فيعنى بقوله عين وعين وعين نحو غد ويد ودد فإن وزن كل منها فج، إذ أصل غد غدو ويد يدى، (١) ودد، ددى (١) وبقوله: نون ونون ونون الدواة والحوت والنون هو الحرف، وله أيضا فى أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات وهى:
هى فذ وتوأم ورقيب … ثم حلس ونافس ثم مسبل
والمعلى والوغد ثم سفيح … ومنيح وذى الثلاثة تهمل
ولكل مما عداها نصيب … مثله إن تعد أول أول
وصنف فى أصول الفقه، وكل تصانيفه فى نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة فى مواضع، وأورد عليهم إشكالات والتزامات تبعد الإجابة عنها.
وكان من أحسن خلق الله ذهنا ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، وجاءنى مرارا بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع فى العربية مشكلة، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة ما سألته عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط فى قولهم: إن أكلت إن شربت فأنت طالق، لم تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لم تطلق، وسألته عن بيت أبى الطيب المتنبى وهو قوله:
لقد تصبرت حتى لات مصطبر … فالآن أقحم حتى لات مقتحم
стр. 2207
ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم ولات ليست من أدوات الجر، فأطال الكلام فيهما وأحسن الجواب عنهما ولولا التطويل لذكرت ما قاله.
ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها فلم تطل مدته هناك وتوفى بها ضاحى نهار الخميس السادس والعشرين من شوّال سنة ست وأربعين وستمائة، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبى شامة، وكان مولده فى آخر سنة سبعين وخمسمائة بإسنا رحمه الله تعالى انتهى.
وذكر منها صاحب الطالع السعيد جما غفيرا من الأفاضل والجهابذة الأماثل: منهم الإمام الحافظ المحدث (١) إبراهيم بن عبد الرحيم بن على بن إسحاق بن شيث الملقب بالكمال الأسنوى، كان يحفظ الموطأ وتقلد بالخدم الديوانية واتصل بخدمة الناصر يوسف وأعطاه خيرا وقربه واعتمد عليه، ثم ولى الرحبة فى أيام الظاهر ثم نقل منها إلى بعلبك وولى البلد والقلعة وسيره السلطان رسولا إلى عكا، توفى عشية الخميس رابع عشر صفر ودفن بتربة الشيخ اليونينى.
ومنهم القاضى (٢) إبراهيم بن هبة الله بن على الحميرىّ القاضى نور الدين الأسنوى، صنف فى الفقه والأصول والنحو، واختصر الوسيط والوجيز ونثر الألفية وشرحها وصحح ما صححه/الرافعى، وشرح المنتخب فى أصول الفقه وولى القضاء بمدينة زفتة فى أوائل عمره وبمنية ابن خصيب، وتولى أقاليم منها أسيوط وإخميم وقوص، وكان حسن السير جميل الطريقة صحيح العقيدة قال لى: أردت أن أقرأ على الشيخ شمس الدين الأصفهانى فلسفة فقال: حتى تمتزج بالله امتزاجا جيدا، وكان إذا أخذ درسا ينقيه ويحققه ويستوفى
стр. 2208
الكلام عليه إلا أنه كان لا يثبت له كل ما يلقيه؛ وكان محبا للعلم لم تشغله عنه المناصب، ولما ولى قوص قرأ على شيخنا عز الدين عبد الرحمن بن يوسف الأسفونى الجبر والمقابلة، وقرأ الطب على الحكيم شهاب الدين المغربى توفى بالقاهرة سنة سبعمائة وإحدى وعشرين.
ومنهم كما فى الطالع السعيد أيضا أبو الفضل جعفر بن حسان بن على أبو الفضل الأسنوى (١) يلقب بالسراج كان كاملا كريما شاعرا وكان يهدى إلى الملك الكامل ويكاتبه، ويقال: إن الملك الكامل حضر هو وجماعة من ملوك الشام وتذاكروا الرؤساء فذكر الملك الكامل جعفر المذكور، وقيل: إن بعضهم جمع مدائحه فى مجلدات ضخمة سماها «بالأرج الشائق إلى أكرم الخلائق» مات سنة ستمائة واثنتى عشرة.
وفيه أيضا أن منها من فقهاء الشافعية الشيخ نور الدين على بن هبة الله بن إبراهيم بن حمزة المعروف بابن الشهاب الأسنوى، كان إماما فى الفقه دينا صالحا، أخذ الحديث عن الحافظ أبى الفتح محمد بن على بن وهب القشيرى، وعن الحافظ عبد الرحمن بن خلف الدمياطى، وعن قاضى القضاة أبى محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانى، وحفظ مختصر مسلم للحافظ عبد العظيم المنذرى، وأخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل القفطى، والشيخ جلال الدين أحمد بن عبد الرحمن الدشناوى، ولما حج كتب الروضة بخطه بمكة وهو أول من أدخلها إلى قوص، وأقام بقوص يدرس ويفتى إلى أن مات سنة سبع وسبعمائة عليه رحمة الله انتهى.
وفى حسن المحاضرة للسيوطى: إن من علمائها محيى الدين سليمان بن جعفر الأسنوى خال الشيخ جمال الدين، كان فاضلا فى علوم كثيرة ماهرا فى الجبر والمقابلة، صنف طبقات الشافعية ودرس بالمشهد النفيسى، ولد سنة سبعمائة ومات فى جمادى الأولى سنة ست وخمسين.
стр. 2209
ومنهم نجم الدين محمد بن ضياء الدين أحمد بن عبد القوى الأسنوى كان عالما فاضلا وانتفع به خلق وألف فى علوم متعددة، مات فى ذى الحجة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان والده أيضا عالما فاضلا من كبار الصالحين له كرامات تفقه بالبهاء القفطى، مات سنة اثنتى عشرة وسبعمائة فى شوّال.
ومنهم العماد الأسنوى محمد بن الحسن بن على الأسنوى، قال أخوه الشيخ جمال الدين فى طبقاته كان فقيها إماما فى الأصلين والخلاف والجدل والتصوّف نظّارا بحاثا طارحا للتكلف مؤثرا للتقشف ولد سنة خمس وتسعين وستمائة، وأخذ عن مشايخ القاهرة وانتصب للتدريس والإفتاء والتصنيف، مات فى رجب سنة أربع وستين وسبعمائة.
وأخوه الشيخ جمال الدين عبد الرحيم شيخ الشافعية وصاحب التصانيف السائرة، ولد سنة أربع وسبعمائة وأخذ عن التقى السبكى والزنكلونى والقونوى وأبى حيان وغيرهم، وبرع فى الأصول والعربية والعروض، وتقدم فى الفقه فصار إمام زمانه وانتهت إليه رياسة الشافعية.
ومن تصانيفه المهمات والجواهر، وشرح المنهاج والألغاز، والفروع، ومختصر الشرح الصغير، والهداية إلى أوهام الكفاية، وشرح منهاج البيضاوى، وشرح عروض ابن الحاجب، والتمهيد والكوكب، وتصحيح التنبيه والتنقيح وأحكام الخناثى، والزوائد على منهاج البيضاوى، وطبقات الفقهاء، والرياسة الناصرية فى الردّ على من يعظم أهل الذمة واستخدامهم على المسلمين، وكتاب الأشباه والنظائر مات عنه مسودة، وشرح التنبيه كتب منه مجلدا وشرح الألفية لابن مالك لم يكمل وشرح التسهيل كتب منه قطعة، مات فى جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وسبعمائة ورثاه البرهان القيراطى بقصيدة طويلة مطلعها:
نعم قبضت روح العلا والفضائل … بموت جمال الدين صدر الأفاضل
تعطل من عبد الرحيم مكانه … وغيب عنه فاضل أىّ فاضل
стр. 2210
إلى أن قال:
صرفت عليه كنز صبرى وأدمعى … فأفنيت من هذا وهذا حواصلى
سأنشد قبرا حل فيه رثاءه … وأسمع ما أمليه صمّ الجنادل
وما نحن إلا ركب موت إلى البلا … تسيرنا أيامنا كالرواحل
قطعنا إلى نحو القبور مراحلا … وما بقيت إلا أقل المراحل
وهذا سبيل العالمين جميعهم … فما الناس إلا راحل بعد راحل
/وله أخ يقال له نور الدين على، كان فقيها فاضلا شرح التعجيز، مات فى رجب سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
ومنهم الإمام الفاضل أبو بكر بن محمد بن عبد الله القزوينى الأصل الأسنوى المولد جمال الدين، برع فى مذهب أبى حنيفة وأكب على العبادة واشتهر وقصده الناس للاشتغال عليه، ودرس بالصالحية والسيوفية. مات بالقاهرة فى حدود الثمانين وستمائة انتهى.
ثم إن المرحوم محمد على باشا بنى فى بحرى هذه المدينة بنحو مائة وخمسين قصبة، سراية فى سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف، وجعلها فى بستان متسع قريب من بستان على بيك الأقمر الذى هو بستان إسماعيل بيك ومن منشآت المرحوم أيضا بها فوريقة لنسج ثياب القطن قد تركت الآن ومحلات لإقامة العساكر والمديرين وجميع ذلك على شاطئ البحر، وبساتينها مشتملة على الرّمان والعنب والليمون والبلح، والمسافر منها إلى فرشوط وبالعكس-عوضا عن سفره على ساحل البحر ٥٢ ساعة بسبب اعوجاج النيل، يسافر من طريق العقبة ١٤ ساعة حيث إنها الآن فى غاية الأمن، فمن إسنا إلى الزريقات خمس ساعات ومنها إلى الجبل تسع ساعات ثم تكون فرشوط أمامه بالقرب فينزل عليها من طريق بالجبل يقال له العقبة.
