بيان التكايا التابعة للمشيخة البكرية الآن
وهى تكايا المولوية بالسيوفية، والنقشبندية بالشارع بين الحبانية والداودية، أنشأها- المرحوم الحاج عباس باشا والى مصر، المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ، والنقشبندية أيضا المحدثة بحوش الشرقاوى، والدمرداشية بزاوية سيدى محمد دمرداش المحمدى المتوفى سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، وهى خارج الحسينية بالعباسية، والكلشنية المنسوبة لسيدى إبراهيم المتوفى سنة ٩٤٠ هـ، والتّكية بجوار قصر العينى، والشيخونية بالصليبة، والتكية التى بها ضريح السيدة رقية بجوار باب القرافة، وتكية الهنود بميدان محمد على، والتكية المشهورة بإضافتها للأشرف، بالقرب من ضريح السيدة نفيسة-﵂، والتكية ببولاق، والتكية بالسروجية، والتكية بجوار ضريح أم الغلام، وتكية العظام بشارع الأستاذ العشماوى التى أنشأها الخديو إسماعيل باشا، وبكل من هذه التكايا التسع جماعة من أتراك القادرية، وجميعها بمصر، ويوجد للقادرية بالإسكندرية تكيتان: إحداهما مختصة بالعرب، والثانية مختصة بالأتراك.
وأما التكايا المختصة بالخلوتية فى مصر، فهى تكية درب قرمز، والتكية بجوار سرايا الحلمية، والتكية بالحبانية، والتكية بالركبية، وتكية الشيخ غنام بغيط العدة.
وفى مصر تكايا أخر مطلقة، وهى تكية البخارلية بدرب اللبان، وتكية نظام الدين البخارلية بالحطابة، وتكية المغربى بشارع الإسماعيلية الموصل للأزبكية، وتكية محيى الدين بالمحجر، وتكية البخارى، وتكية المير غنى فى باب الوزير بالمحجر، وتكية البكتاشية بالمغاورى.
стр. 912
ويتبع المشيخة البكرية أيضا مشايخ قراء دلائل الخيرات، ومجالس الأحزاب، وذلك أنه قد جرت العادة فى أغلب الأضرحة الشهيرة كضريح سيدنا الحسين، وبقية أضرحة أهل البيت، وضريحى الإمامين الشافعى والليث، وكضريح الحنفى وغيره من باقى الأضرحة الشهيرة، وفى الموالد أيضا أن تجتمع كل ليلة بعد صلاة العشاء جماعة يقرؤون الأحزاب، والثلث من الدلائل على ضوء الشموع بأصوات مرتفعة، وكيفية مخصوصة، تبرعا بقصد التعبد.
وأكثر الأحزاب استعمالا فى أغلب الموالد حزب الشاذلى المعروف بحزب البر الكبير، غير أن الأضرحة لا يقرأ فيها إلا أحزاب أربابها.
هذا وقد أسلفنا أنه يعمل بمصر موالد كثيرة، ونقول الآن: إن أشهرها المولد النبوى الشريف-على صاحبه أفضل الصلاة والسلام-ثم مولد سيدنا الحسين، وأبى العلاء ببولاق، والسيدة فاطمة النبوية، والسيدة سكينة، والسيدة نفيسة، والسيدة زينب، وسيدى زين العابدين، والإمام الشافعى، والسلطان الحنفى، والشعرانى، والرفاعى، والسعدى المعروف بمولد الشيخ يونس، والبيومى، والشيخ عبد الوهاب العفيفى-﵃ أجمعين-، وكل مولد من هذه الموالد يحتفل الناس به احتفالا زائدا، تحضره جميع أرباب الطرق، ويخدمون فيه ليلا ونهارا، وتتوارد عليه زائرون من مصر وضواحيها، وتتخذ به المقارئ والأذكار والسيارات، المعروفة عندهم بالأشاير، وهى عبارة عن جموع كثيرة من أهل الطرق، يسيرون من منازلهم ليلا، وبأيديهم الشموع، رافعوا الأصوات بالذكر والتهليل، والصلاة والسلام على سيد المرسلين- ﷺ -ولا يزالون كذلك حتى يصلوا إلى الضريح، أو محل الاحتفال بالمولد، ولبعضهم عادات من الحلوى والشموع توزع عليهم حين وصولهم، بعضها مقرر من الأوقاف، وبعضها من مشايخ خدمة الأضرحة.
أما الموالد العمومية خارج مصر، فهى المولد الصغير والمولد الكبير لكل من سيدى أحمد البدوى بطنتدا، وسيدى إبراهيم الدسوقى بدسوق.
стр. 913
العوائد الخصوصية للبيت الصديقى
المولد النبوى الشريف
هو اليوم الذى استنار بطلعته الوجود، وأضاءت منه عوالم الغيب والشهود، قد جرت عادة الممالك الإسلامية شرقا وغربا، بالاحتفال به، وتعظيمه وإجلاله، ولم يحدث ذلك إلا بعد القرون الفاضلة الثلاثة التى شهد رسول الله- ﷺ -بخيريتها، غير أنه بدعة حسنة، لاشتمالها على الإحسان للفقراء، وتلاوة القرآن الكريم، والذكر، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وإظهار السرور والفرح بمولده الشريف.
ولقد أثنى الإمام الكبير أبو شامة شيخ النووى فى رسالة له سماها «الباعث على إنكار البدع والحوادث» مزيد الثناء على الملك المظفر صاحب إربل، المتوفى سنة ٦٣٠ هـ بما كان يفعله من الخيرات فى هذه الليلة الشريفة، مما لم يحك بعضه عن غيره، وحسبك بثناء مثل هذا الإمام فى مثل تلك الرسالة دليلا على حسن هذه البدعة.
وسئل المحقق الولى أبو زرعة، المتوفى سنة ٨٢٦ هـ، وهو الإمام العلامة، والقدوة الفهامة شيخ السادة الشافعية قديما أحمد بن عبد الرحيم بن العراقى عن فعل المولد أمستحب أم مكروه، وهل ورد فيه شئ، أو فعله من يقتدى به؟ فأجاب بقوله: الوليمة وإطعام الطعام مستحب فى كل وقت، فكيف إذا انضم لذلك السرور بظهور نور النبوة فى هذا الشهر الشريف، ولا نعلم ذلك عن السلف، ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها، فكم من بدعة مستحبة، بل واجبة إذا لم ينضم لذلك مفسدة. (اه بالحرف).
стр. 914
ومن شاء المزيد فعليه بمولد الإمام ابن حجر الهيتمى، المتوفى بمكة المكرمة، والمدفون فيها سنة ٩٧٣.
وأكثر الناس عناية بذلك أهل مصر والشام، ولقد كان للملك الظاهر برقوق الموجود فى سنة ٧٨٥ هـ عناية زائدة بذلك، حتى حرز ما كان ينفقه عليه بنحو عشرة آلاف مثقال من الذهب، وزاد فى زمن السلطان الظاهر أبى سعيد جقمق على ذلك بكثير، وكان لملوك الأندلس والهند ما يفوق عن ذلك، ولأهل مكة فى تلك الليلة شعار عظيم مشهور، ولا يوجد مثله فى غيرها.
أما احتفال الملك المظفر بذلك المولد الشريف، فقد نقله جمع كثير، لكننا نقتصر هنا على تلخيص ما نقل عن بعض من شاهده فنقول:
ذكر الإمام سبط ابن الجوزى، المتوفى سنة ٦٥٤ هـ فى مرآة الزمان عمن شاهد سماط الملك المذكور فى بعض الموالد أنه عد فيه خمسة آلاف رأس غنم مشوية، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف صحن حلوى، وكان يحضر لديه أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم، ويصلهم بالعطايا، وكان ينفق على المولد الشريف ثلثمائة ألف دينار.
وذكر ابن خلكان فى ترجمة الملك المذكور بعد أن سرد من جميل خصاله، وحبه للخيرات وشجاعته ما يبهر العقول أن احتفاله بالمولد النبوى الشريف يقصر وصف الواصفين، عن الإحاطة به، غير أنه لا بد من ذكر نبذة يسيرة منه، ثم أطال فى تلك النبذة اليسيرة، فكان ملخصها ما معناه:
إن العلماء والصوفية، وذوى الفضل، القاطنين بالبلاد القريبة من إربل، كبغداد، والموصل، والجزيرة، وسنجار، ونصيبين، وبلاد العجم، وتلك النواحى، لشهرة ذلك الملك لديهم بالبر والصلاح كانوا يتواردون عليه مع خلق كثير من أهالى تلك البلاد من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول، فيرسم بعمل عشرين قبة أو أكثر من خشب، بكل قبة خمس طبقات، فإذا استهل صفر زينت تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة، وفى كل يوم يمر الملك بعد صلاة العصر على جميع تلك القباب، ويبيت فى خانقاه ثمة، ثم يعود إلى القلعة قبيل الظهر
стр. 915
وكان يصنع المولد سنة ليلة اثنى عشر من ربيع الأول، وسنة ليلة ثمان منه، مراعاة للخلاف فى ذلك، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئا زائدا عن الوصف إلى محل المولد، فيذبحونها يتفننون فيها بأنواع الأطعمة الفاخرة.
وفى ليلة المولد ينزل الملك من القلعة وبين يديه من الشموع ما لا يحصى، وفى جملتها أربع شمعات من الشموع المختصة بالمواكب التى تحمل الواحدة منها على بغل، موثقة بالحبال، يسندها رجل من خلفها، وفى صبيحة تلك الليلة توزع الخلع السنية على الصوفية والعلماء، ثم ينزل هو إلى الخانقاه، وتجتمع الأعيان والرؤساء، وكثير من الناس، وينصب له برج من الخشب، له نوافذ يشرف منها على الناس بميدان فى غاية الاتساع، تعرض عليه فيه الجند ذلك اليوم أجمع، فإذا تم العرض وفرغ الوعاظ من الوعظ قدم فى ساحة الميدان السماط العام الذى لا يوصف، ولا يحد ما فيه من الطعام والخبز، ويمد سماط ثان الخواص الناس، المجتمعين عند كرسى الوعظ، المنصوب بجانب البرج، والملك فى كل ذلك يلحظ الوعاظ تارة، وبقية الناس أخرى، وقبل مد هذين السماطين يطلب الملك الحاضرين وجميع الوافدين السالف ذكرهم، ويخلع على كل واحد منهم، ثم يحمل من ذلك الطعام إلى دور جماعة كثيرة، ولا يزال كذلك إلى العصر، ثم يبيت هناك تلك الليلة، ثم يدفع لكل شخص من الوافدين شيئا من النفقة، وهكذا دأبه كل سنة.
ولما وصل الحافظ أبو الخطاب بن دحية إلى إربل، وعمل كتاب التنوير فى مولد السراج المنير، أعطاه ألف دينار، سوى ما أنفقه عليه مدة إقامته. قال ابن خلكان: ولم أذكر إلا ما شاهدته بالعيان بدون مبالغة، بل ربما حذفت بعضه طلبا للإيجاز. (اه).
وذكر الإمام المقرى فى كتابه نفح الطيب أن السلطان أبا حمو كان يحتفل بليلة مولد الرسول ﷺ -غاية الاحتفال، كما كان ملوك الأندلس والمغرب فى ذلك العصر وما قبله.
ثم نقل عن شيخه الحافظ سيدى أبى عبد الله التلمسانى فى كتابه نظم الدرر والعقيان فى شرف بنى زيان، وذكر ملوكهم الأعيان ما ملخصه: وكان السلطان أبو حمو يحتفل بليلة المولد الشريف، ويقوم لها بما هو فوق سائر المواسم فيصنع مآدب تدعى إليها الأشراف والسوقة.
стр. 916
ثم ذكر من صفة الفرش والنمارق والشموع، وحلية المجالس فى تلك المآدب ما يفوق الوصف.
ثم تطوف على أعيان الحضرة ولدان، أقبيتهم الخز الملون، بأيديهم مباخر ومرشات، فينال منها جميع الحاضرين.
وبأعلى خزانة المنجانة (الساعة الدقاقة) فى ذلك المجلس أيكة تحمل طائرا فرخاه تحت جناحيه، وفيها أرقم خارج من كوة، وبصدرها أبواب مرتجة، بعدد ساعات الليل الزمانية وبطر فيها بابان كبيران، وفوقها قمر تمام يسير سير نظيره فى الفلك، ويسامت أول كل ساعة بابها المرتج.
