بعضها ببعض، ومعرفة درجات استعداد السواقين، وتقرر عدد الوابورات التى يلزم إدامة حركتها على الخطوط بالنسبة لطول الأشرطة المصرية، وعدد الوابورات اللازم بقاؤها بالمخازن لوقت الحاجة، ولا تشغل إلا بأوامر مخصوصة تصدر من ناظر مصلحة العموم.
ثم صار النظر فى ترتيب المحطات، وعملت لوائح الإجراءات ووزعت عليها، وصار ترتيب المعاونين للأرصفة والمخزنجية ونقلهم بحسب الاستعداد وأهمية المحطات، وجعل أغلبهم من أبناء المدارس المتعلمين فى ظل الحضرة الخديوية، الذين صار لهم معرفة بفن التلغرافات، ونقل كثير من الإفرنج إلى وظائف تليق بهم، فحسن بذلك حال المصلحة، وسارت فى طريق الاستقامة حيث صار جميع خدمة تلك المصلحة عارفين بحدود وظائفهم، وما لهم وما عليهم، على حسب مقصود الحضرة الخديوية التى غمرتهم فى بحار إحسانها، وأخذ الإيراد ينمو والتلف يضمحل حتى كأنه لم يكن.
ومن الاعتناء بأمر راحة الركاب فى كافة المحطات وفوق الخطوط، ازدادت رغبتهم ومالوا بكليتهم إلى ركوب السكة الحديد، لا سيما بعد نقص الأجرة المقدرة من قديم لكل درجة، فقد كانت عالية خصوصا الدرجة الثالثة، فإنها كانت مع كثرة أجرتها لا راحة فيها للركاب، فإن أغلبها كان يشبه عربات البهائم، وكانت مكشوفة للرياح والأتربة وحر الصيف وبرد الشتاء، مع عدم تلطف خدمة القطورات بهم، فكانوا دائما ساخطين على المصلحة، لا يرغبون فى ركوبها إلا لضرورة شديدة. بخلاف ما هى عليه الآن، فقد جعل لأغلبها سقائف ودرابزينات، وتوزعت على الخطوط واستعملت فى الدرجة الثالثة بأقل من الأجرة الأولى، وصار إلزام خدمة القطورات بملاطفتهم وحسن معاملتهم.
ولما كان مدار إيراد المصلحة على التجارة كان الاعتناء بشأنها ألزم من غيره، لأن أجرة الركاب قد لا تفى بالمصاريف خصوصا قطارات الدرجة الأولى، فإن مصاريفها أكثر من
стр. 1997
إيرادها، فصار النظر فيما يوجب رغبة التجار فى استعمال السكة فى متاجرهم، فوجد أن اللازم لذلك ثلاثة أشياء:
الأول: نقص أجرة البضاعة فى السكة الحديد عما يصرف عليها لو سافرت برا أو بحرا.
والثانى: الإسراع بها حتى تصل المحل المنقولة إليه فى زمن أقل مما كان يلزم لنقلها بغير السكة الحديد.
والثالث: حفظها من جميع الغوائل كالحرق والسرقة والبلل وغير ذلك.
فأما الثانى والثالث، فقد تما بما عمل من الاستمارات التى نشرت فى جميع المحطات، وبما بنى من السقائف، وما جعل لتغطية العربات.
وأما الأمر الأول، وهو أهمها، فقد عمل بخصوصه جميع وسائط الترغيب مثل:
عقد تعهدات مع التجار بنقص قدر معلوم من أجر بعض الأصناف لمشاهير التجار، وبنقص عشرة أو أكثر فى المائة من جملة أجرة المنقول فى كل ثلاثة أشهر أو ستة أو سنة، وربطت لها درجات، وحررت بذلك تعريفة مؤقتة طبعت ونشرت على المحطات والدواوين وأكابر التجار ووجوه الناس، وحدد لكل عربة قدر ما تحمله، ورتبت جملة ملاحظين لمباشرة ذلك بالضبط، حتى لا تسير العربات إلا بأحمالها الكاملة
ومع كون هذه المسألة من أهم المسائل كانت غير ملتفت إليها، وكثيرا ما كان القطر المركب من أربعين عربة وحمولته مائتا طن، لا يحمل إلا ربعه أو نصفه، مع أن المصلحة تصرف على الوابور مصرفه كاملا.
وهذا ضرر بيّن، موسع لدائرة الخلل، معطل للتشهيل.
فبتلك الأعمال الجليلة، عظمت رغبة التجار فى استعمال السكة الحديد، وانهلّت البضائع على اختلاف أنواعها على جميع المحطات تجارية وزراعية، حتى البطيخ، والخيار، والأسماك، والحجر، والدبش، والرمل، والحطب، والسباخ.
стр. 1998
لكن لم يكمل مرغوب/المزارعين من نقل محصولاتهم إلى الأسواق أو إلى بلد أخرى من مراكز التجارات الريفية، لأن هناك موانع كثيرة تمنعهم من هذه الأغراض مثل: بعد الخطوط عن البلدان فى كثير من الجهات، وبعد كثير من البنادر والقرى الشهيرة والأسواق عن تلك الخطوط، وكذلك بعد بعض المحطات عن بعض، أو كونها فى مواضع غير موافقة وغير ذلك.
وهذه المسألة لأهميتها تستوجب على المأمورين إدامة البحث والنظر فيما يرفع هذه الموانع ويوفى برغبة الأهالى، حتى يتمكنوا من جميع أغراضهم، وهذا لا يكون إلا بقدح الفكر ومباشرة العوائد زمنا. وكثيرا ما قدح نظار هذه المصلحة أفكارهم فى ذلك، ولم يفوزوا بالمقصود إلى الآن، ولم تنتفع مصلحة السكة الحديد إلا بنقل شئ يسير من محصولات الزراعة، مع أنها لو توصلت إلى ذلك لنما إيرادها به نموا عظيما، وربما كان قدر الموجود الآن مرتين أو أكثر.
وما فضل المصلحة إلا باتساع دائرة أعمالها داخل بلاد القطر، إذ كان يحصل النفع لها بكثرة الإيراد ومنها لأهل الوطن بتوفير الأجرة عليهم، فيتحصلون على أرباح عظيمة من البيع بالأثمان الموافقة فى الأوقات اللائقة، فإن سير التجارة الآن لم يكن كسيرها السابق، بل فى اليوم الواحد أو الأسبوع بسبب التلغراف الكهربائى الواصل لجميع البقاع ربما تتغير قيمة الصنف والرغبة فيه مرارا، فيحصل الإسراع للمقصود والفوز به فى وقته بواسطة السكة الحديد، ومن يتأمل يرى حقية ذلك ولا ينكره.
ولم نذكر جميع ما صار فى باقى المحطات، لأنا سنذكر كلا فى محله، ونكتفى هنا بما ذكرنا، وإنما نورد الجدول الآتى لبيان محطات السكة بالاختصار:
стр. 1999
مطلب بيان عدد خطوط
ومحطات الوجه البحرى
الخط الطولى من مصر إلى إسكندرية
الزمن الذى يستغرقه السفر على هذا الخط، بوابورات الأكسبرس، أربع ساعات ونصف، وبغيره ٦ ساعات، وعدد محطاته اثنا عشر، وبيانها:
محطة الإسكندرية، محطة كفر الدوار، محطة أبى حمص، محطة دمنهور، محطة إيتاى البارود، ومنها يبتدئ خط قبلى، محطة كفر الزيات، وعادة يتعاطى فيه السياحون الطعام، محطة طندتا-وهى طنطا-محطة بركة السبع، محطة بنها العسل، محطة طوخ، محطة قليوب، محطة القاهرة.
خط السويس من بنها
الزمن الذى يستغرقه السفر على هذا الخط ٩ ساعات أو ١٠، وعدد محطاته ١٢:
محطة بنها العسل، محطة منية القمح، محطة الزقازيق، وفيها يتعاطى المسافرون الطعام، محطة أبى حماد، محطة التل الكبير، محطة المحسمة، محطة النفيشة، محطة السيرابيوم، محطة فائد، محطة حنيفة، محطة الشلوفة، محطة السويس.
خط قليوب إلى الزقازيق
يشتمل هذا الخط على سبع محطات:
محطة قليوب، محطة نوى، محطة شبين القناطر، محطة أنشاص الرمل، محطة بلبيس، محطة بردين، محطة الزقازيق.
стр. 2000
خط المنصورة من الزقازيق إلى المنصورة
زمن السفر فيه ثلاث ساعات ونصف، ويشتمل على ست محطات كذلك: محطة الزقازيق، محطة هيهيا، محطة أبى كبير، محطة أبى الشقوق، محطة السنبلاوين، محطة المنصورة.
خط دمياط من طندتا
زمن السفر فيه أربع ساعات، وعدد محطاته ثمانية وبيانها:
محطة طندتا، محطة محلة روح، محطة المحلة الكبيرة، محطة سمنود، محطة طلخا، محطة شربين، محطة كفر الترعة، محطة دمياط.
خط دسوق من محلة روح
مدة سفره ساعتان، وعدد محطاته خمسة، بعد محلة روح ودسوق.
محطة محلة روح، محطة قطور، محطة نشرت، محطة شيامى، محطة دسوق.
خط زفته من محلة روح
مدة سفره ساعة ونصف، وعدد محطاته أربعة:
محطة محلة روح، محطة القرشية، محطة الصنطة، محطة زفته.
خط ميت بره من بنها
مدة سفره نصف ساعة، بما فيه من تعدية البحر، وهو خط واصل من بنها إلى ميت بره، من دون محطات بينهما، سوى تعدية البحر.
стр. 2001
خط القناطر الخيرية من قليوب
هذا الخط واصل من قليوب إلى القناطر، من دون توسط محطات بينهما.
مطلب بيان عدد خطوط
ومحطات الوجه القبلى
خط المنية من انبابه
مدة السفر فيه تقرب من عشر ساعات، وعدد محطاته إحدى عشرة محطة، وبيانها:
محطة انبابة، محطة الجيزة، محطة البدرشين، محطة الواسطة، محطة أشمنت، محطة بنى سويف، محطة مغاغة، محطة بنى مزار، محطة قلوصنا، محطة سملوط، محطة المنية.
