الأمور، وأن الروح عدد يتحرك بنفسه، وأن المادة هى الملازم غير المتناهى وهو أصل الشر، وأن الأرواح تنتقل فى الأجسام فتارة تترقى بالتدريج إلى الدرجات العلا باكتساب الفضائل، وتارة تنحط فى الدّركات باكتساب القبائح والرذائل، وكان يزعم أن روحه كانت قبله فى جسد أفورب الذى كان فى حرب تروادة انتهى.
إنشاص
هذه القرية قبلى بلبيس بمقدار خمسة عشر ألف متر، وهى من قسم بلبيس من بلاد الشرقية وأغلب أبنيتها باللبن، وبها دكاكين ومساجد عامرة وفيها تجار من الدول المتحابة يتجرون فى القطن والأبزار، وبها مجلسان للدعاوى والمشيخة ومكاتب لتعليم القرآن والكتابة ونخيل، ولعمدتها حسنين عامر جنينة.
وعدد أهلها ألفان وثلاثمائة وستون نفسا وتكسبهم فى الغالب من الزراعة، ومنهم أرباب حرف، وكان لها سوق كل يوم أربعاء يباع فيه المواشى وغيرها، وبها محطة السكة الحديدية ومحلات إقامة خدمتها، وزمام أطيانها ألفان ومائتان وثلاثة وأربعون فدانا وكسر.
أنصار
قرية من قرى مصر ذكرها السّيوطى فى حسن المحاضرة وقال: إن منها رجاء بن عيسى بن محمد أبا العباس الأنصارى، كان فقيها مالكيا ثقة، قدم بغداد وحدث بها وسمع منه الحفاظ، ثم عاد إلى بلده فمات بها سنة تسعين وأربعمائة انتهى.
стр. 2312
أنصنا
بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الصاد المهملة ثم نون ثانية وألف، بلدة بالصعيد الأوسط بها آثار عظيمة أوّلية وهى على شاطئ النيل من البر الشرقى قبالة الأشمونين من البر الآخر، ولها مزدرع كثير، قال الإدريسى فى نزهة المشتاق، أنصنا مدينة قديمة البناء كثيرة الثمار غزيرة الخصب انتهى من تقويم البلدان لأبى الفداء.
وكانت تسمى قديما أنتنويه ويستفاد من كلام المؤرخين أن قيصر الروم أدريان هو الذى أمر ببنائها لتكون مركزا للأقاليم القبلية عوضا عن مدينة الأشمونين، وذلك على ما ذكره بعضهم أن القيصر لما أراد سياحة الديار المصرية ليشاهد آثارها وأخبار أهلها، قام من مملكة إيطاليا سنة مائة وثمانين من الميلاد-أعنى سنة ٨٨٦ من تاريخ رومة-فبعد أن ساح بعض بلاد السواحل دخل أرض مصر سنة ١٣٢ ميلادية، وفى السنة الخامسة عشرة من جلوسه على تخت القيصرية، أقام بمدينة طيبة واطلع على خزانة التحف التى بها ورأى الآثار العتيقة وأمر ببناء قبر مشيد فيها للأمير بومبيوس الذى كان قتله بطليموس فى هذا المكان غدرا وخيانة، وتوجه منها إلى الإسكندرية وأمر لأهل المدينة برجوع بعض المزايا التى حرموا منها فى زمن القياصرة السابقين، ثم قصد إلى الأقاليم القبلية وكان/مستصحبا لنديمه الشاب أنتنويه، وكان يحبه حبا شديدا أوجب التكلم فيه من كثير من الشعراء وغيرهم، فقدّر الله سبحانه غرق هذا الشاب فى النيل قريبا من محل هذه المدينة، فحزن عليه القيصر حزنا شديدا غير معتاد،
стр. 2313
وأمر بإنشاء هذه المدينة لتكون تذكرة لذلك الشاب على ممر الدهور، وتمم بناءها فى أربع سنين، وأمر بجمع الرومانيين المتفرقين فى جهات القطر وأسكنهم فيها، مع من جلبه إليها من بلاد الروم كعادة القياصرة من قبله، وزينها بالمعابد الفاخرة، والمبانى الرفيعة، وقسم طولها وعرضها إلى حارات وأزقة متسعة مستقيمة مزينة فى جوانبها بأعمدة وتماثيل وهياكل، فصارت من أحسن ما أنشئ فى تلك الأحقاب وجعل لأنتنويه معبدا رتب له الكهنة وما يلزم له وجعله من المعابد المقدسة.
وممن تكلم فيه من الشعراء جوانيال فإنه هجاه مع محبوبه بقصيدة بالغ فيها فى ذمّهما فنفاه إلى أسوان فمات بقنا فى طريقه، وذكر كثير من المؤلفين فى سبب بناء هذه المدينة، أن هذا القيصر كان مولعا بالمبانى حتى إنه بنى كثيرا من المدن فى آسيا وبلاد الغال والإنجليز وغيرها، ومن ضمن ذلك مدينة سميت باسمه وشحنها بالعمارات الفاخرة، ولما كان غالب مدن الأقاليم القبلية فى وقته متخربا ومدينة الإسكندرية بعيدة، رغب فى بناء مدينة تكون مركزا للتجارة والسّياسة والأمور المهمة فى وسط الأقاليم القبلية فبنى هذه المدينة لهذا الغرض، فلعل ذلك مع الرغبة فى الافتخار هو السبب الحقيقى فى بناء هذه المدينة التى استقلت بأمور الأقاليم القبلية زمنا مديدا، وكان كل قيصر يزيد فى زخرفتها حتى أن القيصر سوير أضاف إلى معابدها بعض معابد فى سنة ٢٠٢ ميلادية، فبقيت متباهية بالعز الذى لا يشاركها فيه غيرها من مدن الجهات القبلية إلى أن دخلت الديانة العيسوية أرض مصر فالتحقت بمدينة طيبة.
وذكر أوزيب أنه فى آخر القرن الثالث كان لأهل هذه المدينة علائق مع كثير من القسيسين بمدينة القدس، وفى القرن الرابع كثرت بها الكنائس والديور النصرانية.
стр. 2314
وذكر الإدريسى أن هذه الكنائس والديور من آثار المدينة القديمة، وكان بها مبان فاخرة وحدائق نضرة وأرض خصبة، وقال: إنها كانت تسمى بمدينة السحرة ومنها جلب فرعون مصر سحرة موسى ﵇، ويغلب على الظنّ أن السحرة إنما جلبوا من مدينة بيترا التى بالقرب منها، وكانت ذات شهرة فى الزمن الأول.
وقد ذكر أبو الفداء ما ذكر الإدريسى.
وفى رحلة ابن جبير فى آخر القرن السادس أن أنصنا قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة وكانت فى السالف مدينة عتيقة وكان لها سور هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر فى النيل وظيفة من حمل صخره إلى القاهرة فنقل بأسره إليها انتهى.
وذكر المقريزى أن بابا من أبوابها نقل إلى مدينة القاهرة وكان على باب زويلة، وأن صلاح الدين أيوب نقل أحجار سورها وبنى بها ما أحدثه من المبانى فى مدينة القاهرة.
وقال أبو عبيد البكرى: أنصنا كورة من كور مصر معروفة، كانت سرّية النبى ﷺ مارية أم ابنه إبراهيم من قرية من قراها يقال لها حفن، ولوضع هذه المدينة على شاطئ النيل كان فيها بساتين زاهرة ومنتزهات باهرة، وكان لها محصول عظيم من التمر والفواكه والآثار التى كانت باقية إلى زمن الفرنساوية، ومن مبانى هذه المدينة تدل على ما كانت عليه فى الزمن القديم من الفخامة والعمارية.
وفى خطط الفرنساوية إن الإنسان إذا كان فوق تلالها من جهتها الغربية يرى الشارع الذى كان ممتدا فى طولها ويرى قطعا كثيرة من الأعمدة التى كانت فى جوانبه من أوّله إلى آخره وعلى كل عمود تمثال أنتنوبه ويرى أيضا فى آخر خرابها البودروم-أعنى محل ملعب الخيل والمصارعة-وكان مستدير الشكل يقال: إنه كان مجعولا مقياسا للنيل، وكان محوّطا بأعمدة من الصوان الأحمر بين كل عمودين خطوة وهى عدد أيام السنة الشمسية، ويرى على شماله الشارع العمودى من بابها الشرقى الذى كان مزينا بالأعمدة والتماثيل والمبانى الفاخرة إلى بابها الغربى.
стр. 2315
ويرى فى الجهة البحرية أعمدة النصر الفائقة التى أقيمت لبقاء ذكر القيصر إسكندر سوير وغيره، فإذا التفت قليلا رأى أقواس النصر العظيمة وأعمدتها الصّوانية الهائلة، وآثار جميع ما ذكر منتشرة فى أرض المدينة من صور مكسرة وأحجار هائلة ملقاة ظاهرة كلها أو بعضها من الأتربة والرمال، ويشاهد سور المدينة فى الجهة القبلية، وبعده تل مرتفع فيه كثير من قطع الحجارة والشقاف كان فى موضعه بلد قديم حدث فى زمن النصارى، ودير أبى حنس بلصق هذا التل.
ويشاهد أيضا نزلة الشيخ عبد الله والجبل وما فيه من المغارات الكثيرة بعضها فوق بعض المستخرج منها الأحجار التى بنيت بها مدينة الأشمونين وأنصنا وغيرهما، وبعض المغارات طويل جدا ومتفرع إلى فروع، وفوق الجبل آثار ديور متعددة ومغارات كبيرة وصغيرة كانت مساكن الرهبان، وبين الجبل وأنصنا فى الجهة البحرية تلال من آثار مدينة بيز العتيقة السابقة على أنصنا فى القدم والشهرة التى كانت فى أسفل الجبل، ولعل أحجارها وأعمدة معابدها وعماراتها أخذت فى بناء مدينة/أنصنا، ولعل هذا هو السبب فى قلة آثارها الآن جدا.
وهذا الاسم أعنى بيز كان لأحد مقدّسى المصريين فى الأزمان السابقة الذى ظهرت له كرامات عظيمة فى مدينة أبيدوس، كما ذكر ذلك أميان مرسيلان وأوزيب.
وذكر فيتوسولس أن مدينة أنتنويه كانت تسمى فى السابق بيز أنتنويه بالتركيب من بيز وأنتنوية، وهذا يحقق سبق مدينة بيز المذكورة على المدينة الرومانية، ومن فوق تلال أنصنا الشامخة، يرى أيضا فى غربى النيل قرية الروضة، وقرية البياضية التى كان أهلها أقباطا مشهورين بصناعة السكر فى الزمن القديم، ويرى أيضا مدينة ملوى وآثار مدينة الأشمونين.
