ومن مأكولهم فى هذه الأيام المخروطة وتسمى عندهم السكسكية أو القادوسية، وهى أن يجعل عجين القمح رقاقا ويطوى ويخرط بالسكين مثل فرم الدخان، ويوضع فى قادوس من فخار مخرق خروقا دقيقة، بعد أن يركب على قدر من نحاس مثلا فيه ماء ويؤخذ وصله بأن يسد ما بينهما بنحو عجين سدا محكما يوقد عليه حتى يغلى الماء ويكون له بخار كثير، فإذا وضعت المخروطة فى القادوس وغطيت فإنها تستوى على البخار، ثم إنها تؤكل بالسمن أو العسل أو اللبن أو الجبن وأكثر ما يصنعونها فى أيام الصيف بدلا عن الكنافة.
واعلم أن أراضى تلك الجهات وأغلب بلاد الصعيد إنما تزرع مرة واحدة فى السّنة، فمنها ما يحرث أى يثار بالمحراث ومنها ما يلوّق: أى يغطى بذرها بالملاوق، ويكثر الحرث فى زرع القمح والشعير والعدس والحمص، ويكثر التلويق فى زرع الفول والترمس ونحوهما، ويتعين فى البرسيم ونحوه، فيبذر الحب فى الأرض قبل جفافها ويستر بالملوقة، وهى لوح من الخشب نحو ذراع يثقب فى وسطه ويجعل فيه عصى من الخشب نحو ذراعين ويلوق الرجل فى اليوم نحو فدان، وأجرته نصف قيراط من القمح أو غيره، وهو جزء من أربعة وعشرين جزءا من الإردب ويعبرون عنه الرّفطاو بضم الراء وسكون الفاء فطاء مهملة فألف فواو وأكثر الأجر فى خدمة الزرع تصرف به فلذا يسمونه الرفطاو، والصرفى وهو نصف الرفطاو، والسوقى الذى هو ربع الويبة، ويسمى ذلك بالقدح، والويبة كيلتان، وتسمى الكيلة عندهم مدا صرفيا، والويبة مدا سوقيا، والإردب ست ويبات وهى اثنتا عشرة كيلة.
وأما النقيصة فتختلف بحسب الجهات، ففى بعضها كبلاد طحطا (١) هى عشر كيلات أى إردب إلا سدسا، وفى بعضها كبلاد ملوى تطلق على ثمان كيلات، وفى بعضها على سبع كيلات، وأما أجرة المحراث والحراث والبقر فنحو اثنى عشر قرشا ديوانية كل يوم، وأكثر ما يثير المحراث فى اليوم ست دهائب عبارة عن نصف فدان تقريبا وذلك فى الحرث الردّ وأما فى البرش فيثير نحو فدان.
стр. 2277
وقد تكلمنا على الدهيبة والمرجع والبرش والرد ونحو ذلك فى الكلام على ناحية بنجا، وعند الفراغ من الحرث يصنعون طعاما يسمى الكفارة، والغالب أن يكون من الفطير الرقاق وبعض البلاد يجعلون الرقاق فى قرون البقر، ولبعض بلاد الصعيد اعتناء بتسبيخ القمح والشعير فقط إذا زرع لوقا، وذلك من بعد جفاف الأرض وتحملها أرجل الدواب، بأن يمضى نحو عشرين يوما من البذر إلى قرب إدراك الزرع ولا يربطون البهائم على البرسيم إلا بعد مضى شهر ونصف أو شهرين من زرعه.
وكانوا سابقا يسرحون فيه الخيل خاصة بلا ربط بعد مضى نحو عشرين يوما من بذره. فكل من له فرس يرسلها ترتع حيث شاءت ويرون أن للخيل حقّا فى الزرع، فإذا رآها صاحب الزرع فلا يزيد على طردها عن زرعه ولا ينكر على أربابها، ثم بطل ذلك اليوم، ثم إذا ربطت البهائم على البرسيم فأكثر الناس ينصب عندها بالغيط زرابى من بوص الذرة الطويلة يسمونها بالعزب يبيتون فيها لحراسة البهائم، ويديمون ربط الخيل على البرسيم ليلا ونهارا ولا يروحون ولا يسرحون ولا يركبونها مدة الربيع ويسرحون باقى المواشى والدواب ويروحون بها إلى الزرابى لا إلى البلد.
وأكثر ما تستعمل الزرابى فى بلاد قنا وجرجا وتارة تقيم فيها الخدمة فقط، وتارة يقيم فيها أهل البيت جميعا، ويغلقون بيوتهم فى تلك المدة ويستمر ذلك إلى يبس العود/ واستحقاق الزرع الحصاد، ويرون فى ذلك إصلاحا للبهائم ونموّا للريع من اللبن والسمن، ويقولون إن اللبن يروب فى الغيط أكثر من البيت ويقتنون هناك الدجاج والأوز فيرعى من الحشائش ويقذف باللحم والشحم ويتخذون كلابا ضارية للحراسة لكن أكثرهم لا ينام عليها بل يتناوبون السهر خوف اللصوص مع تقارب العزب وكثرتها حتى كأنها بلدان.
стр. 2278
ثم إن عوائد البلاد تختلف عند إدارة الحصاد ففى بعضها يخرجون جميعا لحصاد قبالة، فإذا فرغوا منها سرحوا لغيرها ويرون ذلك أصون للزرع، وبعض البلاد لا يعتبر ذلك بل كل أحد يسرع لغيطه فى أى قبالة بلا حرج عليه، والقبالة طائفة من أطيان البلد لها اسم يخصها وتشتمل على جملة غيطان لجملة أشخاص ويخرج ربّ الزرع أو وكيله، بجماعة من الحصادين على حسب زرعه، فيحصدون من طلوع الشمس إلى وقت العصر، وأجرة الحصاد الواحد قيراط من الإردب وهو ربع ويبة مما يحصد فيه من قمح أو شعير، وقد يعطى من الشعير حزمة من القت يخرج منها نحو القيراط والكثير فى حصد الفول أن يعطى حزمة كذلك، ويسرح وراء الحصادين نساء وأطفال يلتقطون ساقط السنبل وبعض أهل البلاد يتركون لهم ما يلتقطونه، وبعضهم يأخذ منهم ويعطيهم الأجرة، ويجعلون وراء الحصادين رباطا يجعل الحصيد قتّا بربطه بحبال من الحلفاء بعد أن يجعله الحصادون أغمارا وذلك فى القمح والشعير، وأما الفول فيربط بعضه ببعض وتسمى الحزمة منه غمرا، ويسمى حمل البعير منه حملا، ويسمى حمل القمح أو الشعير حلة بكسر الحاء وهى اثنان وثلاثون قتة، وأجرة الجمل وجماله على نقل الحلة إلى المجرنة قتة واحدة يختارها الجمال مما حمله، ويجمع الجمال جميع القت الذى أخذه أجرة ويجعله جرنا صغير يسمى بالدريخة ويدرسه ويذريه، ويقسم بينه وبين ربّ الجمل تارة نصفين وتارة للجمل أكثر مما للجمال على حسب تجهيز الرحل المسمى عندهم بالشاغر، وهو العدة التى توضع على البعير ليتأتى الحمل عليه، وتشتمل على حبل من ليف يسمى الفراط، وحبل آخر يسمى الدائر وعلى خطاطيف من خشب، فإن جهزها الجمال فله نصف المتحصل من أجرة مشاله، وإن جهزها رب الجمل فللجمال الثلث فقط.
والمجرنة محل يتخيره أهل البلد لوضع الجرون فيه للدرس والتذرية، فيضعونها متقاربة مثل دور البلد بحارات وشوارع ويبيت الرجال عندها مدة إقامتها، وهى نحو شهرين، ويدرسونها بآلة من الحديد والخشب تسمى النّورج، يديرها بقرتان أو فرسان، ولكل نورج أربع بقرات وأربعة رجال ينوب اثنان عن اثنين.
стр. 2279
وذلك بأن يهدم من حائط الجرن جانب من القش فيلقى حوله على الأرض بعد سدّ شقوقها بنحو تبن، ويسمى ذلك القش الملقى على الأرض هاية، ويركب عليه النورج ويديرها البقر حتى تتكسر العيدان ويسقط الحب من السنبل، ثم تشال الهاية وينزل غيرها، وتغير البقرتان ببقرتين وهكذا حتى يفرغ الجرن ويصير حلقة فارغة الوسط، ويسمى جميع ذلك تكسيرا، ثم تفرش من المكسر هاية على الأرض من الداخل ويدار عليها النورج ويبالغ فى تكسيره حتى ينعم ولا يبقى سنبل ولا أبراج تغطى الحب فتشال الهاية، بأن تجمع فى وسط الجرن وينزل غيرها ويغير البقر وهكذا حتى يفرغ الجرن ويسمى ذلك ردا، وتارة يديمون الدّرس ليلا ونهارا، وتارة نهارا فقط من طلوع الفجر إلى قرب العشاء، وأجرة النورج فى اليوم والليلة مدّ صرفى، وهو قيراطان من الإردب كما مر، وكذا أجرة كل بقرة وكل رجل، فللجميع تسعة أمداد فى اليوم والليلة، ولكن تؤخذ من القرقرة وهى الحب الغلث الذى يتحصل من كناسة ما حول الجرن، وغالب الناس لا يذرى جرنه إلا بعد نزول النقطة ليلة اثنتى عشرة من بؤونة لاعتقادهم أن البركة تنزل حينئذ.
وفى بعض البلاد يصنع ليلة نقل الغلة من المجرنة إلى البيوت طعام يسمى عشاء الجرن يأكل منه من حضر ويوسعون فى مدة التذرية وإدخال الغلال على أنفسهم وعيالهم فى المآكل والملابس ويوفون ديونهم والأموال الميرية، وكذلك عند إدخال الذرة الصيفية أو النيلية، وذلك أنهم بعد رعى البرسيم رأسا وخلفه يزرعون مكانه الذرة الصيفية ويسقونها بالشادوف نحو اثنتى عشرة مرة حتى تستوى وتدرك بعد مكثها مزروعة نحو مائة يوم، ويدخلون غلالها البيوت فى أوائل مسرى، وأرباب الجزائر المنخفضة يزرعونها بعليا أى: لا تحتاج إلى سقى، وبعد إدخالها يخرجون لزرع الذرة النيلية الطويلة والشامية فتمكث نحو مائة يوم أيضا، وقد يزرعون مكانها برسيما أو شعيرا أو فولا أو عدسا أو حلبة ولا يزرع مكانها القمح إلا نادرا، وتزرع البامية والملوخية، وأما القطن فزرعه قليل فى بلاد الصعيد ولا يزرع بها الأرز أصلا ولا عادة لهم بزرع القلقاس ونحوه، وبالجملة فلكل جهة/زرع يعتاد فيها.
