ترجمة سولون
وأما سولون فهو مشرع أثينة المشهور وهو معدود من حكماء اليونان السبعة، ولد قبل المسيح بستمائة وأربعين سنة فى مدينة سلامين، وأبوه كردوس هو أحد ملوك أثينة، اشتغل سولون أولا بالتجارة وسكن أثينة وصار من أعضاء مجالسها، وكان الأثينيون بسبب وقعات كثيرة جرت بينهم وبين سكان جزيرة سلامين بلا فائدة، قد أصدروا قرارا حكموا فيه بقتل كل من يتسبب فى تجديد محاربة تلك الجزيرة، فخرج سولون بصفة مجنون لا عقل له ووقف فى الميدان وجعل ينشد أشعارا فيها التحريض على القتال، والحث على الشجاعة، فنشأ عن ذلك إبطال القرار وجعل رئيس الجيش وحارب الجزيرة واستولى عليها.
وفى سنة خمسمائة وثلاث وتسعين خصصته المجالس لعمل قوانين لوطنه، فنظم قوانين عدلية زال بها ما كان حاصلا من الشقاق والفتن، وجعل الناس بالنسبة للاقتدار وعدمه أربع فرق وشكل منهم مجلسا، وجعل رئيسة نفس السلطان ونظم السيناتو، ثم فارق أثينة بعد أن حلفهم على عدم ترك قوانينه فساح فى آسية الصغرى وجزيرة قبرص وبلاد مصر، ثم رجع إلى وطنه بعد عشر سنين، فوجد قوانينه تنوسيت والفتن قد ثارت، ولم يتمكن من رد الأمور إلى أصلها، ففارق وطنه وأقام بقبرص ومات بها سنة خمسمائة وتسع وخمسين، وكان شاعرا فصيحا وخطيبا بارعا وكانت عادته ولازمته فى كل شئ أن يقول: (اقرأ العواقب).
стр. 2137
ترجمة أفلاطون
وأفلاطون فيلسوف يونانى مشهور ولد قبل المسيح بأربعمائة وسبع وعشرين أو ثلاثين سنة وينتسب من جهة أبيه إلى كردوس، ومن جهة أمه إلى سولون وكان اسمه أولا أرستوقليس ثم سمى أفلاطون بسبب عرض أكتافه، لأن هذه الكلمة مأخوذة من كلمة بلاتيس التى معناها العرض، وقد قرأ فى صغره علوما شتى، كالهندسة والشعر والأدبيات، ثم اشتغل بالفلسفة.
ولما بلغ من العمر عشرين سنة تتلمذ لسقراط عشر سنين، وقبل المسيح بأربعمائة سنة مات سقراط فساح فى إيطاليا واجتمع بالفيثاغورسيين- (تلامذة فيثاغورس) -ثم ارتحل إلى القيروان وإفريقية ومصر، وأخذ عن المصريين، ثم سافر إلى بلاد اليونان وساح فى جزيرة صقلية وهناك وقعت منه أمور أوجبت حنق حاكمها دنيس الظالم منه فباعه كالرقيق، فاشتراه فيلسوف قيروانى وأعتقه فحضر إلى أثينة واتخذها وطنا وفتح بها مدرسته المشهورة وذلك فى سنة ثلاثمائة وثمان وثمانين، فطار صيته وتتلمذ له كثير من الناس الأكابر والأصاغر رجالا ونساء من جميع بلاد اليونان، ولغزارة علمه طلبت منه جميع الولاة عمل قوانين يعملون بها فعملها لهم، ولم يتزوج قط وترك كتبا كثيرة اقتبس منها المؤلفون.
وأما فيثاغورس فقد تقدمت ترجمته فى الكلام على أنبو.
стр. 2138
ترجمة ديموكريت
وأما ديموكريت فهو أيضا فيلسوف يونانى ولد قبل الميلاد بأربعمائة وتسعين سنة على قول، أو سبعين على آخر، وتلقى الفنون عن كهنة الفرس الذين بقوا بجزيرة اليونان بعد إغارة كسرى إكسرسيس/وساح فى بلاد مصر وبلاد آسيا، وصرف جميع أمواله فى السياحة والتجاريب فخطئوه فى ذلك.
وفى بعض الأيام قرأ فى مجلس رسالة من تآليفه يتكلم فيها على تكوين العالم، فحصل للحاضرين انشراح وسروا بذلك وأنعموا عليه بخمسين طالانا.
ويقال: إن عدم انتظام أحوال معيشته أدى إلى التكلم فيه بالجنون حتى طلبوا لعلاجه أبقراط الحكيم، فلما سمع أبقراط كلامه قال: إنه لم يكن أعظم منى جنونا وعاش مائة سنة وتسعة، وكان لا يزال ضاحكا من غفلة الخلق.
وضده فى ذلك هيرقليط فكان دائما باكيا من غفلة الخلق، وهو صاحب مذهب فى الفلسفة وله مؤلفات.
стр. 2139
ترجمة تيودور وفيريسيد وطاليس وإنجزاجور وأبقراط وابن جبير
وكذا تيودور فيلسوف يونانى كان قبل المسيح بثلاثمائة وخمس وعشرين سنة، وأصله من القيروان وتكلم فى الألوهية بما لا يليق فطردوه فسكن أثينة وشاع منه إنكار الآلهة فحكموا بقتله.
وكذا فيريسيد فيلسوف يونانى ولد قبل المسيح بستمائة سنة وهو من شيوخ فيثاغورس وعمر كثيرا، ويقول: بأبدية الروح وكان له معرفة بعلم الطبيعة والفلك.
وأما طاليس فأصله من قيسيا من بلاد الشام، ولد قبل المسيح بستمائة وأربعين سنة، وساح فى جزيرة جريد وبلاد آسيا ومصر، واشتغل بالهندسة والفلك، وذهب إلى اليونان وأقام بمدينة ملية سنة خمسمائة وسبع وثمانين، وأسّس بها مدرسة عرفت بالمدرسة اليونانية.
ومات سنة خمسمائة وأربعين وعمره مائة سنة، وهو معدود من الحكماء السبعة، وكانت لازمته (اعرف نفسك بنفسك) وإليه ينسب توسعة فن الهندسة، وتعيين ارتفاع الهرم بظله، واستكشاف بعض خواص المثلث الكروى، وإثبات مساواة الزاويتين المتجاورتين على القاعدة فى المثلث المتساوى الساقين.
وهو أول من تكلم على الكسوفات وبرهن عليها، وحسب واحدا منها وقع فى سنة ستمائة وواحدة قبل الميلاد على قول، أو سنة خمسمائة وخمس وثمانين على قول آخر.
стр. 2140
ويقول إن أصل الأشياء ومادتها هو الماء أو الميعان، والقوة المحركة للأشياء هو العقل، فهو حينئذ يقول بالآله، وكان يقول: إن الألوهية سارية فى جميع الأشياء ومن تلامذته فيروسيد وغيره.
وأما أنجزاجور (أنكساغورث) فهو فيلسوف أيضا من المدرسة اليونانية، ولد قبل الميلاد بخمسمائة سنة، وساح فى مصر وعاد منها، فأقام بأثينة سنة أربعمائة وخمس وسبعين، وأنشأ بها مدرسة مشهورة.
ويقال: إن سقراط من تلامذته، وقد تكلم فى بطلان اعتقاد أهل وقته، فحكموا عليه بالقتل، فخلصه تلميذه بركليس، وغير حكم القتل بالنفى، فنفى إلى أن مات سنة أربعمائة وثمان وعشرين وعمره اثنتان وسبعون سنة.
وكان يقول: إن العناصر وجدت فى أول الأمر مختلفة كثيرة بعدد أجناس العالم المختلفة وكانت مختلطة فى العماء الأصلى، فيلزم حينئذ وجود قوة روحانية تامة التصرف، هى التى فصلت العناصر المتفقة من العناصر المختلفة.
فهو أول من ذهب إلى وجود عقل أبدى، فقد اعترف بأفكاره الفيلسوفية بوجود إله مخالف لهذا العالم خارج عنه ومدبر له واشتغل بالفلك والطبيعة وعلم أسباب الخسوف انتهى.
وأما أبقراط فقد ترجمه صاحب كتاب أسماء الحكماء وتراجمهم «المنتخب من كتاب معالم الأمم» وملخصه أن أبقراط ويقال له بقراط: هو ابن إيرقلس، إمام مشهور وسيد الطبيعيين فى عصره، وكان قبل الإسكندر بنحو مائة سنة، ويقال إنه من أهل إسقلبيادس كان مسكنه بمدينة حمص، وكان يتوجه إلى دمشق ويقيم فى غياضها للرياضة، وكان فاضلا متألها ناسكا يعالج المرضى مجانا، وكان فى زمن أردشير من ملوك الفرس ودعاه إلى معالجته من مرض عرض له فأبى عليه.
стр. 2141
وذكر يحيى النحوى الإسكندرى فى تاريخه أن أول الأطباء إسقلبيوس الأول، ثم دغورث، ثم منيس، ثم برمانيدس، ثم أفلاطون الطبيب، ثم إسقلبيوس الثانى، ثم بقراط، ثم جالينوس.
