ومن كلامه وقد حضر فى مجلس جماعة من مشاهير الكتاب، ولم يحضر فيه كاتب الوقت الضيائى الكاتب المشهور:
وناد قد حوى أقمار تم … من الكتاب زادوا فى البهاء
بهم قد زاد نورا وابتهاجا … فلا يحتاج فيه إلى الضياء
ثم قال يعضده فى المجلس:
لئن غدا مجلس الكتاب ليس به ال … مولى الضيائى من فى خطه بهرا
فالشمس من بعدها منها الضياء لقد … عمّ الورى فهو شمس غاب أو حضرا
والضيائى هذا على ما فى تاريخ الجبرتى هو: الأجل المكرم الفاضل النبيه النجيب الفقيه حسن أفندى ابن حسن الضيائى المصرى المجود المكتب، ولد فى سنة اثنتين وتسعين وألف فى منتصف جمادى الثانية كما وجد بخطه، واشتغل بالعلم على أعيان عصره واشتغل بالخط وجوده على مشايخ هذا الفن فى طريقتى الحمدية وابن الصائغ، أما طريقة الحمدية فعلى سليمان الشاكرى والجزائرى وصالح الحمامى، وأما طريقة ابن الصائغ فعلى الشيخ محمد ابن عبد المعطى السملاوى والشاكرى والحمامى جوّدا على عمر أفندى، وهو على درويش على، وهو على خالد أفندى، وهو على درويش محمد شيخ المشايخ حمد الله بن بير على المعروف بابن الشيخ الأماسى.
стр. 2172
وأما السملاوى فجود على محمد بن محمد بن محمد بن عمار وهو على والده، وهو على يحيى المرصفى، وهو على إسماعيل المكتب، وهو على محمد الوسيمى، وهو على أبى الفضل الأعرج وهو على ابن الصائغ بسنده.
وكان الضيائى شيخا مهيبا بهىّ الشكل منوّر الشّيبة شديد الانجماع عن الناس، وكان يعاشر الشيخ محمد الطائىّ كثيرا ويذاكره فى العلوم والمعارف ويكتب غالب تقاريره على ما يكتبه بيده من الرسائل، وقد أجاز فى الخط أناسا بكثرة وتوفى فى منتصف ذى الحجة سنة ثمانين ومائة وألف، ومن كلام الأدكوى أيضا فى عنز الشيخ عبد اللطيف كبير خدمة ضريح السيدة نفيسة:
ببنت رسول الله طيبة السنا … نفيسة لذ تظفر بما شئت من عز
ورم من جداها كل خير فإنها … لطلابها يا صاح أنفع من كنز
ومن أعجب الأشياء تيس أراد أن … يضلّ الورى فى حبها منه بالعنز
فعاجلها من نوّر الله قلبه … بذبح وأضحى التيس من أجلها مخزى
ولهذه العنز قصة مشهورة حاصلها كما فى الجبرتى (١): أنه فى سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف أظهر خدام المشهد النفيسى، وكان كبيرهم إذ ذاك الشيخ عبد اللطيف عنزا صغيرا مدربا زعموا أن جماعة من الأسرى ببلاد النصارى توسلوا بالسيدة نفيسة وأحضروا ذلك العنز وعزموا على ذبحه فى ليلة يجتمعون فيها يذكرون ويدعون ويتوسلون فى خلاصهم ونجاتهم من الأسر، فاطلع عليهم الكافر فزجرهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنزوبات تلك الليلة فرأى رؤيا
стр. 2173
هالته، فلما أصبح أعتقهم وأطلقهم وأعطاهم دراهم وصرفهم مكرمين فنزلوا فى مركب وحضروا إلى مصر وصحبتهم تلك العنز وذهبوا بها إلى المشهد النفيسى، وذكروا فيها خرافات كبيرة.
فمنهم من يقول: إنهم أصبحوا فوجدوها عند المقام، ومنهم من يقول فوق المنارة، ومن يقول سمعناها تتكلم أو أن السيدة تكلمت وأوصت عليها، وأن الشيخ سمع كلامها من القبر، ثم أبرزها الشيخ للناس وأجلسها بجانبه ويقول للناس ما يقوله: من الكذب والخرافات التى يستجلب بها الدنيا، وتسامع الناس بذلك فأقبل الرجال والنساء من كل فج لزيارة تلك العنز وأتوا إليه بالنذور والهدايا وعرفهم أنها لا تأكل إلا قلب اللوز والفستق، ولا تشرب إلا ماء الورد والسكر المكرر، فأتوه من أصناف ذلك بالقناطير وعمل النساء للعنز قلائد الذهب وأطواق الذهب ونحو ذلك من الحلى، وافتتنوا بها وشاع خبره فى بيوت الأمراء وأكابر النساء فأرسلن على قدر مقامهن من النذور والهدايا وذهبن لزيارتها ومشاهدتها وازدحمن عليها فأرسل الأمير عبد الرحمن كتخدا إلى الشيخ عبد اللطيف يلتمس منه حضوره إليه بتلك العنز ليتبرك بها هو وحريمه.
فركب الشيخ بغلته والعنز فى حجره ومعه طبول وبيارق وحوله الجم الغفير من الناس ودخل بها بيت الأمير المذكور على تلك الحالة، وصعد بها إلى مجلسه وعنده حينئذ الكثير من الأمراء والأعيان فزارها وتملس بها ثم أمر بإدخالها الحريم ليتبركن بها، وقد كان أوصى/قبل حضور الشيخ بذبحها وطبخها فلما أخذوها ليذهبوا بها إلى الحريم أدخلوها فى المطبخ وذبحوها وعملوها قمه ثم لما حضر الغداء أخرجوها فى صحن ووضعوها بين أيديهم فأكلوا منها والشيخ عبد اللطيف صار يأكل والكتخدا يقول: كل يا شيخ من هذا الرّميس السمين،
стр. 2174
فيأكل ويقول: والله إنه طيب ونفيس وهو لا يعلم أنه عنزه وهم يتغامزون ويضحكون، فلما فرغوا من الأكل وشربوا القهوة طلب الشيخ العنز، فعرفه الأمير أنها هى التى كانت بين يديه فى الصحن وأكل منها فبهت عند ذلك ثم بكته الأمير ووبخه وأمره بالانصراف، وأمر أن يوضع جلد العنز على عمامته ويذهب به كما جاء بجمعيته وبين يديه الطبول والأشائر ووكّل به من أوصله إلى محله على تلك الصورة أ. هـ جبرتى.
ترجمة عبد الرحمن كتخدا وبعض عمائره
وقد ذكر فى موضع آخر من كتابه ترجمة الأمير عبد الرحمن كتخدا المذكور، بأنه الأمير الكبير والرئيس الشهير عبد الرحمن كتخدا ابن حسن جاويش القازدغلى أستاذ سليمان جاويش أستاذ إبراهيم كتخدا مولى جميع الأمراء المصرية.
ومبدأ إقبال الدنيا عليه، أنه لما مات عثمان كتخدا القازدغلى واستولى سليمان جاويش الجوخدار على موجوده ولم يعط المترجم الذى هو ابن سيد أستاذه شيئا، ولم يجد من يساعده فى إيصال حقه إليه من طائفة باب الينكجرية، حنق منهم وخرج من بابهم وانتقل إلى وجاق العزب، وحلف أنه لا يرجع إلى وجاق الينكجرية ما دام سليمان جاويش الجوخدار حيّا وبرّ فى قسمه، فإنه لما مات سليمان جاويش ببركة الحاج سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف، بادر
стр. 2175
سليمان كتخدا الجاويشية زوج أم المترجم، واستأذن عثمان بيك فى تقليده جاويشا للسردارية عوضا عن سليمان جاويش لأنه وارثه ومولاه، فأحضروه ليلا وقلدوه ذلك وأحضروا الكتاب والدفاتر وسلموه مفاتيح الخشخانة والتركة بأجمعها، وكان شيئا كثيرا وكذلك تقاسيط البلاد، ولم تطمع نفس عثمان بيك فى شئ وأخذ المترجم غرضه من باب العزب ورجع إلى باب الينكجرية، فنما أمره من حينئذ وحج صحبة عثمان بيك سنة خمس وخمسين وأقام هناك إلى سنة إحدى وستين، ثم حضر مع الحجاج فتولى كتخدا الوقف سنتين، وشرع فى بناء المساجد وعمل الخيرات وإبطال المنكرات، فأبطل خمامير حارة اليهود، وأول عمارة له بعد رجوعه السّبيل والمكتب الذى يعلوه بين القصرين، ثم أنشأ جامع المغاربة وعمل عند بابه سبيلا ومكتبا وميضأة، وأنشأ تجاه باب الفتوح مسجدا بمنارة وصهريجا ومكتبا، وأنشأ مدفنا للست السّطوحية، وأنشأ بالقرب من تربة الأزبكية سقاية وحوضا لسقى الدوّاب ويعلوه مكتب، وفى الحطابة كذلك، وعند جامع الدشطوطى كذلك.