стр. 2280
أم دياب
اسم لتل شرقى مدينة الطينة على بعد أربعة عشر كيلومتر وهو على ساحل البحر، فلذا يغطيه البحر عند هيجانه وينكشف عنه عند هدئه فيرى فيه آثار من أحجار وأعمدة عتيقة، وفى داخل البحر على بعد ستين مترا ترى آثار مبان يظهر أنها آثار المدينة القديمة التى سماها بلين فى مؤلفاته جره.
أم دينار
قرية قديمة صغيرة من قسم الجيزة فى جنوب قرية نكل بنحو ثلاثة آلاف متر وفى شرقى الأخصاص بنحو ألف متر، وهى واقعة فوق الجسر المعروف بالجسر الأسود، وأغلب أبنيتها بالآجر، وفيها قليل غرف وجامع بمناره، وأكثر أهلها مسلمون، ومنهم نسّاجون وليس لها سوق وفيها نخيل كثير، ويقال: إن هاجر أم سيدنا إسماعيل ﵇ من هذه القرية، ولكن الظاهر أن هذا غلط وتحريف عن أم دنين.
стр. 2281
ففى خطط المقريزى عند الكلام على فضائل مصر قال يزيد بن حبيب: إن قرية هاجر هى باق التى عندها أم دنين (قلت) وأم دنين هى التى محلها الآن أولاد عنان بالطرف الشمالى الغربى لقاهرة مصر عند قنطرة الليمون انتهى.
وعند أم دينار فى الجسر الأسود قناطر صرف مياه الصعيد ويصاد عندها السمك بكثرة زمن فتح القناطر، وممن تربى من هذه القرية فى ظل العائلة المحمدية حضرة خلف الله أفندى قبودان، انتظم فى سلك العساكر البحرية وهو فى سن المراهقة سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف فتعلم فن البحرية، ثم جعل قبيارجيا فى صنعة تركيب الحبال وخرزها وتركيب الصوارى ونسج البليطوه من الليف ونحو ذلك، ثم تعين فى طاقم قرويت حربى يسمى شاهيد جهاد كانت اشترته حكومة مصر من حكومة الإنكليز، فسافر فيه إلى حرب موره مع سر عسكر العزيز إبراهيم باشا، ثم عاد وسافر فيه ثانيا مشحونا بتعيينات ومهمات حربية، ولما صار إنشاء قبوع نمرة واحد كان من ضمن عسكره وكانوا خمسة وأربعين ممن لهم معرفة بصنعة القبيارجية، ثم ترقى إلى درجة بلكنجى فوق القبيارجى بدرجتين، فسافر فيه فى حرب عكا وترقى فيه إلى رتبة باش ريس ثالث ثم إلى باش ريس ثانى، ثم فى سنة إحدى وخمسين جعل باش ريس أول نمرة واحد لأشغال الترسانة بورشة الأورمة، وهى صنعة جر الأثقال وإخراج المراكب إلى البر وإنزالها فى البحر ونحو ذلك، ولما صار نزول القبوع نمرة أحد عشر إلى البحر كان فى تركيب أورمته، وهى طقم المركب من حبال وصوارى وقلوع ونحوها.
وفى سنة ست وستين أخذ رتبة يوزباشى، وفى سنة إحدى وسبعين أخذ رتبة صولقول، ثم بعد نحو سنتين أخذ رتبة صاغقول أغاسى وجعل ملاحظ أشغال ورشة الأورمة، ولما أنشأ الخديو إسماعيل باشا فرويت وابور لطيف ووابور الصاعقة باشر تركيب أورمتها فجاءت فى غاية الإتقان وأنعم عليه برتبة البيكباشى، وذلك فى سنة خمس وثمانين كما أخبر بجميع ذلك عن نفسه وهو على ذلك إلى الآن.
стр. 2282
أمون
بلدة كانت قديما فى صحراء سيتة المعروفة بصحراء الشيهات ووادى هبيب وهو وادى النطرون كما سيأتى، ويغلب على الظن أن أمون هى مدينة سيوة من بلاد الواحات وستأتى فى حرف السين وفى هذا المحل قتل المتبربرون أربعين من الرهبان على ما ذكره جيلنسكى ودفنوا فى مغارة هناك بقرب الدير.
وأما جبل أمون فقد اتفق الشريف الإدريسى وأبو الفدا على أنه على شاطئ النيل وسماه كل منهما جبل طليمون، لكن جعله الأول على الشاطئ الغربى ووافقه على ذلك ابن الوردى، وجعله الثانى وادى الطير الذى على الشاطئ الشرقى القريب من أنصنا، وحقق بعض الجغرافيين أن ما قاله الإدريسى هو الصواب، ووافق خليل الظاهرى أبا الفداء وقال:
إن جبل طليمون وجبل الطير واحد، وقال أبو صلاح إنهما جبلان لا جبل واحد وإن جبل طليمون طوله ثلاثة برد أو ستة وثلاثون ميلا على الشاطئ الشرقى من النيل، بقرب دير صادر الكائن فى أرض شطب قبلى أسيوط، وفى رأس هذا الجبل كنيسة مبنية من الحجر باسم العذراء البتول، ولها عيد فى الحادى والعشرين من شهر طوبة يجتمع فيه خلق كثيرون، وجبل الطير فى مقابلة بيهو، وفيه صليبان من حجر أحمر أحدهما أكبر من الآخر.
стр. 2283
ونقل المقريزى عن القضاعى أن جبال الصعيد الواقعة على النيل ثلاثة، وهى جبل الكهف أو جبل الكف، وجبل طليمون، وجبل زناخير الساحرة، ووادى بوقير فى جبل من مديرية الأشمونين وفيه فى يوم معلوم من كل سنة تجتمع الطيور المسماة بوقير إلى آخر ما قال، وحقق كترمير أن جبل طليمون هو جبل زناخير الساحرة، وأنه على ما ذكر القضاعى على الشاطئ الشرقى من النيل بمديرية أسيوط وأن الدير الموضوع فى مقابلته من البر الثانى يسمى دير أبى صادر، وذكر أبو صلاح أن جثة هذا الراهب نقلت إلى ناحية شطب فى اليوم الخامس من شهر هاتور وحقق كترمير/أن أبا صادر لم يكن اسما له بل اسمه تيودور.
وذكر المقريزى أن ديرا بقرب أسيوط يسمى بهذا الاسم، وذكر أبو صلاح أن بقرب أسيوط على الشاطئ الغربى من النيل فى رأس الجبل ديرا باسم الجبل سوير منحوتا فى الصخر، وفيه صهريج يسع ألف قربة يملأ كل سنة من النيل، وفيه ثلاثون من الرهبان وطاحون وعدة أفران للخبز ومعصرة للزيت وبأسفله بستان فيه أنواع من الخضراوات وأشجار شتى كالزيتون والرمان والنخل، ويتحصل منه فى السنة شئ كثير يكفى مع ما يتحصل من الإحسانات لوازم الرهبان الذين كانوا لا يطلب منهم خراج ولا أموال، ثم فى زمن الأكراد رتب عليهم ذلك كما رتب على باقى بساتين الديورة.
وأما جبل الطير فهو فى مواجهة البيهو وسملوط ولم يزل مسمى بهذا الاسم إلى الآن، وهو على ما ذكره السياحون يمتد على شاطئ النيل نحو فرسخ فى اعتدال كالحائط وفى أعلاه دير البكرة، وأما دير الكف أو الكهف فهو فى الجبل الممتد فى الشرق أيضا بقرب أنصنا.
стр. 2284
ترجمة خليل الظاهرى
ولنذكر لك ترجمة بعض من تقدم ذكرهم هنا فنقول. أما خليل الظاهرى فعلى ما وجدته فى كتاب الأنيس المفيد لدساسى، هو ابن شاهين صاحب كتاب كشف الممالك فى بيان الطرق والمسالك، كان والده شاهين من مماليك الملك الظاهر سيف الدين أبى الفتح من سلاطين الدولة الجركسية المتوفى سنة أربع وعشرين وثمانمائة هجرية بعد أن ملك ثلاثة أشهر.
وقد تكلم المقريزى فى كتابة السلوك لمعرفة دول الملوك فى سنة إحدى عشرة وثمانمائة وسنة اثنتى عشرة وثمانمائة على شاهين هذا وقال: إنه كان دويدار الأمير شيخ، وفى السابع من رجب سنة تسع وثلاثين وثمانمائة خلع السلطان برسباى على الأمير غرس الدين خليل بن شاهين خلعة، وكان إذ ذاك حاكم الإسكندرية وتعين على دار الضرب بالقاهرة، وفى رجب من سنة أربعين وثمانمائة تقلد الوزارة وصار أمير الحج، وفى تاسع عشر شوّال خرج إلى بركة الحج بالموكب المعتاد وسافر منها فى الثالث والعشرين منه ولم يزل فى وظيفة دار الضرب
стр. 2285
وأقام أخاه فيها مدة غيابه، وفى الخامس من ربيع سنة إحدى وأربعين خلع عليه خلعة وجعل حاكما على الكرك فمضى إليها من وقته، وفى سنة اثنتين وأربعين فى جمادى الثانية نقله السلطان جقمق إلى ولاية صفد وصار أميرا كبيرا، وفى شهر القعدة من تلك السنة جعل واليا على ملاطيا (١)، وفى شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وأربعين صار أمير ألف وانتقل إلى دمشق بدل الأمير طنبغا (٢).
وفى مقدمة كتاب كشف الممالك للمترجم ما نصه: يقول العبد الفقير إلى الله تعالى خليل بن شاهين الظاهرى لطف الله به، إنى صنفت كتابا وسميته كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك يشتمل على مجلدين ضخمين يشتملان على أربعين بابا، جملة ذلك ستون كراسة فى قطع الكامل معتمدا فى ذلك على ما شاهده العيان، أو تحققته من نقل الثقات الأعيان الذين يرتكن إليهم غاية الارتكان، وعلى ما اطلعت عليه من كتب المتقدمين وما وجدته منقولا عن المشايخ المعتبرين، ثم رأيت ذلك المصنف مطولا فانتخبت من ملخصه هذا المجلد وسميته (زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك) وجعلته اثنى عشر بابا واختصرت الكلام فيه لاشتغالى بغيره من المصنفات انتهى.
