وجميع أهلها مسلمون، وعدتهم ذكورا وإناثا ألف وتسعمائة وثمان وتسعون نفسا.
وقد ترقى منها حسن العفيفى بوظيفة حاكم خط بالمديرية فى سنة ست وثمانين. وزمامها ألف ومائتان وأحد وتسعون فدانا، ورىّ أرضها من النيل، وبها ست سواق معينة عذبة الماء، ولأهلها شهرة فى صناعة العرقسوس شرابا، وزرع القطن. وهى قرية عظيمة بسبب ظهور أفاضل العلماء منها.
ترجمة البرهان الباجورى
فإن منها-كما فى حسن المحاضرة (١) -البرهان الباجورى؛ إبراهيم بن أحمد، ولد فى حدود الخمسين وسبعمائة، وأخذ عن الإسنوى، ولازم البلقينى، ورحل إلى الأذرعى بحلب، وكان الأذرعى يعترف له بالاستحضار.
وشهد العماد الحسبانى عالم دمشق بأنه أعلم الشافعية بالفقه فى عصره، وكان يسرد الروضة حفظا، وانتفع به الطلبة ولم يكن فى عصره من يستحضر الفروع الفقهية مثله، ولم يخلف بعده ما يقاربه فى ذلك، مات سنة خمس وعشرين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
ترجمة شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم الباجورى
ومن علمائها أيضا، الإمام العالم والجهبذ الكامل، الشيخ إبراهيم الباجورى الشافعى، شيخ الجامع الأزهر، ولد بها ونشأ فى حجر والده، وقرأ عليه القرآن المجيد بغاية الإتقان والتجويد، وقدم إلى الأزهر لطلب العلم به فى سنة اثنتى عشرة ومائتين وألف، وسنه إذ ذاك أربع عشرة سنة، ومكث فيه حتى دخل الفرنسيس فى سنة ثلاث عشرة، ثم خرج ﵀ إلى الجيزة وأقام بها مدة وجيزة، ثم عاد إلى الجامع الأزهر فى
стр. 2347
سنة ست عشرة عام خروج الفرنسيس من القطر المصرى، كما أفاد ذلك بنفسه، فيكون مولده فى عام ألف ومائة وثمانية وتسعين. وأخذ فى الاشتغال بالعلم، وقد أدرك الجهابذة الأفاضل، كالشيخ محمد الأمير الكبير، والشيخ عبد الله الشرقاوى، والسيد داود القلعاوى ومن كان فى عصرهم. وتلقى عنهم ما تيسر له من العلوم، ولكن كان أكثر تلمذته للشيخ محمد الفضالى، والشيخ حسن القويسنى.
وفى مدة قريبة ظهرت عليه آية النجابة فدرس وألف التآليف العديدة، الجامعة المفيدة، فى كل فن من الفنون منها:
حاشية الشمائل للترمذى، وحاشية على مولد المصطفى ﷺ للإمام ابن حجر الهيثمى، وحاشية على مختصر السنوسى فى المنطق، وحاشية على متن السلم فى المنطق أيضا، وحاشية على متن السمرقندية فى علم البيان، وكتاب فتح الخبير اللطيف، شرح نظم الترصيف فى فن التصريف، وحاشية على متن الجوهرة فى التوحيد،/وحاشية على متن السنوسية فى التوحيد، وحاشية على رسالة كفاية العوام فى التوحيد،/وحاشية على البردة الشريفة، وحاشية على بانت سعاد، وكتاب منح الفتاح على ضوء المصباح، فى أحكام النكاح، وحاشية على شرح الشنشورى لأبى شجاع فى فقه مذهب الشافعى فى مجلدين.
وله مولفات أخر، ولكنها لم تكمل منها: حاشية على جمع الجواع، وحاشية على شرح السعد لعقائد النسفى، وحاشية على شرح المنهج فى الفقه، وتعليق على تفسير الفخر الرازى، وغير ذلك.
وكان ملازما للإفادة والتعليم، وكان لسانه رطبا بتلاوة القرآن العظيم، فكان ورده فى كل يوم وليلة ختمة قرآن أو ما يقرب منها مع اشتغاله بالتدريس والتأليف، وكان من حقه أن يتقدم فى المشيخة على الشيخ الصائم، ولكن لم تساعده المقادير.
стр. 2348
فقال من هنأه بالمشيخة:
يا دهر أعط القوس باريها فقد … أفرطت فى التقديم والتأخير
إلى أن قال فى تاريخ توليته المشيخة:
وزهت بك العليا وقالت أرّخوا … أبهى إمام شيخ الباجورى
وقد انتهت إليه رياسة الجامع الأزهر، وتقلدها فى شهر شعبان سنة ثلاث وستين ومائتين وألف من الهجرة، واستمر على ذلك إلى أن توفى، رحمه الله تعالى، فى سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين وعمره خمس وسبعون سنة.
(باقور)
قرية من بلاد الزنار بقسم أسيوط، واقعة بحرى بوتيج بأقل من ساعة، وشرقى قرية دوينة كذلك، وبينهاوبين أسيوط نحو ساعتين.
وبها جوامع وكنيسة قبطية ومعمل دجاج، وتكسب أهلها من الزرع وبها نخيل قليل.
وإليها ينسب الشيخ فراج الحنفى الباقورى، قاضى منية ابن خصيب، بعد أن كان مفتى مجلس مديرية قنا، وهو الآن مفتى مديرية بنى سويف.
(بانوب)
بموحدة فألف فنون فواو ساكنة فموحدة. ثلاثة مواضع بمصر:
الأول: فى كورة الغربية.
الثانى: فى كورة الشرقية.
الثالث: فى كورة الأشمونين. (انتهى من مشترك البلدان).
فأما بانوب الأشمونين فهى بانوب ظهر الجمل، وهى من مديرية أسيوط بقسم الأشمونين، فى غربى الترعة الإبراهيمية بنحو ألف متر، وفى الشمال الشرقى لناحية ببلاو بنحو ألف وخمسمائة متر، وفى جنوب ناحية دروط الشريف بنحو ثلاثة آلاف وسبعمائة متر، وفيها مساجد ونخيل وقليل أشجار، وأكثر أهلها مسلمون.
стр. 2349
(ببا)
بموحدتين أولاهما مكسورة وفى آخره ألف. قرية من مديرية بنى سويف، هى رأس قسم واقعة على الشاطئ الغربى للنيل فى جنوب طحا البيشة، بقدر أربعة آلاف وثمانمائة وخمسة وخمسين مترا، وفى الجنوب الشرقى للفقاعى كذلك.
وهى بلدة قديمة يقال إنها كانت كرسى حكم فى الأزمان السالفة، وبها إلى الآن كنيسة قديمة للأقباط مشهورة بدير الشهيد، وبها جامع كبير متين البنيان، على بابه نقوش تدل على أن له نحو سبعمائة سنة من يوم بنائه، وأبنيتها بالآجر واللبن، وفيها نخيل، ولها سوق كل يوم خميس يجتمع فيه الناس من البرين، ويباع فيه أنواع الحبوب والمواشى، وثياب القطن، والصوف واللحم والعقاقير وحصر الحلفاء، والقفف والليف والحبال، والدخان البلدى، والبطيخ ونحو ذلك مما هو معتاد بيعه فى الأسواق الريفية.
وأكثر تكسب أهلها من الزرع وفيها أرباب حرف، وعندها محطة للسكة الحديد العمومية الموصلة إلى أسيوط.
وأمامها فى شرقى النيل قرية تسمى جزيرة ببا، فى وسط جزيرة طولها نحو ألفين ومائة وخمسة وعشرين مترا، وعرضها نحو سبعمائة متر، وعرض النيل هناك بما فيه من الجزيرة نحو ألف وخمسمائة متر.
وقد أنشأ الخديوى إسماعيل باشا فى الشمال الغربى لبلدة ببا، بقدر ألف وخمسمائة متر، فوريقة لعصر القصب وعمل السكر بأنواعه، وبالقرب منها وابور النور، وديوان التفتيش، ومساكن المستخدمين، ويخرج من الفوريقة فرع من السكة الحديد، يمر فى شمال البلد حتى يصل إلى النيل، وعند منتهاه وابور ماء ترك استعماله الآن للاستغناء عنه برىّ الأراضى من مياه الجنابيات، بعضها بواسطة الوابورات المركبة على الجنابيات، وبعضها بالفيضان.
стр. 2350
وأراضى تفتيشها عشرون ألف فدان، يزرع منها نحو ستة آلاف قصبا كل سنة، غير الخلفة الناتجة من زرع السنة التى قبلها، وباقى الأطيان يزرع قطنا وحبوبا.
ومشتملات هذه الفوريقة ككثير من الفوريقات على طريق الإجمال هى: أربع عصارات لعصر القصب، لكل منها قوة ثمانين حصانا بخارية، وابور لإدارة غرابيل العظم، له قوة ثلاثة حصن، وابوران لتوزيع المياه لجهات لزومها بالفوريقة، لكل منهما قوة ثمانية حصن، وابورا حرارة لتكرير الشربات بالقزانات، لكل منهما قوة خمسة عشر حصانا، وابورا حرارة أيضا لقزانات الجلاب/لكل منهما قوة عشرة حصن، وابور لإدارة دواليب تكرير السكر الحب، قوته خمسة عشر حصانا، وابورا حرارة لتسوية العسل الرجيع بالقزانات، لكل منهما قوة عشرة حصن، ذنكان أحدهما لتوصيل الماء إلى القزانات العشرين، والآخر إلى قزانات العصارة، قوة كل ثمانية حصن، وابور لإدارة ورشة الحدادين، وورشة البرادين، وورشة النحاسين، والمسبك، قوته ثمانية حصن، وابور لتكرير السبيرتو، وهو فى ورشة الروم قوته خمسة عشرة حصانا.
وهذا غير أربعة وابورات للسكة الحديد، لكل واحد طقم عشرون عربة، تنقل القصب من الغيطان، قوة كل وابور عشرون حصانا.
وفيها من الورش والمخازن: ورشة الحدادين بآلاته ورجالها، وورشة البرادين والخراطين، وورشة النجارين، وورشة بها مخرطة ومثقاب، وورشة سبك، ومخزن عمومى لجميع أدوات الفوريقة والتفتيش، ومخازن لحفظ السكر.
وهذه الفوريقة تدور فى السنة نحو أربعة أشهر أو خمسة، ويتحصل منها كل يوم من السكر الأبيض الحب ستمائة وخمسون قنطارا، ومن السكر الأحمر مائتان وخمسون قنطارا، ومن السبيرتو قنطارا.
ومثل هذه الفوريقة فى قوة آلاتها وتركيبها ووضعها، فوريقة مطاى، وفوريقة بوقرقاص.