стр. 2316
وشكل مدينة أنصنا شبه منحرف ضلعاه الجنوبى والشمالى متوازيان قد قيس محيطها فوجد ٥٢٩٨ مترا غير خراب مدينة بيزا، والبودروم وأحد آحادها الذى به الشارع الكبير من ابتداء الباب الشمالى الغربى إلى النقطة المقابلة له من السور فى جهة الجنوب ١٠١٤ مترا، والبعد الآخر التابع للشارع الثانى ١٠٧٢ مترا، فتكون مساحة المدينة بالنسبة لذلك قريبة من ٣٠٠ فدان، وكان أهلها قريبا من ٢٠ إلى ٢٥ ألف نفس وطول السور القبلى ٦٩٩ مترا والبحرى ١١٠٨ أمتار، وكان لها سوران مبنيان بالحجر والطوب أحدهما خلف الآخر انتهى.
ونقل المقريزى (١) عن أبى حنيفة الدينورى أنه قال: ولا ينبت البنج إلا بأنصنا. وهو عود ينشر منه ألواح للسفن وربما أرعفت ناشرها، ويباع اللّوح منها بخمسين دينارا ونحوها، وإذا شدّ لوح منها بلوح وطرحا فى الماء ستة أيام صارا لوحا واحدا انتهى.
وقد حقق العالم دساسى الفرنساوى فى شرحه على رسالة عبد اللطيف البغدادى: أن الشجرة التى هذا وصفها ليست شجرة البنج؛ وإنما هى شجرة اللّبخ بفتح اللام والباء أو بضم اللام وفتح الباء، أو بفتح اللام وسكون الباء وفى آخرها خاء معجمة، ويقال فيها:
الباخ وأن اسمها اللاتينى برسيا كما فى كتاب تيوفرست وديوسكوريد وغليان واسترابون وديودور وغيرهم واتفقوا جميعا على أنها لا تنبت إلا بمصر.
وقد ترجم اسطوفان عبارة ديوسكوريد وصححها أبو زيد حنين بن إسحاق، وقد ترجمت برسيا بقرساء بقاف فى أوّله ممدودا أو قرسياء بياء بعد السين ممدودا، وقد وجدت فى تهميشات دساسى ما نصه:
стр. 2317
قرسياء: شجرة تكون بمصر ولها ثمر يؤكل جيد للمعدة، وربما وجد فى هذه الشجرة صنف من الرتيلا يقال له: قرانيو قوما، وأعظم ما كان منه بناحية الصعيد، وقوّة ورق هذه الشجرة تقطع الدّم إذا جفف وسحق وذر على الموضع الذى يسيل منه.
وقد زعم قوم أن هذه الشجرة كانت تقتل فى بلاد الفرس، فبعد أن نقلت إلى مصر صارت تؤكل ولا تضر، وزعم حنين أن هذه الشجرة ويسميها أهل مصر البنج أو اللّبخ.
ونقل دساسى أيضا هامشا وجد على الترجمة السابقة ونصه: أخبرنى أبو محمد البغدادى الكابودى، وكان قد سكن الهند سنين كثيرة وقد سألته عن اللّبخ فقال: اسمه بالفارسية ازادرخت وتأويل هذا الاسم حرة آل وعرفه وزادنا اسمه (ج لى) ابن جلجل قال القاذورى: ابن جلجل يقول هذا وليس بشئ شجرة اللّبخ بمصر مشهورة وثمرها يؤكل وهو حلو طيب الطعم والرائحة إلى الحمرة ما. هو والأزادرخت عندنا ليس كذلك ولا بينهما شبه بوجه من الوجوه، لأن ورق اللّبخ يشبه ورق المشمش عندنا فى قدره وشكله إلا أنه أشد ملوسة وهو أيضا إلى البياض، وثمره يشبه الكبر فى لونه وقدره إذا قطع منه العرجون الذى فى الكبرة وداخله نواة قدر حبة الفستق إلى الطول ما. هى وهو حلو يؤكل، وصورة (ج لى) المتقدمة رمز لاسم صاحب الهامشة وهو أبو داود سليمان بن حسن المعروف بابن جلجل حكيم قرطيا المشهور فى زمن هشام المؤيد بالله سنة ٣٦٦ هـ.
وقد ترجمه العالم دساسى فى كتابه فقال ما نصه بحروفه: هو أبو داود سليمان بن حسان يعرف بابن جلجل كان طبيبا فاضلا خبيرا بالمعالجات جيد التصرف فى صناعة الطب، وكان فى أيام هشام المؤيد بالله، وخدمه بالطب وله بصيره واعتناء بقوى الأدوية المفردة، وقد قسم أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديوسقورديس العين زربى وأفصح عن مكنونها وأوضح مستغلق مضمونها، وهو يقول فى أوّل كتابه هذا: إن كتاب ديوسقوريدس ترجم بمدينة
стр. 2318
السلام- (بغداد) -فى الدولة العباسية فى أيام جعفر المتوكل، فكان المترجم له أصطوفان من تلك الأسماء اليونانية فى وقته، فما عرف له اسما فى اللّسان العربى فسره بالعربية، وما لم يعلم له فى اللّسان العربى اسما تركه فى الكتاب على اسمه اليونانى، اتكالا منه على أن يبعث الله بعده من يعرف ذلك ويفسره باللّسان العربى؛ إذ التسمية لا تكون إلا بالتواطؤ من أهل كل بلد على أعيان الأدوية بما رءوا، ويسمون ذلك إما باشتقاق وإما من غير ذلك بتواطؤهم على التسمية، فاتكل أصطوفان على أشخاص يأتون بعده، فمن عرف أعيان الأدوية التى لم يعرف/هولها اسما فى وقته يسميها على قدر ما سمع فى ذلك الوقت فيخرج إلى المعرفة.
قال ابن جلجل وورد هذا الكتاب إلى الأندلس وهو على ترجمة أصطوفان، منه ما عرف له اسما بالعربية، ومنه ما لم يعرف له اسما فانتفع الناس بالمعروف منه بالمشرق والأندلس إلى أيام الناصر عبد الرحمن بن محمد وهو يومئذ صاحب الأندلس، فكاتبه أرمانيوس الملك ملك القسطنطينية-أحسب فى سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة-وهاداه بهدايا لها قدر عظيم، وكان فى جملة هديته كتاب ديسقوريدس مصور الحشائش بالتصوير الرومى العجيب، وكان الكتاب مكتوبا بالإغريقى الذى هو اليونانى، وبعث معه كتاب هروشيش صاحب القصص، وهو تاريخ للروم عجيب فيه أخبار الدهور وقصص الملوك الأول وفوائد عظيمة.
وكتب أرمانيوس فى كتابه إلى الناصر أن كتاب ديسقورديس لا تجنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليونانى، ويعرف أشخاص تلك الأدوية، فإن كان فى بلدك من يحسن ذلك فزت أيها الملك بفائدة الكتاب، وأما كتاب هروشيش فعندك فى بلدك من اللّيتينيين من يقرؤه باللّسان اللّتينى وإن كاشفتهم عنه نقلوه لك من اللتينى إلى اللّسان العربى.
стр. 2319
قال ابن جلجل، ولم يكن يومئذ بقرطبة من نصارى الأندلس من يقرأ الإغريقى الذى هو اليونانى القديم فبقى كتاب ديسقورديس. فى خزانة عبد الرحمن الناصر باللّسان الإغريقى ولم يترجم إلى اللّسان العربى وبقى الكتاب بالأندلس، والذى بين أيدى الناس ترجمة أصطوفان الواردة من مدينة السلام- (بغداد) -فلما جاوب الناصر أرمانيوس الملك سأله أن يبعث إليه برجل يتكلم بالإغريقى واللتينى ليعلم له عبيدا يكونون مترجمين، فبعث أرمانيوس الملك إلى الناصر براهب كان يسمى (نقولا) فوصل إلى قرطبة سنة أربعين وثلاثمائة، وكان يومئذ بقرطبة من الأطباء قوم لهم بحث وتفتيش وحرص على استخراج ما جهل من أسماء عقاقير ديسقورديس إلى العربية، وكان أبحثهم وأحرصهم على ذلك من جهة التقرب إلى الملك عبد الرحمن الناصر حسداى بن بشروط الإسرائيلى، وكان نقولا الراهب عنده أحظى الناس وأخصهم به وفسر من أسماء عقاقير كتاب ديسقورديس ما كان مجهولا، وهو أول من عمل بقرطبة ترياقا على تصحيح الشجارية التى فيه، وكان فى ذلك الوقت من الأطباء الباحثين عن أسماء عقاقير الكتاب وتعيين أشخاصه محمد المعروف بالشجار، ورجل كان يعرف بالبسباسى، وأبو عثمان الجزار الملقب باليابسى، ومحمد بن سعيد الطبيب، وعبد الرحمن بن إسحاق بن هيثم، وأبو عبد الله الصقلى وكان يتكلم باليونانية ويعرف أشخاص الأدوية.
قال ابن جلجل: وكان هؤلاء النفر كلهم فى زمان واحد مع نقولا الراهب أدركتهم وأدركت نقولا الراهب فى أيام المستنصر، وصحبتهم فى أيام المستنصر الحكم، وفى صدر دولته مات نقولا الراهب فحصل ببحث هؤلاء النفر الباحثين عن أسماء عقاقير كتاب ديسقورديس، تصحيح الوقوف على أشخاصها بمدينة قرطبة خاصة بناحية الأندلس، وأزال الشك فيها عن القلوب، وأوجب المعرفة بها والوقوف على أشخاصها وتصحيح النطق بأسمائها بلا تصحيف إلا القليل، منها الذى لا بال به ولا خطر له، وذلك يكون فى مثل عشرة أدوية.
стр. 2320
قال وكان لى فى معرفة تصحيح هيولى الطب الذى هو أصل الأدوية المركبة حرص شديد وبحث عظيم وهبنى الله من ذلك بفضله بقدر ما اطلع عليه من نيتى فى أحياء ما خفت أن يدرس وتذهب منفعته لأبدان الناس، فالله خلق الشفاء وبثّه فيما أنبتته الأرض واستقر عليها من الحيوان الماشى والسابح فى الماء والمنساب، وما يكون تحت الأرض فى جوفها من المعدنية، كل ذلك فيه شفاء ورحمة ورفق.
ولابن جلجل من الكتب (كتاب تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقورديس) ألفه فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة بمدينة قرطبة فى دولة هشام بن الحكم المؤيد بالله، ومقالة فى ذكر الأدوية التى لم يذكرها ديسقورديس فى كتابه مما يستعمل فى صناعة الطب وينتفع به وما لا يستعمل لكن لا يغفل ذكره.