وبقراط رأس الأطباء فى زمانه وهو من تلاميذ إسقلبيوس الثانى، وهو أول من علم الغرباء الطب وعاش خمسا وتسعين سنة، منها صبيا ومتعلما ست عشرة سنة، وعالما ومعلما تسعا وسبعين سنة.
ومن تأليفه كتاب العهد، وكتاب الفصول، وكتاب الأمراض خمس مقالات وكتاب جراحات الرأس مقالة واحدة، وكتاب الأخلاط ثلاث مقالات، وكتاب الماء والهواء ثلاث مقالات، وكتاب طبيعة الإنسان اه.
стр. 2142
ترجمة ابن جبير
وفى كتاب دائرة المعارف أن ابن جبير السابق الذكر هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكنانى، أحد الراحلين من الأندلس إلى المشرق. ولد ببلنسية عاشر ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة هجرية، واجتهد فى تحصيل العلوم فبرع، وكان أديبا مشهورا أو شاعرا مجيدا قيل لما دخل بغداد اقتطع غصنا نضيرا من بساتينها فذوى فى يده فأنشد:
لا تغترب عن وطن … واذكر تصاريف النّوى
أما ترى الغصن إذا … ما فارق الأصل ذوى
وكانت رحلته من غرناطة ووصل إلى الإسكندرية وحج ورحل إلى الشام والعراق والجزيرة وغيرها، وكان من أهل/المروءات، كثير الآداب مؤنسا للغرباء عاشقا لقضاء حوائج الناس، توفى بالإسكندرية فى سبع وعشرين من شعبان سنة أربع عشرة وستمائة ومن شعره:
من الله فاسأل كلّ أمر تريده … فما يملك الإنسان نفعا ولا ضرّ
ولا تتواضع للولاة فإنّهم … من الكبر فى حال تموج بهم سكر
وإيّاك أن ترضى بتقبيل راحة … فقد قيل عنها أنها السّجدة الصغرى
стр. 2143
وقد وجدت ترجمته فى صدر كتاب رحلته منقولة من كتاب الإحاطة بما تيسر من تاريخ غرناطة، للوزير لسان الدين بن الخطيب وملخصها.
محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن عبد السلام الكنانى، وهو من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، بلنسى الأصل غرناطى الاستيطان، شرّق وغرّب وعاد إلى غرناطة.
كان أديبا بارعا شاعرا مجيدا سنيا فاضلا نزه الهمة سرى النفس كريم الأخلاق أنيق الطريقة، كتب بسبتة عن أبى سعيد عثمان بن عبد المؤمن، وبغرناطة عن غيره من ذوى قرابته وله فيهم أمداح، ثم توجه إلى المشرق وجرت بينه وبين أدباء عصره مخاطبات، ظهرت فيها إجادته، ونظمه فائق ونثره بديع وكلامه المرسل سهل حسن، ومحاسنه ضخمة، ورحلته نسيجة وحدها طارت كل مطار، رحل ثلاثا من الأندلس إلى المشرق، وحج فى كل واحدة منها، فصل عن غرناطة، ثم عاد إليها ولقى بها أعلاما، وصنف الرحلة المشهورة وذكر مناقله وما شاهد من عجائب البلدان وغرائب المشاهد وبدائع المصانع، سكن غرناطة ثم مالقة ثم سبتة ثم فاس، منقطعا لإسماع الحديث والتصوّف.
وجاور بمكة طويلا ثم ببيت المقدس، ثم تحول إلى مصر فأقام يحدث إلى أن لحق بربه، روى بالأندلس عن أبيه وأبى الحسن بن أبى العيش، وأبى عبد الله بن عروس، وعن أبى الحجاج بن يسعون وغيرهم.
وبسبتة عن أبى عبد الله التميمى وكثيرين، وأخذ عنه جماعة كثيرون منهم:
أبو إسحاق بن مهيب، وابن نصر البجائى، وأبو العباس البنانى وممن روى عنه بالإسكندرية رشيد الدين عبد الكريم بن عطاء الله، وبمصر رشيد الدين العطار.
стр. 2144
ومن تصانيفه نظم وقفت منه على مجلد قدر ديوان أبى تمام وجزء سماه نتيجة وجد الجوائح، فى تأبين القرين الصالح، فى مرائى زوج أم المجد، وجزء سماه: نظم الجمان فى التشكى من إخوان الزمان.
وله ترسل بديع وحكم مستجادة وكتاب رحلته ومن شعره القصيدة الشهيرة التى نظمها وقد شارف مدينة طيبة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مطلعها:
أقول وآنست باللّيل نارا … لعل سّراج الهدى قد أنارا
وإلا فما بال أفق الدجى … فإنّ سنى البرق فيه استطارا
ومن كلامه:
هنيأ لمن حج بيت الهدى … وحطّ عن النفس أوزارها
وأن السعادة مضمونة … لمن حج طيبة أوزارها
ومن ذلك:
إذا بلغ المرء أرض الحجاز … فقد نال أفضل ما أمّ له
وإن زار قبر نبى الهدى … فقد أكمل الله ما أمله
مولده ببلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقيل: بشاطبة سنة أربعين، وتوفى بالإسكندرية ليلة الأربعاء السابع والعشرين من شعبان سنة أربع عشرة وستمائة رحمه الله تعالى-انتهى-.
وترجمه غير واحد منهم المقريزى فى تاريخ مصر الكبير، والشيخ أحمد المقّرى فى الباب الخامس من كتاب نفح الطيب.
стр. 2145
إخنا
قرية من بلاد الغربية بقسم محلة منوف شرقى طندتا على أقل من ساعة على شاطئ الجعفرية الجديدة، وفيها معمل دجاج وجامع بمنارة عند مقام الشيخ حسن الصائغ، وهو شيخ له شهرة وله مولد كل سنة قبل المولد الكبير لسيدى أحمد البدوى.
وعلى هذا فهذه القرية غير إخنا القريبة من البرلس على شاطئ البحر الأبيض التى ذكرها المقريزى عند الكلام على طرف مما يتعلق بالإسكندرية، فقال: إن إخنا حصن على شاطئ بحر الملح قال: وطريق الإسكندرية إذا نضب ماء النيل يأخذ بين المدائن والضيّاع، وذلك إذا أخذت من شطنوف إلى سبك العبيد، فهو منزل فيه مينة لطيفة وبينهما اثنا عشر سقسا، ومن سبك إلى مدينة منوف.
وهى كبيرة وفيها حمامات وأسواق وبها قوم فيهم يسار ووجوه من الناس وبينهما ستة عشر سقسا ومن منوف إلى محلة سرد، وفيها منبر وحمام وفنادق وسوق صالح ستة عشر سقسا، ومن محلة سرد إلى سخا: وهى مدينة كبيرة ذات حمامات وأسواق وعمل واسع وإقليم جليل له عامل بعسكر وجند، وبه الكتان الكثير وزيت الفجل وقموح عظيمة ستة عشر سقسا، ومن سخا إلى شبركمية وهى مدينة كبيرة بها جامع وأسواق ستة عشر سقسا، ومن شبركمية
стр. 2146
إلى مسير، وهى مدينة بها جامع وأسواق ستة عشر سقسا، ومن مسير إلى سنهور، وهى مدينة ذات إقليم كبير وبها حمامات وأسواق وعمل كبير ستة عشر سقسا، ومن سنهور إلى النخوم وهى ذات إقليم وبها حمامات وفنادق وأسواق ستة عشر سقسا، ومن التخوم إلى تسترو، وكانت مدينة عظيمة حسنة على بحيرة اليشمون عشرون سقسا، ومن تسترو إلى البرلس وهى مدينة كثيرة الصيد فى البحيرة وبها حمامات عشرة سقسات، ومن البرلس إلى إخنا وهى حصن على شط البحر المالح عشرة سقسات، ومن إخنا إلى رشيد وهى مدينة على النيل ومنها يصب النيل فى البحر من فوهة تعرف بالأشتوم وهى المدخل ثلاثون سقسا.
وكان بها أسواق صالحة وحمام وبها نخيل وضريبة على ما يحمل من الإسكندرية، وهذا الطريق الآخذ من شطنوف إلى رشيد ربما امتنع سلوكه عند زيادة النيل.
وقال أيضا فى سبب نقض إسكندرية وخروجهم، أن صاحب إخنا وكان يسمى ظلما (١) قدم على عمرو فقال: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصير لها، فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة لو أعطيتنى من الركن إلى السقف ما أخبرتك إنما أنتم خزانة لنا، إن كثّر علينا كثّرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم، فغضب صاحب إخنا وخرج إلى الروم فقدم بهم فهزمهم الله تعالى وأسر وأتى به إلى عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال لا: بل انطلق فجئنا بجيش آخر وسوّره وتوجه وكساه برنس أرجوان، فرضى بأداء الجزية فقيل له:
لو أتيت ملك الروم، فقال لو أتيته لقتلنى وقال قتلت أصحابى.
стр. 2147
أدرنكة
قرية من قسم أسيوط فى جنوبها الغربى على نحو ساعة، بها جوامع وكنيسة أقباط ومكاتب لتعليم الأطفال، وهى من بلاد الزنار المشهورة بجودة المحصول، ولأهلها شهرة بزرع الكتان والشعر والكمون الأبيض والأسود والأنيسون والثوم والقرع العسلى وجودة نسج الصوف والكتان وبها نخيل.
