بعيدا عن أماكن الشحن والتفريغ نحو ألف متر. وهى الآن بعد وجود السكة الحديد، وإن لم تكن بهذا الوصف، لكنها دائما مشحونة بمراكب الشحن والتفريغ ضرورة ازدياد ثروة الديار المصرية فى زمن الخديوى عما كانت عليه فى الأزمان السابقة، بسبب التفاته إلى موجبات سعادة الوطن. ولما كان قد ترتب على انصباب ترعة المحمودية فى المينا، مع خلل الهويس الذى بها، رسوب الطمى فى كثير من مواضعها، وقلة عمق الماء فى تلك المواضع، وعدم إمكان تقريب السفن من البر، صدرت الأوامر بإصلاح الهويس وتوسعته، وتطهير فم الترعة والمينا لتتمكن جميع المراكب النيلية من أغراضها بسهولة، ولذلك صار جلب الماء العذب من المجارى إلى سيف (١) البحر فى المينا لتأخذ المراكب المياه بسهولة، وهى المستعملة إلى الآن مع غاية النفع، وتطهير الترعة جميعها أيضا لأن الطمى الذى كان بها مع كثرة المزروعات التى تسقى منها، كان موجبا لتعسر مرور المراكب بها فى كثير من الأوقات، وكانت المراكب كثيرا ما تقسم حمولتها على مراكب صغيرة فى طريقها. فبهذه العناية زال هذا العناء عن التجار، وجعل أمام الجمرك القديم الذى أنشئ فى زمن العزيز عمارة متسعة لإقامة الخدمة وتخزين البضائع.

стр. 1907

ولزيادة اعتنائه بأمر التجارة بنى قصرا فى ناحية العطف، وكان يقيم فيه أحيانا، فحصل اهتمام المستخدمين فى إصلاح الترعة حتى استقامت أحوالها، وسهّل مرور التجارة. ومع إقامته فى هذه الجهة أو غيرها، كجهة رشيد، كان لا يغفل عن مصالح مدينة إسكندرية. مطلب عمارة البلاد الخمسة ومن اعتنائه بها أمره بعمارة البلاد الخمسة الواقعة شرقيها، وترغيبه فى زراعة أرضها، لينتفع أهل المدينة بما تنتجه تلك الأرض من المحصولات. وكان بقرب هذه البلاد بحائر فأصلح كثيرا من أرضها، وكذلك أصلح أراضى بحيرة مريوط قبلى المحمودية، وذلك أنه أنعم به على الراغبين بشرط إصلاحه وزرعه، فتناول الناس من الإفرنج والأمراء، وأهل المدينة والقرى، واجتهد كلّ فى زرع أرضه أصناف المزروعات، ما عدا الأشجار الكبيرة، على حسب ما تجدد فى قوانين الاستحكامات، فانصلح بذلك أغلب الأراضى المشاهدة فى جانبى السكة الحديد والمحمودية. ولما ذاق أربابها حلاوة أرباح محصولاتها، من الخضراوات والفواكه، اجتهدوا فى خدمتها حتى صارت من أجود الأراضى بحيث لا يرضى أحد من أربابها ببيع الفدان الواحد بعشرين ألف قرش ميرية، مع أنها فى الأصل لا قيمة لها. وكذلك القرى الخمسة وهى: قرية الحضرة: وهى عبارة عن أربعة كفور صغيرة متقاربة، بجوار التلول التى بين رشيد وقرية الرمل.

стр. 1908

ومنها قرية الرمل: وهى معروفة، وبها الآن سرايات الجناب الخديوى. ومنها قرية السيوف: شرقى قرية الرمل، وسكة الحديد الجارى عملها الآن الذاهبة إلى رشيد وأبى قير، المارة فى أراضى القرية المذكورة. ومنها قرية المندرة: شرقى قرية السيوف، وبحرى سكة الحديد. وهذه القرى الآن على غاية من العمارة لا تخلو أرضها من الزرع، فيزرع بها من أنواع الخضراوات والفواكه أصناف كثيرة من الحبوب والبرسيم، وبها بساتين كثيرة. وكان أهل هذه القرى-فى الزمن السابق-قد ارتحلوا عنها لضيق الحال بهم، ككثير من أهل البلاد المصرية، ولما جاد الله على هذا القطر بإيجاد العزيز، وبدت منه أعلام الشفقة والرحمة، أخذ الناس فى العود إلى أوطانهم فتوطنوها واشتغلوا بإصلاح أراضيهم وزرعها، حتى صارت إلى ما علمت، وسكنها كثير من أصحاب الحرف والصنائع؛ لما رأوا بها من كثرة الأرباح بسبب مجاورتهم لمدينة إسكندرية، التى انتقلت عما كانت عليه فى سالف الأزمان، وكثرت بها الأعمال والعمال فى المصالح الميرية، والدوائر السنية ودوائر العائلة، والأمراء والأعيان والتجار، حتى بلغ عدد المحترفين بتلك المدينة خمس تعداد أهلها، كما يعلم مما سيأتى. وهذا يدل على علوّ شأنها فى الثروة، وزيادتها على مدن الأقطار المشرقية، ومعادلتها لمدن الديار الأوروباوية مع الازدياد كل سنة، حتى أن من رآها فى سنة ثم رآها فى السنة التى تليها، يرى اتساع مساحتها من كل جهة، وانتقالها فى التقدم انتقالا كبيرا فى الأبنية والمتاجر، والأوضاع الجديدة الجميلة الرونق. /وهكذا فى كل سنة، وكان قد صمم على عمل ترعة يكون فمها من المحمودية تجاه الرمل، بجوار ترعة بغوص، ومصرفها فى وسط أبى قير، فيما بين قلعة كوم الشوشة القديمة والقلعة التوفيقية الجديدة، ولكنها لم تعمل فى زمنه.