وقال ابن جلجل: إن ديقورديس أغفل ذلك ولم يذكره، إما لأنه لم يره ولم يشاهده عيانا، وإما لأن ذلك كان غير مستعمل فى دهره وأبناء جنسه (ورسالة التبيين فيما غلط فيه بعض المتطببين) وكتاب يتضمن ذكر شئ من أخبار الأطباء والفلاسفة فى أيام المؤيد بالله انتهى.
وقوله هشام: هو هشام الثانى الملقب بالمؤيد عقب فى الحكم أباه الحكم فى سنة ثلاثمائة وست وستين ومات سنة ثلاثمائة واثنتين وتسعين، وأما عبد الرحمن فهو عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر لدين الله جلس على تخت بلاد الأندلس سنة ثلاثمائة ومات سنة خمسين وثلاثمائة، وأما أرمانيوس فهو أرمانيوس الثانى ابن/قسطنطين جلس مع أبيه على التخت حين مجئ الهدية إليه، وقوله إغريقى هى كلمة روسية أصلها إجريقى، والعرب تسمى هذه اللغة الإغريقية وتسمى بلادهم بلاد الأغارقة وهى بلاد اليونان فيقال إغريقى أو يونانى، وفى بعض الكتب العربية يقال لكتابتهم اللّيتى أو اللتينى.
стр. 2321
وقال المقريزى عند الكلام على بطليموس قد ترجمت فى زمنه كتب التوراة والأنبياء من اللّسان العبرانى إلى الرومى اليونانى واللّيتى، وقال الحاج خليفة صاحب كتاب (كشف الظنون) عند الكلام على اليونان أن جميع العلوم العقلية مأخوذة عنهم ولغة قدمائهم تسمى الإغريقية وهى أوسع اللغات ولغة متأخريهم تسمى اللتينى؛ لأنهم فرقتان الإغريقيون واللتينينون، وأما هروشيش فهو أروس الأندلسى وليس هو هيرودوط المشهور، وله كتاب فى وصف الدول والحروب.
وذكره المقريزى عند ذكر ملوك منف وأما حسداى فهو الربى حسداى بن إسحاق، كان فى القرن الحادى عشر من الميلاد انتهى مترجما من دسّاسى.
ثم إن ترجمة كتاب ديسقورديس المذكورة قد ترجمت من الرومى إلى العربى فى سنة ٣٧٢ هـ، وقال دسّاسى إن ابن أبى أصيبعة الذى نقل عنه ما تقدم نسب إلى ابن جلجل من ضمن ما نسب إليه من الكتب تاريخا من أخبار الأطباء والفلاسفة فى أيام المؤيد بالله ولنرجع إلى الكلام فى اللّبخ.
قال فى كتاب القانون لابن سينا اللّبخ صحح من كلام (ج لى) ومن كلام سليوس، ويقال إن هذه هى الشجرة التى نقلت من فارس إلى مصر وكانت سمّا قبل نقلها فلما نقلت صارت مأكولة.
وقال أيضا: وجدت فى كتاب النبات لأبى حنيفة الدينورى لبخ قال أخبرنى الأعرابى الأزدى: أنها شجرة عظيمة مثل الأثأبة أو أعظم، ورقها شبيه بورق الجوز، لها جنى كجنى الحماض مر، إذا أكل أعطش، وإذا شرب عليه الماء نفخ البطن وأنشد فيه شعرا:
من يشرب الماء ويأكل اللّبخ … ترم عروق بطنه وتنتفخ
стр. 2322
وهو من شجر الجبال. وأخبرنى العالم بخبره أن بأنصنا من صعيد مصر وهى مدينة السحرة شجرا فى الدور الشجرة بعد الشجرة يسمى اللّبخ قاله بالفتح، قال: وهى شجر عظام مثل الدلب وله ثمر أخضر يشبه التمر حلو جدا إلا أنه كريه جيد لوجع الأضراس، وإذا نشر أرعف ناشره وقد أثبت قول أبى حنيفة استظهارا ليصحح، لكن قول ابن سينا إنه يمنع النزف يخالف قول أبى حنيفة إنه يرعف وهذا الدواء مذكور فى آخر المقالة الأولى فى كتاب (د) فى هيولى العلاج واسمه هناك برسا.
وقال ابن البيطار فى مفرداته: لبخ أبو حنيفة قال وأخبرنى العالم بخبرة أن فى أنصنا من صعيد مصر وهى مدينة السحرة شجرة فى الدور الشجرة بعد الشجرة تسمى اللّبخ وهى عظام مثل الدلب، وله ثمر أخضر يشبه التمر حلو جدا إلا أنه كريه جيد لوجع الأسنان، ديوسكوريدس فى آخر الأولى (فرسا) هى شجرة تكون بمصر لها ثمر يؤكل جيد للمعدة وربما وجد فى هذه الشجرة صنف من الرتيلا يقال لها: قرانيو قوما وخاصة ما كان منه ناحية الصعيد، وقوة ورق هذه الشجرة تقطع الدم إذا جفف وذر على المواضع التى يسيل منها الدم، وقد يزعم قوم أن هذه الشجرة كانت تقتل فى بلاد الفرس وبعد أن نقلت إلى مصر صارت تؤكل ولا تضر.
جالينوس فى الثانية ورق هذه الشجرة به قوة لها قبض معتدل حتى يمكن فيه إذا وضع على العضو الذى ينفجر منه الدم نفعه الإسرائيلى، وثمرته لها قبض بين صار مقويا مانعا من الإسهال، وأمّا ما فى داخل نوى ثمر اللّبخ، فزعم أنه مضر وأنه إذا أكل أحدث صمما.
стр. 2323
وفى رسالة لإبراهيم بن أبى سعيد المغربى العلائى لبخ الماهية: شجر كبار كان يقتل بفارس، ولما نقل إلى مصر صار مأكولا، النوع واحد، الاختيار الطرى، المزاج بارد يابس، فى الثانية القوة مجفف، منفعته فى أعضاء الرأس، ينفع من ورم الحلق ويمنع النوازل، منفعته فى آلات النفس، ينفع من نفث الدم ضمادا على الصدر، منفعته فى أعضاء الغذاء، يقطع النزف شربا وضمادا.
وهو من الأدوية النافعة من الإسهال والذرب، منفعته فى جميع البدن، يحبس الدّم من أىّ عضو كان ضمادا وبذره قوى فى الأدمال، وقيل: إن أصله عظيم النفع من لدغ العقارب.
كيفية استعماله: يستعمل شربا وضمادا، كمية ما يستعمل منه مثقال، مضرته بالصدر إصلاحه الأدهان بدله قرط.
وفى القاموس عن أبى باقل الحضرمى: بلغنى أن نبيا ﵊ شكا إلى الله تعالى الحفر فأوحى إليه أن كل اللّبخ انتهى.
وقال السيوطى اللّبخ ثمر بقدر اللوز الأخضر إلا أن المأكول منه الظاهر وقال فى موضع آخر وخشب اللّبخ أملح من الأبنوس اليونانى، ويظهر مما نقله دساسى عن ديوسقورديس أن شجر البرسيا كان كثيرا فى الأقاليم المصرية القبلية والبحرية، وفى زمن غليان كان يوجد منه كثير فى أرض الإسكندرية وبساتينها./
وقال بوزانياس فى تأليفه سنة ١٧٤ من الميلاد، أن البرسيا توجد فى شواطئ النيل وفى مبادئ القرن الثالث من الميلاد شاهد إيليان غابة منه فى الإسكندرية، وفى زمن الرومانيين صدرت أوامر بالمحافظة على هذا الشجر؛ ولعل سبب ذلك أخذه فى التناقص بسبب إهماله، ويظهر من جميع أقوال مؤرخى العرب أن اللّبخ شجر فى الصعيد.
стр. 2324
وقال المقريزى فى التكلم على عجائب مصر، وبها أى بمصر الأفيون عصرة الخشخاش ولا يجهل منافعه إلا جاهل، وبها اللّبخ وهو ثمرة قدر اللوز الأخضر كان من محاسن مصر إلا أنه انقطع سنة سبعمائة من الهجرة.
وقال ابن إياس فى تاريخه: وكان بها أى بمصر نوع يسمى اللّبخ وهو مثل اللوز الأخضر ويظهر من جميع ما يقدم، أن هذه الشجرة كانت فى الأزمان السالفة كثيرة ثم أخذت فى النقص من زمن القيصر أرقاد (١)، وهنوريوس فى أوائل القرن الخامس من الميلاد، ولما استولى المسلمون على مصر قلت فى الأقاليم القبلية وانقطعت من الأقاليم البحرية.
وفى زمن عبد اللطيف البغدادى صارت نادرة جدا وبعد ذلك بقرن انعدمت بالكلية، وقال بعض من ساح فى مصر فى سنة ١٧٩١ ميلادية: أن شجرة البرسيا تزرع إلى الآن ببساتين مصر وتعرف باسم سبستان، وهى كلمة فارسية معناها المخيط، أورد ذلك دساسى وأورد كلام المتقدمين شاهدا على رده، وقال: إن جميع مؤلفى العرب ذكروا النوعين بخواص وصفات مختلفة فمن ذلك قول إبراهيم بن أبى سعيد المتقدم ذكره فى الكلام على السبستان حيث قال: سبستان الماهية مخاطية، النوع واحد، الاختيار الكثير اللحم المزاج معتدل القوة، ملين منضج منفعته من أعضاء الرأس، يقع فى أدوية الكلف، منفعته فى آلات النفس، يلين الحلق والصدر وينفع من السعال اليابس، منفعته فى أعضاء الغذاء، يلين البطن ويسكن العطش ويسهل السوداء، ويخرج الحيات من البطن ويحتقن بطبيخه فينفع من وجع الظهر، والقولنج مضرته يرخى المعدة بدله عناب.
وقال ابن البيطار: سبستان هو المخيطا، ومعنى سبستان بالفارسية أطباء الكلبة (ثديها) (قال) إسحاق بن عمران، المخيطا: هى الدبق بالعربية وهو شجرة تعلو على الأرض نحو قامة، وقال دساسى أن ابن البيطار قد أخطأ فى قوله إن معنى سبستان أطباء
стр. 2325
الكلبة، ولعل المراد أن هذا النوع يسمى أطباء الكلبة كما يسمى سبستان، وشجر الأثأب المذكور فى أوّل العبارة يذكر كثيرا فى كتب العرب المتعلقة بالنباتات، قال الجوهرى أثأب شجر: واحدته أثأبة قال الكميت:
وغادرنا المقاول فى مقر … كخشب الاثأب المتغطرسينا
والمقاول جمع مقول قال فى القاموس مقول كمنير، الملك أو من ملوك حمير اه.