стр. 2351
(ببلاو)
هى قرية فى شمال سنبو، غربى بحر يوسف، من قسم ملوى بمديرية أسيوط، وسماها المقريزى ببلا بدون واو. كان أكثر سكانها أقباط، وكان بها كنيسة باسم مارى جرجس، ويقال لها الآن كنيسة الشهيد.
واسمها مأخوذ من ببلو، يعنى خزانة الكتب، وكانت قبل دخول الفرنساوية أرض مصر كبيرة عامرة، يقرب عدد أهلها من ألف نفس أغلبهم نصارى، فتفرقوا فى البلاد لعداوة كانت بينهم وبين البلاد المجاورة لهم، ومات كثير منهم، ومن بقى اشتغل بصنعة الفراريج. ونقل (كترمير) عن بعض كتب القبط أن جماعة من نصارى قرية الزيتون، كانوا قد دخلوا فى الديانة الإسلامية، ثم رجعوا إلى النصرانية، ومن خوفهم من المسلمين هربوا إلى قرية ببلاو لأن حاكمها كان يدافع عن المرتدين ويمنع التعرض لهم. اهـ.
وهى فى وسط حوض الدلجاوى لا يتوصل إليها فى زمن الفيضان إلا فى السفن، وقناطر التقسيم فى شرقيها بنحو ميلين، وأكثر مبانيها بالطوب النئ، والغالب فى دورها طبقتان، وقد تجدد الآن فى منازل بعض أهل الثروة من أقباطها طبقة ثالثة، وتجددت فيها مناظر للضيوف بدلا من المصاطب القديمة.
وتكسب أغلب أهلها من الفلاحة، وبعض أقباطها مختص بمزاولة معامل الدجاج واستخراجه. فيسرحون لذلك فى البلاد التى فيها المعامل، من ناحية وردان الغربية القديمة من القناطر الخيرية، إلى أقصى بلاد الصعيد، فيتفرقون فى البلاد ويجمعون البيض، بعضه بالثمن وبعضه فى نظير فراخ يأخذها أرباب البيض بعد تمام العمل على حسب العرف الذى بينهم، ويقيمون بتلك المعامل إلى تمام العمل، ثم يرجعون إلى ببلاو، وهكذا كل سنة.
стр. 2352
ولنذكر لك طرفا مما يتعلق باستخراج الدجاج لما فيه من الفائدة فنقول:
قال عبد اللطيف البغدادى فى رحلته فيما تختص به مصر من الحيوانات ما نصه (١): «من ذلك حضانة الفراريخ بالزبل، فإنه قلما ترى فى مصر فراريج عن حضانة الدجاجة، وربما لم يعرفوه أيضا، وإنما ذلك عندهم صناعة ومعيشة يتجر فيها أو يتكسب منها، وتجد فى كل بلد من بلادهم مواضع عدة تعمل ذلك، ويسمى الموضع معمل الفرّوج وهذا المعمل ساحة كبيرة يتخذ فيها من البيوت التى يأتى ذكرها، ما بين عشرة أبيات إلى عشرين بيتا، فى كل بيت ألفا بيضة، ويسمى بيت الترقيد.
وصفته أن يتخذ بيت مربع، طوله ثمانية أشبار فى عرض ستة فى ارتفاع أربعة، ويجعل له باب فى عرضه، سعته شبران وعقده فى مثله، وتجعل فوق الباب طاقة مستديرة قطرها شبر، ثم تسقف بأربع خشبات وفوقها سدة قصب-يعنى نسيجا منه-وفوقه ساس، وهو مشاقة الكتان وحطبه، ومن فوق ذلك الطين، ثم يرصص بالطوب ويطين سائر البيت ظاهره وباطنه، وأعلاه وأسفله، حتى لا يخرج منه بخار، وينبغى أن تتخذ فى وسط السقف شباكا سعته شبر فى شبر، فهذا السقف يحكى صدر الدجاجة، ثم تتخذ حوضين من طين مخمر بساس، طول الحوض ستة أشبار وعرضه شبر ونصف، وسمكه عقدة أصبع، وحيطانه نحو أربع أصابع، ويكون هذا الحوض لوحا واحدا تبسطه على أرض معتدلة، وهذا الحوض يسمى الطاجن، فإذا جف الطاجنان ركبتهما على طرفى السقف، أحدهما على وجه الباب والآخر قبالته على الطرف الآخر تركيبا محكما وأخذت وصولهما بالطين أخذا متقنا. وينبغى أن يكون قعود طاجنين على خشب السقف بحيث يماسانه، وهذان الطاجنان يحاكى بهما جناحا الدجاحة، ثم يفرش البيت بقفه تبن ويمهد، ويفرش فوقه نخ خب أوديس-يعنى حصيرا برديا-على مقداره سواء، ثم يرصف فوقه البيض رصفا حسنا بحيث يتماس ولا يتراكب، لتتواصل الحرارة فيه. ومقدار/ ما يسع هذا البيت المفروض ألف بيضة، وهذا الفعل يسمى الترقيد.
стр. 2353
(صفة الحضان) تبتدئ وتسد الباب بأن ترسل عليه لبدا مهندما، ثم تسد الطاقة بساس، والشباك أيضا بساس وفوقه زبل، حتى لا يبقى فى البيت منفذ للبخار، وتلقى فى الطاجنين من زبل البقر اليابس قفتين، وذلك ثلاث ويبات. وتقدفيه نار سراج من جميع جهاته، وتمهله ريثما يرجع رمادا وأنت تتفقد البيض ساعة بعد أخرى، بأن تضعه على عينيك وتعتبر حرارته، وهذا الفعل يسمى الزواق. فإن وجدته يلذع العين قلبته ثلاث تقليبات فى ثلاث دفعات، تجعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وهذا يحاكى تقليب الدجاجة للبيض بمنقارها وتفقدها إياه بعينها. وهذا يسمى السماع الأول. فإذا صار الزبل رمادا أزلته وتركته بلا نار إلى نصف نهار إن كان ترقيده بكرة، وإن كان ترقيده من أول الليل حرسته إلى أن تحمى وتسمع النار كالسياقة المتقدمة، ثم تخلى طاجنين من النار إلى بكرة، ثم تجعل فى الطاجن الذى على باب البيت من الزبل ثلاثة أقداح، وفى الطاجن الذى على صدر البيت قدحين ونصفا، ومد الزبل بمرود غليظ، واطرح فى كل منهما النار فى موضعين منه، وكلّما خرجت من البيت بعد تفقده فارخ الستر. وإياك وأن تغفل عنه لئلا يخرج البخار ويدخل الهواء فيفسد العمل.
فإذا كان وقت العشاء وصار الزبل رمادا، ونزل الدفء إلى البيض أسفل البيت، فغير الرماد من الطواجن بزبل جديد مثل الأول، وأنت كل وقت تلمس البيض وتذوقه بعينك، فإن وجدت حرارته زائدة عن الاعتدال تلذع العين فاجعل مكان الثلاثة الأكيال لطاجن الباب كيلين وربعا، وفى طاجن الصدر كيلين فقط، ولا تزال تواصل تغيير الرماد وتجديد الزبل والإيقاد حتى لا ينقطع الدفء مدة عشرة أيام، بمقدار ما تكمل الشخوص بمشيئة الله وقدرته، وذلك نصف عمر الحيوان.
ثم تدخل البيت بالسراج، وترفع البيض واحدة واحدة وتقيمها بينك وبين السراج، فالتى تراها سوداء ففيها الفرخ، والتى تراها شبه شراب أصفر فى زجاج لا عكر فيه فهى لاح بلا بزر، وتسمى الأرملة فأخرجها فلا منفعة فيها، ثم عدل البيض فى البيت بعد تنقيته، وأخرج اللاح عنه، وهذا الفعل يسمى التلويح.
стр. 2354
ثم تصبح بعد التلويح تنقص الزبل من العيار الأول ملء كفك من كل حوض بكرة ومثله عشية، حتى ينصرم اليوم الرابع عشر ولم يبق من الزبل شئ فحينئذ يكمل الحيوان ويشعر وينفخ فاقطع إذن النار عنه، فإن وجدته زائد الحرارة يحرق العين فافتح الطاقة التى على وجه الباب وخلها كذلك يومين، ثم ذقه على عينك فإن وجدته غالب الحرارة فافتح نصف الشباك، وأنت مع ذلك تقلبه وتخرج البيض الذى فى الصدر إلى جهة الباب، والبيض الذى فى جهة الباب ترده إلى الصدر حتى يحمى البارد الذى كان فى جهة الباب، ويستريح الحار الذى فى الصدر بشمّ الهواء فيصير فى طريقة الاعتدال ساعة يحمى وساعة يبرد، فيعتدل مزاجه، وهذا الفعل يسمى الحضانة، كما يفعل الطير سواء.
وتستمر على هذا التدبير دفعتين فى النهار ودفعة فى الليل إلى تمام تسعة عشر يوما، فإن الحيوان ينطق فى البيض بقدرة الله تعالى، وفى يوم العشرين يطرح بيضه ويكسر القشر ويخرج-وهذا يسمى التطريح-وعند تمام اثنين وعشرين يوما يخرج جميعه.
وأحمد الأوقات عاقبة لعمله أمشير وبرمهات وبرمودة، وذلك فى شباط وآذار ونيسان، لأن البيض فى هذه المدة يكون غزير الماء كثير البزرة، صحيح المزاج والزمان معتدل صالح للنشء والكون. وينبغى أن يكون البيض طريا، وفى هذه الأشهر يكثر البيض-انتهى.
وقد وصف بعض الإفرنج معامل الفرّوج وكيفية استخراجه بأبسط من عبارة البغدادى فقال ما ترجمته:
إن معمل الفراريج عبارة عن صفين من الخزائن الصغيرة، المبنية باللبن والطين، يفصلها دهليز وشبابيكها خروق فى عقود الدهليز، ولها باب ضيق مسبوق بجملة خزائن صغيرة، محكمة القفل تجعل لإقامة الشغالة لأنهم لا يفارقون المعمل مدة العمل، وبعضها فيه راكية يحرق فيها الوقود حتى تستوى ناره، فيؤخذ منها عند اللزوم فتكون مستحضرة دائما.
стр. 2355
وطول كل خزانة عن خزائن البيض ثلاثة أمتار فى عرض مترين ونصف، وهى مقسومة بسقف فى نصف الارتفاع أو ثلثه، وفى كل خزانة فى منتصف السقف فتحة مستديرة يسلك منها المستعمل من واحدة إلى أخرى، ولكل خزانة باب على الدهليز قدر الفتحة التى فى السقف، وفى كل حاجز من حواجز الصفوف فتحة مثل ذلك، وفى عقد كل خزانة فتحة لخروج الدخان، ويوضع البيض فى الطبقة السفلى من الخزانة، والنار فى الطبقة العليا في مجار غير عميقة، لكل خزانة أربعة مجار بقرب الجدران ودائر فتحة الوسط مرتفع عن الأرضية لمنع النار من السقوط على البيض، ويؤخذ من النار التى فى الراكية المستحضرة فى خزانة النار، ويوضع فى تلك المجارى على حسب اللزوم.
