وملخص ما نقله كترمير عن مؤرخى بطارقة الإسكندرية أن الخليفة مروان لما بلغه وصول الفرنسيس إلى ناحية الفرما وجه جملة من العساكر فى المراكب إلى الجهات البحرية وأمرهم بحرق كل ما يجدونه من السّفن، ووجه مثلهم من البر وأمرهم بحرق المدن والقرى والمزارع والكروم ففعلوا ما أمروا به، حتى أتوا إلى مدينة أتريب فهموا بإحراقها.
وكان بها خمسة مجار للماء غير الخلجان، وكان قد رأى أن تخريب البلاد وقلة المراكب التى يعبرون بها البحر يمنعهم عن دخول أرض مصر، لكنه أخطأ فيما دبره، فإنه بلغه أن أعداءه قد اجتازوا النيل خوضا من أماكن متعددة، ووصلوا إلى أماكن كثيرة فخاف وطلب العساكر، فقاموا من غير أن يحرقوا المدينة.
وذكر هذا المؤلف أيضا أن العرب دخلوا مدينة أتريب وهدموا كنيسة العذراء البتول، وذكر المقريزى فى رسالته على قبائل العرب: أن أتريب من ضمن المدن التى استوطنتها العرب، وطول الباقى من الآثار هذه المدينة ستمائة تؤازة، وعرضها أربعمائة تؤازة، والتؤازة متران.
وكان فيها شارع عظيم يخترقها طولا ومحل منتزه باهر، وكان سكان ما حولها كأهل بنها يحفرون فى تلالها فإذا وجدوا رخاما أو أحجارا أحرقوها وعملوها جيرا، فأتلفوا بذلك أشياء عتيقة كثيرة.
стр. 2102
وفيها آثار حفر مقببة تشبه قبور المسلمين، ولعلها كانت قبور أمواتها، وكان شارعها الأكبر عموديا على خط النيل، وكان فيها شارع أصغر منه يخترقها جنوبا وشمالا، ثم إن فرع النيل المعروف قديما بفرع تانيتقه بقرب هذه المدينة، وهو بحر صان المعروفة قديما بتانيس، ويعرف ذلك البحر اليوم ببحر مويس.
وأتريب الثانية مدينة كانت ببلاد الصعيد، وكانت تسمى فى كتب الأقباط أتريبى أو أتريبة، وهى بإقليم أخميم (١) تجاه دير مارى شنودة المعروف بالدير الأعظم الأبيض الذى بجانب الدير الأحمر.
وفى كتاب لطرون الفرنساوى الذى ألفه فى النقوش الرومية واللاّتينية المرقومة على الجدران المصرية ما ترجمته: إنه كان فى الأقاليم القبلية مدينة بهذا الإسم، وكانت واقعة فى الجنوب الغربى من مدينة بانوبوليس (إخميم).
على الشاطئ الثانى من النيل وكانت فى جنوب دير مارى شنودة على قرب منه وتسميها الأروام فى كتبهم مدينة كروكوديلوبونيس-يعنى مدينة التمساح-وهى مدينة المنشأة.
وفى تحقيقات جامبليون (٢) أن أتريب كانت مقدسة وسمى على اسمها مدينتان بمصر إحداهما سماها الروم كروكوديلويونيس بقرب إخميم وجبلها كان يعرف بجبل أتريبس؛ لأن أتريب كانت تعرف أولا بتريفبس، ثم عرفت بتريبس، ثم عرفت بأتريبس بأتريب والثانية هى التى فى الوجه البحرى انتهى.
стр. 2103
وقد وجد والكنسون الإنكليزى فى سياحته فى خراب هذه المدينة ثم آثار معبد قديم طوله أحد وستون مترا وعرضه ثلاثة وخمسون، وكان على اسم المقدسة أتريفيس أوتريفيس، وقد/، عثر فيه السياح المذكور على كتابة رومية علم من ترجمتها:
إن هذا المعبد ابتدأت عمارته فى زمن آخر البطالسة ولم يتم إلا فى زمن القيصر تبير (١)، وقت أن كان الحاكم على مصر من طرف الرومانيين قايوس جالريوس فى السنة التاسعة من قيصرية تبير المذكور، قال: والذى ذكر اسم هذا الحاكم من ضمن من حكم مصر من الرومانيين هو بلين من بين كافة المؤلفين.
ومن تحقيقات لطرون فى كتابه ظهر أن الذين حكموا مصر فى زمن القيصر تبير ستة خلافا لمن زعم أنهم خمسة أولهم مرقوس أمليوس رقطوس، حكم بعض أشهر من السنة الرابعة عشرة من الميلاد.
والثانى سيجوس استرابون حكم كذلك بعض أشهر من السنة المذكورة.
والثالث واترازيوس بليون حكم سبع سنين.
والرابع قايوس جالريوس حكم سنة واحدة ثم عزل، وتولى بعده واترازيوس بليون ثانيا وأقام تسع سنين فمدته أولا وآخر ست عشرة سنة.
والخامس تبيريوس جليوس سويروس أقام سنة واحدة.
والسادس وهو آخرهم أوايليوس أفلاقوس أقام خمس سنين، فعلى هذا يكون مدة الجميع أربعا وعشرين سنة، وقد حقق كترمير أن مارى شنودة المذكور مات سنة ٣٩٥ من الميلاد، وكان عمره إذ ذاك مائة وثمان عشرة سنة، وكان له شهرة عند
стр. 2104
الأقباط حتى أنهم اعتقدوا نبوّته وجعلوا له مولدا يشهر كل سنة فى السابع من أبيب، وكان تحت رياسته ثلاثة آلاف راهب من النصارى.
وذكر أبو البركات أنه ترك كتبا كثيرة من تآليفه كانت جميعها فى ديورة الصعيد- وقواه المقريزى-وبنيت على اسمه كنائس وديورة بكثرة فى الديار المصرية.
منها: الكنيسة التى كانت له فى الفسطاط المعروفة بكنيسة السّباع وكانت له أخرى فى الجيزة بقرب دير الشمع، وأخرى فى أنصنا، وواحدة فى الأشمونين ودير بقفط، وكنيسة بأرض فاو، وأخرى قريبا من دلجة وغير ذلك انتهى.
والآن لم يبق من أطلال أتريب البحرية إلا القليل ونقلت الأهالى ما يصلح لتسبيخ الأرض من تلولها ومساحة محلها قريبة من ثلاثمائة فدان، وفى نهايتها البحرية من جهة النيل بنى المرحوم عباس باشا فى هذا القرن الثالث عشر قصرا وزرع الأرض التى بينه وبين بحر مويس أشجارا، ثم آلت من بعده بالشراء الشّرعى إلى ورثة المرحوم سعيد باشا ومدرسة بنها فى جزء منها.
وفى الجهة القبلية من أطلالها محطة السكة الحديد المتفرع عنها خط الزقازيق والسويس والمنصورة والخط الطوالى بين مصر والإسكندرية، وهى من أعظم المحطات ويجتمع فيها كثير من الرّكاب والبضائع وكانت قبل جلوس الخديو إسماعيل على التخت عبارة عن مبان قليلة مجردة عن التنظيم.
стр. 2105
أتليدم
قرية بالصعيد من مديرية أسيوط بقسم ملوى على الشط الغربى للترعة الإبراهيمية وفى جنوب ناحية سفاى بنحو ألفى متر، وفى غربى ناحية ساقية موسى بأقل من ذلك، بناؤها باللبن وفيها ثلاثة مساجد ومعملا دجاج وأربعة أضرحة ذات قباب لبعض الصالحين، وبها سواق وبساتين ذات فواكه ونخيل كثير، وسوقها كل يوم ثلاثاء يجتمع فيه من البرّين ويباع فيه المواشى وخلافها، وفيها أقباط بكثرة، ولهم فيها كنيسة وجبانة مسلميها فى شرقى النيل عند الشيخ تمى، ويزرع فيها صنف الملوخية بكثرة وفى رسالة البيان والإعراب للمقريزى إنها من منازل الأشراف التى كانوا قد نزلوا بها كغيرها من بلاد الأشمونين.
أثر النبى
هذه القرية من مديرية الجيزة على الشاطئ الشرقى للنيل ملاصقة لدير الطين من جهة الشمال بجوار مصر القديمة، بها حجر فيه هيئة أثر قدم يزعم الناس أنه أثر قدم النبى ﷺ .