стр. 1909

وحيث أن لها تأثيرا فى خصوبة تلك الأراضى، وإحياء كثير من أراضى البحيرة، توجهت الهمم الخديوية لإنشائها، وعما قليل يصير الشروع فيها بمشيئة الله تعالى، وتكون من المآثر الخديوية التى يتحلى بها جيد الديار المصرية. وما تجدد بهمة المرحوم عباس باشا، وإن كان كله نافعا، إلا أن أنفعه وأهمه السكة الحديد، فإن ذلك مما يستوجب تخليد ذكر العائلة المحمدية، لما لها من الفوائد التى لا تحصرها الأقلام، ولا تحيط بها الأوهام. وغاية ما يدرك الوهم أنها قوة عظيمة بخارية أوجدها الإنسان بفكره ومعارفه، لتبلغه أوج السعادة، وتمكنه من حظوظ وغايات فى عمره القصير كان لا يمكنه إدراكها ولو بلغ من العمر ألوفا من السنين، كيف وهى تقطع مسافة عشرة أيام فى أقل من يوم، مع جرها نحو مائة عربة محملة بالأحمال الثقيلة، والألوف المؤلفة من الآدميين وغيرهم، مع السهولة وعدم حصول أدنى مشقة أو ضرر، ومع قلة الأجرة والمصرف جدا، بخلاف ما كان عليه الإنسان قبلها من عدم تحصيل الأغراض، مع اقتحام ما لا مزيد عليه من المشاق وكثرة المصرف فى عشر معشار أغراضه، فجزاه الله خيرا عن هذه الأقطار، بل وجميع الأقطار المشرقية، لأن منافع هذا الأثر سارية فى جميع الجهات المجاورة لمصر، حتى الصحارى والبرارى الشاسعة، وبه أمن المسافرون من كثير من الآفات التى كانت تعرض لهم برا وبحرا فتذيقهم الآلام، وتطول عليهم الأيام، وربما دمرت أعمالهم، وأتلفتهم وأتلفت أموالهم. ثم إن هذا الأثر، وإن كان أول ظهوره أيام المرحوم عباس باشا، لأنه هو الذى أنشأه ومدّ الفرع الطوالى من مصر إلى إسكندرية، لكن لا يخفى أنه كان قد حصل من الإنكليز مفاتحة العزيز محمد على باشا فى عمل سكة حديد بهذا الوضع سنة ١٨٣٧ ميلادية، بعد إتمام سكة حديد ليوربول (١) من بلادهم، لكن كان مطلوبهم مدّها من القاهرة إلى السويس فقط، لتسهيل نقل البضائع الهندية المارة بمصر إلى بلاد أوروبا، فأجابهم العزيز لذلك لعلمه

стр. 1910

ما يصل إلى القطر من منافعها، وربط الكلام مع أحد بيوت تجار الإنكليز بجلب ما يلزم لذلك من القضب والآلات، وأحضر بالفعل نحو النصف منها، إلا أنه فى أثناء ذلك طرأت موانع عطلت إتمام هذا المشروع، فاستعملت القضبان التى جلبت فى سكة حديد أنشئت فى ناحية طرابين الجبل والبحر، لنقل الحجارة والدبش للقناطر الخيرية. واستمرت التجارة الإنكليزية-على عادتها-من حملها من السويس إلى مصر على الجمال، ثم تحمل فى المراكب إلى إسكندرية، ثم تنقل إلى مراكب البحر الرومى إلى بلاد أوروبا. وكانت إدارة ذلك منوطة بالإنكليز، فكان يحصل فى كثير من الأوقات دعاوى تضطر الحكومة إلى فصلها، فرأى العزيز أن إحالة إدارتها على طرف الحكومة المصرية أرجح لها، فعملت مع الكبانية الشرقية شروطا، جرى العمل على مقتضاها فى نقل البضائع والسرر بالحكومة. مطلب مصلحة البزابرت ورتبت لها مصلحة عرفت بمصلحة البزابرت، وجعل لها دار إدارة فى السويس، ومثلها فى مصر وفى إسكندرية، ورتب لها ما يلزم على أتم وجه من الأشخاص والحيوانات والعربات. وبقى الأمر على ذلك إلى زمن المرحوم عباس باشا، فتكرر من الحكومة الإنكليزية طلب عمل سكة الحديد، وكان الوقت مساعدا، ولم تكن الموانع التى كانت زمن العزيز موجودة-لأن دولة فرنسا هى التى كانت تعارض الإنكليز-فانتهز الإنكليز الفرصة وتحصلوا من الباب العالى على فرمان التصريح بالعمل، ولكن كان غرضهم قاصرا على عملها من مصر إلى السويس، وهذا خلاف غرض المرحوم عباس باشا، لأن السكة-على رأيهم-تكون قاصرة على المرور فى الصحراء الشرقية ولا تتبع البلاد.

стр. 1911

وهذا ليس فيه كبير فائدة، وأما هو فكان مرغوبه أن تمد أوّلا من إسكندرية إلى القاهرة فى وسط البلاد، ثم من القاهرة إلى السويس، فحصل التراضى على ذلك وعقدت الشروط مع المهندس الماهر (استيفنسون) على تعيين مهندسين إنكليزيين من طرفه لعمل الجسر وتركيب القضبان، فى نظير خمسين ألف جنيه يأخذونها من الحكومة دفعة واحدة، فحضروا وانضم إليهم جملة من مهندسى الحكومة. مطلب الشروع فى عمل السكة الحديد وشرع فى العمل، والذى تم من ذلك قبل وفاة المرحوم عباس باشا هو نحو من ٧٠ ميلا، ولم يهمل خلفاؤه هذا الأمر الجليل بل اعتنوا به وحفوه بعنايتهم، حتى صار من الأمور التى أوسعت إدارة انتفاع الأهالى والحكومة، وتممت ارتباط القطر المصرى بجميع أقطار الدنيا، وجلبت/إليه خيراتها، كما كانت السبب فى نقل خيرات مصر إلى جميع أنحاء الأرض، وجعلت مصر كعبة تحجها الناس من البلاد البعيدة والقريبة. وقد تكلمنا فى الفصل الثالث من هذا الجزء على جميع ما تم من السكك الحديدية فلينظر هناك. (١)