وفى الصعيد تبتدأ تلك العملية فى شهر فبراير الإفرنجى، وفى/الوجه البحرى يتأخر ذلك زمنا لقلة حرارة الجوّ هناك.
ومدة ترقيد البيض أحد وعشرون يوما، فنخرج الكتاكيت فى أوائل شهر مارس وهو الوقت المناسب لإمكان حياة الكتاكيت على حسب التجربة، لأن حرارة الصيف تضرّ بها والعادة أن تكرّر العملية-أى ترقيد البيض-ثلاث مرات أو أربعا فى ذلك الفصل، بأن يرقد البيض حتى يخرج منه الكتكوت، ثم يرقد خلافه، وهكذا إلى رابع مرة، وفى كل مرة ينتج من المعمل من ثلاثة آلاف إلى أربعة.
وكيفية توزيع البيض تختلف فى المعامل، فبعضهم يترك بعض الخزائن فارغا، وتوزيعه يكون بعد فرزه بكيفية مقررة عندهم، فكل بيضة رأوا أنها لا بزرة فيها أخرجوها عن البيض، لأنها لا تنتج بل تضر بالبقية، ثم يعدونه ويكتبونه فى دفاتر، ويرص فى كل خزانة طبقات بعضها فوق بعض، وتوضع الطبقة العليا فوق ساس من الكتان ولا توضع النار إلاّ فى ثلث الخزائن، على أبعاد متساوية، وبعد خمسة أيام توقد النار، فى بعض الخزائن الفارغة مدة، ثم توقد فى البعض الآخر مع إطفائها من الأول، وكل يوم تغير النار ثلاث مرات أو أربعا وتزاد فى الليل، ويدخل العامل كل خزانة مرتين أو ثلاثا نهارا لتقليب البيض ونقله عن مواضعه وإبعاده عن المواضع الكثيرة الحرارة.
стр. 2356
وفى اليوم الثامن يمتحن البيض واحدة واحدة على نور سراج فيفرز ماله بذر مما ليس له بذر، والعادة أن يبقى فى وسط طبقات البيض فرجة فارغة للتمكن من الحلول فى وسطه.
وقد استدل بالتجربة على أن الحرارة الكافية للبيض تختلف بحسب خزائن المعمل، من إحدى وثلاثين درجة فى ترمومتر ريمور، إلى ثلاث وثلاثين، فتكون كبيرة فى الدهليز وفى الخزائن العليا، ففى الدهليز تكون أقل من اثنتين وثلاثين درجة وفى العليا أكثر من ذلك، ويعرف استعمال ذلك بالتجربة وكثرة الاستعمال، وهذا هو السر فى اختصاص أهل ببلا بذلك وعدم صلاحية قيام غيرهم مقامهم.
ومن شرط صحة العمل إطفاء النار قبل انتهاء العملية وذلك إما لخوف إتلاف البيض من الأبخرة المضرة من حمض الكربون المنتشر فى الطبقات السفلى، وإما لتوزيع بعض البيض فى الطبقات العليا، وربما كان هذا هو السبب فى زيادة تسخينها فى مبدأ العملية ليكون ذلك كافيا فى بقية العمل.
وتوزيع البيض يختلف ميعاده من أربعة أيام إلى ثمانية لتبرد الأرضية وتصل للدرجة المناسبة، ويكون سدّ منافذ الدخان تدريجيا، ومتى علم العامل بلوغه الدرجة اللازمة سدّ الفتحات العليا سدا محكما.
وحكمة ترك بعض الخزائن فارغا فى مبدأ العمل، وإيقاد النار فيها على التناوب، هى إدامة حصول الحرارة المنتظمة بالدرجة المناسبة للعمل.
والعادة أن جمع البيض للمعامل يكون بالتدريج، فلذا ينقسم العمل إلى مرّات، ومتى فتح المعمل تأتى الأهالى بالبيض فيعوّضون فى المائة خمسين والتالف نحو الخمس، ولا يتعدى السدس.
стр. 2357
وكثيرا ما يخرج بعض الفراريج فى نهاية العشرين يوما-يعنى قبل الفقس الطبيعى بيوم-وبعد أربع وعشرين ساعة يخرج أكثره، وبعد خروجه يطعم بعض دقيق بلباب الخبز.
وجعل الأب (سيكار) معامل مصر ستمائة وستة وثمانين معملا، وجعلها غيره مائتين، وأوصل (ريمور) ما يخرج من الكتاكيت كل سنة إلى اثنين وتسعين مليونا.
والصحيح أن يعتبر فى كل معمل عشرة أفران-أى خزائن-وباعتبار أربع ترقيدات، كل ترقيدة ثلاث آلاف بيضة، يكون خارج المعمل مائة وعشرين ألفا، فباعتبار مائة وعشرين معملا فى الديار المصرية يكون الخارج فى السنة أربعة وعشرين مليونا.
قال فى خطط الفرنساوية: إن استخراج الكتكوت من البيض أمر قديم فى بلاد مصر وفى بلاد الصين أيضا، وكان للرومانيين كيفية فى استخراجه. فقد قال (بلين): إن نساء الرومانيين يضعن البيضة تحت آباطهن، ويصبرن عليها حتى يخرج منها الفرخ، ويتفاءلن بكونه ذكرا أو أنثى على ما فى بطونهن من الحمل.
ووصف أيضا معمل الفروج وكيفيته إلا أنه لم يذكر البلد المستعمل فيها.
وقد تكلم (ديودور الصقلّى) على كيفية استخراج الفراريج بالصنعة، وقد كان ساح مصر فى آخر أيام البطالسة.
ويفهم من كلامه أن المصريين كانوا يخفون هذه الصنعة عن غيرهم لإدامة اختصاصهم بها.
وكان بيض الأوز مستعملا فى ذلك أكثر من بيض الدجاج، لأن الكهنة
стр. 2358
والقسيسين كانوا يميلون لأكل لحوم الأوز فى الأزمان العارية عن الأمراض الوبائية، فلذا كان الأوز كثيرا فى تلك الأزمان، كما يدل لذلك ما هو على جدران المعابد من الرسوم والنقوش.
وزعم بعضهم أن كهنة مصر كانوا يستعملون سبلة الدواب، أى ما يكنس من تحتها، نحو التبن الملوّث بأبوالها وأرواثها فى فقس البيض لما شاهدوه من دفن النعام والتمساح بيضه فى الرمل حتى يفقس، فكان الكهنة يدفنون البيض فى السبلة فتكفى حرارتها فى استخراج الكتاكيت.
وقد رد العلماء ذلك ونقضوه بأن السبلة مضرة بأصل بذرة البيضة ومفسدة لها فلا تكون سببا فى الفقس./وقد اشتغل العالم (ريمور) الفرنساوي بتجربة ذلك وألف فيه كتابا، فاتضح أن العملية لا تنجح إلا بمنع بخار السبلة عن البيض منعا كليا. وظهر لهم أيضا أن قائل ذلك لم يمعن النظر فى كلام (بلين) فإنه ذكر أن البيض كان يوضع على التبن فى معمل حرارته واحدة لطيفة دائما إلى أن يخرج الكتكوت، وكان له عملة متكفلون بتقليبه ليلا ونهارا.
و (بلين) لم يذكر البلد التى. كان يعمل بها ذلك، إلا أنّه بالقرينة يعلم أنها تنسب لمصر، لأنه ساح فى هذه الديار، وأخذ عن كهنتها، أو لعل الذى أوجب زعم هذا الزاعم أن السبلة هى المستعملة قديما أو حديثا فى الوقود فى مصر، وفى وقود المعامل، وتجلب إليها بكثرة، فظنّ من رأى ذلك أن البيض يدفن فيها.
وبالجملة فيظهر من كلام الأقدمين ومؤرخى العرب، أن هذه العملية قديمة فى ديار مصر عموما، وإلى الآن أهالى قرية (برما) من الوجه البحرى، وقرية (ببلاو) من الوجه القبلى لهم شهرة بذلك.
وفى خطط المقريزى-عند الكلام على الروك الناصرى-أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، أبطل عدة مكوس، وبعد أن تكلم على جملة منها قال:
стр. 2359
ومن ذلك مقرر طرح الفراريج، ولها ضمان عدة فى سائر نواحى أرض مصر، يطرحون على الناس الفراريج، فيمر بضعفاء الناس من ذلك بلاء عظيم، وتقاسى الأرامل من العسف والظلم شيئا كثيرا، وكان على هذه الجهة عدة مقطعين، ولا يمكن أحدا من الناس فى جميع الأقاليم أن يشترى فروجا فما فوقه إلا من الضامن، ومن عثر عليه أنه اشترى أو باع فروجا من سوى الضامن جاءه الموت من كل مكان وما هو بميت انتهى.
وقوله فيما تقدم (ترومتر ريمور): الترمومتر آلة مشروحة فى كتب الطبيعة يعرف بها درجة الحرارة.
ترجمة ريمور الفرنساوى
وريمور، اسم مؤلف، ترجمه صاحب قاموس الجغرافيا الإفرنجى فقال:
ريمور عالم فرنساوى، اشتغل بالعلوم الطبيعية والنباتية، ولد بمدينة روشيل من بلاد فرانسا سنة ١٦٨٣ ميلادية ومات سنة ١٧٥٧، اشتغل بالعلوم خمسين سنة، واستفاد الناس من مباحثه طرقا فى سقى الحديد وعمل الصفيح والصينى، واستكشف طرق صناعة الزجاج الأبيض المعتم، أى الذى يحجب ما وراءه.
وهو أول من اشتغل باستنتاج الفراريج بمملكة فرانسا، وفى سنة ١٧٣١ اخترع الترمومتر المسمى باسمه وله مؤلفات كثيرة منها: رسالة فى قلب الحديد إلى الفولاذ وأخرى فى الحشرات، وهو ممن أوسع بمباحثه دائرة العلوم فى القرن الثامن عشر من الميلاد. انتهى.
ويتبع (ببلاو) نزلة تسمى نزلة فرج محمود باسم عمدتها، وهو من أصحاب البيوت المعتبرة مشهور بالكرم وعلو الهمة، وتلك النزلة شرقى ببلاو بينها وبين الإبراهيمية.
стр. 2360
وأهل (ببلاو) يتسوقون يوم الأربعاء من سوق ناحية (سنبو) التى بينها وبينها نحو ثلاثة أميال.
(بتبس)
قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج، فى الشمال الغربى (للبتنون) بنحو ألفين وخمسمائة متر، وفى الجنوب الغربى لناحية (جنزور) بنحو خمسة آلاف متر، وبها جامع بمنارة.
(البتنون)
فى القاموس أنها بثاء مثلثة بعد الموحدة، بلدة بمصر، وفى شرحه أن المشهور أنها بالمثناة الفوقية بعد الموحدة. انتهى.