وكلما مضت ساعة انقض من البابين الكبيرين عقابان، مع كل واحد منهما صنجة صفر، يلقيها إلى طست من الصفر مجوّف، بوسطه ثقب يفضى إلى داخل الخزانة، فيرن، وينهش الأرقم أحد الفرخين فيصفر له أبوه، فهناك يفتح باب الساعة الماضية، وتبرز منه جارية محتزمة، كأظرف ما أنت راء، بيمناها إضبارة (رقعة) فيها اسم ساعاتها نظما، ويسراها موضوعة على فيها، كالمبايعة بالخلافة، كل ذلك والمسمع قائم، ينشد مدائح سيد المرسلين- ﷺ .
ثم يؤتى آخر الليل بموائد، وذكر من عظمتها وحسنها وكثرتها ما يطول شرحه، كل ذلك بمرأى من السلطان ومسمع، ولا يزال كذلك إلى الصباح.
هذه عادة السلطان كل عام فى جميع أيام دولته، فمن ذلك النظم المرقوم على بعض الرقاع على لسان الجارية فى مضى ساعتين:
أخليفة الرحمن والملك الذى … تعنو لعز علاه أملاك البشر
تقول فيها:
والليل منه ساعتان قد انقضت … تثنى عليك ثنا الرياض على المطر
ومنه فى مضى ثلاث:
تولت ثلاث من الليل أبقت … لك الفخر فى عجمها والعرب
стр. 917
ومنه فى مضى ست:
ست من الليل ولت … ما إن لها من نظائر
ومنه فى مضى ثمان:
مرت ثمان وأبقت … فى القلب منى حسره
ومنه فى مضى عشر:
لله عشر من الساعات باهرة … مضين لا عن قلى منا ولا ملل
(اه)
والسلطان أبو حمو هذا هو موسى بن عثمان، من ملوك تلمسان، وهو أول ملك من ملوك زناتة، رتب الملك وهذب قواعده، ودوخ البلاد، وأذل العصاة، توفى سنة ٧١٨، وحمو بفتح الحاء المهملة، وضم الميم مشددة بعدها واو (اه).
هذا وللسادة البكرية فى ظل الدولة المحمدية العلوية من العناية به فى كل عام ما تتحدث بزائد شرفه الركبان، ويفتخر به هذا الزمان على غيره من سائر الأزمان، لا سيما فى عهد الحضرة الفخيمة الخديوية، وعصر الطلعة المهيبة التوفيقية، فإنه وصل فيها الاحتفال بأمر المولد النبوى الشريف إلى حده الأعلى، وبلغ الاعتناء بعلو شأنه المبلغ الأعلى، وذلك أنه فى أوائل العشرة الأخيرة من شهر صفر الخير من كل عام تصنع بمنزلهم مأدبة فاخرة، يدعى إليها كافة مشايخ الطرق، والأضرحة، والتكايا، والوجوه والأعيان، والذوات، فتدخل أرباب الطرق بالطبول والبيارق، رافعين أصواتهم بالذكر والصلاة على رسول الله- ﷺ .
ثم يعين لكل واحد من السادة الصوفية ما يخصه من ليالى المولد الشريف لإحيائه.
وفى اليوم الثانى تفتح المقارئ بالمنزل المذكور، مؤلفة من نحو مائتى قارئ، ويتلى أيضا المولد الشريف النبوى بعد حزب البكرى، ولا تزال تحيا به الليالى تلاوة وذكرا ودلائل، بحيث تحضر إليه كل ليلة أرباب طريقة من الطرق، مع إيقاد الشموع الجمة الكثيرة العظيمة، مجتمعين جماعة جماعة، رافعين أصواتهم بذكر الله تعالى.، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ -كما تقدم، يعقبهم شيخهم، فيستقبل بتلاوة الفاتحة؛ وتخلع عليه
стр. 918
فرجية صوف من طرف حضرة السيد البكرى، ويؤمر بضرب خيامه فى المكان الذى عينته الحكومة للمولد الشريف، بحيث تكون الخيام على شكل دائرة.
ولا يزال ذلك إلى ليلة الرابع من شهر ربيع الأول، ثم تمر بساحة المولد الشريف كل ليلة بعد ذلك أرباب طريقة من الطرق التى لم تحضر بالمنزل من قبل، حتى تنتهى إلى خيمة السيد البكرى المضروبة ثمة، فبعد استقبالهم بالكيفية السابقة تخلع على شيخهم فرجية صوف، ما عدا شيخى الرفاعية والسعدية فإن فرجيتهما من جوخ.
وفى الحادى عشر من الشهر المذكور، الذى هو يوم ختام المولد الشريف، تزدان خيمة السيد البكرى بالجناب الخديوى، فتخلع على المذكور فرجية سمور من الحكومة السنية، وذلك بعد وصول موكب السعدية إلى تلك الخيمة، ثم تصرف من طرف السيد البكرى جملة فرجيات صوف لمشايخ الطرق والتكايا والأضرحة، المعتاد لهم صرف ذلك.
وفى ليلة الثانى عشر منه يقرأ المولد الشريف النبوى فى خيمة السيد باحتفال فائق يحضره الجناب الخديوى والنظار الذين هم رؤساء أهل الحل والعقد فى الحكومة المصرية، والعلماء والأعيان والذوات والوجوه.
هذا وإن مما يزيد رونق تلك الساحة بهاء، وحسنا وازدهاء، ما جرت به عادة الحكومة السنية من ضرب خيام دواوينها هناك، مزينة بأبهى الزينة، لا سيما خيمة الحضرة الخديوية بجانب خيمة السيد البكرى المعينة له من الحكومة، فإنها لا تزال تزدهى بالأنوار ويانع الأزهار إلى انتهاء المولد الشريف.
أما خيمة السيد البكرى فإن لياليها جميع تلك المدة تكون زاهية بالتلاوة والدلائل والأذكار باهية من أضواء الشموع بسواطع الأنوار، زاهرة أيامها بالخيرات، وأنواع المبرات، فى إطعام الطعام، وبذل الإكرام لعموم الزائرين، وجميع الوافدين من أى جنس كان،
стр. 919
وكذا تكون خيام أرباب الطرق أواخر ليالى المولد الشريف، ولهم على السيد المذكور عادات يؤديها إليهم سنويا للاستعانة على ذلك.
ويبلغ مقدار ما يصرف من طرف السيد البكرى فى شئون المولد الشريف نحو ثلثمائة جنيه مصرى، والمرتب له من الحكومة السنية نحو خمسة وثلاثين جنيها، فشكر الله له سعيه على هذا الاحتفال.
ولا يزال بيتهم عامرا بالخيرات، وعزهم راقيا مراقى الكمال.
***
стр. 920
مولد الأستاذ الدشطوطى
هو الولى الكبير الشيخ عبد القادر الدشطوطى، كان السلطان قايتباى يعتقده غاية الاعتقاد وكان-﵁-من المتقشفين، وقد بنى مسجده وقبته المدفون بها خارج باب الشعرية ووقف على ذلك أوقافا كثيرة، وعهد بنظرها للشيخ جلال الدين البكرى، وتوفى بعد ثلاثين وتسعمائة. (اه ملخصا) من طبقات الشعرانى، فهذا هو السبب فى قيام السادة البكرية بشئون مولده إلى الآن، وذلك أنه فى شهر رجب من كل عام يحيون به ثمانى ليال على نفقتهم من ليلة العشرين إلى ليلة السابع والعشرين بتلاوة القرآن الكريم والدلائل والذكر، وتصنع فى تلك الليالى مآدب فاخرة يدعى إليها العلماء والأعيان والذوات والوجوه.
وفى الليلة الأخيرة التى هى ليلة المعراج الشريف، تبخر قبة الأستاذ، وتوقد بها الشموع ويقرأ فيها حزب البكرى، ثم يسقى جميع الحاضرين شرابا حلوا، ويرش عليهم ماء الورد، ويركب السيد البكرى فى موكب بهى، مؤلف من أتباعه وخدامه، وأمامه جاويشية النقابة ورسل المحكمة الشرعية الكبرى، وأناس آخرون بأيديهم الشموع والمشاعل، حتى يصل منزله، فيمكث به قليلا، ثم يعود بدون الموكب إلى محل عمل المولد، وهو منزل رحب للسادة البكرية.
***
стр. 921
مولد السادة البكرية
المعتاد به كل عام إحياء ست ليال، يوافق آخرها انتهاء مولد سيدنا ومولانا الإمام الشافعى-﵁-بالتلاوة والذكر والدلائل، وفى الغالب يكون ختام هذا المولد فى العشر الأوائل من شهر شعبان المعظم، وذلك بالزاوية التى بها أضرحتهم بجانب قبة الإمام الشافعى فى القرافة الصغرى، ويحضر لها جميع أرباب الطرق والعلماء والأعيان والذوات، وتصنع لهم فيها المآدب الفاخرة إلى انتهاء تلك الليالى.
(ومن العوائد البكرية) أن السيد البكرى يتوجه كل عام إلى طنتدا لإحياء ليالى المولدين الصغير والكبير بمنزله، وتضرب هناك خيام أرباب الطرق، وإذ ذاك يفصل قضاياهم.
(ومن تلك العوائد) أن حضرة السيد البكرى يأذن لمشايخ الطرق والأضرحة بمصر بعمل موالدهم المعتادة، ويكاتب الحكومة بملاحظة الضبط والربط أثناء تلك الموالد، وهى ترسل من يقوم بذلك.
(ومن تلك العوائد) عمل موائد فاخرة ليالى خمس وعشرين من رمضان المعظم، وعاشر المحرم، ومقارئ سيدنا الحسين، وسابع عشر ذى القعدة، ويوم جمع المولد النبوى الشريف.
***
стр. 922
كيفية تعيين مشايخ الطرق ومشايخ قراء دلائل الخيرات
لا يتعين شيخ أصالة ولا نائبا عن قاصر إلى بلوغ رشده، أو على طرق حديثة العهد إلا برضا أهل الطريقة المتعين عليها، وإقرار مشايخ الطرق فى جلسة يرأسها السيد البكرى، وإذ ذاك تخلع على من يتعين فرجية صوف من طرف السيد البكرى.
هذا ولكل طريقة جهات معلومة لا تتجاوزها، وكذلك العمل فى مشيخة قراء الدلائل غير أنها لا خلعة فيها.
(مشايخ الأضرحة) لا يتعين عليها شيخ، سواء كان بدلا عن غيره أو محدثا إلا بعد تحقق عدم المعارض، ويقدم من كانت المشيخة فى أسلافه، ولو لم يكن من ذرية صاحب الضريح.
***
стр. 923
كيفية إثبات الشرف
إن خطة النقابة التى هى تابعة الآن للبيت البكرى، ولها اثنا عشر جاويشا برأسهم أحدهم للقيام بما يخص السادة الأشراف، من توزيع مرتباتهم وإنجاز أشغالهم المتعلقة بذلك البيت، ولها كاتب خصوصى، من شأنها إقامة وكلاء أشراف فى كل مديرية ومدينة وثغر، بشرط أن يكونوا أشرافا منتخبين من أشراف جهاتهم، ويكون لهؤلاء الوكلاء التكلم على السادة الأشراف فيما يختص بأنسابهم، بحيث أن من يتطلب إثبات شرفه لضياع نسبته يلزمه أن يعرض ذلك للنقابة مكاتبة، وهى تتفحص عنه فى دفاتر وقف الأشراف ومرتباتها المخصصة لها من الحكومة المصرية وغيرها، ومنّى وجدت للمتطلب أبا أو جدا مقيدا اسمه بتلك الدفاتر بين المستحقين تكلفه بإثبات نسبه إليه بشهادة عدول، فإن لم توجد له أسلاف بتلك الدفاتر كلف بتقديم محضر من عدول المسلمين يشهدون بأنه شريف تواترا عن آبائهم وأجدادهم.
هذا ويختلف مقدار المرتب السنوى للأشراف، فأقله ثلاثة أسماء، وأكثره مائة وأغلبه خمسون، والمراد بلفظة الاسم عندهم مبلغ ثلاثين ونصف فضة مصرية، ومرتبهم من الحكومة المصرية نحو أربعمائة جنيه كل سنة، ولهم أطيان موقوفة عليهم، وهى مائة وعشرون فدانا، متوسطة فى الجودة بالشرقية فى شيبة والنكارية وبنشيل، ومثلها بالمنوفية فى بوهة شطنوف، لكنها من الدون، واثنان وثلاثون متوسطة فى المنوفية بناحية الواط.
انتهى ما يختص بهذا النسب الكريم، وأسلافه الجديرين بالتبجيل والتعظيم.