стр. 2211
أسوان
قال فى القاموس أسوان بالضم وبفتح أو غلط السمعانى فى فتحه بلد بالصعيد بمصر منه فقير بن موسى المحدث انتهى.
وفى كتب التواريخ أنها مدينة فى نهاية الصعيد الأقصى ما بعدها إلا بلاد النوبة، وكانت تسمى قديما سيوان أو سنون ويقال فيها أيضا: سيينة، وفى كتاب تقويم البلدان لأبى الفداء أن طول الصعيد من أسوان إلى الفسطاط فوق عشرين مرحلة، وعرضه ما بين نصف يوم إلى يوم قال:
ويسمى ما علا عن الفسطاط على جانبى النيل الصعيد وما سفل عنه الريف، ثم قال وبالقرب من أسوان مشهد الردينى، وهو مشهد كبير على حافة النيل من شرقية فى جنوبىّ أسوان على شوط فرس، وضبط الصّعيد بفتح الصاد المهملة وقال: صقع طويل غير عريض لأنه بين جبلين على حافتى النيل وفيه مدن وكور كثيرة انتهى.
وكل من تكلم على مدينة أسوان يصف بئرها التى كانت تضئ جميع جدرانها وقت الزوال بأشعة الشمس فى يوم المنقلب الصيفى.
стр. 2212
وذكر المقريزى أن بعدها عن خط الاستواء اثنتان وعشرون درجة ونصف فالشمس تسامت رؤوس أهلها مرتين فى السنة عند كونها فى آخر الجوزاء أو فى أول السرطان، وفى هذين الوقتين لا يكون للقائم بأسوان نصف النهار ظل أصلا فالحرارة واليبس والإحراق غالبة على مزاجها، لأن الشمس تنشف رطوباتها، ولذلك صارت ألوان أهلها سودا وشعورهم جعدة لاحتراق أرضهم، ولم يكن أشهر من هذه المدينة بين الجغرافيين فى الأزمان القديمة، بسبب أن أراتستين وهيبارك واسترابون وبطليموس جعلوها مبدأ عينوا بالنسبة له جميع نقط الكرة الأرضية، وكان اعتقاد الأقدمين أنه لا توجد مدينة غيرها واقعة على دائرة الانقلاب الفاصلة بين المنطقة الحارة والمنطقة المعتدلة، وقد وجد فى أيامنا هذه قريبا من هذا الخط فى آسيا بلدتان: شاندير ناجور، وكاتون، وبلدة هوان التى هى من جزائر اللاّنتى فى قطعة أمريقا، وقد اتضح الآن من الحسابات الصحيحة أن هذه المدينة ليست على دائرة الانقلاب بل بعيدة عنها إلى جهة الجنوب بقدر خمسة عشر فرسخا ونصف.
ومع هذا ففى يوم المنقلب الصيفى وقت الزوال يكون الظل غير محسوس فى هذه المدينة بحيث أنه لو فرض أن شاخصا ارتفاعه عشرون مترا لا يكون ظله إلا خمسة سنتميترات، ولكن إذا رصد الظل فى بئر المدينة القديمة لا يرى غير نصفه فى الظل، ونسب بعض العلماء إنشاء بئر أسوان وتقدير محيط كرة الأرض بمائتين وخمسين ألف استاده (١) إلى أراتستين، ولكنه لم يثبت أنه ذهب إلى هذه المدينة، ولو ذهب إليها لرأى أن مركز الشمس يوم المنقلب الصيفى يبعد عن المدينة بقدر ربع درجة، وأن البئر لا تكون فى موضعها بل على بعد ستة فراسخ منه.
стр. 2213
فمن كل ذلك ومن عدم وجود دليل تاريخى يثبت ذهابه إلى هذه المدينة أو قياس محيط الدائرة الأرضية مع شهرة هذه البئر بين الأقدمين، يعلم أن البئر المذكورة من صناعة المصريين عملت فى وقت كان فيه المنقلب الصيفى يمرّ بهذه المدينة الواقعة فى حدود وادى النيل من الجهة القبلية، وأراتستين هذا ولد قبل المسيح بمائتين وخمس وسبعين سنة، وكان رئيس كتبخانة الإسكندرية فى زمن بطليموس أو يرجيت (١) أه.
وذكر استرابون وغيره أن هذه البئر جعلت للدلالة على يوم المنقلب الصيفى، والجبل المشتمل على معدن الزمرّد فى جنوب هذه المدينة فى صحار خالية من الناس تعرف بصحارى عيذاب.
وأما معدن الذهب فعلى بعد خمسة عشر يوما من المدينة، وبين عيذاب وأسوان طريق إلى الحجاز واليمن والسند.
وفى تقويم البلدان نقلا عن كتاب ابن سعيد قال: وفى سمت أسوان من جهة الشرق طريق الحجاج إلى عيذاب وغيرها/من المينا التى يركبون منها إلى مكة، فمن أخذ من أسوان مشرقا فعلى الوضح، ثم تلتقى هذه الطرق مع طريق قوص، وسميت هذه الطريق بالوضح لخلوها عن الجبال المشتبكة التى فى طريق قوص انتهى.
وذكر المسعودى: أن سكان هذه المدينة من عرب قحطان ونزار وربيعة ومضر وقريش وأغلبهم أتى إليها من الحجاز وأرضها خصبة، وإذا غرست فيها النواة صارت نخلة وأثمرت فى زمن قريب، بخلاف البصرة والكوفة فلا يثمر فيهما النخل إذا غرس من النّوى.
وكان محل أسوان القديمة فى الجنوب الغربى من محلها الآن، وقد انحطت عن درجتها فى زمن دخول العرب أرض مصر واعترى الخراب أكثر مبانيها.
стр. 2214
ولما بنى سورها تأخر عن حدود المدينة القديمة بقدر ثلاثمائة متر فجعل فى حدود الصخر تابعا لسير الجبل، وأحد أضلاعه على شاطئ البحر. وبنى من قطع صوّان أخذت من المحاجر ومن المبانى القديمة، وكان عبارة عن أبراج وبستيونات فى نقط منه مفصولة بجدران عالية، والآثار القديمة متفرقة فى أماكن كثيرة، تعلم من الكتابة والنقوش التى على الحجارة الملقاة، ثم إن طول المدينة تقريبا ما بين سبعمائة متر إلى ثمانمائة والطريق الموصل إلى جزيرة فيلة- (ييلاق) -.
فى الجهة القبلية من هذه المدينة والتل الذى فى جهتها القبلية بنى عليه الفرنساوية قلعة مدة دخولهم مصر وتحته معبد مصرى قديم قد علاه التراب، وحول التل أعمدة وقطع حجارة عتيقة، وفى جهة الشمال عمارة من مبانى الرومانيين متجهة نحو شاطئ النيل فى آخرها عمارة مربعة تشبه السبع السواقى التى فى آخر العيون بمصر العتيقة، وكانت المدينة محدودة من الجهة البحرية بالنيل، ومبنية فى أرض ذات ميل خفيف كانت مزروعة بالنخيل، وأرض الساحل رمل وطين من طمى النيل وفيه أنواع من الأشجار والنبات من ضمنها شجرة غريبة ارتفاعها نحو خمسة أقدام من الأرض، أزهارها بنفسجية اللّون وثمرتها صفراء، وبلغت فى خاصية الإحساس إلى أنها إذا مسّ أحد أحد غصونها انضمت أوراقها وهبطت وتبعها الغصن كله ولا ترجع لأصلها إلا بعد زمن، ويسميها الأهالى عرقة القرون ويعرفون هذه الخاصية فيها وينسبونها إلى السحر ويسميها بعض الناس شجرة الحسن، وذكر بعض السياحين أنه يوجد مثلها فى بلاد الحبشة.
ثم إن توالى حوادث الأيام خربت المدينة الإسلامية كما خربت قبلها مدينة الرومانيين التى حدثت بعد المدينة المصرية القديمة، ويقال: إن المدينة الموجودة الآن حدثت من زمن
стр. 2215
السلطان سليم فى الجهة الشرقية من النيل فى أرض منخفضة محوطة من جهتها البحرية الشرقية بنخل وبساتين ممتدة إلى بعد عظيم، وفى جهة الجنوب منها جبل مرتفع فيه محاجر ومغارات كثيرة، وفى جهتها الشرقية فضاء متسع كان به منازل تهدمت وأخذت أنقاضها، وكانت مبنية من الطوب وأغلبها معقود، ولها مينا متسعة ومحوطة من إحدى جهاتها بالصخور وكانت تجارتها التمر والسنامكى المجلوب من الجهات القبلية فى السفن إلى الشلالات، ثم ينقل منها إلى المدينة على الحيوانات وتسير إلى الجهات البحرية فى السفن.