خط الفيوم من الواسطة
مدة سفر هذا الخط ساعة وربع، وليس بين مدينة الفيوم والواسطة إلا محطة واحدة هى: محطة أبى قصا.
خط أسيوط من المنية
هى تسع محطات وبيانها:
محطة المنية، محطة قرقاص، محطة الروضة، محطة ملوى، محطة ديروط، محطة نزالى أبى جنوب، محطة أبى قرة، محطة منفلوط، محطة أسيوط.
стр. 2002
التلغراف المصرى
جملة الخطوط التلغرافية فى الحكومة المصرية، الممتدة فى داخل الأقطار المصرية والسودانية، إلى غاية سنة ١٢٩١ هجرية، مبلغ ٨٣٥٩ ميلا إنكليزيا، وهى عبارة عن ١٠٩٩٤/كيلومتر، والذى كان موجودا من ذلك لغاية مدة المرحوم سعيد باشا، كما تقدم، هو ٢٣٤٩ كيلومتر، فيكون ما صار تجديده فى عهد الخديوى إسماعيل هو ٨٦٤٥ كيلومتر، وهو قدر الموجود من قبل أربع مرات تقريبا.
وهذا خلاف ما هو مشروع فيه من مدة، من مصر إلى أسيوط وإلى إسكندرية بطريق الساحل، وخلاف الجارى من مدة أيضا فى الأقطار السودانية، مثل خط أسفار والمكسة وكردفان وغيره.
وبمقارنة طول ما هو موجود الآن فى الحكومة المصرية، بطول الموجود من ذلك فى كثير من ممالك أوروبا، يعلم أن الموجود من ذلك بالحكومة المصرية يفوق الموجود منها فى بلاد:
سويد، والبلجيك، والدينمارك، وبلاد الفلمنك، والبرتغال.
وعدد المحطات بالديار المصرية فقط ٧٧، وإن صار مقارنة حركة التلغرافات المصرية بحركة غيرها فإنها توجد غير بالغة غايتها، كما هو حاصل فى أكثر بلاد أوروبا، وأسباب ذلك أن كثيرا من المصريين لم يتحولوا عن عادتهم القديمة، بل مستمرون على حرمان أنفسهم من استعمال هذه الواسطة المفيدة، ولو ذاقوا ثمراتها لازدحموا عليها.
ومع ذلك فقد بلغ عدد الأخبار التى تناولتها التلغرافات المصرية فى سنة ١٨٧١ ميلادية ٥٧٠ ألف خبر، وهى أكثر من الأخبار التى تناولتها تلغرافات بلاد الدينمارك وهى ٤٢٠ ألف خبر، وقريب من الأخبار التى تناولتها تلغرافات بلاد نورويج وهى ٦٠٣ ألف خبر، وتقرب أيضا من ٦١٢ ألف خبر تناولتها بلاد البرتغال.
стр. 2003
وبإسقاط عدد الأخبار الخارجية من المجموع السابق، والاقتصار على الأخبار المختصة بأهل الديار المصرية، يكون عددها ٥٦٠ ألف خبر، وبنسبته إلى تعداد الأهالى يخص كل ألف نفس مائة وعشرون خبرا.
وإن عملت المقارنة فى بلاد آسيا، يوجد أن الألف من أهل تلك المملكة يخصها ٦٢ خبرا، أعنى نصف ما خص أهالى مصر، وإن فعل مثل ذلك فى إيتاليا، يوجد أنه يخص الألف ١١٨ فبواسطة ذلك يعلم أن مصر قد فاقت هاتين المملكتين.
وبيان جملة خطوط التلغرافات المصرية كما ترى:
стр. 2004
ومجموع ذلك ٨٣٥٩ ميلا إنكليزيا، وهذا هو الجارى استعماله لغاية سنة ١٢٩١ هجرية.
وأما الخطوط المشروع فى تركيبها فى وقتئذ فهى:
ومجموع ذلك ١٠٥٠ ميلا إنكليزيا إذا أضيف إلى ما تقدم بيانه يكون مجموع سكك التلغراف المصرى ٩٤٠٩ أميال إنكليزية، وهى عبارة عن ١٥٠٥٤ كيلومتر، كل كيلومتر ألف متر.
وخلاف تلغراف الحكومة تلغراف تعلق قومبانية القنال، من بورت سعيد إلى السويس على طول القنال وقدره ٢٠٥ أميال إنكليزية، وتلغراف آخر تعلق كبانية مالطة، وأخباره منها ما يصل من إسكندرية إلى السويس باتباع السكة القديمة الخارجة من مصر مارة فى الصحراء، وهى خطان طولهما ٤٥٨ ميلا، ومنها ما يصل بأتباع السكة الجديدة، وطوله ٤٥٠ ميلا إنكليزيا، فيكون مجموع أميال تلغراف الكبانيتين ١١١٣، وبإضافته إلى تلغراف الحكومة المصرية، يكون جميع الخطوط التلغرافية بالديار المصرية والأقطار السودانية ١٠٥٢٢، عبارة عن ١٦٨٣٥ كيلومتر.
تم الجزء السابع ويليه الثامن أوله ذكر مدن مصر وقراها الشهيرة. التى لها ذكر فى التواريخ وغيرها. مرتبة على حروف المعجم
стр. 2005
ذكر مدن مصر وقراها الشهيرة التى لها ذكر فى التواريخ
وغيرها مرتبة على حروف المعجم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حرف (الهمزة)
آبة الوقف
بهمزة فى أوله بعدها ألف لينة فموحدة فهاء تأنيث، قال فى مشترك البلدان: هى ثلاثة مواضع ليس فى مصر منها إلا واحدة وهى آبة الوقف من كورة البهنسا انتهى
وهى من مديرية المنية بقسم بنى مزار فى غربى النيل بنحو ساعة، وفى الشمال الغربى لبوجرج كذلك، وفى الشمال الشرقى لبطوجة بأقل من ذلك، ويمر عليها جسر الجرنوس كجملة قرى مثل: قفادة، وطنبدى، والشيخ زياد.
стр. 2006
وفيها أبنية جيدة وقصر مشيد وبستان عظيم وجفلك تبع الدائرة السنية وفيها دكاكين وقهاو عامرة ونخيل وأشجار ومساجد مقامة الشعائر وفيها بيت مشهور بالثروة قديما منه:
الحاج حسين أغا، كان أشهر أهل بلاده وكان ناظر قسم زمن العزيز المرحوم محمد على، ومن بعده أخوه الحاج مهدى أغا كان ناظر قسم أيضا زمن العزيز المذكور، وكان كثير من أهل البلد وغيرهم يتجرون فى أموالهما فلذا تجد أكثر أهل هذه القرية تجارا فى الأغنام ويسافرون إلى آخر الصعيد الأوسط لاشترائها ويعلفونها بالفول ونحوه والماء البارد حتى تسمن فيسافرون بها إلى المحروسة فيربحون فيها كما يفعل أهل ناحية سنبو.
وكان تجارهم إذا ذهبوا إلى بلاد الصعيد تروج البضائع هناك يقول الناس: جاء الآبية وراجت السلع، ويسمون كل من جاء من تلك الجهة آبيا. وقد ترك الحاج مهدى ولدا لم يحسن سيره ولا سيرته، فأذهب الأموال وتضعضع حالهم بسببه.
وفى البلد أضرحة أجلها وأشهرها ضريح الولى العارف بالله تعالى الآمى الخلوتى الشريف الحسينى. سيدى الحاج إبراهيم الشلقامى العمرانى من ذرية سيدى أبى عمران، وهو من أهل القرن الثانى عشر مولده بشلقام قرية صغيرة بجوار قرية آبة هذه. وقد جدد ضريحه عمدة الناحية أحمد بن الحاج حسين أغا، وجعل له قبة عالية ويلحق به جامع متسع متين، مستوف لجميع لوازمه من مطهرة متسعة ومنارة مرتفعة.
وأهل تلك الجهة يعتقدون فى هذا الولى اعتقادا زائدا، وينذرون له النذور ويترددون إليه للزيارة، ويعملون له كل سنة فى فصل الصيف مولدا جامعا ينتصب نحو نصف شهر، ويؤتى إليه من كل جهة حتى من المحروسة للزيارة والتجارة، فيباع فيه كل شئ مما فى القطر
стр. 2007
من حيوانات ونحاس وبز وحرير وغير ذلك، وتنصب فيه الخيام بكثرة وتجتمع أرباب الأشائر وأهل الأذكار وأولاد الفقراء وأهل الأهواء وأصحاب الملاعب وآلات اللهو، فليلا ونهارا ترى الأذكار حلقا حلقا فى الخيام وفى الجامع وقراءة القرآن والصلوات والأوراد، وترى حلق الألعاب كالحاوى والطبول والكوسات والمزمار وميادين ملاعب الخيل وغير ذلك، وتذبح فيه الذبائح الكثيرة وتكثر المدّات والقهاوى، وربما كان فيه الخمارات والبوزة وكثير من المنكرات، وهكذا أكثر الجموع والموالد فى سائر القطر، تشتمل على الطاعات والمعاصى وأكثر ما يستعمل بين الناس فى المجامع هو القهوة للخاص والعام، حتى يكون شربها فى مولد سيدى إبراهيم ونحوه مثل شرب الماء أو أكثر، وكذا تستعمل فى المضايف للإكرام فيجعلونها تحية القادم، وقد لا يستغنى عنها معتادها إلا بضرر يلحقه وعم استعمالها فى أكثر بقاع الأرض.
وقد تكلمنا على القهوة بطرف مما يناسبها فى كتابنا علم الدين، كما تكلمنا هناك أيضا على الحشيشة المسماة حشيشة الفقراء، والآن قد عثرنا فى كتاب دساسى المسمى (بالأنيس المفيد للطالب المستفيد، وجامع الشذور من منظوم ومنثور) على نبذة تتعلق بالقهوة للشيخ عبد القادر بن محمد الأنصارى الجزيرى/الحنفى فأردنا إيرادها لتكثير الفائدة فنقول:
قال فى ذلك الكتاب: الباب الأول فى معنى القهوة وصفتها وطبعها وفى أى بلدة بدا انتشارها ولأى معنى طبخت وشربت وعلا منارها.