وهى بلدة من مركز مليج بمديرية المنوفية، واقعة على الشاطئ الغربى من فرع النيل الشرقى، بينها وبين ترعة البتنون نحو ثلثمائة قصبة من الجهة الشرقية، وكان بها كنيسة تحت رعاية (مارى أونوفر) ساكن الفلاة. والظاهر أنّه كان لها شهرة فى الأزمان القديمة.
وأبنيتها بالطوب الأحمر، وأبنية عمدتها (الحاج محمد الجندى) بالحجر الدستور، على دورين مع البياض والشبابيك كأبنية مصر. ومحمد الجندى هذا كان ناظر قسم ثم لزم بيته.
وبها عشرة مساجد عامرة منها: جامع أبى صالح بمنارة، وبها مقامات جماعة من الأولياء منهم: سيدى يوسف جمال الدين فى جهتها الغربية، يعمل له مولد كل سنة خمس ليال، والآن حصل الشروع فى تجديد ضريحه من طرف عائلة الجبائرة.
ومنهم: سيدى حسن العشماوى فى شرقيها، له مولد سنوى أيضا ثلاث ليال.
ومنهم: الشيخ أبو صالح، فى وسط البلد. وسيدى إبراهيم الخواص فى غربيها.
وبها كنيسة شهيرة تأتى إليها نصارى البلاد المجاورة فى المواسم والأعياد، وتعرف بكنيسة مارى جرجس.
стр. 2361
ومساحة أبنيتها تسعون فدانا، وأطيانها أربعة آلاف فدان، وعدد أهلها الذكور سبعة آلاف وخمسمائة، وفيها نصارى نحو ربع أهلها. وهى مشهورة بنسج خرق الكتان، وبكثرة عسل النحل، وبها سواق تنيف على عشرين ساقية، بعد مائها زمن التحاريق نحو ثمانية أمتار، ولها سوق كل يوم ثلاثاء يباع فيه المواشى وغيرها، وبها نحو أربعة دكاكين، وتجار للأقمشة يبيعونها فى البيوت، وتجار غلال، وبها مصابغ ومعملان للدجاج.
ترجمة أحمد أفندى خليل البتنونى
وقد ترقى من أهلها العالم الماهر أحمد أفندى خليل، من عائلة الجبائرة، أصلهم من قبيلة من العرب يقال لها الجبائرة على شاطئ الفرات ببغداد، كما أخبر بذلك عن نفسه، ثم صار من رجال الهندسة بديوان عموم الأشغال برتبة بكباشى، وكان من المهندسين الذين تعينوا/فى زمن المرحوم سعيد باشا، صحبة سلامة باشا فى رسم ميزانيات الترعة المالحة والحلوة.
ثم فى زمن الخديوى إسماعيل باشا جعل ناظرا ومعلما بمدرسة المحاسبة، وتربى على يديه جملة من شبان المهندسين، وكان فى ابتداء أمره قد دخل قصر العينى سنة تسع وأربعين ومائتين وألف، ثم نقل إلى مدرسة أبى زعبل، ثم إلى مدرسة المهندسخانة، فمكث فيها خمس سنين فاستوفى جميع فنونها، ثم وظف من ضمن مهندسى ديوان المدارس.
ترجمة الشيخ محمد البتنونى
وينسب إلى بلدة بتنون هذه، الشيخ محمد البتنونى، الذى ترجمه السخاوى فى مكتبة الأسرة-٢٠٠٨
стр. 2362
الضوء اللامع (١)، حيث قال: هو محمد بن على [بن] أحمد الشمس النور، البتنونى الأصل، القاهرى الشافعى، ويعرف بالبتنونى.
ولد بالقاهرة، وحفظ القرآن والعمدة والمنهاج. وكان والده قد استقر فى عدة مباشرات، فلما مات، قرر فى جهاته كالمباشرة بطبلان، وبالحلى والطاهر، وتهادر المعزى وغيرها كالحسينية. وكان إذ ذاك مراهقا، فلم يحسن السير، ولكنه انتمى لأبى البقاء البلقينى، ثم للصلاح المكينى، واجتهد فى التحصيل من أى وجه كان، مع تسلطه على ضعفاء المستحقين فى الأوقاف، وايذائه لأهل الذمة الذين فى كنيسة حارة زويلة، بواسطة تكلمه على مسجد بالقرب منها، فكان يأخذ منهم بالرغبة والرهبة، حتى أثرى وأنشأ ملكا أرتكب فيه السهل والوعر، وكان يتعرض للأكابر وينافرهم. واستمر على طريقته حتى مات سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ودفن بحوش سعيد السعداء، وكان جده من جماعة الجمال يوسف العجمى وكان والده على خير وستر، وأقرأ المماليك فى الأطباق، واستقر فى عدة مباشرات. انتهى.
وينسب إليها أيضا الشيخ أحمد البتنونى، قاضى مديرية الغربية.
(بجام)
قرية من مديرية القليوبية بمركز قليوب، على الشاطئ الشرقى لترعة الشرقاوية، وفى الشمال الشرقى لناحية (باسوس) بنحو ألفى متر، وفى الجنوب الشرقى لناحية (قليوب) بنحو أربعة آلاف وثمانمائة متر، وبها جامع بمنارة ولها سوق فى كل أسبوع.
(البجاوة)
هى بضم الموحدة وبعدها جيم فألف فواو فهاء تأنيث. صحراء فى جنوب الديار المصرية تمتد إلى سواكن، وفى القاموس البجاوة كزغاوة، أرض النوبة منها النوق البجاويات. انتهى.
стр. 2363
ويسكن تلك الصحراء قوم متوحشون يقال لهم البجة، لا خلاق لهم ولا أخلاق.
وفى بعض التقاييد (بجاء) بفتح الموحدة والجيم: قبيلة من العرب أبلهم مشهورة بالجودة، يسكنون برسواكن. وقال بعض مؤلفى الأقباط، فى شرحه لحوادث الأب شنوده: أنهم يسمون (بلنمويه) وأنه حصل منهم إغارات كثيرة على أرض مصر، وأغاروا على الجهة البحرية، فخربوا عدة مدن وأسروا أهلها، وأخذوا أموالهم من مواش وخلافها. وفى كتب الروم واليونان تسمية هؤلاء العرب (بلنمى)، ووجد فى بعض المؤلفات تسميتهم (بلمية) بشدّ الميم وتخفيفها و (بلمبية) بزيادة موحدة بين الميم والمثناه التحتية.
وقال بعض المؤرخين: إن مقر هؤلاء الأقوام فى داخل أفريقية قريبا من الشلالات فى ضواحى أسوان. وكثيرا ما يعبر عنهم المقريزى فى خططه بالبجة، وفى بعض العبارات يعبر عنهم بالبجاة. وذكر (أولنييودور) الذى ساح عند هؤلاء العرب، أنهم يسكنون بين اكسيوم وجزيرة الفونيتينا، وأن النوبة طائفة منهم سكنت شاطئ النيل، وسكن هؤلاء فى الصحراء داخل الأرض.
وقال بطليموس: إن سكن البلمة خلف موليب، بين نهر استيورا-أى اتيرا- وخليج أدولير.
وقال المؤلف (أجاتمير): منهم من سكن بقرب هذا الخليج وعرفهم بأكالين النعام.
وقال المؤلف (اتيين) البيزنتى: إنهم قوم متبربرون يسكنون الليبيا.
وقال (استرابون): إن الأرض الممتدة أسفل مروة على شاطئ النيل من جهة البحر الأحمر مسكونة بالبلمية والميجابا الذين كانوا تحت حكم الحبشة، وكانوا بجوار مصر. وفى موضع آخر جعلهم هم والنوبة فى جنوب الديار المصرية قبلى مدينة أسوان.
стр. 2364
وقال غيره: إن البلمية عدوا البحر الأحمر من أيلة فى سفينة كانت فى سواحل الحبش.
وأخبر بعض الرهبان أن البلمية كانوا يسكنون قريبا من مدينة (بانوبوليس).
وفى بعض العبارات أن هؤلاء الأقوام وهم البجة المذكورون فى كتب المشرقيين والمغربيين، يسكنون الصحراء المتسعة المحيطة بالديار المصرية، وبلاد النوبة والحبشة وسواحل البحر الأحمر.
وقال المقريزى (١): إن أول بلد البجة من قرية تعرف بالخربة، معدن الزمرد فى صحراء قوص، وبين هذا الموضع وبين قوص نحو ثلاث مراحل.
قال: وذكر الجاحظ أنه ليس فى الدنيا معدن للزمرد غير هذا الموضع، وهو يوجد فى مغارات بعيدة مظلمة يدخل إليها بالمصابيح وبحبال يستدل بها على الرجوع خوف الضلال، ويحفر عليه بالمعاول فيوجد فى وسط الحجارة وحوله نوع غشيم دونه فى الصبغ والجوهر. (وسيأتى بسط الكلام عليه عند التكلم على صحراء عيذاب).
وآخر بلاد البجة أول بلاد الحبشية، وهم فى بطن هذه الجزيرة-أعنى جزيرة مصر-إلى سيف البحر الملح مما يلى جزائر سواكن وباضع (مصوع) ودهلك، وهم بادية يتبعون/الكلأ حينما كان الراعى بأخبية من جلود.
وأنسابهم من جهة النساء، ولكل بطن منهم رئيس، وليس عليهم متملك ولا لهم دين، ويورثون ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب، ويقولون إن ولادة ابن الأخت وابن البنت أصح، فإنه ولدها على كل حال سواء كان من زوجها أو من غيره.
стр. 2365
وكان لهم قديما رئيس يرجع جميع رؤسائهم إلى حكمه، يسكن قرية تعرف بهجرهى أقصى جزيرة البجاة، ويركبون النجب الصهب وتنتج عندهم، وكذلك الجمال العراب كثيرة عندهم أيضا والمواشى من البقر والغنم والضأن كثيرة جدا عندهم، وبقرهم حسان ملمعة بقرون عظام ومنها جمّ، وكباشهم كذلك منمرة ولها ألبان.
وغذاؤهم اللحم وشرب اللبن، وأكلهم للجبن قليل وفيهم من لا يأكله، وأبدانهم صحاح وبطونهم خماص، وألوانهم مشربة بالصفرة، ولهم سرعة فى الجرى يباينون بها الناس، وكذلك جمالهم شديدة العدو وصبورة عليه وعلى العطش، يسابقون عليها الخيل ويقاتلون عليها وتدور بهم كما يشتهون، ويقطعون عليها من البلاد ما يتفاوت ذكره، ويتطاردون عليها فى الحرب، وهم يبالغون فى الضيافة، فإذا طرق أحدهم الضيف ذبح له، فإذا تجاوز ثلاثة نفر نحرلهم من أقرب الأنعام إليه سواء كانت له أو لغيره، وإن لم يكن شئ نحر راحلة الضيف وعوضه من هو خير منها.