ولما كانت تجارة التمر أعظم تجارتها كان أكثر أهلها فقراء، وقد بقى من المبانى القديمة فى موضع البلد القديم معبد مبنى من الصخر، وبه جملة أعمدة، وفى زمن الفرنساوية كان لا يمكن دخوله إلا من سطحه لتراكم الأتربة عليه، والآن خلا منها وتبين أنه من زمن البطالسة.
وفى سنة ألف وثمانمائة وأربع وأربعين ميلادية، وجد بعض السياحين مسلة فى أحد المحاجر التى بالجبل منفصلة عن الجبل من ثلاثة أوجه والوجه الرابع متصل بالجبل، وطول المسلة ثلاثون مترا وعرض قاعدتها اثنتا عشرة قدما، ومن شهرة المدينة وعتاقتها يستفاد أنه كان بها مبان كثيرة ومعابد أخرى، وشهرة بئرها تفيد أنه كان بها رصد-أى معبد-لأن الرصد كان من خصائص القسيسين الذين كانوا يسكنون المعابد ولكن ذهب جميع ذلك بتقلب الحوادث والدول.
وفى كتاب لطرون أنه وجد فى هذه المدينة قطعة صوّان عليها كتابة لاتينية تفيد أن مقدس هذه المدينة هو هومون ومعه كنوبيس وجينون، وأن هذه المدينة وضعت فى زمن القيصر غيطا (١) وعامله أكيلا، وذلك فيما بين سنة ٢٠٤ وسنة ٢٠٩ ميلادية وذلك يفيد أن عبادة المصريين كانت لم تتغير إلى ذلك الوقت انتهى.
стр. 2216
ومن آثار هذه المدينة أيضا مقياس كان فيها للنيل ذكره هيرودوط نقلا عن ميدازى الذى ساح أرض مصر ورأى البئر المعدة لقياس النيل، وكان قبل مقياس مدينة منف مبنيا من حجر معقود عليه خطوط متباعدة بقدر ذراع يصل إليها الماء من مجرى تحت الأرض، واطلع أيضا على المزاول المعدة لبيان الأوقات، وكان شاخصها من غير ظل فى يوم المنقلب الصيفى، وكان هذا المقياس موجودا فى القرن الرابع من الهجرة.
وذكر المقريزى أن عمرو بن العاص هو الذى بناه والأصح أنه رممه فقط، وكان للرومانيين عسكر للمحافظة فى هذه المدينة وفى/جزيرة بيلاق وجزيرة أسوان، وفى طريق جزيرة بيلاق التى فى وسط الصخور يرى بقرب المدينة كثير من القبور غير ما هو منها فى الجنوب الشرقى للمدينة، ويعلم من الكتابة الكوفية التى على الشواهد أنها قبور من مات من المسلمين فى وقت الفتح الإسلامى.
ويرى جملة من الجوامع مرقوما على باب أحدها اسم سليم، يقال إنه هو الذى حارب الجلابة فى مبدأ الهجرة وطردهم من البلد القديمة مرتين، ثم إن العرب تغلبوا عليها وسكنوها إلى زمن صلاح الدين فطردهم منها.
وفى القرن السادس عشر من الميلاد دخلت كبقية البلاد المصرية فى يد الدولة العثمانية مع جهتى بربى وأبريم، وفى الجبل الذى عند هذه الجهة كثير من المحاجر والمغارات التى أخذ منها المصريون فى الأزمان السابقة المسلاّت والأعمدة والأحجار الهائلة المستعملة فى مبانيهم، وتبعهم البطالسة والرومانيون فى ذلك.
стр. 2217
وهذه المحاجر تشغل سعة من الأرض طولها ستة آلاف متر تقريبا، ويرى الجبل فى جميع جهات المدينة مقطوعا رأسيا وعليه أثر الآلات، ويمكن أن يعلم بالتأمل طرق قطع الأحجار وفصلها من الجبل، وفى جهة الجنوب واد متسع مرتدم بالرمال؛ ولعلها الأرض التى كانت تزرعها أهل المدينة من القموح وغيرها ثم سطت عليها الرمال فأضاعتها.
وكان على شاطئ النيل الغربى فى مقابلة المدينة بلد تعرف فى كتب المؤرخين بغرب أسوان وكان الأقدمون يسمونها كونترا أسوان، وكان بها فى زمن الأقباط دير متخرب قائم على الجبل وهناك مغارة مصرية قديمة على بعد نصف فرسخ فى الجبل هى محل دير قديم تخرب، وفيه بعض نقوش من زمن النّصارى، وكان يحيط به سور فيه مزاغل كثيرة، وارتفاع المدينة عن استواء ماء البحر الملح مائة متر وعشرة أمتار، وعرضها الشمالى قدره أربع وعشرون درجة وثلاث وخمسون دقيقة وبعدها عن مدينة القاهرة ٨٣٥ ألف متر.
وذكر القاضى الأفضل (١) أن إيرادها للحكومة كان فى سنة ٥٨٥ هلالية خمسة وعشرين ألف دينار، وذكر الكامل جعفر أحد أكابر مدينة أدفو، أن متحصل نخيل أسوان فى السنة الواحدة ٣٠٠٠٠ إردب، وكان فيها من البسر أنواع منها ما ييبس، ومنها ما يؤكل أخضر، ومنه نوع يسمى السّكوتى وهو صغير، ونوع يسمى جنديلة، ونوع يسمى أصابع الست وهو أحمر طويل والأنواع الجيدة لاتباع إلا نادرا بأثمان مرتفعة، وإنما يهادى بها الأكابر والأصحاب، ومن خصوصياتها أن لا يكون التمر فيها رطبا وقد طلب الخليفة هارون الرشيد من تمر أسوان فجمع له ويبة (٢) من كل نوع من أنواع تمرها تمرة واحدة فانظر إلى كثرة أصناف التمر بها.
стр. 2218
ونقل الكندى عن ابن زولاق أن بعض العلماء كشف عن أرطاب أسوان فما وجد بالعراق شيئا من أنواع التمر إلا وفى صعيد قوص مثله وفيه ما ليس بالعراق.
قال وأخبرنى أبو رحبة الأسوانى الفقيه صاحب القصيدة البكرية أنه يعرف بأسوان رطبا أخضر كخضرة السّلق، عجيب المنظر حسن المخبر وبالعشاشية منه سبع نخلات يحمل رطبها إلى أمير المؤمنين العزيز بالله.
ونقل عن صاحب الطالع السعيد، أنه قد خرج من أسوان خلائق كثيرة لا يحصون من العلماء والرواة والأدباء ثم أورد منهم جمعا كثيرا وقال قيل لى: إنه حضر مرة قاضى قوص فخرج من أسوان للقائه أربعمائة راكب بغلة، وكان بها ثمانون رسولا من رسل الشرع.
وأخبرنا من وقف على مكتوب فيه أربعون شريفا خاصة، وآخر فيه سبعون، ووقفت أنا على مكتوب فيه قريب من أربعين فيه جمع كثير من بيت واحد مؤرخ بما بعد العشرين وستمائة، قال: ونخيلها يشق الراكب فيه مسيرة يومين، وبها سمك كثير والجنادل التى بها نزهة من نزه الدنيا بهجة المنظر كأنها منطقات نيل.
وهى معتدلة الهواء قليلة الوباء، وبها رياحين تهب رائحتها على البلد، وبها حجر يسمى البهلول إذا عمه الماء يكون علامة على وفاء النيل بمصر وهى كثيرة البزارات والنزه دائرة على البحر انتهى.
стр. 2219
ترجمة ابن زولاق
وقال أيضا أن ابن زولاق وهو أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق المضرى كان فاضلا فى التاريخ وله كتاب الخطط مقصور على مصر خاصة وله فى التاريخ مصنفات، ولد سنة ست وثلاثمائة وتوفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
وقد مر على هذه المدينة أنواع كثيرة من الحوادث غيّرت أحوالها وذهبت بخيرها وبركتها، واستمر ذلك إلى زمن العزيز محمد على ومن عقبه فأخذت تتخلص من الشدة شيئا فشيئا، ثم لحقتها العناية الخديوية فألحقتها بغيرها فى اتساع دائرة الثروة، وصار أهلها الآن فى سنة ١٢٩٠ هـ نحو أربعين ألف نفس.
وفيها محل الجمرك للبضاعة الواردة من الجهات السودانية، وهى فى وقتنا هذا مشتملة على قيساريات وخانات ووكائل ومتاجر جسيمة سودانية مصرية، وحاراتها ضيقة وأبنيتها من الطوب المضروب ما بين لبن ومحرق؛ لأن الجبل كان محيطا بها لكن أحجارة زرق صعبة القطع، وبها مساجد جامعة وقد أسس محرابها الصحابة ﵃ من ضمن ما أسّسوا فى البلاد التى استوطنوها، والبلاد التى كثر ممرهم بها من إقليم مصر/كمحراب المسجد الجامع بمصر المعروف بجامع عمرو، ومحراب المسجد الجامع بالجيزة وبمدينة بلبيس وبالإسكندرية وقوص قاله المقريزى.
стр. 2220
قال: وهذه المحاريب المذكورة على سمت واحد غير أن محاريب ثغر أسوان أشد تشريقا من غيرها، وذلك أن أسوان مع مكة شرفها الله تعالى فى الأقليم الثانى وهو الحد الغربى من مكة من غير ميل إلى الشمال ومحراب بلبيس مغرب قليلا انتهى.