ومن إنشائه أيضا الزيادة التى بمقصورة الجامع الأزهر وهى الإيوان الكبير المشتمل على خمسين عمودا من الرخام، تحمل مثلها من البوائك المقوصرة المرتفعة المتخذة من الحجر المنحوت وسقف أعلاها بالخشب النقى وبنى به محرابا جديدا وعمل بجواره منبرا، وأنشأ بابا عظيما تجاه حارة كتامة، وبنى أعلاه مكتبا بقناطر معقودة على أعمدة من الرخام وجعل بداخل الباب رحبة متسعة وجعل بها صهريجا وسقاية لشرب المارين، وعمل بها أيضا لنفسه مدفنا وجعل عليه قبة معقودة وتركيبة من الرخام، وعمل بها أيضا رواقا مخصوصا لمجاورى الصعايدة المنقطعين لطلب العلم، وجعل بابه يسلك إليه من تلك الرحبة وعمل به مطبخا ومخادع وخزائن كتب وبنى بجانب ذلك الباب منارة.
стр. 2176
وأنشأ بابا آخر جهة مطبخ الجامع وبنى فوقه منارة وبنى مدرسة الطيبرسية بناء جديدا، وجعلها مع مدرسة الآقبغاوية التى فى مقابلتها من داخل الباب الكبير الذى أنشأه تجاه القبو الموصل للمشهد الحسينى، وهو عبارة عن بابين عظيمين وعمل على يمينهما منارة وفوقهما مكتبا وبداخلهما عن يمين السالك بظاهر الطيبرسية ميضأة، وأنشأ لها ساقية لخصوص إيصال الماء، إليها، وعمل أيضا رواقا للبغداديين والهنود بداخل هذا الباب وأرخ بعضهم ذلك بقوله:
تبارك الله باب الأزهر انفتحا … وعاد أحسن مما كان وانصلحا
تقرّ عينا إذا شاهدت بهجته … بإخلاص بانيه للعلماء والصلحا (١)
وادخل على أدب تلقى الهداة به … قد قرّروا حكما ميزانها رجحا
بالباب قد بدأ الأكوان أرّخه … بعبد رحمن باب الأزهر انفتحا
وأنشأ رواقا للمكاويين وللتكروريين، وبنى جامع المشهد الحسينى وعمل به صهريجا وزاد فى مرتباته وفى مرتبات الأزهر، ورتب لمطبخه فى خصوص شهر رمضان كل يوم خمسة أرادب أرز أبيض وقنطار سمن، وغير ذلك من اللحم والزيت والوقود.
وأنشأ عند باب البرقية المعروف بالغريب جامعا وصهريجا وحوضا وسقاية ومكتبا ورتب فيه تدريسا وكذلك/فى جهة الأزبكية بالقرب من كوم الشيخ سلامة وعمّر المسجد الذى بجوار ضريح الإمام الشافعى فى مكان المدرسة الصلاحية، وعمل عند باب قبة الإمام الصهريج والمقصورة الكبيرة التى بها ضريح شيخ الإسلام زكريا الأنصارى فيما بين المسجد
стр. 2177
ودهليز القبة، وقد أزيلت الآن عند هدم المسجد وإرادة تجديده، وفرش طريق القبة بالرخام الملوّن وجعل من داخل الدهليز البرانى بوابة كبيرة وعمل على الدهليز البرانى من كلا الجهتين بوابتين.
وعمّر أيضا المشهد النفيسى والمسجد وبنى الضريح وبنى مشهد السيدة زينب بقناطر السباع ومشهد السيدة سكينة بخط الخليفة، والمشهد المعروف بالسيدة عائشة بالقرب من باب القرافة، والسيدة فاطمة والسيدة رقية والجامع والرباط تجاه عابدين، وكذا جامع أبى السعود الجارحى، ومسجد شرف الدين الكردى بالحسينية والمسجد الذى بخط الموسكى.
وبنى للشيخ الحفنى دارا بجواره وجعل لها بابا يوصل إليه.
وعمر المدرسة السيوفية المشهورة بالشيخ مطهر بخط باب الزهومة، وبنى لوالدته بها مدفنا، وأنشأ خارج باب القرافة حوضا وسقاية وصهريجا وجدد المارستان المنصورى، وهدم أعلى القبة الكبيرة المنصورية والقبة التى كانت بأعلى الفسحة من خارج ولم يعد عمارتها، بل سقف قبة المدفن فقط وترك الأخرى مكشوفة، ورتب له خيرات زيادة عن البقايا القديمة.
ومن عمائره أيضا دار سكنه التى بحارة عابدين وكانت من الدور العظيمة المحكمة الوضع، وإنشاءاته كثيرة جدا حتى اشتهر بذلك وسمى صاحب الخيرات والعمائر فى مصر والشام والروم، وعدة المساجد التى أنشأها وجددها وأقيمت بها الجمعة والجماعة ثمانية عشر مسجدا غير الزوايا والمدارس والأسبلة والسقايات والمكاتب والحيضان والقناطر والرباطات والجسور.
وكان له فى هندسة الأبنية وحسن وضع العمائر ملكة، يقتدر بها على ما يرومه من الوضع من غير مباشرة ولا مشاهدة، ولو لم يكن له من المآثر إلا ما أنشأ بالجامع الأزهر والمشهد الحسينى والزينبى والنفيسى لكفاه ذلك.
стр. 2178
ولم يزل هذا شأنه إلى أن عظم أمر على بيك وأخرجه منفيا إلى الحجاز وذلك فى أوائل شهر القعدة سنة ثمان وسبعين ومائة وألف هـ، فأقام بالحجاز اثنتى عشرة سنة، ثم لما سافر يوسف بيك أميرا بالحج صمم على إحضاره معه إلى مصر، فأحضره وذلك فى سابع شهر صفر سنة تسعين ومائة وألف، وقد استولى عليه المرض فمكث فى بيته مريضا أحد عشر يوما ومات.
وكانت جنازته حافلة حضرها العلماء والأمراء والتجار ومؤذنوا المساجد وأولاد المكاتب وصلى عليه بالأزهر ودفن فى مدفنه الذى أعدّه لنفسه بالأزهر عند الباب القبلى، غير أنه عفا الله عنه كان يقبل الرشا، ويتحيل على مصادرة بعض الأغنياء فى أموالهم، واقتدى به فى ذلك غيره حتى صارت سنة مقررة وطريقة مسلوكة ليست مستنكرة وغير ذلك.
وكان ﵀ مربوع القامة أبيض اللون مسترسل اللحية ويغلب عليها البياض معجبا بنفسه يشار إليه بالبنان انتهى.
стр. 2179
أرمنت
مدينة قديمة بالصعيد الأقصى كانت تعرف بسرمنت وفى أعصر الفراعنة كانت تسمى هيرمنطيس، وهى واقعة فى أرض مستوية فى غربى النيل على بعد ستين مترا وفى الجنوب الغربى لمدينة طيبة على بعد ميريا متر، وهى قليلة النخيل وبها جامع بمنارة مرتفعة وأرضها صالحة للزرع.
وكانت مدينة هيرمنطيس فى الأزمان القديمة رأس مديرية غير مديرية طيبة كما اتفق على ذلك استرابون وبلين وبطليموس، وفى زمن القياصرة كانت تضرب فيها المداليات كما كانت تضرب فى غيرها، وكان فيها فرقة من العساكر الرومانية وأسقفية بقيت زمانا طويلا ذكر منهم فى تاريخ النصرانية جماعة وإلى الآن يسكنها جماعة كثيرة من الأقباط، وقبر مارى جرجس الذى هو من أكبر المحترمين عند النصارى باق بها إلى الآن.