стр. 1912

الكلام على الإسكندرية فى زمن الخديوى إسماعيل باشا اعلم أن مدينة إسكندرية، وإن كانت بلغت من العز والثروة وحسن الرونق ما بلغت، لكن لا يخفى على ذى بصيرة ما حصل فى عصرنا هذا من التقدم فى العلوم والمعارف، إذ ما من يوم إلا ويحصل فيه اختراعات جديدة وأشياء مفيدة، لم تكن من قبل، ولما لم يكن ذلك خافيا على فطنة الخديوى وذكائه احتفل بتوسعة دائرة ثروة القطر وتمدينه. فمن مبدأ جلوسه على تخت الديار المصرية وذلك فى ٢٨ رجب سنة ١٢٧٩ هجرية، موافقة لسنة ١٨٦٣ ميلادية، أخذ يفكر فيما يعود نفعه على الأهالى ويزيد فى رفاهيتهم، فرأى أن أس ثروة هذا القطر إنما هو نشر ألوية الأمن، فأعمل فى ذلك جدّه واجتهاده حتى وصل إلى الغرض المطلوب، وانتقل القطر بما اكتسبه من الأفكار العلية عن جميع أحواله الأولية إلى ما هو أحسن منها، كما هو مشاهد. فمن ذلك: تمكين العلائق بين أهل هذه الديار وما جاورها من البلاد المتمدنة، حتى هرع إليها كثير من الأغراب، ورغبوا فى الإقامة بها ونشر معارفهم وعلومهم فيها، ولم يقصروا سكناهم على إسكندرية بل سكنوا سائر مدن القطر وانتشروا فى جميع قراه، كما يظهر ذلك من الجدول المستخرج من كتاب الإحصاءات المصرية لسنة ١٨٧٢ ميلادية وهو هذا: أغراب متوطنون بالإسكندرية ٤٧٣١٦ أغراب متوطنون بالقاهرة ١٩١٢٠ أغراب متوطنون بالوجه البحرى ١٣٢٦٠ الجميع ٧٩٦٩٦

стр. 1913

ويظهر من هذا الجدول أن مزية الانتفاع بالأغراب لم تكن قاصرة على بعض القطر، بل كانت عامة فى جميع نواحيه عائدة على طوائف أهاليه. ولا شك أن هذه المنقبة ليست إلا للحضرة الخديوية فإنها هى التى مهدت طرق هذا الغرس، وهيأت ما به نجاحه فكان ذلك منى جملة دواعى زيادة رغبة الدول المتحابة فى تمكين العلائق بينها وبين مصر، ونشأ عن ذلك شهرة الديار المصرية حتى طار صيتها فى جميع الآفاق وانعقد على فضلها الاتفاق. وحيث كان من أسباب هذه السعادة ما أحدثته الهمم الخديوية والأفكار الإسماعيلية مما يضيق الوقت عن ضبطه وإحصائه، ويعجز القلم عن تقييد بعضه فضلا عن استقصائه، فمن الواجب أن نتكلم على المهم منها فنقول: الفصل الأول فى إسكندرية قد علم مما سبق أن مدينة إسكندرية كانت لم تزل كل سنة تزيد فى العمارة، ولما جلس الخديوى على التخت كان قد بلغ تعداد أهلها قريبا من مائة وسبعين ألف نفس، وبسبب ضيق أرضها على سكانها كان قد ابتدأ كثير من الناس، فى آخر زمن المرحوم سعيد باشا، فى السكنى جهة الرمل، الواقع فيما بين إسكندرية وأبى قير، فرخص لبعض الناس فى بناء منازل خارج الأسوار فى المناطق العسكرية التى كان الناس لذلك الوقت ممنوعين من البناء بها، على حسب القوانين العسكرية المقررة من زمن المرحوم محمد على باشا، فاتسعت المدينة وكثر سكانها حتى بلغ عددهم سنة ١٨٧٢ ميلادية ٢١٢٠٤٣ نفسا، من ضمنها ٤٧٣١٦ أغراب من ملل مختلفة.

стр. 1914

ومن كثرة الراغبين فى سكناها مع زيادة الثروة، ارتفعت قيمة الأرض داخل المدينة وخارجها حتى بلغت قيمة الذراع الواحد فى داخل البلد جنيها ونصفا، وقد كانت حين جلوس العزيز محمد على باشا على التخت لا تزيد فى تلك الجهات عن عشرة فضة، فأين هذا من ذاك، وفى دائر المنشية بلغت قيمة الذراع الآن أربعة جنيهات، بعد أن كانت لا تزيد عن ثلاثين نصف فضة، وهكذا الفرق فى خارجها فقد بيعت فى الزمان السابق ضيعة فوق المحمودية تسمى: غيط غربال، بثمانين كيسة، ثم فى سنة ١٣٨٤ هجرية أرادت الدائرة السنية شراءها بعشرة آلاف جنيه فأبى مالكها فانظر الفرق، وكذلك التلول، التى كانت لا قيمة لها، صار الآن بعضها يباع ذراعه بثلاثة فرنكات وبعضها بأكثر، ولم تزل القيمة تتزايد والرغبات تقوى والخلق تكثر، وعما قليل تتصل مبانيها بمبانى المحمودية مع امتدادها إلى ناحية الرمل وأبى قير. فهذه المدينة فوق ساحل البحر، أول شاهد للعائلة المحمدية، سيما الحضرة الخديوية، باستحقاق الثناء وتخليد الذكر، فإن كل من شاهد محاسنها التى هى عليها الآن وتذكر الحالة التى كانت عليها قبل، نطقت جميع جوارحه بشكر تلك الشجرة المباركة التى استضاء بها جميع الوطن، سيما تلك المدينة، وكيف لا وقد كانت تجردت قبل هذه العائلة عن محاسنها، وعرت عن العلم وأهله، فكان لا يرى بها إلا بعض وعاظ فى شهر رمضان والشهرين قبله إلى أن بنى الشيخ إبراهيم باشا جامعه/سنة ١٢٤٠، فأخذ العلم فى الظهور والانتشار بسبب شمول مرحمة العزيز جميع أهله، وجعل يتسع باتساع الرزق حتى صار يدرس فى أكثر مساجدها مثل مسجد سيدى أبى العباس المرسى، ومسجد البوصيرى فى جميع فصول السنة. وكذلك لم يكن بها من المتاجر إلا شئ قليل، فكانت أماكن البيع منحصرة فيما حول جامع الشيخ إبراهيم باشا فى دكاكين لا تزيد عن خمسة عشر دكانا، وكذلك اليهود الصيارفة كانوا قليلين محصورين فى حارتهم المعروفة بهم فى مساكن من ضمن رباع الأهالى، وكان