وبها ديوان المحافظة بنى فى زمن العزيز محمد على على شاطئ البحر، وبها قاضى ولاية، وعلى نحو ثلثى ساعة من جهتها البحرية قصر وبستان من إنشاء محمد بيك لاظ أغولى سنة ١٢٣٨ هجرية مدة إقامته بها مع العساكر الجهادية الذين جعل العزيز عليهم سليمان باشا الفرنساوى لتعليمهم القوانين الإفرنجية العسكرية، وكان يقرب ذلك البستان قشلاق لإقامة ضباط العساكر، ثم جعل مكتبا للتلامذة على طرف الميرى.
وبالجملة فهى مدينة كثيرة البركة وافرة المحصول، وبعض أرض زراعتها على شاطئ النيل، وأغلب ذلك جنات وبساتين والبعض الآخر بالجزيرة تبلغ مساحته نحو تسعمائة فدان تزرع ذرة وقمحا وشعيرا وحشائش لأكل المواشى، ولقلة أرض الزراعة بها تجد أكثر أهلها ما بين تاجر وملاح فى المراكب.
ومنهم من يسافر إلى مصر أو بلاد البربر أو السودان بأنواع الأقمشة ونحوها، فيستبدلونها ببضائع من محصولات تلك الجهات نحو التمر الإبريمى والسّن والريش والعبيد، ويصنع بها من قديم الزمان إلى الآن أنواع كثيرة من الفخار فى هيئة أوانى النحاس والصينى من حلل وطناجر وأصحن وحجارة دخان وأغطية القلل وغير ذلك.
стр. 2221
وطبنة ذلك تجلب من بحريها بقرب ناحية تعرف بناحية الشيمنية بجوار قصر لاظ أغولى، والعرب القاطنون بقرب تلك المدينة يصنعون أوعية تسمى البرام يتخذونه من حجر يسمى حجر البرام، وبعض الناس يسميه حجر الهمر والطبخ فيه أجود من الطبخ فى النحاس.
وهى عبارة عن قطع من الحجر تنقر مجوفة نحو ثلاثة أو أربعة سنتيمتر.
وهؤلاء العرب من العبابيد ويسكنون الرادسية وفى بعض الأحيان يسحق ذلك ويضاف إليه قدره من طين مستخرج من تحت جبل تلك المدينة ويمزج ويعجن نحو أربع ساعات، ثم تعمل منه النساء أوعية البرام والمراجيس ويجفف فى الشمس والهواء مدة ثمان وأربعين ساعة، ثم يوضع على نار خفيفة فى حفرة تعمل لذلك ويوضع فيها نحو عشرة أبرمة أو اثنى عشر دفعة واحدة.
وأهل أسوان أخلاط من البدو والأتراك والبربر السنارية والعبيد، فلذا ترى فيها جميع الألوان والملابس وتسمع بها جميع اللغات، وعلى أرصفة موردتها محصولات من بقاع شتى، ومن بضائعها النشاب والحراب والمزاريق والدرقات وآلات الموسيقى والصمغ والجلود وسن الفيل والسنامكى وريش النعام والشمع والتمر الهندى كل ذلك من بلاد السودان والحبش، ومن بلاد النوبة الحبال الليفية، ومن صحراء العرب فحم الخشب، وضواحيها خالية من النبات ما عدا بعض نخيل وأشجار، ومتوسط الوارد فى كل سنة منها إلى مصر ٦٠٠٠٠ قنطارا من الصمغ، ومن الشمع الحسينى ٣٠٠ قنطارا، ومن ريش النعام ٢٥ قنطارا ومن سن الفيل ١٠٠٠ قنطار، ومن البن ٣٠٠ قنطار، ثم أنى قد رأيت مجموعا لكترمير الفرنساوى جمع فيه حوادث هذه المدينة من كتب المسلمين فأردت إيراد ملخص ما ذكره لزيادة الفائدة.
стр. 2222
فمن ذلك ما نقله عن عبد الله بن أحمد بن سلايم بن سلامة من علماء هذه المدينة فى تاريخ النوبة والمقرة والبجاة والنيل، أن بلاد النوبة تبتدئ من القرية المعروفة بالقصر الذى هو على خمسة أميال من مدينة أسوان، وأن آخر بلاد المسلمين فى وقته كان جزيرة بيلات التى هى على بعد ميل واحد من قرية أقصر، ومن هذه القرية إلى مدينة أسوان يكون مجرى النيل مشحونا بالشلالات ولا تمر فيه السفن إلا مع العسر.
وذكر المسعودى أن أهالى أسوان كان لهم أراض فى بلاد النوبة اشتروها من النوبيين فى بدء الإسلام زمن الأمويين والعباسيين، وكانوا يدفعون خراجها إلى ملك النوبة، إلا أنه كان يحصل منهم فى بعض الأحيان توقف وتعدّ؛ فلما جاء الخليفة المأمون بلاد مصر شكا له ملك النوبة من أهل أسوان، وأرسل إليهم رسلا تمنعهم عن شراء الأراضى من النوبيين مدعيا أنها ملكه وأن النوبيين عبيده فلا يملكون فيها شيئا، فعين الخليفة قاضى مدينة أسوان للنظر فى ذلك بحضور نائب الملك فى مجلس من أمرائها، فأقيمت الدعوى وثبتت صحة البيع بحيلة على البائعين حتى حملوهم على إنكار الرق، فحقد عليهم ملك النوبة من ذلك الوقت ونوى الغدر بهم، وفى سنة ٣٤٤ هلالية هجم على أرضهم بعسكر جرار ونهب أموالهم وأسر نساءهم وأطفالهم.
وكان ذلك فى زمن ابن الإخشيد، فأرسل إليه عسكر تحت إمرة محمد بن عبد الله عامل الخراج فطردهم وأسر منهم خلقا كثيرين ورجع إلى مصر مؤيدا منصورا، ثم إن نائب الملك هجم ثانيا على أرض أسوان فى سنة ٣٥١ هـ فخربها وسبى أهلها ودخل/وادى النيل حتى وصل إلى مدينة إخميم وكان لا يبقى ولا يذر فى طريقه، فحصل للناس ما لا مزيد عليه من الضّنك والشدة وخرّب أغلب البلاد التى مر عليها بعسكره واسترق أغلب أهلها، وكانت
стр. 2223
هذه الحادثة عقب دخول جوهر القائد بلاد مصر، فلما بلغه الخبر أرسل إلى كركى ملك النوبة يدعوه إلى الإسلام ويدفع البقط (١) الذى تقرر على بلاده فى مبدأ الفتح الإسلامى وكانت تدفعه أسلافه، فلم يجب إلى الدخول فى الإسلام وأكرم الرسل وأرسل معهم هدايا إلى الخليفة لا يعلم ما صار بعدها إلى زمن خلافة المستنصر بالله، فقام على مدينة أسوان أمير يسمى كنز الدولة وقتل كثيرا من أهلها ورفع لواء العصيان، فحاربه بدر الجمالى وانتصر عليه، ففر إلى ملك النوبة فطلبه منه بدر الجمالى فأرسله إليه فى الأغلال، فأخذه وصلبه على أحد أبواب الفسطاط، ورتب من ذلك الحين عساكر للمحافظة على المدينة فأوجب ذلك أمان الأهالى واشتغالهم بتجارتهم ومصالحهم، واستمر الأمر على ذلك مدة ثم تلاشى وصارت لا يرسل إليها عسكر المحافظة، فلما انقضت مدة الفاطميين هجم عليها ملك النوبة فهدم بيوتها وأسر أهلها ولم يكتف بذلك بل كان يتوغل فى دخول القطر شيئا فشيئا ويقويه كثرة الفتن فى الديار المصرية وتلاشى أمر الحكومة، واستمر هذا الحال إلى سنة ٥٦٨ هـ فهجم بجيش جرار على الأقاليم القبلية ونهب أكثر البلاد وخربها.
وكان الملك صلاح الدين حاكما على الديار المصرية، فأرسل فرقة من العساكر تحت إمرة أخيه شمس الدولة فتوجه قاصدا بلاد النوبة، ولما بلغ ملك النوبة حضور العساكر لحربه فارق أرض مصر فلحقه شمس الدولة وحاصر مدينة إبريم ونهبها وأسر أهلها، وكان ملك النوبة قد رحل إلى أرضه فلم يسر خلفه شمس الدولة، وأقطع مدينة إبريم بأرضها لأمير من الأكراد يسمى إبراهيم، وجعل معه عددا كافيا من العساكر ورجع إلى الديار المصرية ومعه من الأسرى سبعين ألفا على ما ذكره المؤرخ أبو صلاح، وهذا لا يخلو من المبالغة، إلا أنه
стр. 2224
يستدل منه على أن أهالى الجهات القبلية وبلاد النوبة كانوا فى تلك الحقبة على غاية من الضّرر، لأنهم كانوا فى طريق العساكر الأهلية ومطمح نظر الأشقياء من العريان وبلاد النوبة.