وفى كتب الفرنساوية أن عندها فى جهة الشمال على بعد أربعمائة متر من المئذنة معبدا قديما مصريا منسوبا لجوبتير هيرمونيت بجوار عزبة ملحقة بالمدينة، وهو من آثار مدينة هيرمنطيس القديمة وكان حول هذا المعبد خراب طوله ١٠٠٠ متر تقريبا، وهو يدل على أن المدينة كانت فى غاية العظم، وحوله أيضا أثر سور قديم وفى جهة الجنوب حوض من الحجر
стр. 2180
وفى محوره على اليمين والشمال آثار متفرقة فى آخرها أثر باب، والغالب أن الطريق التى على استقامة المحور هى أحد شوارع المدينة القديمة، وهناك أثر بناء على بعد مائتى متر فى جنوب المعبد يظهر أنه محل كنيسة أو دير، وذلك المعبد باق على معالمه ظاهر على الأرض بخلاف غيره من المعابد، فمنها ما هو مردوم ومنها ما هو متخرب ضاعت معالمه أو بعضها، وطول هذا المعبد ٤٦ مترا وعرضه ١٨ مترا وأعظم ارتفاع أعمدته ٥٠ ر ١٣ مترا وقطره متر وستة أجزاء من مائة، وهو مبنى من الحجر الصوان كغيره من المعابد وسقفه من حجارة متلاصقة طول الواحد منها خمسة أمتار وعرضه متران، وعلى بعضها كتابة قديمة فى سطوح لحاماتها الداخلة محفوظة إلى الآن تدل على أنها/استعملت قبل بناء هذا المعبد فى معابد أخرى، ثم نقلت منها إليه ويشاهد أيضا مثل ذلك فى كثير من المعابد.
وأما النقوش التى على حيطانه فقد حصل لها بعض تلف، يظهر أنه بسبب هدم بعض حيطان كانت ملحقة به، وأعمدته ليست على صفة واحدة بل أصغرها فى دهليزه، وأكبرها فى الجزء الخارج، وأوسطها فى السور الوسط، بخلاف غيره من المعابد وعدد أعمدة الدهليز ١٨ وأعمدة السور الوسط ١٤ وأعمدة الجزء الخارج ٦، وفى داخل المعبد ثلاث أود ارتفاع الواحدة منها ٧ أمتار وكان حوله أسوار تحيط به.
стр. 2181
وهاك نسب تلك الأعمدة بالنسبة للمدول أعنى نصف قطر قاعدة العمود:
فعمود الوسط يخالف عمود الخارج فى نسب البدن والصحفة مع بقاء الطريقة والمدول فى أحدهما وينقص عنه فى الثانى بقدر السدس تقريبا، ويرى فى النقوش التى فوق أودة العبادة أن المقدسة إزيس ترضع ولدها هربوكرات-أو هوروس-وهى تارة فى صورة إنسان وتارة رأسها رأس بقرة، وكذلك صور جملة من النساء ما بين متأهلة لإعطائه ثديها ومستعدة لخدمته وقابضة بيدها عليه، وتشاهد إزيس على سرير مزين بأرجل السبع ورأسه، وعلى يمين حامل وسط السرير وشماله بقرة يرضعها طفل.
وفى مقابلة هذه النقوش نقوش أخرى، ترى فيها إزيس فى حالة الوضع وحواليها نسوة متهيآت لخدمتها، ومن جملتهن مرضعة وعندها جعل ناشر جناحيه وأمامه كرة يظهر أنها تعلو على الطفل، وفى أعلى هذه الصورة ١٤ باشقا رؤوسها رؤوس نساء يسبقها نسر مسلحة
стр. 2182
أرجله، وفى سقف محل العبادة نقوش عجيبة فى شمالها وجه ثور وعلى يمينها عقرب وهاتان الصورتان أعظم جميع الصور فى الكبر.
وبينهما فى وسط النقوش رجل فى مركب وجهه جهة الثور، وإحدى ذراعيه مرفوعة والأخرى منخفضة وفى أمامه وخلفه كبشان يسير أحدهما عكس مسير الأخر وباشق رأسه رأس كبش وجعلان أجنحتهما أجنحة باشق، ثم صورة صغيرة جالسة فى مركب، وجميع هذه الرسوم محوّطة من ثلاث جهاتها بصورة امرأة منحنية ملقية ذراعيها وجسدها عبارة عن شريط مرسوم عليه عدة كور وصور جاثية على ركبها.
وجميع هذه الرسوم تدل على منطقة البروج وعلى صورة الثور والعقرب المميزين عن غيرهما بالكبر، وهما البرجان المتقابلان فى خط نصف منطقة البروج، يعنى إذا فرض أن الثور يوافق أحد الاعتدالين فيكون العقرب موافقا للاعتدال الثانى، ولكون هذه الرسوم دالة على الاعتدالين كانت أزيس عند المصريين إشارة إلى خصوبة الأرض، وهوروس أو هربوكرات إشارة للمحصولات الأرضية الناشئة من اجتماع إزيس وأزريس، ومن هنا يظهر أن رسم إزيس على حجارة السقف إشارة إلى ظهور النباتات من الأرض بعد خصبها فى وقت المنقلب الشتوى، وتحريك الجعل الكرة إشارة إلى التناسل، وأما كون أجنحتها أجنحة باشق منشورة فهى إشارة إلى ابتداء الشمس فى السير نحو العلوّ بسرعة؛ لأنه فى وقت المنقلب الشتوى تكون الأيام قصيرة بالنسبة لأيام السنة.
стр. 2183
وكان المصريون يجعلون إشارتها فى تلك الحالة صورة شاب صغير، وحيث إنها من ابتداء هذا الوقت تأخذ فى الصعود إلى النصف الأعلى من الكرة اختاروا أجنحة الباشق الذى هو إشارة إلى الشمس للدلالة على سيرها، وأما إرضاع هوروس المرسوم فى مواجهة وجه/ إزيس فهو إشارة لنمو النبات برضاعه من الأرض ولزيادة طول الأيام بعد المنقلب الشتوى، وفى هذه الحالة يرى فى صورة طفل يرضع البقر ثم يصير كبيرا ويشاهد على فخذى إزيس وهى تعطيه ثديها ويرضعه بعد ذلك امرأتان رأسهما رأس بقر، ثم يرى على أفخاذ أربع نسوة بعد كبره، وفى هذه الحالة يرى أنه واضع أصبعه على فمه، وعلى صدره قلادة وكل ذلك دلالة على تنقله من درجات الصغر.
وأما الرسوم التى على باب محل العبادة، فيظهر أنها تدل على المنقلب الصيفى، فإن الباشق الناشر جناحيه إشارة إلى الشمس والتاج المتوج به إشارة إلى القدرة، ويدل ذلك على أن الشمس فى غاية قدرتها، وعيدان النيلوفر تدل على فيضان النيل الذى مبدؤه المنقلب الصيفى، والسبع المسلح إشارة إلى ذلك أيضا، لأنه إن فرض أن الاعتدال الخريفى حصل فى برج الثور والاعتدال الربيعى فى برج العقرب كان المنقلب الصيفى فى برج الأسد وما ذكرناه سابقا يدل على مدة فلكية، وهى المدة التى كان فيها الثور فى محل أحد الاعتدالين والأسد فى المنقلب الصيفى.
стр. 2184
وحينئذ فمعبد أرمنت بنى للدلالة على الأوقات الأربع المذكورة بين المنقلبين والاعتدالين، ثم أنه يلزم التنبيه على أن أبعاد هذا المعبد بينها وبين الذراع العتيق نسبة صحيحة تظهر من هذا الجدول.
وهكذا باقى الأجزاء ولم يستدل إلا على حوض المقياس فقط وأبعاده هى:
وهكذا باقى الأجزاء انتهى.
стр. 2185
وأرمنت الآن من قسم إسنا وبينها وبين النيل نحو خمسمائة متر ومنازلها على التل القديم الذى به المعبد وفيها بنية جيدة وثلاث مساجد جامعة بمنارات ومعامل دجاج وكوهرجله وبدائرها حدائق ذات بهجة وأشجار ونخيل كثير، وفى جنوبها عمارة ابتنى بها المرحوم مصطفى باشا أخو الخديو إسماعيل باشا مسجدا فاخرا بمنارة، وفيها له فوريقتان لعصر القصب وعمل السكر وبها سويقة بدكاكين عامرة بالعقاقير والبز، وبها مساكن مستخدمى الجفلك.
ومن تلك العمارة إلى البلد طريق متسع محفوف بالأشجار من الجانبين وفى شمال البلدة بنحو ألف متر قرية المريس، وفى جنوبها بنحو ألف وأربعمائة متر ناحية الريانية وسوقها كل يوم اثنين وفيها تباع الكلاب المشهورة بالأرمنتية، وهى كلاب كثيرة الشعر جسيمة صالحة للتأدب والحراسة، وقد ازدادت عماريتها بوجود الجفالك السنية بها حتى عادت لها عادتها القديمة، فهى معتبرة قديما وحديثا، وأكثر أهلها مسلمون ونشأ منها أفاضل وعلماء ذكر منهم فى الطالع السعيد جماعة منهم.