وفى قاموس الجغرافية أن جلينسكى عالم بروتستانى ولد فى مدينة دتريك من بلاد البروسيا سنة ألف وستمائة وستين من الميلاد، ومات فى مدينة برلين سنة ألف وسبعمائة وإحدى وأربعين، وله مؤلفات وخلف ابنا اشتغل باللغة القبطية، وله بحث وتفتيش على الأشياء العتيقة المصرية انتهى.
стр. 2286
إنبابة
بكسر الهمزة وسكون النون وموحدتين بينهما ألف وفى آخره هاء التأنيث، وربما قيل لها أنبوبة على وزن أفعولة وكأنه لما يزرع فيها من القصب فإن الأنبوبة ما بين كل عقدتين من القصب، قاله فى خلاصة الأثر.
وهى قرية فى شمال الجيزة على الشاطئ الغربى للنيل تجاه رملة بولاق مصر مركبة من أربعة كفور، كفر كردك، وكفر الشوام، وكفر تاج الدول، وكفر سيدى إسماعيل الإنبابى، وأبنيتها أعلى من أبنية الأرياف، وبها سوق يشتمل على دكاكين، وبها وكالة وقهاوى ومصابغ وأرحية تديرها الحيوانات وطاحونة بخارية بجهتها الغربية للخواجة كونش، وأكثر أهلها أرباب حرف لا سيما فى المطابع فإن أكثر من بمطابع مصر منها، ومنها نوتية فى المراكب وصيادون للسمك وعاملون فى البساتين وصباغون وحدادون وجزارون ونجارون وخضرية وإسكافية وتجار غلال وغير ذلك، وبها أنوال لنسج البشاكير والفوط والمقاطع الشامية، وبها جامع لسيدى إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل الإنبابى له مئذنة وبه مقامه مشهور يزار ويعمل له مولد كل سنة ليلة النقطة يجتمع فيه خلق كثيرون، وفيها قصور لبعض الأمراء وبساتين/ تشتمل على أنواع الأشجار.
стр. 2287
وفيها كما فى الجبرتى بستان أنشأه الأمير سليمان أغا السلحدار، وجعل له سورا وبنى به قصرا وسواقى، وأخذ الأحجار من الوكائل والدور التى هدمها من بولاق سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف، وبها محل إقامة ناظر القسم وفى جهتها البحرية عصارة قصب بآلة بخارية للدائرة السنية، وبجوار العصارة من الشمال الشرقى محطة للسكة الحديد وبجوار المحطة وابور لسقى مزروعات القصب والقطن، وبالقرب من جهتها القبلية المحطة القديمة وورشة لعمل عربات السكة الحديد، ولها غير سوقها الدائم سوق مشهور كل يوم سبت يباع فيه المواشى وخلافها.
وهى من منابع الأفاضل والعلماء وإليها ينسب كما فى خلاصة الأثر محمد بن حجازى بن أحمد بن محمد الرّقباوى بفتح الراء والقاف الإنبابى، أحد شعراء العصر وأدباء الدهر، ولد بإنبابة ونشأ بمصر واشتغل برهة من الزمان بعلوم الأدب حتى فاق أقرانه فنظم ونثر ورحل إلى الحرمين وتوطنهما مدة ومدح الشريف زيد بن محسن بمدائح كثيرة بليغة، وكان يعطيه العطايا الجمة وجعل له فى كل سنة مرتبا ومعلوما. ثم توجه إلى اليمن فمدح أئمة بنى القاسم وانثالت عليه جوائزهم، وكان له اختصاص بمحمد بن الحسن وله فيه مدائح كثيرة وله باليمن شهرة عظيمة.
ومن شعره الشائع قصيدته التى عارض بها حائية ابن النحاس التى مطلعها:
بات ساجى الطرف والشوق يلح … والدجى إن يمض جنح يأت جنح
стр. 2288
مدح بها الشريف زيد بن محسن ومستهلها:
كل صبّ ماله فى الخدّ سفح … لم يرق فى عينه نجد وسفح
إنما الدّمع دليل ظاهر … إن يكن للحب متن فهو شرح
ولقد بلغتنى كل المنى … بأحاديث لها فى النفس رشح
إلى أن قال:
نعمة منك علينا لم تزل … يقتفى آثارها فوز وربح
دمت يا شمس الهدى ما ابتسمت … بك أفواه الدجى وافتر صبح
ما همت عين الغوادى وبدى … بك فى وجه الزمان الغض رشح
وكانت وفاته فى سنة ثمان وسبعين وألف بمدينة أبى عريش من اليمن، وقد انتسب إلى إنبابة جماعة من المتأخرين، ومن أشهر المنسوبين إليها الأستاذ الشيخ إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل الإنبابى انتهى.
стр. 2289
ترجمة شيخ الإسلام الشيخ الإنبابى
وإليها ينسب أيضا العلامة الفاضل الشيخ محمد بن محمد الإنبابى الشافعى شيخ الجامع الأزهر الآن، ولد بمصر القاهرة سنة أربعين من القرن الثالث عشر من الهجرة وحفظ القرآن والمتون بالجامع الأزهر، وفى سنة ثلاث وخمسين شرع فى تلقى العلم واجتهد فى الطلب فأخذ عن الشيخ إبراهيم البيجورى شيخ الجامع الأزهر، والشيخ إبراهيم السقاء، والشيخ مصطفى البولاقى وأضرابهم، وشغل ليله ونهاره بالمطالعة حتى فاق أقرانه، وتمكن تمكنا زائدا وتصدر للتدريس فى سنة سبع وستين، فابتدأ بتدريس قطر الندى فى علم النحو، ثم قرأ الشيخ خالد على الآجرومية بحاشية أبى النجا وعمل عليها تقريرا نفيسا، ثم ترقى فى كبار الكتب فقرأ جميعها أو أكثرها وكلما قرأ كتابا عمل عليه تقريرا، فله تقرير على حاشية العطار على الأزهرية، وتقرير على حاشية السجاعى على شرح القطر، وتقرير على حاشية الأمير على شرح الشذور، وتقرير على حاشية السجاعى على شرح ابن عقيل، وتقرير على حاشية الصبان على
стр. 2290
شرح الأشمونى، جميعها فى علم النحو، كل تقرير يقرب من أصله، وله تقرير على التجريد محشى مختصر السعد، وتقرير على جمع الجوامع، وتقرير على حاشية البيجورى على متن السلم، وتقرير على آداب البحث وتقرير على حواشى السمرقندية، وتقرير على مختصر السنوسى، وحاشية على رسالة الصبان فى علم البيان، وحاشية على مقدمة القسطلانى شرح صحيح البخارى، وحاشية على رسالة الدردير فى البيان، وتقرير على حاشية البرماوى على شرح ابن قاسم فى فقه الشافعى، وفتاوى فقهية وجملة رسائل ورسالتان فى البسملة صغرى وكبرى، ورسالتان فى زيد أسد صغرى وكبرى، ورسالة فى تأديب الأطفال، ورسالة فى علم الوضع، ورسالة فيمن حفظ حجة على من لم يحفظ، ورسالة فى شرح الأبيات العشرة التى هى والباء بعد الاختصاص يكثر الخ، ورسالة فى إفادة التعريف بالقصر فى نحو الحمد لله، ورسالة فى مداواة الطاعون، ورسالة فى بيان الربا وأقسامه.
وبالجملة فقد جمع بين العلم والعمل والدين والدنيا والصلاح والتقوى ومراقبة عالم/ السر والنجوى، وقد تربى على يديه جم غفير متصدرون للتدريس بالأزهر، من أجلهم المرحوم الشيخ حسن الخفاجى الدمياطى قرأ الأشمونى وغيره، وتوفى فى حال قراءته لمختصر السعد فى أواخر سنة اثنتين وتسعين، وكان على قدم شيخه فى العلم والتقوى، وإنما نسب المترجم لإنبابة لأن والده منها وسكن القاهرة فكان من أكبر تجارها، وفى الغورية وكالة تنسب إليه لشحنه إياها بتجارة قماش القطن وقد توفى والده المذكور من نحو عشر سنين، وكان على قدم من الصلاح وأداء الفرائض فكان يحصر أمواله كل سنة ويخرج زكاتها.
стр. 2291
مطلب كيفية صناعة الترمس وغير ذلك
ولهذه البلدة أيضا شهرة بعمل الزلابية وتحلية الترمس وهو يزرع كثيرا ببلاد مصر ويؤكل بعد تحليته، فأوّلا يوضع فى مكاتل من خوص النخل ونحوه ويلقى فى البحر مربوطا بحبل ثابت فى البحر فيمكث كذلك نحو ثلاثة أيام حتى تذهب أكثر مرارته، ثم يصلق لتزول منه المرارة بالمرة ويملح ويؤكل، وأكثر باعته فى مصر وأتباعها من أهالى هذه القرية، وقد ذكره هيرودوط وديودور وغيرهما فى كتبهم، وكان قد منع أكله الحاكم بأمر الله مع جملة أشياء منع منها.
قال المقريزى فى خططه: وفى المحرم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة قرئ سجل فى الجامع بمصر والقاهرة والجزيرة بأن يلبس اليهود والنصارى الغيار، وغيارهم السواد غيار العاصين العباسيين، وأن يشدو الزنار وفيه فحش فى حق أبى بكر وعمر ﵄.
وقرئ سجل آخر فيه منع الناس من أكل الملوخية التى كانت محببة لمعاوية بن أبى سفيان، ومن أكل البقلة المسماة بالجرجير المحببة إلى عائشة ﵂، ومن أكل المتوكلية المنسوبة إلى المتوكل.
وقرئ أيضا سجل بالمنع من عمل الفقاع وبيعه فى الأسواق لما يؤثر عن علىّ ﵁ من كراهته شرب الفقاع.
стр. 2292
ثم فى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فى ربيع الآخر قرئ سجل بأن لا يحمل شئ من النبيذ والمزر ولا يتظاهر به، ولا بشئ من الفقاع والدلينس والسمك الذى لا قشر له والترمس العفن.
وقال ابن خلكان فى ترجمة الحاكم: إنه نهى عن بيع الفقاع والملوخية وعما يتخذ من الترمس من الكبب التى تخلط بالفقاع، وفى كتاب مورد اللطافة لجمال الدين أبى المحاسن بن تغرى بردى المؤلف فى خصوص ملوك مصر، أن الحاكم منع طبخ الملوخية وزرعها فى جميع مملكته، وكل من خالف فجزاؤه الصلب، ومنع أيضا أكل الجرجير والترمس والسمك الذى لا قشر له وكبب اللحم والفقاع.
وفى القاموس: فقاع كرمان هو الذى يشرب سمى به لما يرتفع فى رأسه من الزبد وفى صحاح الجوهرى الفقاع الذى يشرب والفقاقيع النفخات التى ترتفع فوق الماء كالقوار.