стр. 2106
وهو فى داخل جامع بناه الملك الظاهر مدة ولايته وبنى به قبة على ذلك الأثر، وهو مشهور يزار إلى الآن وهذه القبة مزينة بالقيشانى، وبها شبابيك مصنوعة بالجبس والزجاج الملون، وأرضها مفروشة بالرخام وبها قبلة صغيرة يكتنفها عمودان من الرخام، ووجه محل القدم من الرخام المنقوش بعمودين صغيرين من الرخام، وبأعلاه لوح رخام فيه كتابة تركية وسقف الجامع على أربعة أعمدة وقبلته من الحجر، وله منارة قصيرة وميضأة وخلا، وتملأ من البحر ويتبعه سبيل متخرب به لوح رخام منقوش فيه بالقلم التركى تاريخ سنة سبع وسبعين وألف، وله مرتب بالروزنامجة ألفا قرش. كل سنة تقام منها شعائره بنظر الشيخ على محسن.
وفى نزهة الناظرين أن إبراهيم باشا الوزير المتولى على مصر سنة إحدى وسبعين وألف، جددّ هذا الجامع ووسعه، وبنى تحته رصيفا لدفع ماء النيل عن بنائه، ورتب له مائة عثمانى وأرصد له طينا، وعين به قراء ووظائف وحراسا قاطنين به، وشرط النظر لمن يلى أغاوية الينكجربة بمصر المحروسة انتهى.
وفى تاريخ الجبرتى من حوادث سنة أربع وعشرين ومائتين وألف هـ، أن فى شهر رجب تقيد الخواجة محمود حسن بزرجان باشا بعمارة المسجد الذى يعرف بالآثار النبوية، فعمره على وضعه القديم، وقد كان آل إلى الخراب انتهى.
وأطيانها قليلة/ويزرع فيها الذرة والقمح والشعير وقليل من القرطم، وفيها مضيفة وثلاث أرحية تديرها الدواب، وبجوارها من بحرى موردة عند جميز العبيد، ترسو فيها المراكب الواردة من جهة قبلى، وبها قصر ديوان أفندى بداخله جنينة وهو الآن فى ملك سعد أبى رابية.
стр. 2107
وفى الجبرتى أن العزيز محمد على بنى بها قصرا فى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف هـ، وسببه أنه بات بها ليلتين فى قصر كان بها قديم فأعجبه هواؤها فأمر ببناء القصر وفرشه وزخرفه، وجعل يتردد إليه ويبيت به فى بعض الأحيان كما كان يفعل ذلك فى قصر الجيزة وشبرى والقلعة والأزبكية وغيرها، والظاهر أنه هو هذا القصر المنسوب إلى ديوان أفندى، وبجوارها من بحرى على شاطئ البحر مدابغ كان محلها ورشة رخام، وفى مقابلتها من الجهة الشرقية دير يعرف بدير الملاك، فيه مدرسة لتعليم أطفال النصارى، وبه نخيل وأشجار وبئر تعتقد النساء أن من وقفت عن الحمل واغتسلت فيها فإنها تحمل، واكتساب أهاليها من صناعة نحت الأحجار.
أجا
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود غربى ترعة المنصورية على بعد ثلاثمائة متر، وفى الجنوب الغربى لناحية نوسا الغيط بنحو خمسة آلاف متر، وفى الجنوب الشرقى لمنية سمنود بنحو ثلاثة آلاف وثلاثمائة متر، وبها أربعة جوامع أحدها بمنارة وأضرحة لجماعة يعرفون بأولاد عنان، وبها أنوال لنسج الصوف والقطن الخام وبدائرها أشجار، وزمامها نحو ألف وخمسمائة فدان، وتكسب أهلها من زراعة القطن وباقى الحبوب
стр. 2108
أجهور
بضم الهمزة وسكون الجيم وضم الهاء وسكون الواو آخره راء قريتان بمصر إحداهما: أجهور الفرعة من مديرية القليوبية بقسم قليوب فى الشمال الغربى لناحية البرادعة بنحو أربعة آلاف وثلاثمائة متر، وفى جنوب أجهور الورد بنحو ثلاثة آلاف متر، وبها مسجد وتكسب أهلها من الفلاحة وغيرها.
والثانية أجهور الورد من مديرية القليوبية أيضا، كانت رأس قسم واقعة على ترعة قرانفيل التى فمها من ترعة الباسوسية بقرب قرية زفيئة، ومصبها فى مصرف أبى الأخضر غربى شبين القناطر، وأغلب بنائها بالطوب الأحمر والمونة، وبها حدائق كثيرة يزرع فيها الورد البلدى ويستخرج ماؤه.
وبها جامع كبير بمئذنة وسوقها سوق ناحية قرنفيل وأغلب زراعتها ككثير من بلاد القليوبية على السّواقى المعينة بسبب علوّ أرضها، وتزرع الساقية من الزرع الصيفى ستة أفدنة إذا كان فيها ثلاث من البقر، وهى من القرى الإسلامية ذات القدر والشرف بظهور الأفاضل منها قديما وحديثا وأجلهم سيدى على الأجهورى المالكى الذى ترجمه صاحب خلاصة الأثر فقال:
стр. 2109
ترجمة سيدى على الأجهورى المالكى
هو علىّ بن زين العابدين بن محمد بن أبى محمد زين الدين عبد الرحمن بن على أبو الإرشاد نور الدين الأجهورى شيخ المالكية فى عصره بالقاهرة، وإمام الأئمة وعلم الإرشاد وعلامة العصر وبركة الزمان.
كان محدثا فقيها رحلة كبير الشأن وقد جمع الله تعالى له بين العلم والعمل، وطار صيته فى الخانقين، وعم نفعه وعظمت بركته، وقد جد فبرع فى الفنون فقها وعربية وأصلين وبلاغة ومنطقا ودرس وأفتى وصنف وألف، وعمر كثيرا ورحل الناس إليه من الآفاق للأخذ عنه فألحق الأحفاد بالأجداد، وأخذ عن مشايخ كثيرين، سرد منهم الشهاب العجمى فى مشيخته نحو ثلاثين رجلا، وأعلاهم قدرا الشمس محمد الرملى، والبدر حسن الكرخى، والسراج عمر بن ألجاى، والحافظ نور الدين على بن أبى بكر القرافى الشافعى، وإمام المالكية فى عصره الشيخ محمد بن سلامة البنوفرى، وقاضى المالكية البدر بن يحيى القرافى، وأملى الكثير من الحديث والتفسير والفقه وأخذ عنه الشمس البابلى، والنور الشبراملسى، والشهاب العجمى، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة.
стр. 2110
وألف التآليف الكثيرة، منها شروحه الثلاثة على مختصر خليل فى فقه المالكية، كبير اثنا عشر مجلدا لم يخرج عن المسودة، ووسط فى خمسة، وصغير فى مجلدين، وحاشية على شرح التتائى للرسالة، وشرح عقيدة الرسالة، وشرح ألفية السيرة للزين العراقى، ومجلد لطيف فى المعراج، ومجلد فى شرح الأحاديث التى اختصرها ابن أبى جمرة من البخارى، وشرح ألفية ابن مالك لم يخرج من المسّودة، وشرح التهذيب للتفتازانى فى المنطق، وحاشية على شرح النخبة للحافظ ابن حجر، ومنسك صغير وجزء فى مسألة الدخان، وكتابة على الشمائل لم تخرج من المسودة، وعقيدة منظومة وشرحها شرحا نفسيا، وشرح على رسالة ابن أبى زيد القيروانى فى الفقه فى مجلدين وغير ذلك.
ورزق فى كتبه الحظ والقبول وأصيب آخرا فى بصره بسبب غريب: وهو أن بعض الطلبة ممن أراد الله به شرا كان يحضر مجلسه، وكان فى ظاهر حاله صالحا فاتفق أن تزوج ووقع بينه وبين زوجته مشاجرة فطلقها ثلاثا، ثم أدركه تعب فاستفتى الأجهورى، فأفتاه بأنها لا تحل له إلا بعد زوج آخر، فتوعده بأنه يقتله إن لم يردّها له فلم يكترث بكلامه، فنزل يوما حتى جلس للتدريس على عادته/فجاء وتحت صوفه سيف فاستله وضرب الشيخ على رأسه، فقام عليه أهل الحلقة، ومن حضرهم من أهل الجامع فتناولوه يمينا وشمالا بالنعال والحصر، حتى حالوا بينه وبينه وقد شجه فى رأسه، وما زالوا به حتى قتلوه دوّسا بالأرجل وضربا بالأيدى والنعال والعصى، ورفع الأجهورى إلى داره فأثرت تلك الشّجة فى بصره.
وفوائده وآثاره كثيرة معجبة منها ما نقلته عن معراجه التتمة الرابعة، ورد أن الحور العين يتغنين بما يقوله شعراء الإسلام، كما ذكره بعضهم فقال: أخرج الديلمى عن ابن مسعود مرفوعا أن الشعراء الذين يموتون فى الإسلام بأمرهم الله تعالى أن يقولوا ما تتغنى به
стр. 2111
الحور العين لأزواجهن فى الجنة، والذين ماتوا فى الشرك يدعون بالويل والثبور وقد نظم ذلك بعضهم فقال:
الدّيلمى عن ابن مسعود روى … فى آية الشعرا حديثا مسندا
من مات فى الإسلام منهم فى غد … بالشّعر يأمره الآله فينشدا
ونشيده من كل حوراء إلى … زوج لها يلقى على طول المدى
والمشركون دعاؤهم فى نارهم … ويل ثبور كل وقت سرمدا
ومن فوائده المأثورة عنه: أن من قرأ عند النوم قوله تعالى ﴿وَ إِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١) أمن من الاحتلام تلك الليلة.