стр. 2186
ترجمة ابن قدس الملقب بالشمس
الشيخ أحمد بن محمد (١) هبة الله بن قدس الشافعى الملقب بالشمس كان شاعرا مجيدا وناثرا فائقا تولى الحكم بمدينة قوص ومن كلامه:
حاشاكمو أن تقطعوا صلة الذى … أو تصرفوا علم المعانى أحمدا
هو مبتدا نجباء أبنا جنسه … والله يأبى غير رفع المبتدا
أغريتموا الزّمن المشتت شمله … وحذفتموه كأنه حرف النّدا
ترجمة ابن الأسعد
ومنهم عبد البارى بن أبى على الحسن ينعت بالكمال ويعرف بابن الأسعد البكرى كان فقيها بمذهب مالك ومذهب/الشافعى حفظ كتاب ابن الحاجب فى مذهب مالك والتعجيز فى مذهب الشافعى، ويحكى أن قاضى القضاة القشيرى قال له: اكتب على باب بلدك أنه ما خرج منها أفقه منك، وكان متورعا زاهدا.
стр. 2187
ومنهم الحسن بن عبد الرحيم بن الأثير القرشى محيى الدين الأرمنتى الفقيه الشافعى، كان من الصالحين الفقهاء العلماء العاملين، وتولى التدريس بمدرسة أسيوط سنين، وسافر من أسيوط فتوفى فى الطريق وحمل إلى مصر ودفن بسفح الجبل المقطم، وكان ممن يتبرك به الناس ويقصدون الدعاء منه وكان وفاته فى سنة سبع وتسعين وستمائة انتهى.
وذكر صاحب حسن المحاضرة أن منها سراج الدين يونس بن عبد المجيد الأرمنتى الشافعى، ولد فى المحرم سنة أربع وأربعين وستمائة، واشتغل بقوص على المجد ابن دقيق العيد وأجازه بالفتوى، ثم ورد مصر فأخذ عن علمائها وصار فى الفقه من كبار الأئمة مع فضيلته فى النحو والأصول وتصدر للإقراء، وصنف كتاب الجمع والفرق، والمسائل المهمة فى اختلاف الأئمة، لسعه ثعبان بقوص فمات فى ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
وقد أنشأ الخديو إسماعيل باشا بأرمنت ديوان تفتيش لزراعته وفوريقة فرنساوية بعصارتين لعصر القصب وعمل السكر بأنواعه، وهى مستوفية الآلات والوابورات مثل فوريقة أبى كساء وغيرها، إلا أنه ليس بها وابور الروم الذى يستخرج به السبيرتو، فلذا ينقل منها العسل نمرة ثلاثة إلى فوريقة المطاعنة لاستخراجه هناك، ومتحصل الفوريقة يوميا ثمانمائة وثلاثة وثلاثون قنطارا من السكر الأبيض الحب، وأربعمائة وثمانية وعشرون قنطارا من السكر الأحمر الأقماع، ومائتان وأربعة عشر قنطارا من العسل، ولها سكك حديد زراعية لنقل القصب من الغيطان، وفرع متصل بها وبالنيل عند مرسى المراكب لنقل الآلات الواردة بطريق البحر، وفرع يوصل إلى المطاعنة وهناك على البحر وابورات لسقى المزروعات قوة كل ستون حصانا.
стр. 2188
أسفون
بالسين أو بالصاد بعد الهمزة. قرية من قرى المطاعنة بمديرية إسنا فى بحريها إلى الغرب بنحو عشرة آلاف متر، وفى الجنوب الغربى للكيمان بنحو ثلاثة آلاف متر، وفيها جامع بمنارة مبنى بالآجر وثلاثة معامل دجاج ونخيل كثير، وأكثر أهلها مسلمون وتكسبهم من الزرع ويمر عليها جسر أسفون السلطانى، وفيها بيت مشهور بمضيفة متسعة لعائلة يقال لهم: بيت القاضى، منهم ناظر قسم وحاكم خط.
وفى خطط المقريزى: أن أسفون كانت من أحسن بلاد مصر وأكثر نواحى الصعيد فواكه، وكان بها دير كبير رهبانه معروفون بالعلم والمهارة، فخربت أسفون وخرب ديرها، وهذا آخر أديرة الصعيد، وهى كلها متلاشية آيلة إلى الدثور، بعد كثرة عمارتها ووفور أعداد رهبانها وسعة أرزاقهم وكثرة ما كان يحمل إليهم انتهى.
стр. 2189
مطلب ذكر علماء أسفون
وإليها ينسب جماعة من العلماء ذكر فى الطالع السعيد (١) منهم: الحسين بن محمد بن هبة الله الشّرف المعروف بقطينة الأسفونى، شاعر ناثر له حكايات مشهورة، وطرائف مأثورة، منها أنه طلع إلى مصلى يوم عيد النحر وإذا بجانبه شخص، فلما ذكر قصة الذبيح بكى ذلك الشخص زمانا طويلا فالتفت إليه وقال له: ما هذا البكاء الطويل أما سمعت فى العام الماضى أنه سلم وما أصابه شئ، ومات له صاحبان خصيصان فقال الشهاب أحمد بن أبى الحسن الأسفونى ما لقطينة تأخر عنهما؟ فبلغه ذلك فنظم هذين البيتين:
ما تأخرت عنكما (٢) … عن ملال
غير أنىّ أروم صيد الشّهاب
فأنا مثل فارس البحر لاب … دّ بظفرى أصيبه (٣) أم بنابى
وكان قد وقع بينه وبين نجم الدين بن يحيى الأرمنتى فهجاه بقصيدة منها.
يا إلهى أرحتها منه فى الحك … م أرحها من ابنه فى الخطابه
стр. 2190
فقال له الخطباء يا قطينة جماعة جاءوا من أرمنت يريدون قتلك أرسلهم ابن يحيى ونحن ما تقدر على ردّهم انج بنفسك، فخرج من أسفون ولم يعلم له خبر.
ومنهم حمزة بن محمد بن هبة الله بن عبد المنعم الصاحب نجم الدين الأسفونى، سمع الحديث من الشيخ تقى الدين القشيرى وحضر مجلس إملائه فى سنة تسع وخمسين بقوص، وتقلب فى الخدم الديوانية بقوص فكان مشارفا ثم صاحب ديوان، ثم ناظرا وبنى مدرسة، ثم صار ناظرا بمصر ثم ولاّه السلطان الملك المنصور الوزارة فأقام مدة لطيفة.
ويقال: إن الشجاعى أعطى غلامه ألف دينار وأنه دس عليه سمّا فقتله، وكان يحب القرآن والحديث قال: ورأيت بخطه ربعة (١) بقوص، وكان محبا للعلم وأهله، ولما كان ناظرا حصل بينه وبين أبى طالب ابن النابلسى صورة (٢) فتكلم الكمال محمد بن شائر القوصى الإخميمى ببيتين وهما:/
أبا طالب ما أنت قرن لحمزة … لأنكما فى الدّين مختلفان
دعاك النبىّ الهاشمى فلم تجب … وحمزة لبّاه بكل لسان
وذكره الشيخ عبد الكريم فى تاريخه وأنشد من شعره قوله:
ولقد أحنّ إلى العقيق ويثرب … وقبارهنّ منازل الورّاد
وأحبهنّ وليس هنّ منازلى … وأودّهنّ وليس هنّ بلادى
وقال توفى فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
стр. 2191
ترجمة عبد القادر الأسفونى
ومنهم عبد القادر بن عبد الملك ينعت بالشّرف الأسفونى ويعرف بابن الغضنفر، كان شاعرا أديبا خفيف الروح كثير المجون والخلاعة، حكى عنه: أنه كان جالسا على باب مسجده بأسفون وقد أذن بالعصر وشخص من أهل أسفون توضأ وجاء ليدخل المسجد فوجد المترجم جالسا، فقال: العصر أذن به وأنت قاعد ما تقوم تتوضأ فقال له: قعودى خير من صلاتك بغير وضوء، فنفض ذلك المتوضئ لحيته وهى مبتلة ليريه أنه متوضئ فقال له المترجم: نجستنى، وحكاياته وأشعاره كثيرة، وله مشاركة فى النحو، قرأ عليه السراج عمر الأسنوى وتأدب به توفى بعد الثمانين وستمائة.
ترجمة على علاء الدين الأسفونى
ومنهم على بن أحمد بن الحسين المنعوت علاء الدين الأسفونى، كان من الأذكياء والأدباء الشعراء خفيف الروح حسن الأخلاق، كريما جوادا اشتغل بالفقه على الشيخ بهاء الدين القفطى، وتأدب على ابن الغضنفر الأسفونى والجلال بن شواق الإسنوى وغيرهما، وله يد فى الحساب وكرم جزيل وطبع جميل كأنه خلق من النسيم، يهوى الجمال المطلق يأخذ بمجامع قلبه كل وجه وسيم، لا يرى إلا ذا ارتياح، يميل طربا ويميد كما يفعل الغصن الرطيب عند هبوب الرياح.