اعلم أن القهوة هى النوع المتخذ من قشر البن أو منه مع حبة المجحّم. بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة المفتوحة أيضا: أى المقل، وصفتها أن يوضع القشر إما وحده وهى القشرية، ومع البن المجحم المدقوق وهى: البنية فى ماء، ثم يغلى عليه حتى تخرج خاصيته، ومنهم من يجد غاية اعتدال استوائها بطعم مذاقها: أى المرارة وتسمى عندهم فى اصطلاح ذوى معرفتها المحكّمة الاستواء بتشديد الكاف وتركه ثم تشرب.
стр. 2008
فمن قائل بحلها: يرى أنها الشراب الطهور المبارك الموجب للنشاط والإعانة على ذكر الله تعالى وفعل العبادة. ومن قائل بحرمتها مفرط فى ذمها والتشنيع على شرابها، وكثر فيها من الجانبين التصانيف والفتاوى، وبالغ القائل بحرمتها فادّعى أنها من الخمر وقاسها به، وبعضهم نسب إليها الإضرار بالعقل والبدن إلى غير ذلك من الدعاوى والتعصّبات المؤدية إلى الجدال والفتن وإتلاف النفوس والمحن بمكة ومصر القاهرة، وحكم بمنع بيعها وكسر أوانيها الطاهرة، بل وتعزير باعتها بالضرب وغيره من غير حجة ظاهرة، وتأديبهم بإضاعة مالهم وإحراق القشر المتخذة منه وإيذاء بعض شرابها رجاء مصلحة تعود عليه إما فى الدنيا وإما فى الآخرة.
وهاجت لأجلها جنود الشياطين وثارت حظوظ النفوس التى لا طائل تحتها من المؤمنين، وبالغ الذام لها فزعم أن شاربها يحشر يوم القيامة ووجهه أسود من قعور أوانيها، وكثر التقاطع والتدابر بين الفريقين، وسيرد عليك ما قيل فى حقها من الأسئلة والأجوبة مما يكشف عن وجه حلها النقاب ويمنع من خالف بحجج سالكة فى جادة الصواب.
وأما اشتقاق اسم القهوة فقال: العلامة الفخر أبو بكر بن أبى يزيد فى مؤلفه (إثارة النخوة بحل القهوة) إنها من الأقهاء وهو الاجتواء: أى الكراهة أو من الإقهاء بمعنى الإقعاد من: أقهى الرجل عن الشئ: أى قعد عنه، وكراهة كل شئ والقعود عنه بحسبه؛ ومنه سميت الخمرة قهوة؛ لأنها تقهى: أى تكره الطعام أو تقعد عنه حسبما نقل عمن يعرف أحوالها، فكذلك هذا المعنى المذكور فتكره أو تقعد عن النوم الموضوعة فى الأصل لإذهابه لما يترتب عليه من قيام الليل المطلوب شرعا، ثم قال: وبعضهم كان يكسر القاف ويقول القهوة فرقا بين القهوتين.
стр. 2009
وأما طبعها فذكر كثير من الأطباء والحذاق الألباء: أنها حارة يابسة وقال آخرون:
باردة يابسة، وهو من مذهب أهل الذم لها، ومن أعظم منافعها إذهاب النوم وإن كان للسهر أسباب كثيرة غيرها. من تقليل الأكل وترك التعب فى النهار والقيلولة وغير ذلك مما تقرر فى كتب الصوفية ثم قال فائدة:
سمعت من قاضى القضاة علامة زمانه تاج الدين عبد الوهاب بن يعقوب المكى المالكى رئيس الأقطار الحجازية فى ليالى اجتماعى به زمن الموسم بداره بالسويقة بمكة المشرفة: أن شرب الماء البارد قبل القهوة مما يفيدها رطوبة المزاج ويقل يبسها ولا يكون السهر حينئذ شديدا، وكنت أراه يفعل ذلك دائما لهذا المعنى، وهو من ذوى المعرفة والتجارب وله الخبرة والسياسة الحسنة فى سائر الأمور، وأما مبدأ حدوث القهوة فقال الشيخ شهاب الدين بن عبد الغفار ما لفظه: إن الأخبار قد وردت علينا بمصر أوائل هذا القرن بأنه قد شاع فى اليمن شراب يقال له: القهوة تستعمله مشايخ الصوفية وغيرهم للاستعانة به على السهر فى الأذكار قال: ثم بلغنا بعد ذلك بمدة أن ظهورها باليمن كان على يد الشيخ جمال الدين أبى عبد الله محمد بن سعيد الذبحانى بفتح الذال المعجمة وسكون الموحدة وفتح المهملة وبعد ألفه نون مكسورة، نسبة إلى ذبحان بلدة باليمن وهو عالم مشهور بالولاية والفتوى، وكانت وفاته سنة خمس وسبعين وثمانمائة، ونحن الآن فى عام ست وتسعين وتسعمائة، وأما ظهورها فى بلاد الحبشة والجبرت وغيرها من بر العجم فلا يعلم متى أوله.
وقال فخر الدين بن بكر بن أبى يزيد المكى إن الذى اشتهر وبلغ حد التواتر: أن أول من أنشأها بأرض اليمن الشيخ العارف على بن عمر الشاذلى، وأنها كانت قبل من الكفتة أعنى الورق المسمى بالقات، لا من البن ولا من قشره، وأما أول ظهورها بمصر فقال العلامة
стр. 2010
ابن عبد الغفار: إنها ظهرت فى حارة الجامع الأزهر المعمور بذكر الله تعالى فى العشر الأول من هذا القرن (العاشر) وكانت تشرب فى نفس الجامع برواق اليمن يشربها فيه اليمانيون، ومن يسكن معهم فى رواقهم من أهل الحرمين الشريفين، وكان المستعمل لها الفقراء المشتغلون بالرواتب من الأذكار والمديح على طريقتهم المذكورة، وكانوا يشربونها كل ليلة اثنين وجمعة يضعونها فى ماجور كبير من الفخار الأحمر ويغترف منها النقيب بسكرجة صغيرة ويسقيهم الأيمن فالأيمن مع ذكرهم المعتاد عليها وهو غالبا «لا إله إلا الله الملك الحق المبين».
وكان يشربها معهم موافقة لهم من يحضر الرواتب من العوام،/وغيرهم قال: وكنا ممن يحضر معهم وشربناها معهم فوجدناها فى إذهاب النعاس والكسل كما قالوا. بحيث إنها تسهرنا ليالى لا نحصيها إلى أن نصلى الصبح مع الجماعة من غير تكلف، وكان يشربها معهم من أهل الجامع من أصحابنا وغيرهم خلق لا نحصيهم، ولم يزل الحال على ذلك، وشربت كثيرا فى حارة الجامع الأزهر وبيعت بها جهرا فى عدة مواضع، ولم يتعرض أحد مع طول المدة لشرابها، ولا أنكر شربها لا لذاتها ولا لوصف خارج عنها من إدارة وغيرها مع اشتهارها بمكة وشربها فى نفس المسجد الحرام وغيره، بحيث لا يعمل ذكر أو مولد إلا بحضورها، وفشت فى المدينة الشريفة دون فشوّها فى مكة، بحيث إن الناس يطبخونها فى بيوتهم كثيرا ثم حدث الإنكار عليها بمكة المشرفة فى عام سبعة عشر وتسعمائة، من أخوين أعجميين مشهورين بالحكيمين، لهما فضيلة فى المنطق والكلام ومشاركة فى الطب، ويدعيان مرتبة فى الفقه لم تسلم لهما، ثم رحلا إلى مصر فى أواخر دولة الغورى وأقاما بها حتى قدم إليها السلطان المظفر سليم شاه فقتلهما توسيطا لما كانا يرميان به، وأعانهما على القيام فى أمرها الشيخ شمس الدين محمد الحنفى الخطيب نقيب قاضى القضاة سرىّ الدين بن الشحنة وناس آخرون، فأغرى الشيخ شمس الدين المذكور الأمير خير بيك المعمار باش مكة ومحتسبها إذ ذاك على إبطالها من
стр. 2011
الأسواق ومنع الناس من شربها، وعقد لذلك مجلسا عنده وكتبوا به محضرا، أنشأه لهم الشمس الخطيب وأرسلوه إلى مصر وأرسلوا معه سؤالا وطلبوا مرسوما سلطانيا بمنعها بمكة المشرفة.
ثم أشهر الأمير خير بيك النداء بمنع شربها أو بيعها، وشدّد فى ذلك وعزّر جماعة من باعتها، وكبس مواضعهم وأحرق ما فيها من قشر البن، فبطلت حينئذ من السوق. وكان الناس يشربونها فى بيوتهم اتقاء شره.
ثم ورد المرسوم السلطانى على خلاف غرضهم ففتر خير بيك عن التسلط على الناس فتجاسروا على شربها وقال فى هذا المعنى بعض أهل المجون:
قهوة البن حرمّت* … فاحتسوا قهوة الزّبيب
ثم طيبوا وعربدوا* … وانزلوا فى قفا الخطيب
وقال غيره:
قهوة البن حرمت* … فاحتسوا قهوة العنب
واشربوها وعربدوا* … والعنوا من هو السبب
وفى عام ثمانية عشر وتسعمائة قدم الأمير قطلباى إلى مكة المشرفة صحبة الرّكب الشريف عوضا عن خير بيك قأكثر من شربها فاشتهرت أضعاف اشتهارها الأول.
وفى ذى القعدة الحرام سنة اثنتين وثلاثين قدم إلى مكة العارف بالله سيدى محمد بن عراق، فبلغه أنه يفعل فى بيوت القهوة المنكرات فأشار على الحكام بإبطال بيوتها مع تصريحه
стр. 2012
بحلها فى ذاتها، ولما توفى الشيخ سنة ثلاث وثلاثين رجع الحال إلى ما كان عليه، ولم تزل أولياء الشيخ من بعده على القول بحلها والمواظبة عليها، وكان أجل ما يحضرونه لمن يرد عليهم من الأكابر ومن دونهم القهوة خصوصا فى زمن الموسم، وقد منعها الشيخ شهاب الدين ابن عبد الحق السنباطى وأفتى بحرمتها وقام معه العامة.