ومن قرأ فى آخر جمعة من رجب والخطيب على المنبر (أحمد رسول الله محمد رسول الله خمسا وثلاثين مرة لا تنقطع الدراهم من يده تلك السنة)، وأفاد لقضاء الحوائج أن تقول وأنت متوجه إلى حاجتك عشر مرات: اللهم أنت لها، ولكل حاجة فاقضها، بفضل بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ (٢).
стр. 2112
ولبكاء الأطفال يكتب فى ورقة ويعلق على رأس الصغير «بسم الله الرحمن الرحيم «قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء-سليمان-وتنزع الملك ممن تشاء-بلقيس- وتعز من تشاء-إدريس-وتذل من تشاء-إبليس-، عيسى ولد ليلة السبت ولا ريح ينفح، ولا كلب ينبح، أرقد أيها الطفل حتى تصبح، أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».
ومن فوائده (جيم جماجم طهطيل جبال راسيات سندية هندية قدسية)، من قرأها إذا أوى إلى فراشة ثلاث مرات لم تقربه وفراشه حية ولا عقرب.
ومن نظمه لفوائد جليلة الموقع هذه الأبيات فى تقديم بعض الفاكهة على الطعام وتأخيرها عنه ومعية بعضها:
قدّم على الطعام توتا خوخا … ومشمشا والتين والبطيخا
وبعده الآجاص كمثرى عنب … كذاك تفاح ومثله الرطب
ومعه الخيار والجميز … قثا ورمّان كذاك الموز
وبالجملة فإنه جم الفائدة، منشور العائدة، وكانت ولادته فى سنة سبع وستين وتسعمائة هـ بمصر، وتوفى بها ليلة الأحد مستهل جمادى الأولى سنة ست وستين وألف هـ، وصلى عليه صبيحتها بالجامع الأزهر ودفن بتربة سلفه بجوار المشهد المعروف بإخوة سيدنا يوسف ﵇.
стр. 2113
وكان أخبره بعض الأولياء أنه يعيش مائة سنة فلما مرض وعرف أنه مرض الموت، وكان قد بلغ تسعا وتسعين سنة تعجب وقال: كلام الأولياء لا يتخلف.
قال الشيخ أحمد البشبيشى فلعله اشتبه عليه مولده انتهى. أو يقال: ما قارب الشئ يعطى حكمه انتهى.
ترجمة الشيخ عطية الأجهورى
ومن علمائها الشيخ عطية الأجهورى الذى ترجمه الجبرتى بقوله: هو الإمام الفقيه العالم العلامة الشيخ عطية الأجهورى الشّافعى البرهانى الضرير، قدم مصر وحضر دروس الشيخ العشماوى، والشيخ مصطفى العزيزى وغيرهما، وتفقه وأتقن علم الأصول، وسمع الحديث ومهر فى الآلات، وأنجب ودرس وألف.
فمن مؤلفاته حاشية على الجلالين، وكتاب فى أسباب النزول، وهو مؤلف حسن فى بابه جامع لما تشتت من أبوابه، وحاشية على شرح الزرقانى على البيقونية فى مصطلح الحديث وغير ذلك.
اعترف بفضله علماء عصره، ولما بنى المرحوم عبد الرحمن كتخدا الجامع المعروف الآن بالشيخ مطهر، الذى كان أصله مدرسة للحنفية، بنى للمترجم بيتا بدهليز الجامع سكن فيه بعياله، ولم يزل على ذلك حتى توفى آخر رمضان سنة تسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
стр. 2114
ترجمة الشيخ أحمد الأجهورى
ومنها أيضا علماء أفاضل بالأزهر من أجلهم العلامة الأوحد الشيخ أحمد بن أحمد الأجهورى الضرير، ولد ببلده سنة سبع وثلاثين من القرن الثالث عشر وحفظ، القرآن، ثم جاور بالأزهر حتى حصّل وتصدّر للتدريس، فدرس كبار/الكتب كالسّعد، وجمع الجوامع، والجلالين.
وله بعض تآليف منها كتابه على السمرقندية، وكتابه على السنوسية، وكتابه على الجوهرة، وكان له فى الرزنامجة كل شهر مائتان وخمسة وثلاثون قرشا، توفى رحمه الله تعالى فى شهر صفر سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف.
إخميم
بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الميم الأولى بعدها ياء تحتية وآخره ميم:
بلد كبير من الصعيد الأوسط من أعلاه، وهى من أسيوط على نحو مرحلتين.
وإخميم فى البرّ الشرقى وبها البربا المشهورة، وهى من أعظم آثار الأوائل لكبر صخورها المنحوتة وكثرة التصاوير التى عليها، وذو النون المصرى كان من أخميم انتهى من كتاب تقويم البلدان.
стр. 2115
وفى كتب الفرنساوية أنها مدينة مشهورة بالأقاليم القبلية بناها مناقيوس أحد ملوك القبط انتهى وهو بانى مدينة سنترية- (سيوة) -كما قاله المقريزى فى خططه.
وقال أيضا هو والشريف المرتضى: إن إخميم بن مصر ايم خصه من والده قسم من أقسام الجهات القبلية، كان رأسه مدينة إخميم، فجعلها محل إقامته فسميت باسمه انتهى.
وهى من أقصى الأقليم الثانى حيث يكون طول النهار الأطول ثلاث عشرة ساعة ونصفا، ويرتفع القطب الشمالى فيه قدر أربعة وعشرين جزءا وعشر جزء، كانت تعرف قديما باسم شمين أو شومسين وكان يقال لها أيضا: كمين باللغة القبطية، وكان الرومان واليونان يسمونها بانوبوليس أوبانوس، يعنى مدينة المقدّس بان، وهو اسم من أسماء الشمس على ما ذهب إليه استرابون من أن أوزريس كان يسمى سيرابيس، أو ديوسبوس أوبان، ومن المعلوم أن سيرابيس هو أوزريس أو الشمس السفلى يعنى فى المنقلب الشتوى، وقال بولوترك: إن أوزريس وإزيس هما سيرابيس وباكوس عند اليونان يعنى: أن أوزريس هو: سيرابيس، وإزيس هو: باكوس، فكل اسمين منها مسماهما واحد.
وقد قرأ الشهير لطرون كتابة رومية وجدت على أحجار بخرب هذه المدينة فيها: أن المقدس بان هو شميس أو شميم المصرى، الذى تسمت باسمه مدينة إخميم بعد التحريف، وهى التى سماها الروم بانوبوليس من اسم المقدس بان، وفى تحقيقات جام بليون، أن بان صورة من صور آمون الذى يعتبره المصريون أنه المجدد للأشياء على
стр. 2116
الدوام، وأن معبد هذه المدينة ابتدئ بناؤه فى زمن بطليموس فيلوميطور، وأن تبيركلود القيّم على معبد المقدس الأكبريان وعلى معبد المقدسة تريفيس، بنى باب معبد يان (١) من ماله رجاء لحفظ القيصر تراجان، وكان العامل على مصر يومئذ سوسيوس سلبيوس، فابتدأ أولا بناءه من مال الحكومة، ثم تممه من ماله فى السنة الثانية عشرة من قيصرية تراجان انتهى.
وقد مر فى الكلام على أتريب أن تريفيس هى أتريب سميت بها مدينتان مصريتان وكانت يعنى إخميم مدينة عظيمة على الشاطئ الشرقى من النيل، وفيها بربا: أى هيكل شهير ينبغى أن يعد من جملة المبانى الفاخرة الباقية بمصر من أيام الجاهلية لعظم الأحجار المبنى بها وكثرة التصاوير التى على حيطانه.
وذكر هيرودوط أن جميع أهالى الديار المصرية كانوا ينفرون من العوائد اليونانية ما عدا أهل هذه المدينة، وكان بقربها مدينة أخرى تسمى نيابوليس- (المدينة الجديدة) -التى كان بها معبد بيرسى بن دناى، وهو معبد مربع الشكل يحيط النخيل بجميع جهاته وله دهليز متسع مبنى بالحجر، وفى أعلاه تمثالان جسيمان، وفى داخله تمثال بيرسى.