وسلاحهم الحراب السباعية مقدار طول الحديدة ثلاثة أذرع، والعود أربعة أذرع، وبذلك سميت سباعية، والحديدة فى عرض السيف لا يخرجونها من أيديهم إلا فى بعض الأوقات، لأن فى آخر العود شيئا شبيه بالفلكة، يمنع خروجها عن أيديهم. وصناع هذه الحراب نساء فى موضع لا يختلط بهن رجل إلا المشترى منهن، فإذا ولدت إحداهن من الطارقين لهن جارية استحيتها، وإن ولدت غلاما قتلته، ويظن إن الرجال بلاء وحرب. ودرقهم من جلود البقر مشعرة ودرق مقلوبة تعرف بالأكسومة من جلود الجواميس ومن دابة فى البحر، وقسيهم عربية كبار غلاظ من السدر والشوحط، يرمون عليها بنبل مسموم، وهذا السم يعمل من عروق شجر الغلف، يطبخ على النار حتى يصير مثل الغراء، فإذا أرادوا تجربته شرط أحدهم جسده وسيل الدم، ثم شممه هذا السم، فإذا تراجع الدم علم أنه جيد ومسح الدم لئلا يرجع إلى جسده فيقتله، فإذا أصاب الإنسان قتل لوقته-ولو مثل شرطة الحجام، وليس له عمل فى غير الجرح والدم، وإن شرب منه لم يضرّ.
стр. 2366
وبلدانهم كلها معادن، وكلما تصاعدت كان أجود ذهبا وأكثر، وفيها معادن الفضة والنحاس والحديد والرصاص وحجر المغناطيس والمرقشينا والجمشت والزمرد وحجارة شطبا، فإذا بلت الشطبة منها بزيت وقدت مثل الفتيلة.
وفى أوديتهم شجر المقل والإهليلج، والأذخر، والشيح، والسنار والحنظل وشجر البان. وبأقصى بلدهم النخل وشجر الكرم والرياحين.
وبها سائر الوحوش من السباع والفيلة، والنمور والفهود، والقردة وعناق الأرض والزياد، ودابة تشبه الغزال حسنة المنظر، بها قرنان على لون الذهب، قليلة البقاء إذا صيدت.
ومن الطيور الببغاء، والنقيط، والنوبى والقمارى، ودجاج الحبش، وحمام بازين انتهى.
ويؤخذ مما تقدم أن البلمية عرب يكثرون الترحال، لا يستقرون فى موضع واحد، وينتقلون فى الصحراء الكائنة بين النيل والبحر الأحمر. وكانوا فى مبدأ أمرهم بقرب أرض الحبشة ثم تنقلوا إلى قرب أرض مصر رغبة فى النهب وكثرة المراعى، وحصل منهم كثير من الإغارات على هذه الديار نشأ منها مضرات جسيمة.
وفى زمن (يوروبوس) حاكم مصر من طرف الرومانيين، أغاروا على ناحية قفط وأخذوها وأخذوا مدينة بطليموسة، وأرسل خلفهم الحاكم المذكور عساكر وحاربهم وأجلاهم عن البلاد، وأسر منهم عددا وافرا أرسله إلى روما فتعجب أهلها من شناعة زيهم وهيآتهم.
ولشدة أذى البلمية وكثرة شرهم، ترك القيصر (ديوكليتيان) للنوبة أرضا عظيمة السعة على شواطئ النيل، واشترط عليهم منع هؤلاء العصاة من الإغارات على الديار
стр. 2367
المصرية، وقرر لهم فى كل سنة مبلغا كان يدفع لهم فى نظير منعهم من تعديهم على ملك الرومانيين، وكان منهم سفير فى القسطنطينية.
وفى سنة ٢٩١ كان الحرب قائما بينهم وبين الحبشة.
وفى سنة ٢٧٨ عدى ثلثمائة منهم البحر الأحمر ووصلوا إلى ناحية (رايت) فهدموها وقتلوا أهلها، وخربوا الدير المجاور لها وقتلوا رهبانه. فجرد إليهم من ناحية (فاران) ستمائة من عساكر العرب فقتلوهم عن آخرهم.
وكان قد حصل منهم الهجوم أيضا على الواحات فخربوها ودمروا بلادها وقتلوا أهلها، وذلك فى زمن الأمير (تستوريوس).
وأحوال هؤلاء العرب من حيث الديانة والعوائد غير معلومة على الحقيقة، وذكر (بروكوب) أنهم كانوا يقدسون إزيس وأزريس وبرياب، وأنهم كانوا يقربون إلى الشمس قرابين من الآدميين. وفى مؤلفات (هليودور) أن سفراء البلمية كان سلاحهم القوس، وكان فى طرف نشابهم عظم مصور فى صورة تاج.
وشرح بعض حالهم فى الحرب/فقال: إن هؤلاء العرب وقت محاربتهم للفرس كانوا يضعون ركبهم على الأرض دفعة واحدة بسرعة، ويدخل الواحد منهم تحت بطن حصان الفارس ويشق بطنه فيهيج الحصان ويرمى راكبه فيقتله العرب.
ولما انتشرت الديانة العيسوية دخل فيها كثير منهم، وكان عندهم أسقف يعلمهم قواعدها. وذكر ابن الكندى أن أمراء مصر فى صلاة العيد، كان من عادتهم وضع حراس فى أسفل الجبل المقطم من جهة بركة الحبش، لوقاية أهل الفسطاط من إغارات البجاة فى أيام الأعياد وقت الصلاة. فإنه كثيرا ما جاء البجاة على الهجن والجمال فى مثل هذه الأيام، وسطوا على المدن ونهبوها وقتلوا أهلها وقت الصلاة. ففى زمن أحمد بن طولون سنة ست وخمسين ومائتين أغاروا على الفسطاط فى يوم العيد وقت الصلاة، وقتلوا ونهبوا وعادوا من غير أن يلحقهم أذى.
стр. 2368
وقد تنبه لذلك عبد الحميد بن عبد الله، من ذرية سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، فأكمن لهم فى الصعيد، فبعد أن أغاروا ورجعوا قام عليهم الكمن فقتلهم وقتل رئيسهم الأعور.
وفى المقريزى أيضا: أن فى البجة فى الإسلام وقبله أذية على شرق صعيد مصر، خربوا هناك قرى عديدة، وكانت فراعنة مصر تغزوهم وتوادعهم أحيانا لحاجتهم إلى المعادن، وكذلك الروم حين ملكوا مصر، ولهم فى المعادن آثار مشهورة، وكان أصحابهم بها وقد فتحت مصر.
قال عبد الرحمن بن عبد الحكم: إن عبد الله بن سعد عند رجوعه من حرب النوبة وجد البجة مجتمعين على شاطئ النيل فسأل عنهم فقيل له: إنهم قوم لا رئيس لهم فتركهم بدون اعتناء بهم، ولم يعمل معهم شروط مصالحات. وأول من صالحهم عبد الله ابن الحجاب السلولى. ويقال إنه مذكور فى خطابه أنه يدفع إلى البجاة ثلثمائة بعير على أن يحضروا فى مصر، بشرط أن لا يقيموا بها، وتعهد البجاة أنهم لا يقتلون مسلما ولا ذميا، وإن حصل ذلك منهم بطلت الشروط المعقودة، وشرط عليهم أن لا يؤوا آبقا من عبيد المسلمين، ولا فارّا من الأهالى، وأن من يسرق منهم شاة يدفع أربعة دنانير، وبقرة يدفع عشرة، ووكيلهم يسكن الصعيد رهينة عند المسلمين.
وفى بعض الأزمان توجه كثير من المسلمين إلى المعدن، واختلطوا بالبجاة ونكحوا من نسائهم، فدخل فى الإسلام كثير منهم من القبيلة المعروفة بالحدارب، ولكن كان إسلامهم ضعيفا وكان الحدارب مع كثرتهم أقل عددا من الزنافج، وهم قبيلة أخرى من البجاة أكثر عددا، وكانوا متغلبين فى القديم على الحدارب، لكن بتوالى الدهور صار الحدارب حاكمين عليهم حتى جعلوهم بمثابة الرعاة لإبلهم، والخدم فى مصالحهم، وكل واحد من الحدارب كان رئيسا على عدة من الزنافج يرثهم عنه أولاده، وكان أكثرهم شهرة وشجاعة يسكن بجوار عيذاب والعلاقى، وهو محل معدن الذهب.
стр. 2369
قال أبو الفداء فى تقويم البلدان: «العلاقى بفتح العين المهملة واللام المشددة ثم ألف وقاف مكسورة ثم تحتية».
قال ابن سعيد: «العلاقى من بلاد البجاة، وهم سودان مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان، وهى بالقرب من بحر القلزم ولها مغاص ليس بالجيد، وبجبلها معدن الذهب يتحصل منه بقدر ما ينفق فى استخراجه، وجبل العلاقى مشهور، وفى شرقى العلاقى الوضح منزل الحجاج.
ثم قال: قال العزيزى: إذا أخذت من أسوان إلى سمت الشرق، تصل إلى العلاقى بين اثنتى عشرة مرحلة، وبين العلاقى وعيذاب ثمان مراحل، ومن العلاقى يدخل الإنسان فى بلاد البجاة. انتهى.
ووقت أن كان حاكم أسوان يأتى إليها من العراق، أكثر البجه من الإغارات على الديار المصرية، فوصل الخبر إلى الخليفة المنصور فأرسل خلفهم عبد الله بن الجهم، فوقع بينه وبينهم جملة وقعات، وانتهى الأمر بينهم على المصالحة وذلك فى شهر ربيع الأول سنة ٢١٦.