وليعلم القارئ أننا قد بذلنا فى هذا النسب غاية الوسع بحثا وتنقيبا، وراجعنا كثيرا من الحجج الشرعية المسجلة، وكتب التواريخ والطبقات والمناقب، فلم نثبت غير ما وقع عليه إجماع هذه الكتب أو معظمها، فلا يريبن القارئ ما عسى أن يقف عليه فى بعض الكتب، مما يخالف ذلك، فإنه مع قلته لا يعول عليه، والله عزّ شأنه هو الهادى إلى الرشاد، والموفق للسداد.
(تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع، أوله ذكر ما بالقاهرة وظواهرها من الجوامع)
стр. 924
تنويه: ينظر الاستدراكات وتصحيح الأسماء فى آخر هذا الجزء
قام بمراجعة هذا الجزء وعمل الاستدراكات:
الأستاذ/متولى خليل عوض، باحث أول بالمركز.
الأستاذ/مصطفى عبد السميع، باحث بالمركز.
قام بتصحيح الأسماء والأماكن:
الدكتورة/لبيبة إبراهيم مصطفى، كبير باحثين بالمركز.
стр. 925
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر ما بالقاهرة وظواهرها من الجوامع
وهى مرتبة على حروف المعجم بعد ذكر اقدمها وهو
جامع عمرو
هو الجامع العتيق بمدينة فسطاط مصر ويقال له: تاج الجوامع، وهو أول مسجد أسس بديار مصر فى الملة الإسلامية بعد فتحها، وذلك أنه لما افتتح عمر بن الخطاب ﵁ البلدان كتب إلى عماله بالبصرة والكوفة والشام ومصر أن يتخذوا للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة، وكان عامل مصر يومئذ عمرو بن العاص ﵁ قبنى هذا الجامع.
قال هبيرة بن أبيض: إن قيسبة بن كلثوم التجيبى أحد بنى سوم سار من الشام إلى مصر مع عمرو بن العاص فدخلها فى مائة راحلة وخمسين عبدا وثلاثين فرسا، فنظر قيسبة فرأى جنانا تقرب من الحصن فعرج إليها وأقام فيها، ثم خرج مع عمرو وخلف أهله فيها، ثم بعد فتح الإسكندرية عاد قيسبة إلى منزله واختط عمرو داره مقابل تلك الجنان، وتشاور المسلمون أين يكون المسجد الجامع، فرأوا أن يكون منزل قيسبة. فسأله عمرو فيه فقال:
إنى حزت هذا المنزل وإنى أتصدق به على المسلمين. وارتحل منه؛ فبنى مسجدا فى سنة إحدى وعشرين من الهجرة. قال أبو مصعب قيس بن سلمة الشاعر فى قصيدته التى امتدح فيها عبد الرحمن بن قيسبة:
وأبوك سلم داره وأباحها … لجباه قوم ركع وسجود
وقال الليث بن سعد: كان مسجدنا هذا حدائق وأعنابا. وقال ابن أسعد الجوانى: وقد بقى إلى الآن فى موضع جامع مصر شجرة زنزلخت (١)، وهى خلف المحراب الكبير والحائط
стр. 926
الذى به المنبر، ومن العلماء من قال: إنها من عهد موسى ﵇، وكان لها نظير شجرة أخرى فى الوراقين احترقت فى حريق مصر سنة أربع وستين وخمسمائة، وظهر بهذا الجامع بئر البستان التى كانت به وهى بموضع حلقة الفقيه ابن الجيزى المالكى.
وذكر بعضهم أن محل جامع عمرو كان كنيسة للنصارى هدمها المسلمون وبنوا مكانها جامعا، وفى كتاب «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» أن محله كان خانا.
إقامة القبلة:
قال الكندى عن يزيد بن أبى حبيب عمن حضر مسجد الفتح: إنه وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر ﵃. وقال عبد الله بن أبى جعفر: أقام محرابنا هذا عبادة بن الصامت ورافع ابن مالك. وقال داود بن عقبة: إن عمرا بعث ربيعة بن شرحبيل وعمرو بن علقمة يقيمان القبلة وقال لهما: إذا زالت الشمس فاجعلاها على حاجبيكما ففعلا. وقال الليث: إن عمرا كان يمد الحبال حتى أقيمت قبلة المسجد. قال ابن لهيعة: سمعت أشياخنا يقولون: لم يكن لمسجد عمرو محراب مجوف، ولا أدرى بناه مسلمة أو بناه عبد العزيز، وأول من جعل المحراب قرة بن شريك. وقال أبو سعيد الحميرى: أدركت مسجد عمرو [و] طوله خمسون ذراعا فى عرض ثلاثين، والطريق يطيف به من كل جهة، وله بابان يقابلان دار عمرو ابن العاص، وبابان فى بحريه وبابان فى غربيه، والخارج من زقاق القناديل يجد ركن المسجد الشرقى محاذيا لركن دار عمرو الغربى، وذلك قبل أن يؤخذ من دار عمرو ما أخذ، وكان طوله من القبلة إلى البحرى مثل طول دار عمرو، وكان سقفه مطأطئا جدا ولا صحن له، وفى الصيف يجلس الناس بفنائه من كل ناحية، وبينه وبين دار عمرو سبع أذرع. وقال القضاعى فى خططه: كان عمرو بن العاص ﵁ قد اتخذ منبرا/فكتب إليه عمر ابن الخطاب ﵁ يعزم عليه فى كسره ويقول: أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك، فكسره. وقال القضاعى أيضا: لم تكن الجمعة تقام فى زمن عمرو بن العاص بشئ من أرض مصر إلا بهذا الجامع.
وفى خلافة معاوية سنة ثلاث ستين من الهجرة زاد مسلمة بن مخلد الأنصارى أمير مصر فى الجامع من بحريه وجعل هذه الزيادة رحبة، ولم يغير البناء القديم ولا أحدث شيئا فى قبليه ولا فى غربيه. وقيل: إنه أحدث فى شرقيه حتى ضاق الطريق بينه وبين دار عمرو
стр. 927
ابن العاص، ثم بيضه وفرشه بالحصر وكان قبل ذلك مفروشا بالحصباء، وبنى فى كل ركن من أركانه الأربعة صومعة، وأمر ببناء المنارات فى جميع المساجد وجعل اسمه عليها، وأمر مؤذنى الجامع أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل، فإذا فرغوا من أذانهم أذن كل مؤذن فى الفسطاط فى وقت واحد فكان لأذانهم دوى شديد، ومنع أن تضرب النواقيس عند وقت الأذان.
وفى سنة تسع وسبعين فى خلافة عبد الملك بن مروان هدمه عبد العزيز بن مروان أخو الخليفة-وكان يومئذ أمير مصر من قبل أخيه-وزاد فيه من ناحية الغرب وأدخل فيه الرحبة التى كانت فى بحريه، ولم يجد فى شرقيه موضعا يوسعه به. وذكر الكندى أنه زاد فى جوانبه كلها. ويقال: إن عبد العزيز المذكور لما أكمل بناء المسجد خرج من دار الذهب عند طلوع الفجر فدخل المسجد فرأى فى أهله خفة فأمر بأخذ الأبواب على من فيه، ثم دعا بهم رجلا رجلا فيقول للرجل: ألك زوجة؟ فيقول: لا. فيقول: زوجوه. ألك خادم؟. فيقول:
لا. فيقول: أخدموه. أحججت؟ فيقول: لا. فيقول: أحجوه. أعليك دين؟ فيقول:
نعم. فيقول: اقضوا دينه. فأقام المسجد بعد ذلك دهرا عامرا.
وفى سنة تسع وثمانين فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان أمر عبد الله بن عبد الملك أخو الخليفة-وهو يومئذ أمير مصر من قبل أخيه-برفع سقف المسجد الجامع وكان مطأطئا فرفع. ثم إن قرة بن شريك العبسى هدمه مستهل سنة اثنتين وتسعين بأمر الخليفة الوليد ابن عبد الملك-وهو يومئذ أمير مصر من قبله-وابتدأ فى بنائه فى شعبان من السنة المذكورة فزاد فيه من القبلى والشرقى، وأدخل فيه الطريق ودار عمرو بن العاص، وعوض ولده عبد الله بدلها، وجعل له المحراب المجوف وهو المحراب المعروف بعمرو؛ لأنه فى سمت محراب المسجد القديم الذى بناه عمرو، وكانت قبلة المسجد القديم عند العمد المذهبة وهى أربعة عمد، اثنان فى مقابلة اثنين، وكان قرة أذهب رؤوسها ولم يكن فى المسجد عمد مذهبة غيرها، وجعل على بنائه يحيى بن حنظلة مولى بنى عامر بن لؤى. وكانوا يجمعون الجمعة فى قيسارية العسل حتى فرغ من بنائه فى شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، ونصب فيه المنبر الجديد فى سنة أربع وتسعين من الهجرة ونزع المنبر الذى كان فى المسجد، وذكر أن عمرو ابن العاص كان جعله فيه فلعله بعد وفاة عمر بن الخطاب ﵁. وقيل: هو منبر عبد العزيز بن مروان حمل إليه من بعض كنائس مصر. وقيل: إن زكريا بن برقنى ملك النوبة أهداه إلى عبد الله بن سعد بن أبى سرح وبعث معه نجاره حتى ركبه، واسم هذا النجار بقطر من أهل دندره، ولم يزل هذا المنبر فى المسجد حتى زاد قرة بن شريك فى الجامع
стр. 928
فنصب منبرا سواه على ما تقدم شرحه. ولم يكن وقتئذ يخطب فى القرى إلا على العصا، إلى أن ولى عبد الملك بن موسى بن نصير اللخمى مصر من قبل مروان بن محمد، فأمر باتخاذ المنابر فى القرى وذلك فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وذكر أنه لا يعرف منبر أقدم منه-يعنى من منبر قرة بن شريك-بعد منبر رسول الله ﷺ ، فلم يزل كذلك إلى أن قلع وكسر فى أيام العزيز بالله بنظر الوزير يعقوب بن كلس فى يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وجعل مكانه منبر مذهب، ثم أخرج هذا المنبر إلى الإسكندرية وجعل بجامع عمرو بن العاص ﵁ الذى بها، وأنزل إلى الجامع المنبر الكبير وذلك فى أيام الحاكم بأمر الله فى شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعمائة. وصرف بنو عبد السميع عن الخطابة، وجعلت خطابة الجامع العتيق لجعفر بن الحسن بن خداع الحسينى وجعل إلى أخيه الخطابة بالجامع الأزهر، وصرف بنو عبد السميع من جميع المنابر بعد أن أقاموا هم وأسلافهم فيها ستين سنة.
ولم يكن للجامع أيام قرة بن شريك غير المحراب المعروف بعمرو، فأما المحراب الأوسط فعرف بمحراب عمر بن مروان عم الخلفاء، وهو أخو عبد الملك وعبد العزيز، ولعله أحدثه بعد قرة، وذكر قوم أن قرة عمل هذين المحرابين.
وفى خلافة سليمان بن عبد الملك سنة سبع وتسعين، بنى أسامة بن يزيد التنوخى متولى الخراج بمصر بيت المال الذى فى علو الفوارة بالجامع، وأمير مصر يومئذ/عبد الملك ابن رفاعة، وكان مال المسلمين يجعل فى ذلك البيت.
وفى خلافة المنصور طرق المسجد فى سنة خمس وأربعين ومائة قوم ممن كان بايع على بن محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، وكان أول علوى قدم مصر-وأميرها يومئذ يزيد بن حاتم المهلبى-فنهبوا بيت المال ثم تضاربوا عليه بسيوفهم فلم يصل إليهم منه إلا اليسير.
وفى زمن أحمد بن طولون تسور على بيت المال لص وسرق منه بدرتى دنانير فظفر به ابن طولون وعفا عنه.
وفى سنة ثلاث وثلاثين ومائة زاد صالح بن على بن عبد الله بن عباس ﵄ وهو يومئذ أمير مصر من قبل أبى العباس السفاح فى مؤخره أربعة أساطين، فيقال إنه أدخل فى الجامع دار الزبير بن العوام وكانت غربى دار النحاس وباب الكحل من هذه الزيادة،
стр. 929
وهو الباب الخامس من أبواب الجامع الشرقية، وعمر صالح أيضا مقدم الجامع عند الباب الأول موضع البلاطة الحمراء.