وكان من اعتقادات أهلها أن بيرسى المذكور كثيرا ما يظهر فى البلد والمعبد، وفى بعض الأحيان يجدون إحدى نعليه وطولها قدمان، وقيل ذراعان، وكان ظهورها علامة على كمال الخصوبة والرخاء فى الديار المصرية جميعها، ويعملون له فى كل سنة مولدا يلعبون فيه الجنباز من ألعاب اليونان، ويتناظرون فى ذلك ويجعلون الرهان بينهم حيوانات وعباءات وجلود.
стр. 2117
قال: وقد سألتهم عن سبب ظهور بيرسى لهم دون باقى أهالى مصر، وعن سبب تخصيصهم هذه الألعاب بعيده دون غيره، فأجابوا بأن بيرسى أصله من مدينتهم هذه، وأنه هو وديانوس ولنسيه الذين سافروا إلى بلاد اليونان. كان مولدهم بمدينة شوميس- (إخميم) -وأن ديانوس من ذريته.
وعلى ما حكاه اليونان أنه لما حضر بيرسى إلى ليبيا من مصر، لأجل أن يقتل الوحش الذى يسمى جرجون، ويستولى على بلاد ليبيا بموعد منهم، تعرف بجميع أهله وأقاربه، وكأنه كان يعلم اسم مدينتهم من والدته، وأنه هو الذى أمرهم بهذه الألعاب فى عيده.
ومن هنا يظهر أنه فى الأزمان الخالية كان بين اليونان والمصريين علائق، وأن أصل اليونان من المصريين وعوائدهم مأخوذة عنهم، وقد تكلم بعض مفسرى هيرودوط على هذا الوحش، فقال: نقلا عن إسكندر صاحب كتاب الحيوانات.
إن فى بلاد ليبيا حيوانا يسميه سكان البادية جرجون نتن النفس إلى الغاية، بل نفسه سمىّ يقتل من بعد.
وبعضهم يزعم أن نظره هو الذى يفعل ذلك قال: واتفق أنه فى حرب جقورطا، ظنّ بعض عساكر/مريوس رئيس جيش الرومانيين، أن هذا الحيوان نعجة وحشية، وهموا بقتله بالسيوف، فلما شعر بهم رفع شعره المغطى عينيه ونظر إليهم فماتوا جميعا، وحصل لغيرهم من العسكر مثل ذلك، فلما وقفوا على أمره بأخبار أهل البلاد، احتالوا على قتله برميه بالنبل من بعد.
стр. 2118
ثم قال هذا المفسر: وهذا الكلام كله خرافات وليس هناك حيوان بهذه الصفة انتهى.
وذكر المؤرخون جماعة من مشاهير القرون الخالية الذين لهم الآثار والعلوم المنشورة فى بلاد اليونان وغيرها، منهم ديانوس ولنسيه ونحوهما. فقالوا: إن انّاكوس أسس مدينة أرجوس قبل الميلاد بألف وثمانمائة وخمسين سنة، وأن سكروب قاد إلى بلاد الأنتيك جماعة من المصريين قبل الميلاد بألف وخمسمائة وست وخمسين سنة، وأن كادموس بنى مدينة طيبة التى فى بلاد اليونان قبل الميلاد بألف وأربعمائة وثلاث وتسعين سنة، على نسق مدينة طيبة المصرية.
وقال بعضهم: إنه من الكنعانيين، وهو الذى أدخل فى أرض اليونان ديانة المصريين وعلومهم، وعلمهم الحروف الهجائية.
وفى قاموس الفرنج أن كادموس هو ابن ملك الفنيسى، فارق أباه واستقر ببلاد اليونان سنة ألف وخمسمائة وثمانين قبل المسيح، وهو الذى أسس قلعة كدمى، التى صارت فيما بعد قلعة لمدينة طيبة اليونانية، وإليه ينسب إدخال الكتابة بلاد اليونان انتهى.
وذكر المؤرخون أيضا أن ديانوس أول من أتى بسفينة على ساحل أرض اليونان قبل الميلاد بألف وأربعمائة وخمس وثمانين سنة، وكان معه بناته الخمسون، وأن لنسيه عصى أخاه سيزوستريس حال غيبته فى الحرب، وبعد عوده منه خاف وفر إلى بلاد البلوبونيز من جزائر اليونان، واستولى على مملكة أرجو ويؤخذ من كلام هيرودوط: أن
стр. 2119
أول من أدخل علوم المصريين بلاد اليونان جماعة يونانيون، ساحوا فى الديار المصرية واقتبسوا من معارفها ونشروها بين أهل وطنهم، وهم أورفيه، وموزيه، وديدال، وهوميروس، وليقرغ من أهل إسبارته، وسولون الأثينى، وأفلاطون الفيلسوف، وفيثاغورس من جزيرة ساموس، وأودوكس، وديموكريت، وتيودور وفيريسيد، وطاليس، وإنجزاجور.
قال: وكانت مصر منبع العلوم والفنون واليونان على غاية من التبربر والتوحش، فتعلم أودوكس فى مدينة منفيس على الكاهن كنوفيس، وأخذ سيلون عن العالم سنكيس فى مدينة صا، وأخذ فيثاغورس عن إينوفيس بمدينة عين شمس، وكان أميروس (١) شاعرا مشهورا، جمع فى شعره من كان فى حرب تروادة من الأمراء والملوك، وكان مولده بعد أخذ تروادة بمائة وثمان وستين سنة، وهذا يفيد أنه كان قبل المسيح بثمانمائة وأربع وثمانين سنة، وبعضهم جعل ذلك قبل المسيح بتسعمائة وثمان وستين سنة، وجعلها برفير قبله بتسعمائة وسبع سنين.
وحقق بعض مفسرى هيرودوط: أن ولادته كانت قبل المسيح بتسعمائة وسبع وأربعين سنة، وعاش ثلاثا وستين سنة، وساح فى جهات كثيرة بعد أن أقام سنتين يدرس فى بلده بمدرسة الآداب، وكان القصد من سياحته أن يجمع ما جمعه فى كتابه من الأخبار، وقد جعلها قصائد مفرقة وبقيت كذلك مدة ثم جمعها العالم ليقرغ فى سياحته بعد موته بعشرين سنة، لما لها من الشهرة والانتشار بين الناس، مع اشتمالها على الحكم والأحكام والفوائد النفيسة.
وفى قاموس الجغرافية الفرنجى أن أم أميروس (٢) من أزمير، وأنه عمى فى آخر عمره وافتقر حتى أدّاه ذلك إلى السؤال، وأشهر أشعاره قصيدتان: إحداهما تسمى عندهم
стр. 2120
بالإلياذة والأخرى بالأدسا، وشهرتهما لاشتمالهما على كثير من أمور الديانة القديمة وأسماء الأمم الماضية وأحوالهم، وقد اعتنى بشرحهما كثير من المتقدمين والمتأخرين انتهى.
وقال هيرودوط أيضا: إن اليونانيين لتبربرهم وولوعهم بالأوهام والاعتقادات الباطلة واستيلاء الجهل عليهم، لم يكتسبوا من مصر غير تحسين أوهامهم وإخراجها مخرج الاعتقادات الصحيحة انتهى.
ولنرجع إلى ما نحن فيه فنقول: يعلم من أقوال المؤرخين والسّياحين أن هذه المدينة كانت من أعظم المدن، وكان بها طائفة من العساكر المعروفين: باسم هيرموتيب على قول هيرودوط أن سيزوستريس جعلها بهاء وأهلها يفوقون غيرهم فى الصنائع، لا سيما فى نسج أقمشة الكتان وعمل التماثيل من أحجار متنوعة كما قاله استرابون.
وذكر هيرودوط: أن نساءها كنّ يقضين جميع ما يلزم للمنازل من الخارج، وأما رجالها فكانوا مشتغلين دائما بنسج الأقمشة داخل المنازل انتهى.
وقد بقيت مشهورة معمورة إلى دخول الإسلام، وقد عدّ الإدريسى برابى إخميم من مشهور برابى الديار المصرية، ويظهر أن أبا الفداء شاهد البرابى المذكورة حيث وصفها بأنها من أحسن ما يرى.
وفى خطط المقريزى أن بربا تلك المدينة كانت مبنية بحجر المرمر، وطول كل حجر منها خمسة أذرع فى سمك ذراعين، وهى سبعة دهاليز سقوفها حجارة، طول الحجر منها ثمانية عشر ذراعا فى عرض خمسة أذرع مدهونة/باللازورد وغيره من الأصباغ التى يحسبها الناظر كأنما فرغ الدهان منها الآن لجدّتها، وكان كل دهليز منها على اسم كوكب
стр. 2121
من الكواكب السبعة السيارة، وجدران هذه الدهاليز منقوشة بصور مختلفة الهيئات والمقادير، وفيها رموز علوم القبط من الكيميا والسيميا والطلسمات والطب والنجوم والهندسة وغير ذلك.
وذكر ابن جبير فى رحلته: أن مدينة إخميم من مدن الصعيد الشهيرة قديمة الاختطاط، فيها مسجد ذى النون المصرى، ومسجد داود المشتهر بالخير والزهادة، ومسجدان موسومان بالبركة.