стр. 1915

الغريب لا يجد من يأويه ولا مكانا يطمئن فيه، بخلاف ما هى عليه الآن، فقد رفلت هى وسائر جهات الوطن فى حلل السعادة، وكثرت بها المتاجر والحوانيت والخانات، ووصلت إلى ما يتعسر حصرة، وكثرت بها بنوك الإفرنج التجارية، وهذا بخلاف عدد وافر منهم صيارفة يتجرون فى النقود، وبخلاف عدد آخر منتصبين لشراء محصولات القطر وجلب البضائع الخارجية. وفى كل يوم تتجدد بها البنوك ويرد إليها الأغراب من كل جهة. مطلب بيان عدد ما يذبح كل سنة بمذبح إسكندرية وقد أحصى ما يذبح بسلخانة تلك المدينة كل سنة من بهيمة الأنعام فى لوازم الأكل فوجد ١٠٠٩٩٦ بهيمة، منها الأغنام ٢٧١٥٧ شاة ومنها من صنف البقر ١١٦١٢، مع أنها كانت قبل العائلة المحمدية ليس بها من الجزارين غير اثنين فى حارة المغاربة، وكان أكثر أهل الميسرة يشتركون فى شاة يقتسمونها بينهم، فهذا الفرع وحده من أكبر أدلة الثروة. وقد كثرت بها أيضا اللوكندات، حتى صار الغريب يتخير لنفسه ما شاء، مع الأمن على النفس والمال. ومن آثار الثروة أنك ترى الناس فى كل موضع من المدينة فى حركة: مشاة وركبانا، لا فرق بين ليل ونهار بسبب الغازات الحافة بجوانب الطرق والشوارع، ذات السعة والاعتدال، مع كثرة العربات المعدة للركوب على رؤوس الشوارع والميادين، ومنها الذاهبة والآيبة على خيول كأنها الرياح المرسلة على هيآت مختلفة فى المحاسن والدرجات. مطلب عدد العربات المعدة للأجرة وغيرها وقد أحصى ما وجد منها فى هذه المدينة فوجد كما ترى: عربات الركوب المختصة

стр. 1916

بأربابها ١٣٨، مزدوجة ٨٦، مفردة ٨، هنتور ٣٤٦، عربات ركوب بالأجرة وعربات كارلو لنقل البضائع ٣٤٧، مزدوجة ١٨٧، مفردة ٥، عربات أوس ٣، عربات لرش المياه ١٧، عربات حمير ٢٩٤، عربات صندوق، فجميع ذلك من عربات الركوب وخلافه ١٤٣١. هذا كله خلاف عربات العائلة المحمدية وتوابعها، وخلاف عربات الإفرنج. ومعلوم أن أس هذه الثروة إنما هو المرحوم محمد على باشا المؤسس الأصلى، وبلوغ أوجها إنما هو بالعناية الخديوية، فإنه بما بثه فيها من أسباب التنعمات أنساها البؤس والخشونة التى كانت عليها الأعصر الخالية، فلم يبق سببا يستوجب تمدن أهل وطنه ورفاهيتهم إلا وجّه إليه همته وحصله. مطلب شوارع إسكندرية وما بلط منها ومساحة ذلك ومن ذلك التفاته إلى الطرق والشوارع، فقد كانت لا تفى بالمقصود منها من تسهيل المرور بالمتاجر وخلافها، وكانت غير مبلطة ففى الشتاء تراها كثيرة الوحل بسبب المطر، وفى الصيف كانت كثيرة الأتربة وكان ذلك يضر بالمارّين والسكان، فصدرت أوامره السنية بفتح عدة شوارع وحارات أهمها: شارع إبراهيم الممتد من مدرسة البنات إلى ترعة المحمودية، وطوله ١٠٠٠ متر فى عرض ٢٤ مترا، فتح جميعه فى التلول، وعمل أولا بالدبش والدقشوم، وجعل فى جانبيه طويقان للمشاة وترك وسطه للعربات والحيوانات، وبعد ما استعمل كذلك زمنا تبينت ضرورة تبليطه، فحصل ذلك سنة ١٢٩١

стр. 1917

ثم شارع الجمرك، الممتد من حارة الشمرلى إلى شارع الشمرلى العمومى، وطوله ٢٠٠ متر فى عرض ١٠ أمتار، ثم شارع تصدير الغلال، وشارع تصدير الأقطان، وقد صار تبليط هذه الثلاثة شوارع وفتح ستة شوارع جديدة، ممتدة بين سكة باب شرق وسكة العسكرية المارة، حول سور المدينة، طول كل واحد منها ٦٠٠ متر، وصار تبليط بعضها. وقد جدد أهل المدينة حولها أبنية فاخرة، ولم تزل هممهم قوية فى التجديد حولها، ثم صار تبليط الجهات المهمة العامة مثل الترسانة والجمرك، والطريق الموصل بينهما وبين محطة السكة الحديد وعدة حارات وشوارع، ومينة البصل، ومينا الشراقوه، والمنشية، وميدان محطة السكة الحديد، وقد بلغ مساحة ما تم من ذلك لغاية سنة ١٢٨٧ هلالية، الموافقة سنة ١٨٧٠ ميلادية ١١٦٦٨٨ مترا مربعا. وهذا خلاف ما صار تبليطه على ذمة الدائرة السنية، وما صار تبليطه أيضا فى جهة الجمرك والترسانة، وشارع العطارين، وشارع المسلة، والآن جار التبليط فى شوارع أخر. وعملية التبليط -هذه-قد جعلت بالمقاولة، والبلاط المستعمل فيها مجلوب من جهة تريسته، وهو من الحجر الصلد الذى بلونه زرقة، وطول البلاطة الواحدة قريب من ذراع معمارى، وعرضها على النصف من طولها، وسمكها يقرب من نصف العرض، وقيمة المتر المسطح بعد وضعه فى الأرض من ١٨ إفرنكا إلى ٢٠. ولما كان/صرف مياه الأمطار ونحوها من أهم الأمور، أمر بعمل المجارى تحت الشوارع والطرقات، وقد عين لجميع ذلك مهندسين وحكماء، وبمعرفتهم جاءت الشوارع والمجارى على أحسن وضع، وقد بلغ طول المجارى التى بنيت بالمدينة-تحت الحارات والشوارع لغاية سنة ١٢٨٧ هلالية-١١٩٠١ مترا.