وكان الحاكم بمدينة أسوان سنة ٦٧٠ (١) هـ من طرف الحكومة المصرية الأمير كنز الدولة، وكان ذا عزة وجاه وله اتحاد بعرب البادية ويميل إلى الفاطميين فرفع لواء العصيان، وجمع كثيرا من العبيد والعرب وألبسهم الأسلحة وجعلهم جيشا دخل به فى البلاد واستولى على مدينة قوص، وقتل جميع أصحاب الإقطاعات وأخذ أموالهم وأرزاقهم وأغرى كثيرا من البلاد فكانوا معه، ولكن لم تطل مدته فإنه لما بلغ خبره الملك صلاح الدين أرسل له العساكر مع أخيه الملك العادل، فحاربه عند مدينة طود فانهزم وفر هاربا فلحقه وقتله.
وبعد ذلك بزمن قريب سنة ٦٧١ هـ عدى ملك النوبة على عيذاب وأراضى أسوان، ونهب البضاعة التجارية منهما، وخربهما وهدم بيوتهما وأسر أهلهما، وقصد دخول أرض الصعيد، فمنعه حاكم مدينة قوص وطرده من الديار المصرية، وسار خلفه فى بلاده ونهبها وأسر جملة من أمرائها وعرضهم على السلطان فأمر بتوسيطهم-أى قطع أوساطهم بالسيف- يقال كما فى كتب اللغة وسطه قطعه قطعتين من وسطه انتهى.
وربما كانت بلاد النوبة إلى ذلك الوقت تشن الغارة على أرض مصر وتضر بالأهالى والزراعة والعمارات، فلذلك كانت سلاطين مصر تترقب اغتنام فرصة للدخول فى تلك الأرض وإدخالها تحت حكمهم وتصرفهم، فلم يمض إلا زمن يسير حتى فرّ ابن ملك النوبة من عمه واستجار بالسلطان صلاح الدين (٢) سنة ٦٧٤ هـ فأصغى لشكواه وجهز جيشا عظيما من
стр. 2225
المماليك والعرب والأتراك وجعله تحت إمرة الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانى الأستادار، والأمير عز الدين أيبك الأفرم الخازندار، فقاما وأخذا معهما ابن الملك وتوجها إلى بلاد النوبة وحاربا أهلها وتغلبا على قلعة داو وأخذا ما فيها وأسرا أهلها، ثم اقتفيا أثر ملك النوبة داخل بلاده، وحصل بينهم جملة وقعات كان النصر فيها للمصريين وقتل أغلب عساكر النوبة فما زالوا يقتلون ويأسرون وينهبون المدن التى يمرون عليها، حتى أسروا أم الملك وأخته وكثيرا من الأمراء، ودخلوا مدينة دنقلة وجعلوا الملك على بلاد النوبة ابن أخيه الذى التجأ إلى السلطان، وعقدوا له مجلسا حضره الخاص والعام، وأخذوا عليه الشروط والمواثيق بالامتثال والطاعة لسلطان مصر، وفرضوا عليه خراجا يقوم بدفعه فى كل سنة إلى الخزينة المصرية، وهو ثلاثة أفيال وثلاث زرافات وخمسة من إناث النمر ومائة هجين ومائة ثور منتخبة، وجعلوا نصف إيراد بلاد النوبة يرسل إلى الديار المصرية والنصف الآخر للوازم الحكومة، وجعلوا وادى الحجر الذى هو الأرض الملاصقة لأرض مصر ومساحتها تقريبا ربع مساحة بلاد النوبة تابعا لمصر، ومحصولاته من قطن ونخيل وخلافهما للحكومة المصرية وخيروا الأهالى بين/الإسلام والجزية والموت فاختاروا الجزية، فجعلوا على كل من بلغ الحلم فى كل سنة دينارا، وحلف الملك والرعايا على قبول ذلك والعمل به.
ثم بعد ذلك دخل الجيش مصر ومعه عدد وافر من الأسرى بعد أن مات منهم خلق كثير فى الطريق، والذى وصل إلى القاهرة عشرة آلاف رأس، بيع الرأس منها بثلاثة دراهم، ومن هذا العهد صارت بلاد الحجر تابعة للحكومة المصرية، وجعل فى مدينة دنقلة مأمورون من طرف السلطان صلاح الدين لجمع الخراج وتوصيله للخزينة المصرية، واستمر الأمر على ذلك فى زمن من عقبه على تخت الديار المصرية، إلا أنه كانت تحصل أمور توجب دخول العساكر المصرية أرض النوبة، كما حصل ذلك فى زمن السلطان محمد بن قلاوون (١)، فإن العساكر المصرية ذهبت إليها مرتين فى سنة ٦٨٦ هـ والتى بعدها، بسبب التجاء ابن أخى
стр. 2226
الملك إلى السلطان قلاوون فى إيصاله الحقوق التى حرمه منها عمه، فأرسل معه عساكر إلى بلاد النوبة وتم الأمر بعد محاربات على جلوس ابن أخى الملك على التخت بعد موت عمه كما مر، ومع كثرة القتلى والأسرى من أهالى النوبة فى كل وقعة كانوا لا يرتدعون بل تحصل منهم الإغارة على الجهات المجاورة لهم من جهات مصر ويقطعون سبل التجارة وينهبون البضاعة كما حصل ذلك فى سنة ٧٦٧ هـ كما هو مسطور فى كتاب السلوك للمقريزى.
وهو أنه فى تلك السنة قام أولاد الكنوز وعرب بنى جعد وأغاروا على أسوان وأرضها وكذا على سواكن ونواحيها وعيذاب والواحات، واستولوا على أكثر هذه البلاد ونهبوها وسبوا أهلها، واتفق أن ابن أخى الملك فى هذا الأوان رفع لواء العصيان واتحد معهم وقام على عمه وقتله واستولى على تخته، ثم أخذ فى عمل الحيل على التخلص من شر العرب فدعاهم إلى وليمة أعدها لهم بعد نصرته، وجعل حولها الوقود وأكمن لهم عساكر، فحرق أمراءهم ومن سلم من الحرق قتله العسكر الكامنون، وهجم فى ليلتها على باقى العرب فى حين غفله، فقتل منهم خلقا كثيرين وشتت فى الجبال من سلم من القتل، ونهب أموالهم ومواشيهم وسبى أولادهم ونساءهم، ولكن خاف منهم فاجتمع بملك داو وتعاهد معه وأرسل إلى السلطان يطلب منه النجدة على العرب، فأرسل إليه الجيوش المصرية تحت إمرة الأمير اكتومر (١) عبد الغنى وجملة من الأمراء فوصلوا إلى مدينة داو بعد نصرات عديدة وغنائم كثيرة وخلصوها من العرب، وكان أهل دنقلة بداخلها عندما بلغهم قدوم العساكر المصرية، فحصل الاتفاق على إقامة الملك فى قلعة داو وتركه الإقامة بدنقلة، وبعد أن مهدوا له الأمور رجعوا إلى الديار المصرية ومعهم أكثر أمراء العرب، وعدد كثير من الأسرى فى القيود، ولما وصلوا إلى مدينة أسوان شكا أهلها إليهم ما حصل لهم من العرب وعبيدهم فأمسك منهم عددا وافرا ووسطهم.
стр. 2227
ثم بعد أيام قلائل دخل مصر فأنعم عليه السلطان وأمر بسجن أمراء العرب، إلى أن تعين الأمير حسام الدين الملقب بالدم الأسود حاكما على مدينة أسوان فذهب إليها وأخذ معه المحبوسين، ولما وصل بهم إلى مدينة قوص أمر بتسميرهم فى ألواح من خشب، وسار بهم وهم على هذه الحالة إلى أن وصل إلى أسوان، فقتلهم أشنع قتلة، فتحزب العرب والعبيد واجتمع منهم جملة وافرة وهجموا على أسوان فلم يقدر حسام الدين على مقاومتهم، ففر منهم بعد أن قتل أغلب المماليك والعسكر فنهبوا المدينة وخربوا بيوتها وسبوا أهلها، فكانت زيادة القسوة من هذا الحاكم الغشوم فى هذه الواقعة سببا فى خراب المدينة وقتل أهلها، ونهب هذه الجهة وما يليها وخروجها من يد الحكومة المصرية، لأن عداوة العرب بلغت منتهاها، فإنهم اجتمعوا وجعلوا يخربون فى البلاد المصرية، ويقطعون طرق التجارة ولا يوقرون كبيرا ولا يرحمون صغيرا، وحصل لهذه الجهات فى تلك المدة ما لا مزيد عليه من المضرات ووقعت فى أيديهم أسوان وغيرها من البلاد.
وفى سنة ٧٩٨ هـ اتحد العرب الأحمدية الذين كانوا يسكنون جهات الصعيد مع أولاد الكنوز والهوارة، وقاموا على حاكم مدينة أسوان المسمى بابن غريب ونهبوا منه المدينة وسبوا أهلها، ولم يقدر عمر بن إلياس حاكم المديريات القبلية على طردهم منها، ورجع بجيشه بعد أن أتلف كثيرا من العساكر، وصارت الفتن من ذلك العهد كل يوم فى الزيادة إلى سنة ٨٠٦ هـ فكانت مدينة أسوان إذ ذاك من غير حاكم ولا محافظين، فكانت عرضة لإغارات العرب عليها.