وبها آثار ومصانع من بنيان القبط، وكنائس معمورة بالمعاهدين من نصارى القبط، ومن أعجب الهياكل المتحدث بغرائبها فى الدنيا هيكل عظيم فى شرقى المدينة وتحت سورها، طوله مائتان وعشرون ذراعا، وسعته مائة وسبعون ذراعا، وهو قائم على أربعين سارية سوى الحيطان، دائرة كل سارية خمسون شبرا، وبين كل ساريتين ثلاثون شبرا ورؤوسها فى نهاية العظم كلها منقوشة من أسفلها إلى أعلاها، وبين رأس كل سارية والأخرى لوح عظيم من الحجر المنحوت، منها ما ذرعه ستة وخمسون شبرا طولا فى عرض عشرة أشبار، وارتفاع ثمانية أشبار وسطحها من ألواح الحجارة، كأنها فرش واحد فيه التصاوير البديعة والأصبغة الغريبة كهيئة الطيور والآدميين وغير ذلك فى داخلها وخارجها، وعرض حائط البربى ثمانية عشر شبرا من حجارة مرصوصة، كذا قاسها ابن جبير فى سنة ٥٧٨ هـ.
وقال أيضا: إن سقف هذا الهيكل كله من أنواع الحجارة المنتظمة يخيل للناظر أنها سقف من الخشب المنقوش، والتصاوير على أنواع فى كل بلاطة من بلاطاته، فمنها ما قد جللته طيور بصور رائقة باسطة أجنحتها توهم الناظر إليها أنها تهم بالطيران، ومنها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل، قد أعدت لكل صورة منها هيئة هى عليها. كإمساك تمثال بيدها أو سلاح أو طائر أو كأس، أو إشارة شخص إلى آخر بيده، أو غير ذلك مما يطول الوصف له ولا تأتى العبارة لاستيفائه.
стр. 2122
وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير، كلها مختلفات الأشكال والصفة، منها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر إليها رعبا ويمتلئ منها عبرة وتعجبا وما فيها مغرزاشفى، ولا إبرة إلا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند لا يفهم، قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا النقش البديع، ويتأتى فى صم الحجارة من ذلك ما لا يتأتى فى الرخو من الخشب، فيحسب الناظر استعظاما له أن عمر الزمان لو شغل بترقيشه وترصيعه وتزيينه لضاق عنه، فسبحان الموجد للعجائب لا إله سواه.
وعلى أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بأنواع الحجارة العظيمة وهو فى نهاية الارتفاع يحار الوهم فيها، ويضل العقل فى الفكرة فى تطليعها ووضعها، وداخل هذا الهيكل من المجالس والزوايا والمداخل والمخارج والمصاعد والمعارج والمسارب والموالج، ما تضل فيه الجماعات من الناس، ولا يهتدى بعضهم لبعض إلا بالنداء العالى، وعرض حائطه ثمانية عشر شبرا من حجارة مرصوصة على الصفة التى ذكرنا.
وبالجملة فشأن هذا الهيكل عظيم ومرآه أحد عجائب الدنيا التى لا يبلغها الوصف ولا ينتهى إليها الحد، وإنما وقع الإجماع على ذكر نبذة من وصفه دلالة عليه، والله المحيط بالعلم فيه والخبير بالمعنى الذى وضع له انتهى.
ونقل المقريزى عن بعض الحكماء أنه قال: أخبرنى غير واحد من بلاد إخميم من صعيد مصر عن أبى الفيض ذى النون بن إبراهيم المصرى الإخميمى الزاهد، وكان حكيما وكانت له طريقة يأتيها ونحلة يعضدها، وكان ممن يقر على أخبار هذه البرابى، وامتحن كثيرا مما صوّر فيها ورسم عليها من الكتابة والصور.
стр. 2123
قال: رأيت فى بعض البرابى كتابا تدبرته فإذا هو: احذر العبيد المعتقين، والأحداث والجند المتعبدين، والنبط المستعربين، ورأيت فى بعضها كتابا تدبرته فإذا فيه: يقدّر المقدّر والقضاء يضحك وفى آخره كتابة فيها.
تدبر بالنجوم ولست تدرى … وربّ النّجم يفعل ما يريد
وما زالت هذه البربى قائمة إلى سنة ٨٨٠ هـ حتى خربها رجل من أهل إخميم يعرف بالخطيب كمال الدين بن بكر الخطيب علم الدين.
وذكر أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم القيسى فى كتاب تحفة الألباب: أن هذه البربى مربعة من حجارة منحوتة ولها أربعة أبواب يفضى كل باب إلى بيت له أربعة أبواب كلها مظلمة، ويصعد منها إلى بيوت كالغرف على قدرها، وكانت الأنطاع تجلب من إخميم وبها تعمل.
ويقال: إنه كان بها اثنا عشر ألف عريف على السحرة، وكان بها شجر البنج وقال ابن الكندى: إخميم بلد عظيم وفيه من العجائب والآثار والبرابى والطلسمات ما لا يعرف، وبه الأهليلج الكابلى والأصفر وشجر المسيح الذى ليس فى بلد، وكان بها فى الدهر الأول اثنا عشر ألف عريف على السحرة ويعمل بها/طراز الصوف الشفّاف، والمطارف، والمطرز والمعلم الأبيض، والملوك تحمل منه إلى أقصى البلاد وإلى سائر الآفاق يبلغ الثوب منه عشرين والمطرف مثله انتهى.
стр. 2124
(قلت): وينسج بها اليوم الملاآت القطن، وربما وضعوا فى جانبها الحرير بعرض عشرة أصابع أو أقل أو أكثر وفيها صنائع كثيرة إلى الآن.
وقال المقريزى فى رسالته البيان والإعراب: أن بإخميم جماعة من بنى قرة فصيلة من بنى هلال بن عامر بن صعصعة ينتهى نسبهم إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد النبى ﷺ .
وقال أبو الفداء أيضا: أن هذه المدينة كانت من المدن الكبيرة ومع ذلك فقد ضاع كثير من آثارها القديمة وبيوتها مبنية من الطوب النّئ ما عدا الزوايا فإنها من الآجر.
وفيها جوامع عديدة متسعة متقنة البناء لها منارات عالية وحاراتها متسعة بخلاف باقى المدن، ومعاملها القديمة التى كان يصنع فيها أقمشة الكتان استبدلت بمعامل يصنع فيها أقمشة من القطن انتهى.
وكان بها كثير ممن ينحت الحجارة قاله استرابون، وكان بها فى زمن دخول الفرنساوية جملة من النصارى الأقباط عددهم قريب من ألفى نفس، وكان أغلب أهلها مسلمين، وكانت عظيمة الحصون وبأرضها كثير من النخيل ويتحصل منها قدر كبير من الغلال.
وكان فيها كنيستان عظيمتان إحداهما كنيسة سوتير، أى المخلص من العذاب.
والثانية كنيسة مارى ميخائيل وكان من عوائد أهلها النصارى فى أحد الشعانين وقت إشهار الصلوات الموسمية أنهم يخرجون من الكنيستين مع القسّيسين والقمامصة فى هيئة محفل حاملين المباخر والعطر الذكى والصّلبان وكتب الأناجيل والشموع العظيمة موقدة، ويقفون أمام باب القاضى برهة من الزمن يتلون صحفا من الإنجيل، ويغنون ببعض شطرات منظومة
стр. 2125
تتضمن مدحه، ثم يقفون على باب كل واحد من أمراء الإسلام وأعيانهم ويفعلون كما فعلوا أمام بيت القاضى، وكان بين نهر النيل والمدينة ترعة لرى الأراضى ولمنع سقوط رمل الجبل على أراضى المزارع.
وكانت عادتهم فى ذلك أن يجعلوا أفواه الترع مرتفعة لأجل أن تجلب الطمى إلى الأراضى المحرومة منه بسبب شدة سرعة جرى مائها فتزيد بذلك تلك الأرض خصوبة، وكان على البعد من إخميم بمسيرة نصف مرحلة دير حسن البناء يسمى دير السّبعة جبال وسط سبعة أودية تحدق به من جميع جهاته جبال شامخة، ولذا لم تكن الشمس تشرق عليه إلا بعد شروقها الحقيقى بساعتين، وتغرب عنه قبل غروبها الحقيقى بساعتين أيضا فعند ذلك يصير الجوغسقا لا يكاد يبصر فيه إلا بنور المصباح.