وفى سنة خمس وسبعين ومائة فى خلافة الرشيد، زاد فيه موسى بن عيسى الهاشمى أمير مصر الرحبة التى فى آخره، وهى نصف الرحبة المعروفة بأبى أيوب، ولما ضاق الطريق بهذه الزيادة أخذ موسى دار الربيع بن سليمان الزهرى ووسع بها الطريق.
وفى سنة إحدى عشرة ومائتين، وصل عبد الله بن طاهر بن الحسين مولى خزاعة أميرا على مصر من قبل المأمون، فأمر بالزيادة فى هذا الجامع فزيد فيه مثله من غربيه، فكانت زيادة ابن طاهر المحراب الكبير وما فى غربيه إلى حد زيادة الخازن، فأدخل فيه الزقاق المعروف أولا بزقاق البلاط وقطعة كبيرة من دار الرمل ورحبة كانت بين يدى دار الرمل ودورا أخرى. ويقال: إن موضع فسطاط عمرو حيث المحراب والمنبر.
ولما عاد ابن طاهر إلى بغداد سنة اثنتى عشرة ومائتين تمم زيادته عيسى بن يزيد الجلودى، وتكامل ذرع الجامع سوى الزيادتين مائة وتسعين ذراعا بذراع العسل طولا فى مائة وخمسين ذراعا عرضا.
وذكر أبو عمر الكندى فى كتاب الموالى أن الحرث بن مسكين مولى ابن ريان بن عبد العزيز بن مروان لما ولى القضاء من قبل المتوكل سنة سبع وثلاثين ومائتين أمر ببناء رحبة الحرث وهى الرحبة البحرية، وكانت رحبة يتبايع الناس فيها يوم الجمعة ليتسع الناس بها، وحول سلم المؤذنين إلى غربى المسجد وكانت عند باب إسرائيل: وبلط زيادة ابن طاهر وأصلح بنيان السقف وبنى سقاية فى الحذائين.
وفى سنة ثمان وخمسين ومائتين، زاد أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع-أحد عمال الخراج زمن أحمد بن طولون-فى الرحبة المعروفة برحبة أبى أيوب، والمحراب المنسوب إلى أبى أيوب هو الغربى من هذه الزيادة عند شباك الحذائين.
وفى ليلة الجمعة تاسع صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وقع فى الجامع حريق أخذ من بعد ثلاث حنايا من باب إسرائيل إلى رحبة الحرث بن مسكين، فهلك فيه أكثر زيادة عبد الله ابن طاهر والرواق الذى عليه اللوح الأخضر، فأمر خمارويه بن أحمد بن طولون بعمارته فأعيد فى السنة المذكورة على ما كان عليه، وأنفق فيه ستة آلاف وأربعمائة دينار وكتب اسم خمارويه فى دائر الرواق الذى عليه اللوح الأخضر.
стр. 930
وفى سنة أربع وتسعين ومائتين، أمر عيسى النوشرى فى ولايته الثانية بإغلاقه فيما بين الصلوات، فضج أهل المسجد ففتح لهم.
وفى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، تولى أبو حفص العباسى نظر قضاء مصر، فزاد الغرفة التى يؤذن فيها المؤذنون فى السطح، ثم زاد فيه أبو بكر محمد بن عبد الله الخازن رواقا واحدا من دار الضرب، وهو الرواق ذو المحراب والشباكين المتصل برحبة الحرث ومقداره تسعة أذرع، وكان ابتداء ذلك فى رجب سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ومات قبل تمام هذه الزيادة، وتممها ابنه على بن محمد وفرغت فى العشر الأخير من رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
وفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، زاد فيه الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس بأمر العزيز بالله الفوارة التى تحت قبة بيت المال، وهو أول من عمل فيه فوارة، وزاد فيه أيضا مساقف الخشب المحيطة بها ونصب فيها حباب الرخام التى للماء.
وفى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، جدد بياض المسجد الجامع، وقلع شئ كثير من الفسيفساء الذى كان فى أروقته وبيض مواضعه، ونقشت خمسة ألواح وذهبت ونصبت على أبوابه الخمسة الشرقية، وكان ذلك على يد برجوان الخادم، وكان اسمه ثابتا فى الألواح فقلع بعد قتله.
قال المسيحى فى تاريخه: وفى سنة ثلاث وأربعمائة أنزل من القصر إلى الجامع العتيق بألف ومائتين وثمانية وتسعين مصحفا، ما بين ختمات وربعات، فيها ما هو مكتوب كله بالذهب، ومكّن الناس من القراءة فيها، وأنزل إليه أيضا بتنور من فضة عمله الحاكم بأمر الله برسم الجامع فيه مائة ألف درهم فضة، فاجتمع الناس وعلق بالجامع/بعد أن قلعت عتبتا الباب حتى أدخل به. قال القضاعى: وأمر الحاكم بأمر الله بعمل الرواقين اللذين فى صحن المسجد الجامع، وقلع عمد الخشب وجر الخشب التى كانت هناك وذلك فى شعبان سنة ست وأربعمائة.
وفى سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، أمر الإمام المستنصر بالله بن الظاهر بعمل الحجر المقابل للمحراب، وبالزيادة فى المقصورة فى شرقيها وغربيها، حتى اتصلت بالحذاءين من جانبيها، وبعمل منطقة فضة فى صدر المحراب الكبير أثبت عليه اسم أمير المؤمنين، وجعل لعمودى المحراب أطواق فضة، وجرى ذلك على يد عبد الله بن محمد بن عبدون، وبقيت هذه المنطقة إلى زمن صلاح الدين يوسف بن أيوب، فقلعها منه فى سنة سبع وستين وخمسمائة.
وفى سنة أربعين وأربعمائة، جددت الخزانة التى فى ظهر دار الضرب مقابلة ظهر المحراب الكبير.
وفى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، عملت لموقف الإمام فى زمن الصيف مقصورة خشب
стр. 931
ومحراب ساج منقوش بعمودى صندل، وتقلع هذه المقصورة فى الشتاء إذا صلى الإمام فى المقصورة الكبيرة، وعمرت غرفة المؤذنين بالسطح وجعل لها روشن، وجعل بعدها ممرق ينزل منه إلى بيت المال.
وفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة، زيد فى الخزانة مجلس من دار الضرب وطريق المستحم، وزخرف هذا المجلس وجعل فيه محراب ورخم بالرخام الذى قلع من المحراب الكبير.
وفى سنة خمس وأربعين وأربعمائة، بنيت المئذنة التى بين مئذنة غرفة المؤذنين والمئذنة الكبيرة.
وفى سنة أربع وستين وخمسمائة، تمكن الفرنج من ديار مصر، وحكموا فى القاهرة حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم، وتيقنوا أنه لا حامى للبلاد من أجل ضعف الدولة، فجمع مرى ملك الفرنج جموعه، وسار إلى القاهرة من بلبيس، فأمر شاور بن مجير السعدى وزير العاضد بإحراق مدينة مصر، فخرج إليها عشرون ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشغل مضرمة بالنار وفرقت فيها، فلما رأى مرى دخان الحريق تحول من بركة الحبش إلى ما يلى باب البرقية من القاهرة وقد انحصر الناس فيها؛ فقاتلهم واستمرت النار أربعة وخمسين يوما، وبذلك تشعث الجامع فجدده صلاح الدين بعد موت العاضد، وأعاد صدره والمحراب الكبير ورخمه ورسم عليه اسمه، وأجرى فيه عمائر كثيرة حتى صار جميعه مفروشا بالرخام. وفى أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، نظر قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن الأعزالى الجامع، فوجد مؤخره قد مال إلى بحريه وكذلك سوره البحرى، ورأى فى سطح الجامع غرفا كثيرة محدثة فهدم الجميع إلا غرف المؤذنين، وأمر بإبطال جريان الماء من النيل إلى فوارة الفسقية لما رأى فيه من الضرر على جدر الجامع، وعمر بغلات بالزيادة البحرية تشد الجدر، وسد شباكين كانا فى الجدار البحرى وأنفق على جميع ذلك من مال الأحباس وكان له حينئذ نظر الأحباس، ثم سأل السلطان هو والصاحب الوزير بهاء الدين فى عمارة الجامع من بيت المال فرسم بذلك، فهدم الجدار البحرى الذى فيه اللوح الأخضر، وأزيلت العمد والقواصر العشر، وعمر الجدار المذكور وأعيدت العمد والقواصر كما كانت، وزيد فى العمد أربعة وجليت العمد كلها وبيض الجامع بأسره وذلك فى سنة ست وستين وستمائة.
وفى سنة سبع وثمانين وستمائة، شكا قاضى القضاة تقى الدين أبو القاسم ابن بنت الأعز للملك المنصور قلاوون سوء حال جامع عمرو والجامع الأزهر، فأمر بعمارة الجامعين، وعين لجامع عمرو الأمير عز الدين الأفرم، فرسم على مباشرى الأحباس وكشف المساجد لغرض كان
стр. 932
فى نفسه، وبيض الجامع وجرد نصف العمد التى فيه فصار العمود نصفه الأسفل أبيض وباقيه مجاله، ودهن واجهة غرفة الساعات بالسيلقون، وأجرى الماء من البئر التى بزقاق الأقفال إلى فسقية الجامع ورمى ما كان بالزيادات من الأتربة، وبطر العوام به بما فعله بالجامع.
وفى سنة اثنتين وسبعمائة، حدثت زلزلة تشعث منها الجامع فتولى عمارته الأمير سلار نائب السلطنة فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، واعتمد على كاتبه بدر الدين بن خطاب فى ذلك فهدم الحد البحرى وأعاده على أصله، وعمل بابين جديدين للزيادة البحرية والغربية، وأضاف إلى كل عمود من الصف البحرى عمودا آخر وجرد العمد كلها، وبيض الجامع وزاد فى سقف الزيادة الغربية رواقين، وخرب لذلك عدة مساجد بظاهر مصر وبالقرافتين وأخذ عمدها، وقلع ألواحا كثيرة طويلة من رخام الجامع الذى كان تحت الحصر، ورص جميع ذلك عند الباب المعروف بباب الشراربيين فنقل من هناك ولم يعمل فى الجامع شئ.
وبعد موت الملك الظاهر برقوق تشعث الجامع ومالت قواصره ولم يبق إلا أن يسقط، وأهل الدولة فى شغل من اللهو عن عمل ذلك، فانتدب لعمارته سنة ثمانمائة رئيس التجار يومئذ بديار مصر إبراهيم بن عمر بن على المحلى، وهدم صدره بأسره فيما بين المحراب/الكبير إلى الصحن طولا وعرضا، وأزال اللوح الأخضر وأعاد البناء كما كان أولا، وجدد لوحا أخضر بدل الأول ونصبه مكانه، وجرد العمد وتتبع جدر الجامع فرم شعثها وأصلح من رخام الصحن ما كان قد فسد ومن السقوف ما كان قد وهى، وبيضه فجاء كما كان وعاد جديدا، وكان انتهاء هذا العمل فى سنة أربع وثمانمائة ولم يتعطل منه صلاة جمعة ولا جماعة فى مدة عمارته.
قال ابن المتوج: إن ذرع هذا الجامع اثنان وأربعون ألف ذراع بذراع البر المصرى القديم وهو ذراع الحصر المستمر إلى الآن، فمن ذلك مقدمه ثلاثة عشر ألف ذراع وأربعمائة وخمسة وعشرون ذراعا ومؤخره مثل ذلك، وصحنه سبعة آلاف وخمسمائة ذراع، وكل من جانبيه الشرقى والغربى ثلاثة آلاف وثمانمائة وخمسة وعشرون ذراعا، وذرعه كله بذراع العمل ثمانية وعشرون ألف ذراع.
وقد تقدم أن طول الجامع مائة وتسعون ذراعا وعرضه مائة وخمسون، فتكون مساحته ثمانية وعشرين ألف ذراع وخمسمائة لا ثمانية وعشرين ألفا فقط.