وفى ذلك قال بعضهم:
إن أقواما تعدوا* … والبلا منهم تأتى
حرموا القهوة عمدا* … قد رووا إفكا وبهتا
إن سألت النص قالوا* … ابن عبد الحق أفتى
يا أولى الفضل اشربوها* … واتركوا ما كان بهتا
ودعوا العزال فيها* … يضربون الماء حتى
وفى عام خمس وأربعين بينما جماعة فى بيوت القهوة يستعملونها فى شهر رمضان بعد العشاء، إذ وافاهم صاحب العسس، إما من تلقاء نفسه أو لأمر أوحى إليه فباتوا فى منزل السوباشاة (الضابط) وأخرجهم منها على هيئة شنيعة، بعضهم فى الحديد وبعضهم مربوط فى الحبال، ثم أطلقوا صباحا بعد أن ضرب كل واحد منهم سبع عشرة ضربة، ثم لم يلبث أن ظهر الحق وعاد الحال إلى ما كان بعد نحو يومين.
وقد منعت بالقاهرة مرارا فلم تطل المدة وعلا منارها ولم يزل أمرها ظاهرا يشربها العلماء والصلحاء، وطلبة العلم وأماثل الفقهاء، ويقر عليها أهل الإفتاء والتدريس فى سائر الأيام والأوقات والاجتماعات للأذكار فى ليالى الخيرات، ويلتمس بها إذهاب الكسل وقوة النشاط.
стр. 2013
قال والذى أقوله إن الحق الذى لا مرية فيه: إنها فى حدّ ذاتها حلال، وأما الأمور المستجدة من هيئة بيوت باعتها واجتماع أهل المحظور فيها وإضافة ما لا يباح إليها فإنها تحرمها، والخمر إنما حرمت بعد حلها لاشتمالها على قبح الأوصاف التى يحدث منها إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.
ثم قال: من الباب الثانى فى سياق المحضر الذى كتب فى شأنها بمكة المشرفة، وشرح المرسوم السلطانى الوارد جوابا عما نعت من صفتها إلى غير ذلك من نحو فتاوى العلماء فيها أما المحضر/فنص المقصود منه: هذه صورة واقعة شرعية مضمونها: أن مولانا الشريف أبا النصر قانصوه الغورى. لما أقامه الله تعالى خادما للحرمين الشريفين جعل الجناب العالى خير بيك المعمار ناظر الحسبة الشريفة بمكة المشرفة، وباشا على المماليك السلطانية بها، فمما اتفق له أنه فى ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة سبع عشرة وتسعمائة طاف بالكعبة الشريفة، ثم شرب من ماء زمزم ثم توجه إلى بيته، فرأى فى طريقه ناسا مجتمعين فى ناحية من نواحى المسجد الحرام، قد جمعهم السيفى قرقماس النّاصرى، يزعم أنه قد عمل مولدا للنبىّ ﷺ ، فقبل وصوله إليهم أطفأوا الفوانيس التى كانت موقدة فاتهمهم فى ذلك وأرسل إليهم، فوجد بينهم شيئا يتعاطونه على هيئة تعاطى الشراب المسكر، ومعهم كأس يديرونه بينهم وقرقماس هو الساقى لهم، فأنكر خاطر الأمير ذلك، سيما وموضوع وظيفة الحسبة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وسأل عن هذا الشراب فقيل له: إنه شراب اتخذ فى هذا الزمان يسمى القهوة، يطبخ من قشر حب يأتى من بلاد اليمن يقال له: البن وأنه قد كثر وفشا بمكة وصار يباع فى أماكن على هيئة الخمارات، ويجتمع عليه الرجال والنساء بدف ورباب
стр. 2014
وغير ذلك، ويجتمع فى تلك الأماكن من يلعب بالشطرنج والمنقلة ونحوها بالرّهن وغيره مما هو ممنوع فى الشريعة المطهرة حماها الله من الفساق إلى يوم التلاق، فأنكر على هؤلاء الجماعة المجتمعين وفرق جمعهم وشتت شملهم، فلما أصبح جمع القضاة والعلماء المقتدى بهم، وحضر مولانا قاضى القضاة النجمى المالكى، وتعذر حضور قاضى القضاة نسيم الدين المرشدى الحنفى، وحضر الشيخ شهاب الدين فاتح بيت الله الحرام والشيخ عفيف الدين عبد الله اليمانى الحضرمى الشافعى المعروف بأبى كثير وجماعة كثيرون، وأحضر القهوة فى مركن كبير والكأس معه وفاوضهم الأمير فى أمر القهوة واجتماع الناس عليها على هذه الهيئة، فأجابوا أجمعون؛ بأن ذلك حرام اتفاقا يجب إنكاره، وأما الحب المسمى بالبن فحكمه حكم النباتات، والأصل فيه الإباحة، فإن كان يحصل من مطبوخ قشره ضرر فى البدن أو العقل، أو يحصل به نشوة وطرب فإنه حرام، ولو استعمله الإنسان بمفرده فى داخل بيته، والمرجع فى ذلك إلى الأطباء، فأحضر الأمير خير بيك الشيخ نور الدين أحمد العجمى الكازرونى وأخاه علاء الدين عليا، وهما من أعيان السادة الأطباء بمكة وسألهما عن هذا البن، فذكروا أنه بارد يابس مفسد للبدن المعتدل، فاعترض عليهما شخص من الحاضرين ممن ليس لهم إلمام بالطب وقال: إن البن مذكور فى «منهاج البيان» وإنه محرق للبلغم، فقال الطبيبان: إن المذكور فى «المنهاج» ليس هو هذا فإن هذا جزء مفرد بسيط وذاك مركب من أبازير، وأبانا شهادتهما بصيغة (أشهد) المعتبرة لدى القضاة، ثم ذكر جماعة من الحاضرين أنهم استعملوا القهوة فتغيرت حواسهم وأنكروا هيئتهم وتغير عقلهم وحصل الضّرر فى أبدانهم وأقاموا شهادتهم بذلك عند القاضيين الصّلاحى الشافعى والنجمى المالكى، ثم روجع فى ذلك قاضى القضاة نسيم الدين الحنفى فى داره فقال: إنه أقيم عنده البينة بمثل ذلك، ولما تحقق الأمير خير بيك المحتسب عدم حلها أشهر النداء بمكة المشرفة بمسعاها ونواحيها بالمنع من تعاطى القهوة، وجعل ذلك فى الصحائف الشريفة، كل ذلك فى ضحوة يوم الجمعة إلى هنا انتهت عبارة المحضر ببعض حذف.
стр. 2015
وأما صورة كتابة القضاة والعلماء فكتب قاضى القضاة صلاح الدين بن ظهير الشافعى: الحمد لله وتوكلت عليه الأمر كما شرح وبين ونقح.
وكتب القاضى عبد الغنى بن أبى بكر المرشدى الحنفى: أحمد الله وأفوض أمرى إلى الله الأمر كما شرح من مراجعتى فى دارى بسبب عذر شرعى، وقد قامت البينة عندى بما ثبت من حرمة القهوة المشروحة فيه: اللهم اهدنا الصواب.
وكتب القاضى نجم الدين بن عبد الوهاب بن يعقوب المالكى: الحمد لله العادل فى قضائه ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١) والطف بنا فى كل حركة وسكون، ونعوذ بالله من قول الزور، والتعاطى بحرم الله أسباب الفجور، وقد شهد عندى جماعة من الأعيان ذوى المعرفة والإتقان بإفسادها للأبدان، وبين ذلك غاية البيان. والأمر كما شرح فيه من غير شئ ينافيه ولا حاجة إلى نقل صور كتابة الباقين، إذ ليس فيها غير الموافقة بناء على الصّفات المشروحة التى لا حقيقة لها على أن معظمهم كانوا عارفين بحقيقة الحال بل كانوا من شرّاب القهوة المواظبين عليها، وإنما كتبوا اتقاء فحش الأمير، لأنه كان متعصبا فى المسألة جدا، وقد تقرر عنده أن له فى منعها فخرا عظيما وثوابا جزيلا، وكان مع ذلك سفيه اللسان جريئا على القضاة وغيرهم، ولم يستطع أحد أن يثبت للبحث مع المتعصبين بالباطل لحرمتها إلا الشيخ نور الدين بن ناصر الشافعى مفتى مكة، ولكنه سمع ما لا يحب بل كفّره بعض أهل المجلس من أجل كلام صدر منه فى غاية الصحة لا محيص عنه؛ فضلا عن أن يترتب عليه أدنى محظور ثم/جهزوا سؤالا وأرسلوه إلى الديار المصرية عرضوا فيه للشيخ نور الدين صورته
стр. 2016
ما قولكم رضى الله عنكم فى مشروب يقال له: القهوة، شاع شربه فى مكة المشرفة وغيرها بحيث يتعاطونه فى المسجد الحرام وغيره، ويدار بينهم بكأس، وقد أخبر خلق ممن تاب عنه؟ بأن كثيره يؤدى إلى السكر، وأخبر عدول من الأطباء بأنه مضر بالأبدان، وقد منع من شربه من يعتد بقوله من العلماء والزهاد بمكة، وهناك شاهد جاهل جعل نفسه واعظا وأفتى الفساق بحل شربه.
فقيل له: ما تقول فى هذه الإدارة على هذه الصفة؟ فقال الشارع أدار اللبن فقيل له: أخطأت لم يكن إدارة اللبن على هذه الصفة فهل يحل شربه على الوجه المذكور أم يحرم مطلقا لكونه مسكرا ومضرا بالأبدان، وماذا على الجاهل المبيح لشربه، وهل يجب على ولى الأمر إزالة هذا المنكر والمنع منه وردع هذا الجاهل ومن يقول بقوله أم لا؟ وما الحكم فى ذلك أفتونا مأجورين وابسطوا الجواب أيدكم الله.
فبرز أمر السلطان المرحوم قانصوه الغورى من بيوردى بكتابة مرسوم وتجهيزه إلى مكة المعظمة، فجهز ونص المقصود منه: وأما القهوة فقد بلغنا أن أناسا يشربونها على هيئة شرب الخمر، ويخلطون فيها المسكر ويغنون عليها بآلة ويرقصون ويسكرون، ومعلوم أن ماء زمزم إذا شرب على هذه الهيئة كان حراما، فليمنع شرّابها من التظاهر بشربها والدوران بها فى الأسواق انتهى.