كما نص عليه المقريزى فى خططه حيث قال: كتاب كتبه عبد الله بن الجهم مولى أمير المؤمنين صاحب جيش الغزاة، عامل الأمير أبى إسحق ابن أمير المؤمنين الرشيد، فى شهر ربيع الأوّل سنة ٢١٦، لكنون بن عبد العزيز عظيم البجة بأسوان: «أنك سألتنى وطلبت إلى أن أؤمنك وأهل بلدك من البجه، وأعقد لك ولهم أمانا علىّ وعلى جميع المسلمين، فأجبتك إلى أن عقدت لك علىّ وعلى جميع المسلمين، أمانا ما استقمت واستقاموا على ما أعطيتنى، وشرطت لى فى كتابى هذا وذلك أن يكون سهل بلدك وجبلها من منتهى حد أسوان من أرض مصر، إلى حد ما بين دهلك وباضع ملكا للمأمون عبد الله بن هرون أمير المؤمنين ﵁، وأنت وجميع أهل بلدك كعبيد لأمير المؤمنين، إلا أنك تكون فى بلدك ملكا على ما أنت عليه فى البجه، وعلى أن تؤدى إليه
стр. 2370
الخراج فى كل عام على ما كان عليه من سلف البجة، وذلك مائة من الإبل أو ثلثمائة دينار وازنة داخلة فى بيت المال، والخيار فى ذلك لأمير المؤمنين ولولاته، وليس لك أن تؤخر شيئا عليك من الخراج، وعلى أن كل واحد منكم إن ذكر محمدا، رسول الله ﷺ ، أو كتاب الله، أو دينه بما لا ينبغى أن يذكر به، أو قتل أحدا من المسلمين/ حرا أو عبدا فقد برئت منه الذمة، ذمة الله، وذمة رسوله ﷺ ، وذمة أمير المؤمنين، أعزه الله وذمة جماعة المسلمين، وحل دمه كما يحل دم أهل الحرب وذراريهم، وعلى أن أحدا منكم إن أعان المحاربين على أهل الإسلام بمال، أو دله على عورة من عورات المسلمين، أو أثر لغرّتهم فقد نقض ذمة عهده وحل دمه، وعلى أن أحدا منكم إن قتل أحدا من المسلمين عمدا أو سهوا أو خطأ، حرا أو عبدا، أو أحدا من أهل ذمة المسلمين، أو أصاب لأحد من المسلمين أو أهل ذمتهم ما لا ببلد البجة أو ببلاد الإسلام أو ببلاد النوبة، أو فى شئ من البلدان برا أو بحرا فعليه فى قتل المسلم عشر ديات، وفى قتل العبد المسلم عشر قيم، وفى قتل الذمى عشر ديات من دياتهم، وفى كل مال أصبتموه للمسلمين وأهل الذمة عشرة أضعافه، وإن دخل أحد من المسلمين بلاد البجة تاجرا أو مقيما أو مجتازا أو حاجا فهو آمن فيكم كأحدكم حتى يخرج من بلادكم، ولا تؤوا أحدا من آبقى المسلمين، فإن أتاكم آت فعليكم أن تردوه إلى المسلمين، وعلى أن تردوا أموال المسلمين إذا صارت فى بلادكم بلا مؤنة تلزمهم فى ذلك. وعلى أنكم إن نزلتم ريف صعيد مصر لتجارة أو مجتازين لا تظهرون سلاحا ولا تدخلون المدائن والقرى بحال، ولا تمنعوا أحدا من المسلمين الدخول فى بلادكم والتجارة فيها برا وبحرا، ولا تخيفوا السبيل ولا تقطعوا الطريق على أحد من المسلمين ولا أهل الذمة، ولا تسرقوا المسلم ولا ذمى مالا، وعلى أن لا تهدموا شيئا من المساجد التى ابتناها المسلمون بصيحة وهجر وسائر بلادكم، طولا وعرضا، فإن فعلتم ذلك فلا عهد لكم ولا ذمة، وعلى أن كنون بن عبد العزيز يقيم بريف صعيد مصر، وكيلا يفى للمسلمين بما شرط لهم من دفع الخراج ورد ما أصابه البجة للمسلمين من دم ومال، وعلى أن أحدا من البجة لا يعترض حد القصر إلى قرية يقال لها قبان من بلاد النوبة، حد الأعمدة.
стр. 2371
عقد عبد الله بن الجهم مولى أمير المؤمنين، لكنون بن عبد العزيز، كبير البجة، الأمان على ما سمينا وشرطنا فى كتابنا هذا، وعلى أن يوافى به أمير المؤمنين. فإن زاغ كنون أو عاث فلا عهد ولا ذمة وعلى كنون أن يدخل عمال أمير المؤمنين بلاد البجة لقبض صدقات من أسلم من البجة، وعلى كنون الوفاء بما شرط لعبد الله بن الجهم.
وأخذ بذلك عهد الله عليه بأعظم ما أخذ على خلقه من الوفاء والميثاق، ولكنون بن عبد العزيز ولجميع البحة عهد الله وميثاقه، وذمة أمير المؤمنين، وذمة الأمير أبى اسحق ابن أمير المؤمنين الرشيد، وذمة عبد الله بن الجهم، وذمة المسلمين، بالوفاء بما أعطاه عبد الله بن الجهم ما وفى كنون بن عبد العزيز بجميع ما شرط عليه، فإن غيّر كنون أو بدل أحد البجة فذمة الله جل اسمه، وذمة أمير المؤمنين، وذمة الأمير أبى اسحق ابن أمير المؤمنين الرشيد، وذمة عبد الله بن الجهم والمسلمين بريئة منهم. انتهى.
وقد بقى البجة على ذلك زمنا ثم عادوا لما كانوا عليه من الإغارة على البلاد القبلية، ومن كثرة الشكوى أرسل الخليفة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، عسكرا تحت أمرة محمد بن عبد الله الكوفى أو القمى على ما ذكره المقريزى، فأخذ عدة من العساكر المشهود لهم بالثبات وسار بهم من البر، وكانت المراكب تسير من البحر إلى أن وصل إلى موضع وجد فيه كثيرا من البجة قد ركبوا الإبل فخافهم المسلمون، فاحتال وكتب لهم كتابا فى طومار طويل، ولفه بثوب وأرسله إليهم فاجتمعوا ليقرؤه فهجم عليهم حينئذ بعسكره، وكان فى رقاب الخيل أجراس، فحصل، منها صلصلة خافت منها الجمال فذهبت على وجهها بركابها، وأوقع عسكره السلاح فيمن بقى، فأفنى منها خلقا كثيرين، ومات أميرهم فى هذه الوقعة فقام بدله ابن أخيه وطلب المصالحة، فأجابه إلى ذلك بشرط أن يتوجه معه إلى دار الخلافة ببغداد، فرضى بذلك وتوجه إلى سر من رأى سنة ٢٤١ فحصل له غاية الإكرام وعقدت شروط المصالحة على أداء الإداوة والبقط فى كل سنة، وأن لا تتعرض البجة بوجه من الوجوه لمنع المسلمين عن استخراج المعدن.
стр. 2372
والبقط كما فى المقريزى: «مقدار من الرقيق يجعل كل سنة الحاكم الجهة». ثم إن محمدا قام من مدينة أسوان وترك بها جميع ما كان من الأسلحة والمهمات الحربية ومن بعده صار كل حاكم أقام بها يأخذ منها بعضا حتى لم يبق منها شئ.
وفى أثناء ذلك كان كثير من المسلمين يتوجه إلى المعدن ويقيم مع البجة، فأخذت أحوالهم وطباعهم تحسن من الاختلاط بالمسلمين.
وقد صار فى هذه المدة استكشاف عروق من الذهب وشاع خبرها، فسار إليها كثير من الخلائق، وتوجه إليها عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحميد العمرى فى عودته من وقعة بلاد النوبة سنة ٢٥٥، وكان معه عدد وافر من عرب ربيعة وعرب جهينة وغيرهم، فكثرت بهم العمارة فى البجه، حتى صارت الرواحل التى تحمل إليهم الميرة من أسوان ستين ألف راحلة غير الجلاب، أى المراكب، التى كانت تنقل لهم من مدينة القلزم إلى ميناء عيذاب.
وذكر بعضهم أنه قبل أن يدخل أحد من البجة فى دين الإسلام/أمرتهم كهانهم عن لسان معبودهم، بالطاعة لربيعة ولكنون معا، فهم على ذلك. فلما قتل العمرى واستولت ربيعة على الجزائر، والاهم على ذلك البجة، فأخرجت من خالفها من العرب.
ومن ذلك الحين صار عرب ربيعة والبجة يتزوج بعضهم من بعض فحصل امتزاج الحيين وارتفع الشقاق من بينهم، وقويت شوكتهم.
وأما البجة القاطنون فى صحراء بلد علوة، من ابتداء البحر الأحمر إلى أول حدود الحبشة، فيشابهون الحدارب، ومنهم رحالة نزالة كثيرة المواشى وأحوالهم كأحوالهم فى المأكل والأسلحة وغير ذلك، ولا تتميز الحدارب منهم إلا بالشجاعة وقلة الشر، وهم إلى الآن وثنيون يعبدون الشيطان ويتبعون فى أمورهم أقوال كهنتهم، ولكل بطن منهم كاهن منعزل عنهم يعتقدونه.
قال (كترمير): «بلاد العلوة واقعة قبلى بلاد مصر، فى جزيرة بين النهر الأزرق
стр. 2373
والأبيض ومحلها الآن مدينة حلفاية، عند مصب النهرين». انتهى.
وقد ذكر المقريزى فى خططه كيفية اعتقادهم وما يفعله الكهنة، ثم قال:
قال أبو الحسن المسعودى: «فأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وتشعبوا فرقا وملكوا عليهم ملكا، وفى أرضهم معادن الذهب، وهو التبر، ومعادن الزمرد، وتتصل سراياهم ومناسرهم على النجب إلى بلاد النوبة فيغزون ويسبون».
وقد كانت النوبة قبل ذلك أشد من البجة إلى أن قوى الإسلام وظهر، وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاقى وعيذاب، وسكن فى تلك الديار خلق من العرب من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، فاشتدت شوكتهم وتزّوجوا من البجه، فقويت البجه ثم صاهرها قوم من ربيعة فقويت ربيعة بالبجاة على من ناواها وجاورها من قحطان وغيرهم ممن سكن تلك الديار.
وقال صاحب المعدن-فى وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة-بشر بن مروان بن إسحق بن ربيعة: والبجه المالكة لمعدن الزمرد وتتصل ديارها بالعلاقى، وهو معدن الذهب، وبين العلاقى والنيل خمس عشرة مرحلة، وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان وجزيرة سواكن أقل من ميل فى ميل، وبينها وبين البحر الحبشى بحر قصير يخاض وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسة وهم مسلمون.
وذكر صاحب كتاب الفهرست: أنه كان للبجة كتابة مخصوصة ولكنه لم يرها.
وقد تكلم على البجة ابن حوقل، والشريف الإدريسى، وأبو الفدا، وابن الوردى وآخرون من جغرافى العرب.
ومن اطلع على ما ذكره المقريزى فى خططه (١)، يجده محتويا على ما قاله كل منهم.
стр. 2374
وممن ساح أرضهم (بروس) الإنكليزى وأطلق عليهم اسم بجا، وجعل حدود أرضهم من ابتداء مصوع إلى سواكن على الساحل، ثم يكونون فى الغرب إلى حدود صحراء مسليمى المحدودة من الجهة القبلية بالنيل، ومن الجهة البحرية بدائرة الانقلاب.
وتكلم فى مواضع كثيرة على لسانهم، وذكر أنهم الرعاة، وأن هذا اللسان لا يخالف اللسان الحبشى القديم، وتكلم على فرقة من الرعاة فى موضع آخر من سياحته، سماها (أجفرى) وهم أشجع الجميع، ومسكنهم جبل همان الممتد إلى قريب من مصوع وسواكن، وبالنسبة لموقعهم ظن أنهم من البجه أيضا.