وعدد أبوابه ثلاثة عشر بابا منها فى القبلى باب الزيزلختة (١) الذى يدخل منه الخطيب، كان به شجرة زيزلخت (٢) عظيمة قطعت فى سنة ست وستين وسبعمائة، وفى البحرى ثلاثة
стр. 933
أبواب وفى الشرقى خمسة وفى الغربى أربعة، وعدد عمده ثلاثمائة وثمانية وسبعون عمودا وعدد مآذنه خمس، وبه ثلاث زيادات، فالبحرية الشرقية كانت لجلوس قاضى القضاة بها فى كل أسبوع يومين، وكان بهذا الجامع القصص. قال القضاعى: روى نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لم يقص فى زمن رسول الله ﷺ ولا أبى بكر ولا عمر ولا عثمان ﵃، وإنما كان القصص فى زمن معاوية ﵁. وذكر عمر بن شبة قال: قيل للحسن متى أحدث القصص؟ قال: فى خلافة عثمان بن عفان ﵁. قيل: من أول من قص؟ قال: تميم الدارى. وروى أن عليا ﵁ قنت فدعا على قوم من أهل حربه، فبلغ ذلك معاوية فأمر رجلا يقص بعد الصبح وبعد المغرب يدعو له ولأهل الشام. قال يزيد: وكان ذلك أول القصص. وقال الليث بن سعد: هما قصصان قصص العامة وقصص الخاصة، فأما قصص العامة فهو الذى يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه، وأما قصص الخاصة فهو الذى جعله معاوية، ولى رجلا على القصص فإذا سلم من صلاة الصبح جلس وذكر الله وحمده ومجده وصلى على النبى ﷺ ، ودعا للخليفة ولأهل ولايته ولحشمه وجنوده ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة. ويقال: إن أول من قص بمصر سليمان بن عتر التجيبى فى سنة ثمان وثلاثين، وفى هذه السنة شكا عبد الملك بن مروان إلى العلماء ما انتشر عليه من أمور رعيته وتخوفه من كل وجه، فأشار إليه أبو حبيب الحمصى القاضى بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى الله تعالى فكان عبد الملك يدعو ويرفع يديه، وكتب بذلك إلى القصاص فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة والعشى.
وكان بهذا الجامع مصحف يعرف بمصحف أسماء ابنة أبى بكر بن عبد الله بن عبد العزيز وكان تجاه المحراب الكبير، والذى استكتب هذا المصحف هو عبد العزيز بن مروان؛ وسببه أن الحجاج بن يوسف الثقفى كتب مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، ووجه إلى مصر بمصحف منها فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك، وكان الوالى يومئذ من قبل أخيه عبد الملك، وقال: يبعث إلى جند أنا فيه بمصحف! فأمر فكتب له هذا المصحف، وجعل لمن وجد فيه حرفا خطأ رأسا أحمر وثلاثين دينارا، فتداوله القراء، فأتى رجل من قراء الكوفة اسمه زرعة بن سهل الثقفى فقرأه تهجيا، ثم جاء إلى عبد العزيز فقال: إنى وجدت فى المصحف حرفا خطأ. فقال: مصحفى؟ قال: نعم. فنظر فإذا فيه: إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة، فإذا هى مكتوبة نجعة قد قدمت الجيم قبل العين، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه وأبدلت الورقة، ثم أمر له بثلاثين دينارا وبرأس أحمر، وكان يحفظ فى دار
стр. 934
عبد العزيز ولا يحمل إلى الجامع إلا غداة كل جمعة فيقرأ فيه، ثم يقص ثم يرد إلى موضعه، وأول من قرأ فيه عبد الرحمن بن حجيرة الخولانى؛ لأنه كان يتولى القصص والقضاء يومئذ، وذلك فى سنة ست وثمانين.
ثم لما مات عبد العزيز بيع هذا المصحف فى ميراثه، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار، ثم توفى أبو بكر فاشترته أسماء ابنة أبى بكر بن عبد العزيز بسبعمائة دينار، فأمكنت الناس منه وشهرته فنسب إليها، فلما توفيت أسماء اشتراه أخوها الحكم من ميراثها بخمسمائة دينار وجعله فى الجامع، وذلك فى سنة ثمان عشرة ومائة، وأجرى على الذى يقرأ فيه ثلاثة دنانير فى كل شهر وكان القارئ يجلس ويقرأ فيه.
ثم فى سنة عشرين ومائة، تولى القصص أبو إسماعيل خير بن نعيم الحضرمى القاضى فكان يقرأ فى المصحف قائما ثم يقص وهو جالس، فهو أول من قرأ فى المصحف قائما، ولم تزل الأئمة/يقرؤون فى المسجد الجامع فى هذا المصحف فى كل يوم جمعة، إلى أن ولى القصص أبو رجب العلاء بن عاصم الخولانى فى سنة اثنتين وثمانين ومائة فقرأ فيه يوم الاثنين أيضا، وجعل له المطلب الخزاعى أمير مصر من قبل المأمون عشرة دنانير على القصص، وهو أول من سلم فى الجامع تسليمتين بكتاب ورد من المأمون يأمر فيه بذلك، وصلى خلفه محمد ابن إدريس الشافعى حين قدم إلى مصر فقال: هكذا تكون الصلاة، ما صليت خلف أحد أتم صلاة من أبى رجب ولا أحسن.
وفى سنة أربعين ومائتين-فى خلافة المتوكل-ولى القصص حسن بن الربيع بن سليمان من قبل عنبسة بن إسحاق أمير مصر، وأمر أن تترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم فى الصلاة فتركها الناس، وأمر أن تصلى التراويح خمس تراويح، وكانت تصلى قبل ذلك ست تراويح، وزاد فى قراءة المصحف يوما فكان يقرأ يوم الاثنين ويوم الخميس ويوم الجمعة.
وفى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ولى حمزة بن أيوب بن إبراهيم الهاشمى القصص بكتاب من المكتفى، وصلى فى مؤخر المسجد حين تكس، وأمر أن يحمل إليه المصحف ليقرأ فيه، فقيل له: إنه لم يحمل إلى أحد قبلك، فلو قمت وقرأت فيه فى مكانه. فقال: لا أفعل، ولكن ائتونى به فإن القرآن علينا أنزل وإلينا أتى؛ فأتى به فقرأ فيه فى المؤخر، وهو أول من قرأ فى المصحف فى المؤخر، ولم يقرأ فى المصحف بعد ذلك فى المؤخر إلى أن تولى أبو بكر محمد بن الحسن السوسى الصلاة والقصص فى اليوم العشرين من شعبان سنة ثلاث وأربعمائة، فنصب المصحف فى مؤخر الجامع حيال الفوارة وقرأ فيه أيام نكس الجامع، فاستمر الأمر
стр. 935
على ذلك. وفى زمن عبد الله بن شعيب المعروف بابن بنت وليد القاضى، حضر رجل من أهل العراق ومعه مصحف ذكر أنه مصحف عثمان بن عفان ﵁، فأخذه أبو بكر الخازن وجعله فى الجامع وشهره، وجعل عليه خشبا منقوشا، وكان الإمام يقرأ فيه يوما وفى مصحف أسماء يوما، ولم يزل على ذلك إلى أن رفع هذا المصحف واقتصر على القراءة فى مصحف أسماء، وذلك فى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة أيام العزيز بالله.
قال القضاعى: ولم يكن الناس يصلون بالجامع بمصر صلاة العيد، حتى كانت سنة ست أو ثمان وثلاثمائة فصلى فيه رجل يعرف بعلى بن أحمد بن عبد الملك الفهمى، ويعرف بابن أبى شيخة، صلاة الفطر، ويقال إنه خطب وحفظ عنه: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون. فقال بعض الشعراء:
وقام فى العيد لنا خاطب* … فحرض الناس على الكفر
توفى سنة تسع وثلاثمائة.
وكان بالجامع عدة زوايا للتدريس، منها:
زاوية الإمام الشافعى ﵁
يقال: إنه درس بها فعرفت به. وفى وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان، قال الخطيب البغدادى فى تاريخه: لما مرض الشافعى مرضه الذى مات فيه، جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطى فى مجلس الشافعى، فقال البويطى: أنا أحق به منك. وقال ابن عبد الحكم:
أنا أحق بمجلسه منك. فقال أبو بكر الحميدى قال الشافعى: ليس أحد أحق بمجلسى من يوسف بن يحيى-يعنى البويطى-وليس أحد من أصحابى أعلم منه. فقال له ابن عبد الحكم: كذبت. فقال الحميدى: كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك. فغضب ابن عبد الحكم وترك مجلس الشافعى وتقدم فجلس فى الطاق، وترك طاقابين مجلس الشافعى ومجلسه، وجلس البويطى فى مجلس الشافعى فى الطاق الذى كان يجلس فيه اه.
زاوية المجدية:
مصدر الجامع داخل المقصورة الوسطى بجوار المحراب الكبير، رتبها مجد الدين أبو الأشبال الحرث بن مهذب الدين أبى المحاسن مهلب بن حسن بن بركات بن على بن غياث المهلبى الأزدى البهنسى الشافعى، وزير الملك الأشرف موسى بن العادل أبى بكر بن أيوب، ورتب فى تدريسها قريبه قاضى القضاة وجيه الدين عبد الوهاب البهنسى، وعمل عليها عدة أوقاف بمصر والقاهرة، وتوفى المجد فى صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة بدمشق عن ثلاث وستين سنة.
стр. 936
الزاوية الصاحبية:
حول عرفة (١)، رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين، وجعل لها مدرسين أحدهما مالكى والآخر شافعى، وجعل عليها وقفا بظاهر القاهرة بخط البراذعيين.
الزاوية الكمالية:
بالمقصورة المجاورة لباب الجامع، رتبها كمال الدين السمنو دى ووقف عليها فندقا بمصر.
الزاوية التاجية:
أمام المحراب الخشب، رتبها تاج الدين السطحى ووقف عليها دورا بمصر.
الزاوية المعينية:
فى الجانب الشرقى من الجامع، رتبها معين الدين الدهر وطى وعليها وقف بمصر.
الزاوية العلائية:
تنسب لعلاء الدين الضرير، وهى فى صحن الجامع وهى لقراءة ميعاد.
الزاوية الزينية:
رتبها الصاحب زين الدين لقراءة ميعاد أيضا.
وإلى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، كان بالجامع أربعون حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه،/وكان يوقد فيه ليلة الوقود ثمانى عشرة ألف فتيلة، وكان المطلق برسمه خاصة فى كل ليلة برسم وقوده أحد عشر قنطارا ونصفا زيتا طيبا. انتهى ملخصا من خطط المقريزى، مع بعض زيادات من كتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، للعلامة جمال الدين أبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى الأتابكى وغيره.
وفى المقريزى أيضا عند ذكر المدارس: أن رئيس التجار برهان الدين بن عمر بن على المحلى ابن بنت العلامة شمس الدين محمد بن اللبان، وينتمى فى نسبه إلى طلحة بن عبيد الله أحد العشرة ﵃، جدد جامع عمرو بن العاص ﵁ وكان قد تداعى إلى السقوط، فقام بعمارته حتى عاد قريبا مما كان عليه، شكر الله له ذلك، وتوفى ثانى عشر ربيع الأول
стр. 937
سنة ست وثمانمائة عن مال عظيم، أخذ منه السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق مائة ألف دينار، ولم يكن مشكور السيرة فى الديانة انتهى.
وفى نزهة الناظرين: أن الملك الأشرف أبا النصر قايتباى جدد من جامع عمرو بن العاص بعض جهاته.
وفى حوادث سنة خمس عشرة ومائتين وألف من الجبرتى: أن الأمير مراد بيك محمد المدفون بمدينة سوهاج، لما رأى خراب جامع عمرو وسقوط سقوفه وميل شقّه الأيمن خطر بباله تجديده، وحسن له ذلك بعض الفقهاء فقيد به نديمه قاسما المعروف بالمصلى، وصرف عليه أموالا عظيمة أخذها من غير حلها ووضعها فى غير محلها، فأقام أركانه وشيد بنيانه، ونصب أعمدته وبنى به منارتين، وجدد جميع سقفه بالخشب النقى، وبيض جميعه فتم على أحسن ما يكون، وفرشه جميعه بالحضر الفيومى وعلق به القناديل، وصليت به الجمعة فى آخر رمضان سنة اثنتى عشرة، وحضر الأمراء والأعيان والفقهاء، وبعد الصلاة عقد الشيخ عبد الله الشرقاوى مجلسا وأملى فيه حديث: «من بنى لله مسجدا»، وتفسير: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وألبس فروة سمور وكذلك الخطيب، وكان قبل ذلك يحصل فيه عند الاجتماع به آخر جمعة من رمضان كثير من الملاهى، وذلك أن الناس كانوا يجتمعون به من القاهرة وبولاق وغيرهما على سبيل التسلى، فيجتمع بصحنه أرباب الملاهى من الحواة والقرداتية، وأصحاب الملاعب، والنساء الراقصات المعروفات بالغوازى فبطل ذلك من نحو ثلاثين سنة، ولما جاء الفرنساوية جرى عليه ما جرى على غيره من الهدم والتخريب وأخذ الأخشاب، حتى أصبح بلقعا أشوه مما كان قبل هذه العمارة انتهى.