وهذه عبارة صريحة فى النهى لكن إنما هو على حسب الإنهاء، ومع ذلك فليس فيها ما يدل على المنع من شربها بوجه بل من التظاهر بها، ومن فعله على الهيئة المخصوصة التى بلغتهم فقط، وذلك لا يدل على حرمة ذاتها بل تشبيهها بماء زمزم نصّ أو كالنصّ فى حلّها على غير تلك الهيئة، ولذا لم يمنعها السلطان من مصر التى هى محل الكرسى والولاية، ولعله إنما منع من التظاهر بها سدا للذريعة، مخافة أن تشرب على تلك الهيئة الممنوعة.
стр. 2017
ومما روى من نظم بعض أعيان العلماء القائلين بحلها وكثرة فوائدها:
يا قهوة تذهب همّ الفتى* … أنت لحاوى العلم نعم المراد
شراب أهل الله فيها الشفا* … لطالب الحكمة بين العباد
نطبخها قشرا فتأتى لنا* … فى نكهة المسك ولون المداد
ما عرف الحق سوى عاقل* … يشرب من وسط الزبادى زباد
حرّمها الله على جاهل* … يقول فى حرمتها بالعناد
فيها لنا تبر وفى حانها* … صحبة أبناء الكرام الجياد
كاللبن الخالص فى حله* … ما خرجت عنه سوى بالسّواد
انتهى باختصار كثير وتصرف قليل.
وفيه أيضا بالخط الفرنساوى عن بعض مؤلفى الأتراك ما ترجمته:
شجرة القهوة تنبت باليمن فى كورتين، منها فوق الجبال التى تطو زبيدا فى مقابلة بيت الفقيه فى الخط المعروف بوصاب، والخط المعروف بنهارى، وهما قريبان من نينا جيزان، وشجرها مغروس على خطوط مستقيمة، ولها شبه بشجرة الكريز، وورقها ثخين واخضراره معتم، وتستمر آخذة فى الكبر إلى ثلاثين سنة، وغاية ما تبلغ فى الارتفاع إلى ثمانية أذرع، وزهرها أبيض ويخرج ورق الزّهر اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة، وهو أكبر من ورق زهر الكريز وثمرها يشبه ثمر الكريز أيضا، وفى وقت خضرته يكون غضّا بمرارة فإذا احمرّ يكون فى طعم اللبن الحامض، وعند إدراكه وانتهاء استوائه يكون أحمر اللون يضرب إلى السواد كالوشنة،
стр. 2018
بحيث لو خلط بها لم يعرف إلا بالطعم والرائحة، وشكل الجوزة المنقسمة فلقتين وطعمه أشهى من الكريز، ويجمع قبل استوائه وينشر فوق الأسطحة المستوية فينشف ويسودّ لونه ثم يدش على الأرحية، ثم يخلص من قشره بالتذرية، وهذا هو البن الذى يباع فى جهات الدنيا.
وأما الذى يبقى على أصوله حتى يتم استواؤه فلا يحتاج إلى الدش بل يفصل قشره باليد وينشف كالزبيب، وأهل اليمن يغلونه ويستعملون منقوعه مبردا فى الصيف وهو نافع للصحة، وهذا النوع يبقى فى اليمن ولا يخرج إلى بلاد غيرها ويكون غالى القيمة، وأحسن البن ما كان حبّه غليظا مع الخضرة.
والقشر الذى تكلمنا عليه حار رطب فى الأولى، والشراب المصنوع منه إن شرب صيفا يرخى البطن وينعش القلب ويزيل الثقل والفتور الحاصل فى الصباح، والأحسن فى قلى الحب عدم الجور عليه لئلا تضيع خاصيته، وشرب القهوة بعد الأكل بساعة نافع للصحة لهضمه الطعام، ولها نفع فى الزكام وآلام الرأس، وفى كل سنة يخرج من بلاد العرب ثمانون ألف فرد من البن، منها إلى جدة أربعون ألف، والباقى يخرج إلى البصرة وغيرها.
والفرد ثلاثة قناطير وكل أربعة قناطير منها مع زيادة عشرة أرطال قنطار بالدمشقى، وكان دخولها فى بلاد الروم خصوصا القسطنطينية سنة تسعمائة واثنتين وستين هجرية، وفى هذا الوقت ظهرت أماكنها المعهودة لها، افتتح ذلك رجل من دمشق بنى قهوة فاجتمع فيها الناس حتى العلماء، وأول استكشافها كان سنة ستمائة وست وخمسين هجرية انتهى.
стр. 2019
مطلب الكلام على بلاد الجبرت
وإنما أطلنا الكلام فى القهوة لما فيه من الفائدة وحيث تقدم ذكر الحبشة والجبرت فلا بأس بذكر طرف مما فى الجبرتى مما يتعلق بها فنقول:
قال الجبرتى فى تاريخه: بلاد الجبرت هى بلاد الزيلع بأراضى الحبشة تحت حكم الخطى ملك الحبشة، وهى عدة بلاد معروفة تسكنها هذه الطائفة المسلمون بذلك الأقليم، ويتمذهبون بمذهب الحنفى والشافعى لا غير، وينسبون إلى سيدنا أسلم بن عقيل بن أبى طالب، وكان أميرهم فى عهد النبى ﷺ النجاشى المشهور الذى آمن به ولم يره وصلى عليه النبى ﷺ صلاة الغيبة كما هو مشهور فى كتب الأحاديث.
وهم قوم يغلب عليهم التقشف والصلاح ويأتون من بلادهم بقصد الحج والمجاورة فى طلب العلم، ويحجون مشاة ولهم رواق بالجامع الأزهر بمصر.
وللحافظ المقريزى مؤلف فى أخبار بلادهم وتفصيل أحوالهم ونسبهم. ومنهم القطب الكبير المعتقد الشيخ إسماعيل بن سودكين الجبرتى تلميذ ابن العربى ويسمى، قطب اليمن، والشيخ عبد الله المترجم فى حسن المحاضرة للسيوطى، وهو الذى كان يعتقده الملك الظاهر برقوق، وأوصى أن يدفن تحت قدمه بالصحراء.
ومنهم العارف الشيخ على الجبرتى الذى كان يعتقده السلطان الأشرف قايتباى وارتحل إلى بحيرة إدكو فيما بين رشيد والإسكندرية، وبنى هناك مسجدا عظيما ووقف عليه عدة أماكن
стр. 2020
وقيعان وأنوال حياكة وبساتين ونخيلا كثيرة قال: وهو موجود إلى الآن عامر بذكر الله والصلاة إلا أن غالب أماكنه زحفت عليها الرّمال وطمّتها وغابت تحتها وفيه إلى الآن بقية صالحة.
وبنى أيضا مسجدا شرقى عمارة السلطان قايتباى ودفن فيه، وقد تخرب وانطمست معالمه، ولم يبق إلا مدفنه، وحوله حائط متهدم من غير باب ولا سقف، وبابه ظاهر مكشوف يزار.
ومنهم الإمام الحجة المجتهد فخر الدين بن عمرو عثمان الحنفى الزيلعى شارح الكنز المسمى «بتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» المدفون بحوطة عقبة بن عامر الجهنى
والنجاشى أول من آمن بالنبى ﷺ من الملوك ولم يره، وأخباره مع النبى ﷺ والمهاداة بينهما وبعض أخبار الحبشة وما ورد فيهم من الآيات والأحاديث والآثار مشهورة مبسوطة فى كثير من الكتب: مثل كتاب (الطراز المنقوش فى محاسن الحبوش) لعلاء الدين محمد بن عبد الله البخارى الخطيب، وكتاب (رفع شأن الحبشان) للعلامة جلال الدين السيوطى، (وتنوير الغبش فى فضائل السودان والحبش) إلى غير ذلك.
وفى الحبوش أخلاق لطيفة وشمائل ظريفة، وفيهم الحذق والفطانة ولطافة الطباع وصفاء القلوب؛ لكونهم من جنس لقمان الحكيم، وهم أجناس منهم السحرتى والأمحرى، وهم أحسن أجناس الحبوش الموصوفين بالصباحة والملاحة والفصاحة والنعومة فى الخدّ والرّشاقة فى القدّ، والأمحرية تفوق على السحرتية باللّطف والظرف، والسحرتية تفوق على
стр. 2021
الأمحرية بالشدّة والعنف. وقيل: إن النجاشى منهم ويقرب من هذين النوعين نوعان آخران الداموت ويلين، ونوعان آخران وهما قمووفتر، ونوع آخر يسمى أزاره وللقاضى عبد البر بن الشحنة:
حبشيّة سألتها عن جنسها … فتبسمت عن درّ ثغر جوهرى
فطفقت أسأل عن نعومة ما خفى … قالت فما تبغيه جنسى أمحرى
وللشيخ شهاب الدين البراذعى:
وخذ ما حلا من بنات الحبو … ش من جلب زيلع أو من أزاره
إلى غير ذلك انتهى.
стр. 2022
ترجمة والد الشيخ الجبرتى
وقد ترجم (١) الجبرتى قبل ذلك والده: بأنه الإمام العلامة، والنحرير الفهامة، حامل لواء العلوم على كاهل فضله، ومحرر دقائق المنطوق والمفهوم بتحريره ونقله، من تكحلت بمداده عيون الفنون وتشنفت المسامع بما عنه روى الراوون، وارتفع من حضيض التقليد إلى نور الفضائل وسابق فى حلبة العلوم، فحاز قصب الفواضل، الروض النضير الذى ليس له فى سائر العلوم نظير، وهو فى فقه النعمان.
الجامع الكبير عمدة الأنام وفيلسوف الإسلام سيدى ووالدى بدر الملة والدين أبى التدانى حسن بن برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ العلامة حسن ابن الشيخ نور الدين على ابن الولى الصالح شمس الدين محمد ابن الشيخ زين الدين عبد الرحمن الزيلعى الجبرتى العقيلى الحنفى المتوفى سنة ثمان وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
ثم قال: والشيخ عبد الرحمن وهو الجد السابع لجامعه وإليه ينتهى علمنا بالأجداد، هو الذى ارتحل من بلاده ووصل إلينا خبره سلفا عن خلف إلى جدة وانتقل إلى مكة فجاور بها وحج مرارا وجاور بالمدينة المنوّرة سنتين وحضر إلى مصر من طريق القلزم وجاور بالأزهر فى الرواق، واجتهد فى التحصيل وتولى شيخا على الرواق وكذلك/ابنه من بعده الشيخ شمس الدين محمد، وكان على غاية من الصلاح وملازمة الجماعة ولا يبيت عند عيالة إلا ليلة أو ليلتين فى الجمعة وباقى الليالى بالرواق للمطالعة على السهارة والتهجد آخر الليل، ومات
стр. 2023
وخلف ابنه الشيخ على فنشأ على قدم أسلافه فى العلم والعمل، وصار له شهرة وثروة وتزوّج بزينب بنت القاضى عبد الرحيم الجوينى، ومات وخلف ولديه الشيخ حسنا المتوفى سنة سبع وتسعين وألف، وأخاه الشيخ عبد الرحمن المتوفى سنة تسع وثمانين وألف.