وذكر المقريزى فى خططه نوعين من الشراب منعهما الحاكم أحدهما المزر والثانى الفقاع، وقال فى موضع آخر: المزر يعمل من الحنطة، وفى القاموس المزر نبيذ الذرة والشعير ويظهر من كلام ابن البيطار وديسقوريدس: أن الفقاع معرب مزر اليونانية، وقال ديسقوريدس أيضا فى ترجمة زيتس هو الفقاع يعمل من الشعير يدر البول ويضر بالكلى والأعصاب وحجب الدماغ ويولد نفخا وكيموسات رديئة، وإذا نقع فيه العاج سهل عمله وعلاجه، وأما الشراب الذى يقال له قرما المعمول من الشعير المستعمل بدل الخمر فهو مصدع ردئ، الكيموس ردئ للأعصاب ويعمل من الحنطة مثل ما يعمل فى غربى البلاد التى يقال لها ابيريا، والبلاد التى يقال لها بريطانيا، قال دساسى لم يذكر فى هذه الترجمة كلمة مزر ولا بيان ترجمتها وقد تعرض لها ابن البيطار فقال عن ابن مأسوية: إن الفقاع أربعة أنواع الأول يعمل من دقيق الشعير يضاف إليه الفلفل والسنبل والقرنفل والسذاب والكرفس.
стр. 2293
والثانى يعمل من الخبز والكرفس والنعناع.
والثالث من الدقيق والعسل.
والرابع من الدقيق والسكر.
ونقل ابن البيطار أيضا من كتاب المرشد إلى جواهر الأغذية ما نصه: قال التميمى فى المرشد أما الفقاع فهو على ضروب. منه: ما يتخذ من دقيق الشعير المنبت المجفف المطحون المخمر بالنعناع والسذاب والطرخون وورق الأترج والفلفل، وهو حار يابس كثير التعفن مفسد للمعدة يولد النفخ والقراقر مضر بعصب الدماغ لأنه يملأ الدماغ أبخرة غليظة حارة بعيدة الانحلال، وربما أحدث بحدته وعفونته إسهالا، وللمدمن عليه عللا فى المثانة وحرقة للبول، ومنه المتخذ من الخبز السميذ المحكم الصنعة والكرفس ودقيق الحنطة والشعير المنبت وهو أقل ضررا من الأول وأوفق للمحرورين، فمن أحب من معتدلى المزاج أن يتعاطاه لإزالة نفخه ورياحه وقراقره، ويفيده حرارة معتدلة وتقوية للمعدة فليجعل فيه بعض الأفاوية العطرية المطيبة للمعدة المقوية لها المنشفة لرطوبتها، مثل السنبل والمصطكى وقرفة الطيب والدار فلفل والمسك وشئ من القاقلا والبسباسة والقرنفل، وليكن جملة ما يسحق من هذه الأفاوية لكل عشرين كوزا من/كيزان الفقاع الضارية مثقال واحد زنة درهمين، فإن أراد مريد أن يفيد لذاذة فليجعل فى كل كوز قلبا من قلوب الطرخون وأوقيتين من شجرة الأترج مع يسير من سدّاب ويسير من نعناع، وقد يتخذ منه ساذجا بماء خبز السميذ المحكم الصنعة مروّقا ونقيعة المسك والمصطكى فقط مع قلب نعناع فى كل كوز وقلب طرخون فقط
وفى المرشد أيضا فى المزر ما نصه: فأما ما يتخذ من الحنطة والشعير والجاورس المنبتة من الشراب المسكر المسمى فى مصر بالمزر، فإنها أنبذة تسكر إسكارا شديدا غير أنها تبعد الإنسان عن قوته ومنافعه بعدا شديدا، وقد تحدث شيئا من الفرح والنشاط والطرب وتطيب النفس، فإذا أكثر منها أثارت الغثيان والقئ وكثرة الرياح أه.
стр. 2294
ويعرف الفقاع الآن بالبوزة: وهى كلمة فارسية وكيفية عملها فى مصر أن يؤخذ خبز القمح والشعير المخلوط بكثير من الخميرة ويفتت فى إناء فيه ماء ويضاف إليه دقيق الشعير أو الحنطة المنبت ويترك حتى يتخمر، وأما السوبيا فتعمل من الأرز بأن يوقد عليه فى القدر حتى يخرج نشاؤه فى الماء وينعقد ثم يخلط به الماء والعسل أو السكر ويستعمل شربا، وقد تكلم الشيخ عبد اللطيف البغدادى على الدلينس وقال: إنه صدف صغير أكبر من ظفر الإنسان بداخله مادة لزجة رطبة بيضاء بها نقط سود شنيعة المنظر يقال: إن فيها ملوحة لطيفة ولأكلها لذة.
ودلينس كلمة مصرية حرفها اللاّتينيون والإفرنج إلى طلين أو طلينة وفى ترجمة ديسقوريدس لكلمة طلينة قال: وأهل الشام يسمونه الطلينس، وهو صنف من الصدف صغير العظم إذا أكل طريا لين البطن ولا سيما مرقه، وما كان منه عتيقا إذا أحرق وخلط بقطران وسحق وقطر على جفن لم يدع الشعر ينبت بالعين، ومرق الصنف من ذوات الصدف الذى يقال له خثما، وسائر أصناف ذوات الصدف الصغار يسهل البطن إذا طبخ مع يسير من الماء، وكذا مرقها إذا استعمل متحسى مع شراب.
وقال ابن البيطار فى مفرداته: إن الطلينة صنف من الصدف صغار تسميه أهل الشام طلينس وأهل مصر دلينس يؤتدم به مملوحا بالخبز، وقد ذكرته مع الصدف فى حرف الصاد انتهى.
وفى الجبرتى (١) من حوادث سنة ألف ومائتين وثلاث عشرة: أنه كان بهذه الناحية الوقعة الشهيرة بين الفرنسيس والمصريين وحاصلها أنه لما انهزم مراد بيك بعد وقعة فوّة
стр. 2295
والرحمانية المبسوطة هناك، ووصل خبر ذلك إلى مصر اشتد انزعاج الناس وركب إبراهيم بيك إلى ساحل بولاق وحضر الباشا والعلماء ورؤوس الناس وأعملوا رأيهم فى عمل متاريس من بولاق إلى شبرى، ويتولى الإقامة ببولاق إبراهيم بيك وكشافه ومماليكه، وكان العلماء عند توجه مراد بيك يجتمعون بالأزهر كل يوم ويقرءون البخارى وغيره من الدعوات، وكذا مشايخ فقراء الأحمدية والرفاعية والبراهمة والقادرية والسعدية وغيرهم من الطوائف وأرباب الأشائر ويعملون مجالس للاستغاثات وأطفال المكاتب يذكرون الاسم اللطيف وغيره من الأسماء، وحضر مراد بيك إلى بر إنبابة وشرع فى عمل متاريس هناك ممتدة إلى بشتيل، وتولى ذلك هو وصناجقه وأمراؤه وجماعة من خشداشيته، واحتفل بترتيب ذلك وتنظيمه بنفسه هو وعلى باشا ونصوح باشا، وأحضروا المراكب الكبار التى أنشأها بالجيزة وأوقفها على ساحل إنبابة وشحنها بالعساكر والمدافع وصار البر الغربى والشرقى مملوءين بالمدافع والعساكر والمتاريس والخيالة والمشاة، ومع ذلك فقلوب الأمراء لم تطمئن بذلك فإنهم من حين وصول الخبر من إسكندرية شرعوا فى نقل أمتعتهم من البيوت الكبار المشهورة إلى البيوت الصغار التى لا يعرفها أحد، واستمروا طول الليالى ينقلون الأمتعة ويوزعونها عند معارفهم وثقاتهم وأرسلوا البعض منها لبلاد الأرياف، وأخذوا أيضا فى تشهيل الأحمال واستحضار الدواب للارتحال، فلما رأى أهل البلدة منهم ذلك داخلهم الخوف الكثير والفزع واستعد الأغنياء وأولوا المقدرة للهروب، ولولا أن الأمراء منعوهم من ذلك لما بقى بمصر منهم أحد، وفى يوم الثلاثاء ثانى يوم نادوا بالنفير العام وخروج الناس للمتاريس وكرروا المناداة بذلك كل يوم، فأغلق الناس الدكاكين والأسواق وحضر الجميع لبربولاق، فكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعة يجمعون الدراهم من بعضهم وينصبون خياما أو يجلسون فى مكان خرب أو مسجد ويرتبون فيما يصرف عليهم ما يحتاجون له من الدراهم التى جمعوها، وبعض الناس يتطوع بالإنفاق على البعض الآخر، ومنهم من يجهز جماعة من المغاربة أو الشوام بالسلاح
стр. 2296
والأكل وغير ذلك، بحيث إن جميعهم بذلوا وسعهم وفعلوا ما فى قوتهم وطاقتهم، وسمحت نفوسهم بإنفاق أموالهم فلم يشح فى ذلك الوقت أحد بشئ يملكه ولكن لم يسعفهم الدهر، وخرجت الفقراء وأرباب الأشائر بالطبول والزمور والأعلام والكؤوسات وهم يضجون ويصيحون ويذكرون بأذكار مختلفة/وصعد السيد عمر أفندى النقيب إلى القلعة، فأنزل منها بيرقا كبيرا تسميه العامة البيرق النبوى، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصى، يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح، وأما مصر فإنها بقيت خالية الطرق، ما تجد بها أحدا سوى النساء فى البيوت والصغار وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة، والأسواق مصفرة والطرق مجفرة عن عدم الكنس والرش، وغلا سعر البارود والرصاص بحيث بيع رطل البارود بستين نصفا، وغلا السلاح وقل وجوده وجلس المشايخ والعلماء بزاوية على بيك ببولاق يدعون ويبتهلون إلى الله تعالى بالنصر، وأقام غيرهم من الرعايا بعضهم بالبيوت وبعضهم بالزوايا والبعض بالخيام.
ومحصل الأمر أن جميع من بمصر من الرجال تحول إلى بولاق، وأقام بها من حين نصب إبراهيم بيك العرضى هناك، إلا القليل من الناس الذين لا يجدون لهم مأوى ولا مكانا فيرجعون إلى بيوتهم يبيتون بها ثم يصبحون إلى بولاق، وأرسل إبراهيم بيك الى العرب المجاورة لمصر ورسم لهم أن يكونوا فى المقدمة بنواحى شبرى وما والاها، وكذلك اجتمع عند مراد بيك الكثير من عرب البحيرة والجيزة والصعيد، وفى كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوما فيوما، لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم فى صعيد واحد وانقطاع الطريق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بمادهمهم.