стр. 2192
وهو فى الآداب فارس ديوانها وفى القصائد أبو حسانها، الاجتماع به يذهب الأتراح ويجلب الأفراح، كانت فيه فتوّة ومروءة وإنسانية، وألجأته المكارم إلى الدخول فى الخدم السلطانية فما غيرته عن حاله ولا أحالته عن جميل خلاله، ومن كلامه:
يا هاجرين أما كفى هجران … ذل الهوى فى الحالتين هوان
نمتم قريرين الجفون من الكرى … والطرف ساه بعدكم سهران
وكان ﵀ واسع الصدر كثير الاحتمال متواضع النفس، جلس شاهدا بالوراقين ثم بالقاهرة ووقف خدام الضريح النبوى على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم، إلى أن توفى فى شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة إنتهى.
стр. 2193
ترجمة الشيخ محمد الأصفونى
وينسب إلى قرية أصفون (١) هذا الشيخ محمد الأصفونى الذى ترجمه السخاوى فى الضوء اللامع حيث قال هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن فهد التقىّ أبو الفضل بن النجم أبى النصر بن الجمال أبى الخير ابن العلامة أقضى القضاة الجمال أبى عبد الله الهاشمى العلوى الأصفونى الشافعى ويعرف بابن فهد، ولد فى عشية الثلاثاء خامس ربيع الثانى سنة سبع وثمانين وسبعمائة بأصفون الجبلين من صعيد مصر الأعلى بالقرب من إسنا، وكان والد سافر إليها لاستخلاص جهات موقوفة على أمه خديجة ابنة النجم الأصفونى فتزوج هناك بابنة عم جده النجم المشار إليه واسمها: فاطمة ابنة أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم القرشية المخزومية فولد له منها هناك التقى، ثم انتقل به أبوه فى سنة خمس وتسعين إلى بلده مكة على طريق القصير، فحفظ بها القرآن والعمدة والتنبيه وألفية النحو، وسمع من الإبناسى والجمال ابن ظهيرة، وكتب على من دب ودرج.
فكان ممن سمع عليه ابن صديق والزين المراغى وأبو اليمن الطبرى والشمس الغرّاقى والشريف عبد الرحمن الفاسى وأبو هريرة بن النقاش وغيرهم، وكذا سمع بالمدينة المنورة من المراغى أيضا ورقية ابنة ابن مزروع، وعبد الرحمن بن على الزردندى ولقى باليمن المجد اللغوى، والموفق أبا بكر الأزرق وآخرين، فسمع منهم وأجاز له خلق كثيرون وتميز فى هذا الشأن وعرف العالى والنازل وشارك فى فنون الأثر.
стр. 2194
وكتب بخطه الكثير واجتمع له من الكتب ما لم يكن فى وقته عند غيره من أهل بلده وكثر انتفاع المقيمين بها فكانت أعظم قرية، وله فى السيرة النبوية عدة تصانيف منها: النور الباهر الساطع من سيرة ذى البرهان القاطع، قرأته عليه بمولد النبى ﷺ بشعب بنى هاشم من مكة، وكذا فى الأذكار أوسعها الجنة بأذكار الكتاب والسنة، وله المطالب السنية العوالى بما لقريش من المفاخر والمعالى، وبهجة الدمائة بما ورد فى فضل المساجد الثلاثة، وطرق الإصابة بما جاء فى الصحابة، ونخبة العلماء الأتقياء بما جاء فى قصص الأنبياء، وتأميل نهاية التقريب، وتكميل التهذيب/بالتذهيب وهو كتاب حافل، وذيل على طبقات الحافظ، وأفرد زوائد الكمال الدميرى من النسخة الأخيرة بحياة الحيوان على النسخة الأولى إلى غيرها، وله عمدة المنتحل وبلغة المرتحل، كبشرى الورى مما ورد فى حرا، واقتطاف النور مما ورد فى ثور، والإبانة مما ورد فى الجعرانة، قرأتها عليه بمحالها من مكة ومن كلامه.
قالت حبيبة قلبى عندما نظرت … دموع عينى على الخدين تستبق
فيم البكاء وقد نلت المنى زمنا … فقلت خوف الفراق الدمع يندفق
مات بمكة صبيحة يوم السبت سابع ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وصلى عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، ثم دفن بالمعلاة عند مصعب ابن الزبير ﵄ وكنت ممن شهد الصلاة عليه انتهى.
стр. 2195
إسكندرية
ثغر عظيم أشهر ثغور القطر المصرى وأشهر مدنه وأكبرها وأكثرها سكانا ما عدا القاهرة، وموقعها فوق البحر الرومى فى الشمال الغربى للقطر.
وفى القاموس الإسكندرية ستة عشر موضعا منسوبة إلى الإسكندر بن الفيلسوف بكسر الهمزة وتفتح، ملك قتل دارا وملك البلاد، منها بلد ببلاد الهند وبلد بأرض بابل وبلد بشاطئ النهر الأعظم وبلد بصغد سمرقند وبلاد بمرو واسم مدينة بلخ والثغر الأعظم ببلاد مصر، وقرية بين حماة وحلب، وقرية على دجله قرب واسط. منها الأديب أحمد بن المختار بن مبشر، وقرية بين مكة والمدينة، وبلدة فى مجارى الأنهار بالهند وخمس مدن أخرى اه.
والذى يخصنا هنا منها واحد. وهو ثغر بلاد مصر، وقد أفردنا الكلام عليه فى مجلد مخصوص فانظره (١).
стр. 2196
مدينة الإسماعيلية
هذه المدينة واقعة على ترعة البرزخ فى منتصف المسافة بين مدينة السويس ومدينة بورت سعيد، على فرع الترعة الحلوة الذى وصل ترعة الإسماعيلية بترعة البرزخ وبركة التمساح، واقعة أمامها ومتصل بها فرع سكة حديد لسهولة الوصول بينها وبين بلاد القطر المصرى.
وفى أول الأمر كانت عبارة عن جملة أخصاص كان يقيم بها عمال ترعة البرزخ من مهندسين وغيرهم، ثم لما اتسع ميدان الأعمال وكثر العمال المصريون حدث بقربها قرية ريفية وتعرف الآن بقرية العرب وترعة مصلحة البرزخ وتنظيمها فى سنة ١٨٦٤ م، فأحدثت فيها شوارع وحارات مستقيمة متعامدة وميدان وحديقة للنزهة وإسبتالية للمرضى، وسراية على ذمة الحكومة المصرية لإقامة المحافظ وخدمة المحافظة وقصر للخديو، وبقربها جعل وابور مياه فى بحريها على بعد منها لأجل أخذ المياه الحلوة من الترعة الحلوة وإرسالها إلى مدينة بورت سعيد بمواسير من الحديد.
وفى هذه السنة بنى الوابور ومدينة بورت سعيد وكانت سكانها تزداد مع تقدم أعمال ترعة البرزخ، ورغبت الناس فى سكناها، وبنيت بها المبانى الفخيمة وتعددت بها الدكاكين والخانات والقهاوى، وبقيت كذلك إلى أن تمت ترعة البرزخ، فتحول أكثر سكانها إلى بورت سعيد. وانتقلت إليها كذلك المحافظة وعمالها، وكذا عمال إدارة ترعة البرزخ حتى صارت فى الدرجة الثانية بعد مدينة بورت سعيد، ومع ذلك فهى من أحسن مدن البرزخ والناس يترددون من بورت سعيد ومن جميع القطر المصرى بواسطة السكة الحديد والترعة الإسماعيلية وقد تكلمنا عليها فى جزء المقدمة، وعلى الوليمة التى عملت فيها بعد إتمام الترعة فى سنة ١٨٦٩ م.
стр. 2197
أسنا
قال ابن خلكان هى بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف بليدة صغيرة من أعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر اه.
وفى القاموس إسنا بالكسر ويفتح بلد بصعيد مصر، وفيه أيضا أن بصعيد مصر قرية تسمى أشنى بضم الهمزة وشين معجمة مقصورا كحسنى وهى غير إسنا بالمهملة انتهى.
وفى كتب الفرنساوية أن إسنا مدينة كانت تسميها الرومانيون لينوبوليس واسمها القديم المصرى سنا، وكانت كما هى الآن رأس مديرية. فهى مدينة عظيمة قديما وحديثا بها حوانيت كثيرة وخانات ويجلب إليها من جميع بضائع القطر من القاهرة وخلافها سيما، مصنوعات الأقاليم القبلية كالبرد والأردية المسماة عندهم بالشقق رجالية وحريمية.
