← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

منه، ورتب به جملة من العدس تطبخ كل يوم للفقراء فتسامع الناس بذلك وأتوا إليه من سائر القرى. وفى سنة أربع عشرة بعد الألف، عمر به الوزير حسن باشا والى مصر مقام السادة الحنفية أحسن عمارة وبلطه بلاطا جديدا انتهى. وفى أوائل الجزء الأول من تاريخ الجبرتى عند ذكر ترجمة الأمير إسماعيل بيك بن الأمير الكبير إيواظ بيك القاسمى من بيت العز والسيادة، المتوفى سنة ألف ومائة وست وثلاثين، أن للمذكور عدة عمائر ومآثر، منها أنه جدد سقف الجامع الأزهر وكان قد آل إلى السقوط، وأنشأ مسجد سيدى إبراهيم الدسوقى وسيدى على المليجى وغير ذلك انتهى. وفيه أيضا فى حوادث سنة تسعين ومائة وألف، أن الأمير عبد الرحمن كتخدا بن حسن جاويش القازدغلى أستاذ سليمان جاويش أستاذ إبراهيم كتخدا مولى جميع الأمراء المصريين، أنشأ فى مقصورة الجامع الأزهر مقدار النصف طولا وعرضا/يشتمل على خمسين عمودا من الرخام، تحمل مثلها من البوائك المقوصرة المرتفعة المتسعة من الحجر المنحوت، وسقف أعلاها بالخشب النقى وبنى به محرابا جديدا ومنبرا، وأنشأ له بابا عظيما جهة حارة كتامة، وبنى بأعلاه مكتبا بقناطر معقودة على أعمدة من الرخام لتعليم الأيتام من أطفال المسلمين القرآن، وجعل بداخله رحبة متسعة وصهريجا عظيما وسقاية لشرب العطاشى المارين، وعمل لنفسه مدفنا بتلك الرحبة وجعل عليه قبة معقودة وتركيبة من رخام بديعة الصنعة، وجعل بها أيضا رواقا مخصوصا بمجاورى الصعائدة المنقطعين لطلب العلم، يسلك إليه من تلك الرحبة بدرج يصعد منه إلى الرواق، وبه مرافق ومنافع ومطبخ ومخادع وخزائن كتب، وبنى بجانب ذلك الباب منارة، وأنشأ بابا آخر جهة مطبخ الجامع وجعل عليه منارة أيضا، وبنى المدرسة الطيبرسية وأنشأها إنشاء جديدا وجعلها مع مدرسة الآقبغاوية المقابلة لها من داخل الباب الكبير الذى أنشأه خارجهما جهة القبو الموصل للمشهد الحسينى وخان الجراكسة، وهذا الباب الكبير عبارة عن بابين عظيمين كل باب بمصراعين، وجعل على يمينهما منارة، وجعل فوقه مكتبا أيضا، وبداخله على يمين السالك بظاهر الطيبرسية ميضأة وأنشأ لها ساقية لخصوص إجراء المياه إليها، وبداخل باب الميضأة درجا يصعد منه للمنارة ورواق البغداديين والهنود، فجاء هذا الباب وما بداخله من الطيبرسية والآقبغاوية