وفيه أيضا ضرف ككتف: شجر التين الواحدة ضرفة أو من شجر الجبال يشبه الأثأب فى عظمه وورقه له تين أبيض مدوّر مفرطح، كتين الحماط الصغار مر، يضرس يأكله الناس والطير والقرود، وقال فى كلمة حماطة. الحماطة: شجر شبيه بالتين أحب شجر إلى الحيات أو التين الجبلى أو الأسود الصغير أو الجميز ج الحماط.
وفى هامش على ابن سينا قد كتب الحماض: بالضاد لا بالطاء والأصح كما قال دساسى أن الحماض بالضاد غير الحماط بالطاء، وأن الذى بالضاد نوع من الليمون المر ذكره السيوطى مع غيره فى ذكر فواكه مصر، فقال: الحماض والكباد والموز الكثير وقصب السكر والرطب والعنب والتين والرمان والتوت اه.
وأما شجر الدلب فقال فرسقال: هو شجر تسميه العرب تولق أو تالق ويسمى بالفارسية جنار، وفى الترجمة العربية لكتاب ديوسكوريدس قد ترجم أفلاطانوس وهو الاسم اللاتينى بالدلب، وفى كتاب الأنيس المفيد لدساسى نقلا عن القزوينى أن شجر الدّلب من أعظم الأشجار وأعلاها وأبقاها، فإذا طالت مدتها يتفتت جوفها ويبقى ساقطا مجوفا، وورقها يشبه الأصابع الخمس وتهرب منها الخنافس؛ ولذا تجعلها بعض الطيور فى أوكارها مخافة الخنافس، قال الشيخ الرئيس: دخانه أقوى من ذلك والخنافس تموت من أوراقها،
стр. 2326
وقال دساسى. إن الحق أن الذى يموت منه هو الخفاش- (الوطواط) -لا الخنافس لأن ذلك هو الموجود فى كتب إليان وبلين، فلعل عبارة الخنافس محرفة عن الخفاش لتقارب الحروف، ولهذا الشجر ثمر سماه القزوينى جوز السر، وصوب دساسى أنه جوز السرو وبالواو بعد الراء وفى القزوينى أنه يعمل من ثمره ضماد ينفع من قرص الأفاعى انتهى.
ترجمة أبى حنيفة الدينورى الطبيب، وإسحاق وابن البيطار
ولنذكر لك ترجمة بعض من أوردنا أسماءهم فى هذه العبارة لزيادة الفائدة فنقول:
أما أبو حنيفة الدينورى على ما ذكره أبو الفداء فقد توفى سنة ٢٨٢ من الهجرة، واسمه أحمد بن داود وله كتاب النبات وكتاب إصلاح المنطق وإسحاق المذكور فى عبارة ابن البيطار توفى سنة ٣٢٠ من الهجرة، وابن/البيطار، هو أبو محمد ضياء الدين عبد الله بن أحمد بن البيطار الطبيب النباتى نزيل القاهرة الأندلسى المالقى مصنف كتاب الأدوية المفردة الذى لم يصنف مثله، كان ثقة فيما ينقله، وإليه انتهت معرفة النبات وصفاته وأسمائه وأماكنه، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم.
قال ابن أبى أصيبعة: شاهدت معه كثيرا من النبات فى أماكنه بظاهر دمشق، وقرأت عليه تفسيرا. فكنت آخذ من غزارة علمه وداريته شيئا كثيرا، وكان لا يذكر دواء إلا ويعين فى أىّ مكان هو من كتاب الأديسقوريدس وجالينوس، وفى أى عدد هو من الأدوية
стр. 2327
المذكورة فى تلك المقالة، وكان فى خدمة الملك الكامل وجعله مقدما عنده وكان بمصر رئيسا على سائر العشّابين وأصحاب البسطات، وكذلك كان حظيا عند الملك الصالح ابن الملك الكامل، وله كتاب المغنى فى الطب وهو جليل مرتب على مداواة الأعضاء، وكتاب الأفعال الغريبة والخواص العجيبة والإبانة والإعلام عما فى المنهاج من الخلل والأوهام، وكتاب الأدوية المفردة المعروف بمفردات ابن البيطار، وتوفى بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة هجرية انتهى من كتاب دائرة المعارف.
وأما غليان، فهو حكيم رومى مشهور، ولد فى بلدته برجام سنة مائة وإحدى وثلاثين من الميلاد، ومات سنة مائتين، وقد درس الفلسفة ثم الحكمة وساح كثيرا، وأقام بالإسكندرية عدة سنين ثم رجع إلى بلاده، وذهب إلى رومة وعمره أربع وثلاثون سنة، وكان حكيما لثلاثة من القياصرة وهو أول حكيم بعد بوقراط، وله مؤلفات كثيرة فى التاريخ والحكمة وبقيت كتبه متداولة بين العرب والفرنج انتهى.
ترجمة ديوسقوريدس
وأما ديوسقوريدس بالقاف أو بالكاف فهو حكيم يونانى كان فى القرن الأول من الميلاد وترك ستة كتب فى المواد الكلية، صارت منبعا تأخذ منه العلماء خواص النبات القديمة.
وأما تيوفرست فهو فيلسوف يونانى ولد قبل الميلاد بثلاثة وسبعين سنة فى أرسوس مدينة من جزائر ليسبوس ذهب إلى أثينة صغيرا، وتعلم على أفلاطون وأرسطو واختاره أرسطو ليقوم مقامه فى التدريس عند انقطاعه عن ذلك فى آخر عمره سنة ثلثمائة واثنتين وعشرين، ومات وعمره خمس وثمانون سنة أو مائة وسبعة، وكان محبوبا لجميع الناس وحزنوا عليه، وكان له يد فى جميع العلوم مثل أستاذه أرسطو، وألف نحو مائتى رسالة لم يبق منها إلا القليل، وترجم كثيرا من كتبه بألسنة مختلفة انتهى.
стр. 2328
ترجمة ابن سينا
وفى كتاب دائرة المعارف أن ابن سينا: هو أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا البخارى المشهور بالشيخ الرئيس، كان من أشهر الحكماء والأطباء العرب، فهو بقراط الطب وأرسطو الحكمة عند العرب والفرنج، وقد جمع فى فسيح صدره كتابات أرسطو، وأودع فى خزانة معارفه حكمه وقواعده، وقد نقل الفرنج عنه أكثر ما عندهم من كتابات جالينوس وبقراط ونشروا أشهر تأليفه فى اللغة العربية، وترجموا أكثرها فى لغاتهم وافتخر به الشرق ومدحه الغرب.
كان أبوه من أهل بلخ وانتقل إلى بخارى وبها ولد المترجم وأخوه، وتنقل المترجم بعد ذلك فى البلاد، ولما بلغ عشر سنين اتقن علم القرآن والأدب وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهند والجبر والمقابلة، ثم توجه نحوهم الحكيم أبو عبد الله النائلى فأنزله أبوه عنده، فابتدأ الرئيس ابن سينا يقرأ عليه كتاب إيساغوجى وأحكم عليه علم المنطق، ولما انصرف النائلى من عنده اشتغل هو بتحصيل العلوم والطبيعيات والإلهيات وغير ذلك، ثم رغب فى علم الطب وتأمل الكتب المصنفة فيه، وعالج من احتاج لا على طريق الاكتساب بل تأدبا وممارسة، حتى فاق الأوائل والأواخر فى أقل مدة، فكان فضلاء هذا الفن يختلفون إليه ويقرؤون عليه وكان عمره إذ ذاك نحو ست عشرة سنة، وفى مدة اشتغاله لم يتم ليلة بكمالها، وإذا أشكلت عليه مسئلة توضأ وقصد المسجد وصلى ودعا الله أن يسهلها عليه.
стр. 2329
وقد عالج الأمير نوح بن نصر صاحب خراسان فبرأ على يده بإذن الله، فأدخله مكتبة له فيها من كل فمن من الكتب النادرة الوجود، فاستفاد منها أشياء لم يدركها سواه، واتفق أن المكتبة احترقت بعد مدة فقيل: إنه هو السبب فى إحراقها لقصد أن ينفرد بالمعارف، ولم يكمل عمره ثمان عشرة سنة حتى أكمل العلوم بأسرها، وتقلد هو وأبوه الأعمال للسلطان، وكان على زى الفقهاء يلبس الطيلسان وانتقل إلى كركانج قصبة خوارزم، ثم إلى نيسابور وإلى دهستان، وإلى جرجان وصنف بها الكتاب الأوسط ولذا يقال له الأوسط الجرجانى، ثم انتقل إلى الرى، ثم إلى قزوين ثم إلى همذان، وتقلد الوزارة لشمس الدولة مدة، ثم انتقل الى أصبهان.
وله من التصانيف ما يقارب المائة ما بين مختصر ومطول منها: كتاب الشفاء فى الحكمة، وكتاب النجاة، والإشارات، والقانون وغير ذلك، وهو أحد فلاسفة المسلمين، وبالجملة ففضائله مشهورة وكانت ولادته فى شهر صفر سنة ثمانين وثلاثمائة وتوّفى بهمذان يوم/الجمعة من رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ودفن بها.
قال ابن الوردى فى تاريخه المشهور: إن الغزالى كفّر ابن سينا فى كتابه «المنقد من الضلال»، وكفر الفارابى أيضا قال. قال: فى المنقذ من الضلال إن مجموع ما غلطا فيه من الإلهيات يرجع إلى عشرين أصلا، يجب تكفيرهما فى ثلاثة منها وتبديعهما فى سبعة عشر.
أما المسائل الثلاث فقد قالا: إن الأجساد لا تحشر وإنما المثاب والمعاقب الأرواح، وقالا: إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، وقالا: بقدم العالم واعتقاد هذا كفر صريح نعوذ بالله منه انتهى.
وقد أطال المقريزى الكلام على مدينة أنصنا فراجعه وفى آخر حدودها من الجهة الغربية القرية المعروفة الآن بالشيخ عبادة من قسم ملوى بمديرية أسيوط، سميت باسم ولىّ مدفون بها وله فيها جامع بمنارة، وللأهالى فيه اعتقاد كبير، ويكثرون من زيارته وبعضهم يعتقد أنه
стр. 2330
صحابى، وبها نخيل كثير، وأغلب أطيانها فى جزيرة فى البحر يزرع فيها أنواع الحبوب، وبعض أطيانها على شاطئ البحر، وهو شاطئ قليل السعة ممتد بطول خراب أنصنا يزرع فيه الذرة، وأكثر أطيانها يسقى بآلات لعلوها والجبل بعيد عنها بنحو نصف ساعة ويجتمع مع البحر قبلى الشيخ تمى، ومن محل الاجتماع إلى آخر مدينة أنصنا من بحرى وطوله نحو ثلث ساعة يسمى ذلك الجبل بجبل الشيخ تمىّ، وفى أعلاه ورشة يستخرج منها جبس جيد، وبجوار البحر فيه ورشة أحجار ودبش، وفى آخر خراب أنصنا من قبلى قرية تسمى دير أبى حنس أغلب أهلها نصارى ويقابلها فى الغرب قرية البياضية، وفى خراب أنصنا أيضا كوهرجلة لاستخراج ملح البارود مستعملة إلى الآن وموقعها بحرى الشيخ عبادة.