стр. 2297
أما بلاد الأرياف فإنها قامت على ساق يقتل بعضهم بعضا وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحى، وصار قطر مصر من أوّله إلى آخره فى قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وإغارة على الأموال وإفساد مزارع وغير ذلك مما لا يحصى، وطلب أمراء مصر التجار من الإفرنج فحبسوا بعضهم بالقلعة وبعضهم بأماكن الأمراء وصاروا يفتشون فى محلات الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذا يفتشون بيوت النصارى والشوام والأروام والكنائس والأديرة والعوام لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود وتمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلتهم العامة فى وقت الفتنة، ثم فى كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر وتختلف الناس فى الجهة التى يقصدون المجئ منها فمنهم يقول: إنهم واصلون من البر الغربى، ومنهم من يقول: بل يأتون من الشرقى، ومنهم من يقول: يأتون من الجهتين، هذا وليس لأحد من أمراء العسكر همة أن يبعث جاسوسا أو طليعة تناوشهم القتال قبل دخولهم وقربهم من مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عسكره ومكث بمكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس ثمّ قلعة ولا حصن ولا معقل وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو.
ولما كان يوم الجمعة سادس شهر صفر وصل الفرنسيس إلى الجسر الأسود وأصبح يوم السبت فوصلوا إلى أم دينار، وعندها اجتمع العالم العظيم من الجند والرعايا والفلاحين المجاورة بلادهم لمصر، لكن الأجناد متنافرة قلوبهم منحلة عزائمهم مختلفة آراؤهم حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مغترون بجمعهم محتقرون شأن عدوّهم مرتبكون فى رؤيتهم مغمورون فى غفلاتهم، وقد كان الظن بالفرنسيس أن يأتوا من البرين بل أشيع فى عرضى إبراهيم بيك أنهم قادمون من الجهتين فلم يأتوا إلا من البر الغربى.
стр. 2298
ولما كان وقت القائلة ركب جماعة من العسكر الذين فى البر الغربى وتقدموا إلى ناحية بشتيل، وهى بلدة مجاورة لإنبابة فتقاتلوا مع مقدمة الفرنسيس فكروا عليهم بالخيول فضربهم الفرنسيس ببنادقهم المتتابعة الرمى، وقتل أيوب بيك الدفتردار وعبد الله كاشف الجرفى وعدد كبير من كشاف محمد بيك الألفى ومماليكه، وكانت مقدمة الفرنسيس نحو ستة آلاف وكبيرهم الوزير الذى ولى على الصعيد بعد تملكهم.
وأما بونابارت الكبير فإنه لم يشاهد الوقعة بل حضر بعد الهزيمة وكان بعيدا عن هؤلاء بكثير، ولما قرب طابور الفرنسيس من متاريس مراد بيك ترامى الفريقان بالمدافع، وكذلك العساكر المحاربون المصريون، وحضر عدة وافرة من عساكر الأرنؤود من دمياط، وطلعوا إلى إنبابة وانضموا إلى المشاة وقاتلوا معهم فى المتاريس، فلما عاين وسمع عسكر البر الشرقى القتال، ضج العامة والغوغاء من الرعية وأخلاط الناس بالصياح ورفع الأصوات بقولهم:
يا رب ويا لطيف ويا رجال الله ونحو ذلك، وكأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم فكان العقلاء من الناس يصرخون عليهم ويأمرونهم بترك ذلك ويقولون لهم: إن الرسول والصحابة والمجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب وضرب الرقاب، لا برفع الأصوات والصراخ والنباح فلا يسمعون ولا يرجعون عما هم فيه، وركب طائفة كبيرة من الأمراء والأجناد من العرضى الشرقى، ومنهم إبراهيم بيك الوالى وشرعوا فى التعدية إلى البر الغربى فتزاحموا على المعادى لكون التعدية من محل واحد والمراكب/قليلة جدا فلم يصلوا إلى البر الآخر حتى وقعت الهزيمة على المحاربين المصريين واشتد هبوب الريح واضطربت أمواج البحر وثار غبار الرمال فى وجوه المصريين فلا يقدر أحد أن يفتح عينيه، وكانت الريح آتية من ناحية العدوّ فكان ذلك من أسباب الهزيمة.
стр. 2299
ثم إن الطابور الذى تقدم لقتال مراد بيك انقسم على كيفية معلومة عندهم فى الحرب وتقارب من المتاريس، بحيث صار محيطا بالعسكر من خلفه وأمامه ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتالية فصمت الأسماع من توالى الضرب وخيل للناس أن الأرض تزلزلت والسماء عليها سقطت، واستمرت الحرب نحو ثلاثة أرباع ساعة، ثم كانت الهزيمة على العسكر الغربى، فغرق الكثير من الخيالة فى البحر لإحاطة العدوّ بهم وظلام الدنيا، والبعض وقع أسيرا فى أيدى الفرنسيس وملكوا المتاريس وفرّ مراد بيك ومن معه إلى الجيزة، فصعد إلى قصره وقضى بعض أشغاله فى نحو ربع ساعة، ثم ركب وذهب إلى الجهة القبلية وبقيت القتلى والثياب والأمتعة والأسلحة والفرش ملقاة على الأرض ببر إنبابة تحت الأرجل.
وكان من جملة من ألقى نفسه فى البحر سليمان بيك المعروف بالأغا وأخوه إبراهيم بيك الوالى، فأما سليمان بيك فنجا وغرق إبراهيم بيك الصغير وهو صهر إبراهيم بيك الكبير، ولما انهزم العسكر الغربى حوّل الفرنسيس المدافع والبنادق على البر الشرقى وضربوها وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة، فقامت فيهم ضجة عظيمة وركب فى الحال إبراهيم بيك والباشا والأمراء والعساكر والرعايا وتركوا جميع الأثقال والخيام كما هى ولم يأخذوا منها شيئا، فأما إبراهيم بيك والباشا والأمراء فساروا إلى جهة العادلية، وأما الرعايا فهاجوا وماجوا ذاهبين إلى جهة المدينة ودخلوها أفواجا أفواجا وهم فى غاية الخوف والفزع وترقب الهلاك، يضجون بالعويل والنحيب ويبتهلون إلى الله من شر هذا اليوم الصعب، والنساء يصرخن بأعلى أصواتهن من البيوت وقد كان ذلك قبل الغروب، فلما استقر إبراهيم بيك بالعادلية أرسل فأخذ حريمه وكذلك من كان معه من الأمراء، فأركبوا النساء بعضهن على الخيول وبعضهن على البغال والبعض على الحمير والجمال والبعض ماش كالجوارى والخدم، واستمر معظم الناس طول
стр. 2300
الليل خارجين من مصر البعض بحريمه والبعض ينجو بنفسه ولا يسأل أحد عن أحد؛ بل كل واحد مشغول بنفسه عن بنيه وأمه وأبيه، وخرج تلك الليلة معظم أهل مصر، البعض لبلاد الصعيد والأكثر لجهة الشرق، وأقام بمصر كل مخاطر بنفسه لا يقدر على الحركة، ممتثلا للقضاء متوقعا للمكروه لعدم قدرته وقلة ما بيده وما ينفقه على حمل عياله وأطفاله.
وما يصرفه عليهم فى الغربة، والذى أزعج قلوب الناس زيادة أن فى عشاء تلك الليلة شاع أن الإفرنج عدوّا إلى بولاق وأحرقوها، وكذلك الجيزة وأولهم وصل إلى باب الحديد يحرقون ويقتلون ويفجرون بالنساء، وسبب تلك الإشاعة أن الغليونجية من عساكر مراد بيك الذين كانوا فى الغليون بمرساة إنبابة لما تحققوا الكسرة أضرموا النار فى الغليون، وكذلك مراد بيك لما رحل من الجيزة أمر بانجرار الغليون الكبير من قبالة قصره ليصحبه معه إلى جهة قبلى، فمشوا به قليلا ووقف لقلة الماء فى الطين، وكان به عدة وافرة من آلات الحرب والجبخانه فأمر بحرقه أيضا، فصعد لهيب النار من جهة الجيزة فظنوا أنهم أحرقوا البلدين، فزاد ما هم فيه من الفزع والروع والجزع، وخرج أعيان الناس وأفندية الوجاقات وأكابرهم ونقيب الأشراف وبعض المشايخ، وتحركت عزائم الناس للهرب واللحاق بهم، والحال أن الجميع لا يدرون أى جهة يسلكون، وفى أى طريق يذهبون، وبأى محل يستقرون فتلاحقوا وتسابقوا «وهم من كل حدب ينسلون» وبيع الحمار الأعرج والبغل الضعيف بأضعاف ثمنه، وخرج أكثرهم ماشيا أو حاملا على رأسه وزوجته حاملة طفلها، ومن قدر على مركوب أركب زوجته وبنته ومشى هو، وخرج غالب النساء ماشيات وأطفالهن على أكتافهن يبكين فى ظلمة الليل، واستمروا على ذلك طول ليلة الأحد وصبحها، وأخذ كل إنسان ما قدر على حمله من مال ومتاع، فلما توسطوا الفلاة تلقتهم العرب والفلاحون فأخذوا متاعهم ولباسهم ولم يتركوا لمن صادفوه ما يستر به عورته أو يسد جوعته، فكان ما أخذته العرب شيئا يفوق الحصر، فإن
стр. 2301
ما خرج من مصر من الأموال والذخائر فى تلك الليلة أضعاف ما بقى فيها ضرورة، لأن معظم الأموال عند الأمراء والأعيان ومساتير الناس، والذى أقعده العجز وكان عنده ما يعز عليه من مال أو مصاغ أعطاه لجاره أو صديقه الراحل، ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين فذهب ذلك جميعه.
ومن دافع عن نفسه أو حريمه ربما قتلوه وعروا النساء وفضحوهن، وفيهن الخوندات والأعيان فمنهم من رجع من قريب وهم الذين تأخروا فى الخروج، وبلغهم ما حصل للسابقين ومنهم من جازف متكلا على عزته فسلم أو عطب، وبالجملة/فكانت تلك الليلة وصبيحتها فى غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله فى مصر ولا سمعنا بما يشابه بعضه فى تواريخ المتقدمين.