ويغلب على الظن أن عرب العبابيد من نسل البجة، لتقارب صفاتهم وعوائدهم وأماكنهم، فإنهم منتشرون فى الصحراء الواقعة بين البحر الأحمر ومصر، وبلاد النوبة وبلاد الحبشة، وفوق الجبال والسهول التى فى شرقى النيل.
واستبعد كثير من السياحين كون العبابدة من العرب، فإن بينهم وبين عرب مصر مخالفة كلية فى الأخلاق والطباع، والملابس وغير ذلك. والغالب على لونهم السواد، ولكن تقاطيعهم لا تشبه تقاطيع العبيد بل تشبه تقاطيع الأوروباويين، وأكثرهم لا يلبس إلا مئزرا يربطه بوسطه، ولهم حراب طولها نحو خمسة أقدام وحديدها طويل مستدير، ودرقات مستديرة من جلد الفيل، وأكثر مواشيهم الأغنام، وهجنهم سريعة العدو تقطع المائة فرسخ فى أربعة أيام يركبونها فى الأسفار والحروب، ولا يستعملون الخيل، وفى العادة يجعل عليهم خفر القوافل، ولهم بلاد على الشاطئ الأيمن من النيل مثل ناحية دروة والشيخ عامر ورادسية. ويتكلمون العربية إلا أن لهم لغة أخرى يشتركون فيها مع عرب الجبال الواقعة فى جهة النيل الشرقية.
وذكر (بروس) أن لغتهم التى يتكلمون بها هى لغة أهل سواكن.
стр. 2375
وقال فى مواضع من سياحته: إن لغة أهل هذه المدينة ولغة أهل مصوع، وحباب، وجزيرة دهلك، هى لغة البجة، الحبش القديم.
وربما كان عرب البشارية فرعا من البجة سكنوا الأرض القريبة من البحر الأحمر، من ابتداء سواكن إلى قرب اسنا.
ولنورد لك تراجم بعض من تقدم أسماؤهم فى هذا المحل فنقول:
أما (أولنبيودور) ففى قاموس الجغرافية الإفرنجى، أن من هذا الاسم اثنين، أحدهما فيلسوف كان يدرس فى مدينة الاسكندرية فى القرن السادس من الميلاد، والآخر كان فى القرن الخامس.
وأما (أجاتمير) فهو عالم يونانى كان فى القرن الثالث من الميلاد، واختصر جغرافية/بطليموس.
وقال أيضا: إن (إتيين البيزنتى) عالم يونانى ولد بالقسطنطينية، وكان فى أواخر القرن الخامس من الميلاد. له تآليف منها: قاموس الجغرافية والتاريخ، ويعتمد عليه الفرنساوية فى أخبار الأقدمين، وقد ضاع أغلبه.
وقال أيضا: إن (بروكوب) مؤرخ يونانى ولد فى مدينة سيزاريه (أى قيسارية) من بلاد فلسطين سنة خمسمائة من الميلاد، ودرس بالقسطنطينية وتبع (بليزير) رئيس الجيوش الرومانية بوظيفة كاتب، فى وقعاته بآسيا وأفريقية وإيطاليا، ثم تعين فى أعضاء مجلس السيناتو، ثم فى سنة خمسمائة واثنتين وستين تعين حاكما بالقسطنطينية، ومات سنة خمسمائة وخمس وستين، وله مؤلفات فى التاريخ تكرر طبعها.
стр. 2376
وكان (بليزير) فى زمن القيصر (جوستنيال) ولد سنة أربعمائة وتسعين ميلادية، ومات سنة خمسمائة وخمس وستين.
وأما (هيليودور) فهو بطريك من تسالية من بلاد الروميلى ولد فى أميز (حمص) من (فنيكيا)، وكان فى القرن الرابع من الميلاد وتكلم على مصر فى قصة ألفها.
وأما (بروس) الإنجليزى فهو من بلاد (الإيكوس) من جزائر بلاد الإنجليز، ولد سنة ألف وسبعمائة وثلاثين ميلادية، ومات سنة ألف وسبعمائة وأربع وتسعين. وساح فى بلاد الأندلس وبلاد التركمان، وتعين قنصلا فى بلاد الجزائر سنة ثلاث وستين، ومذ كان بهذه الوظيفة ساح فى إفريقية الغربية ودخل أرض الحبشة، ومن سنة ثمان وستين إلى سنة اثنتين وسبعين-يعنى مدة أربع سنين-اجتهد فى البحث عن منابع النيل ثم رجع، ولم يتيسر له الوقوف على حقيقتها، ولم يطلع إلا على منبع البحر الأزرق، وألف كتابا فى ذلك حصلت فوائده وانتفع به فى زياده معلومية جغرافية بلاد الحبشة. انتهى.
(بجيرم)
قرية من مديرية الغربية من مركز زفتة، واقعة على ترعة الخضراوية التى فمها من بحر الشرق فى شمال فم القرينين، على بعد ثلثى ساعة، المنصبة فى بحر شيبين من جهة نهطاى، وفى شرقيها على بعد ساعة قرية منية برى الواقعة على بحر دمياط، وفى غربيها على بعد ساعتين قرية شبين الكوم، وبقريها على الترعة المذكورة قنطرة بثلاث عيون، وهى قرية صغيرة لكن لها اعتبار بمن نشأ منها من أفاضل العلماء.
стр. 2377
ترجمة الشيخ سليمان البجيرمى
فقد ذكر الجبرتى (١) فى حوادث سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف، أن منها الفقيه المحدث خاتمة المحققين، وعمدة المدققين .. الشيخ سليمان بن محمد بن عمر البجيرمى الشافعى الأزهرى، ينتهى نسبه إلى الشيخ جمعه الزبيدى، نسبة إلى زبيد قرية بالقرب من منية ابن خصيب، وينتهى نسب الشيخ جمعه المذكور إلى سيدى محمد بن الحنفية ﵁.
ولد المترجم ببيجيرم سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف، وحضر إلى مصر صغيرا دون البلوغ، ورباه قريبه الشيخ محمد البيجيرمى ولازمه حتى تأهل للعلم، فحضر على الشيخ العشماى، وحضر دروس الشيخ الحفنى، وأجازه الملوى، والجوهرى، والمدابغى، وأخذ عن الديربى وغيره.
وحضر أيضا على الشيخ الصعيدى والسيد البليدى، وشارك كثيرا من الأشياخ كالشيخ عطية الأجهورى.
وكان إنسانا حسنا جميل الأخلاق، مجتنبا مخالطة الناس، مقبلا على شأنه. وقد انتفع به أناس كثيرون، وكف بصره فى آخر عمره، وعمّر وتجاوز المائة.
ومن تآليفه المشهورة بأيدى الطلبة: حاشية على المنهج، وحاشية على الخطيب، وغير ذلك. وقبل وفاته سافر إلى مصطيه قرية بالقرب من بجيرم فتوفى بها ليلة الإثنين وقت السحر، ثالث عشر رمضان من السنة المذكورة، ودفن هناك عليه رحمة الله تعالى.
стр. 2378
(بخانس)
قرية من قسم فرشوط بمديرية قنا، على الشاطئ الغربى للنيل، فى مقابل جبل الطارق، وكانت تسمى قديما (طوشونس) وفى كتب الأقباط تسميتها (موشنس)، وترجمها بعض مؤرخى العرب موخنس أو مخانس بالميم، ثم استعملت بعد بالباء فى أولها.
وكان بها دير مشهور، وفيها الآن نخيل كثير، وحدائق ذات بهجة، ويزرع فيها قصب السكر كثيرا وفيها له عصارات، وفيها أبراج حمام، وسواق معينة، وسواق على البحر، وفى غربيها على نحو مائة وخمسين قصية الباطن المعروف بأبى حمار يمتد مغربا إلى سمهود، فيجتمع مع باطن الرنان ويسيران معا فى الشمال حتى يصبا فى ترعة السوهاجية، ومن سوهاج إلى سيوط يسميه بعض الناس بأبى حمار، ومن سيوط إلى حيث يصب فى اليوسفى لا يعرف إلا بأبى حمار، وفى الأقاليم الوسطى إلى اللاهون يعرف باليوسفى، وبعضهم يسميه المنهى، وعند اللاهون ينفصل منه باطن يمر بحوضى قنبشة والرقة ويسمى هناك ترعة اللاهون، وبعضهم يسميه المجنونة، وبعضهم يسميه الهدار، وفى بلاد الجيزة يعرف باللبينى، ومن هناك إلى مريوط يعرف باليوسفى وترعة العصارى. ويتبع تلك القرية عدة نجوع.
(البدارى)
بلدة من مديرية سيوط بقسم الشروق شرقى النيل على ثلث ساعة، وقبلى ساحل سيلين بأكثر من ساعة، متفرقة على عدة كفور، وأبنيتها بالآجر واللبن وبها جوامع عامرة وأهلها مشهورون بالكرم.
وفيها بيت مشهور يقال له بيت أبى ناصر، كان منه الحاج عبد الله أبو/ناصر، ناظر قسم فى زمن العزيز محمد على، وكان ابنه عبد الحق حاكم خط فى زمن الخديوى اسماعيل. ويزرع فى أطيانها الدخان المشروب بكثرة والمزروعات المعتادة، وتكسب أهلها من ذلك. وسوقها كل يوم اثنين.
(بداوى)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز فارسكور، على شاطئ البحر الشرقى على بعد مائتين وخمسين قصبة، وقبلى فارسكور على بعد عشرة آلاف قصبة.
стр. 2379
أبنيتها كمعتاد الأرياف، وبها مسجد كبير بمنارة معمور بالعبادة، وجنان ذوات ثمار، ولعمدتها أحمد سعدة منزل ضيافة وقصر مشيد، بجانبه حديقة، وزراعته تنيف على ألف فدان. ولها سوق كل يوم سبت يباع فيه أصناف الحبوب والعطارة وغيرها، وتكسب أهلها من زراعة الأرز والقطن وبعض الحبوب.
(البدرشين)
هذه البلدة من البلاد المشهورة بمديرية الجيزة، بالجانب الغربى للنيل، تمر السكة الحديد بينها وبين النيل، وفى قبليها جسر سقارة، وأبنيتها بالآجر واللبن.
وبها مساجد عامرة، وبها تسع عشرة مصبغة وثمان طواحين، ومعصرة زيت وأنوال لنسج مقاطع الكتان وغيره، وثلاث دكاكين وسط البلد يباع فيها العطارة، وفندقان ينزل بهما المسافرون، وفى جهتها البحرية معمل بارود من زمن العزيز محمد على مستعمل إلى قبيل تولية الخديوى المعظم محمد باشا توفيق، كان تجلب له الأسباخ من تلول منية رهينة، وتلول مصر العتيقة.
وبها تجار غلال وتكسب أغلب أهلها من الفلاحة، ومن مزروعاتهم الخيار وقليل من قصب السكر، وقد أنشئ بها فابريقة لصناعة السكر.