وقد قاسه الفرنساوية يومئذ فوجدوا أضلعه مائة وعشرين مترا تقريبا، وقالوا: إن شكله يقرب من المربع.
وفى سنة ألف ومائتين وتسعين هجرية، قد ندبت له ثقة من المهندسين ليذرعه ويكشف عن أوصافه بالدقة، فكان جانبه الشرقى مائة متر وتسعة أمتار وثلث متر، وجانبه القبلى مائة وسبعة عشر مترا وعشرة أمتار، والغربى مائة متر وأربعة أمتار، والبحرى مائة وعشرين مترا وربع متر. قال: ويظهر أنه كان له ملحقات لم تدخل فى هذا المقاس آثارها باقية إلى الآن مملوءة بالأتربة، كما أن بعض الجامع الآن متخرب فيه من الجهة البحرية
стр. 938
بائكتان متخربتان لم يبق منهما إلا القليل، وبالجهة الشرقية خمس بوائك هى التى يصلى فيها الآن، وقبلته من رخام بأعلاها لوح رخام مكتوب فيه:
انظر لمسجد عمرو بعد ما درست … رسومه صار يحكى الكوكب الزاهى
نعم الوزير الذى لله جدده … مير اللواء مراد الآمر الناهى
له ثواب جزيل غير منقطع … على الدوام بأنظار وأشباه
لاح القبول عليه حسين أرخه … هذا البناء على مراد الله
سنة ١٢١١
وبجوار تلك القبلة قبلة أخرى منقوش بأعلاها:
مسجد ابن العاص أضحى … بعد هدم قد أصابه
كعبة يسعى إليها … يرتجى فيه الإجابة
جمل التاريخ رجح … قد بنى هذا الصحابة
سنة ١٢١١
/وفى الجهة الغربية ثلاثة أبواب هى المستعملة الآن، وبالوجه البحرى ثلاثة أبواب مسدودة، وفى الوجه القبلى باب مسدود أيضا، فكانت أبوابه سبعة ولم ير أثر أبواب غيرها، وفوق اثنين منها اسم مراد بيك بتاريخ ألف ومائتين وأحد عشر، وعلى أحد أبوابه الغربية منقوش فى لوح من الرخام هذه الأبيات:
أحيا لنا ربنا بيتا لطاعته … وكان من قبل مصباحا بها فطفى
وانقض بنيانه والمسلمون غدوا … من أجله قاصرين الباع فى أسف
لأنه من بقايا فرقة طهرت … أميرها عمرو السهمى غير خفى
ومذ أراد تعالى بالعمار له … أنشاه مولى جواد بالمراد يفى
فصار يحكى البنا إحسانه أبدا … وإنما يعمر الآيات فى الصحف
ونشوة العز قد قالت مؤرخة … يسمو العزيز مراد جامع الشرف
سنة ١٢١١
وعلى باب آخر منها:
بمسجد الفضل عن عمرو أجدّ بنا … قد فاز بالخير من لله جدده
стр. 939
وإنما يعمر الآيات شاهدة … له بفوز وأن الله أسعده
ونشوة السعد قد قالت مؤرخة … أنشأت حمدا مراد الحى مسجده
سنة ١٢١١
ومن بعد عمارة مراد بيك، جرت فيه مرمات خفيفة مثل تبييضه وارتفاع بلاطه وغير ذلك.
وللجامع صحن غير مسقوف طول ضلعه الأكبر تسعة وسبعون مترا، وطول الأصغر واحد وسبعون، وجميع الجامع مبنى من الطوب المضروب المحرق، وليس به الآن من البناء القديم إلا جزء يسير بالجانب الشرقى والقبلى، وسمك ذلك البناء القديم متر وثلثا متر، وسمك غيره تسعة أعشار متر، وكذا يزيد فى الارتفاع عن الحديد بقدر ثلاثة أمتار.
والموجود به الآن من الأعمدة الرخام الصحيحة مائتان وخمسة عشر عمودا منها ملقى على الأرض خمسة وثلاثون، وذلك غير جملة وافرة من القطع الأنصاف والأقل والأكثر والتيجان والكراسى ما بين ظاهر ومرتدم.
وعلى يسار الداخل من الباب البحرى الكبير عمودان متجاوران، يزعم الناس أنه لا يمكن المرور بينهما إلا لطاهر من دنس الذنوب والخطايا، ويقصدونهما بالمرور بينهما ليختبر الإنسان حاله، ويزدحمون عليهما بعد صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان ازدحاما شديدا.
ويقولون قد يسلك بينهما السمين الجسيم ويتخلف النحيف بحسب قلة الذنوب وكثرتها، وأمام المنبر من الجهة اليسرى عمود من الرخام، يضربونه بالنعال والعصى بعد فراغهم من الصلاة؛ لزعمهم أنه عصى عن الحضور مع الأعمدة التى أحضرت لبناء الجامع زمن الفتح.
وفى الزاوية البحرية الشرقية قبر عبد الله بن سيدنا عمرو بن العاص ﵁، عليه تابوت داخل مقصورة عليها قبة، وتزوره الناس، وبالجامع مصحف كبير مكتوب بالخط الكوفى على رق غزال فقد منه بعضه، وكمله جنتمكان العزيز محمد على بخط عربى سنة ست وأربعين ومائتين وألف، ومصحف آخر داخل صندوق من وقف المرحوم مراد بيك.
وفى صحن الجامع حنفية للوضوء عليها قبة وبداخلها بئر، وبه أيضا شجرة ونخلة وحواليه مساكن موقوفة عليه يصرف ريعها فى لوازمه، وجملة ما يتحصل له من الإيراد كل سنة ثلاثة آلاف قرش ومائتان وثلاثة وثمانون قرشا ونصف قرش عملة ميرية عبرة كل مائة قرش جنيه مصرى، منها من الروزنامجه مائة قرش وأربعة وثلاثون قرشا وسبعة وثلاثون نصفا فضة، ومنها أجرة مساكن ألف وتسعمائة وعشرون قرشا، وأحكار ونحوها ألف ومائتان وثمانية وعشرون قرشا وثلاثة وثلاثون نصف فضة، يصرف من ذلك على
стр. 940
خدمته كل سنة ألف وأربعمائة وسبعة وسبعون قرشا وثمانية أنصاف فضة، والباقى تحت يد ناظره السيد محمد الليثى.
ورأيت فى كتاب «مناهل الصفا، باتصال نسب السادات الوفائية بالمصطفى» للشيخ على أبى جابر الأتباى نقلا عن أهل التاريخ: أن فى جامع عمرو بن العاص أماكن يستجاب فيها الدعاء: منها البلاطة الحمراء التى خلف الباب الأول فى مجلس ابن عبد الحكم، ومنها باب البراذع، ومنها المحراب الصغير الذى فى جدار الجامع الغربى، ومنها باطن مقصورة عرفة، ومنها عند خرزة البئر التى/فى الجامع، ومنها زاوية فاطمة، ويقال: إنها فاطمة بنت عفان أقامت فى الجامع بهذا المكان وسمى بها، ومنها سطح الجامع، ومنها قبلة اللوح الأخضر. ومما يتبرك به العمودان اللذان على يمنة الداخل من باب الشهود المجاور لسلم السطح فى الجهة البحرية، ومنها عمود الجلالة، ومنها المكان الذى كان الإمام الشافعى يدرس به، ومنها المحراب المنقوش المجاور لكرسى مصحف أسماء، ومنها العمود الذى بقرب الزيادة. وكان سيدى على وفا يسمى هذا الجامع قاعة الفرح، وكان الشيخ إبراهيم المتبولى يسميه ميدان الأولياء انتهى.
وبجوار الجامع من الجهة البحرية قبور لأموات المسلمين، ودولاب يصنع فيه القلل البلدية على نسق القلل القنائية وفيخورة لحريقها، ومن يرتقى فوق سطح الجامع لا يرى إلا تاولا عالية، وحفائر متسعة سببها أخذ السباخ من تلك الجهات وذلك مستمر إلى الآن، ولا يرى هناك شيئا يسر الخاطر مما كانت عليه مدينة العرب ذات العز والثروة والشهرة المنتشرة فى أقطار الأرض، والمبانى العالية الشامخة المشيدة التى مزقتها سطوات الدهر وحوادث الأيام حتى جعلت عاليها سافلها، ومحت آثارها بالمرة فأضحت خاوية موحشة ليس بها أنيس، فسبحان من له الدوام والبقاء الكبير المتعال العدل اللطيف الخبير.
***
стр. 941
حرف الألف
الجامع الأزهر
هذا الجامع أول مسجد أسس بالقاهرة، أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلى مولى الإمام أبى تميم معدّ الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله لما اختط القاهرة، وكان الشروع فى بنائه يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وكمل بناؤه لتسع خلون من رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وكتب بدائر القبة التى فى الرواق الأول على يمنة المنبر والمحراب ما نصه بعد البسملة: مما أمر ببنائه عبد الله ووليه أبو تميم معدّ الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين، على يد عبده جوهر الكاتب الصقلى، وذلك فى سنة ستين وثلاثمائة، وأول جمعة جمعت فيه فى شهر رمضان لسبع خلون من سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
ثم إن العزيز بالله أبا منصور نزار بن المعز لدين الله جدد فيه أشياء.
وفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، أطلق لجماعة من الفقهاء ما يكفى كل واحد منهم من الرزق الناض، وأمر لهم بشراء دار وبنائها فبنيت بجانب الجامع، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى العصر، وكان لخمسة وثلاثين رجلا من مال الوزير صلة فى كل سنة، وخلع عليهم العزيز يوم عيد الفطر وحملهم على بغلات.
ويقال: إن به طلسما فلا يسكنه عصفور ولا يفرخ به، وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيره، وهو صورة ثلاثة طيور منقوشة كل صورة على رأس عمود.
ثم إن الحاكم بأمر الله جدده ووقف عليه وعلى جامع المقس والجامع الحاكمى ودار العلم بالقاهرة رباعا بمصر، وضمن ذلك كتابا حددها فيه وبينها بيانا شافيا، ثم قال فى آخر ذلك الكتاب: يؤجر ذلك فى كل عصر من ينتهى إليه ولايتها ويرجع إليه أمرها بعد مراقبة الله واجتلاب ما يوفر منفعتها من إشهارها عند ذوى الرغبة فى إجارة أمثالها، فيبتدأ من ذلك بعمارة ذلك على حسب المصلحة وبقاء العين ومرمته من غير إجحاف بما حبس ذلك عليه، وما فضل كان مقسوما على ستين سهما، فمن ذلك للجامع الأزهر الخمس والثمن ونصف السدس
стр. 942
ونصف التسع، يصرف ذلك فيما فيه عمارة له ومصلحة، وهو من العين المعزى الوازن ألف دينار وسبعة وستون دينارا ونصف دينار وثمن دينار، من ذلك للخطيب فى كل سنة أربعة وثمانون دينارا، ولثمن ألف ذراع حصر عبدانية عدة له عند الحاجة إلى ذلك، ولثمن ثلاثة عشر ألف ذراع حصر مضفورة لكسوة الجامع فى كل سنة عند الحاجة إليها مائة دينار وثمانية دنانير، ولثمن ثلاثة قناطير دجاج وفراخها اثنا عشر دينارا ونصف وربع دينار، ولثمن عود هندى للبخور فى شهر رمضان وأيام الجمعة مع ثمن الكافور والمسك وأجرة الصانع خمسة عشر دينارا، ولنصف قنطار شمع بالفلفلى سبعة دنانير، ولكنس الجامع ونقل التراب وخياطة الحصر وثمن الخيط وأجرة الخياطة خمسة دنانير، ولثمن مشاقة لسرج القناديل عن خمسة وعشرين رطلا بالرطل الفلفلى دينار واحد، ولثمن فحم للبخور عن قنطار واحد بالفلفلى نصف دينار، ولثمن أردبى ملح للقناديل ربع دينار، ولمؤنة النحاس والسلاسل والتنانير والقباب التى فوق سطحه أربعة وعشرون دينارا، ولثمن سلب ليف أربعة أحبل وست دلاء أدم نصف دينار، ولثمن قنطارى خرق لمسح القناديل نصف دينار، ولثمن عشر قفاف للخدمة وعشرة أرطال قنب لتعليق القناديل ومائتى مكنسة دينارا واحدا وربع دينار، ولثمن أزيار فخار تنصب على المصنع ويصب فيها الماء/مع أجرة حملها ثلاثة دنانير، ولثمن زيت وقوده راتب السنة ألف رطل ومائتا رطل مع أجرة الحمل سبعة وثلاثون دينارا ونصف، ولأرزاق ثلاثة أئمة وأربعة قومة وخمسة عشر مؤذنا خمسمائة دينار وستة وخمسون دينارا ونصف، منها للأئمة لكل رجل منهم فى كل شهر ديناران وثلثا دينار وثمن دينار، ولكل واحد من المؤذنين والقومة فى الشهر ديناران، وللمشرف فى كل سنة أربعة وعشرون دينارا، ولكنس المصنع ونقل ما يخرج منه من الطين والوسخ دينار واحد، ولمرمة ما يحتاج إليه فى سطحه وأترابه وحياطته وغير ذلك كل سنة ستون دينارا، ولثمن مائة وثمانين حمل تبن ونصف حمل لعلف رأسى بقر للمصنع ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار، ولمخزن يوضع فيه التبن أربعة دنانير، ولثمن فدانى قرط لتربيع رأسى البقر فى السنة سبعة دنانير، ولأجرة متولى العلف وأجرة السقاء والحبال والقواديس ونحو ذلك خمسة عشر دينارا ونصف، ولأجرة قيم الميضأة إن عملت اثنا عشر دينارا انتهى.