стр. 947

والأروقة من أحسن المبانى فى العظم والوجاهة والفخامة، وأرخ بعضهم ذلك بهذه الأبيات الركيكة: تبارك الله باب الأزهر انفتحا … وعاد أحسن مما كان وانصلحا تقر عينا إذا شاهدت بهجته … بإخلاص بانيه للعلماء والصلحا وادخل على أدب تلق الهداة به … قد قرروا حكما ميزانها رجحا بالباب قد بدأ الأكوان أرخه … بعبد رحمن باب الأزهر انفتحا وجدد رواقا للمكاويين والتكروريين، وزاد فى مرتبات الجامع وأخبازه، ورتب لمطبخه فى خصوص أيام رمضان فى كل يوم خمسة أرادب أرزا أبيض وقنطار سمن ورأس جاموس وغير ذلك من المرتبات والزيت والوقود للمطبخ، وزاد فى طعام المجاورين ومطبخهم الهريسة فى يومى الاثنين والخميس، وقد تعطل غالب ذلك فى هذا التاريخ الذى نحن فيه لغاية سنة عشرين ومائتين وألف. وقد أنشأ الأمير المذكور عمائر كثيرة حتى فى الحجاز، ولو لم يكن له من المآثر إلا ما أنشأه بالجامع الأزهر من الزيادة والعمارة التى تقصر عنها همم الملوك لكفاه ذلك، ولما مات خرجوا بجنازته فى مشهد حافل حضره العلماء والأمراء والتجار ومؤذنو المساجد وأولاد المكاتب التى أنشأها ورتب لهم فيها الكساوى والمعاليم فى كل سنة، وصلوا عليه بالأزهر ودفن بمدفنه الذى أعده لنفسه بالأزهر عند الباب القبلى. انتهى باختصار. وقد بسطنا الكلام على عدّ مآثره وعمائره التى أجراها فى ترجمته عند الكلام على جامع الشيخ مطهر، وقد أجريت فيه بعد ذلك عمائر خفيفة فى عهد العائلة المحمدية كإصلاح بلاط صحنه وأخليته وبعض أبوابه، ولم يزل هذا الجامع ملحوظا عامرا مشارا إليه مقصودا للاستفادة والتبرك حتى للملوك والسلاطين. وفى ابن إياس أن السلطان سليم شاه العثمانى دخله يوم الجمعة سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، فصلى به الجمعة وتصدق هناك بمبلغ كبير انتهى. وكل حين يزداد عمارية وشهرة فى الآفاق، ويؤتى إليه من جميع بلاد الإسلام لتعلم العلوم الشرعية والعقلية والنقلية من دروسه الدائمة، المتصدر فى إقرائها جهابذة العلماء والمحدثين ما بين مؤلف ومدرس، فتجد فيه من المجاورين الألوف المؤلفة من الطوائف المختلفة كأهل الحجاز واليمن والسند والهند والسودان والجاوة وبغداد والمغرب والشام والسليمانية والأتراك والأكراد، خلاف الجم الغفير من البلاد المصرية الصعيد والبحيرة والفيوم والشرقية والغربية،