стр. 1918

مطلب تمثال محمد على باشا وما صرف عليه من الفرنكات وقد وضع فى المنشية تمثال المرحوم محمد على باشا، المصنوع من التوج فى البلاد الأوروباوية على قاعدة من الرخام، وصرف عليه قريب من ٢٠٠٠٠٠٠ من الفرنكات، ودواما ينظره المارون ويترحمون على غارس التمدن فى الديار المصرية، ويدعون للحضرة الخديوية التى لم تأل جهدا فى تنمية هذا الغرس. مطلب ما أنعم به الخديو إسماعيل من الفضاء خارج إسكندرية وما أنشئ فيه من المبانى وغيرها ولأجل توسعة دائرة العمارية، أعطيت للمتطلبين من لدن المكارم الخديوية قطع من الفضاء والتلول خارج المدينة، وصرح لهم بالبناء فيها فكثرت المبانى حولها، وجعل فيها من أول الشروع فى عمارتها عشرة شوارع فى أحسن وضع يقرب طول الواحد منها من ١٥٠٠ متر فى ١٢ مترا، وتحلى دائر المدينة بالبساتين النضرة، وصار من يغدو للنزهة فى تلك الجهات يرى ما يسره ويشرح صدره. ثم مما زاد فى تحسين دائرها، وتنمية فوائدها، وتكثير محلات النزهة، الرخصة التى أعطيت لشركة من الإفرنج رأس مالها ٨٠٠٠٠٠ فرنك، بإنشاء وابور على المحمودية لتوصيل المياه الحلوة إلى جهة الرمل وما جاورها، فإن هذا الأمر كان سببا فى بناء المنازل والحوانيت بعيدا عن تلك المدينة، فاتسعت بذلك مساحة العمران، وفى أقرب وقت صار ما حدث من الأبنية جهة الرمل يشبه مدينة قاسمة ما بين ناحية أبى قير وثغر الإسكندرية، بما حوته من

стр. 1919

الانتظام والرونق والبهجة فى منازلها، وقصورها الجمة، وشوارعها وحوانيتها المشتملة على نفائس التجارات، بعد أن كانت هذه البقعة عبارة عن كثبان من الرمل وأرض غير منتفع بها، وما كان يزرع منها إلا القليل، وبعد أن كان الغيط الذى سعته ثمانية أفدنة أو تسعة أو عشرة لا يزيد حكره عن ثلاثة قروش، صار الآن أرضا لا يباع منها إلا بالذراع والمتر من ريال إلى نصف بينتو، وما ذاك إلا لكونها صارت من أعمر الأماكن لسكنى المعتبرين من التجار والأمراء بها. وبها البساتين المشتملة على جميع أنواع الأشجار والأزهار والرياحين، وقد بلغ عدد سكانها الذين يقيمون بها-فى وقت الصيف-قريبا من ٧٠٠٠ نفس، وفى وقت الشتاء على نحو النصف من ذلك. وأول من اشترى فى الرمل الخواجا (سيزينيا) فإنه اشترى من ملك عائلة أبى شال، وكان لهم أرض متسعة. جانبا عظيما بمبلغ ٦٠ كيسة، والآن قد اشترت منه الحكومة شريطا من الأرض لوضع السكة الحديد عليه، ودفعت فى قيمة المتر ٥ فرنكات ونصفا، فعلى ذلك تكون قيمة الفدان الواحد ٢٣١٠٠ فرنك. ومما زاد فى الرغبة فيها وأكد أمر السكنى بها، إحداث السكة الحديد بينها وبين المدينة الأصلية، فإنها سهلت على الناس الانتقال منها وإليها وبالعكس، ففى كل أوقات السنة لا ينقطع التردد إليها، ومن يقيم بها من الأغراب يجد جميع ما تطلبه نفسه، خصوصا اللوكاندة التى أحدثت هناك فإن بها كل ما يلزم مع الراحة والأمن، وفى الرمل ناد تجتمع فيه الناس يومى السبت والأحد من كل أسبوع، ويشنفون مسامعهم بسماع الألحان والأصوات الحسنة، وبها أيضا ثلاث كنائس: واحدة للكاثوليكيين، وواحدة للأروام، وواحدة للأمريكيين. ومن المدارس ثلاثة لتربية الصبيان: واحدة على ذمة الأروام، وأخرى للفرنساوية، وأخرى للتليانيين.

стр. 1920

وفى كل ساعة يقوم من إسكندرية قطر إلى الرمل، وفى كل نصف ساعة يقوم قطر من الرمل إلى إسكندرية، وفى كل قطر عمال من طرف البوستة، لنقل المكاتيب وأوراق الحوادث وغيرها، وأجرة الركاب بحسب الدرجات، فعلى من يركب فى عربات الدرجة الأولى خمسة قروش، ومن يركب الدرجة الثانية أربعة قروش، ومن يركب الدرجة الثالثة ثلاثة قروش. مطلب الشارع الذى أوّله باب رشيد وآخره حدود الملاحة ومما أكد الرغبة فى سكنى جهة الرمل، ما أحدثه الخديو من المبانى هناك، بقصد إقامته وإقامة الفاميلية فى فصل الصيف، فإنه نشأ عن ذلك فتح شارع عظيم فى وسط التلول المقابلة لباب رشيد، وأوله باب رشيد. وينتهى إلى حدود الملاحة بأول أطيان قرية المندرة، ويمر بسراى الرمل الخديوية، وطوله من باب شرق إلى السرايا ٤٠٠٠ متر فى عرض ١٢ مترا، ومن السرايا إلى الملاحة ٤٠٠٠ متر فى عرض ٨ أمتار، وقد غرس فى جانبيه الأشجار المظلة، وعمل طريق من الملاحة إلى ترعة المحمودية إلى أوله من الرمل وطوله ٢٠٠٠ متر وعرضه ١٠ أمتار، فقربت بذلك المسافات فى المدينة ولواحقها، وسهلت على الراكب والماشى، وزاد الأمن وزالت الوحشة بما رتب فى الطريق من البسط العسكرية وزيادة الخفر، وتنظيف الطرق والمسالك القاطعة لهذا الشارع والمتفرعة منه إلى ما حول المدينة وشاطئ المحمودية. ومن الأعمال الجليلة، تجفيف جزء عظيم من البحيرة قريب/من تلك الجهة لتزول العفونة، وتقل الرطوبة وتتسع أرض المزارع التى حول الإسكندرية، وتتجدد بساتين وحدائق تزيد فى رونق المدينة وبهجتها، وتكثر بها ميادين النزهة.