وفى سنة ٨١٥ هـ أغار عليها هوارة الصعيد وحصلت النصرة للهوارة بعد مقتلة عظيمة بينهم وبين أولاد الكنوز فنهبوها وخربوها وأسروا أغلب أهلها وتركوها خرابا بلقعا إلى أن استولى السلطان سليم على الديار المصرية فكثرت فيها الفتن كما كانت أولا؛ بسبب أن هذه
стр. 2228
الجهات كانت ميدانا لفتن الأحزاب، فإنه كان كل من عصى من البيكوات والأمراء يفر إلى الجهات القبلية ويضم إليه مماليكه ورجاله وكثيرا من الأهالى ويحارب بهم عساكر الحكومة، فكانت الأقاليم/القبلية وبلاد النوبة ميدان الفتن فى جميع هذه المدة المديدة التى أولها دخول السلطان سليم إلى زمن استيلاء العزيز محمد علىّ على الديار المصرية، ولحق فيها الأهالى من المصائب الناشئة عن هذه الحوادث ما قهقر حالهم وخرب ديارهم.
ومن ابتداء استيلاء العائلة المحمدية انقطع عرق هذه الحوادث وسكنت الفتن ودخلت بلاد النوبة وجميع البلاد السودانية تحت حكم الديار المصرية، ووصلت حمايات تلك العائلة إلى جميع سكان هذه الأرض فى الطول والعرض ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١).
وبما وصل كل ناحية من العناية الخديوية أخذت فى أسباب الثروة والنمو، وصارت هذه المدينة التى فى آخر القطر المصرى مركزا لجميع تجارات الصحراء وبلاد النوبة والأقطار السودانية، وصارت عامرة آهلة ذات حرف وصنائع كثيرة، ويتردد إليها أهل السودان وعرب الجبال، فيكتسب أهلها من طباعهم وعوائدهم خصوصا العوام والأوباش.
فمن عوائد عوامها فى الأفراح أنه بعد عقد النكاح يذهب الزوج إلى بيت الزوجة بالجهاز المشروط لها ومعه جماعة من أحبته وأخصائه، وبعد جلوسهم يؤتى لهم بقفف من الخوص مملوءة بالحمص المقل والتمر والقرطم المقلى والجرمة، فيفرق على الحاضرين فيأكلون وينصرفون، ثم بعد مدة يعمل الفرح كالمعتاد.
стр. 2229
وفى ليلة الحناء. وهى التى تليها ليلة البناء بعد مضى أكثر الليل، يؤتى بطشت مملوء من الحناء ونار مؤججة لتجفيف الحناء فى الأيدى. فيتقدم أبو الزوج فيضع يده فى الحناء ثم يضعها فى يد ابنه ويقول له: أعطيتك البركة وطول العمر. وأعطيتك كذا وكذا مما يملكه من عقار ومواش ونقود وأمتعة، وكذا تفعل والدته وبعض أقاربه فيشهد الحاضرون بذلك. ثم فى وقت العصر من يوم تلك الليلة يحضر الحلاق فيحلق له بعض رأسه ويترك قطعا متفرقة يسمونها الجزائر، ولا يحلقها إلا إذا أخذ من الحاضرين شيئا من النقود يسمى النقطة. ثم بعد صلاة العشاء فى المسجد يزف بالدف والكوس وأمامه الموالدية يقولون: الموشحات والأوراد إلى أن يدخل بيت الزوجة وبيده سيف، فعند وصوله أول باب يجرده ويضرب به وجه الباب، ثم يبنى بالزوجة فى بيتها ويبيت هناك، فإذا طلع الفجر خرجا معا إلى البحر ومعهما بعض أقاربهما، فيملأ منه كل منهما بيده قلة صغيرة فيرش بها الآخر ويتسابقان فى ذلك، ثم يذهبان إلى بيت الزوج فيقيم معها ولا يخرج من عندها إلا بعد ثلاثة أيام، ثم يخرج إلى السوق ويأتى ببعض كل ما وجد فيه.
وحلى نسائهم الخلاخل وأساور الفضة والشعيرى والخزام، وهو حلقة أوسع من دائرة الريال تتخذ من الذهب أو الفضة تجعل فى الأنف، فيثقب أنف البنت وهى صغيرة فإذا تزوجت لبسته، ويتلفع الرجال بملاءات قطن بيض ذوات حواش حمر تسمى بالشقق، ويلبس أشرافها وعلماؤها أقبية الخز والجوخ.
стр. 2230
ترجمة فخر الدولة
وقد أورد فى الطالع السعيد من قدماء علمائها المشهورين بالمآثر جما غفيرا يقتضى زيادة شهرتها وعلو منزلتها، فمنهم الفاضل الأديب الكاتب الشاعر إبراهيم بن محمد بن ابراهيم الملقب بفخر الدولة (١) وهو أول من كتب الإنشاء للملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ومن بعده لأخيه العادل ومن كلامه:
ما الشّيب إلا نعمة … مشكورة فاشكر عليه
ما الغبن إلا أن تمو … ت وأنت لم تبلغ إليه
توفى بحلب سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
ترجمة بحر بن مسلم
ومنهم بحر (٢) بن مسلم اشتهر بين الفقراء المسافرين وأهل البلاد أنه صحابى قال: ولم أر من ذكره فى الصحابة، وهو منتهى زيارة الزائرين بالوجه القبلى يأتون إلى زيارته من كل مكان وقبره بقرب «تافا» من آخر عمل أسوان ولم يذكر تاريخ وفاته.
стр. 2231
ترجمة الحسن الأسوانى وغيره
ومنهم الحسن بن أبى الحسن على بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير المهذب الأسوانى ذكره العماد الأصبهانى وأثنى عليه وقال: إنه لم يكن بمصر فى زمنه أشعر منه، وأنه أعلم من ابن أخيه الرشيد وقال ابن عين الدولة: رأيت له تفسيرا فى خمسين مجلدا وقفت منها على نيف وثلاثين جزءا، توفى سنة إحدى وستين وخمسمائة انتهى.
وذكر صاحب حسن المحاضرة فيمن كان بمصر من فقهاء الشافعية أن منها جماعة من العلماء الأعيان، منهم قحزم بن عبد الله الأسوانى يكنى بأبى حنيفة كان أصله قبطيا، وكان من جملة أصحاب الشافعى الآخذين عنه كان مقيما بأسوان يفتى بها على مذهبه مدة سنين مات بها سنة إحدى وسبعين ومائتين.
ومنهم أبو رجاء محمد بن أحمد بن الربيع الأسوانى، كان فقيها أديبا شاعرا سمع وحدث وألف قصيدة نظم فيها قصص الأنبياء وكتاب المزنى والطب والفلسفة مائة ألف بيت وثلاثين، مات فى ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وثلثمائة.
ترجمة إسماعيل بن محمد الأسوانى الأنصارى
ومنهم (١) إسماعيل بن محمد بن حسان القاضى أبو الطاهر الأسوانى الأنصارى، رحل إلى بغداد وتفقه على ابن فضلان ورجع فأقام بأسوان حاكما مدرسا مات/بالقاهرة فى رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة عليه رحمة الله اه.
стр. 2232
ترجمة نجم الدين الأسوانى
(ومنهم) نجم الدين (١) حسين بن على بن سيد الكل الأسوانى، كان ماهرا فى الفقه فاضلا فى غيره، أفتى وتصدر للإقراء بالقاهرة ومات فى صفر سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وقد قارب المائة.
وذكر فيمن كان بمصر من فقهاء المالكية جماعة منهم هارون (٢) بن محمد بن هارون الأسوانى أبو موسى
قال ابن يونس كان فقيها على مذهب مالك، كتب الحديث ومات فى ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثلثمائة.
ترجمة أحمد الصواف
ومنهم أحمد بن محمد بن جعفر الأسوانى المالكى الصواف، قال أبو القاسم ابن الطحان روى عن أبى بشر الدولابى وأبى جعفر الطحان وروى عنه عبد الغنى بن سعيد، مات سنة أربع وستين وقيل أربع وسبعين وثلثمائة.
ترجمة محمد بن يوسف
ومنهم (٣) محمد بن يوسف بن بلال الأسوانى المالكى أبو بكر، روى عن أبى سفيان الوراق وسمع منه أبو القاسم ابن الطحان، وقال توفى سنة ست وسبعين وثلثمائة اه.
стр. 2233
إشليم
قرية من مديرية المنوفية بقسم مليج شرقى ناحية العجايزة بنحو أربعة آلاف متر، وفى الشمال الشرقى لناحية أم خنان كذلك، وبها ثلاثة جوامع أشهرها الجامع المعروف بجامع أبى قدوس التى فى بحريها له منارة، وفى بحريها على بعد ثلاثمائة متر ضريح سيدى على أبى شبكة له مولد سنوى، وفى قبليها على بعد أربعين مترا ضريح سيدى المرزوقى له مولد سنوى أيضا، وفى غربيها جنينة برتقان وبها معمل دجاج ولها سوق كل يوم خميس، وتكسب أهلها من الزراعة.