وفى غربيها بسفح الجبل قبور نصارى أسيوط وغيرها من البلاد المجاورة، وقبلى تلك المقابر ثلاثة ديور أحدها يسمى دير العذراء التحتانى، والآخر دير العذراء الفوقانى، والثالث دير ساويرس.
وفى خطط المقريزى عند ذكر أديرة النصارى اعلم أن ناحية أدرنكة هى من قرى النصارى الصعايدة ونصاراها أهل علم فى دينهم وتفاسيرهم فى اللسان القبطى، ولهم أديرة كثيرة فى خارج البلد من قبليها مع الجبل، وقد خرب أكثرها وبقى منها دير بوجرج وهو عامر البناء وليس به أحد من الرهبان ويعمل فيه عيد فى أوانه إلى آخر ما قال فى سرد الأديرة فانظره.
стр. 2148
إدفا
بهمزة مكسورة فدال مهملة ساكنة ففاء فألف، ويقال: فيها إتفا بالمثناة الفوقية بدل الدال، قرية من مديرية جرجا بقسم سوهاج فى شمالها الغربى وغربى ترعة السّوهاجية فى حوض العزيزات، وهى غير مدينة أدفو التى بأقصى الصعيد ولها شبه بالمدن، وفيها جامع بمنارة ومساجد أخر.
وبها أشراف وعلماء وبها تلول هى آثار بلد قديمة وقد وجد فى تلولها زمن تفتيش لطيف باشا على الأقاليم القبلية مطمورة مملوءة قمحا، يقال إنه ضل عنها صاحبها وادعى على آخر أنه سرقها، وقد حسبت مدتها فوجدت نحو ستين سنة ولم يتغير قمحها، وقد عرض من قمحها على المرحوم سعيد باشا، وهكذا عادة البلاد ذات التلول، أن يحفروا فيها مطامير لخزن الغلال ويغطونها بنحو متر من التراب وعند فتحها توجد كما وضعت لا يعتريها سوس ولا غيره، ومن نصاراها من صنعته إفراخ بيض الدجاج فى معامل متفرقة فى البلاد القاصية والدانية، وهى قريبة من الجبل الغربى بنحو نصف ساعة وفى قبليها ورشة قطع الأحجار، وبها نخيل وأشجار وأكثر تكسب أهلها من الزراعة وأرضها جيدة خصبة.
وفيها كنيسة قديمة ونصارى بكثرة وفى بعض الكتب القديمة أن كنيستها باسم مارى بخوم الذى كان راهبا فى زمن الأب شنودة وكان يطعم رهبانه الحمص المصلوق، ويقال له:
حمص القله، وهذه القرية هى التى عناها كترمير بقوله:
إن إتفا هى إدفا الواقعة فى بحرى إخميم لأنها فى الغرب المائل إلى الشمال، وفى خطط المقريزى أنه كان يقال لهذا الراهب أبو الشركة يعنى أنه كان يربى الرهبان فيجعل لكل راهبين معلما، وكان لا يمكن أحدا من إدخال الخمر ولا اللحم إلى ديره ويأمر بالصوم إلى آخر التاسعة اه.
стр. 2149
أدفو
بضم الهمزة وسكون الدال وضم الفاء فى آخره واو قال فى القاموس أدفو بالضم قرية قرب مدينة الإسكندرية وبلد بين أسوان وإسنا منه محمد بن على الأدفوى النحوى له تفسير أربعون مجلدا انتهى.
وهى مدينة عظيمة واقعة على الشاطئ الغربى للنيل بين أسوان وإسنا فى جنوب إسنا بقدر خمسة ميريا متر، وبعدها من النيل ألف وخمسمائة متر، وفى جنوب طيبة باثنين ميريا متر ونصف.
وكانت من أعظم مدائن خط قوص وكانت تسمى قديما أبو لنيس سوسبتاس مانيا والرومانيون يسمونها أبلونوبوليس مانيا يعنى مدينة أبلون الكبيرة احترازا عن مدينة/ أبلونويوليس باروا-يعنى الصغيرة-.
وأغلب أهلها مسلمون وأقباطها يعقوبية ولها شهرة بصنعة الفخار لا سيما الجرار المتخذة من طينة طفلية يجلبونها من الجبال المجاورة لها، ويستعملون فى بعض أنواع الفخار، طينة جيدة يخلطونها بطين النيل والقصرمل فتصير بعد الحريق شديدة الحمرة، والدواليب المستعملة فى هذه الصنعة وأشكالها الآن هى مثل الدواليب والأشكال القديمة، وهذا يدل على وجود هذه الصنعة فيها من قديم الزمان، وأنهم توارثوها جيلا بعد جيل إلى الآن.
стр. 2150
ويأتى إلى هذه المدينة كثير من عرب العبابيد القاطنين فى الصحراء لبيع أشيائهم وشراء ما لزم لهم من الحبوب ونحوها، لأنها أول بلد يوجد فيها لوازم الأقوات بعد مفارقة مدينة أسوان.
وفى زمن الفرنساوية كانت أدفو قرية صغيرة أهلها فى غاية الفقر، وذكر بلين وغيره أنها كانت من أعظم مدن الصعيد، وفى خطط أنطونان أن بعدها عن إسنا اثنان وثلاثون ميلا، وأنها واقعة بين مدينة أسوان وإسنا على ما ذكره استرابون.
فمن ذلك مع قياس البعد الذى بينها وبين إسنا على الخرطة فوجد ٤٧٤٠٠ متر وهو يوافق الاثنين والثلاثين ميلا المذكورة.
ويظهر أن هذه المدينة لم تنتقل عن محلها الأصلى، ثم إنها كانت فى زمن قيصر الروم أدريان (١) من المدن المعتبرة وفيها ضربت ميداليات باسمه، وفى القرن الرابع من الميلاد فى الوقت الذى كتب فيه إميان مارسيلوس تاريخه كانت هذه المدينة قد انحطت عن قدرها، وكانت المدن المعتبرة من مدن الصعيد هى قفط وهرموبوليس.
ولم يذكر هيرودوط معبد مدينة أدفو مع أنه من أشهر ما يوجد فى الجهات القبلية، والظاهر أن الأهالى لم تطلعه عليه، ولم يتكلم عليه أيضا كثير من المؤرخين والسياحين الذين أتوا بعده، ولم تعلم حقيقته ويظهر أمره إلا بعد دخول العرب أرض مصر وهو يشتمل على معبدين متقاربين واقعين فى شمالها الغربى فى أسفل تل مرتفع فى غاية الحفظ إلى الآن.
وكان لتلك المدينة رصيف على البحر، وسعة تلولها وكثرة آثارها يدلان على أنها كانت مدينة كبيرة متسعة ومعبدها الكبير مرتفع عن البلد إلى الآن، ولذا تسميه الأهالى قلعة وهو يشاهد من مسيرة فرسخين.
стр. 2151
وفى زمن الفرنساوية كان جزء من بيوت البلد فوق سطحه وإذا قارن الإنسان البيوت الجديدة بالمعبد وبنائه ونظر إلى السكان وأحوالهم لا يرى مناسبة بينهم وبينه، ويستبعد أن يكون مثل هؤلاء الناس من ذرية من بنى مثل هذا البناء، ويقول: كيف أمكن المصريين أن يبنوا مثل هذا البناء الهائل فلا بد أن سكان هذه الأرض كانوا يخالفون من بعدهم فى الكيفية والأحوال.
وطول هذا المعبد قريب من مائة وثمانية وثلاثين مترا، وعرضه تسعة وستون مترا فالعرض نصف الطول، وأكبر ارتفاع فيه خمسة وثلاثون مترا وارتفاعه عند الباب سبعة عشر مترا، وقطر أغلظ الأعمدة متران من أسفله، ومحيطه قريب من عشرين قدما وارتفاعه ثلاثة عشر مترا، ومحيط التاج قريب من اثنى عشر مترا، أو سبعة وثلاثين قدما، وهو من الحجر الصّلب القابل للصّقل ولا يمكن الدخول فيه إلا بمشقة لإحاطة البيوت والأتربة به.
وفى داخله دهليز واثنان وثلاثون عمودا ومحل العبادة محوط بدهاليز، وأمامه إيوان وبابان عظيمان وجميع ذلك محوّط بسور له باب بجانبه برجان فى غاية من الارتفاع، وبين هذا الباب وباب المعبد فضاء على صورة حوش تحيط به أعمدة من أربع جهاته، والمسافة التى بين البابين وقدرها ثلاثة وأربعون مترا منقسمة إلى اثنى عشر قسما، كل قسم قدر ما بين الأعمدة، وقاعدة كل عمود بالذهاب إلى الباب مرتفعة عن سابقتها، وكانت الأهالى مع أمير الجهة يجتمعون فى هذا المحل فى عيد النيل.
قال هيرودوط ما ترجمته: متى ارتفع ماء النيل وتعدى الجروف لرى الأرض يكون هذا الوقت عيد النيل فيتوجه الأمير ومعه القسيسون والأمراء ووجوه الناس فى الملابس الرسمية إلى المعبد، ليشكروا الله تعالى على ما أنعم به من زيادة النيل.