стр. 1921

وبعد تمام هذه الأعمال لو جعل جزء البحيرة العميقة القريبة من الطريق الموصل إلى المحمودية بحيرة، وغرس حولها شجر، لصار هذا الموضع من أحسن المتنزهات، وأظن أن ما يصرف على ذلك يستعوض بأضعافه مما يتحصل من قيمة الأرض التى تستجد بسببه، لأن الرغبة فيها حينئذ ربما تزيد عن الرغبة فى سكنى الرمل، لاشتمالها على الماء والخضرة والسمك على اختلاف أنواعه، مع القرب من المدينة. ولتوسيع دائرة الفسحة، حصل التصريح من لدن المكارم الخديوية بجعل جنينة بسرايته، التى بقرب سراية نمرة ٣، سكن الجناب المفخم ولى العهد، وقتئذ، وهو الآن مولانا الخديو المعظم، سعادة محمد توفيق باشا، منتزها عاما زيادة على المنتزهات الأخر مثل جنينة: لانبروز والمنشية والمحمودية وغيرها، بحيث يتنزه فيها فى جميع أيام الأسبوع. ورتب لها موسيقى تحضر إليها فى جميع الأيام، وجعل لها من يقوم بلوازمها من الخدم والنظار، وربط لها من النقود ما يفى بلوازمها، فقابل الناس ذلك الصنع الجليل بالثناء الجميل، فتراهم فى أوقات الاجتماع يهرعون إليه أفواجا من سائر الطوائف، ويرتعون فى فضائه وأنحائه، ويستنشقون بطيب هوائه حيث كان أحسن بساتين المحمودية وأوسعها، والذى أنشأه فى الأصل الخواجا (بستريه) ثم اشتراه منه الجناب الخديوى. فمن هذه الأعمال الجليلة وأمثالها، صارت مدينة الإسكندرية مزينة الظاهر والباطن، فأينما يسرح الإنسان طرفه، لا يرى إلا ما يسر ناظره ويشرح خاطره، ففى داخلها تشاهد المبانى الفاخرة، والمساجد العامرة، والدواوين المعدة للنظر فى مصالح الرعية العمومية: كديوان الحقانية، الذى تم تنظيمه بالهمم الخديوية فى سنة ١٢٩٢ هجرية، والضبطية، وديوان المحافظة، ومجلس التجار، ومجلس الابلو، ومجلس الصحة وغيرها. وفى جانبى كل شارع وفى الميادين، يتعجب من كثرة البضائع، واختلاف أجناسها وأصنافها، مما يحث الناظر على إدامة الثناء على العائلة المحمدية، حيث بذلت همتها فى إحياء ما كانت فقدته مدينة إسكندر الأكبر من الشهرة.

стр. 1922

ومما يحمل على زيادة الثناء، ما يشاهد خارج البلد على شاطئ المحمودية من العمارات والبساتين الفائقة، فى محل الأرض القحلة السبخة: التى كانت فى عهد قريب بعضها مغمور بمياه البحائر المالحة، وبعضها تلول، مع ما فى ذلك من الإضرار بالصحة، فسطت على ذلك كله الهمم الخديوية فحولته إلى النفع المحض. وكما حصل احتفال الهمم الخديوية بتلك المدينة، بما ذكرنا بعضه من الأعمال الجميلة، والعمائر الجليلة، كذلك احتفلت بجميع السواحل المصرية، لا سيما سواحل الإسكندرية، فأصبحت تبدى للناظرين ما يبهر العقول من مبانى المدافعة والأسلحة المانعة، فترى فى كل موضع من تلك السواحل ما يناسبه من ذلك، على حسب التقدمات الوقتية، والتجديدات العصرية، فدائما ترى الحضرة شاملة بأنظارها جميع أهل القطر، بجلب ما يسر ودفع ما يضر، لا يعوقه أمر عن أمر، حتى صار المستظل بساحته يجد ما يستعين به على السعى فى طلب رزقه، آمنا على نفسه، مطمئنا على أهله، قد رفع أكف الضراعة والدعاء للحضرة الخديوية وأسلافه ولنسله بتخليد دولتهم وتأييد صولتهم. وبالجملة فمآثره أشهر من أن تذكر، ومبتكرات أفكاره لا تحصى ولا تحصر: له همم لا منتهى لكبارها … وهمته الصغرى أجلّ من الدهر مطلب تقسيم مدينة إسكندرية ثم إن هذه المدينة من حيث الضبط والربط، تنقسم إلى ثمانية أثمان، فى كل ثمنين معاون من طرف الضبطية للنظر فى الدعاوى وغيرها، وآخر للنظافة وحفظ دواعى الصحة العامة، ولكل ثمن قلق به العساكر الكافية، وشيخ ثمن من الأهالى لإجراء الرسوم السياسية، وتنفيذ مقتضيات الأحوال.