стр. 948

ولكل طائفة فى جوانبه رواق يخصها، ويغلب على الظن أنه أشهر بقعة بعد المساجد الثلاثة فهو الجامع الجامع، والأزهر الأزهر، والمدرسة الكبرى، والبقعة النافعة، به يزول الجهل وتخلد حياة العلم وتتأدب النفوس وتتسع القرائح وتتنبه الفطن وتروق الأفكار وتتفنن الآداب وتظهر الأسرار ويكتسب الشرف ويعظم القدر، فكم بزغت فيه شموس وأقمار، وغردت فيه بلابل المعلمين والمتعلمين فى العشى والإبكار والأسحار. ثم إن مدرسة جامع الأزهر، منذ أيام محمد على الذى أحيا المعارف والعلوم فى القطر المصرى، أخذت فى استرجاع رونقها/القديم، وجعل الطلبة يتقاطرون إليها من كل صقع من جميع المذاهب الإسلامية، فأصبحت مرضعة للعلوم الفقهية وغيرها، وانتشرت تلامذتها البارعون وفوائدها فى كل قطر من الممالك العثمانية وغيرها، وقد ضبط عدد الشيوخ المدرسين والطلبة والمجاورين بالأروقة فى هذه المدرسة سنة خمس وسبعين وثمانمائة وألف للميلاد (الموافقة لسنة ألف ومائتين وثلاث وتسعين من الهجرة) فكان عدد الشيوخ ثلاثمائة وواحدا وستين شيخا، منهم مائة وسبعة وأربعون شافعية، وتسعة وتسعون مالكية، وستة وسبعون حنفية، وثلاثة حنبلية، ومن المجاورين الطلبة عشرة آلاف وسبعمائة وثمانون فى خمس عشرة حارة وثمانية وثلاثين رواقا، منهم خمسة آلاف وستمائة وأحد وخمسون شافعية، وثلاثة آلاف وثمانمائة وستة وعشرون مالكية، وألف ومائتان وثمانية وسبعون حنفية، وخمسة وعشرون حنبلية، وقد زاد عددهم فى أواخر سنة خمس وسبعين وثمانمائة وألف نحو خمسمائة وأربعة وستين طالبا انتهى. ويقرب من ذلك ما فى كتاب النتيجة الإحصائية للمدارس والمكاتب بالقطر المصرى وهو أمر تقريبى، وإلا فبالأزهر طلبة غير مكتوبين به، وفى دفاتره مكتوبون لا يحضرون الدروس بل يحترفون، وذلك أيضا شامل لأولاد المكاتب، وقوله إن الحنابلة ثلاثة هو خلاف الموجود به، فإنه ليس به من عدة سنوات إلى الآن إلا مدرس واحد حنبلى، ثم حيث كان بهذه المثابة بل أعظم منها فلنورد بيان بعض مشتملاته الآن من الحدود والمقاصير والعمد والمحاريب والأبواب والمنارات والصهاريج والسقايات والأروقة والمكاتب وخزائن الكتب وبيوت القناديل وبيت الخطابة والمزاول والقباب والمدافن والمخازن والآبار والمياضئ والمصانع والمراحيض، والمرتبات من الجرايات والنقود والغلال والخلع والكساوى وما يقرأ به من الفنون، ومشايخ المذاهب ومشايخ الأروقة وبيان المعلمين والمتعلمين والأئمة والمؤذنين والقومة والمؤدبين وأطفال المكاتب وغير ذلك.

стр. 949

حدوده: ينتهى سوره الغربى إلى الشارع المسلوك بينه وبين حارة الأتراك المسمى بخط الأزهر، وسوره القبلى إلى حارة الدوادارى وهى حارة كتامة وما يجاورها من المساكن إلى الطريق المسلوك إلى باب الغريب المسمى قديما بالباب الجديد الموصل إلى القرافة الكبرى، ووراء ذلك السور رقعة يباع فيها الغلة تعرف برقعة الأزهر، وسوره الشرقى إلى قريب المشهد الحسينى يفصل بينهما بعد جملة مساكن الشارع الجديد الذى يسلك فيه إلى ظواهر باب النصر، وسوره البحرى إلى الطريق الذى بينه وبين الجامع الذى أنشأه الأمير محمد بيك أبو الذهب. ابوابه: لهذا الجامع ثمانية أبواب غير باب صغير للمطهرة، باعتبار أن باب المزينين بابان وأن باب الصعايدة بابان. باب المزينين: فأكبر أبوابه وأشهرها الباب المعروف بباب المزينين بقرب الدرب المعروف بالقبو الموصل إلى سيدنا الحسين تجاه رأس سوق الصنادقية المتصل بشارع الأشرفية، وهو بابان مقوصران متجاوران مبنيان بالحجر النحيت بناء متقنا وبهما من صنعة التفريغ والنقش والزخرفة ما يليق بهما، وهما مع المكتب البديع الذى فوقهما والمنارة من زيادات المرحوم عبد الرحمن كتخدا كما مر، وعلى واجهتهما من الخارج أبيات مرقومة بالحروف المموهة بالذهب تشتمل على تاريخ بنائهما وهى: إن للعلم أزهرا يتسامى … كسماء ما طاولتها سماء حيث وافاه ذا البناء ولولا … منة الله ما تسامى البناء رب إن الهدى هداك وآيا … تك نور تهدى به من نشاء مذ تناهى أرخت باب علوم … وفخار به يجاب الدعاء ٥ ١٤٦ ٨٨٧ ٧ ١٦ ١٠٦ - ١١٦٧ فكان إنشاء هذا الباب سنة سبع وستين ومائة وألف (١)، والباب الأصلى فى هذه الجهة هو الباب المواجه للداخل مما يلى صحن الجامع، وبينهما من الجانبين كان يجلس المزينون لحلق رؤوس المجاورين فعرف الباب بذلك، وصار داخله المدرستان الطيبرسية والآقبغاوية بعد أن كانتا خارجه، وعلى مكسلتى هذا الباب منقوش فى الحجر ما صورته: «بسم الله