وكان خارج ذلك الدير عين ماء تظلها شجرة صفصاف وهو فى محل يسمى وادى الملوك لنباتة تنبت فيه اسمها ملوكة تشبه نبات السلجم عصيرتها حمراء تضرب إلى سواد تدخل فى الصبغ، وكان خلف دير الصفصافة على البعد منه بمسيرة ثلاث ساعات، دير آخر يعرف بدير قرقاس منحوت فى رأس الجبل يصعد إليه بواسطة نقور فى الجلمود تسع بعض الرجل، وكان فى سفح هذا الدير المعلق عين ماء عذب، وشئ من أشجار البان وهو شجر يذكر كثيرا فى أشعار العرب وتشبيباتهم.
وعن بعض أهل المعرفة الذين اطلعوا على هذا الشجر، أنه يظن به أنه نوع من شجر اللّبخ وقد يسمى شجر الصولى.
стр. 2126
واختلف الناس فى شجر البان فمنهم من قال: هو الصفصاف، ومنهم من قال هو شجر الخلاف، ومنهم من قال هو الأهليلج المسمى عند الإفرنج ميروبلانيا الذى يستخرج من ثمره دهن البان، ومنهم من قال هو الزيزلخت انتهى.
وكان فى الجهة الشرقية من إخميم أيضا دير صبورة نسبة إلى قبيلة من العربان نزلت هناك ولم يكن إذ ذاك عامرا وفى الجبل مغارات كثيرة، بعضها مقابر أموات المدينة وأغلبها كان مسكونا برهبان النصارى زمن القيصر ديوكلتيان (١) فرارا من ظلمه وعدوانه، وقد نفى إلى هذه المدينة بطرك قسطنطين واسمه نسطورس، فأقام بها سبع سنين ومات فدفن بها.
وسبب ذلك على ما ذكره المقريزى فى خططه عند الكلام على ديانة القبط أنه امتنع أن يقول عيسى هو ابن مريم وقال: إنما ولدت مريم إنسانا اتحد بمشيئة الإله-يعنى عيسى- فصار الاتحاد بالمشيئة خاصة لا بالذات، وإن إطلاق الإله على عيسى ليس هو بالحقيقة بل بالموهبة والكرامة.
وقال: إن المسيح حل فيه الابن الأزلى وأنى أعبده؛ لأن الآله حل فيه وأنه جوهران وأقنومان ومشيئة واحدة.
وقال فى خطبته يوم الميلاد: إن مريم ولدت إنسانا وأنا لا أعتقد فى ابن شهرين وثلاثة الإلهية، ولا أسجد له سجودى للآله، وكان هذا هو اعتقاد تادروس وديوادارس الأسقفين.
стр. 2127
وكان من قولهما: إن المولود من مريم هو المسيح والمولود من الأب هو الابن الأزلى وأنه حل فى المسيح فسمى ابن الله بالموهبة والكرامة، وأن الاتحاد بالمشيئة والإرادة وأثبتوا لله تعالى ولدين أحدهما بالجوهر والآخر بالنعمة.
فلما بلغ كرلس بطرك الإسكندرية مقالة نسطورس كتب إليه يرجعه عنها فلم يرجع، فكتب إلى أكليمس بطرك رومة وإلى يوحنا بطرك أنطاكية وإلى يوناليوس أسقف القدس يعرفهم/بذلك فكتبوا بأجمعهم إلى نسطورس ليرجع عن مقالته فلم يرجع فتواعد البطاركة على الاجتماع بمدينة أفسنس، فاجتمع بها مائتا أسقف فكان هذا الاجتماع الثالث ولم يحضر يوحنا بطرك أنطاكية وامتنع نسطورس من المجئ إليهم بعد ما كرروا الإرسال فى طلبه غير مرة فنظروا فى مقالته وحرموه ونفوه، ثم قال:
وكان بين المجمع الثانى وبين هذا المجمع خمسون، وقيل خمس وخمسون سنة، ولما مات نسطورس ظهرت مقالته فقبلها برسوما أسقف نصيبين، ودان بها نصارى أرض فارس والعراق والموصل والجزيرة إلى الفرات وعرفوا إلى اليوم بالنسطورية انتهى.
ومدينة إخميم الآن على غاية من العمارية والاتساع تقرب عدة أهلها من أهالى مدينة أسيوط، ومحيطها أوسع من محيط أسيوط، وبها صبطية ومحكمة شرعية ويسكنها الأقباط بكثرة وأكثرهم محترفون.
منهم: التاجر والصائغ والصباغ وغير ذلك، وبها جملة أنوال معدة لنسج أصناف الملاءات من القطن والحرير، وبها عدة قيساريات وخانات جامعة لأنواع المتاجر وحمام وحاراتها وشوارعها متسعة مع الاعتدال، وفيها معاصر بكثرة لزيت السلجم، وعسلها مشهور بصفاء اللون وصدق الحلاوة ولها سوق كل أسبوع يوم الأربعاء، وبها رقعة معدّة لبيع أصناف الغلال كل يوم.
стр. 2128
ترجمة الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر
وبها نقيب أشراف يقال إنه: من ذرية سيدى كمال الدين بن عبد الظاهر صاحب المقام الشهير بهذه المدينة، وفى طبقات الشعرانى أنه صحب أبا الحجاج الأقصرى ﵁ حين كان بقوص، وكان قد تجرد فى بدايته ثم رجع إلى الثياب والزراعات وغيرها، ثم صحب الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبرى المدفون بباب النصر من المحروسة، ثم أقام بإخميم وبها مات وهو على حالة شريفة متظاهرا بالنعم والغنى عن الناس ﵁ أه.
وله مولد يعمل كل سنة فى أوائل زيادة النيل يجتمع فيه عالم بكثرة ويستمر ثمانية أيام، وله جامع عامر قد هدمه وبناه نقيب الأشراف السيد عبد الرحيم بإعانة الحكومة له، وذلك فى أول حكم الخديوى إسماعيل باشا فكان من أعظم جوامع مدن الصعيد.
وبها جوامع أخر كلها فى غاية المتانة والاتساع لها شبه تام بجوامع القاهرة مبلطة الأرضية كثيرة السوارى بمآذن مرتفعة وشعائرها مقامة، وبها أيضا مقام شهير بمسجد عظيم لسيدى أبى القاسم، وهو غير أبى القاسم الطنطاوى يهرع إليه الزوار سيما المرضى، وله زيارة كل خميس من شهر أبيب، وبها حدائق كثيرة جدا تشتمل على غالب الثمار والفواكه، سيما العنب والرمان الحامض حتى إن ذلك يعم تلك الجهات ويصل إلى أسيوط وجرجا وغيرهما.
وزمام أطيانها نحو أربعة آلاف فدان وأهلها ما بين محترف وتاجر وزارع، وفيها علماء وأشراف يقال إنهم من ذرية سيدى كمال الدين المذكور، فهى عامرة جاهلية وإسلاما.
стр. 2129
ترجمة العارف بالله سيدى ذى النون المصرى
وفى تاريخ ابن خلكان فى حرف الثاء أن أبا الفيض ثوبان بن إبراهيم وقيل الفيض بن إبراهيم المصرى المعروف بذى النون الصالح المشهور، أحد رجال الطريقة كان من هذه المدينة.
قال: وكان أوحد وقته علما وورعا وحالا وأدبا، وهو معدود فى جملة من روى الموطأ عن الإمام مالك ﵁.
وذكر ابن يونس عنه فى تاريخه: أنه كان حكيما فصيحا وكان أبوه نوبيا وقيل: من أهل إخميم مولى لقريش، وسئل عن سبب توبته، فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى فمت فى الطريق فى بعض الصحارى ففتحت عينى، فإذا أنا بقنبرة عمياء سفطت من وكرها على الأرض، فانشقت الأرض فخرج منها سكرجتان، إحداهما ذهب والأخرى فضة، وفى إحداهما سمسم وفى الأخرى ماء فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا فقلت:
حسبى قد تبت ولزمت الباب إلى أن قبلنى.
وكان قد سعوا به إلى المتوكل فاستحضره من مصر فلما دخل عليه وعظه فبكى المتوكل ورده مكرما، وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكى ويقول: إذا ذكر أهل الورع فحيهلا بذى النون، وكان رجلا نحيفا تعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية وشيخه فى الطريقة شقران العابد.
стр. 2130
ومن كلامه: إذا صحت المناجاة بالقلوب استراحت الجوارح، وقال إسحق بن إبراهيم السّرخسى بمكة سمعت ذا النون وفى يده الغل وفى رجليه القيد وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول: هذا من مواهب الله تعالى ومن عطاياه وكل فعاله عذب حسن طيب ثم أنشد:
لك من قلبى المكان المصون … كل لوم علىّ فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلا … فيك والصّبر عنك ما لا يكون
وبالجملة فمحاسنه كثيرة، وكراماته شهيرة توفى فى ذى القعدة سنة خمس وأربعين، وقيل ست وأربعين، وقيل ثمان وأربعين ومائتين ﵁ بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى وعلى قبره مشهد مبنى، وفى المشهد أيضا قبور جماعة من/الصالحين ﵃ أجمعين.