وكان فى محرابه منطقة فضة قلعها صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة تسع وستين وخمسمائة بعد انتهاء الفاطميين فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة، كما قلع غيرها من مناطق الجوامع.
ثم إن المستنصر جدد هذا الجامع أيضا، وجدده الحافظ لدين الله وأنشأ فيه مقصورة
стр. 943
لطيفة تجاور الباب الغربى الذى فى مقدمه بداخل الرواقات عرفت بمقصورة فاطمة، لأن فاطمة الزهراء رئيت بها.
وفى سنة خمس وستين وستمائة، جدده الأمير عز الدين أيدمر الحلى فى سلطنة الملك الظاهر بيبرس بسبب أنه كان مجاورا له فى السكنى، فراعى حرمة الجوار وانتزع له أشياء كانت مغصوبة، وأحاط أموره حتى جمع له شيئا صالحا مع ما تبرع به له من المال الجزيل، وأطلق له من السلطان جملة من المال، وشرع فى عمارته فعمر الواهى من أركانه وجدرانه وبيضه وأصلح سقوفه وبلطه وفرشه وكساه حتى عاد حرما فى وسط المدينة، واستجد به مقصورة حسنة، وأثر فيه آثارا صالحة.
وكذا عمل فيه الأمير بيلبك الخازندار مقصورة كبيرة، رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشافعى، ومحدثا يسمع الحديث النبوى، ووقف على ذلك الأوقاف الدارة، ورتب به سبعة لقراءة القرآن ومدرسا، وأقيمت فيه الجمعة يومئذ وحضرت فيه الأمراء والكبراء وأصناف العالم وكان يوما مشهودا، وبعد الفراغ من الجمعة قام الأمير عز الدين إلى داره ومعه الأمراء فقدم لهم ما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين، وكان قد أخذ خطوط العلماء بجواز الجمعة فيه، ووجد الناس به رفقا لقربه من الحارات.
وكان سقف الجامع قصيرا، فزيد فيه وعلا ذراعا، واستمرت الخطبة فيه حتى بنى الجامع الحاكمى فانتقلت الخطبة إليه، فإن الخليفة كان يخطب فيه خطبة، وفى الجامع الأزهر، خطبة وفى جامع ابن طولون خطبة، وفى جامع عمرو خطبة.
ولما استبد صلاح الدين يوسف بن أيوب بالسلطنة، انقطعت الخطبة من الأزهر وأقرت فى الجامع الحاكمى لأنه أوسع من الأزهر، وكان قاضى القضاة يومئذ شافعيا لا يرى إقامة خطبتين فى بلد واحدة، فبقى الأزهر معطلا عن الخطبة مائة عام، فلما استولى الملك الظاهر بيبرس على السلطنة أعيدت فيه الخطبة.
ثم فى زلزلة سنة اثنتين وسبعمائة، سقط الجامع الأزهر، والحاكمى، وجامع عمرو، وجوامع أخر فتقاسم الأمراء عمارتها، فتولى الأمير سلار عمارة الأزهر فأعاد ما تهدم منه.
وفى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، جدده القاضى نجم الدين محمد بن حسين الأسعردى محتسب القاهرة.
ثم فى سنة إحدى وستين وسبعمائة، فى سلطنة الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، جدده الأمير الطواشى سعد الدين بشير الجامدار الناصرى لما سكن بقربه، فى الدار التى تعرف
стр. 944
هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار، فأحب أن يؤثر فيه أثرا صالحا فاستأذن السلطان فى ذلك، فأخرج منه الخزائن والصناديق ونزع عدة مقاصير، كان كل ذلك مضيقا للجامع، وتتبع جدرانه وسقوفه بالإصلاح حتى عادت كأنها جديدة، وبيضه وبلطه ومنع الناس من المرور فيه، ورتب فيه مصحفا وجعل له قارئا، وأنشأ على بابه القبلى حانوتا لتسبيل الماء العذب كل يوم، وعمل فوقه مكتبا لإقراء أيتام المسلمين ورتب لفقراء المجاورين طعاما يطبخ كل يوم، وأنزل إليه قدورا من نحاس جعلها فيه، ورتب فيه درسا لفقهاء الحنفية فى المحراب الكبير، ووقف على ذلك أوقافا جليلة، ولذا كان مؤذنو الجامع يدعون للسلطان حسن فى كل جمعة وبعد كل صلاة.
وفى سنة أربع وثمانين وسبعمائة، تولى نظره الأمير بهادر الطواشى، وتنجز مرسوم السلطان الملك الظاهر برقوق بأن من مات من مجاورى الأزهر عن غير وارث وترك موجودا فإنه يأخذه المجاورون، ونقش على حجر عند الباب الكبير البحرى.
وفى سنة ثمانمائة، هدمت منارته وكانت قصيرة/فعمرت أطول منها وبلغت النفقة عليها من مال السلطان خمسة عشر ألف درهم نقرة، وكملت فى السنة المذكورة فعلقت فيها القناديل ليلة الجمعة من ربيع الآخر، واجتمع القراء والوعاظ فى الجامع وتلوا ختمة شريفة ودعوا للسلطان. ثم هدمت سنة سبع عشرة وثمانمائة لميل ظهر فيها وعمل بدلها منارة من حجر على الباب البحرى بعد هدمه وإعادته بالحجر، وأخذت الحجارة من مدرسة الملك الأشرف خليل التى كانت تجاه قلعة الجبل، وتمت سنة ثمان عشرة فلم تقم غير قليل ومالت حتى كادت تسقط فهدمت سنة سبع وعشرين وأعيدت.
وفى شوال من هذه السنة ابتدئ فى عمل الصهريج الذى بوسط الجامع فوجد هناك آثار فسقية ماء ورمم أموات، فعمل فى نصف سنة وعمل بأعلاه مكان مرتفع له قبة يسيل فيه الماء، وغرس بصحن الجامع أربع شجرات فلم تفلح، ولم يكن للأزهر ميضأة عندما بنى، ثم عملت ميضأته حيث المدرسة الآقبغاوية إلى أن بنى الأمير آقبغا مدرسته الآقبغاوية، وأما هذه الميضأة التى به الآن فبناها الأمير بدر الدين جنكل بن البابا، ثم زيد فيها بعد سنة عشر وثمانمائة ميضأة المدرسة الآقبغاوية.
ولم يزل فى الأزهر منذ بنى عدة من الفقراء ملازمون الإقامة به، وفى سنة ثمان عشرة وثمانمائة بلغت عدتهم سبعمائة وخمسين رجلا ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربة، ولكل طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن
стр. 945
ودراسته وتلقينه والاشتغال بأنواع العلوم والفقه والحديث والتفسير والنحو ومجالس الوعظ، فيجد الإنسان إذا دخله من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجده فى غيره، وصار أرباب الأموال يقصدونه بأنواع البر من الذهب والفضة والفلوس إعانة للمجاورين به، وكل قليل تحمل إليه أنواع الأطعمة والخبز والحلوى لا سيما فى المواسم.
ولما ولى نظره الأمير سودون القاضى حاجب الحجاب فى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، أمر بإخراج المجاورين منه ومنعهم من الإقامة فيه وإخراج ما لهم فيه من صناديق وخزائن وكراسى مصاحف، فتشتت شمل الفقراء وتعذرت الأماكن عليهم فساروا فى القرى، ثم أشاع أن أناسا يبيتون به ويفعلون فيه المنكرات، وكانت العادة جارية بمبيت الناس فيه ما بين تاجر وفقيه وجندى، خصوصا فى ليالى الصيف وليالى رمضان فإنه يمتلئ صحنه وأكثر أروقته، فطرقه الأمير سودون بعد العشاء وقبض على جماعة وضربهم، وكان قد جاء معه جماعة من الأعوان والغلمان وغوغاء العامة فوقع النهب فيمن كان بالجامع، فأخذت فرشهم وعمائمهم وفتشت أوساطهم وأخذ ما كان عليها من ذهب وفضة، وعمل ثوبا أسود للمنبر وعلمين مزوقين بلغت النفقة على ذلك خمسة عشر ألف درهم. انتهى ملخصا من خطط المقريزى.
وفى حسن المحاضرة للسيوطى: أن الحاكم بأمر الله لما جدد الأزهر أوقف عليه أوقافا، وجعل فيه تنورين فضة وسبعة وعشرين قنديلا فضة، وكان نضده فى محرابه منطقة فضة كما كان فى محراب جامع عمرو انتهى.
وفى سنة تسعمائة أجرى الخواجا مصطفى بن محمود بن رستم الرومى عمارة الجامع الأزهر وصرف عليه من ماله نحو خمسة عشر ألف دينار وجاء غاية فى الحسن، وهو على ما جدده به إلى الآن. قاله ابن إياس.
وفى نزهة الناظرين: أن الملك الأشرف أبا النصر قايتباى المتوفى سنة إحدى وتسعمائة أنشأ ميضأة بالجامع الأزهر وفسقية معتبرة وسبيلا، وأنشأ أيضا مكتبا على باب الجامع، وأن الملك الظاهر أبا سعيد قانصوه خال الناصر هو الذى رتب بالجامع الأزهر فى شهر رمضان الخبز والخزيرة (١). ثم لما جاء الملك الأشرف قانصوه الغورى ضاعف ذلك فى أيامه أضعافا كثيرة وأنشأ المئذنة المعتبرة به.
وفى سنة أربع وألف، أيام ولاية الشريف محمد باشا على مصر، عمره وجدد ما تخرب
стр. 946
منه، ورتب به جملة من العدس تطبخ كل يوم للفقراء فتسامع الناس بذلك وأتوا إليه من سائر القرى.
وفى سنة أربع عشرة بعد الألف، عمر به الوزير حسن باشا والى مصر مقام السادة الحنفية أحسن عمارة وبلطه بلاطا جديدا انتهى.
وفى أوائل الجزء الأول من تاريخ الجبرتى عند ذكر ترجمة الأمير إسماعيل بيك بن الأمير الكبير إيواظ بيك القاسمى من بيت العز والسيادة، المتوفى سنة ألف ومائة وست وثلاثين، أن للمذكور عدة عمائر ومآثر، منها أنه جدد سقف الجامع الأزهر وكان قد آل إلى السقوط، وأنشأ مسجد سيدى إبراهيم الدسوقى وسيدى على المليجى وغير ذلك انتهى.