стр. 950

الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذا الباب والمئذنة: الشريف مولانا السلطان الأشرف قايتباى بتاريخ شهر رجب الفرد ثلاثة منه سنة «» وفوق ذلك: «لا إله إلا الله محمد رسول الله نصر من الله وفتح قريب»، وفوقها: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» وفوق ذلك كتابة كوفية دقيقة الحروف يعسر قراءتها. باب المغاربة: هو تجاه الأتراك، ويتوصل منه إلى صحن الجامع بعد المروربين رواق المغاربة ورواقى السنارية والأتراك. باب الشوام: هو بعد باب المغاربة للذاهب إلى حارة كتامة فى مقابلة الوكالة التى أنشأها السلطان قايتباى، ويسلك منه إلى مقصورة الجامع القديمة، ويظهر أنه من الأبواب الأصلية للجامع. باب الصعايدة: هو بعد باب الشوام تجاه حارة الباطلية وحارة كتامة، وهو بابان أيضا كبيران مقوصران متجاوران من إنشاء المرحوم عبد الرحمن كتخدا كما مر، ويتوصل منه بعد مجاوزة رواق الصعايدة وبيت القناديل ومدفن الكتخدا إلى باب واحد يوصل إلى المقصورة الجديدة فوق الإيوان التى هى من إنشاء الكتخدا المذكور، وبين البابين دركة متسعة يجلس فيها جماعة من المزينين. ولما تولى الخديو الأعظم على الديار المصرية أمر بهدمه لخلل كان به، وأنشأه مع ما فوقه من المكتب بأحسن مما كان، والذى باشر ذلك ناظر الأوقاف الأمير أدهم باشا، ونقش على ظاهره بأعلى الواجهة بالخط الثلث المذهب أبيات هى: باليمن أقبل باب سعد الأزهرى … وسمت محاسنه بأعجب منظر وغدا مجازا للحقيقة بالهدى … موصول مورده جميل المصدر باب شريف للنجاح مجرب … إنشاؤه نادى بخير الأعصر فى دولة إسماعيل داور مصرنا … يمن يسرّ كمال باب الأزهر