стр. 2234
ترجمة الشيخ عبد الغنى الإشليمى
وينسب إلى هذه القرية الشيخ عبد الغنى الإشليمى الذى ترجمه السّخاوى فى الضوء اللامع حيث قال: هو عبد الغنى (١) بن محمد بن عمر بن عبد الله الزين الإشليمى ثم القاهرى الأزهرى الشافعى، ولد تقريبا سنة عشرين وثمانمائة بإشليم، وقرأ بها بعض القرآن وانتقل مع أخيه إلى القاهرة فأكمله بها، ثم حفظ المنهاج الفرعى والأصلى، وألفية النحو، واشتغل فى الفقه على الشرف السّبكى والقاياتى والونائى وجماعة، وفى النحو على الشمنى وغيره، وفى الفرائض على ابن المجدى، وفى العروض على الشهاب الأبشيطى، وسمع على الزين الشركسى وغيره، ونزل فى صوفية سعيد السعداء وغيرها. وعمل أرجوزة فى الفرائض، وكان فاضلا خيرا فقيرا قانعا متعففا، كتبت عنه قديما مما خاطب به شيخنا أيام محنته ولصق بمحل جلوسه بالمنكوتمرية قوله:
لن يبلغ الأعداء فيك مرادهم … كلا ولن يصلوا إليك بمكرهم
فلك البشارة بالولاء عليهم … فالله يجعل كيدهم فى نحرهم
وفى معجمى وغيره من نظمه الكثير انتهى ولم يذكر تاريخ موته ﵀ وإيانا.
стр. 2235
ترجمة محمد الإشليمى
وينسب إليها أيضا كما فى الضوء اللامع محمد (١) بن عثمان بن عبد الله ويقال: أيوب بدل عبد الله وهو أصح، أصيل الدين أبو عبد الله بن الفخر أبى عمرو بن النجم العمرى الإشليمى ثم القاهرى الشافعى، ولد بعد سنة أربعين بإشليم، ولما ترعرع عانى القرآن ثم اشتغل فى الفقه والعربية وتلا للسّبع.
ومن شيوخه فى الفقه ابن الملقن والبلقينى وغيرهما، وأذن له بالتدريس والإفتاء وتكسب بالشهادة ولازم الصدر بن رزين خليفة الحكم فرقاه لنيابة الحكم، وكان له استحضار يسير من السيرة النبوية ومن شرح مسلم، فكان يلقى درسه غالبا من ذلك لكونه لا يستحضر من الفقه إلا قليلا، مات فى أواخر ذى الحجة سنة أربع وثمانمائة رحمه الله تعالى انتهى.
стр. 2236
إشمنت
قرية من قسم بنى سويف فى غربى النيل بقليل، وفى شرقى الميمون بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى شرقى السكة الحديد بنحو خمسمائة وخمسين مترا، وأبنيتها باللبن والآجر، وفيها مساجد ونخيل، وفى شمالها قصر مشيد ببستان عظيم تبع دائرة الخديو محمد باشا توفيق وبجواره ديوان تفتيش زراعته.
وفى الجنوب الغربى لقرية إشمنت بقدر ألف وخمسمائة متر تقريبا، أسست هناك فوريقة للزوم قصب هذا التفتيش، وصار بناء بعض محلات منها والباقى لم يتم بناؤه، ويوصل إليها فرع من السكة الحديد طوله ٧٥٠ مترا من محطة السكة العمومية للصعيد، ثم إن أراضى هذا التفتيش يزرع فيها مثل بلاد الوجه القبلى، ويزرع بها القطن وأنواع من الحبوب وقليل من القصب، وينقل قصبها بواسطة السكة الحديد إلى التفاتيش الأخرى لعصره وعمل السكر منه، وسقيها بواسطة وابورات مركبة على النيل، ومقدار زمام هذا الجفلك نحو خمسة عشر ألف فدان بعضها غربى الترعة الإبراهيمية وبعضها فى شرقيها.
стр. 2237
أشمون
قال فى تقويم البلدان إنها بضم الهمزة وسكون الشّين المعجمة وضم الميم وسكون الواو وفى آخرها نون كذا قال السمعانى: وصوابه أن فى آخرها ميما وإنما العامة تسميها أشمون بالنون كما حققت ذلك عن بعض فضلاء مصر.
وأنشدنى من بعض تآليفه هجوا فى قاضى تولى بها يعرف بابن مرحل، يا للروم ابن المرحل قاضى أشموم/انتهى
وهذه المدينة كانت قديما مدينة جليلة الشأن وكانت تسمى فى اللغة القبطية أشمونين أرمانى، وسماها الإسلام أشمون طناح، ويقال لها أيضا أشمون الرّمان، ويقال أيضا:
أشموم بالميم. وقال بعض الإفرنج، إنها بنيت محل منديس العتيقة.
ونقل استرابون عن بعضهم أن منديس كانت قد خلفت مدينة طمويس التى جعلها كثير من المؤرخين رأس مديرية من الوجه البحرى، وأنها من أعظم مدنه، ونقل عن بعض آخر أن منديس وطمويس إسمان لمدينة واحدة، واحتج لذلك بأن هيرودوط قال: إن منديس معناه الجدى وإن الأب جيروم قال فى معنى طمويس كذلك، فهما كلمتان قبطيتان معنى كل منهما الجدى.
стр. 2238
ونقل عن بعض آخر أن أحد الإسمين كان يطلق على المدينة والآخر على خطها، وقال بعض شارحى استرابون إن آثار مدينة طمويس توجد بالقرب من ناحية تمىّ الأمديد فى أرض الدقهلية غربى خراب صان، على نحو خمسة وثلاثين ألف متر، عبارة عن ثلاثة وعشرين ميلا رومانيا، وفى تخطيط أنطونان أن البعد بين صان وتمىّ الأمديد اثنان وعشرون ميلا انتهى.
وفى قاموس الجغرافية الإفرنجى أن الأب جيروم كان من كبار أحبار الكنيسة اللاتينية، ولد سنة ثلاثمائة وإحدى وثلاثين على قول وثلاثمائة وستة وأربعين على آخر، وساح فى بلاد الغلوى، وبلاد آسيا وزار بلاد القدس، ورجع إلى رومة سنة اثنتين وثمانين وتعين كاتب البابا، ثم بعد موت البابا رجع إلى فلسطين ودخل ديرا فى بيت لحم فطرده المخالفون له فى العقيدة، ومات سنة أربعمائة وعشرين وترك عدة كتب وأشهر كتبه وأكثرها اعتمادا ترجمة التوراة.
وفيه أيضا أن استرابون جغرافى يونانى مشهور من مدينة أمازة من الكيادوس، ولد سنة خمسين قبل الميلاد وهو من عائلة مشهورة وساح فى آسيا الصغرى وبلاد الشام ومصر واليونان وإيطاليا، وعاش زمانا بمدينة رومة، ومات فى أواخر حكم القيصر تبير، وله مؤلفات فى التاريخ والجغرافية، ومؤلفه فى الجغرافية مع مؤلفات بطليموس أحسن ما ترك الأقدمون.
وقد مزج فى مؤلفاته المواد التاريخية، والمواد الدينية والآداب وغير ذلك بالتفاصيل الجغرافية، ومؤلفاته معتبرة عند الإفرنج وتكرر طبعها مع شروح مفيدة انتهى.
стр. 2239
وقال مرييت فى تاريخه وبركش وغيرهما ممن لهم معرفة باللغة القديمة المصرية، أن هذه المدينة كانت تنسب إلى فراعنة العائلة التاسعة والعشرين، وكانت مدتهم إحدى وعشرين سنة، وجلوس أول فراعنتها كان قبل المسيح بثلاثمائة وتسع وتسعين سنة.
وذكر هيرودوط: أن أهل هذه المدينة كانوا يحرمون أكل المعز ذكورا وإناثا، وسببه أن النقاشين والمصورين كانوا يصورون رأس المقدس «بان» على صورة رأس أنثى المعز، ورجليه على صورة رجلى تيس المعز، قال: والذى يظهر أن هذا ليس هو السبب فى تحريم لحومها، لأنهم كانوا لا يعتقدون أن المقدس «بان» كان على هذه الصورة.
قال: واحترامى للديانة يمنعنى أن أجزم بالسبب الذى حرموا أكلها لأجله، غاية ما أقول أنهم كانوا يحترمون هذا النوع من الحيوان خصوصا التيوس حتى كانوا يحترمون رعاتها، وإذا مات التيس المعظم عندهم يحزنون عليه ويلبسون الحداد، وكان اسم التيس عندهم منديس انتهى.
وقال خليل الظاهرى وأبو الفداء وغيرهما أن هذه المدينة كانت من بلدان إقليم المرتاحية والدقهلية، وكان بها دار إقامة حاكم الإقليم كما فى خطط المقريزى، قال أبو الفداء:
وكانت على خليج من النيل يجرى حتى يصب فى بركة المنزلة، وهو المسمى الآن ببحر طناح.
وفى تاريخ بطاركة الإسكندرية أن الخليفة المتوكل رمّ أسوارها وأسوار مدن أخرى، كدمياط ورشيد وتنيس بعد نهب اليونان تلك المدن وتخريبها، وزعم بعضهم أن اسمها الأصلى أشمونين يونان نسبة إلى اليونان الذى هم الأروام وليس بصحيح؛ وإنما أضيفت إلى الرومان لأن إقليم الدقهلية الذى منه هذه المدينة خصب ينتج فيه الرمان كثيرا جدا فيباع منه مقدار عظيم كل عام فى البلدان الأخر.