وفيه أيضا فى حوادث سنة تسعين ومائة وألف، أن الأمير عبد الرحمن كتخدا بن حسن جاويش القازدغلى أستاذ سليمان جاويش أستاذ إبراهيم كتخدا مولى جميع الأمراء المصريين، أنشأ فى مقصورة الجامع الأزهر مقدار النصف طولا وعرضا/يشتمل على خمسين عمودا من الرخام، تحمل مثلها من البوائك المقوصرة المرتفعة المتسعة من الحجر المنحوت، وسقف أعلاها بالخشب النقى وبنى به محرابا جديدا ومنبرا، وأنشأ له بابا عظيما جهة حارة كتامة، وبنى بأعلاه مكتبا بقناطر معقودة على أعمدة من الرخام لتعليم الأيتام من أطفال المسلمين القرآن، وجعل بداخله رحبة متسعة وصهريجا عظيما وسقاية لشرب العطاشى المارين، وعمل لنفسه مدفنا بتلك الرحبة وجعل عليه قبة معقودة وتركيبة من رخام بديعة الصنعة، وجعل بها أيضا رواقا مخصوصا بمجاورى الصعائدة المنقطعين لطلب العلم، يسلك إليه من تلك الرحبة بدرج يصعد منه إلى الرواق، وبه مرافق ومنافع ومطبخ ومخادع وخزائن كتب، وبنى بجانب ذلك الباب منارة، وأنشأ بابا آخر جهة مطبخ الجامع وجعل عليه منارة أيضا، وبنى المدرسة الطيبرسية وأنشأها إنشاء جديدا وجعلها مع مدرسة الآقبغاوية المقابلة لها من داخل الباب الكبير الذى أنشأه خارجهما جهة القبو الموصل للمشهد الحسينى وخان الجراكسة، وهذا الباب الكبير عبارة عن بابين عظيمين كل باب بمصراعين، وجعل على يمينهما منارة، وجعل فوقه مكتبا أيضا، وبداخله على يمين السالك بظاهر الطيبرسية ميضأة وأنشأ لها ساقية لخصوص إجراء المياه إليها، وبداخل باب الميضأة درجا يصعد منه للمنارة ورواق البغداديين والهنود، فجاء هذا الباب وما بداخله من الطيبرسية والآقبغاوية
стр. 947
والأروقة من أحسن المبانى فى العظم والوجاهة والفخامة، وأرخ بعضهم ذلك بهذه الأبيات الركيكة:
تبارك الله باب الأزهر انفتحا … وعاد أحسن مما كان وانصلحا
تقر عينا إذا شاهدت بهجته … بإخلاص بانيه للعلماء والصلحا
وادخل على أدب تلق الهداة به … قد قرروا حكما ميزانها رجحا
بالباب قد بدأ الأكوان أرخه … بعبد رحمن باب الأزهر انفتحا
وجدد رواقا للمكاويين والتكروريين، وزاد فى مرتبات الجامع وأخبازه، ورتب لمطبخه فى خصوص أيام رمضان فى كل يوم خمسة أرادب أرزا أبيض وقنطار سمن ورأس جاموس وغير ذلك من المرتبات والزيت والوقود للمطبخ، وزاد فى طعام المجاورين ومطبخهم الهريسة فى يومى الاثنين والخميس، وقد تعطل غالب ذلك فى هذا التاريخ الذى نحن فيه لغاية سنة عشرين ومائتين وألف.
وقد أنشأ الأمير المذكور عمائر كثيرة حتى فى الحجاز، ولو لم يكن له من المآثر إلا ما أنشأه بالجامع الأزهر من الزيادة والعمارة التى تقصر عنها همم الملوك لكفاه ذلك، ولما مات خرجوا بجنازته فى مشهد حافل حضره العلماء والأمراء والتجار ومؤذنو المساجد وأولاد المكاتب التى أنشأها ورتب لهم فيها الكساوى والمعاليم فى كل سنة، وصلوا عليه بالأزهر ودفن بمدفنه الذى أعده لنفسه بالأزهر عند الباب القبلى. انتهى باختصار. وقد بسطنا الكلام على عدّ مآثره وعمائره التى أجراها فى ترجمته عند الكلام على جامع الشيخ مطهر، وقد أجريت فيه بعد ذلك عمائر خفيفة فى عهد العائلة المحمدية كإصلاح بلاط صحنه وأخليته وبعض أبوابه، ولم يزل هذا الجامع ملحوظا عامرا مشارا إليه مقصودا للاستفادة والتبرك حتى للملوك والسلاطين.
وفى ابن إياس أن السلطان سليم شاه العثمانى دخله يوم الجمعة سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، فصلى به الجمعة وتصدق هناك بمبلغ كبير انتهى.
وكل حين يزداد عمارية وشهرة فى الآفاق، ويؤتى إليه من جميع بلاد الإسلام لتعلم العلوم الشرعية والعقلية والنقلية من دروسه الدائمة، المتصدر فى إقرائها جهابذة العلماء والمحدثين ما بين مؤلف ومدرس، فتجد فيه من المجاورين الألوف المؤلفة من الطوائف المختلفة كأهل الحجاز واليمن والسند والهند والسودان والجاوة وبغداد والمغرب والشام والسليمانية والأتراك والأكراد، خلاف الجم الغفير من البلاد المصرية الصعيد والبحيرة والفيوم والشرقية والغربية،
стр. 948
ولكل طائفة فى جوانبه رواق يخصها، ويغلب على الظن أنه أشهر بقعة بعد المساجد الثلاثة فهو الجامع الجامع، والأزهر الأزهر، والمدرسة الكبرى، والبقعة النافعة، به يزول الجهل وتخلد حياة العلم وتتأدب النفوس وتتسع القرائح وتتنبه الفطن وتروق الأفكار وتتفنن الآداب وتظهر الأسرار ويكتسب الشرف ويعظم القدر، فكم بزغت فيه شموس وأقمار، وغردت فيه بلابل المعلمين والمتعلمين فى العشى والإبكار والأسحار.
ثم إن مدرسة جامع الأزهر، منذ أيام محمد على الذى أحيا المعارف والعلوم فى القطر المصرى، أخذت فى استرجاع رونقها/القديم، وجعل الطلبة يتقاطرون إليها من كل صقع من جميع المذاهب الإسلامية، فأصبحت مرضعة للعلوم الفقهية وغيرها، وانتشرت تلامذتها البارعون وفوائدها فى كل قطر من الممالك العثمانية وغيرها، وقد ضبط عدد الشيوخ المدرسين والطلبة والمجاورين بالأروقة فى هذه المدرسة سنة خمس وسبعين وثمانمائة وألف للميلاد (الموافقة لسنة ألف ومائتين وثلاث وتسعين من الهجرة) فكان عدد الشيوخ ثلاثمائة وواحدا وستين شيخا، منهم مائة وسبعة وأربعون شافعية، وتسعة وتسعون مالكية، وستة وسبعون حنفية، وثلاثة حنبلية، ومن المجاورين الطلبة عشرة آلاف وسبعمائة وثمانون فى خمس عشرة حارة وثمانية وثلاثين رواقا، منهم خمسة آلاف وستمائة وأحد وخمسون شافعية، وثلاثة آلاف وثمانمائة وستة وعشرون مالكية، وألف ومائتان وثمانية وسبعون حنفية، وخمسة وعشرون حنبلية، وقد زاد عددهم فى أواخر سنة خمس وسبعين وثمانمائة وألف نحو خمسمائة وأربعة وستين طالبا انتهى.
ويقرب من ذلك ما فى كتاب النتيجة الإحصائية للمدارس والمكاتب بالقطر المصرى وهو أمر تقريبى، وإلا فبالأزهر طلبة غير مكتوبين به، وفى دفاتره مكتوبون لا يحضرون الدروس بل يحترفون، وذلك أيضا شامل لأولاد المكاتب، وقوله إن الحنابلة ثلاثة هو خلاف الموجود به، فإنه ليس به من عدة سنوات إلى الآن إلا مدرس واحد حنبلى، ثم حيث كان بهذه المثابة بل أعظم منها فلنورد بيان بعض مشتملاته الآن من الحدود والمقاصير والعمد والمحاريب والأبواب والمنارات والصهاريج والسقايات والأروقة والمكاتب وخزائن الكتب وبيوت القناديل وبيت الخطابة والمزاول والقباب والمدافن والمخازن والآبار والمياضئ والمصانع والمراحيض، والمرتبات من الجرايات والنقود والغلال والخلع والكساوى وما يقرأ به من الفنون، ومشايخ المذاهب ومشايخ الأروقة وبيان المعلمين والمتعلمين والأئمة والمؤذنين والقومة والمؤدبين وأطفال المكاتب وغير ذلك.
стр. 949
حدوده:
ينتهى سوره الغربى إلى الشارع المسلوك بينه وبين حارة الأتراك المسمى بخط الأزهر، وسوره القبلى إلى حارة الدوادارى وهى حارة كتامة وما يجاورها من المساكن إلى الطريق المسلوك إلى باب الغريب المسمى قديما بالباب الجديد الموصل إلى القرافة الكبرى، ووراء ذلك السور رقعة يباع فيها الغلة تعرف برقعة الأزهر، وسوره الشرقى إلى قريب المشهد الحسينى يفصل بينهما بعد جملة مساكن الشارع الجديد الذى يسلك فيه إلى ظواهر باب النصر، وسوره البحرى إلى الطريق الذى بينه وبين الجامع الذى أنشأه الأمير محمد بيك أبو الذهب.
ابوابه:
لهذا الجامع ثمانية أبواب غير باب صغير للمطهرة، باعتبار أن باب المزينين بابان وأن باب الصعايدة بابان.
باب المزينين:
فأكبر أبوابه وأشهرها الباب المعروف بباب المزينين بقرب الدرب المعروف بالقبو الموصل إلى سيدنا الحسين تجاه رأس سوق الصنادقية المتصل بشارع الأشرفية، وهو بابان مقوصران متجاوران مبنيان بالحجر النحيت بناء متقنا وبهما من صنعة التفريغ والنقش والزخرفة ما يليق بهما، وهما مع المكتب البديع الذى فوقهما والمنارة من زيادات المرحوم عبد الرحمن كتخدا كما مر، وعلى واجهتهما من الخارج أبيات مرقومة بالحروف المموهة بالذهب تشتمل على تاريخ بنائهما وهى:
إن للعلم أزهرا يتسامى … كسماء ما طاولتها سماء
حيث وافاه ذا البناء ولولا … منة الله ما تسامى البناء
رب إن الهدى هداك وآيا … تك نور تهدى به من نشاء
مذ تناهى أرخت باب علوم … وفخار به يجاب الدعاء
٥ ١٤٦ ٨٨٧ ٧ ١٦ ١٠٦ - ١١٦٧
فكان إنشاء هذا الباب سنة سبع وستين ومائة وألف (١)، والباب الأصلى فى هذه الجهة هو الباب المواجه للداخل مما يلى صحن الجامع، وبينهما من الجانبين كان يجلس المزينون لحلق رؤوس المجاورين فعرف الباب بذلك، وصار داخله المدرستان الطيبرسية والآقبغاوية بعد أن كانتا خارجه، وعلى مكسلتى هذا الباب منقوش فى الحجر ما صورته: «بسم الله
стр. 950
الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذا الباب والمئذنة: الشريف مولانا السلطان الأشرف قايتباى بتاريخ شهر رجب الفرد ثلاثة منه سنة «» وفوق ذلك: «لا إله إلا الله محمد رسول الله نصر من الله وفتح قريب»، وفوقها: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» وفوق ذلك كتابة كوفية دقيقة الحروف يعسر قراءتها.
باب المغاربة:
هو تجاه الأتراك، ويتوصل منه إلى صحن الجامع بعد المروربين رواق المغاربة ورواقى السنارية والأتراك.
باب الشوام:
هو بعد باب المغاربة للذاهب إلى حارة كتامة فى مقابلة الوكالة التى أنشأها السلطان قايتباى، ويسلك منه إلى مقصورة الجامع القديمة، ويظهر أنه من الأبواب الأصلية للجامع.
باب الصعايدة:
هو بعد باب الشوام تجاه حارة الباطلية وحارة كتامة، وهو بابان أيضا كبيران مقوصران متجاوران من إنشاء المرحوم عبد الرحمن كتخدا كما مر، ويتوصل منه بعد مجاوزة رواق الصعايدة وبيت القناديل ومدفن الكتخدا إلى باب واحد يوصل إلى المقصورة الجديدة فوق الإيوان التى هى من إنشاء الكتخدا المذكور، وبين البابين دركة متسعة يجلس فيها جماعة من المزينين.
ولما تولى الخديو الأعظم على الديار المصرية أمر بهدمه لخلل كان به، وأنشأه مع ما فوقه من المكتب بأحسن مما كان، والذى باشر ذلك ناظر الأوقاف الأمير أدهم باشا، ونقش على ظاهره بأعلى الواجهة بالخط الثلث المذهب أبيات هى:
باليمن أقبل باب سعد الأزهرى … وسمت محاسنه بأعجب منظر
وغدا مجازا للحقيقة بالهدى … موصول مورده جميل المصدر
باب شريف للنجاح مجرب … إنشاؤه نادى بخير الأعصر
فى دولة إسماعيل داور مصرنا … يمن يسرّ كمال باب الأزهر