ولما أصبح يوم الأحد المذكور والمقيمون لا يدرون ما يفعل بهم من حلول الفرنسيس ورجع الكثير من الفارين فى أسوا حال من العرى والفزع، تبين أن الإفرنج لم يعدوا إلى البر الشرقى، وأن الحريق كان فى المراكب المتقدم ذكرها، واجتمع فى الأزهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا، فاتفق رأيهم على أن يرسلوا مراسلة إلى الإفرنج وينظروا ما يكون من جوابهم، ففعلوا وأرسلوا الرسالة صحبة شخص مغربى يعرف لغتهم ومعه شخص آخر فغابا ثم عادا فأخبرا أنهما قابلا كبير القوم وأعطياء الرسالة فقرأها عليه ترجمانه، ومضمونها الاستفهام عن قصدهم فقال على لسان ترجمانه: وأين عظماؤكم ومشايخكم لم تأخروا عن الحضور إلينا لنرتب عليهم ما يكون فيه الراحة وطمنهم وبش فى وجوههم فقالا: نريد أمانا منكم فقال:
أرسلنا لكم سابقا فقالا وأيضا لأجل اطمئنان الناس، فكتب ورقة أخرى مضمونها خطابا
стр. 2302
لأهل مصر: إننا أرسلنا لكم فى السابق كتابا فيه الكفاية وذكرنا لكم أننا ما حضرنا إلا لأجل إزالة المماليك الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار وأخذ مال التجار ومال السلطان، ولما حضرنا إلى البر الغربى وخرجوا إلينا قابلناهم بما يستحقون وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم، ونحن فى طلبهم حتى لا يبقى أحد منهم فى القطر المصرى.
وأما المشايخ والعلماء وأصحاب المرتبات والرعية فيكونون مطمئنين وفى مساكنهم مرتاحين إلى آخر ما ذكرت لكم ثم قال لهما: لا بد أن المشايخ والشريجية يأتون إلينا لنرتب لهما ديوانا ننتخبه من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور، ولما رجع الجواب بذلك اطمأن الناس وركب الشيخ مصطفى الصاوى، والشيخ سليمان الفيومى وآخرون إلى الجيزة فتلقاهم وضحك لهم، وقال: أنتم المشايخ الكبار فقالوا إن المشايخ الكبار خافوا وهربوا، فقال لأى شئ يخافون؟ اكتبوا لهم بالحضور ونعمل لكم ديوانا لأجل راحتكم وراحة الرعية وإجراء الشريعة، ثم انفصلوا عن عسكرهم بعد العشاء وحضروا إلى مصر واطمأن برجوعهم الناس وكانوا فى وجل وخوف على غيابهم، فلما أصبحوا أرسلوا مكتوبات الأمان إلى المشايخ، فحضر الشيخ السادات، والشيخ الشرقاوى، والمشايخ ومن انضم إليهم من الناس الفارين.
وأما عمر أفندى نقيب الأشراف فإنه لم يطمئن ولم يحضر وكذلك الروزنامجى والأفندية، وفى ذلك اليوم اجتمعت الجعيدية وأوباش الناس ونهبوا بيت إبراهيم بيك ومراد بيك اللذين بخطة قوصون وأحرقوهما، ونهبوا عدة من بيوت الأمراء وأخذوا ما فيها من فرش ونحاس وغير ذلك وباعوه بأنجس الأثمان.
стр. 2303
وفى يوم الثلاثاء عدت الفرنساوية إلى بر مصر وسكن بونابارت بيت محمد بيك الألفى بالأزبكية بخط الساكت، الذى أنشأه ذلك الأمير فى السنة الماضية وزخرفه وصرف عليه أموالا عظيمة وفرشه بالفرش الفاخرة، وعند تمامه وسكناه به حصلت هذه الحادثة فتركه بما فيه فكأنه إنما بنى لأمير الفرنسيس، وكذلك حصل فى بيت حسن كاشف جركس بالناصرية واستمر غالب الفرنسيس بالبر الغربى، ولم يدخل المدينة إلا القليل منهم ومشوا فى الأسواق من غير سلاح وصاروا يضاحكون الناس ويشترون ما يحتاجون إليه بأغلى ثمن، فيأخذ أحدهم الدجاجة ويعطى صاحبها ريال فرانسيا ويأخذ البيضة بنصف فضة قياسا على أسعار بلادهم، فأنس بهم العامة واطمأنوا لهم وخرجوا إليهم بالكعك وأنواع الفطير والخبز والبيض والدجاج والسكر والصابون والدخان والبن وغير ذلك، وفتح غالب السوق الحوانيت والقهاوى وصاروا يبيعون بما أحبوا من الأسعار.
وفى يوم الخميس ثالث عشر صفر أرسلوا بطلب المشايخ والوجاقلية عند قائم مقام سر عسكر، فلما استقر بهم الجلوس تشاوروا معهم فى تعيين عشرة من المشايخ للديوان لفصل الخصومات، فوقع الاتفاق على الشيخ عبد الله الشرقاوى، والشيخ خليل البكرى، والشيخ مصطفى الصاوى، والشيخ سليمان الفيومى، والشيخ محمد المهدى، والشيخ موسى السرسى، والشيخ مصطفى الدمنهورى، والشيخ أحمد العريشى، والشيخ يوسف الشبرخيتى، والشيخ محمد الدواخلى، وحضر ذلك المجلس أيضا مصطفى كتخدا بكر باشا والقاضى، وقلدوا محمد أغا المسلمانى أغات مستحفظان، وعلى أغا الشعراوى والى الشرطة، وحسن أغا محرم أمين احتساب، وذلك بإشارة أرباب الديوان، فإنهم كانوا ممتنعين من تقليد المناصب لجنس المماليك فعرفوهم أن سوقة مصر لا يخافون إلا من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم، وقلدوا ذا الفقار كتخدا محمد بيك كتخدا بونابارت.
стр. 2304
ومن أرباب المشورة الخواجة موسى وكيل الفرنساوية ووكيل الديوان حنابينو، واجتمع/أرباب الديوان عند رئيسه فذكر لهم ما وقع من نهب البيوت، فقالوا له: هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس، فقال لأى شئ يفعلون ذلك، وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها، فقالوا: هذا أمر لا قدرة لنا عليه وإنما ذلك من وظائف الحكام، فأمروا الوالى والأغا ينادون بالأمان وفتح الدكاكين والأسواق والمنع من النهب، وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلقة وأخذوا ما فيها وختموا على بعضها وسكنوا بعضها، وكان الذى يخاف على داره يعلق له بنديرة على باب داره أو يأخذ له ورقة من الفرنسيس يلصقها على داره، وركب برطلمين النصرانى الرومى وهو الذى تسميه العامة فرط الرمان كتخدا مستحفظان، وركب بموكب من بيت سر عسكر وأمامه عدة من طوائف الأجناد والبطالين مشاة بين يديه، وعلى رأسه حشيشة من الحرير الملون، وبين يديه الخدم بالحراب المفضضة، ورتب له بيوك باش وقلفات عينوا لهم مراكز بأخطاط البلد يجلسون بها، وسكن المذكور ببيت يحيى كاشف بحارة عابدين أخذه بما فيه من فرش ومتاع وجوار.
والمذكور من أسافل نصارى الأروام والعسكرية القاطنين بمصر، وكان من الطوبجية عند محمد بيك الألفى وله حانوت بخط الموسكى يبيع فيه القوارير الزجاج أيام البطالة.
وقلدوا أيضا شخصا إفرنجيا جعلوه أمين البحيرة وآخر جعلوه أغاة الرسالة، وجعلوا الديوان ببيت قائد أغا بالأزبكية بقرب الرويعى، وسكن به رئيس الديوان وسكن دبوى قائم مقام مصر ببيت إبراهيم بيك الوالى المطل على بركة الفيل، وسكن شيخ البلد ببيت إبراهيم بيك الكبير، وسكن مجلون ببيت مراد بيك على رصيف الخشاب، وسكن بوسليك مدير الحدود ببيت الشيخ البكرى القديم، فكان يجتمع عنده النصارى القبط كل يوم وطلبوا الدفاتر من الكتبة.
стр. 2305
ثم إن عسكرهم دخلت المدينة وملأت الطرقات وسكنوا البيوت ولم يشوشوا على أحد، ودخل الاطمئنان على الناس وفتحت البيوت والدكاكين وصار البيع والشراء.
وفى يوم السبت اجتمعوا بالديوان وطلبوا دراهم سلفة مقدار خمسمائة ألف ريال من التجار المسلمين والنصارى وأخذوا فى تحصيلها، ثم نادوا برد المنهوبات وتوريدها ببيت قائم مقام ونادوا على نساء الأمراء بالأمان وأنهن يسكن بيوتهن، وإن كان عندهن شئ من متاع أزواجهن يظهرنه ومن لم يكن عندها شئ تصالح على نفسها، وظهرت الست نفيسة زوجة مراد بيك وصالحت على نفسها وأتباعها من سائر الأمراء والكشاف بمبلغ مائة وعشرين ألف ريال فرانسى، ووجهوا الطلب على بقية النساء ليعملوا مصالحات معهن ومع الغزو الأجناد المختفين والغائبين وتعطى لهم أوراق بختم المقيدين بالديوان.
وفى يوم الأحد طلبوا الخيول والجمال والسلاح والأبقار والأثوار، وفتشوا على السلاح وكسروا دكاكين سوق السلاح وغيره وأخذوا ما وجدوه واستخرجوا الخبايا والودائع بمعرفة البنائين والمهندسين والخدام.
وفى يوم الثلاثاء طلبوا أهل الحرف من التجار بالأسواق وقرروا عليهم دراهم على سبيل القرض والسلفة، ثم شرعوا فى تكسير بوابات الدروب والعطف واستمروا على ذلك عدة أيام وهكذا من هذه الأحوال التى تعقب الحروب والتغلبات والاستيلاء القهرى إلى آخر ما هو مبسوط فى الجبرتى وغيره وبعضه فى مواضع من كتابنا هذا فليراجع.
стр. 2306
أنبو
مدينة قديمة كانت فى الصعيد الأعلى فى شمال أسوان وقد خربت من زمن مديد، ومحلها الآن كيمان من الرمال على الشاطئ الشرقى من النيل فى فم واد على بعد أربعة ميريا متر ونصف من مدينة أسوان، وبعدها عن مدينة أدفو على ما عينه أنطونان أربعون ميلا، وتعرف الآن باسم كوم أمبو والنيل عندها متقوس، وعند تقوسه موردة عظيمة يعلو ساحلها تل مرتفع.