أنطيل
قال العالم لرشى: إنها مدينة من مدن مصر واقعة فى غربى الفرع الجنوبى على قرب منه وفى الشمال الغربى لمدينة نقراطس، وبقربها مدينة أركاندر وتسمى أركاندروبوليس بقرب الفرع الجنوبى أيضا لكن ميلها إلى الجنوب بالنسبة إلى هذا الفرع أكثر من ميل أنطيل إليه.
وكانت مدينة أنطيل من ضمن إقطاعات نساء ملوك مصر برسم أثمان نعالهن، ونقل أن أثينة كانت برسم أحزمتهن.
وقال هيرودوط: إن النيل عند فيضانه يعم الأرض فلا يرى غير المدن شبيهة بالجزائر فى وسط البحر وتسير السفن فى وسط الأراضى ولا تتقيد بالخلجان، فمن يريد السفر من مدينة كانوب الواقعة على البحر إلى مدينة نقراطس يمر بقرب مدينة أنطيل ومدينة أركاندر، ومن يقصد منفيس من مدينة نقراطس يمر على الأهرام على خلاف الملاحة المعتادة، والمعتاد هو طريق الدلتا- (ملتقى البحرين) -إلى مدينة سركزورا.
стр. 2331
وفى كتاب هيرودوط أيضا أنه كان يستخرج بهذه البلدة نوع من النبيذ هو أجود أنواعه، وقيل: إن أجودها المستخرج من جهات مريوط والإسكندرية، وأما المستخرج من مدينة قفط فكان على غاية من الخفة حتى كان يستعمل لشفاء المرضى، قال: وكان القسيسون لا يدخلون النبيذ فى المعابد إذ لا يجوز أن يشرب أمام المقدسين، وكان بعض الكهنة يتعاطاه قليلا فى غير أوقات العبادة ومطالعة العلوم وكانت تلك الأوقات كثيرة، وكان الملوك من الكهنة لا يتعاطون منه إلا مقدارا لا يتجاوزونه، وفى زمن الملك بسماتيكوس فشا أمر النبيذ وازداد فشوه فى زمن البطالسة واستمر على ذلك.
أهريت
قرية من قسم العجميين ببلاد الفيوم غربى جردو وغربى مطول أيضا إلى جهة بحرى، ومجاورة لناحية العتامنة والمزرعة، وبها نخيل وسوقها كل يوم ثلاثاء ولأهلها شهرة فى زرع البطيخ والمقاثئ فى موضع يعرف بالعربن (١) شرقى وادى النزلة، ولهم شهرة أيضا فى تربية النحل واستخراج عسله، ومن بيوتها المشهورة بيت على الدهشان وأولاده إلى الآن هم عمدها.
أهناس (٢)
اسم لثلاث قرى متجاورة من مديرية بنى سويف فى جنوب اللاهون على نحو ستة أميال، كبراهن واقعة على جسر النويرة فى المحل المعروف بالباطن، وهو محل اجتماع المياه قبل عمل الجسور، وكان عرضه هناك نحو تسعين قصبة وقد سدّ بعمل الجسور سنة خمس وأربعين ومائتين وألف فى عهد أحمد باشا طاهر.
стр. 2332
والقرى الثلاثة مع قرية منشأة أهناس يظهر أنها موضوعة فى محل المدينة القديمة التى كانت تسمى أهناس أو أهناسية، وكانت متسعة جدا مساحتها نحو ألف فدان، وكانت قاعدة إقليم يشتمل على خمس وتسعين قرية، وفى بعض العبارات أنها كانت كرسى المديرية، والظاهر أنها هى المدينة التى سماها اليونان هرقليوبوليس مانيا، وقال مرييت إن هذه المدينة ينسب إليها فراعنة العائلتين التاسعة والعاشرة ومدة الأولى مائة وتسع سنين، ومدة الثانية مائة وخمس وثمانون سنة.
وفى بعض الأعصر كانت من إقليم البهنسا وكانت قديما ذات أسقفية وكانت على الشط الغربى لبحر يوسف وفى خطط /الفرنساوية، إن اسم هيرقليوبوليس كان لمدينتين هذه إحداهما على ما قدّره بطليموس من طولها وعرضها، والآثار التى هناك تدل على أنها كانت مدينة مهمة كما وصفنا.
وذكر استرابون أن النّمس كان مقدسا عند أهل أهناس من بين الحيوانات، كما أن التمساح كان مقدسا عند أهالى الفيوم، ويقال: إن للنمس كراهة شديدة فى التمساح والثعبان، وأنه يأكل بيض التمساح، وإذا رآه فاتحا فاه اندفع فيه ونهش أحشاءه، ويقال: إن كراهته للتمساح هى السبب فى تقديسه عند أهل أهناس.
وذلك أنه كان بينهم وبين أهل الفيوم عداوة شديدة حدثت بعد حفر بحيرة مريس وتوصيل ماء بحر يوسف إليها لأجل تخزين ماء النيل لمصالح الفيوم، فنشأ عن ذلك نقص بحر يوسف عما كان عليه أولا فى مديرية بنى سويف، فحصل من ذلك اضمحلال حال مدينة هيرقليوبوليس، فحملهم ذلك على تقديس ما يكره مقدس أولئك انتهى.
стр. 2333
وقد مر أن المصريين إنما كانوا يقدسون الحيوانات لخواص فهموها فيها، وأن الذى فى كتب المؤرخين عنهم إنما هو أمور إشارية ملغزة كانوا يقصدون منها غير ما يظهر لنا من ألفاظها، وبالبحث والتفتيش مع طول الزمن ربما يعلم حقيقة ما قصدوه، وقد وجد فى كثير من المعابد والهياكل صورة النمس، وربما وجدت مصنوعة من المعادن، وتقديس أهالى الفيوم للتمساح لكونهم كانوا يعتبرونه مبشرا بالنيل، فكانوا يجعلونه علما على دخول النيل أرضهم، بمعنى دخول البركة والرخاء، ولم يعلم سبب تسمية هذه المدينة باسم هيرقليوبوليس إلا أن يقال: إنه مأخوذ من اسم هيرقول الذى كان معدودا من الطبقة الثانية من مقدسى المصريين، وكان علما على القوة الدافعة لجميع المضار عن أرض مصر الجالبة لخصوبتها.
وحيث إن النيل الذى به الخصوبة كان يطلق عليه إسم أوزريس، وكان هيرقول من رؤساء جيشه، كان ذلك الاسم دليلا على الخلجان المفرعة عنه الموجبة دخول المياه فى جميع الأراضى، سيما الخلجان المتطرفة المجاورة للصحراء المانعة رمالها من أن تدخل أراضى الزراعة فتفسدها، ومن أعظمها بحر يوسف، فسميت هذه المدينة بهذا الاسم لهذا السبب-انتهى- من بعض كتب الفرنج وكان بإهناس شجر النبق المغربى كما فى بعض كتب التواريخ، ولعله هو الذى عبر عنه المقريزى فى خططه بشجر اللّبخ.
وكان بجوارها دير على شاطئ النيل يقال: له دير النور فيه بناء مشرف مركب من خمس طبقات عالية جميلة الصناعة وجميع الدير مستور بحائط. وفى داخله أربعمائة نخلة متناسقة الشكل، وقد أخرج من تلال أهناس طوب كثير استعمل فى أبنية كثير من الكوهرجلات التى هناك، وفى جهتها البحرية على نحو ساعة ونصف. قرية سدمنت الجبل فوق الشاطئ الغربى للبحر اليوسفى بقرب الجبل، وعندها فى الجهة البحرية بالجبل دير عامر بالنصارى، وتمر فى قبليه سكة حديد الفيوم الخارجة من سدمنت يسافر بها فى الجبل ساعة ونصف، ثم ينزل على بحر قنبشة وبحر الغرق، ومن هناك إلى مدينة الفيوم مسافة ساعتين ونصف فى طريق فى أرض المزارع، وطريق الجبل تمر بين الجبل وبحر الغرق، لأن البحر ملاصق للحجر.
стр. 2334
أولاد إسماعيل
قرية من مديرية جرجا بقسم سوهاج فى جنوب بنويط بأقل من ساعة وفى الشمال الغربى لشندويل، كذلك وفى غربى المراغة بنحو ساعة، وفى شرقى جهينة بنصف ساعة.
واقعة فى وسط أرض جيدة خصبة، وأهلها أصحاب يسار وأبنيتها حسنة، وفيها مساجد عامرة ونخيل قليل، وفيها عائلتان مشهورتان عائلة أولاد مكى فى جهتها البحرية لهم أبنية مشيدة، وعائلة أولاد همام فى جهتها الجنوبية الشرقية لهم أبنية فاخرة ومناطر بالزجاج والبياض، ولهم كرم زائد ومهارة فى رماحة الخيل ويقتنون جيادها، وكان منهم ناظر قسم فى زمن العزيز محمد على باشا، ثم حاكم خط فى زمن الخديوى إسماعيل باشا، وأرضها تروى من ترعة يقال لها ترعة أم عليلة فمها عند سوهاج.
ترجمة الفاضل الشيخ أحمد الإسماعيلى المالكى
وإليها ينسب الفاضل الشيخ أحمد أبو السعود الإسماعيلى المالكى، جاور بالجامع الأزهر على كبر يقال: إنه كان ملحقا بنظام الجهادية فهرب والتحق بالأزهر، وكان يقرأ الخط فأخذ فى طلب العلم وجد واجتهد وحفظ المتون وسهر الليالى، وكل يوم تزداد همته واجتهاده مع الصلاح والتقوى حتى فتح الله عليه وتلقى جميع الكتب التى تقرأ بالأزهر واشتهر بالنجابة والصلاح.
ولازم الشيخ مصطفى البولاقى، ومن بعده لازم شيخ المالكية قطب زمانه الشيخ محمد عليش المغربى فكان من أخصائه، وتلقى عن الشيخ إبراهيم البيجورى، وشيخ المالكية الشيخ حبيش وغيرهما من مشايخ العصر.