ولما توفى الشيخ حسن أعقب الجد إبراهيم رضيعا فكفلته والدته الحاجة مريم بنت الشيخ محمد بن عمر المنزلى الأنصارى فنشأ نشوأ صالحا حتى بلغ الحلم، فزوجته بستيتة بنت عبد الوهاب أفندى الدلجى، فى سنة ثمان ومائة وألف، وبنى بها فى تلك السنة فولدت الوالد المترجم فى سنة عشر ومات والده وعمره شهر واحد، وسن والده إذ ذاك ست عشرة سنة، فربته والدته بكفالة جدته المذكورة. ووصاية الشيخ محمد النشرتى، وقرروه فى مشيخة الرواق كأسلافه، والمتكلم عنه وصيّة، وتربى فى حجورهم حتى ترعرع وحفظ القرآن وعمره عشر سنين، واشتغل بحفظ المتون فحفظ الألفية، والجوهرة، ومتن كنز الدقائق فى الفقه، ومنظومة ابن الشحنة فى الفرائض وغير ذلك.
واتفق له وهو ابن ثلاث عشرة سنة أنه مرّ مع خادمه بطريق الأزهر فنظر إلى شيخ مقبل منوّر الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار طاعن السن، والناس يزدحمون على تقبيل يده ويتبركون به، فسأل عنه فعرف أنه ابن الشيخ الشرنبلالى فتقدم إليه ليقبل يده كغيره فنظر إليه الشيخ وقبض على يده وقال: من يكون هذا الغلام؟ فعرّفوه عنه فتبسم وقال: عرفته بالشبه، ثم قال: إسمع يا ولدى أنا قرأت على جدّك وهو قرأ على والدى، وأحب أن تقرأ علىّ شيئا وأجيزك وتتصل بيننا سلسلة الإسناد وتلحق الأحفاد بالأجداد، فلازم الحضور عنده كل يوم، وقرأ عليه متن نور الإيضاح تأليف والده فى العبادات، وكتب له الإجازة والسند فقال فيها بعد أن حمد الله وصلى على نبيه ﷺ ما نصه: وبعد.
стр. 2024
فقد حضر إلىّ الولد النجيب الموفق اللبيب الفطن الماهر الزكى الباهر سليل العلماء الأعلام، ونتيجة الفضلاء العظام، نور الدين حسن بن برهان الدين إبراهيم ابن مفتى المسلمين حسن الجبرتى الحنفى رحم الله أسلافه، وقرأ علىّ متن نور الإيضاح من أوله إلى آخره تأليف والدى المندرج إلى رحمة الله الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالى، وأجزته بجميع ما يجوز لى روايته إجازة عامة، كما أجازنى به الوالد وتلقى هو ذلك عن الشيخ على المقدسى شارح نظم الكنز عن العلامة الشلبى شارح الكنز، عن القاضى عبد البر بن الشحنة، عن الكمال ابن الهمام، عن سراج الدين قارئ الهداية عن علاء الدين بن عبد العزيز البخارى، عن حافظ الدين صاحب الكنز عن شمس الأئمة الكردرى، عن برهان الدين صاحب الهداية، عن فخر الإسلام البزدوى، عن شمس الأئمة السرخسى، عن شمس الأئمة الحلوانى، عن القاضى ابن على النسفى، عن الإمام محمد بن الفضل البخارى، عن عبد الله السندمونى عن الأمير عبد الله بن أبى حفص البخارى، عن أبيه عن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى، عن الإمام أبى يوسف عن الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمانى بن ثابت ﵁، عن الإمام حماد بن سليمان عن إبراهيم النخعى عن الإمام علقمة عن عبد الله بن مسعود، عن النبى ﷺ ، عن أمين الوحى جبريل ﵇ عن الله وأوصى الولد الأعز بالتقوى ومراقبة الله فى السر والنجوى، والله تعالى يوفقه وينفع به وبطومه ويهدينا وإياه لما كان عليه السلف الصالح فى أساس الدين ورسومه.
قال ذلك الفقير إلى الله تعالى حسن بن حسن الشرنبلالى الحنفى فى ثالث ربيع الأول من سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف انتهت الإجازة.
واجتهد المترجم فى طلب العلوم وحضر أشياخ العصر وتفقه على السيد على السيواسى الضرير، وعلى الشيخ أحمد التونسى الدقدوسى، والشيخ على الصعيدى الحنفى، وتلقى عنه
стр. 2025
النزهة فى علم الغبار والقلصادى ومنظومة ابن الهائم، وعلى الشيخ الشهاب أحمد بن مصطفى الإسكندرى الصباغ: شرح الكبرى وأم البراهين، وشرح العقائد والمواقف، وشرح المقاصد للسعد، والكشاف، والبيضاوى، والشمائل، والصحيحين، والأربعين النووية، والمشارق والقطب على الشمسية، والمواهب اللّدنية.
وعلى الشيخ عيد النمرسى، الورقات، وآداب البحث والعضدية، وعلم الجبر والمقابلة والعروض، وأعمال المناسخات، والكسورات والأعداد الصم والحساب والمساحة وغير ذلك، ولم يدع شيخا من أشياخ عصره، إلا أخذ عنه، ولا كتابا إلا تلقاه وجدّ فى التحصيل حتى فاق أهل عصره وباحث وناضل ودرس بالرواق وبالسنانية ببولاق.
وكان لجدته أم أبيه مكان مشرف على النيل بربع الحزنوب عند ما كان النيل ملاصقا لسدته فسكنها مدة، فكان يغدو إلى الجامع ثم يعود إلى بولاق وله حاصل بربع الحزنوب يجلس/فيه حصة ثم يعود إلى السنانية فيملى هناك درسا، ثم احترق ذلك المنزل بما فيه وتلفت أشياء كثيرة من المتاع والصينى القديم فانتقلت إلى مصر، وكانوا يذهبون إلى مكان لها بمصر العتيقة فى أيام النيل بقصد النزهة، وهى التى أعانته على تحصيل العلوم حتى أنه كان يقول: ما عرفت المصرف واحتياجات المنزل والعيال إلا بعد موتها، ومع اشتغاله بالعلم كان يعانى التجارة والمشاركة والمضاربة، وكانت جدته ذات غنى وثروة، ولها أملاك وعقارات ووقفت عليه أماكن منها: الوكالة بالصنادقية والحوانيت بجوارها وبالغورية ومرجوش، ومنزل بجوار المدرسة الآقبغاوية، ورتبت فى وقفها عدة خيرات ومكتبا لإقراء الأيتام بالحانوت المواجهة للوكالة المذكورة، وريعة تقرأ كل يوم وختمات فى ليالى المواسم وقصعتى ثريد كل ليلة من ليالى رمضان، وثلاثة جواميس تفرق على الفقهاء والأيتام والفقراء فى عيد
стр. 2026
الأضحية، وبعد موت جده تزوجها الأمير على أغا باش اختيار متفرقة المعروف بالطورى وتزوج المترجم بابنته، وله حكم قلاع الطور والسويس والمويلح وكانت تلك المواضع إذ ذاك عامرة وبها المرابطون ويصرف عليهم العلوفات والاحتياجات.
ولما مات على أغا سنة سبع وثلاثين تقلد ذلك بعده المترجم مدة مع كونه فى عداد العلماء وربى معتوقيه عثمان وعليا ولم يزالا فى كتفه حتى ماتا، وأرسل خادما له يسمى سليمان الحصافى جوربجيا على قلعة المويلح فقتلوه هناك، فترك هذا الأمر وأقبل على الاشتغال بالعلم، وماتت زوجته بنت الأمير على فتزوج ببنت رمضان جلبى بن يوسف الخشاب، وهم بيت مجد وثروة ببولاق ولهم أملاك وأوقاف، من ذلك وكالة الكتان وربع وحوانيت تجاه جامع الزرد كاش، وبيت كبير بساحل النيل وكانت تلك الزوجة من الصالحات المصونات.
ومن برّها له وطاعتها أنها كانت تشترى له السرارى الحسان من مالها ويتزوج عليها كثيرا من الحرائر ولا تتأثر، واشترى مرة جارية بيضاء فأحبتها حبا شديدا ودفعت له ثمنها وأعتقتها وزوجتها إياه وجهزتها وفرشت لها مكانا على حدتها وبنى بها فى سنة خمس وستين، وكانت لا تقدر على فراقها ساعة مع كونها صارت ضرتها.
وفى سنة اثنتين وثمانين مرضت الجارية فمرضت لمرضها وثقل عليها المرض، فقامت الجارية فى ضحوة النهار فنظرت إلى مولاتها وكانت فى حالة غطوسها فبكت وقالت: إلهى إن كنت قدّرت موت سيدتى فاجعل يومى قبل يومها ثم رقدت، وزاد بها الحال وماتت تلك الليلة فسحبوها من جانبها فاستيقظت مولاتها آخر الليل وجستها بيدها وصارت تقول: زليخا زليخا فقالوا لها إنها نائمة فقالت: إن قلبى يحدثنى أنها ماتت، ورأيت فى منامى ما يدل على
стр. 2027
ذلك، فقالوا لها: حياتك الباقية فقامت وجلست، وهى تقول لا حياة لى بعدها وصارت تنتحب حتى طلع النهار، وجهزوها بين يديها وحملوا جنازتها ورجعت إلى فراشها ودخلت فى سكرات الموت، وماتت آخر النهار وخرجوا بجنازتها فى اليوم الثانى.