стр. 2152
فإذا كان الأمير عند باب المعبد كان جميع من خلفه موزعا على اثنتى عشرة فرقة على حسب درجاتهم فى الموكب ويسيرون قليلا قليلا على صوت الألحان والآلات ويدخلون المعبد لتمجيد اسم الله تعالى، فلا موكب يشابه هذا الموكب الذى لا يمكن وصف منظره العجيب، وأفواج الخلق فوق هذه الطبقات الواسعة المدرجة، ولم يكن فيما عمله الرومانيون ومن بعدهم إلى الآن بناء مثل هذا شامل لأنواع الظرف مع المتانة والصلابة التى غالبت القرون وغلبتها، مع أنا نجد بناء غير المصريين ممن استولوا على هذه الأرض قد زال بالكلية.
وهذا المعبد باق مع تسلط جميع ما يوجب الانهدام والخراب عليه، كتسلط الأهالى والولاة والقرون وحوادثها، وللآن يرى كأنه بنى بالأمس فإن لم يكن غيره باقيا من بناء المصريين فهو كاف فى الدلالة على علوّ مقدارهم ومعلوماتهم ومهارتهم فى الصنعة.
وفى خطط الفرنساوية/تفاصيل الزينة والنقوش المزين بها هذا البناء، مع بيان نسب الأجزاء وكيفية التفصيل وغير ذلك فلتراجع.
وزعم الأروام أن أهل هذه المدينة كانوا يقدسون أبلون ولذلك سميت أبلونويوليس، وكانوا يكرهون التمساح كراهة شديدة ويعلقونه على غصون الأشجار ويقطعونه قطعا ويأكلونه، وكان ذلك داعيا لعداوة أهل [كوم] (١) أمبو وخطها لهم ووقوع النزاع بينهم على ما ذكره بعض مؤرخى الروم، لأن التمساح كان من الحيوانات المقدسة عند أهل كوم امبو وخطها.
стр. 2153
فإن قلت كيف يعقل أن هذه المعابد الجسيمة والمبانى المتقنة يجعلها المصريون لعبادة كلب أو قط أو قرد ونحوها، وكيف عملوا هذه الأعمال التى لم يسبقهم أحد بها ليسجدوا فيها لحيوان ويعلفونه كغيره من جنسه المسخر فى الأشغال.
قلت: الذى يظهر ويغلب على الظن أن مثل هذا الاعتقاد لم يكن عند هذه الأمة التى سبقت جميع الأمم فى المعارف والتمدن ومهدت طرق العلوم لجميع الناس، فالظاهر أن ذلك ألغاز منهم، وأنهم كانوا يلاحظون فى هذه الحيوانات صفات فيها إشارة لصفات الخالق ، أو لسر من أسراره لا يطلع عليه إلا القليل من الناس، فيعظمونها لذلك.
والذى أشاع ذلك عن المصريين إنما هم اليونانيّون والرومانيون لعدم اطلاعهم على مراد المصريين العقلاء، ثم ازداد الأمر بعد دخول الديانة النصرانية فكسيت الحقائق حجب الخفاء، حتى ضاع ما كان يعنيه المصريون بما ألغزوه.
وقال بعض شارحى هيرودوط: إن أنطيفان الشّاعر الرومى من شعراء ما قبل الميلاد بأربعمائة سنة سخر فى كتابه من المصريين فى تقديسهم للحيوانات حتى سمك البحر، فإنهم كانوا يقدسون منه نوعا يسمى ليبيدوت، وهو الذى سماه الأب سيكار البنى، ونوعا يسمى اكسيرلكوس وسماه الأب سيكار العبيدى، وكذلك ثعبان الماء فقال أنطيفان:
إن المصريين قد فاقوا الناس فى كل شئ حتى سوّوا بين ثعبان الماء والآلهة، بل تجاوزوا حدّ التسوية إلى التفضيل فإنا نحصل خير الآله بمجرد الدعاء، وأما ثعبان الماء فلا نصل إلى الانتفاع به إلا بصرف كثير من الدراهم.
стр. 2154
وقال آخر فى قطعة شعر هزلية قصد بها المصريين ما معناه: أنتم تعبدون العجل وتجعلونه إلها، ونحن نذبحه قربانا للآله، وأنتم تعتقدون ثعبان الماء إلها، ونحن نعده من طيبات الأطعمة.
وقال بعض شارحى هيرودوط أيضا: إن اعتبار المصريين للحيوانات واحترامهم إياها إنما هو لما فيها من الأسرار والخواص والأسباب التى تخفى على كثير من الناس، وليس ذلك عبادة لها، وإنما كلام اليونانيين ناشئ عن جهلهم بما كان يلحظه المصريون ويعلمونه فى الحيوانات، مثلا ثعبان الماء من خاصيته أن أكله يغلظ الدم ويمنع العرق، وذلك سبب لحصول الجذام فحرمه القسيسون لذلك، ولأجل سد باب أكله أخرجوا ذلك مخرج التقديس ليمتنع أكله بالكلية.
وفى كتاب هيرودوط، أن للتمساح أربعة أرجل وأنه يمتنع من الأكل أربعة أشهر الشتاء، وأنه يعيش فى الماء ويخرج إلى البر ويبيض فى الرمل، وفى النهار يألف الأماكن اليابسة، وفى الليل يألف الماء لسخونته عن الهواء.
وقال بلين: إنه قد يختفى فى الجحور وبيضه قدر بيض الأوز، وفقسه بنسبة ذلك، ويكبر حتى يبلغ سبعة عشر ذراعا وأكثر، وعيناه كعينى الخنزير، وأسنانه بارزة وكبرها بنسبة جسمه، وليس له لسان، ولا يحرك فكه الأسفل عند الأكل وإنما يحرك الأعلى.
وقد استكشف علماء وقتنا أن له لسانا ملتصقا بالفك الأسفل به ثقوب كثيرة مثل لسان السمك والثعبان والثلاثة تستعمله فى ذوق الغذاء فقط، بخلاف باقى الحيوانات فألسنتها للطعام والصوت، ومخالبه قوية وجلده مكسو بصفائح تمنع نفود السلاح فيه.
стр. 2155
وهى ثلاثة أنواع، فما على الجنبين والذراعين والرجلين وجزء من الرقبة قطع مستديرة الشكل مختلفة كبرا وصغرا، وما على الظهر ووسط الرقبة وفوق الذيل قطع مستطيلة كالشريط، وما على البطن وتحت الذيل وتحت الرقبة وباطن الرجلين قطع رقيقة لينة، والنوعان الأخيران يشبه وضعهما وضع البلاط فى الأرض بشكل مربع، ولا يبصر فى الماء ونظره خارجه حديد وفى جوفه ديدان، والوحوش والطيور تهرب منه إلا طيرا يسمى تروشليس- (السكساك) -فإنه يألفه، فإذا خرج التمساح إلى البر التفت إلى النسيم وفتح فاه فيدخل فيه هذا الطير ويأكل الدود الذى فى جوفه فيستريح التمساح لذلك فلا يؤذيه.
والتمساح محترم عند بعض المصريين دون بعض، فممّن يحترمه أهل ضواحى طيبة وبحيرة موريس ويربونه عندهم حتى يألف الناس ويجعلون فى أذنيه أقراطا من ذهب أو حجر صناعى وفى رجليه خلاخل ويمونونه بلحم القرابين، وإذا مات صبروه ووضعوه فى صندوق ودفنوه، وأهل جزيرة أسوان وضواحيها لا يحترمونه بل يأكلونه، وطريق صيده أن تجعل قطعة من لحم الخنزير فى سنارة وترمى فى البحر ويقعد الرامى على البر وعنده خنزير صغير فيضربه فيصرخ، فإذا سمع التمساح صوت الخنزير أتى إليه/فتقابله الطعمة فيبتلعها فتمسكه الصناره
وذكر بعض السياحين إنه بعد أن يأتى إلى البر على صوت الحيوان يضرب بنشاب فيه حبل ويترك فى البحر حتى تبطل حركته ويبرد، وبعض الناس يركب على ظهره ويربط فمه واسم التمساح بالمصرية شانبيس وتسميه اليونان قروقوديل وترجمته القبط إمساح من غير أداة التعريف وبأداة التعريف بإمساح، والعرب تسميه تمساح وله شبه بالحيوان البرى المعروف بالورل أ. هـ.
стр. 2156
ثم إنه يعلم من كلام المؤرخين أن الرومانيين بعد استيلائهم على هذه الأرض غيروا أسماء المدن وجعلوها على أسماء مقدسيهم، ولذا ضاع كثير من الأسماء القديمة.
ويستفاد من كلام أوزيبى أن مدينة أبلونوبوليس هى مدينة هوروس، لأن الروم سمت هوروس أبلون فى لغتهم وأقره على ذلك هيرودوط وبولوتارك وديودور.