стр. 2335
وأذن له فى التدريس. فدرس الكتب الكبيرة والصغيرة من فقه وحديث وتفسير وعربية، وكان حسن التعليم مرغوبا للطلبة، مع أنه كان شديدا عليهم يلزمهم التأدب والالتفات وربما ضربهم على ذلك، وكان متقشفا يلبس/ثياب الصوف ويتلفع بملاآت القطن الإخميمية على هيئة ملابس أهل الصعيد ويتكلم أيضا بكلامهم، ولا يخالط أهل الدنيا ولا أهل البطالات، وإذا أراد قراءة كتاب للطلبة فلا بد أن يطالعه فى أشهر البطالة زيادة على المطالعة المعتادة للمشايخ، ولإكبابه على المطالعة كان لا يرى النيل إلا نادرا بل كان مسكنه الأزهر لا يهنأ له البيات بغيره، وله خزانة صغيرة من خزن الأزهر التى بالمقصورة. كان يضع فيها متاعة فكانت هى بيته وليس له متاع إلا ثيابه وبعض دراهم وقليل من القراقيش فى بعض الأحيان، وهو من عائلة أشراف من قرية كوم أشقاو بقسم طهطا من مديرية حرجا.
وكان كثير الأمراض تراه فى الليل بالأزهريئن أنينا شديدا، فإذا أحس بأحد عنده ترك الأنين، واستيقظ ليلة فوجد شخصا يبول عليه فلم يتحرك حتى أتم الرجل بوله خوفا من تلويث المسجد إذا بادر بالقيام، وبالجملة فكان أورع أهل وقته وكان موته قبيل سنة ثمانين ومائتين وألف ﵀
أولاد رائق
قرية من أعمال أسيوط بلصق جسر مسرع من الجهة البحرية وغربى ترعة الإبراهيمية بنحو أربعمائة متر، وفى الجنوب الشرقى لناحية مسرع بنحو ألفى متر، وغربى بنى حسين الجسر كذلك.
стр. 2336
ترجمة الشيخ أحمد الرائقى المالكى
وينسب إليها العلامة الشيخ أحمد الرائقى المالكى كان مكفوف البصر، ويقال: إنه طلب العلم على كبر حضر إلى الأزهر وسنه نحو الأربعين، ولجودة ذهنه وقوة حافظته حصل فى زمن يسير ما استحق به التصدر فكان لا يسمع شيئا إلا حفظه، وكانت له دراية فى المذاهب الأربعة عليه رحمة الله.
أولاد عمر
قرية بالصعيد الأعلى من قسم قنا على الشاطئ الشرقى للنيل، ويقابلها فى البر الغربى ناحية دندرا، وفى بحريها قرية السمطة، وفى هاتين القريتين-أعنى أولاد عمر والسمطة- والبلاد المجاورة لهما شجر الدّوم بكثرة، وأول كثرته من ابتداء ناحية دشنا ومنبل مصعدا إلى ناحية طوخ من قسم قنا، وهناك شجر النخل أيضا.
وخشب الدّوم أقوى من خشب النخل، ومن خواصه أنه لا يغيره طول الإقامة فى الماء، فلذا يستعمل فى أحزمة القناطر ويوضع فى أساس السّواقى والآبار، ويعمل منه أيضا أبواب للمنازل وسقوف وشبابيك، ويعمل من سعفه القفف والزنابيل والمرجونات، وجريده قصير عن جريد النخل، وله أسنان سود من الجانبين فى طول الجريدة تشبه أسنان المنشار، وثمره فى الغلظ قريب من الجوز الهندى وله سباطات كسباطات النخل، ويستعمل أكلا وتارة ينقع ويشرب ماؤه لا سيما للمرضى، فإن له منافع فى نحو الدموية، والذى يؤكل أو ينقع منه هو ما على ظهر الثمرة، وباقيها عظم غليظ قد يعمل منه بعض الفقراء علبا للنشوق.
стр. 2337
وشجره أوّلا يكون أصلا واحدا ثم بعد ارتفاعه نحو مترين يتفرع إلى فرعين، ثم بعد ارتفاعهما نحو مترين يتفرع كل منهما إلى فرعين، وهكذا حتى يكون فروعا كثيرة. ويوجد كثير منه فى الجبال من غير زرع زراع، كما فى ناحية جهينة بالجبل الغربى من قسم سوهاج بمديرية جرجا، وكما فى ناحية القوصة بجبل الطارق من شرق أولاد يحيى بمديرية جرجا، ويوجد أيضا فى جزيرة العرب بأرض مكة، وثمره يعرف بالمقل المكى وهو أجود من المقل المصرى وأحلى، ومنه ما يوجد فى بلاد الأندلس لكن ثمره لا يتم نضجه قاله دساسى.
ونقل أيضا عن ابن البيطار عن أبى حنيفة أن الدوّم هو المقل، وهى شجرة تعبل وتسمو ولها خوص كخوص النخل وتخرج أفنانا فيها المقل، ويقال لخوصها الطفى والأسلم وهو قوى متين، يصنع منه حصر وغرائر، وثمره هو المقل والوقل، ورطبه البهش، ويبيسه الحشف، وتعمل منه السويقة وتسمى بالحسك قيل: إن الكهربا رطوبة تقطر من ورق شجر الدوم شبيهة بالعسل ثم تجمد، قاله صاحب السراج المغنى قال: وقد يوجد فى داخله الذباب، وقال ابن سينا: الكهربا صمغ شجر الجوز الرومى بالجيم والزاى، وهو صمغ كالسندروق بين الصفرة والبياض، وربما كان إلى الحمرة يجذب التبن والهشيم إلى نفسه، وأصله كلمتان كاه وربا أى سالب التبن.
وقال أيضا: شجرة الجوز الرومى تنبت فى النهر الذى يسمى ليردانوس له صمغ يسيل منه ويجمد فى النهر، وهو الذى يسمى أيلقطرون وهو الكهربا.
وحقق بعض الفرنج أن اسم تلك الشجرة الحور الرومى بالحاء والراء المهملتين، وفى ترجمة ديوسكوريدس الحور الرومى: هو الحور الأسود، وعلى هذا فهو حور إيطاليا وبلاد اللونبارديا، وقال بذلك ابن العوام أيضا فى كتاب الزراعة، وإن لفظ السندروق صوابه السندروس بالسين فى آخره، ونقل عن ابن سينا أنه صمغ شجرة فى الهند وقد تحقق أنها شجرة الكبال.
стр. 2338
ونقل دساسى عن بعض مؤلفى العرب، ما نصه: الكهربا يجذب القش والتبن وهو شجر الجوز الرومى، وقد يتولد فى وجه الأرض كالحصى وأجوده المسمى بالشمعى لكونه مجزعا ببياض أصم ويجذب القش أكثر ورائحته تشبه رائحة/الليمون يوجد بالأندلس وبسواحل البحر تحت الأرض وبأوجات- (بلاد الأوجات) -ويوجد قطعا قطعا يجمعه الحراثون وقيل هو رطوبة شجر الدوم انتهى.
أولاد يحيى
قرية من قسم جرجا فى شرقى النيل، وفى شرقى البلابيش بقرب الجبل، وفى شمال مزانة بنحو ثلثى ساعة، وهى قرية عامرة ذات مساجد ونخيل ومضايف وفيها جياد الخيل، ولأهلها كرم وشهامة يترفعون عن سفاسف الأمور لا تخرج نساؤهم ولا يدخل الرجال بيوتهم ولو من أولادهم ويكرمون ضيفهم ويحمون نزيلهم.
ومن أهلها على أغا البهنساوى عمدة شهير كان ناظر قسم الشرق من تلك المديرية زمن العزيز محمد على. وفى هذه القرية مات الأمير رضوان كتخدا الجلفى فى سنة ١١٦٩ ألف ومائة تسع وستين، وهو مملوك على كتخدا الجلفى، تقلد كتخدائية باب العزب بعد قتل أستاذه بعناية عثمان بيك ذى الفقار، ولم يزل يراعى لعثمان بيك حقه وجميله حتى أوقع بينهما إبراهيم كتخدا، ولما استقرت الأمور له ولقسيمه إبراهيم كتخدا اعتكف المترجم على لذّاته وفسوقه وخلاعاته ونزاهاته، وأنشأ عدة قصور وأماكن بالغ فى زخرفتها وتأنيقها وخصوصا داره التى أنشأها على بركة الأزبكية، وأصلها بيت الدادا الشرايبى، وهى التى على بابها
стр. 2339
العمودان الملتفان المعروفة عند أولاد البلد بثلاثة ولية، وعقد على مجالسها العالية قبابا عجيبة الصنعة منقوشة بالذّهب المحلول واللاّزورد والزجاج الملون والألوان المفرحة، ووسّع قطعة الخليج بظاهر قنطرة الدّكة، بحيث جعلها بركة لطيفة وبنى عليها قصرا مطلا عليها وعلى الخليج الناصرى من الجهة الأخرى.
وكذا أنشأ فى صدر البركة مجلسا خارجا بعضه على عدة قناطر لطيفة، وبعضه داخل الغيط المعروف بغيط المعدية، وبوسطه بحيرة تمتلئ بالماء من أعلى، وينصب منها إلى حوض من أسفل ويجرى إلى البستان لسقى الأشجار، وبنى قصرا آخر بداخل البستان مطلا على الخليج وعلى الأملاق من ظاهره، فكان ينتقل فى تلك القصور خصوصا فى أيام النيل، ويتجاهر بالمعاصى والراح والوجوه الملاح وتبرج النساء ومخالع أولاد البلد، ومنع أصحاب الشرطة من التعرض للناس فى أفعالهم.
وهو الذى عمر باب القلعة الذى بالرميلة المعروف بباب العزب وعمل البدنتين والزلاقة على هذه الصورة الموجودة الآن، وقصدته الشعراء ومدحوه بالقصائد والمقامات والتواشيح، وأعطاهم الجوائز السنية وداعب بعضهم بعضا، فكان يغرى هذا بهذا ويضحك منهم ويباسطهم.
واتخذ له جلساء وندماء: منهم الشيخ مصطفى اللقيمى الدمياطى صاحب المدامة الأرجوانية فى المدائح الرضوانية، وامتدحه العلامة الشيخ يوسف الحفنى، والشيخ عمار القروى، والشيخ قاسم بن عطاء الله الأديب المصرى، وجمع فيه الشيخ عبد الله الإتكاوى كتابا سماء الفواتح الجنانية فى المدائح الرضوانية.