وثوبان بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون انتهى.
وحكى السخاوى فى تحفة الأحباب: أن محمد بن إسماعيل المعروف بصاحب الدار بنى دارا حسنة وأتقن بناءها، فلما فرغ منها جلس على بابها فدخل عليه ذو النون، فقال له: أيها المغرور اللاّهى عن دار البقاء والسرور، كيف لا تعمر دارا فى دار الأمان، دار لا يضيق فيها المكان، ولا ينتزع منها السكان، ولا يزعجها حوادث الزمان، ولا تحتاج إلى بناء وطيّان.
ويجتمع لهذه الدار حدود أربع، الحد الأول ينتهى إلى منازل الرّاجين، والحد الثانى ينتهى إلى منازل الخائفين المحزونين، والحد الثالث ينتهى إلى منازل المحبين، والحد الرابع ينتهى إلى منازل الصابرين.
стр. 2131
وشرع إلى هذه الدار الشّارع إلى خيام مضروبة، وقباب منصوبة، على شاطئ أنهار الجنة فى ميادين قد أشرفت، وغرف قد رفعت فيها سرر قد نصبت، عليها فرش قد تصدّرت، فيها أنهار وكثبان مسك وزعفران، قد عانقوا خيرات حسان. وترجمة كتابها:
هذا ما اشترى العبد المحزون من الرب الغفور، اشترى منه هذه الدار، بالتنقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة فما على المشترى فيما اشترى من درك سوى نقض العهود، والغفلة عن المعبود، وشهد على ذلك التبيان، وما نطق به محكم القرآن، قال الملك الديان: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١) فلما سمع هذا الكلام أثر ذلك فى قلبه وباع هذه الدار وتصدق بثمنها على الفقراء والمحتاجين طلبا للدار التى وصفها له ذو النون.
ومن كلام سيدى ذى النون ﵁: إنما دخل الفساد على الناس من ستة أمور:
الأول: من ضعف النية لعمل الآخرة.
والثانى: أن أبدانهم صارت رهينة لشهواتهم.
والثالث: غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل.
والرابع: آثروا إرضاء المخلوقين على رضاء الخالق.
والخامس: اتباعهم هواهم، ونبذهم سنة نبيهم وراء ظهورهم.
والسادس: جعلوا زلات السّلف حجة لأنفسهم ودفنوا أكثر مناقبهم.
стр. 2132
وسئل يوما لم أحبّ الناس الدنيا فقال: لأن الله تعالى جعل الدنيا خزانة أرزاقهم فمدّوا أعناقهم إليها، وكانت وفاته رحمه الله تعالى بالجيزة فى غربى النيل وحمل فى قارب مخافة أن ينقطع الجسر لكثرة ازدحام الناس انتهى.
وفى كتاب الروضة فى حوادث سنة خمس وأربعين ومائتين: أن أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم المصرى، توفى فى هذه السنة ودفن بالقرافة الكبرى، وكان أسمر اللون شديد السمرة، وأصله من برية مدينة إخميم، وله كرامات خارقة والدعاء عند قبره مجاب.
стр. 2133
مطلب السبعة الذين يجاب الدعاء عند قبورهم
وقبره من القبور السبعة التى بالقرافة تزورها الناس يوم السبت قبل طلوع الشمس لقضاء الحوائج وهى: قبر ذى النون المصرى، وقبر أبى الخير الأقطع، وقبر أبى الربيع المالقى، وقبر القاضى بكار بن قتيبة، وقبر القاضى كنانة، وقبر أبى بكر المزنى، وقبر أبى الحسن الدينورى ﵃ انتهى.
وفى الجهة البحرية لإخميم طريق يصعد منه إلى الجبل الشرقى، وبذلك الجبل طريق موصل إلى بحيرة من المالح لها مينا صغيرة ترسو فيها قوارب من البحر، وفى تلك الطريق مياه كافية للمسافر.
ويقابل إخميم فى الشاطئ الغربى للنيل مدينة سوهاج التى هى محل إقامة مديرية جرجا الآن، فهما مدينتان متقابلتان على النيل واقعتان بين جرجا وأسيوط على مرحلة من جرجا وعلى قريب من مرحلتين من أسيوط، وبقرب إخميم أيضا من الجهة القبلية على الشاطئ الغربى مدينة المنشأة، وبلدة كبيرة تشبه البندر تسمى بنى صبورة.
(فائدة): قد ترجم فى قاموس الجغرافية الفرنجى بعض من ذكرناهم هنا ولا بأس بإيراد ملخص من ذلك تبعا له فنقول: أما أورفيه فهو شاعر مشهور من بلاد يونان كان قبل حرب ترواده بنحو قرن وساح فى مصر واكتسب من علومها، ويقال: إن زوجته لدغت فى
стр. 2134
مصر بثعبان فى كعبها فماتت فحزن عليها حزنا شديدا، ومن الخراف ما قيل إنه طلبها من بلوتون- (خازن النار) -فأذن له فى أخذها بشرط أن لا ينظر إليها إلا بعد مفارقة جهنم، فلم يستطع الصبر عنها ونظر إليها فغابت عنه ولم يرها، فرجع إلى بلده وعاش فى الغابات منعزلا يبث الأشعار المحزنة، ومن حسن صوته، اجتمعت عليه الوحوش، وحركت الأشجار أغصانها، ووقفت الأنهر عن جريها، واجتهدت النساء فى تسليته وتلطيف حزنه فلم يفارقه حزنه، فحنقن منه وقطعنه ورمينه فى النهر.
والمتأخرون من اليونان يقولون: إنه من كهنة الديانة وإنه كشف للمريدين أمورا كثيرة مما يتعلق بالخلق والخالق، وهو الذى أدخل فن الشعر فى بلادهم، وكذا علم الفلك، وزاد فى عود الموسيقى ثلاثة أوتار وله آثار غير ذلك.
وأما ديدال فهو رجل خرافى من أثينة اشتهر بعمل التماثيل، وإليه ينسب اختراع المنشار والبلطة وآلة توازن البناء وصوارى المراكب وقلوعها
وأما ليكرغ فهو مشرع مقدونى أبوه ملك إسبارتة وكان أخوه البكرى ملكا ومات فى شبيبته وترك زوجته/حاملا فعرضت عليه قتل ابنها-بقصد أن يكون هو الملك-وتتزوجه، فأبى واختار أن يكون وصيا على ابن أخيه، فقام بوصايته حتى بلغ الولد رشده، فسافر هو لاكتساب العلوم وشرائع الأمم فدخل أجريد ومصر وآسية، ثم رجع إلى بلاده وبالاتحاد مع الملك-وهو ابن أخيه-الذى كان كافلا له، نظم قوانين وشريعة جرى العمل بها وأبقت له الذكر والفخر مدة مديدة، وذلك قبل الميلاد بثمانمائة وأربع وثمانين سنة.
وقد اجتهد فى قوانينه فى التسوية بين أفراد الأمة فى أسباب الغنى والفقر، فقسّم الأرض على العائلات بالتساوى، ومنع الزيادة والنقص بأىّ وجه، وأبطل معاملة الذهب
стр. 2135
والفضة وعوضها بالحديد، وألزم أهل كل بلد أن يجتمعوا على الأكل بحيث يأكلون جميعا فى سماط واحد، وفى حال اجتماعهم لا بد أن يلاحظوا تربية الأطفال وتأديبهم، وجعل تمرينات جسمية بالجرى والألعاب لتقوية الأطفال ونحوهم وتدريبهم ومنع الاشتغال بالحرف والصنائع إلا للعبيد ونحوهم، ورتب للحكومة ملكين وجعل لهما رئاسة السيناتو وعليهما أداء الرسوم الديانية ورئاسة الجيوش وتدوين القوانين ونشرها، وجعل المجلس يتركب من ثمانية وعشرين عضوا تنتخبهم الأهالى من ذوى الرأى والمعرفة، ومن خصائصهم التكلم فى كل ما يتعلق بالحرب والصلح والمعاهدات، وجعل مجلسا آخر من الأهالى لانتخاب الحكام وتوزيع الفرض والأموال وقبول القوانين الصادرة من مجلس السيناتو أو نبذها وقد اشتغل بشرح قوانينه كثير من علماء الإفرنج، ونتيجة القول فى تلك القوانين أنها وإن كانت أورثت أهل إسبارتة القوّة والشجاعة وحب الوطن واحترام الشيوخ، فقد عطلت أسباب التمدن والثروة ويقال إنه لحرصه على حب العمل بقوانينه عقد جمعية من الناس وحلفهم على أن لا يرجعوا عن قوانينه بعد موته أو غيابه وأن لا يبطلوا منها شيئا ثم إنه حبس نفسه فى مكان حتى مات جوعا.