стр. 1923

ومن حيث المساكن وأهلها إلى قسمين: القسم الأول: منهما يشتمل على جميع مساكن الأهلين، وهو ما بين الغرب والشمال الغربى، وينقسم هذا القسم إلى قسمين: أحدهما: وهو ما بين المينتين، غالب حاراته ومنازله على الهيئة القديمة، لم يتغير منها إلا القليل، وطرقه ضيقة غير مستقيمة. وثانيهما: وهو المعروف بين أهل المدينة بجزيرة الفنار، حاراته أوسع وأعدل وأجمل من الأول. والقسم الثانى من المدينة، وهو ما تسكنه الإفرنج، جميع منازله جديدة حسنة الهيئة مزخرفة، ذات وجهات جميلة، ومساكن جليلة، أدوارها السفلى محلاة بالدكاكين المتسعة، المشتملة على جميع أنواع البضائع الثمينة، وتلك المنازل مبنية بالأحجار والطوب المحرق والمونة القوية والأخشاب المتينة، وفى داخلها أنواع المفروشات الإفرنجية، وأودها مزينة بأنواع الزينة. وفى هذا القسم منازل وكلاء الدول المتحابة: مطلب بيان وكلاء الدول المتحابة بإسكندرية قنصلاتو دولة الإنكليز فى حارة المسلة، قنصلاتو الدولة النمساوية بجوار/جامع العطارين، قنصلاتو دولة البلجيكا فى حارة العطارين، فى بيت باغوص، قنصلاتو دولة البريزيليا فى حارة شريف باشا نمرة ٢٧، قنصلاتو دولة ألمانيا، قنصلاتو دولة الديماركة فى وكالة دومر شمير، قنصلاتو إسبانيا فى حارة حنفى أفندى نمرة ٤١، قنصلاتو الاثيازونى من الأمريقا، قنصلاتو فرانسا فى ميدان محمد على، قنصلاتو الروم فى حارة النبى دانيال، قنصلاتو أنتاليا فى شارع إسماعيل، قنصلاتو هولانده فى حارة صهريج الفرن نمرة ٣١، قنصلاتو البرتغال فى شارع إسماعيل فى بيت رغيب، قنصلاتو الروسيا فى حارة المسلة نمرة ٩٧، قنصلاتو سويد ونوريج فى حارة محمد توفيق، قنصلاتو العجم.

стр. 1924

ومن العادة أن وكلاء الدول تسكن مدينة إسكندرية فى زمن الصيف؛ لطيب هوائها ونقص درجة الحرارة بها عن مدينة القاهرة، بسبب تلطيف البحر نسيم الجو الذى يهب فى هذا الفصل صباحا ومساء، وفى فصل الشتاء ينتقل أغلبهم بعيالهم إلى القاهرة، لقلة الرطوبة والبرودة فيها بالنسبة إلى إسكندرية، وأجرة الانتقال فى السكة الحديد على طرف الميرى، من فيض المكارم الخديوية. وللآن الحكومة الخديوية، وكذا من سبقها من العائلة المحمدية، جارية على هذا السنن الذى سنه محمد على باشا، من الانتقال إلى مدينة إسكندرية فى زمن الحر، ويتبع ذلك انتقال الدواوين، فيقيمون مدة ثلاثة أشهر فى رأس التين ثم يعودون إلى القاهرة. ولا يخفى ما فى هذا الانتقال من المزايا والمنافع الخاصة والعامة، لانتفاع أهل المدينة بذلك انتفاعا كبيرا. وبالجملة فما اشتملت عليه هذه المدينة من الأمور النفيسة، على يد الجناب الخديوى وبأنفاسه، وكذا على يدى أسلافه من العائلة المحمدية، شئ كثير يحتاج ذكر جميعه إلى مجلدات، فإنها بما ورثته من الهمم المحمدية والإغداقات الخديوية، صارت مشتملة على جميع ما تتحلى به المدن العظيمة من مدن الدول الفخيمة. وهكذا لا تزال تترقى فى أوج السعادة على يد الخديوى الأعظم ويد خلفائه، خلّد الله أيامهم، فلذا لم نذكر مما اشتملت عليه من المحاسن إلا الأهم منها، لأجل إثبات ما اكتسبته هذه المدينة، وعاد نفعه على غيرها من مدن القطر، من مبدأ أخذ العائلة المحمدية بزمام الحكم، إلى الآن، أعنى فى ظرف سبعين سنة، حتى صارت إلى هذه الدرجة العالية بعد أن كانت قد آل أمرها إلى الاضمحلال حتى صارت شبيهة بقرية من قرى الأرياف، وعم الخراب داخلها وأحاط بخارجها، وفارقها عزها وشهرتها بسبب التقلبات الدهرية التى دمرت مبانيها، وفرقت أهلها فى المدد السابقة التى سبق الكلام عليها.

стр. 1925

مساجد إسكندرية وبها من المساجد الجامعة ٤٩ جامعا، ومن الزوايا ٩٧ زاوية، منها ما فيه ضريح ولىّ، ومنها ما هو خال عن ذلك، فمن أشهر جوامعها: جامع سيدى أبى العباس المرسى (رضى الله تعالى عنه) بجوار القرافة، كان فى الأصل مسجدا صغيرا، وفى سنة ١١٨٩ جدد فيه بعض المغاربة القاصدين الحج جزأه الذى يلى القبلة والمقصورة والقبة، ثم أخذ نظاره فى تجديده وتوسعته شيئا فشيئا، بأخذ قطعة من المقابر وبعض من المنازل التابعة لوقفه، وجعلت ميضأته فيما هدم من تلك المنازل، حتى صار إلى ما هو عليه الآن من السعة والمتانة والمنظر الحسن. وشعائره مقامة على الوجه الأتم، ويصرف عليه من طرف ديوان الأوقاف بالإسكندرية، كما أن ريعه ومرتباته مضبوطة به. ترجمة سيدى أبى العباس المرسى ﵁ وكان سيدى أبو العباس-﵁-من أكابر العارفين بالله تعالى، أخذ الطريق عن الشيخ أبى الحسن الشاذلى، وهو أجل تلامذته وأول خلفائه، ومع وفور علمه وجمعه بين علمى الحقيقة والشريعة لم يؤلف كتابا، وكذلك شيخه أبو الحسن ﵁، وكان يقول: «كتبى قلوب أصحابى».