стр. 2340
ولم يزل رضوان كتخدا وقسيمه إبراهيم كتخدا على إمارة مصر ورآستها حتى مات إبراهيم كتخدا، فتداعى بموته ركن المترجم وظهر شأن عبد الرحمن كتخدا القازدغلى وراج سوق نفاقه، وأخذ يعضد مماليك إبراهيم بيك كتخدا ويغريهم ويحرضهم على الجلفية لكونهم مواليه، ليخلص له بهم ملك مصر فيظن أنهم يراعون حق ولائه وسيادة جده، فكان الأمر عليه بخلاف ذلك، وكانوا يظهرون له الانقياد ويرجعون إلى رأيه ومشورته ليتم لهم المراد، وكل من أمراء إبراهيم كتخدا والأكابر وأصحاب الوجاهة متطلع للرياسة: مثل حسن كتخدا أبى شنب، وعلى كتخدا الخربتلى، وإسماعيل كتخدا مناو، وخليل جاويش حصان مصلى، وبيت الهياتم وبيت درب الشمس، وعمر جاويش الدّاودية، وبيت قصبة رضوان وبيت الفلاح وغيرهم، فأخذ اتباع إبراهيم كتخدا يدبرون فى اغتيال رضوان كتخدا وإزالته، فتنبه رضوان كتخدا لذلك واتفق مع حلفائه وملك القلعة والأبواب والمحمودية وجامع السلطان حسن وكاد يتم له الأمر، فسعى عبد الرحمن كتخدا والاختيارية فى إجراء الصلح، ولم يزالوا به حتى انخدع بكلامهم وصدقهم ففرق الجمع ونزل إلى بيته الذى بقوصون، فاغتنموا الفرصة وبيتوا أمرهم ليلا، وملكوا القلعة والأبواب والجهات والمترجم فى غفلته، فلم يشعر إلا وهم يضربون عليه بالمدافع وكان المزين يحلق له رأسه فسقطت على داره الجلل، فأمر بالاستعداد فلم يجد، فطلب من يركن إليهم فلم يجد أحدا، ووجدهم قد أخذوا حوله الطرق فحارب فيهم إلى قريب الظهر، وخامر عليه أتباعه فضربه مملوكه صالح الصغير برصاصة من خلف الباب الموصل لبيت الراحة فأصابته فى ساقه وهرب مملوكه إلى الأخصام، وكانوا أوعدوه بإمرة إن قتل سيده، فلما حضر وأخبرهم أمر على بيك بقتله، وعندما أصيب المترجم طلب الخيول وركب فى خاصته وخرج إلى جهة البساتين فلم يتبعه أحد ونهبوا/داره، ثم ذهب إلى جهة الصعيد فمات بشرق أولاد يحيى فى السنة المذكورة ودفن هناك، فكانت مدته بعد قسيمه ستة أشهر، وتفرقت صناجقه بعضهم إلى الحجاز وبعضهم إلى بغداد وغيرها، فكانت مدتهما جميعا نحو سبع سنوات انتهى ملخصا من الجبرتى.
стр. 2341
أيلة
بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية ولام وهاء التأنيث، مدينة صغيرة كانت بطريق ركب الحاج المصرى بقرب ساحل بحر القلزم وكان بها زرع يسير، وهى مدينة اليهود الذين جعل منهم القردة والخنازير، وبقرب عقبتها دفن الشيخ إبراهيم اللّقانى فى مرجعه من الحج سنة إحدى وأربعين بعد الألف قاله فى خلاصة الأثر.
وقال المقريزى (١) فى خططه: ذكر ابن حبيب أن أثال بضم أوّله ثم ثاء مثلثة وهو وادى أيلة، وأيلة بفتح أوله على وزن فعلة، مدينة على شاطئ البحر فيما بين مصر ومكة سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم ﵇، وأيلة أول حد الحجاز وقد كانت مدينة جليلة القدر على ساحل البحر المالح، بها التجارة الكثيرة وأهلها أخلاط من الناس، وكانت حد مملكة الروم فى الزمن الغابر، وعلى ميل منها باب معقود لقيصر قد كان فيه مسلحته يأخذون المكس، وبين أيلة والقدس ست مراحل.
والطور الذى كلّم الله عليه موسى ﵇ على يوم وليلة من أيلة، وبينها وبين القلزم ست مراحل فى برية وصحراء، وكانت فى الإسلام منزلا لبنى أمية أكثرهم موالى عثمان بن عفان كانوا سقاة الحج، وكان بها علم كثير وآداب ومتاجر وأسواق عامرة، وكانت كثيرة النخل والزرع، وعقبة أيلة لا يصعد إليها من هو راكب، وقد أصلحها فائق مولى خمارويه بن أحمد بن طولون، وسوّى طريقها ورّم ما استرم منها.
وكان بأيلة مساجد عديدة وبها كثير من اليهود ويزعمون أن عندهم برد النبى ﷺ وأنه بعثه إليهم أمانا، وكانوا يخرجونه رداء عدنيا ملفوفا فى الثياب قد أبرز منه قدر شبر فقط.
стр. 2342
ويقال إن أيلة هى القرية التى ذكرها الله تعالى فى كتابه حيث قال ﴿وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١).
وقد اختلف فى تعيين هذه القرية، فقال ابن عباس ﵄ وعكرمة والسّدى هى أيلة، وعن ابن عباس أيضا أنها مدينة بين أيلة والطور، وعن الزهرى أنها طبرية، وقال قتادة وزيد بن أسلم: هى ساحل من سواحل الشام بين مدين وعينونة، يقال لها معناة، وسئل الحسين بن الفضل: هل تجد فى كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتا، والحرام يأتيك جزافا فقال نعم: فى قصة أيلة ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾. (١)
قال وذكر المسعودى أن يوشع بن نون ﵇ حارب السّميدع بن هرمز بن مالك العلقمى ملك الشام ببلد أيلة نحو مدين وقتله واحتوى على ملكه.
وذكر بعض ما ورد من أخبارها، ثم قال: قال ابن إسحاق، لما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة (٢) بن رؤبة صاحب أيلة وصالحه وأعطاه الجزية، وأتاء أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم كتابا فهو عندهم وكتب ليحنة (١) بن رؤبة:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبى رسوله، ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفتهم وسائرهم فى البر والبحر لهم ذمة الله وذمة النبى، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ما له دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ولا طريقا يريدونه من برّ أو بحر.
هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ وكان ذلك فى سنة تسع من الهجرة.
стр. 2343
ولم تزل مدينة أيلة عامرة آهلة، وفى سنة خمس عشرة وأربعمائة طرق عبد الله بن إدريس الجعفرى أيلة ومعه بعض بنى الجراح ونهبها وأخذ منها ثلاثة آلاف دينار وعدة غلال وسبى النساء والأطفال، ثم إنه صرف عن ولاية وادى القرى فسارت إليه سرية من القاهرة لمحاربته.
قال القاضى الفاضل: وفى سنة ست وستين وخمسمائة أنشأ الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب مراكب مفصلة وحملها على الجمال وسار بها من القاهرة فى عسكر كبير لمحاربة قلعة أيلة؛ وكانت قد ملكها الإفرنج وامتنعوا بها، فنازلها فى ربيع الأول وأقام المراكب وأصلحها وطرحها فى البحر، وشحنها بالمقاتلة والأسلحة وقاتل قلعة أيلة فى البر والبحر حتى فتحها فى العشرين (١) من شهر ربيع الآخر، وقتل من بها من الإفرنج وأسرهم وأسكن بها جماعة من ثقاته، وقواهم بما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، وعاد إلى القاهرة فى آخر جمادى الأولى.
وفى سنة سبع وسبعين وصل كتاب النائب بقلعة أيلة: أن المراكب على تحفظ وخوف شديد من الفرنج ثم وصل الإيرنس لعنه الله إلى أيلة وربط العقبة، وسير عسكره إلى ناحية تبوك وربط جانب الشامى لخوفه/من عسكر يطلبه من الشام أو مصر، فلما كان فى شعبان من السنة المذكورة كثر المطر بالجبل المقابل للقلعة بأيلة حتى صارت به مياه استغنى بها أهل القلعة عن ورود العين مدة شهرين، وتأثرت بيوت القلعة لتتابع المطر، ووهت لضعف أساسها فتداركها أصحابها وأصلحوها انتهى.
وفى كتاب درر الفرائد المنظمة فى أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة قال صاحب تقويم البلدان: وأيلة كانت مدينة صغيرة وكان بها زروع يسيرة، وهى على ساحل بحر القلزم وعليها طريق حاج مصر، وهى فى زماننا برج وبه وال من مصر، وليس بها زروع، وكان بها قلعة فى البحر فعطلت ونقل الوالى البرج إلى الساحل اه.
стр. 2344
ثم قال قلت: وقد استجدّبها النخل الذى على ساحل البحر وبعض حدائق بالوادى والساحل وجميع ذلك لبنى عطية الحويطات، وإنما لقبوا بذلك لما بنوه من بعض الحيطان على النخل.
وفى كتاب عجائب البلدان: عقبة أيلة قرية صغيرة على جبل عال صعب المرتقى يكون ارتفاعه والانحدار منه يوما كاملا، وهى طرق لا يمكن أن يجوز فيها إلا رجل واحد، وعلى جانبها أودية بعيدة المهوى اه.
انتهى
(تم الجزء الثامن ويليه التاسع أوله «حرف الباء» الموحده)
стр. 2345
(حرف الباء الموحدة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(بابل المصرية)
مدينة كانت على البعد من مدينة عين شمس باثنى عشر ألف متر، بالشاطئ الشرقى من النيل تجاه منف القديمة، واسمها عند بعض أهل الإسلام قصر الشمع. وقد عبر (استرابون) باسم بابلون، وقال: «هى قلعة قديمة محلها الآن قصر الشمع خلف مصر العتيقة، واسمها مأخوذ من اسم البابليين الذى كانوا قد رفعوا لواء العصيان مدة من الزمان، ثم صالحهم حاكم الوقت وسلم لهم فى سكنى هذا المحل» اهـ.
وليست مدينة بابل المصرية مصر العتيقة كما توهمه بعض السلف، كما أن الفسطاط ليس هو القاهرة بل هو مصر العتيقة، وكان بعض الناس يطلق على القاهرة اسم بابل. وسيأتى الكلام عليها في التكلم على الفسطاط.
(الباجور)
قرية بمديرية المنوفية بمركز سبك، واقعة فى الجنوب الغربى لترعة الباجورية بنحو ستمائة متر، وبها خمسة جوامع: جامع الأربعين، وجامع صلاح الدين، وجامع شهاب الدين، وجامع سيدى مزروع، وجامع يونس، وفى كل واحد منها ضريح من ينسب إليه من هؤلاء المشايخ، وزاوية يقال لها زاوية عجور، وفيها معمل دجاج.
وبها إحدى عشرة جنينة ذات فواكه وثمار، واحدة تعلق ورثة المرحوم رستم بيك والعشرة لبعض أهالى الناحية.