وقال بعض المؤرخين: قد غطت الرمال التى تنسفها الرياح من الصحراء الشرقية جميع آثار المدينة والأرض التى كانت ممتدة حولها إلى الجبل بقدر فرسخين، والقرية التى عوضت عن مدينة أنبو فى الأزمان الأخيرة خربت أيضا، وفى زمن الفرنساوية كانت خالية من السكان والشجر والنبات بحيث لا يرى الإنسان غير القحولة، والخراب فى محل هذه المدينة التى كانت عامرة ذات شهرة فى الأعصر الماضية، ولم يمكن الفرنساوية بيان حدود المدينة لزحف الرمال عليها وتغطيتها مع أكل البحر جزءا عظيما منها، وذلك أنه كان أمامها جزيرة يقال: لها المنصورية، منفصلة عنها بسيالة صغيرة فأخذت السيالة فى الاتساع وتحول لها النيل وأكل جانبا كبيرا من الأرض ومن المدينة، وقد وجد الفرنساوية بها معبدين من المبانى القديمة ذكر بعض المؤرخين أنهما من مدة البطالسة.
стр. 2307
وقال مرييت أنهما معبدان متلاصقان أحدهما الهوروس (١) وهو فى زعمهم إله النور والآخر لبيبيك (٢) وهو إله الظلمة، وقال غيره إن المعبد الكبير سابق على موريس فرعون مصر، وقد قرئ اسم والدته على أحد أبوابه وإنما ينسب إلى البطالسة بعض النقوش/التى عليه كما يدل لذلك ما وجد على جدرانه من الكتابة الرومية، وفى كتاب لطرون أن معبد هذه المدينة عبارة عن جهتين لمقدسين، فالجهة اليمنى للمقدس سويق الذى صورته صورة إنسان برأس تمساح ومعه المقدسان أثير وحنس، والجهة اليسرى للمقدس أرواريس ومعه المقدسة زينوفرة وابنها بنيونو، وأطلقت الأروام اسم أبلون على أرواريس، كما أطلقوا اسم ساترن على سويق الذى هو إشارة إلى الصفات القهرية للمقدس أمون.
كما وجد ذلك فى كتابة رومية على المعبد، وفى الكتابة أيضا أن العساكر الخيالة والمشاة وسائر المستخدمين زخرفوا هذا المعبد لحفظ حياة بطلميوس وزوجته كليوبترة أخته وأولادهما لما نالهم منهم من الخير العظيم، وذلك قبل الميلاد بمائة وستين سنة، وأن المحافظين فى هذه الكورة عليهم الحراسة إلى آخر الشلال الثانى، الذى هو آخر حدود هذا الخط انتهى.
وفى سنة ألف وثمانمائة وأربعة وأربعين ميلادية كان النيل مسلطا عليه بحيث يخشى أن يهدمه بخلاف المعبد الصغير فإنه بعيد عن النيل داخل فى الأرض الصحيحة، وقد وجد الفرنساوية أيضا سورا مبنيا من الطوب محيطه (٧٥٠) مترا وسمكه ثمانية أمتار ويظهر أنه أقدم من المعبدين المذكورين، ومن تراكم الرمال عليه لم يمكنهم تعيين ارتفاعه، والظاهر أنه كان يدور على المعبدين، ثم إن جميع أوجه الحيطان والأعمدة والسقف وجدت مشغولة بكتابة ونقوش وصور لا حاجة لنا بشرحها، غير أننا ننبه على أمر مهم وجد فى سقف المعبد الكبير، وهو أن بعضه لم يتم نقشه ووجد مقسما إلى مربعات والصور مخططة فيها باللون الأحمر.
стр. 2308
ومن هنا يستدل على أن المصريين كانوا يستعملون المربعات فى نقش الرسومات وتحويلها من مقياس إلى آخر، وعلى أنهم كانوا يعملون الطرق الهندسية المؤدية إلى بقاء نسب الأشكال، ويؤيد ذلك ما نقله أبولونيوس من أهالى جزيرة رودس عن كليمان الإسكندرى من كتاب الأشياء المقدسة، أن طائفة الدرجة الثالثة من طوائف القسيسين المصريين، كانت متكفلة بمعرفة الفلك والجغرافية والرسم وشرح أحوال النيل، وأن الخرط التى أمر بها جوزويه- (يوشع ﷺ -لتقسيم الأرض بين قبائل العبرانيين عملت على مقتضى القاعدة المصرية، وما ذكره يوسف الإسرائيلى يدل على أنها كانت عبارة عن مسح جميع أراضى العبرانيين، ومثل هذه المربعات وجد فى مبان غير هذه.
وينتج من ذلك تحقيق ما ذكره المؤرخون من أن اختراع فن الهندسة والمساقط الجغرافية يعزى إلى المصريين ويشهد لهم بالفخر على من عداهم، ويستفاد من أقوال المؤرخين أن فرعون مصر سيزوستريس أمر بعمل خرطة وادى النيل وكانت محفوظة فى المعابد.
وذكر ديودور الصقلى أن فيثاغورس اكتسب من المصريين أعظم النظريات الهندسية.
وذكر المؤرخ اليان وجونيان وغيرهما، أن أهالى مدينة أنبو كانوا يقدسون التمساح ويوجد مرسوما فى المعابد على كيفيات مختلفة وكانوا يحتفلون بدفنه وتصبيره، ويظهر أن هذا الحيوان كان رمزا على ماء النيل، وكان يقدس غالبا عند أهالى المدن البعيدة عن النيل، كما هى حالة مدينة أنبو فى الأزمان القديمة، فإن الماء كان لا يصلها إلا من ترعة تخرج منه إليها، وبين كوم مدينة أنبو ومدينة أدفورأس من الجبل داخل فى البحر يعرف عند أهل الصعيد بجبل أبى شجر، وهو السبب فى كثرة الزوابع وشدة الرياح هناك، وكثيرا ما يحصل منها تلف المراكب وغرقها، وعادة هذه الرياح عند هبوبها أن تكون حاملة للأتربة والرمال، وفى غالب الأوقات تلجأ المراكب إلى موردة فى الجبل فينبغى زيادة التحفظ حتى لا يحصل إتلافها، وفوق هذا الجبل يسكن بعض الفقراء وينزلون لطلب الحسنة ممن يلجأ إلى تلك الموردة، وبين كوم أنبو وجبل السلسلة مسافة أربعة وثمانين كيلومتر.
стр. 2309
وقال مرييت: إن النيل هناك يكون منحبسا بين جهتى جبل السلسلة، وفى ذلك الجبل مغارة فيها نقوش وأدعية تدل على أن أهل تلك الجهة كانوا يقدسون النيل بعبادة مخصوصة، وذلك فى زمن هوروس أحد ملوك العائلة الثامنة عشرة، ويرى على الجدار القبلى أن هذا الملك يرضع من مقدسة ذات لبن وهو جالس على تخت محمول باثنى عشر أميرا، ويرى فى مرة أخرى أن أميرين يحملان له المظلة فى رجوعه من نصرة انتصرها على الكوشيين، وبين جبل السلسلة وأدفو أربعون كيلومتر انتهى.
ولنبين لك تراجم بعض من تقدم ذكرهم فى هذه البلدة على سبيل الإيجاز فنقول نقلا عن قاموس الفرنج
أما كليمان الإسكندرى فهو من علماء القرن الثانى من الميلاد، ولد بالإسكندرية فى العبادة الوثنية ثم تنصر وزاول العلوم ودرس بالمدرسة النصرانية بالإسكندرية، ثم رحل عنها فى سنة مائتين واثنتين كراهية لظلم القيصر سوير، وساح فى بلاد القدس وغيرها ثم رجع إلى الإسكندرية بعد خمس عشرة سنة ومات بها فى سنة رجوعه
وأما يوسف/الإسرائيلى فإنه ولد بالقدس سنة سبع وثلاثين من الميلاد، ثم جعل حاكما على ولاية جليلة وهى قسم من بلاد فلسطين، وذلك فى سنة سبع وستين وقت قيام الأهالى على الرومانيين زمن قيصرية واسبيسيان (١) وتيتوس، واصطحب مع تيتوس وأخبره بالكهانة أنه يتولى القيصرية، فأحبه وأخذه معه إلى رومة ومات بها سنة خمس وتسعين، وقد كتب تاريخ حروب اليهود مع الرومانيين.
وأما جوزويه يوشع العبرانى فهو رئيس العبرانيين ولد بمصر، وكان خليفة موسى ﵇ فى حكم بنى إسرائيل سنة ألف وستمائة وخمسة قبل الميلاد، وهو الذى أدخل العبرانيين الأرض المقدسة التى كتب الله لهم وحارب أربعة ملوك من الكنعانيين وانتصر عليهم.
стр. 2310
ويروى أن الله أوقف له الشمس حتى انتصر وأقام يحارب حتى استولى على أرض كنعان وقسمها على الاثنى عشر سبطا، ومات قبل المسيح بألف وخمسمائة وثمانين سنة، وله من العمر مائة سنة وعشر سنين انتهى.
وأما فيثاغورس فهو عالم فيلسوف يونانى أحد أئمة الفلسفة كأفلاطون ونحوه، ولد فى شاموس قبل المسيح بستمائة وثمان سنين على قول، وقيل: قبله بخمسمائة واثنتين وسبعين سنة، وسافر كثيرا لاكتساب المعارف وأقام بمصر زمانا وأخذ عن علمائها فنون الرياضيات، ثم رجع إلى بلاده أرض اليونان وعلم أهلها علم الهندسة والطبيعة وعلم الدين، ولم يكونوا يعلمونها قبل ذلك.
وفى سنة خمسمائة وأربعين قبل الميلاد أسس مدرسة بإيطاليا واشتهرت به واجتمع عليه المريدون، وكان لا يقبل المريد إلا بعد امتحانه بأمور شاقة كإلزامه السكوت عدة سنين، وكانوا فى غاية الامتثال له وصدق مودته ويعتقدونه اعتقادا زائدا، وكان بسيطا فى عيشته مجتنبا لأكل اللحم وتبحر فى جميع العلوم خصوصا الرياضيات كالحساب والفلك واستخرج بذكائه علم الألحان وتأليف النغم والموسيقى ومات سنة خمسمائة وتسعة قبل الميلاد، وله استكشافات كثيرة، منها مربع الوتر.
وأوصله إتقان النسب الرياضية إلى طريقة عمومية منها أن الأعداد أصل لكل شئ، وأن أصل الأعداد الواحد أو الوحدة وأن العشرة آحاد الأوليّة لها خواص عجيبة لا سيما الواحد العاشر، وأن الله هو الوحدة المطلقة الأصلية، وأن العالم هو أمر كلى بديع الصنعة والإحكام، وأن الأرض كروية وأنها ساكنة والقمر والشمس والكواكب تدور حولها بنظام موسيقى، وأن فعل الخير هو: الوحدة، والشر هو التنافر وعدم الألفة والعدالة المساواة فى
стр. 2311
الأمور، وأن الروح عدد يتحرك بنفسه، وأن المادة هى الملازم غير المتناهى وهو أصل الشر، وأن الأرواح تنتقل فى الأجسام فتارة تترقى بالتدريج إلى الدرجات العلا باكتساب الفضائل، وتارة تنحط فى الدّركات باكتساب القبائح والرذائل، وكان يزعم أن روحه كانت قبله فى جسد أفورب الذى كان فى حرب تروادة انتهى.