стр. 1926

وكلامه كله حكم، ومناقبه جليلة، ذكر الشعرانى فى طبقاته من ذلك جملة عظيمة فعليك بها، مات رحمه الله تعالى سنة ٦٨٦، ودفن فى جامعه، وقبره به فى غاية الشهرة يزوره أهل الإسكندرية وغيرهم من المترددين عليها، ولهم فيه اعتقاد زائد، لا سيما المغاربة، وله خدمة يقتسمون وظائف الخدمة كما يقتسمون النذور على شروط مسجلة فى ديوان الأوقاف، وكل سنة يعمل له مولد ثمانية أيام، بعد مولد النبى ﷺ ، وليلة فى نصف رمضان. مسجد سيدى ياقوت العرشى ﵁ كان قد تهدم وهجر، فجدده أحمد بيك الدخاخنى، شيخ طائفة البنائين بالإسكندرية، سنة ١٢٨٠ هجرية، وأقام شعائره ووقف عليه أوقافا. ترجمة سيدى ياقوت العرشى ﵁ وكان سيدى ياقوت إماما فى المعارف، عابدا زاهدا، وهو من أجل من أخذ عن سيدى أبى العباس المرسى، وهو حبشى ولد ببلاد الحبشة، وكانت له بنت فزوجها للإمام شمس الدين بن اللبان، ماتت فى حياة زوجها، فعند وفاته أوصى أن يدفن تحت رجليها احتراما لوالدها. ومناقب سيدى ياقوت شهيرة بين الطائفة الشاذلية، توفى ﵁ سنة ٧٠٧، ودفن فى مسجده، وقبره مشهور يزار، وله مولد كل سنة ليلة واحدة فى رمضان.

стр. 1927

مسجد سيدى تاج الدين بن عطاء الله الإسكندرى/﵁ مشهور بها لكنه لم يدفن بها، وإنما دفن بمصر بقرافة الإمام الشافعى، ﵁، وقبره هناك مشهور يزار. ترجمة ابن عطاء الله الإسكندرى وكان تلميذا للشيخ ياقوت العرشى، ومن قبله للشيخ أبى العباس المرسى، وكان زاهدا كبير القدر، ولكلامه حلاوة وتأثير فى القلوب، وله مؤلفات كثيرة منها (كتاب التنوير فى إسقاط التدبير) و (كتاب الحكم) و (كتاب لطائف المتن) وغير ذلك، مات ﵁ سنة ٧٠٧. مسجد نصر الدين كان أولا زاوية صغيرة فيها ضريحه، وقد جدده ووسعه المرحوم على بيك جنينة، أحد مشاهير إسكندرية، فى سنة ١٢٧٠ هجرية، وجعل له أوقافا، وله مولد فى كل سنة ليلة فى رمضان. مسجد سيدى على الموازينى كان أيضا صغيرا، وقد جدّده بعد هجره وتهدمه المرحوم مصطفى هنيدى، أحد مشاهير المدينة سنة ١٢٧٢، وأحيا شعائره، وهو مدفون فى داخله هو وولده.

стр. 1928

مسجد البوصيرى كان قديما جدّده المرحوم سعيد باشا ببناء حسن، ورتب له ما تقام به شعائره، ورتب به دروسا دائمة. ترجمة البوصيرى والبوصيرى، هو شرف الدين محمد بن سعيد البوصيرى، صاحب البردة والهمزية، وله تآليف غيرهما، وكان أبوه من دلاص وأمه من بوصير، قرية بقرب دلاص بمديرية بنى سويف. مسجد الشيخ تمرار كانت أرضه منخفضة، ففى سنة ١٢٦٢ جدده المرحوم حسن باشا الإسكندرانى، ناظر ديوان البحرية فى ذلك الوقت، وردم أرضه وصار يصعد إليه بسلم، وبه ضريح الشيخ على التمرازى المذكور، وله مولد كل سنة ثمانية أيام وقت زيادة النيل. مسجد أبى سن أصل أرضه مقبرة، بها ضريح الشيخ عبد الرحمن بن هرمس، وكان عليه مقصورة من خشب، فلما بنى ما حوله ودخل فى تنظيم المدينة، بنى ذلك المسجد، وجعل فى داخله ضريح الشيخ المذكور، والذى بناه المرحوم درويش أبوسن، وهو مسجد تام المرافق، حسن المنظر، مقام الشعائر ويصرف عليه من الوقف.

стр. 1929

مسجد الحجارى كان فى الأصل ضريحا للحجارى، وبه بئر معينة قليلة الملوحة، يعتقد أهل إسكندرية أن لها منافع وهى: أن من كان مريضا بداء الحمى. ودوام على الاستحمام بمائها أياما، زالت عنه الحمى. وفى سنة ١٢٨٧، جدّدته المرحومة والدة الجناب الخديوى إسماعيل باشا ببناء حسن ومنظر لطيف، وهو عامر مقام الشعائر، وكان قد جدده قبلها سنة ١٢٤٠ المرحوم بلال أغا، باش أغوات المرحوم محمد على باشا، وجعل به صهريجا، مصرفه الآن من الوقف. مسجد سيدى عبد الله المغاورى به ضريحه، وهو مسجد قديم، وقد جدده المرحوم الحاج طاهر القردلى ووسعه، وجعل له مئذنة، وبعد وفاته دفن به بجوار ضريح المغاورى، وكذلك دفن به العالم الشهير الشيخ محمد البناء الرشيدى، وكل سنة يعمل فيه ليلة فى شهر رمضان لسيدى عبد الله المغاورى، وهو مقام الشعائر من طرف الوقف. مسجد سيدى على البدوى بجهة كوم الدكة، كان صغيرا فجدده ووسعه الحاج طاهر الذى بنى مسجد المغاورى فى سنة ١٢٧٠، ثم فى سنة ١٢٨٩ بناه أولاد الشيخ إبراهيم باشا. مسجد سيدى عبد الرزاق الوفائى جدد بناءه ناظره أحمد النقيب سنة ١٢٨٠، وهو أمام مسجد النبى دانيال.

стр. 1930

مسجد الحلوجى كان صغيرا، وفى سنة ١٢٦٠ جدد بناءه ووسعه المرحوم السيد محمد بدر الدين الكبير، ومصرفه من الوقف. مسجد الصورى كان أولا ضريحا عليه مقصورة من خشب، فبناه الميرى مسجدا مع بناء سور الاستحكامات، والضريح داخله، وله حضرة كل ليلة سبت، ويصرف عليه من الوقف. مسجد البرقى جدده المرحوم محمد على باشا، وهو فى داخل سراى رأس التين. مسجد سيدى وقاص كان أولا ضريحا وجدد بناءه مسجدا على المصرى، أحد مشاهير إسكندرية سنة ١٢٨٠، ويقال إنه جددت بناءه المرحومة والدة الجناب الخديوى إسماعيل باشا. مسجد القبارى كان فى الأصل صغيرا، فجدده وأوسع فيه المرحوم سعيد باشا زمن ولايته، حتى صار حسن الهيئة.
следующие страницы →