مكتبة الأسرة-٢٠٠٨
стр. 2346
وجميع أهلها مسلمون، وعدتهم ذكورا وإناثا ألف وتسعمائة وثمان وتسعون نفسا.
وقد ترقى منها حسن العفيفى بوظيفة حاكم خط بالمديرية فى سنة ست وثمانين. وزمامها ألف ومائتان وأحد وتسعون فدانا، ورىّ أرضها من النيل، وبها ست سواق معينة عذبة الماء، ولأهلها شهرة فى صناعة العرقسوس شرابا، وزرع القطن. وهى قرية عظيمة بسبب ظهور أفاضل العلماء منها.
ترجمة البرهان الباجورى
فإن منها-كما فى حسن المحاضرة (١) -البرهان الباجورى؛ إبراهيم بن أحمد، ولد فى حدود الخمسين وسبعمائة، وأخذ عن الإسنوى، ولازم البلقينى، ورحل إلى الأذرعى بحلب، وكان الأذرعى يعترف له بالاستحضار.
وشهد العماد الحسبانى عالم دمشق بأنه أعلم الشافعية بالفقه فى عصره، وكان يسرد الروضة حفظا، وانتفع به الطلبة ولم يكن فى عصره من يستحضر الفروع الفقهية مثله، ولم يخلف بعده ما يقاربه فى ذلك، مات سنة خمس وعشرين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
ترجمة شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم الباجورى
ومن علمائها أيضا، الإمام العالم والجهبذ الكامل، الشيخ إبراهيم الباجورى الشافعى، شيخ الجامع الأزهر، ولد بها ونشأ فى حجر والده، وقرأ عليه القرآن المجيد بغاية الإتقان والتجويد، وقدم إلى الأزهر لطلب العلم به فى سنة اثنتى عشرة ومائتين وألف، وسنه إذ ذاك أربع عشرة سنة، ومكث فيه حتى دخل الفرنسيس فى سنة ثلاث عشرة، ثم خرج ﵀ إلى الجيزة وأقام بها مدة وجيزة، ثم عاد إلى الجامع الأزهر فى
стр. 2347
سنة ست عشرة عام خروج الفرنسيس من القطر المصرى، كما أفاد ذلك بنفسه، فيكون مولده فى عام ألف ومائة وثمانية وتسعين. وأخذ فى الاشتغال بالعلم، وقد أدرك الجهابذة الأفاضل، كالشيخ محمد الأمير الكبير، والشيخ عبد الله الشرقاوى، والسيد داود القلعاوى ومن كان فى عصرهم. وتلقى عنهم ما تيسر له من العلوم، ولكن كان أكثر تلمذته للشيخ محمد الفضالى، والشيخ حسن القويسنى.
وفى مدة قريبة ظهرت عليه آية النجابة فدرس وألف التآليف العديدة، الجامعة المفيدة، فى كل فن من الفنون منها:
حاشية الشمائل للترمذى، وحاشية على مولد المصطفى ﷺ للإمام ابن حجر الهيثمى، وحاشية على مختصر السنوسى فى المنطق، وحاشية على متن السلم فى المنطق أيضا، وحاشية على متن السمرقندية فى علم البيان، وكتاب فتح الخبير اللطيف، شرح نظم الترصيف فى فن التصريف، وحاشية على متن الجوهرة فى التوحيد،/وحاشية على متن السنوسية فى التوحيد، وحاشية على رسالة كفاية العوام فى التوحيد،/وحاشية على البردة الشريفة، وحاشية على بانت سعاد، وكتاب منح الفتاح على ضوء المصباح، فى أحكام النكاح، وحاشية على شرح الشنشورى لأبى شجاع فى فقه مذهب الشافعى فى مجلدين.
وله مولفات أخر، ولكنها لم تكمل منها: حاشية على جمع الجواع، وحاشية على شرح السعد لعقائد النسفى، وحاشية على شرح المنهج فى الفقه، وتعليق على تفسير الفخر الرازى، وغير ذلك.
وكان ملازما للإفادة والتعليم، وكان لسانه رطبا بتلاوة القرآن العظيم، فكان ورده فى كل يوم وليلة ختمة قرآن أو ما يقرب منها مع اشتغاله بالتدريس والتأليف، وكان من حقه أن يتقدم فى المشيخة على الشيخ الصائم، ولكن لم تساعده المقادير.
стр. 2348
فقال من هنأه بالمشيخة:
يا دهر أعط القوس باريها فقد … أفرطت فى التقديم والتأخير
إلى أن قال فى تاريخ توليته المشيخة:
وزهت بك العليا وقالت أرّخوا … أبهى إمام شيخ الباجورى
وقد انتهت إليه رياسة الجامع الأزهر، وتقلدها فى شهر شعبان سنة ثلاث وستين ومائتين وألف من الهجرة، واستمر على ذلك إلى أن توفى، رحمه الله تعالى، فى سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين وعمره خمس وسبعون سنة.
(باقور)
قرية من بلاد الزنار بقسم أسيوط، واقعة بحرى بوتيج بأقل من ساعة، وشرقى قرية دوينة كذلك، وبينهاوبين أسيوط نحو ساعتين.
وبها جوامع وكنيسة قبطية ومعمل دجاج، وتكسب أهلها من الزرع وبها نخيل قليل.
وإليها ينسب الشيخ فراج الحنفى الباقورى، قاضى منية ابن خصيب، بعد أن كان مفتى مجلس مديرية قنا، وهو الآن مفتى مديرية بنى سويف.
(بانوب)
بموحدة فألف فنون فواو ساكنة فموحدة. ثلاثة مواضع بمصر:
الأول: فى كورة الغربية.
الثانى: فى كورة الشرقية.
الثالث: فى كورة الأشمونين. (انتهى من مشترك البلدان).
فأما بانوب الأشمونين فهى بانوب ظهر الجمل، وهى من مديرية أسيوط بقسم الأشمونين، فى غربى الترعة الإبراهيمية بنحو ألف متر، وفى الشمال الشرقى لناحية ببلاو بنحو ألف وخمسمائة متر، وفى جنوب ناحية دروط الشريف بنحو ثلاثة آلاف وسبعمائة متر، وفيها مساجد ونخيل وقليل أشجار، وأكثر أهلها مسلمون.
стр. 2349
(ببا)
بموحدتين أولاهما مكسورة وفى آخره ألف. قرية من مديرية بنى سويف، هى رأس قسم واقعة على الشاطئ الغربى للنيل فى جنوب طحا البيشة، بقدر أربعة آلاف وثمانمائة وخمسة وخمسين مترا، وفى الجنوب الشرقى للفقاعى كذلك.
وهى بلدة قديمة يقال إنها كانت كرسى حكم فى الأزمان السالفة، وبها إلى الآن كنيسة قديمة للأقباط مشهورة بدير الشهيد، وبها جامع كبير متين البنيان، على بابه نقوش تدل على أن له نحو سبعمائة سنة من يوم بنائه، وأبنيتها بالآجر واللبن، وفيها نخيل، ولها سوق كل يوم خميس يجتمع فيه الناس من البرين، ويباع فيه أنواع الحبوب والمواشى، وثياب القطن، والصوف واللحم والعقاقير وحصر الحلفاء، والقفف والليف والحبال، والدخان البلدى، والبطيخ ونحو ذلك مما هو معتاد بيعه فى الأسواق الريفية.
وأكثر تكسب أهلها من الزرع وفيها أرباب حرف، وعندها محطة للسكة الحديد العمومية الموصلة إلى أسيوط.
وأمامها فى شرقى النيل قرية تسمى جزيرة ببا، فى وسط جزيرة طولها نحو ألفين ومائة وخمسة وعشرين مترا، وعرضها نحو سبعمائة متر، وعرض النيل هناك بما فيه من الجزيرة نحو ألف وخمسمائة متر.
وقد أنشأ الخديوى إسماعيل باشا فى الشمال الغربى لبلدة ببا، بقدر ألف وخمسمائة متر، فوريقة لعصر القصب وعمل السكر بأنواعه، وبالقرب منها وابور النور، وديوان التفتيش، ومساكن المستخدمين، ويخرج من الفوريقة فرع من السكة الحديد، يمر فى شمال البلد حتى يصل إلى النيل، وعند منتهاه وابور ماء ترك استعماله الآن للاستغناء عنه برىّ الأراضى من مياه الجنابيات، بعضها بواسطة الوابورات المركبة على الجنابيات، وبعضها بالفيضان.
стр. 2350
وأراضى تفتيشها عشرون ألف فدان، يزرع منها نحو ستة آلاف قصبا كل سنة، غير الخلفة الناتجة من زرع السنة التى قبلها، وباقى الأطيان يزرع قطنا وحبوبا.
ومشتملات هذه الفوريقة ككثير من الفوريقات على طريق الإجمال هى: أربع عصارات لعصر القصب، لكل منها قوة ثمانين حصانا بخارية، وابور لإدارة غرابيل العظم، له قوة ثلاثة حصن، وابوران لتوزيع المياه لجهات لزومها بالفوريقة، لكل منهما قوة ثمانية حصن، وابورا حرارة لتكرير الشربات بالقزانات، لكل منهما قوة خمسة عشر حصانا، وابورا حرارة أيضا لقزانات الجلاب/لكل منهما قوة عشرة حصن، وابور لإدارة دواليب تكرير السكر الحب، قوته خمسة عشر حصانا، وابورا حرارة لتسوية العسل الرجيع بالقزانات، لكل منهما قوة عشرة حصن، ذنكان أحدهما لتوصيل الماء إلى القزانات العشرين، والآخر إلى قزانات العصارة، قوة كل ثمانية حصن، وابور لإدارة ورشة الحدادين، وورشة البرادين، وورشة النحاسين، والمسبك، قوته ثمانية حصن، وابور لتكرير السبيرتو، وهو فى ورشة الروم قوته خمسة عشرة حصانا.
وهذا غير أربعة وابورات للسكة الحديد، لكل واحد طقم عشرون عربة، تنقل القصب من الغيطان، قوة كل وابور عشرون حصانا.
وفيها من الورش والمخازن: ورشة الحدادين بآلاته ورجالها، وورشة البرادين والخراطين، وورشة النجارين، وورشة بها مخرطة ومثقاب، وورشة سبك، ومخزن عمومى لجميع أدوات الفوريقة والتفتيش، ومخازن لحفظ السكر.
وهذه الفوريقة تدور فى السنة نحو أربعة أشهر أو خمسة، ويتحصل منها كل يوم من السكر الأبيض الحب ستمائة وخمسون قنطارا، ومن السكر الأحمر مائتان وخمسون قنطارا، ومن السبيرتو قنطارا.
ومثل هذه الفوريقة فى قوة آلاتها وتركيبها ووضعها، فوريقة مطاى، وفوريقة بوقرقاص.