وكانت الروم تسمى الشمس فى أعظم ارتفاعها أبولون ويقولون إنه القاتل للثعبان بيتون، والمصريون يقولون: إن هوروس هو القاهر ليتفون. ويعنون بذلك أن الشمس متى بلغت غاية ارتفاعها تبعث إلى الأرض أكثر الحرارة والنور ويكون معظم إشارتها إلى خروج نهر النيل، لأنه يكون سببا لزوال جميع دواعى الضرر ويعنون بذلك موت تيفون؛ لأنهم كانوا يجعلون هذا الاسم علما على القحولة والوباء وما يشبههما وحينئذ يعود للديار المصرية خيرها، ومتى عم الماء الأرض حصلت الخصوبة وتمت البركة ويكون قد تم عمل هوروس أو الشمس فى المنقلب الصيفى، ومن تأمل الرسوم والنقوش التى على جدران المعبد يفهم منها أمورا كثيرة من معتقدات القطر وأن جميع هذه الرموز إشارات لأمور فلكية، فيشاهد فى نقوش الباب الجسيمة فى الأفريز سلما له أربع عشرة درجة فى نهايته عود نيلوفر فوقه هلال متوّج بعين، وفى الخلف صورة صغيرة رأسها رأس الطير أبيس، وبإمعان النظر فى ذلك يعرف جميع أحوال المنقلب الصيفى وأول شهر من شهور السنة، فإن النيلوفر إشارة لزيادة النيل، والعين على ما ذكره بلوتارك إشارة إلى الشمس أو أوزريس فى أعلى ارتفاعها، والطير أبيس علم على الرى، والهلال المتوّج وطرفاه إلى أعلى دليل على الهلال المذكور على ما ذكره هورابلون، والصورة التى تأتى فى الأول رأسها رأس الطير أبيس تقدم إليه إناء ماء، وهو أيضا إشارة لعلو النيل، وتوجد أيضا فى السطر الخامس عشر بعد السلم وكذلك بعد السابع والعشرين وفى يدها الصورة التى على الهلال يعنى عين أوزريس، وأمامه إشارات تدل على النيل أيضا.
стр. 2157
والشمس بثلاث جمل من الأشعة دلالة على أعظم قوة الحرارة، ثم سطر أمام الصورة الخامسة والعشرين مع الشمس المضيئة وكذا أمام الصورة الثانية والثلاثين والصورة السادسة والعشرين من ضمن نقوشها جملتان من النيلوفر وتحتهما أعضاء التناسل، وهما علامة على إدراك الزرع والخصوبة، فمن جميع ذلك يظهر أن نقوش الإفريز جميعها تدل على أحوال الشمس فى المنقلب الصيفى فى لحظة الهلال الجديد.
وقال هيرودوط: إن المصريين يعنون بأوزريس النيل وبإزيس الأرض وأوزريس فى الأصل هو الشمس وهم يجعلون فيضان النيل عطية من الشمس، ومعنى أوزريس باليونانية كثير الأعين، وذلك أن أشعة الشمس كثيرة تعم الأرض والبحر، ولذا تجد كهنة هذا المقدّس عليهم قلانس فيها جملة عيون.
وقال بلوتارك: إن أوزريس يسمى عند اليونان باكوس، وقال ديودور: إن منظر السماء وباقى الخلقة بهر المصريين الأقدمين فذهبوا إلى اعتقاد إلهين أبديين سابقين على بقية الآلهة وهما الشمس والقمر وسموا الأول أوزريس والثانى إزيس إنتهى.
وإنما الله إله واحد وقد وصف الطير أبيس بعض شارحى هيردوط فقال: هو طير يشبه اللقلق المعروف بأبى مغازل إلا أن اللقلق أكبر منه، ورقبته ورجلاه أكبر من رجلى اللقلق ورقبته، وطوله من منقاره إلى ذيله ثلاث أقدام ونصف، وريشه أبيض غير ناصع ما خلا الريش الكبير من الجناحين فهو أسود، وفى باطن الجناحين نقط حمر بعضها قانئ وبعضها بلون اللحم، وعلى فخذيه قليل من الريش فى هيئة سطور، وأعلى رأسه عار من الريش كالذى حول عينيه وتحت حلقومه وقرب منقاره، وجلد هذه المواضع الأربعة أحمر ذو
стр. 2158
تكاميش، وأعلى منقاره بقدر أصبع ونصف غليظ أصفر فاقع وطرفه ليس مدققا بل يرى كالمقطوع، وفى صفرته شئ وجميعه أملس يشبه العاج ذو انحناء من أوله إلى آخره على خلاف هيئة مناقير الطير، وطرفه وجوانبه حداد قاطعة سريعة فى تقطيع الثعابين، وله انكباب زائد على أكلها، أحمر الرجلين بقدر أربعة أصابع، وفى جميع رجليه تقليس مسدس الشكل ما خلا الأصابع، وعلى أصابعه جلدة ممتدة إلى آخرها قال:
وكان هو التمثال الحى للقمر وكان يسمى أبا حنس، ونقل عن إليان أن هذا الطير كان إذا أخرج عن أرض مصر يميت نفسه جوعا، ثم ردّ ذلك بأن هذا الوصف السابق هو وصف الطير الذى نقل من مصر إلى بلاد فرنسا وعاش بورساى زمنا/طويلا انتهى.
وقال العالم سوينى إن منه طيرا أسود فى نواحى دمياط ورشيد والمنزلة ويسمى عندهم إلى الآن الحارث انتهى.
(ولنرجع) إلى ما نحن فيه فنقول: ثم إنه يرى فى أول الإفريز صور عديدة لإمرأة رأسها رأس سبع ينظر إلى قبليه وفى يدها عود نيلوفر، ويشاهد أيضا جملة صور رؤوسها رؤوس سباع أيضا.
وعندها أوان فيها ماء، ويظن أن ذلك إشارة إلى افتتاح السنة فى الوقت الذى فارق فيه المنقلب الصيفى الجوزاء ولحق بالنجوم الأولى من الأسد يعنى الدرجات الأخيرة منه، فإن صح ذلك يكون معبد مدينة أدفو بنى عند تجديد دورة من أدوار الشعرى، يعنى مدة فلكية كان لها اعتبار عظيم عند المصريين، وكانت تلك الدورة ألفا وأربعمائة وإحدى وستين سنة، يحصل عندها رجوع الفصول إلى ما كانت عليه، وتتوافق السنة الزراعية الثابتة مع السنة
стр. 2159
الديانية، وكان المصريون يبنون لها أفخر المبانى، وكانت أعظم وقت تفرح فيه الأهالى، وكانت تضبط بها الحسابات الفلكية، وهى تدل على غزارة علم القسيسين لأنهم المخترعون لها وتسمى دورة الشعرى، وكان المصريون يرمزون لها بالطير الخرافى المسمى عند الإفرنج فنيكس وربما كان العنقاء أو السمندل، وكان الأقدمون يقولون: إن هذا الطير يعيش ألفا وأربعمائة وإحدى وستين سنة، ويوجد فى هذا المعبد صورة ذلك الطير بكثرة.
وذكر هيرودوط: أن صورته تشابه صورة النّسر وأنها كانت توجد فى ضمن نقوش المصريين وأنه نظرها، ويقال: إن هذا الطير متى قرب أجله يعمل عشّا من اللبان والمر، ويفارق الهند الذى هو وطنه ويأتى إلى معبد عين الشمس ويموت فيه، ثم بعد أيام قليلة يحبا من تراب النار التى أحرق فيها، ومن أمعن النظر فى الصورة الموجودة فى نقوش المعبد رأى الطير فى حداثة سنه خارجا من الحريق.
وذكر سولان أيضا: أن هذا الطير إشارة إلى السنة الكبرى-يعنى دورة الشعرى- وذكر بلين أن عمره يطابق السنة الكبرى التى يحصل بعدها رجوع الأمور إلى ما كانت عليه، وقال هيرابولون: إن هذا الحيوان إشارة إلى عود الزمان إلى أصله بعد مدة طويلة، وجزم ناسيت بأن عمر الفنيكس ألف وأربعمائة وإحدى وستون سنة، وصورته توجد فى أغلب المبانى العظيمة سيما فوق قواعد الأعمدة، وعلى جلسة الكرسى له يدان مبسوطتان مفتوحتان وأمامه نجمة يظهر أنها الشعرى سيريوس التى تدل بشروقها الاحتراقى على تجديد الدورة وزيادة النيل والمنقلب الصيفى، وتشاهد دائما فوق قدح وهو إشارة إلى الفيضان.
وتوجد هذه الصورة أيضا فى معبد جزيرة بيلاق ومعبد إسنا، وفى المعبد الكبير الذى فى جزيرة بيلاق صورتان بهما جميع الإشارات التى نبه كل من هيرودوط وبلين وسولان على
стр. 2160
أنها إشارات الفنيكس، وله عرف على رأسه موجود إلى الآن، وفى قاموس الإفرنج أن سولان هذا عالم لاتينى كتب تأليفه سنة مائتين وثلاثين بعد الميلاد انتهى.
وقال هيرودوط: إن بعض أجنحة هذا الطائر ذهبى والبعض أحمر وهو باق إلى الآن، وكذلك ريش الذيل الوردى وريش الرقبة الذهبى وكل من هؤلاء المؤلفين يقول: إن صورته صورة النّسر ومنقاره كمنقار النّسر وله يدان كيدى الآدمى مرفوعتان فى الهواء ورجلان طويلتان.
وفى مدينة أبو صورة: طير له وجه إنسان جالس على قدح وهو مثل الفنيكس ويدان مرفوعتان وأمامه نجمة وله أجنحة منشورة وعرف، وهذه هى الإشارات الواردة فى كتب المؤرخين فهى صورة الفنيكس.