قال: وهذا من أعجب ما شاهدت وسنى إذ ذاك أربع عشرة سنة واشتغل الوالد فى أيام اشتغاله بتجويد الخط، فكتب على عبد الله أفندى الأنيس، وحسن أفندى الضيائى، طريقة الثلث والنسخ حتى أحكم ذلك، وأجازه الكتبة وأذنوا له أن يكتب الإذن على اصطلاحهم، ثم جود فى التعليق على أحمد أفندى الهندى النقاش لفصوص الخواتم حتى أحكم ذلك وغلب على خطه طريقته ومشى عليها.
وكتب الديوانى والقرمة وحفظ الشاهدى واللسان الفارسى والتركى، حتى أن كثيرا من الأعاجم والأتراك يعتقدون أن أصله من بلادهم لفصاحته فى التكلم بلسانهم ولغتهم.
ثم فى سنة أربع وأربعين اشتغل بالرياضيات فقرأ على الشيخ محمد الجناجى رقائق الحقائق للسبط الماردينى والمجيب والمقنطر والدر لابن المجدى ومنحرفات السبط، وإلى هنا انتهت معرفة الشيخ الجناجى، وعند ذلك انفتح له الباب وانكشف عنه الحجاب وعرف السمت والارتفاع والتقاسيم والأرباع، والميل الثانى والأول والأصل الحقيقى وغيره، واستخرج نتائج الدر اليتيم والتعديل والتقويم، وحقق أشكال الوسائط فى المنحرفات والبسائط والمحلولات وحركات التداوير والنطاقات والتشهيل والتقريب والحل والتركيب والسهام والظلال ودقائق الأعمال، وانتهت إليه الرياسة فى الصناعة وأذعنت له أهل المعرفة بالطاعة، وسلم له عطارد وجمشيد الراصد وناظره المشترى، وشهد له الطوسى والأبهرى وتبوأ من تلك الفنون مكانا عليا وزاحم بمنكبه العيوق والثريا.
стр. 2028
وقدم الشيخ حسام الدين الهندى وكان متضلعا من العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية فنزل بمسجد فى مصر القديمة واجتمع عليه بعض الطلبة مثل: الشيخ الوسيمى والشيخ الدمنهورى وتلقوا عنه أشياء فى الهيئة وذهب إليه الوالد فاغتبط به الشيخ وأقبل بكليته عليه، ونقله الوالد إلى داره وأفرد له مكانا وأكرم نزله وطالع عليه الجغمينى وقاضى زاده والتبصرة والتذكرة وهداية الحكمة لأثير الدين الأبهرى وما عليهما/من المواد والشروح مثل السيد والميبدى قراءة بحث وتحقيق وأشكال التأسيس فى الهندسة وتحرير إقليدس والمتوسطات والمبادئ والغايات وعلم الأرتماطيقى وعلم المساحة وغير ذلك، ثم أراد أن يلقنه علم الصنعة الإلهية وكان من الواصلين فيها، فأبت نفسه الاشتغال بسوى العلوم المهذبة للنفس، وكان يحكى عنه أمورا تشعر بأنه كان من الواصلين ولم يزل عنده حتى سافر إلى بلاده، وقدم أيضا الشيخ محمد الفلانى الكشناوى فاجتمع عليه المترجم وتلقى عنه علم الأوفاق وقرأ عليه شرح منظومة الجزئيات للقوصانى، والدر والترياق، والمرجانية فى خصوص المخمس الخالى الوسط، والأصول والضوابط، والوفق المئينى، وعلم التكسير للحرف وغير ذلك.
وسافر الشيخ للحج ورجع فأنزله عنده بزوجته وجواريه وعبيده وكمّل عنده غالب مؤلفاته ولم يزل حتى مات، ولقى المترجم فى حجاته الشيخ النخلى، وعبد الله بن سالم البصرى، وعمر بن أحمد بن عقيل المكى، والشيخ محمد حياة السندى، والسيد محمد السقاف وغيرهم، وتلقى عنهم وأجازوه وهم أيضا تلقوا عنه ولقنه أبو الحسن السندى طريق السادة النقشبندية والأسماء الأدريسية، ثم قال بعد أن ساق صورة إجازة الشيخ عمر بن أحمد بن عقيل للمترجم بما فيها من ذكر سنده المتصل بالنبى ﷺ من عدة طرق.
стр. 2029
وللوالد أشياخ غير هؤلاء كثيرون اجتمع بهم، وتلقى عنهم وشاركهم وشاركوه، مثل على أفندى الداغستانى، والشيخ عبد ربه بن سليمان بن أحمد القشتالى الفاسى، والشيخ عبد اللطيف الشامى، والجمال يوسف الكلارجى، والشيخ رمضان الخوانكى، والشيخ محمد النشيلى والشيخ عمر الحلبى، والشيخ حسين عبد الشكور المكى، والشيخ إبراهيم الزمزمى والأستاذ عبد الخالق بن وفا، وكان خصيصا به وأجازه بالأحزاب.
وهو الذى كناه بأبى التّدانى وألبسه التاج الوفائى والشيخ أحمد الدلجى ابن خال المترجم، والشيخ إبراهيم الحلبى صاحب حاشية الدر، والسيد سعودى محشى منلامسكين وغيرهم من الأكابر أهل الأسرار، حتى كمل فى المعارف ورمقته العيون بالإجلال، وعلا شأنه على الأقران، وأذعنت له الأذراق وشاع ذكره فى الآفاق، ووفدت عليه الطلاب من كل فج، ولزموا الطواف بكعبة فضله، فمنهم من ينفر بعد بلوغ أمنيته ومنهم من يواظب على الاعتكاف بساحته.
وكان ﵀ عذب المورد للطالبين طلق المحيا للواردين، يكرم كل من أمّ حماه، ويبلغ الراجى مناه، والمقتفى جدواه، والراغب أقصى مرماه، مع البشاشة والطلاقة، وسعة الصدر والرياقة، وعدم رؤية المنة على المجتدى، ومسامحة الجاهل والمعتدى مع حسن الأخلاق والصفات:
له صحائف أخلاق مهذبة … منها العلا والحجا والفضل ينتسج
стр. 2030
وكان وقورا محتشما مهيبا فى الأعين، معظما فى النفوس، محبوبا للقلوب، لا يعادى أحدا على الدنيا، فلذا لا تجد من يكرهه ولا من ينقم عليه فى شئ، ومكارم الأخلاق والحلم والصفح والتواضع والقناعة وشرف النفس وكظم الغيظ والانبساط مع الجليل والحقير، كل ذلك سجية له من غير تكلف ولا يعرف التصنع فى الأمور، ولا يرى لنفسه مقاما ولا علما ولا مشيخة على التلاميذ، ولا يرضى التعاظم ولا تقبيل اليد، وله منزلة فى قلوب الأكابر والأمراء والوزراء ويسعون إليه ويذهب إليهم لبعض المقتضيات، ويرسل إليهم فلا يردون شفاعته ولا يتوانون فى حاجته لمعرفته بلسانهم واصطلاحهم ورغبتهم فى مزاياه ومعارفه المختص بها دون غيره، سيما أكابر العثمانية مثل على باشا الحكيم، وراغب باشا وأحمد باشا الكور، كل ذلك مع العفة والعزة وعدم التطلع لشئ من أسباب الدنيا، كوظيفة أو مرتب أو فائظ، وكان له محبة مع عثمان بيك ذى الفقار، وحج فى إمارته على الحج ثلاث مرات من ماله، ولم يصله منه سوى ما كان على سبيل الهدية، وكان منزل سكنه الذى بالصنادقية ضيقا من أسفل وكثير الدّرج، فعالجه إبراهيم كتخدا على أن يشترى أو يبنى له دارا واسعة فلم يقبل، وكذا عبد الرحمن كتخدا، وكان له ثلاثة مساكن أحدها هذا بالقرب من الأزهر، وآخر بالأبزارية بشاطئ النيل، ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه، وفى كل منزل زوجة وسرارى وخدم، فكان ينتقل فيها مع أصحابه وتلامذته، وكان يقتنى المماليك والعبيد والجوارى البيض والحبوش والسود.
وله من الأولاد نيف وأربعون ولدا ذكورا وإناثا كلهم دون البلوغ، ولم يعش له من الأولاد سوى الحقير، وكان يرى الاشتغال بغير العلم من العبثيات وإذا أتاه طالب فرح به وأقبل عليه وأكرمه خصوصا إذا كان غريبا، وربما دعاه للمجاورة عنده وصار من جملة عياله، ومنهم من أقام عشرين عاما لا يتكلف شيئا من أمر معاشه، حتى غسل ثيابه من غير ملل ولا ضجر.
стр. 2031
وأنجب عليه كثير من علماء وقته طبقة بعد طبقة، مثل الشيخ أحمد الراشدى، والشيخ إبراهيم الحلبى، وأبى الإتقان الشيخ مصطفى الخياط، والشيخ أحمد العروسى، ومن الطبقة الأخيرة التى/أدركناها الشيخ أبو الحسن العكفى والشيخ عبد الرحمن البنانى، ومن الملازمين له الشيخ محمد النفراوى، والشيخ محمد الصبان والشيخ محمد عرفة الدسوقى، والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد الجناجى والشيخ مصطفى الرئيس والشيخ محمد الشوبرى والشيخ عبد الرحمن القرشى والشيخ محمد الفرماوى، وكان يباسط أخصاءه منهم ويمازحهم بالأدبيات والنوادر والأشعار والمواليات والمجونيات والحكايات والنكات وينتقلون معه فى مواطن النزهة، فيقطعون الأوقات فى دراسة العلم ومطارحات المسائل والمفاكهة والمباسطة.
وممن تلقى عنه شيخ الشيوخ الشيخ على العدوى، تلقى شرح الزّيلعى على الكنز فى الفقه الحنفى، وكثيرا من المسائل الحكمية، ولما قرأ كتاب المواقف كان يناقشه فى بعض المسائل المحققون من الطلبة، فإذا توقف فى مسألة يقوم من حلقته ويقول لهم: اصبروا حتى أذهب إلى من هو أعرف منى بذلك، فيأتى المترجم فيصوّرها له بأسهل عبارة فيرجع فى الحال إلى درسه ويحققها لهم، وهذا من أعظم الديانة والإنصاف، وقد تكرر منه ذلك، وكان يقول عنه: لم نر ولم نسمع من توّغل فى علم الحكمة والفلسفة وزاد إيمانه إلا هو رحم الله الجميع.