إنشاص
هذه القرية قبلى بلبيس بمقدار خمسة عشر ألف متر، وهى من قسم بلبيس من بلاد الشرقية وأغلب أبنيتها باللبن، وبها دكاكين ومساجد عامرة وفيها تجار من الدول المتحابة يتجرون فى القطن والأبزار، وبها مجلسان للدعاوى والمشيخة ومكاتب لتعليم القرآن والكتابة ونخيل، ولعمدتها حسنين عامر جنينة.
وعدد أهلها ألفان وثلاثمائة وستون نفسا وتكسبهم فى الغالب من الزراعة، ومنهم أرباب حرف، وكان لها سوق كل يوم أربعاء يباع فيه المواشى وغيرها، وبها محطة السكة الحديدية ومحلات إقامة خدمتها، وزمام أطيانها ألفان ومائتان وثلاثة وأربعون فدانا وكسر.
أنصار
قرية من قرى مصر ذكرها السّيوطى فى حسن المحاضرة وقال: إن منها رجاء بن عيسى بن محمد أبا العباس الأنصارى، كان فقيها مالكيا ثقة، قدم بغداد وحدث بها وسمع منه الحفاظ، ثم عاد إلى بلده فمات بها سنة تسعين وأربعمائة انتهى.
стр. 2312
أنصنا
بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الصاد المهملة ثم نون ثانية وألف، بلدة بالصعيد الأوسط بها آثار عظيمة أوّلية وهى على شاطئ النيل من البر الشرقى قبالة الأشمونين من البر الآخر، ولها مزدرع كثير، قال الإدريسى فى نزهة المشتاق، أنصنا مدينة قديمة البناء كثيرة الثمار غزيرة الخصب انتهى من تقويم البلدان لأبى الفداء.
وكانت تسمى قديما أنتنويه ويستفاد من كلام المؤرخين أن قيصر الروم أدريان هو الذى أمر ببنائها لتكون مركزا للأقاليم القبلية عوضا عن مدينة الأشمونين، وذلك على ما ذكره بعضهم أن القيصر لما أراد سياحة الديار المصرية ليشاهد آثارها وأخبار أهلها، قام من مملكة إيطاليا سنة مائة وثمانين من الميلاد-أعنى سنة ٨٨٦ من تاريخ رومة-فبعد أن ساح بعض بلاد السواحل دخل أرض مصر سنة ١٣٢ ميلادية، وفى السنة الخامسة عشرة من جلوسه على تخت القيصرية، أقام بمدينة طيبة واطلع على خزانة التحف التى بها ورأى الآثار العتيقة وأمر ببناء قبر مشيد فيها للأمير بومبيوس الذى كان قتله بطليموس فى هذا المكان غدرا وخيانة، وتوجه منها إلى الإسكندرية وأمر لأهل المدينة برجوع بعض المزايا التى حرموا منها فى زمن القياصرة السابقين، ثم قصد إلى الأقاليم القبلية وكان/مستصحبا لنديمه الشاب أنتنويه، وكان يحبه حبا شديدا أوجب التكلم فيه من كثير من الشعراء وغيرهم، فقدّر الله سبحانه غرق هذا الشاب فى النيل قريبا من محل هذه المدينة، فحزن عليه القيصر حزنا شديدا غير معتاد،
стр. 2313
وأمر بإنشاء هذه المدينة لتكون تذكرة لذلك الشاب على ممر الدهور، وتمم بناءها فى أربع سنين، وأمر بجمع الرومانيين المتفرقين فى جهات القطر وأسكنهم فيها، مع من جلبه إليها من بلاد الروم كعادة القياصرة من قبله، وزينها بالمعابد الفاخرة، والمبانى الرفيعة، وقسم طولها وعرضها إلى حارات وأزقة متسعة مستقيمة مزينة فى جوانبها بأعمدة وتماثيل وهياكل، فصارت من أحسن ما أنشئ فى تلك الأحقاب وجعل لأنتنويه معبدا رتب له الكهنة وما يلزم له وجعله من المعابد المقدسة.
وممن تكلم فيه من الشعراء جوانيال فإنه هجاه مع محبوبه بقصيدة بالغ فيها فى ذمّهما فنفاه إلى أسوان فمات بقنا فى طريقه، وذكر كثير من المؤلفين فى سبب بناء هذه المدينة، أن هذا القيصر كان مولعا بالمبانى حتى إنه بنى كثيرا من المدن فى آسيا وبلاد الغال والإنجليز وغيرها، ومن ضمن ذلك مدينة سميت باسمه وشحنها بالعمارات الفاخرة، ولما كان غالب مدن الأقاليم القبلية فى وقته متخربا ومدينة الإسكندرية بعيدة، رغب فى بناء مدينة تكون مركزا للتجارة والسّياسة والأمور المهمة فى وسط الأقاليم القبلية فبنى هذه المدينة لهذا الغرض، فلعل ذلك مع الرغبة فى الافتخار هو السبب الحقيقى فى بناء هذه المدينة التى استقلت بأمور الأقاليم القبلية زمنا مديدا، وكان كل قيصر يزيد فى زخرفتها حتى أن القيصر سوير أضاف إلى معابدها بعض معابد فى سنة ٢٠٢ ميلادية، فبقيت متباهية بالعز الذى لا يشاركها فيه غيرها من مدن الجهات القبلية إلى أن دخلت الديانة العيسوية أرض مصر فالتحقت بمدينة طيبة.
وذكر أوزيب أنه فى آخر القرن الثالث كان لأهل هذه المدينة علائق مع كثير من القسيسين بمدينة القدس، وفى القرن الرابع كثرت بها الكنائس والديور النصرانية.
стр. 2314
وذكر الإدريسى أن هذه الكنائس والديور من آثار المدينة القديمة، وكان بها مبان فاخرة وحدائق نضرة وأرض خصبة، وقال: إنها كانت تسمى بمدينة السحرة ومنها جلب فرعون مصر سحرة موسى ﵇، ويغلب على الظنّ أن السحرة إنما جلبوا من مدينة بيترا التى بالقرب منها، وكانت ذات شهرة فى الزمن الأول.
وقد ذكر أبو الفداء ما ذكر الإدريسى.
وفى رحلة ابن جبير فى آخر القرن السادس أن أنصنا قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة وكانت فى السالف مدينة عتيقة وكان لها سور هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر فى النيل وظيفة من حمل صخره إلى القاهرة فنقل بأسره إليها انتهى.
وذكر المقريزى أن بابا من أبوابها نقل إلى مدينة القاهرة وكان على باب زويلة، وأن صلاح الدين أيوب نقل أحجار سورها وبنى بها ما أحدثه من المبانى فى مدينة القاهرة.
وقال أبو عبيد البكرى: أنصنا كورة من كور مصر معروفة، كانت سرّية النبى ﷺ مارية أم ابنه إبراهيم من قرية من قراها يقال لها حفن، ولوضع هذه المدينة على شاطئ النيل كان فيها بساتين زاهرة ومنتزهات باهرة، وكان لها محصول عظيم من التمر والفواكه والآثار التى كانت باقية إلى زمن الفرنساوية، ومن مبانى هذه المدينة تدل على ما كانت عليه فى الزمن القديم من الفخامة والعمارية.
وفى خطط الفرنساوية إن الإنسان إذا كان فوق تلالها من جهتها الغربية يرى الشارع الذى كان ممتدا فى طولها ويرى قطعا كثيرة من الأعمدة التى كانت فى جوانبه من أوّله إلى آخره وعلى كل عمود تمثال أنتنوبه ويرى أيضا فى آخر خرابها البودروم-أعنى محل ملعب الخيل والمصارعة-وكان مستدير الشكل يقال: إنه كان مجعولا مقياسا للنيل، وكان محوّطا بأعمدة من الصوان الأحمر بين كل عمودين خطوة وهى عدد أيام السنة الشمسية، ويرى على شماله الشارع العمودى من بابها الشرقى الذى كان مزينا بالأعمدة والتماثيل والمبانى الفاخرة إلى بابها الغربى.
стр. 2315
ويرى فى الجهة البحرية أعمدة النصر الفائقة التى أقيمت لبقاء ذكر القيصر إسكندر سوير وغيره، فإذا التفت قليلا رأى أقواس النصر العظيمة وأعمدتها الصّوانية الهائلة، وآثار جميع ما ذكر منتشرة فى أرض المدينة من صور مكسرة وأحجار هائلة ملقاة ظاهرة كلها أو بعضها من الأتربة والرمال، ويشاهد سور المدينة فى الجهة القبلية، وبعده تل مرتفع فيه كثير من قطع الحجارة والشقاف كان فى موضعه بلد قديم حدث فى زمن النصارى، ودير أبى حنس بلصق هذا التل.
ويشاهد أيضا نزلة الشيخ عبد الله والجبل وما فيه من المغارات الكثيرة بعضها فوق بعض المستخرج منها الأحجار التى بنيت بها مدينة الأشمونين وأنصنا وغيرهما، وبعض المغارات طويل جدا ومتفرع إلى فروع، وفوق الجبل آثار ديور متعددة ومغارات كبيرة وصغيرة كانت مساكن الرهبان، وبين الجبل وأنصنا فى الجهة البحرية تلال من آثار مدينة بيز العتيقة السابقة على أنصنا فى القدم والشهرة التى كانت فى أسفل الجبل، ولعل أحجارها وأعمدة معابدها وعماراتها أخذت فى بناء مدينة/أنصنا، ولعل هذا هو السبب فى قلة آثارها الآن جدا.
وهذا الاسم أعنى بيز كان لأحد مقدّسى المصريين فى الأزمان السابقة الذى ظهرت له كرامات عظيمة فى مدينة أبيدوس، كما ذكر ذلك أميان مرسيلان وأوزيب.
وذكر فيتوسولس أن مدينة أنتنويه كانت تسمى فى السابق بيز أنتنويه بالتركيب من بيز وأنتنوية، وهذا يحقق سبق مدينة بيز المذكورة على المدينة الرومانية، ومن فوق تلال أنصنا الشامخة، يرى أيضا فى غربى النيل قرية الروضة، وقرية البياضية التى كان أهلها أقباطا مشهورين بصناعة السكر فى الزمن القديم، ويرى أيضا مدينة ملوى وآثار مدينة الأشمونين.