وفى رسوم مدينة طيبة ودندرة توجد هذه الصورة بكثرة، فقد بان لك ما كان عليه قدماء المصريين من أن ذهاب الفنيكس من الهند إلى مصر ليموت فيها ثم يحيا مرة أخرى، يدل على عودة السنة الثانية وهى التى كانت مستعملة عند المصريين والهنود، وكانت لا تعود إلا بعد ألف وأربعمائة وإحدى وستين سنة، وبرجوعها كان يتوافق سير الزمان مع سير الشمس، وأن عمر هذا الطير وسفره وموته وعودته للحياة ثم سفره إشارة إلى الشمس، ويؤيد ذلك ما ذكره هورابولون من قوله: متى فتح الطير الجديد جناحيه يطير مع أبيه إلى مدينة عين الشمس من مصر، وعند وصولهما يموت الأب عند شروق الشمس ويدفنه قسيسو مصر ويعود الفنيكس الجديد إلى محل ولادته، ثم إن العش المتخذ من المرّ واللبان إشارة إلى بلاد المشرق، وعودته إلى مدينة عين شمس إشارة إلى رصد مدينة عين شمس، وكان القسيسون يرصدون النجوم فيه طول السنة الشمسية.
стр. 2161
ويؤخذ من جميع ما مر أن معبد مدينة أدفو كان بناؤه عند تجديد الدورة الفلكية للشعرى كما تقدم، والذى يستغرب منه هو نسبة بعض أجزاء هذه العمارة لبعض/ويدل ذلك على أن المصريين كان لهم قوانين متبعة لا يخرجون عنها فى إنشاء عماراتهم، وهاك بعض هذه النسبة فإن ذكر جميعها يوجب الطول.
стр. 2162
وهكذا باقى الأجزاء وبالتأمل يرى طول المعبد ضعف عرضه والارتفاع نصف العرض وواجهة الباب التى يحيط بها البرجان اللذان كانت العادة وضعها أمام المعابد والسرايات عرضها ضعف عرض الباب، ويرى أن الارتفاع أربعة أمثال ذلك، وعرض المعبد ستة أمثاله وطول واجهة الباب ضعف الارتفاع وهكذا على هذا النسق، ولو فرض أن قدر الذراع ٤٦٢ ر ٠ متر يكون الطول الكلى للمعبد أربعمائة وخمسين ذراعا، وعرضه فى الخارج مائة وخمسين ذراعا، وهكذا يكون باقى الأجزاء عددا صحيحا من غير كسر، وذلك المعبد يشبه معبد دندرة شبها تاما.
وبعضهم يعزو بناءه إلى فرعون مصر مريس، وأن البطالسة أضافوا له بعض إضافات، وبعضهم ينسبه إلى بطليموس الرابع الملقب ببطليموس فيلا ماطور (١)، واشترك فى زخرفته جملة من البطالسة، وبابه يعزى إلى بطليموس الثالث عشر، وعلى جدرانه نقوش تدل على اسم المعمار الذى بناه-وهو أموفيس-وعلى مدة الاشتغال فى بنائه وهى مائة وخمسة وسبعون سنة، ولم يتم نقشه إلا بعد مائة وتسعين سنة من تأسيسه، وفى داخله حجر جسيم محفور تدل كتابته على أنه عمل فى زمن نكتنابو الأول من ملوك العائلة الثلاثين، وطول واجهته ٧٦ مترا وعمقه ١٣٧ مترا وارتفاع الباب ٣٥ مترا ولكل أودة من أوده اسم وفى نقوش كل أودة بيان مقدار أبعادها، وبواسطة هذا المعبد يمكن معرفة الأقيسة القديمة ومقارنتها بالأقيسة المترية والأقيسة المصرية الحالية، وفى سنة ألف وثمانمائة وسبع وستين ميلادية صار إزالة ما به من الأتربة والقاذورات وخلص من سكنى الأهالى وجرت عليه شروط المحافظة كى لا يتلف كما تلف غيره.
стр. 2163
(فائدة). تاسيت المتقدم ذكره هنا ولد فى سنة أربع وخمسين بعد الميلاد ومات سنة مائة وأربع وثلاثين وكان من أشهر مؤرخى الأزمان الماضية وله مؤلفات كثيرة، وتعتمد الفرنج على تاريخه لصحته وتراجعه كثيرا وهو من ولاية إيطاليا انتهى من قاموس الجغرافية الفرنجى
ثم إن أهالى مدينة أدفو كانت عدتهم زمن دخول الفرنساوية هذه الديار قريبا من ألفى نفس، وكان بعدها عن النيل قريبا من عشرين دقيقة، وكان فيها أنوال لنسج ثياب القطن والصوف وفاخورات لعمل الأوانى من الجرار والخوابى الكبيرة وغير ذلك، وقد زادت عماريتها وكثر أهلها من ابتداء مجئ العائلة المحمدية إلى الآن.
وبالجملة فهذه المدينة لها قدم فى العز والفخر جاهلية بما تلى عليك من الآثار الجليلة، وإسلاما فإنها منشأ لجملة من الأكابر/والأفاضل وكفاها شرفا أن منها الكمال جعفر الأدفوى صاحب كتاب الطالع السعيد فى نجباء الصعيد.
ترجمة كمال الدين جعفر الأدفوى
وهو كما فى الأنيس المفيد لدساسى: كمال الدين أبو الفضل جعفر الأدفوى بن تغلب (١) بن جعفر مات بالطاعون فى القاهرة سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجرية، ولننبه هنا أن الكمال فى مثل هذا مختصر من كمال الدين، كما أن الفخر مختصر من فخر الدين فهو بعض العلم، وكثيرا ما تحذف هذه الكلمة من الأسماء المركبة، ثم تارة توضع أداة التعريف بعد الحذف كما فى الكمال وتارة لا، كما فى نصير فإن أصله نصير الدين، وتارة يستعمل الجزء الباقى استعمال النسب، فيقال: النجمى والكمالى.
стр. 2164
مطلب أول التلقيب بالإضافة إلى الدين
قال السيوطى فى كتاب الوسائل إلى معرفة الأوائل أن أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين كان فى أثناء القرن الرابع وسبب ذلك أن الترك لما تغلبوا على الخلافة كانوا يسمون بشمس الدولة وناصر الدولة ونجم الدولة، فاشتاقت نفوس بعض العوام إلى التسمية بتلك الأسماء لما فيها من التعظيم والفخر، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا لعدم دخولهم فى الدولة فرجعوا إلى الدين ثم فشا ذلك وزاد حتى أنس به بعض العلماء فتواطؤوا عليه.
وفى تاريخ الصفدى أن عبد الملك أول وزير لقب بألقاب كثيرة بالدولة وبالدين وكان يلقب بشرف الدين مات سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وقد أورد فى الطالع السعيد جماعة من أكابرها منهم ثعلب بن أحمد (١) بن جعفر بن يونس علم الملك الأدفوى، كان رئيسا بها وحاكما وكان الملك الكامل يكاتبه توفى فى حدود أربعين وستمائة ببلده.
ومنهم الإمام الفاضل محمد بن على بن عبد الوهاب بن يوسف الأدفوى المنعوت ببدر الدين، اشتغل بالعلوم كلها وبنى بأدفو رباطا، ووقف عليه أوقافا، وكان ناظما ناثرا له يد فى الحساب والخط، جامعا بين كثرة الحفظ وقوة الفهم، باذلا جهده فى منافع أصحابه والسعى فى مصالحهم، واشتغل بالتصوف وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة فى شهر المحرم انتهى ولم يذكر وفاته.
ومنهم العلامة محمد (٢) بن حسين بن ثعلب خطيب أدفو كان له معرفة بالطب وله
стр. 2165
تأليف فى الفلسفة والتصوف وكان أديبا شاعرا ومن كلامه:
بانت سعاد فأضحى القلب فى شغل … مستأسرا فى وثاق الأعين النّجل
حكّمتها فاستعدّت للنوى صلفا … فصرت دهرى لفرط البين فى وجل
توفى بأدفو سنة سبع وتسعين وستمائة، وكان مسنا ويمشى إلى الضعفاء والرؤساء يطبهم بغير أجرة، وكان من أهل المكارم والمروءة والفتوة واسع الصدر كثير الاحتمال يأتى إلى الجماعة أقاربة فيسمعهم يشتمونه فيرجع ويأتى من طريق أخرى حتى لا يفهموا أنه سمعهم انتهى.