وتلقى عنه من الآفاقيّين وأهل بلاد الروم والشام وداغستان والمغاربة والحجازيين خلق لا يحصون، وأجل الحجازيين الشيخ إبراهيم الزّمزمى، وأما ما اجتمع عنده وما اقتناه من الكتب فى سائر العلوم، فكثير جدا قلما اجتمع ما يقاربها فى الكثرة عند غيره من العلماء وغيرهم، وكان سموحا بإعارتها وتغييرها للطلبة وذلك كان السبب فى إتلاف أكثرها وتخريمها وضياعها، حتى إنه كان أعدّ محلا فى المنزل ووضع فيه نسخا من الكتب التى يتداول علماء
стр. 2032
الأزهر قراءتها للطلبة، مثل الأشمونى، وابن عقيل، والشيخ خالد والأزهرية والشذور، وكذا كتب التوحيد مثل: شروح الجوهرة، وشروح السنوسية الكبرى والصغرى، وكتب المنطق، والاستعارات والمعانى، وكتب الحديث والتفسير والفقه وغير ذلك، فكانوا يغيرون منها من غير استئذان، وقد أرسل إليه السلطان مصطفى نسخا من خزانته، وكذلك أكابر الدولة بالروم ومصر وباشا تونس والجزائر واجتمع لديه من كتب الأعاجم، الكلستانى، وديوان حافظ شاه نامه، وتواريخ العجم، وكليلة ودمنة، ويوسف زليخا وغير ذلك، وبهذه الكتب تصاوير بديعة الصنعة غريبة الشكل، وكذلك الآلات الفلكية من الكرات النحاس التى كان اعتنى بوضعها حسن أفندى الروزنامجى، بيد رضوان أفندى الفلكى، اشترى جميعها من تركة حسن أفندى، وكذلك غيرها من الآلات الارتفاعية والميالات، وحلق الأرصاد، والاصطرلابات والأرباع والعدة الهندسية، وأدوات غالب الصنائع من النجارين والخراطين والحدادين والسمكرية والمجلدين والنقاشين والصاغة وآلات الرسم والتقاسيم، ويجتمع به كل متقن فى صناعته مثل: حسن أفندى الساعاتى، وعابدين أفندى الساعاتى، وعلى أفندى رضوان من أرباب المعارف فى كل فن، ومحمد أفندى الإسكندرانى وإبراهيم السكاكينى، والشيخ محمد الزبدانى.
وكان فريدا فى صناعة التراكيب والتقاطير واستخراج المياه والأدهان وغير هؤلاء ممن رأيت ومن لم أره، وحضر إليه طلاب من الإفرنج وقرؤوا عليه علم الهندسة سنة تسع وخمسين وأهدوا له من صنائعهم وآلاتهم أشياء نفيسة، وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم من حينئذ، وأخرجوه من القوّة إلى الفعل، واستخرجوا به الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء وجر الأثقال واستنباط المياه، وفى أيام اشتغاله بالرسم رسم ما لا يحصى من المنحرفات والمزاول على الرخام والبلاط ونصبها فى أماكن كثيرة مثل: الأزهر والأشرفية وقوصون ومشهد الإمام الشافعى والسادات.
стр. 2033
وفى الآثار منها ثلاثة: واحدة بأعلى القصر، وأخرى على البوابة، وأخرى بسطح الجامع كسرها فراشوا الأمراء الذين كانوا ينزلون هناك للنزهة ليمسحوا بها صوانى الأطعمة الصفر وغير ذلك من منازله وغيرها، حتى أن الخدم تعلموا ذلك فصاروا يقطعون البلاط بالمناشير ويمسحونه بالمماسح الحديد والمبارد ويهندسونه.
وأما ما كان على الرخام فيباشر صناعته وحفره صناع الرخام بالأزمير بعد التعليم على مواضع الرسم ومقادير أبعاد المدارات والظلال وما عليها من الكتابة والتعاريف، ولما تمهر الآخذون عنه ترك الاشتغال بذلك وأحال الطلاب عليهم، فإذا كان الطالب من أبناء العرب تقيد بالشيخ محمد النفراوى، وإن كان من الأعاجم تقيد بمحمود أفندى الفيشى، واشتغل هو بمدارسة الفقه وانكب عليه الناس يستفتونه وتقرر فى أذهانهم تحريه الحق حتى أن القضاة لا يثقون إلا بفتواه، وكان لا يعتنى بالتأليف إلا فى بعض التحقيقات المهمة منها: نزهة العينين فى زكاة المعدنين، ورفع الإشكال بظهور العشر فى العشر فى غالب الأشكال، والأقوال المعربة عن أحوال الأشربة، وكشف اللثام عن وجوه الصنف الأول من ذوى الأرحام، والقول الصائب/فى الحكم على الغائب، وبلوغ الآمال فى كيفية الاستقبال، والجداول البهية برياض الخزرجية فى العروض، وإصلاح الأسفار عن وجوه بعض مخدرات الدر المختار، ومأخذ الضبط فى اعتراض الشرط على الشرط، والنسمات الفيحية على الرسالة الفتحية، وحقائق الدقائق على دقائق الحقائق، وأخصر المختصرات على ربع المقنطرات، والثمرات المجنية من أبواب الفتحية، والمفصحة فيما يتعلق بالأسطحة، والدر الثمين فى علم الموازين، وحاشية على شرح قاضى زاده على الجغمينى لم تكمل، وحاشية على الدر المختار لم تكمل ومناسك الحج وغير ذلك، حواش وتقييدات على العصام والحفيد والمطول والمواقف والهداية فى الحكمة والبرزنجى على قاضى زاده وأمثلة وبراهين هندسية شتى وماله من الرسومات والآلات النافعة المبدعة. ومنها الآلة المربعة لمعرفة الجهات والسمت والانحرافات بأسهل مأخذ وأقرب طريق، والدائرة التاريخية.
стр. 2034
واتفق فى سنة اثنتين وسبعين أنه وقع الخلل فى الموازين والقبانيين وجهل أمر وضعها ورسمها وبعد تحديدها واستخراج رمامينها وظهر فيها الخطأ واختلفت مقادير الموزونات، وترتب على ذلك ضياع الحقوق وفسد على الصناع تقليدهم الذى درجوا عليه، فعند ذلك تحركت همة المترجم لتصحيح ذلك، وأحضر الصناع لذلك من الحدادين والسباكين وحرر المثاقيل والصنج الكبار والصغار والقرسطونات ورسمها بطريق الاستخراج على أصل العلم العملى والوضع الهندسى، وصرف على ذلك أموالا من عنده ابتغاء وجه الله تعالى، ثم أحضر كبار القبّانية والوزانين، وبيّن لهم ما هم عليه من الخطأ وعرفهم طريق الصواب فى ذلك، وأطلعهم على سرّ الوضع ومكنون الصنعة وأحضروا العدد وأصلحوها وأبطلوا ما تقادم وضعه وفسدت مراكزه وقيدوا بصناعة ذلك الأوسطاء مراد الحداد ومحمد بن عثمان، حتى تحررت الموازين وانصلح شأنها وسرت فى الناس العدالة الشرعية واستمر العمل فى ذلك أشهرا، وهذا هو ثمرة العلم ونتيجة المعرفة والحكمة المشار إليها بقوله تعالى ﴿وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١).
ثم قال: بعد أن ذكر جملة من نظمه فى موضوعات شتى وقصائد مما مدحه به الناس وبعض فوائد عنه.
وفى سنة تسع وسبعين توفى ولده أخى لأبى أبو الفلاح علىّ وقد بلغ من العمر اثنتى عشرة سنة فحزن عليه وانقبض خاطره وانحرف مزاجه وتوالت عليه النّوازل وأوجاع المفاصل ونقل العيال من بيت بولاق ولازم بيت الصنادقية وفتر عن الحركة إلا فى النادر، وصار يملى
стр. 2035
الدروس فى المنزل ويراجع المسائل الشرعية مع مراعاة الأصول والقواعد، وتلقى الوافدين ومراعاة الأقارب والأجانب مع لين الجانب، ويخدم بنفسه جلساءه ولا يبخل بالموجود ولا يتكلف المفقود.
ومن أخلاقه أنه كان يجلس بآخر المجلس على أى هيئة كانت بعمامة وبدونها ويلبس أى شئ كان، وينام كيفما اتفق، وكان دائم المراقبة والفكر يتهجد كثيرا حتى يصلى الصبح ويجلس فى مصلاّه إلى طلوع الشمس ويحاذر الرياء ما أمكن، وكان يصوم رجب وشعبان ولا يقول إنى صائم، وربما دعى إلى وليمة فلا يردّ القهوة والشربات ويوهم الشرب، وكان مع بشاشته عظيم الهيبة فى نفوس الناس ذا جلال وكمال وسمعت شيخنا محمود الكردى يقول:
أنا عندما كنت أراه يداخلنى هيبة عظيمة، وكان مربوع القامة ضخم الكراديس أبيض اللون عظيم اللحية منوّر الشيبة واسع العينين غزير شعر الحاجبين وجيه الطلعة، ولم يزل على طريقته الحميدة إلى أن آذنت شمسه بالزوال وغربت من بعد ما طلعت من مشرق الإقبال، وتعلل اثنى عشر يوما بالهيضة الصفراوية، فكان كلما تناول شيئا قذفته معدته عند ما يريد الاضطجاع إلى أن اقتصر على المشروبات، وهو مع ذلك لا يصلى إلا من قيام ولا يغيب عن حواسه، وكان ذكره فى هذه المدة أن يقرأ الصّمدية مرة ثم يصلى على النبى ﷺ بالصيغة السنوسية كذلك، ثم الاسم العشرين من الأسماء الإدريسية وهو: يا رحيم كل صريخ ومكروب وغياثه ومعاذه، هكذا كان دأبه ليلا ونهارا، حتى توفى يوم الثلاثاء قبيل الزوال غرة شهر صفر وجهز فى صبيحة يوم الأربعاء وصلى عليه بالأزهر بمشهد حافل جدا، ودفن عند أسلافه بتربة الصحراء بجوار الشمس البابلى والخطيب الشربينى وله من العمر سبع وسبعون سنة، ورثاه تلميذه العلامة الشيخ محمد الصّبان بقصيدة أنشدت وقت حضور