стр. 2240
وفى المقريزى أن الإفرنج نزلت قريبا من دمياط فى سنة ست عشرة وستمائة، وملكوا البر الغربى، ومن ذلك الوقت شاع موت الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن نجم (١) أيوب بن شادى بن مروان الكردى الأيوبى، وكان ابنه الملك الكامل نائبا عنه فى ديار مصر، وأقطعه الشرقية وجعله ولى عهده وحلف الأمراء على ذلك، فلما مات العادل ببلاد الشام استقل الملك الكامل بمملكة مصر فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة وثبت لقتال الإفرنج، وكانت العرب ثائرة بنواحى أرض مصر وكثر خلافهم واشتد ضررهم، وكان الأمير عماد الدين المعروف بابن المشطوب أجل الأمراء بمصر، وله لفيف من الأتراك الهكارية يريد خلع الملك الكامل وتمليك أخيه الملك الفائز ووافقه الكثير من الأمراء على ذلك، فلم يجد الملك الكامل بدا من الرحيل فى الليل وسار من العادلية إلى أشمون طناح/ونزل بها وأصبح العسكر بغير سلطان، فركب كل واحد هواه ولم يعرج واحد منهم على آخر، وتركوا أثقالهم فاغتنمها الفرنج وهمّ الكامل بمفارقة أرض مصر، ثم إن الله تعالى ثبته وتلاحقت به العسكر، وبعد يومين قدم عليه أخوه الملك المعظم عيسى بأشمون فاشتد عضده بأخيه، وأخرج ابن المشطوب من العسكر إلى الشام ثم أخرج الفائز إبراهيم إلى الملوك الأيوبية بالشام والشرق يستنفرهم لجهاد الفرنج، وجد الكامل فى قتال الفرنج وأتته الملوك من الأطراف، فقدر الله أخذ الإفرنج دمياط بعد ما حاصروها ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما ووضعوا السيف فى أهلها، فرحل الكامل من أشمون ونزل المنصورة، وبعد خطوب وقعت بين الفريقين تم الأمر على الصلح وتسلم المسلمون مدينة دمياط فى التاسع والعشرين من رجب سنة ثمان عشرة وستمائة، بعد أن أقامت بيد الإفرنج سنة وأحد عشر شهرا تنقص ستة أيام، وسار الإفرنج إلى بلادهم وعاد السلطان إلى قلعة الجبل.
стр. 2241
وفى الثالث والعشرين من صفر سنة سبع وأربعين وستمائة نزل الإفرنج على دمياط فملكوها، وكان السلطان الملك الصالح نجم الدين أبو الفتوح أيوب بدمشق فقام عند ما بلغه حركة الإفرنج ونزل أشمون طناح وهو مريض انتهى.
ونقل كترمير عن كتاب السلوك أنه كان حصل وباء شديد فى الديار المصرية سنة سبعمائة. مات فيه كثير من البقر حتى تعطلت الدواليب والسواقى، ونفق بالموت لرجل من مدينة أشمون طناح ألف بقرة وثلاثة من ألف وعشرين بقرة كانت له، وعوّضت الأهالى البقر بالإبل والحمير وارتفع ثمن الثور إلى ألف درهم، وكذا قبل ذلك فى سنة ستمائة وأربع وثمانين حصل موت كبير للبقر.
وفى الجبرتى أنه فى سنة إحدى ومائتين وألف حصل موت ذريع للبقر حتى صارت تتساقط فى الطرقات، ومات لابن بسيونى غازى بناحية سنديون مائة وستون ثورا انتهى.
ومما مر يعلم أن مدينة أشمون طناح كانت عامرة آهلة بل كانت منبعا للعلماء والأكابر.
стр. 2242
ترجمة جمال الدين الواسطى المعروف بالوجيزى
فقد ذكر صاحب حسن المحاضرة أن منها جمال الدين أحمد بن محمد بن سليمان الواسطى المعروف بالوجيزى، لكونه كان يحفظ الوجيز للغزالى، كان إماما حافظا للفقه شافعى المذهب، ولد بأشمون الرمان سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وتفقه بالقاهرة إلى أن برع وناب فى الحكم بها، نقل عنه ابن الرفعة على حاشية المطلب وأخذ عنه الإسنوى، مات فى رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة ﵁.
أشمون جريس
قرية من أعمال المنوفية وهى رأس مركز واقعة على الشاطئ الشرقى لبحر رشيد بقرب أم دينار بحرى أبشاتى وكانت مكتوبة فى دفاتر التعداد باسم أشمون جريسات، ومنها مارى مقرب ونقل إليها بعد قتله، وكان بها معبد شاهده حاكم الإسكندرية ألوج وقت توجهه إلى الأقطار القبلية، وتعجب من زينته وسأل عنه، فأجابه بعض نصارى أشمون: أنه من بناء ديوفانس وهى عامرة إلى الآن انتهى.
стр. 2243
وبينها وبين النيل نحو أربعمائة وخمسين قصبة وحولها سور من الآجر والمونة، وبها جامع متسع له منارة مرتفعة يقال: إنه من بناء محمد بيك جركس أحد مماليك الأيوبية، وست زوايا يصلى فيها غير الجمعة، وبها خانات وحوانيت وقهوتان وخمارة، وفيها محل لبيع القطن والغلال، وفيها أربعة من الأوروباويين وبها معمل دجاج لأولاد ذى النون، وثلاث حدائق واحدة لإسماعيل أفندى صالح معاون بمدارس المعارف بمصر، وواحدة لسليمان أفندى محمد، والثالثة لعباس أفندى، وبها أضرحة لبعض الصلحاء منهم الشيخ خطاب البربرى، والشيخ أبو طرطور، والشيخ على المغربى، والشيخ محمد خفير الدرب.
وفى غربيها بنحو خمسين قصبة كفر يعرف بكفر حسن زلابية، وفيه ضريحه وفى غربيها أيضا بأرض يقال لها: أرض أبى عوالى فى ضمن شجر هناك شجرة قديمة من شجر الأراك ينسبها الأهالى للشيخ ضرغام الحوّاش، ويستعملونها كثيرا فى السّواك تبركا بالشيخ المذكور، وبين هذه القرية وقرية طليا تل قديم يسمى «كوم وسيم» فى حدود أطيان أشمون من الجهة القبلية، وعدد أهلها أربعة آلاف وأربعمائة وأربع وأربعون نفسا، منهم من يتكسب من الزرع، ومنهم أرباب حرف من بنائين ونجارين وغير ذلك.
وزمام أطيانها خمسة آلاف فدان وأربعمائة فدان وواحد وثلاثون فدانا ما بين خراجى وعشورى، وذلك أن من ضمنها عدة أباعد لبعض الأمراء مثل مرعشلى باشا، وإسماعيل بيك محمد ومناو أفندى، وخرشد أفندى وشركائه عتقى المرحوم رستم بيك، وجميع أطيانها مأمونة الرىّ وفيها ثلاث عشر ساقية معينة عذبة الماء كثيرته بعد وقت انتهاء نقص النيل نحو ثمانية أمتار.
стр. 2244
ترجمة الشيخ محمد الأشمونى حفظه الله
وفيها كثير من الفقهاء حملة القرآن الكريم، وممن نشأ منها من العلماء العلامة المحقق والفهامة المدقق، غرة عصره وأوحد دهره، الشيخ محمد الأشمونى الشافعى حفظه الله تعالى ومد فى أجله، المشتغل دواما بالإفادة والتدريس لكبار الكتب وصغارها من كل فن بالجامع الأزهر/فقد درس المطول، وجمع الجوامع فما دونهما مرارا وقرأ التفسير والحديث كذلك، ولم يشتغل بالتأليف وإنما كتب عنه بعض الطلبة تقييدات فى حال قراءته لمختصر السعد نحو ثلاثين كراسة، وكذلك فى حال قراءته للعقائد النسفية وقلّ من يماثله فى الفصاحة وعذوبة المنطق وحسن الإلقاء وجودة الحفظ والفهم، أخذ عن البرهان القويسنى، وعن الحجة البولاقى، وعن الشمس الفضالى، وعن الفاضل المرصفى وغيرهم، حتى حصل تحصيلا زائدا، وبرع فى كل فن، وقد أخبر هو عن نفسه أنه من نسل أبى مدين التلمسانى فعلى هذا فهو متصل النسب بالنبى ﷺ .
стр. 2245
ترجمة شيخ المالكية الشيخ محمد عليش
قال: ومن نسله أيضا شيخ المالكية الإمام الكبير والعلم الشهير محمد عليش المغربى الأزهرى صاحب التآليف العديدة والتصانيف المفيدة فى فنون شتى، له شرح على مختصر الشيخ خليل فى فقه مالك أربعة أجزاء ضخام، وشرح على مجموع الشيخ الأمير كذلك، وحاشية على شرح مجموع الأمير أكبر من ذلك، وألف فى البيان والمنطق والصرف والتوحيد وغير ذلك، وكان فى حال حياته مستغرقا زمنه فى التأليف والتدريس والعبادة، متجافيا عن الدنيا وأهلها، لا تأخذه فى الله لومة لائم.