وفى زمن العزيز محمد على بنى بأدفو قشلاق صغير لإقامة العساكر الباش بزوك وهو الآن محل إقامة ناظر القسم فهى رأس قسم، وبها قاض ولها سوق يقام كل أسبوع يباع فيه بضائع تلك الجهات والمواشى الكبيرة والصغيرة، وبها نخيل ومساجد وأشجار وأرحية وأنوال ومعمل دجاج، وأرضها مشهورة بجودة المحصول بسبب ترعة الرمادى المنشأة فى عهد العزيز المذكور، وكانت قبل ذلك قحلة مملوءة بالحلفاء ونحوها، وفى مقابلتها فى البر الشرقى قرية الرادسية وجبل السلسلة واقع بين هذه المدينة ومدينة أسوان، ويقال: إنه فى الأصل جبل واحد كان معترضا أمام النيل كالشلال فقطع وصار مرور النيل فى وسطه فكان كجبلين يكتنفان النيل، واسمه مأخوذ من سلسلة من الحديد كانت معترضة بين الجبلين لمنع مراكب النوبة من الدخول، وعندها كانت تؤخذ العوائد المقررة على المراكب، وظن بعضهم أن اسمه مأخوذ من صورة الجبال التى هناك؛ لأن الجبال الشرقية تتصل عنده بالجبال الغربية كالسلسلة يتصل بعضها ببعض، وبهذا الجبل المحاجر العظيمة التى قطع منها أغلب التماثيل العتيقة التى بالكرنك وآبو (١) وغيرهما، وقد جعل أغلب مغاراته معابد ومقابر وبعضها سابق على العائلة الثامنة عشرة من الفراعنة.
стр. 2166
أدكو (١)
قرية كبيرة من مديرية البحيرة بقسم دمنهور وتارة تكون تابعة لمحافظة الإسكندرية أو محافظة رشيد أو تضاف إلى مأمورية بلاد الأرز، وهى واقعة على الشاطئ الغربى لبحيرة أدكو قريبة من البحر المالح على نحو ألف وخمسمائة متر، ومنها إلى رشيد نحو ساعتين وإلى الإسكندرية نحو ست ساعات وأبنيتها من الآجر والمونة، وأكثر دورها على طبقتين وبها جامعان كبيران لكل منهما منارة وبها طاحون هواء ومعمل فسيخ ونخيل كثيرة نحو سبعين ألف نخلة وكروم عنب، ويزرع بأرضها البطيخ وأصناف القثاء.
وفيها أنوال كثيرة لنسج مقاطع الحرير الإسكندرانى والملاءات والبشاكير والمحارم وقد بنى بها الشيخ الجبرتى مسجدا عظيما ووقف عليه عدة أماكن كما تقدم ذلك مع ترجمته فى الكلام على آية الوقف، وكثير من أهلها يصطادون السمك من بحيرتها، ومنهم من يتجر فى أصناف الفواكه والبلح/فيذهبون به إلى الإسكندرية وغيرها ولا يزرع بها شئ من أصناف الحبوب بسبب استيلاء الرمال على أرضها، وإنما يشترون الحبوب من رشيد والإسكندرية وبلاد الأرز وشربهم من حفائر يحفرونها فى الرمل نحو مترين.
ومن عوائد أهلها أن لا تخرج نساؤهم من البيوت إلا ليلا متحفظات، وأن لا يخرج الرجل من بيته كائنا من كان إلا ومقطفه على عاتقه، فإذا عاد استصحب معه فى المقطف ولو حجرا.
ومنها أنهم لا يجعلون للقبور شواهد من البناء، بل يزرعون فوق كل قبر صبارات فى صورة مستديرة أو مربعة وقبورهم متجاورة، فإذا ترعرعت الصبّارات وتفتح نورها ترى القبور كأنها روضة أزهار، ولا يخرج إليها من النساء إلا المتجالات مع التحفظ التام بخلاف قبور غيرهم فلها فى الغالب شواهد من الحجر أو غيره، وهى منشأ لجماعة من العلماء.
стр. 2167
ترجمة الشمس الأدكاوى
ففى الضوء (١) اللامع للسخاوى أن منها: الشيخ محمد بن سلامة بن محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن أبى محمد بن على بن صدقة الشمس الأدكاوى الشافعى ويعرف بابن سلامة.
ولد سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة تقريبا بأدكو، فقرأ بها القرآن وبعض رسالة ابن أبى زيد على مذهب والده، ثم تحول شافعيا وحفظ المنهاج وعرضه على البلقينى والمحلى وابن الملقن وغيرهم، وتفقه على بلديه رمضان وأخذ عنه فى الفرائض والأصلين والعربية وطريق السلوك، ثم ارتحل لفوّة فأخذ عن ابن الخلال كتبا كالمنهاج والتنبيه ولازمه أربع سنين فى شرح الدميرى والجمل للزجاج وغير ذلك فى الفقه وأصوله والنحو.
وقرأ فى المنهاج على الزين زكريا وأخذ عن الفقيه شمس الدين ابن الترس، الفرائض والحساب حتى استوفى النزهة لابن الهائم، والتصوف عن أبى الفتح الفوى وقرأ عليه رسالته مرتين، وعلى إمام الكاملية بعض بداية الهداية للغزالى ولبس منه الخرقة، وتردد على عبد الرحيم الإبناسى وابن قاسم وغيرهما، ومهر وتميز وأذن له ابن الخلال فى تدريس الفقه والعربية، وكذا أذن له غيره وكتب له إجازة هائلة، وانتفع به أهل بلده بل وبعض الواردين، وكتب على متن أبى شجاع شرحا قرظه له كل من ابن الخلال والعبادى، وعرض عليه المناوى قضاء بلده فأبى وحج غير مرة أولها فى سنة تسع وستين ولازم بأخرة أخذ قماش معه مع عدم حظ له فى التجارة لغلبة سلامة الفطرة عليه، وكونه فى أكثر أوقاته متوجها
стр. 2168
وتمادى فى ذلك حتى سافر من مكة لهرمز بمتجر أكثر مما استدان فيه، فباعه أكرم بيع وأكرمه صاحبها وعاد على أحسن وجه فخرج عليهم السّراق فسلبوهم، فتوصل لعدن فأكرمه ابن طاهر وتبضع من هناك، وركب البحر راجعا راجيا الاستشراف على وفاء دينه، فمات على ظهر البحر فى أثناء سنة اثنتين وتسعين ودفن هناك، وكان فى الصلاح والخير بمكان رحمه الله تعالى انتهى.
стр. 2169
ترجمة عبد الله الأدكاوى
وفى الجبرتى أن منها الإمام الفاضل والأديب الكامل الناثر عبد الله بن سلامة الأدكاوى المصرى الشافعى الشهير بالمؤذن، ولد سنة أربع ومائة وألف ونشأ بالقرية المذكورة وحفظ القرآن بها، ثم أتى إلى مصر فحضر دروس علماء عصره واشتهر بفن الأدب ولازم فخر الأدباء فى عصره السيد على أفندى برهان زاده نقيب السادة الأشراف، فأكرمه وكفاه المؤنة من كل وجه وصار يعاطيه كئوس الآداب ويصافيه بمطارحة أشهى من ارتشاف الرضاب، وحج بصحبته فى سنة سبع وأربعين ومائة وألف، وعاد إلى مصر وأقبل على تحصيل الفنون الأدبية، فنظم ونثر ومهر ورحل إلى رشيد وفوة والإسكندرية مرارا، واجتمع على أعيان كل منها وطارحهم ومدحهم ثم بعد وفاة السيد النقيب لازم الشيخ الشبراوى مدة وبعد وفاته لازم الأستاذ الحفنى سفرا وحضرا فحصلت له العناية.
وألف كتبا كثيرة منها الدّرة الفريدة والمنح الربانية فى تقسيم آيات الحكم الفرقانية، ومختصر شرح بانت سعاد، والنزهة فى الفرائض، وديوانه المشهور الذى جعله على حروف الهجاء وغير ذلك.
توفى يوم الخميس خامس جمادى الأولى سنة أربع وثمانين ومائة وألف، وصلى عليه بالأزهر ودفن بتربة المجاورين قريبا من الشيخ الحفنى، وقد رثاه الشيخ على الشرنفاسى (١)
стр. 2170
بقوله:
إن الأدكاوى آوى … بفنون الشّعر لحده
كان فى الفنّ إماما … منجزا فى الفضل وعده
ولقد مات فأرخ … مات أس الشعر بعده
انتهى.
ومن كلامه قوله متوسلا بالنبى ﷺ (١):
يا رب بالهادى الشفيع محمد … من قد بدا هذا الوجود لأجله
وبآله الأمجاد ثم بصحبه الأ … خيار يا مغنى الورى من فضله
كن لى معينا فى معادى واكفنى … هم المعاش وما أرى من ثقله
واغفر بفضلك زلتى وارحم بعد … لك شيبتى واشف الحشا من غله
/ومن كلامه فى آل البيت:
آل طه يا أولى كل هدى … نزل القرآن فى تطهيركم
نوركم يجلودجا كل عنا … انظرونا نقتبس من نوركم
стр. 2171
ومن كلامه وقد حضر فى مجلس جماعة من مشاهير الكتاب، ولم يحضر فيه كاتب الوقت الضيائى الكاتب المشهور:
وناد قد حوى أقمار تم … من الكتاب زادوا فى البهاء
بهم قد زاد نورا وابتهاجا … فلا يحتاج فيه إلى الضياء
ثم قال يعضده فى المجلس:
لئن غدا مجلس الكتاب ليس به ال … مولى الضيائى من فى خطه بهرا
فالشمس من بعدها منها الضياء لقد … عمّ الورى فهو شمس غاب أو حضرا
والضيائى هذا على ما فى تاريخ الجبرتى هو: الأجل المكرم الفاضل النبيه النجيب الفقيه حسن أفندى ابن حسن الضيائى المصرى المجود المكتب، ولد فى سنة اثنتين وتسعين وألف فى منتصف جمادى الثانية كما وجد بخطه، واشتغل بالعلم على أعيان عصره واشتغل بالخط وجوده على مشايخ هذا الفن فى طريقتى الحمدية وابن الصائغ، أما طريقة الحمدية فعلى سليمان الشاكرى والجزائرى وصالح الحمامى، وأما طريقة ابن الصائغ فعلى الشيخ محمد ابن عبد المعطى السملاوى والشاكرى والحمامى جوّدا على عمر أفندى، وهو على درويش على، وهو على خالد أفندى، وهو على درويش محمد شيخ المشايخ حمد الله بن بير على المعروف بابن الشيخ الأماسى.