وبالقرب منها محطة السكة الحديد، وعمدتها على أحمد الدالى منزله فى جهتها الغربية، وكان أبوه حاكم خط سابقا.
ويقال إنه فى زمن فتح مصر حصلت بها وقعة استشهد فيها جماعة، ولقبورهم آثار إلى الآن: منهم الشيخ الجنيد فى قبليها بأرض المزارع، والشيخ عمران فى شرقيها، وسعد وسعيد فى بحريها.
وفى بعض التواريخ أن محلها فى الأصل جزيرة. ويقال إنه كان بها قصر لزليخا امرأة العزيز فى عهد الملك الريان، فلما وضع سيدنا يوسف يده على خزائن الأرض،
стр. 2380
وخرج يوما فى موكب للنزهة على البحر قابلته زليخا وقالت: «سبحان من أزل الملوك وأعز العبيد» فقال لها: من أنت؟ فقالت: زليخا. فقال لها: «أصبح البدر شينا» فسميت بهذا الاسم إلى الآن.
وبها كثير من نخل الأمهات، ولها سوق كبير كل يوم أربعاء.
ومنها رسلان أفندى نوير، ومحمد أفندى الصياد، وإبراهيم أفندى الدالى برتبة الملازمين بالجهادية.
(البراذعة)
قرية صغيرة من مركز قليوب بمديرية القليوبية، واقعة على الشط الغربى لترعة القرطامية، وفى الشمال الشرقى لعزبة بنهادة، بنحو ألفى متر، وفى جنوب منديس بنحو ساعة، وأبنيتها بالآجر واللبن، وأغلب منازلها بمقاعد، وبها جامع بمنارة وكنيسة للأقباط تتردد إليها أقباط بلاد الجيزة، وبها حديقة لعمدتها محمد علام، الذى كان ناظر قسم زمن المرحوم سعيد باشا، وجعل ابنه محمد علام مأمور مركز قليوب.
ترجمة إبراهيم أفندى سالم
ومن هذه القرية إبراهيم أفندى سالم، دخل مكتب قليوب سنة تسع وأربعين ومائتين وألف، وبعد أن دخل مدرسة قصر العينى ومدرسة أبى زعبل، وتعلم بهما مبادئ العلوم انتقل إلى مدرسة المهندسخانة سنة أربع وخمسين، ودرس علومها وفاق أقرانه، فكان هو الأول من فرقته.
وفى سنة ستين أخذ رتبة ملازم، وسافر مع تلاميذ فرقته إلى عمل رسم شفالك الغربية والدقهلية تحت رياسة (لانبير بيك) وبهجت باشا.
стр. 2381
وفى سنة ثلاث وستين تعين للتدريس بمدرسة المهندسخانة.
وفى سنة ست وستين جعل باشمهندس مديرية القليوبية برتبة يوزباشى، فلم يلبث إلا قليلا وأقيمت عليه دعوى أنه أهمل فى رىّ الأرض، فحكم عليه بحطه إلى رتبة الملازم.
ولما جلس المرحوم سعيد باشا على تخت هذه الديار، تعين معاونا مع بهجت باشا فى مسح أراضى الفيوم، فأقام فى ذلك سنة، ثم بأمر كريم تعين فى ضمن من تعينوا لعمل رسومات وموازين لعمل ترعة القنال المالحة، فأقام فى ذلك أربع سنين.
وفى سنة ست وسبعين تعين مع أخينا محمود بيك الفلكى لرسم الخريطة الفلكية للأقاليم البحرية من ديار مصر، فأقام معه حتى تمت هذه الخرط جميعها، ثم اشتغل معه فى خرط الوجه القبلى، وترقى إلى رتبة صاغقول أغاسى، ثم إلى البيكباشى وهو فى تلك الأشغال.
ولما أراد الخديوى إسماعيل باشا عمل السكة الحديد فى البلاد السودانية، واقتضى الحال استكشاف الطرق من سواكن إلى بربر ليتخير أسهل طريق منها، عين المترجم وجملة من المهندسين بمعية إسماعيل بيك الفلكى لاستكشاف ذلك، وعمل ما يلزم من الرسومات والموازين، فتوجهوا وأجروا ذلك، وحضروا بعد ثمانية أشهر.
ثم صار من رجال ديوان الأشغال المعتمدين، تحال على عهدته المشكلات الهندسية والأمور الدقيقة، فيقوم بها لما فيه من الاستعداد والتثبت فى فنونه، وهو إنسان خيّر حسن السمت والسير والسيرة.
(براوة)
قرية من مديرية بنى سويف بمركز ببا، على الشاطئ الغربى لبحر
стр. 2382
يوسف، فى غربى ناحية الدير بنحو مائتين وخمسين مترا، وفى شرقى البهسمون بنحو أربعة آلاف متر وبها زاوية للصلاة/وبدائرها نخيل، وينسب إليها العالم العلامة والحبر الفهامة، الشيخ عبد الله البراوى الشافعى.
(البربى)
هى قرية قديمة على تل عال، قبلى ناحية دوير عائد، بنحو نصف ساعة، وشرقى الغنائم بأكثر من نصف ساعة.
وهى من مديرية سيوط بمركز بوتيج، وبها جوامع بلا منارات، وتكسب أهلها من الزرع المعتاد، وفيها أنوال لنسج الصوف، ولها سوق كل يوم أحد يباع فيه، ما عدا البهائم الكبيرة.
(برج مغيزل)
قرية من أعمال رشيد فى بحريها شرقى النيل، منها إلى رشيد نحو ساعة ونصف، وتجاهها فى الشاطئ الغربى جبخانة قايتباى الكردى، والبحر الملح فى شمالها على نحو ساعة، وفى شرقيها البرارى.
وفيها مسجد جامع ونخيل بغاية الكثرة على أصناف متعددة، ويصاد فيها السمك والطير كثيرا، وعدة أهلها أربعمائة وأربعون نفسا، تكسبهم من ثمر النخل، وصيد السمك والطير وقليل من الزرع.
ترجمة الشيخ عبد الواحد البرجى
وإليها ينسب، كما فى خلاصة الأثر، عبد الواحد الرشيدى البرجى الشافعى، ترجمة الخفاجى وقال فى نعته:
(١) خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر للمحبى. القاهرة، المطبعة الوهيبة،١٢٨٤ هـ ج ٢، ص ٩٩.
стр. 2383
حسنة بها ذنب الزمان غفر، وأصبح به عصره على سائر الأزمان يفتخر، فهو ريحانة الدهر النضر، والذائع ذكره حتى كأنما سعى به الخضر، له محاورات تطرز بها حلل الوشائع، وسقيط حديث كأنه جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع.
ثم قال: فمن لؤلؤه الرطب، ورشح قلمه العذب، قوله فى نائب غير رشيد، تفلج به ثغر رشيد:
قلت للنائب الذى … قد رأينا معايبه
لست عندى بنائب … إنما أنت نائبه
ومثله قول الآخر:
وقاض لنا حكمه باطل … وأحكام زوجته ماضيه
فيا ليته لم يكن قاضيا … ويا ليتها كانت القاضية
وله:
لا تحسبن أن هجوى فيك مكرمة … شعرى بهجو لئيم قط ما سمحا
لكن أجرب طبعى فيك فهو كما … جربت فى الكلب سيفا عندما نبحا
وله وقد سمع بموت بعض قضاة مصر:
قالوا قضى القاضى فوا حسرتى … إن لم يكن قد مات من جمعه
مصيبة لا غفر الله لى … إن كنت أجريت لها دمعتى
وقال الشيخ مدين القوصونى، فى ترجمته: شيخنا الفاضل والإمام. الكامل الورع الزاهد، كان عارفا بعلوم شتى، وكان يستحضر أشياء كثيرة من النوادر.
стр. 2384
قال: ورأيت له من المؤلفات كتاب نزهة المسامرة، فى أخبار مصر والقاهرة، ذكر فيه الوزراء الذين تولوا مصر إلى الوزير الأعظم محمد باشا.
وأنشد له من شعره قوله:
يقولون لى قهوة البن هل … تحل وتؤمن آفاتها
فقلت نعم هى مأمونة … وما الصعب إلا مضافاتها
قال: وسألته عن مضافاتها، فأجابنى: هو ما يستعمل معها من المكيفات.
ومن إملائه بثغر رشيد فى سنة تسع بعد الألف:
لعمرك ما أهديت للحب خاتما … ولا قلما مبرى ولا بست عينه
ولا آلة للقطع تقطع بيننا … فما سبب التفريق بينى وبينه
وقال غيره فى توصيفه:
عبد الواحد الرشيدى إمام برج مغيزل، الشيخ الإمام العلامة، كان من مشاهير الفضلاء، قرأ عليه كثير، منهم السيد محمد الجمازى، ثم أنشد له قوله:
لا تصحبن ناقصا فتضحى … قليل حظ كثير ذنب
وانظر إلى الرفع من أبومن … والخفض فى القبر بعد حرب
وكانت وفاته بمصر فى شوال سنة ثلاث وعشرين وألف، ودفن بتربة الجلال السيوطى، وبلغ من العمر مائة فأكثر، قاله الشيخ مدين.
والبرجى تبين أنها نسبة لبرج مغيزل، انتهى.
стр. 2385
(بردين)
هى قرية بمركز بلبيس من مديرية الشرقية، بينها وبين شبرى النخلة نحو ألف وخمسمائة متر، وفى الجنوب الغربى للسكة الحديد على نحو ثلثمائة متر، وبها محطة السكة الحديد، ومحل إقامة مستخدميها.
وفى غربى المحطة بحرى السكة، كشك مشيد وجنينة عظيمة للخديوى إسماعيل باشا، وبها منازل مشيدة للدائرة السنية وديوان التفتيش ومساكن المستخدمين، ومجلسا دعاوى، ومشيخة ومساجد عامرة أحدها بمنارة، وبها مكاتب وأرباب حرف وتجار، وفيها جنان ذات أشجار متنوعة ونخيل، وبها وابورات لسقى المزروعات، ولها سوق كل يوم أحد، وأطيانها ألفان وتسعمائة وستة وعشرون فدانا وكسر، وأهلها ذكورا وإناثا/ألفان وخمسمائة وأربع وأربعين نفسا، وتكسبهم من الزراعة.
ترجمة الشيخ حسن البردينى
وإليها ينسب، كما فى الضوء اللامع للسخاوى (١)، الحسن بن أحمد بن محمد البدر البردينى، ثم القاهرى الشافعى، ولد بقرية بردين من الشرقية فى حدود الخمسين وسبعمائة، قدم القاهرة ونشأ فقيرا، وأنزله أبو غالب القبطى الكاتب بمدرسته التى أنشأها بجوار الخوخة فقرأ على الشمس الكلائى ولم يتميز فى شئ من العلوم.
ولما ترعرع تكسب بالشهادة، ثم ولى التوقيع واشتهر به مع معرفته بالأمور الدنيوية فراج بذلك على ابن خلدون فنوه به.