стр. 2136
ترجمة سولون
وأما سولون فهو مشرع أثينة المشهور وهو معدود من حكماء اليونان السبعة، ولد قبل المسيح بستمائة وأربعين سنة فى مدينة سلامين، وأبوه كردوس هو أحد ملوك أثينة، اشتغل سولون أولا بالتجارة وسكن أثينة وصار من أعضاء مجالسها، وكان الأثينيون بسبب وقعات كثيرة جرت بينهم وبين سكان جزيرة سلامين بلا فائدة، قد أصدروا قرارا حكموا فيه بقتل كل من يتسبب فى تجديد محاربة تلك الجزيرة، فخرج سولون بصفة مجنون لا عقل له ووقف فى الميدان وجعل ينشد أشعارا فيها التحريض على القتال، والحث على الشجاعة، فنشأ عن ذلك إبطال القرار وجعل رئيس الجيش وحارب الجزيرة واستولى عليها.
وفى سنة خمسمائة وثلاث وتسعين خصصته المجالس لعمل قوانين لوطنه، فنظم قوانين عدلية زال بها ما كان حاصلا من الشقاق والفتن، وجعل الناس بالنسبة للاقتدار وعدمه أربع فرق وشكل منهم مجلسا، وجعل رئيسة نفس السلطان ونظم السيناتو، ثم فارق أثينة بعد أن حلفهم على عدم ترك قوانينه فساح فى آسية الصغرى وجزيرة قبرص وبلاد مصر، ثم رجع إلى وطنه بعد عشر سنين، فوجد قوانينه تنوسيت والفتن قد ثارت، ولم يتمكن من رد الأمور إلى أصلها، ففارق وطنه وأقام بقبرص ومات بها سنة خمسمائة وتسع وخمسين، وكان شاعرا فصيحا وخطيبا بارعا وكانت عادته ولازمته فى كل شئ أن يقول: (اقرأ العواقب).
стр. 2137
ترجمة أفلاطون
وأفلاطون فيلسوف يونانى مشهور ولد قبل المسيح بأربعمائة وسبع وعشرين أو ثلاثين سنة وينتسب من جهة أبيه إلى كردوس، ومن جهة أمه إلى سولون وكان اسمه أولا أرستوقليس ثم سمى أفلاطون بسبب عرض أكتافه، لأن هذه الكلمة مأخوذة من كلمة بلاتيس التى معناها العرض، وقد قرأ فى صغره علوما شتى، كالهندسة والشعر والأدبيات، ثم اشتغل بالفلسفة.
ولما بلغ من العمر عشرين سنة تتلمذ لسقراط عشر سنين، وقبل المسيح بأربعمائة سنة مات سقراط فساح فى إيطاليا واجتمع بالفيثاغورسيين- (تلامذة فيثاغورس) -ثم ارتحل إلى القيروان وإفريقية ومصر، وأخذ عن المصريين، ثم سافر إلى بلاد اليونان وساح فى جزيرة صقلية وهناك وقعت منه أمور أوجبت حنق حاكمها دنيس الظالم منه فباعه كالرقيق، فاشتراه فيلسوف قيروانى وأعتقه فحضر إلى أثينة واتخذها وطنا وفتح بها مدرسته المشهورة وذلك فى سنة ثلاثمائة وثمان وثمانين، فطار صيته وتتلمذ له كثير من الناس الأكابر والأصاغر رجالا ونساء من جميع بلاد اليونان، ولغزارة علمه طلبت منه جميع الولاة عمل قوانين يعملون بها فعملها لهم، ولم يتزوج قط وترك كتبا كثيرة اقتبس منها المؤلفون.
وأما فيثاغورس فقد تقدمت ترجمته فى الكلام على أنبو.
стр. 2138
ترجمة ديموكريت
وأما ديموكريت فهو أيضا فيلسوف يونانى ولد قبل الميلاد بأربعمائة وتسعين سنة على قول، أو سبعين على آخر، وتلقى الفنون عن كهنة الفرس الذين بقوا بجزيرة اليونان بعد إغارة كسرى إكسرسيس/وساح فى بلاد مصر وبلاد آسيا، وصرف جميع أمواله فى السياحة والتجاريب فخطئوه فى ذلك.
وفى بعض الأيام قرأ فى مجلس رسالة من تآليفه يتكلم فيها على تكوين العالم، فحصل للحاضرين انشراح وسروا بذلك وأنعموا عليه بخمسين طالانا.
ويقال: إن عدم انتظام أحوال معيشته أدى إلى التكلم فيه بالجنون حتى طلبوا لعلاجه أبقراط الحكيم، فلما سمع أبقراط كلامه قال: إنه لم يكن أعظم منى جنونا وعاش مائة سنة وتسعة، وكان لا يزال ضاحكا من غفلة الخلق.
وضده فى ذلك هيرقليط فكان دائما باكيا من غفلة الخلق، وهو صاحب مذهب فى الفلسفة وله مؤلفات.
стр. 2139
ترجمة تيودور وفيريسيد وطاليس وإنجزاجور وأبقراط وابن جبير
وكذا تيودور فيلسوف يونانى كان قبل المسيح بثلاثمائة وخمس وعشرين سنة، وأصله من القيروان وتكلم فى الألوهية بما لا يليق فطردوه فسكن أثينة وشاع منه إنكار الآلهة فحكموا بقتله.
وكذا فيريسيد فيلسوف يونانى ولد قبل المسيح بستمائة سنة وهو من شيوخ فيثاغورس وعمر كثيرا، ويقول: بأبدية الروح وكان له معرفة بعلم الطبيعة والفلك.
وأما طاليس فأصله من قيسيا من بلاد الشام، ولد قبل المسيح بستمائة وأربعين سنة، وساح فى جزيرة جريد وبلاد آسيا ومصر، واشتغل بالهندسة والفلك، وذهب إلى اليونان وأقام بمدينة ملية سنة خمسمائة وسبع وثمانين، وأسّس بها مدرسة عرفت بالمدرسة اليونانية.
ومات سنة خمسمائة وأربعين وعمره مائة سنة، وهو معدود من الحكماء السبعة، وكانت لازمته (اعرف نفسك بنفسك) وإليه ينسب توسعة فن الهندسة، وتعيين ارتفاع الهرم بظله، واستكشاف بعض خواص المثلث الكروى، وإثبات مساواة الزاويتين المتجاورتين على القاعدة فى المثلث المتساوى الساقين.
وهو أول من تكلم على الكسوفات وبرهن عليها، وحسب واحدا منها وقع فى سنة ستمائة وواحدة قبل الميلاد على قول، أو سنة خمسمائة وخمس وثمانين على قول آخر.
стр. 2140
ويقول إن أصل الأشياء ومادتها هو الماء أو الميعان، والقوة المحركة للأشياء هو العقل، فهو حينئذ يقول بالآله، وكان يقول: إن الألوهية سارية فى جميع الأشياء ومن تلامذته فيروسيد وغيره.
وأما أنجزاجور (أنكساغورث) فهو فيلسوف أيضا من المدرسة اليونانية، ولد قبل الميلاد بخمسمائة سنة، وساح فى مصر وعاد منها، فأقام بأثينة سنة أربعمائة وخمس وسبعين، وأنشأ بها مدرسة مشهورة.
ويقال: إن سقراط من تلامذته، وقد تكلم فى بطلان اعتقاد أهل وقته، فحكموا عليه بالقتل، فخلصه تلميذه بركليس، وغير حكم القتل بالنفى، فنفى إلى أن مات سنة أربعمائة وثمان وعشرين وعمره اثنتان وسبعون سنة.
وكان يقول: إن العناصر وجدت فى أول الأمر مختلفة كثيرة بعدد أجناس العالم المختلفة وكانت مختلطة فى العماء الأصلى، فيلزم حينئذ وجود قوة روحانية تامة التصرف، هى التى فصلت العناصر المتفقة من العناصر المختلفة.
فهو أول من ذهب إلى وجود عقل أبدى، فقد اعترف بأفكاره الفيلسوفية بوجود إله مخالف لهذا العالم خارج عنه ومدبر له واشتغل بالفلك والطبيعة وعلم أسباب الخسوف انتهى.
وأما أبقراط فقد ترجمه صاحب كتاب أسماء الحكماء وتراجمهم «المنتخب من كتاب معالم الأمم» وملخصه أن أبقراط ويقال له بقراط: هو ابن إيرقلس، إمام مشهور وسيد الطبيعيين فى عصره، وكان قبل الإسكندر بنحو مائة سنة، ويقال إنه من أهل إسقلبيادس كان مسكنه بمدينة حمص، وكان يتوجه إلى دمشق ويقيم فى غياضها للرياضة، وكان فاضلا متألها ناسكا يعالج المرضى مجانا، وكان فى زمن أردشير من ملوك الفرس ودعاه إلى معالجته من مرض عرض له فأبى عليه.