وهى واقعة على الشاطئ الغربى للنيل بين طيبة وأسوان فى نهاية وادى النيل، ومديريتها محدودة فى الشرق والغرب بسلاسل الجبال، وفى الجهة القبلية بالشلالين وفى الجهة البحرية بالجبلين المتقاربين اللذين لقربهما من النهر لا يجد المسافر عندهما طريقا واسعة فيضطر إلى المرور من خلفها فى الصحراء.
وفى محاذاة تلك المدينة يضيق الوادى حتى لا يكون إلا ثمانية آلاف متر، وخلف أرض الزراعة أرض رملية تأخذ فى الارتفاع قليلا قليلا حتى تصل إلى الجبل، وهناك خلف الجبل الشرقى واد يوصل إلى البحر الأحمر وأرض تلك المدينة وكذلك جميع أراضى مديريتها مرتفعة بحيث بخشى عليها عدم/الرى عند قلة النيل.
стр. 2198
وفى كتب الفرنساوية أنها كانت زمن دخولهم هذه الديار تشرق فى غالب السّنين بسبب هجر الترع القديمة التى كانت تروى منها، وكان لا يزرع منها إلا جزء يسير وهو ما انخفض من أرض الشاطئ الذى فى شمال المدينة بمسافة قليلة، فلما شملتها عناية العائلة المحمدية بإحداث الترع والخلجان والجسور اللازمة، كما شملت غيرها من أراضى القطر أمن ربّها وتم خصبها وانصلحت الأراضى التى كانت قد كستها أيدى الإهمال جلابيب الرمال، حتى اضمحلت تلك البلاد وفارقها أهلها، وذلك أنه عمل لها ترعة الشماخية وجعل فمها قريبا من ناحية البصيلية فى قبلى إسنا بخمس ساعات فحصل منها النفع العظيم.
وفى شمال فم تلك الترعة ترعة قديمة متسعة يقال لها: القنان يظهر تجاه فمها فى مجرى النيل زمن التحاريق أحجار وصخور، ربما كانت أثر شلال أو رأسا جعلت قديما لتحويل النيل إلى ذلك الفم.
ويقال: إن هذه الترعة كانت لرى جزء من الأرض يقال له: وادى الجن بجوار أطيان إسنا وأسفون تبلغ مساحته قريبا من أربعين ألف فدان، ولما هجرت تلك الترعة زحفت الرمال على هذه الأرض فأفسدتها، ثم فى زمن المرحوم العزيز محمد على عملت لهذا الحوض ترعة أسفون الغربية فأصلحت بعضه، وفى مدة المرحوم سعيد باشا أعطيت أراضى الجن وأسفون والمطاعنة لدولتلو عبد الحليم باشا، ثم دخلت فى ملك حضرة الخديو إسماعيل ورتب لها بناحية المطاعنة وابور لسقى المزروعات الصيفية، وتجددت بها مساكن للخدمة والمهندسين والتلغرافية، ومن هذه الإنشاءات الخيرية حسنت أحوال أهالى تلك الجهات وانصلحت جميع أراضى وادى الجن وخلافها.
стр. 2199
ثم إنه كان يزرع فى ضواحى إسنا القطن الجيد والنساء يغزلنه وينسجنه ثيابا وتباع لعرب تلك البلاد، ولم يكن ذلك خاصا بنساء المدينة بل ذلك فيما جاورها من البلدان أيضا، وأما أقمشة الصوف فتصنع فى جميع بلاد مصر.
وقد ذكر تلك المدينة بطليموس واسترابون وغيرهما فى مؤلفاتهم قالوا: وكان للرومانيين بها فرقة من العساكر الرماة وقد تكلم عليها أيضا الإدريسى وأبو الفداء قليلا، ونقل المقريزى عن الأدفوى: أن أرض إسنا كان يتحصل منها فى كل سنة أربعون ألف إردب من الفاكهة، واثنا عشر ألف إردب من الزبيب، ويقال: كان فيها اثنا عشر ألف منزل وسبعون حارة كبيرة.
стр. 2200
ترجمة ابن الصوفى
وفى خططه أيضا أن ابن الصوفى العلوى وهو: إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على ابن أبى طالب ﵁، خرج بالصعيد ودخل إسنا فى ذى القعدة سنة خمس وخمسين ومائتين فنهبها وقتل أهلها، فبعث إليه ابن طولون بجيش فحاربوه عند ناحية هوّ فهزمهم، وذلك فى ربيع الأول سنة ست وخمسين، فبعث إليه بجيش آخر فالتقيا بإخميم فى ربيع الآخر فانهزم ابن الصوفى وفرّ إلى الواح وترك جميع ما معه وقتلت رجالته، فأقام بالواح سنتين ثم نزل على الأشمونين وسار إلى أسوان لمحاربة أبى عبد الرحمن العميرى فظفر به العميرى وقتل من جيشه مقتلة عظيمة، ولحق ابن الصوفى بأسوان فقطع لأهلها ثلاثمائة ألف نخلة، فبعث إليه ابن طولون فهرب إلى مكة فقبض عليه بها وحمل إلى ابن طولون فسجنه ثم أطلقه فسار إلى المدينة ومات بها.
وذكر فى موضع آخر أنه كان ياسنا آلة مائية لسقى ثلاثمائة وستين فدانا مغروسة نخيلا وكرما وقصبا انتهى.
وتلك المدينة على تل من التراب كما هى عادة المدن المصرية القديمة، وبيوتها مبنية من الآجر وهو الطوب المحرق، واللّبن وهو الطوب المضروب المجفف بالشمس والهواء، ولها موردة عظيمة مزدحمة بالمراكب غالبا، وقد زحف عليها النيل مرارا وأخذ من بيوتها.
стр. 2201
وفى كتب الفرنساوية أنها كانت وقت دخولهم مصر محل إقامة حسن بيك وعثمان بيك وصالح بيك بعد الفتن التى أوجبت عداوتهم مع مراد بيك وخروجهم من القاهرة كما كان ذلك عادة جارية عقب كل فتنة، فإن هذه المدينة كانت مأوى المطرودين ويسبب بعدها عن التخت كانت الحكام تتركهم ولا تتعرض لهم فيما يفعلونه فيها وفى أهلها، فكانت مديرية إسنا كأنها طعمة تتركها لهم الحكومة طمعا فى الأمن من شرهم، مع أن الغالب أن العصاة كانوا متى تحصلوا من ظلم الأهالى على ما يهيئون به أنفسهم يقوموا فى الجهات القبلية ويثيروا الفتن ويخربوا فى البلاد، ومع ذلك فإقامتهم فى تلك المدينة كانت موجبة لها نوع العمارية من تحريك البضائع بالبيع والشراء لتحصيل أغراض هؤلاء الأمراء مما هو لازم لمعاشهم ومستلذاتهم، فكانوا يصرفون مصارف واسعة مما يسلبونه من البلاد، ولهذا كثرت فيها الحرف والصنائع كصنعة نسج الملاءات وأصناف الملبوسات من القطن والصوف ومعاصر زيت الخس.
ولها سوق كبير كل يوم أحد تجتمع فيه الأهالى والعرب وتباع فيه جميع السلع حتى المرجونات والمقاطف ونحوها مما يصنعه البربر من سعف النخل، وهذا غير السوق الدائم على عادة المدن/الكبيرة، وفى كل سنة ترد عليها قافلة من سنار معها أنواع تجارة تلك البلاد مثل الصمغ والريش وسن الفيل، وكان بها فى وقت الفرنساوية ثلاثمائة عائلة من الأقباط جميعهم أصحاب صنائع، وشكل المدينة بيضاوى وأعظم طولها تسعمائة متر من الشمال إلى الجنوب، وعرضها أربعمائة متر، وفى وسطها ميدان طوله ثمانون مترا فى عرض أربعين وفوق كثير من بيوتها أبراج للحمام مبيضة بالجير للوقاية من الهوام.