стр. 2172
وأما السملاوى فجود على محمد بن محمد بن محمد بن عمار وهو على والده، وهو على يحيى المرصفى، وهو على إسماعيل المكتب، وهو على محمد الوسيمى، وهو على أبى الفضل الأعرج وهو على ابن الصائغ بسنده.
وكان الضيائى شيخا مهيبا بهىّ الشكل منوّر الشّيبة شديد الانجماع عن الناس، وكان يعاشر الشيخ محمد الطائىّ كثيرا ويذاكره فى العلوم والمعارف ويكتب غالب تقاريره على ما يكتبه بيده من الرسائل، وقد أجاز فى الخط أناسا بكثرة وتوفى فى منتصف ذى الحجة سنة ثمانين ومائة وألف، ومن كلام الأدكوى أيضا فى عنز الشيخ عبد اللطيف كبير خدمة ضريح السيدة نفيسة:
ببنت رسول الله طيبة السنا … نفيسة لذ تظفر بما شئت من عز
ورم من جداها كل خير فإنها … لطلابها يا صاح أنفع من كنز
ومن أعجب الأشياء تيس أراد أن … يضلّ الورى فى حبها منه بالعنز
فعاجلها من نوّر الله قلبه … بذبح وأضحى التيس من أجلها مخزى
ولهذه العنز قصة مشهورة حاصلها كما فى الجبرتى (١): أنه فى سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف أظهر خدام المشهد النفيسى، وكان كبيرهم إذ ذاك الشيخ عبد اللطيف عنزا صغيرا مدربا زعموا أن جماعة من الأسرى ببلاد النصارى توسلوا بالسيدة نفيسة وأحضروا ذلك العنز وعزموا على ذبحه فى ليلة يجتمعون فيها يذكرون ويدعون ويتوسلون فى خلاصهم ونجاتهم من الأسر، فاطلع عليهم الكافر فزجرهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنزوبات تلك الليلة فرأى رؤيا
стр. 2173
هالته، فلما أصبح أعتقهم وأطلقهم وأعطاهم دراهم وصرفهم مكرمين فنزلوا فى مركب وحضروا إلى مصر وصحبتهم تلك العنز وذهبوا بها إلى المشهد النفيسى، وذكروا فيها خرافات كبيرة.
فمنهم من يقول: إنهم أصبحوا فوجدوها عند المقام، ومنهم من يقول فوق المنارة، ومن يقول سمعناها تتكلم أو أن السيدة تكلمت وأوصت عليها، وأن الشيخ سمع كلامها من القبر، ثم أبرزها الشيخ للناس وأجلسها بجانبه ويقول للناس ما يقوله: من الكذب والخرافات التى يستجلب بها الدنيا، وتسامع الناس بذلك فأقبل الرجال والنساء من كل فج لزيارة تلك العنز وأتوا إليه بالنذور والهدايا وعرفهم أنها لا تأكل إلا قلب اللوز والفستق، ولا تشرب إلا ماء الورد والسكر المكرر، فأتوه من أصناف ذلك بالقناطير وعمل النساء للعنز قلائد الذهب وأطواق الذهب ونحو ذلك من الحلى، وافتتنوا بها وشاع خبره فى بيوت الأمراء وأكابر النساء فأرسلن على قدر مقامهن من النذور والهدايا وذهبن لزيارتها ومشاهدتها وازدحمن عليها فأرسل الأمير عبد الرحمن كتخدا إلى الشيخ عبد اللطيف يلتمس منه حضوره إليه بتلك العنز ليتبرك بها هو وحريمه.
فركب الشيخ بغلته والعنز فى حجره ومعه طبول وبيارق وحوله الجم الغفير من الناس ودخل بها بيت الأمير المذكور على تلك الحالة، وصعد بها إلى مجلسه وعنده حينئذ الكثير من الأمراء والأعيان فزارها وتملس بها ثم أمر بإدخالها الحريم ليتبركن بها، وقد كان أوصى/قبل حضور الشيخ بذبحها وطبخها فلما أخذوها ليذهبوا بها إلى الحريم أدخلوها فى المطبخ وذبحوها وعملوها قمه ثم لما حضر الغداء أخرجوها فى صحن ووضعوها بين أيديهم فأكلوا منها والشيخ عبد اللطيف صار يأكل والكتخدا يقول: كل يا شيخ من هذا الرّميس السمين،
стр. 2174
فيأكل ويقول: والله إنه طيب ونفيس وهو لا يعلم أنه عنزه وهم يتغامزون ويضحكون، فلما فرغوا من الأكل وشربوا القهوة طلب الشيخ العنز، فعرفه الأمير أنها هى التى كانت بين يديه فى الصحن وأكل منها فبهت عند ذلك ثم بكته الأمير ووبخه وأمره بالانصراف، وأمر أن يوضع جلد العنز على عمامته ويذهب به كما جاء بجمعيته وبين يديه الطبول والأشائر ووكّل به من أوصله إلى محله على تلك الصورة أ. هـ جبرتى.
ترجمة عبد الرحمن كتخدا وبعض عمائره
وقد ذكر فى موضع آخر من كتابه ترجمة الأمير عبد الرحمن كتخدا المذكور، بأنه الأمير الكبير والرئيس الشهير عبد الرحمن كتخدا ابن حسن جاويش القازدغلى أستاذ سليمان جاويش أستاذ إبراهيم كتخدا مولى جميع الأمراء المصرية.
ومبدأ إقبال الدنيا عليه، أنه لما مات عثمان كتخدا القازدغلى واستولى سليمان جاويش الجوخدار على موجوده ولم يعط المترجم الذى هو ابن سيد أستاذه شيئا، ولم يجد من يساعده فى إيصال حقه إليه من طائفة باب الينكجرية، حنق منهم وخرج من بابهم وانتقل إلى وجاق العزب، وحلف أنه لا يرجع إلى وجاق الينكجرية ما دام سليمان جاويش الجوخدار حيّا وبرّ فى قسمه، فإنه لما مات سليمان جاويش ببركة الحاج سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف، بادر
стр. 2175
سليمان كتخدا الجاويشية زوج أم المترجم، واستأذن عثمان بيك فى تقليده جاويشا للسردارية عوضا عن سليمان جاويش لأنه وارثه ومولاه، فأحضروه ليلا وقلدوه ذلك وأحضروا الكتاب والدفاتر وسلموه مفاتيح الخشخانة والتركة بأجمعها، وكان شيئا كثيرا وكذلك تقاسيط البلاد، ولم تطمع نفس عثمان بيك فى شئ وأخذ المترجم غرضه من باب العزب ورجع إلى باب الينكجرية، فنما أمره من حينئذ وحج صحبة عثمان بيك سنة خمس وخمسين وأقام هناك إلى سنة إحدى وستين، ثم حضر مع الحجاج فتولى كتخدا الوقف سنتين، وشرع فى بناء المساجد وعمل الخيرات وإبطال المنكرات، فأبطل خمامير حارة اليهود، وأول عمارة له بعد رجوعه السّبيل والمكتب الذى يعلوه بين القصرين، ثم أنشأ جامع المغاربة وعمل عند بابه سبيلا ومكتبا وميضأة، وأنشأ تجاه باب الفتوح مسجدا بمنارة وصهريجا ومكتبا، وأنشأ مدفنا للست السّطوحية، وأنشأ بالقرب من تربة الأزبكية سقاية وحوضا لسقى الدوّاب ويعلوه مكتب، وفى الحطابة كذلك، وعند جامع الدشطوطى كذلك.
ومن إنشائه أيضا الزيادة التى بمقصورة الجامع الأزهر وهى الإيوان الكبير المشتمل على خمسين عمودا من الرخام، تحمل مثلها من البوائك المقوصرة المرتفعة المتخذة من الحجر المنحوت وسقف أعلاها بالخشب النقى وبنى به محرابا جديدا وعمل بجواره منبرا، وأنشأ بابا عظيما تجاه حارة كتامة، وبنى أعلاه مكتبا بقناطر معقودة على أعمدة من الرخام وجعل بداخل الباب رحبة متسعة وجعل بها صهريجا وسقاية لشرب المارين، وعمل بها أيضا لنفسه مدفنا وجعل عليه قبة معقودة وتركيبة من الرخام، وعمل بها أيضا رواقا مخصوصا لمجاورى الصعايدة المنقطعين لطلب العلم، وجعل بابه يسلك إليه من تلك الرحبة وعمل به مطبخا ومخادع وخزائن كتب وبنى بجانب ذلك الباب منارة.