وكانت إقامة الفرنساوية فى جنينة حسن بيك التى فى الجهة البحرية من المدينة ولذلك سميت بجنينة الفرنساوية، والموردة قريبة منها يشاهد هناك رصيف قديم يظهر أنه من آثار من حكموا الديار المصرية فى الأعصر الخالية ثم أهمل فتلاشى أمره، ولذلك هجم النيل على المدينة فخرب كثيرا من بيوتها
стр. 2202
ويريا هذه المدينة من أعظم ما يرى من مبانى المصريين وفيها إيوان محمول سقفه على أربعة وعشرين عمودا محيط كل عمود ٤٠ ر ٥ متر وارتفاعه ٣٠ ر ١١ مترا من ضمن ذلك التاج، والأعمدة المذكورة مصطفة أربعة صفوف فوقها صحفات وأعتاب تمسكها وتحمل السقف المجعول من الحجر الذى طول الحجر منه يقرب من ثمانية أمتار وعرضه متران، والفتحات التى بين الأعمدة قدر قطر العمود مرة ونصفا، وفتحة الوسط ضعف ذلك ويتوصل من الإيوان إلى باب المعبد، وفى اليمين والشمال بابان غلب عليهما وعلى الباب الوسط التراب ولذا يعسر الدخول منها، وعمق الإيوان ٥ ر ١٦ مترا وعرضه ضعف هذا القدر، وهو محوط بحيطان عالية مرتفعة إلى السقف ويأتيه النور من فراغ أعمدة الواجهة.
وفى داخل المعبد باب آخر وبعض أود خلاف محل العبادة وأرض البلد الآن ارتفعت فوق ذلك المعبد والأترية والأنقاض وبعض البيوت فوق سقفه، وجميع حيطانه منقوشة من الداخل بالكتابة والرسومات الفلكية، التى هى عبارة عن البروج الاثنى عشر فى ترتيبها المعروف الآن، وقد قيس الإيوان المنقوش فوجد قريبا من خمسة آلاف متر مسطح، فلو فرض أن الصانع يعمل مترا كل عشرة أيام لكان اللازم خمسين ألف يوم لنقش الكل، ثم هو إلى الآن لم يصبه شئ من الخلل، وقد صار تخليصه من الأتريه فى زمن العزيز محمد على فوجد سالما من الخلل ووجدت نقوشه سالمة من المحو والزوال.
وقرأها بعض من يعرف الكتابة المصرية القديمة، فتبين أنها من زمن القياصرة وفيها أسماء جماعة منهم وهم كلود واسباسيان وتيتوس وأنطونان ومرقوريل وكومود وتراجان وأدريان ودوميتيان وسبتيم سوير وجيتا وقرقلا، وأن هذا الأخير أمر بمحو اسم أخيه جيتا بعد قتله من جميع المعابد المصرية، وقال بعضهم إن هذا المعبد يعزى إلى موريس فرعون مصر وبعضهم يعزوه إلى البطالسة اه.
стр. 2203
وفى زمن الفرنساوية كان هناك معبد آخر فى شمال المدينة على بعد ثلاثة أرباع فرسخ منها وألفين وخمسمائة متر من البحر، اختل أغلب مبانيه لحفر ما تحته بأمر إسماعيل بيك فى زمن مراد بيك زعما منه أن هناك كنزا، واستعمل فى ذلك الأهالى زمنا طويلا ولم ينتج منه إلا الاستدلال على سخافة عقله
وكان هذا المعبد مبنيا فوق تل صناعى ويظهر أنه كان يحج اليه فى أوقات معلومة ونقوشه كنقوش المعبد الكبير إلا أنها أقل منه اتقانا، وقد وصفه الفرنساوية وجعلوا بعده عن المدينة ثلاثة كيلو مترات.
وفى سنة ألف وثمانمائة وأربعين ميلادية أخذت أنقاضه ورمّ بها الرصيف القديم المار الذكر قالوا:
وكان أمام هذا المعبد آثار يظهر أنها بواقى عيون كانت لتوصيل ماء النيل إليه، وعلى شاطئ النيل الأيمن فى جهة الشرقى على بعد ربع فرسخ أثر معبد فوق تل مرتفع قد تخرب وفى محله كثير من الشقاف، وذلك المعبد لم تكمل نقوشه كما أن المعبد المذكور قبله كذلك، وبناء كل منهما بالحجارة وعلى قوانين العمائر المصرية، ولم نذكر تفاصيلها خوف الإطالة.
وعند المدينة دير وكنيسة منعزلان عنها على بعد ثلاثة أرباع فرسخ من الجهة القبلية وكنيستها مشهورة بمقتلة النصارى، لمقتلة حصلت هناك زمن القيصر ديولكيتان (١)، وديرها من أشهر الديورة عند النصارى ويحجون إليه بكثرة كان حجهم إليه فى الأزمان القديمة أكثر.
وبها مساجد عظيمة جامعة أقدمها الجامع الكبير العمرى، ومن أشهرها جامع الضوى نسبة إلى شيخ يسمى بهذا الاسم مدفون فيه وله مقام يزار وقبة ومولد سنوى يستمر ثمانية أيام، وعدة أهلها الآن ٧٠٠ نفس فهذه المدينة عامرة قبل الإسلام وبعده.
стр. 2204
مطلب تراجم علماء إسنا
وظهر منها علماء كثيرون ومن علمائها ابن الإسناوى وهو كما فى دائرة المعارف جمال الدين عبد الرحمن بن على بن الحسين بن شيث القاضى الرئيس الأموى الإسنوى القوصى صاحب ديوان الإنشاء للملك المعظم عيسى، ولد بإسنا سنة خمسمائة وخمسين هجرية وتوفى سنة ستمائة وخمس وعشرين.
نشأ بقوص وتفنن بها وقرأ الأدب وكان ورعا دينا خيرا حسن النظم والنثر ولى الديوان بقوص ثم بالإسكندرية ثم بالقدس/ثم ولى كتابة الإنشاء للمعظم، وكان يوصف بالمروءة وقضاء الحاجة وكانت وفاته بدمشق ودفن بقاسيون بتربته.
وكانت بينه وبين المعظم مداعبات، كتب إليه مرة أنه لما فارقه ودخل منزله طالبه أهله بما حصل له من ابن السلطان فقال لهم: ما أعطانى شيئا فقاموا إليه بالخفاف وصفعوه وكتب إليه بعد النثر فى هذا المعنى هذين البيتين:
وتخالفت بيض الأكف كأنها … التصفيق عند مجامع الأعراس
وتطابقت سود الخفاف كأنها … وقع المقارع من يد النخاس
فرمى المعظم الرقعة إلى فخر القضاة ابن بصاقة وقال أجبه فكتب:
فاصبر على أخلاقهن ولا تكن … متخلقا إلا بخلق الناس
واعلم إذا اختلفت إليك بأنه … ما فى وقوفك ساعة من باس
وكفاها فخرا ولادة الإمام ابن الحاجب بها وقد ترجمه ابن خلكان فى تاريخه فقال:
стр. 2205
ترجمة الإمام العلامة أبو عمرو عثمان بن الحاجب
هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبى بكر بن يونس الفقيه المالكى المعروف بابن الحاجب الملقب جمال الدين، كان والده حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحى، وكان كرديا واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة فى صغره بالقرآن الكريم، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ثم بالعربية والقراءات، وبرع فى علومه وأتقنها غاية الإتقان.
ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها (١) فى زاوية المالكية وأكب الخلق على الاشتغال عليه والتزم لهم الدروس وتبحر فى الفنون، وكان الأغلب عليه علم العربية، وصنف مختصرا فى مذهبه ومقدمة وجيزة فى النحو وسماها الكافية وأخرى مثلها فى التصريف وسماها الشافية وشرح المقدمتين وله:
[أى غد مع يدددذى حروف] (٢) … طاوعت فى الروى وهى عيون
ودواة والحوت والنون نونا … ت عصتهم وأمرها مستبين
وهو جواب عن البيتين المشهورين وهما:
ربما عالج القوافى رجال … فى القوافى فتلتوى وتلين
طاوعتهم عين وعين وعين … وعصتهم نون ونون ونون
стр. 2206
فيعنى بقوله عين وعين وعين نحو غد ويد ودد فإن وزن كل منها فج، إذ أصل غد غدو ويد يدى، (١) ودد، ددى (١) وبقوله: نون ونون ونون الدواة والحوت والنون هو الحرف، وله أيضا فى أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات وهى:
هى فذ وتوأم ورقيب … ثم حلس ونافس ثم مسبل
والمعلى والوغد ثم سفيح … ومنيح وذى الثلاثة تهمل
ولكل مما عداها نصيب … مثله إن تعد أول أول
وصنف فى أصول الفقه، وكل تصانيفه فى نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة فى مواضع، وأورد عليهم إشكالات والتزامات تبعد الإجابة عنها.
وكان من أحسن خلق الله ذهنا ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، وجاءنى مرارا بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع فى العربية مشكلة، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة ما سألته عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط فى قولهم: إن أكلت إن شربت فأنت طالق، لم تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لم تطلق، وسألته عن بيت أبى الطيب المتنبى وهو قوله:
لقد تصبرت حتى لات مصطبر … فالآن أقحم حتى لات مقتحم
стр. 2207
ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم ولات ليست من أدوات الجر، فأطال الكلام فيهما وأحسن الجواب عنهما ولولا التطويل لذكرت ما قاله.
ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها فلم تطل مدته هناك وتوفى بها ضاحى نهار الخميس السادس والعشرين من شوّال سنة ست وأربعين وستمائة، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبى شامة، وكان مولده فى آخر سنة سبعين وخمسمائة بإسنا رحمه الله تعالى انتهى.
وذكر منها صاحب الطالع السعيد جما غفيرا من الأفاضل والجهابذة الأماثل: منهم الإمام الحافظ المحدث (١) إبراهيم بن عبد الرحيم بن على بن إسحاق بن شيث الملقب بالكمال الأسنوى، كان يحفظ الموطأ وتقلد بالخدم الديوانية واتصل بخدمة الناصر يوسف وأعطاه خيرا وقربه واعتمد عليه، ثم ولى الرحبة فى أيام الظاهر ثم نقل منها إلى بعلبك وولى البلد والقلعة وسيره السلطان رسولا إلى عكا، توفى عشية الخميس رابع عشر صفر ودفن بتربة الشيخ اليونينى.
ومنهم القاضى (٢) إبراهيم بن هبة الله بن على الحميرىّ القاضى نور الدين الأسنوى، صنف فى الفقه والأصول والنحو، واختصر الوسيط والوجيز ونثر الألفية وشرحها وصحح ما صححه/الرافعى، وشرح المنتخب فى أصول الفقه وولى القضاء بمدينة زفتة فى أوائل عمره وبمنية ابن خصيب، وتولى أقاليم منها أسيوط وإخميم وقوص، وكان حسن السير جميل الطريقة صحيح العقيدة قال لى: أردت أن أقرأ على الشيخ شمس الدين الأصفهانى فلسفة فقال: حتى تمتزج بالله امتزاجا جيدا، وكان إذا أخذ درسا ينقيه ويحققه ويستوفى
стр. 2208
الكلام عليه إلا أنه كان لا يثبت له كل ما يلقيه؛ وكان محبا للعلم لم تشغله عنه المناصب، ولما ولى قوص قرأ على شيخنا عز الدين عبد الرحمن بن يوسف الأسفونى الجبر والمقابلة، وقرأ الطب على الحكيم شهاب الدين المغربى توفى بالقاهرة سنة سبعمائة وإحدى وعشرين.
ومنهم كما فى الطالع السعيد أيضا أبو الفضل جعفر بن حسان بن على أبو الفضل الأسنوى (١) يلقب بالسراج كان كاملا كريما شاعرا وكان يهدى إلى الملك الكامل ويكاتبه، ويقال: إن الملك الكامل حضر هو وجماعة من ملوك الشام وتذاكروا الرؤساء فذكر الملك الكامل جعفر المذكور، وقيل: إن بعضهم جمع مدائحه فى مجلدات ضخمة سماها «بالأرج الشائق إلى أكرم الخلائق» مات سنة ستمائة واثنتى عشرة.
وفيه أيضا أن منها من فقهاء الشافعية الشيخ نور الدين على بن هبة الله بن إبراهيم بن حمزة المعروف بابن الشهاب الأسنوى، كان إماما فى الفقه دينا صالحا، أخذ الحديث عن الحافظ أبى الفتح محمد بن على بن وهب القشيرى، وعن الحافظ عبد الرحمن بن خلف الدمياطى، وعن قاضى القضاة أبى محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانى، وحفظ مختصر مسلم للحافظ عبد العظيم المنذرى، وأخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل القفطى، والشيخ جلال الدين أحمد بن عبد الرحمن الدشناوى، ولما حج كتب الروضة بخطه بمكة وهو أول من أدخلها إلى قوص، وأقام بقوص يدرس ويفتى إلى أن مات سنة سبع وسبعمائة عليه رحمة الله انتهى.
وفى حسن المحاضرة للسيوطى: إن من علمائها محيى الدين سليمان بن جعفر الأسنوى خال الشيخ جمال الدين، كان فاضلا فى علوم كثيرة ماهرا فى الجبر والمقابلة، صنف طبقات الشافعية ودرس بالمشهد النفيسى، ولد سنة سبعمائة ومات فى جمادى الأولى سنة ست وخمسين.
стр. 2209
ومنهم نجم الدين محمد بن ضياء الدين أحمد بن عبد القوى الأسنوى كان عالما فاضلا وانتفع به خلق وألف فى علوم متعددة، مات فى ذى الحجة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان والده أيضا عالما فاضلا من كبار الصالحين له كرامات تفقه بالبهاء القفطى، مات سنة اثنتى عشرة وسبعمائة فى شوّال.
ومنهم العماد الأسنوى محمد بن الحسن بن على الأسنوى، قال أخوه الشيخ جمال الدين فى طبقاته كان فقيها إماما فى الأصلين والخلاف والجدل والتصوّف نظّارا بحاثا طارحا للتكلف مؤثرا للتقشف ولد سنة خمس وتسعين وستمائة، وأخذ عن مشايخ القاهرة وانتصب للتدريس والإفتاء والتصنيف، مات فى رجب سنة أربع وستين وسبعمائة.
وأخوه الشيخ جمال الدين عبد الرحيم شيخ الشافعية وصاحب التصانيف السائرة، ولد سنة أربع وسبعمائة وأخذ عن التقى السبكى والزنكلونى والقونوى وأبى حيان وغيرهم، وبرع فى الأصول والعربية والعروض، وتقدم فى الفقه فصار إمام زمانه وانتهت إليه رياسة الشافعية.
ومن تصانيفه المهمات والجواهر، وشرح المنهاج والألغاز، والفروع، ومختصر الشرح الصغير، والهداية إلى أوهام الكفاية، وشرح منهاج البيضاوى، وشرح عروض ابن الحاجب، والتمهيد والكوكب، وتصحيح التنبيه والتنقيح وأحكام الخناثى، والزوائد على منهاج البيضاوى، وطبقات الفقهاء، والرياسة الناصرية فى الردّ على من يعظم أهل الذمة واستخدامهم على المسلمين، وكتاب الأشباه والنظائر مات عنه مسودة، وشرح التنبيه كتب منه مجلدا وشرح الألفية لابن مالك لم يكمل وشرح التسهيل كتب منه قطعة، مات فى جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وسبعمائة ورثاه البرهان القيراطى بقصيدة طويلة مطلعها:
نعم قبضت روح العلا والفضائل … بموت جمال الدين صدر الأفاضل
تعطل من عبد الرحيم مكانه … وغيب عنه فاضل أىّ فاضل
стр. 2210
إلى أن قال:
صرفت عليه كنز صبرى وأدمعى … فأفنيت من هذا وهذا حواصلى
سأنشد قبرا حل فيه رثاءه … وأسمع ما أمليه صمّ الجنادل
وما نحن إلا ركب موت إلى البلا … تسيرنا أيامنا كالرواحل
قطعنا إلى نحو القبور مراحلا … وما بقيت إلا أقل المراحل
وهذا سبيل العالمين جميعهم … فما الناس إلا راحل بعد راحل
/وله أخ يقال له نور الدين على، كان فقيها فاضلا شرح التعجيز، مات فى رجب سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
ومنهم الإمام الفاضل أبو بكر بن محمد بن عبد الله القزوينى الأصل الأسنوى المولد جمال الدين، برع فى مذهب أبى حنيفة وأكب على العبادة واشتهر وقصده الناس للاشتغال عليه، ودرس بالصالحية والسيوفية. مات بالقاهرة فى حدود الثمانين وستمائة انتهى.
ثم إن المرحوم محمد على باشا بنى فى بحرى هذه المدينة بنحو مائة وخمسين قصبة، سراية فى سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف، وجعلها فى بستان متسع قريب من بستان على بيك الأقمر الذى هو بستان إسماعيل بيك ومن منشآت المرحوم أيضا بها فوريقة لنسج ثياب القطن قد تركت الآن ومحلات لإقامة العساكر والمديرين وجميع ذلك على شاطئ البحر، وبساتينها مشتملة على الرّمان والعنب والليمون والبلح، والمسافر منها إلى فرشوط وبالعكس-عوضا عن سفره على ساحل البحر ٥٢ ساعة بسبب اعوجاج النيل، يسافر من طريق العقبة ١٤ ساعة حيث إنها الآن فى غاية الأمن، فمن إسنا إلى الزريقات خمس ساعات ومنها إلى الجبل تسع ساعات ثم تكون فرشوط أمامه بالقرب فينزل عليها من طريق بالجبل يقال له العقبة.