стр. 951

باب الشربة: هو بقرب القبلة الجديدة عن شمالها من ورائها، تجاه رقعة الغلة فى الشارع الخارج إلى باب الغريب بجوار منزل السيد عمر مكرم نقيب أشراف الديار المصرية سابقا. وهو من إنشاء الأمير عبد الرحمن كتخدا كما مر، ويتوصل منه إلى المقصورة الجديدة بعد المرور فى طرقة طويلة، يفصل بينها وبين داخل الجامع حائط قصير يتخلله عمد صغيرة من الحجر تسمى الرؤوس؛ لما فى أطرافها من رؤوس تشبه رؤوس الدبابيس، وتنتهى تلك الطرقة إلى مدفن فى زاوية المسجد يقال له مدفن الست نفيسة البكرية بنت الشيخ محمد أبى عبد الله جلال الدين البكرى الصديقى، يقال إنه كان شيخا على الجامع الأزهر، وهو صاحب المسجد القريب من مطبخ الشربة، وإنها كانت ذات أحوال وكرامات، وسمى باب الشربة لقربه من مطبخ الشربة الذى كان يطبخ فيه الأرز فى رمضان ويفرق على فقراء الجامع. باب الجوهرية: هو باب صغير تجاه زاوية السادة العميان بجوار الباب الآخر لمنزل السيد عمر مكرم، يسلك منه إلى المقصورة الجديدة بعد المرور فى المكتب الذى كان أصله المدرسة الجوهرية، ويسلك الخارج منه إلى عطفة الشنوانى فى زقاق ضيق موصل إلى الشارع الجديد الذى بقرب المشهد الحسينى. وللميضأة باب صغير ينفذ فى الزقاق الخارج إلى باب المزينين مجعول لدخول الحفاة والجنب الذين يريدون الاغتسال فى مصانعه. مقاصير الجامع وأساطينه: المقصورة الكبيرة: الأصل المقصورة الكبيرة تحت الإيوان التى فيها القبلة القديمة، فهى من إنشاء القائد جوهر، وتمتد من باب الشوام إلى رواق أهل الشرقية، وتحتوى على ست وسبعين أسطوانة من الرخام الأبيض الجيد على صفوف متسامتة، وعليها قواصير مرتفعة، بين كل عمودين قوصرة، وفيها دكة كبيرة للمبلغين، وكان فيها المنبر فنقله الأمير عبد الرحمن كتخدا لما بنى المقصورة الجديدة، ويسلك من المقصورة القديمة إلى صحن الجامع من ثلاثة أبواب كبيرة مقوصرة، قائمة مع البوائك التى أمامها على ثمانية عشر عمودا من الرخام، ويتخللها شبابيك من الخشب المخروط وخزن تختص ببعض المجاورين، وتقفل عند الاقتضاء بأبواب من

стр. 952

الخشب المخروط أيضا، وعلى الباب الوسط من هذه الأبواب قبة منقوشة وكتابة بالقلم الكوفى، وقد بلغ الخديو الأعظم أن فى بعض قواصر تلك المقصورة خللا فأمر بإصلاحها فرم منها مما يلى باب الشوام جملة وافرة نحو الثلث، وصرف عليه من أوقاف الجامع، وذلك فى سنة تسعين ومائتين وألف. المقصورة الجديدة: وقد مر الكلام على المقصورة الجديدة، وهى أصغر من المقصورة القديمة، ويفصلها من القديمة إيوان ممتد بطولها ارتفاعة أكثر من نصف ذراع، وفيها المنبر عند محرابها ودكة للمبلغين خلف القبلة القديمة كما فى المقصورة القديمة، يستعملان للتبليغ فى الجمعة والعيدين وفى قراءة رثاء من يموت من مشاهير العلماء، وقد أزيلت هذه الدكة الآن، وسقف المقصورتين من الخشب/المتقن الصنعة ويرتفع سقف الجديدة عن سقف القديمة نحو ذراعين، وفى كليهما عدة ملاقف لجلب النور والهواء، ولها أبواب تفتح وتقفل على حسب الاقتضاء. محاريبه: ليس فى المقصورة الجديدة إلا محرابان، محراب كبير عن يمين المنبر وهو مرتفع مبنى بالرخام، وعليه مع المنبر الخشب المخروط العظيم الصنعة قبة مرتفعة قائمة على ستة أعمدة، أربعة أمام المنبر والقبلة كل اثنين متجاوران، وبجوار الحائط عمودان كل واحد فى زاوية. والمحراب الآخر عن شمال المنبر بعيد عنه، وهو محراب صغير يعرف بقبلة الشيخ الدردير. وفى المقصورة القديمة المحراب الأصلىّ القديم وهو مصنوع بالرخام الجيد صنعة متقنة، وعليه قبه مرتفعة، وفى أعلاه عن يمين المصلى صندوق موضوع على رف يقال إن به قطعة من سفينة نوح ﵇، وقطعة من جلد بقرة بنى إسرائيل، وأن لذلك سرا عجيبا فى عماريته. ولكل من هذين المحرابين الكبيرين إمام ومبلغ للصلوات الخمس، فإمام الجديدة مالكى وإمام القديمة شافعى، ولكل منهما مرتب من النقود والجراية. وكان فى المقصورة القديمة قبلة بقرب باب الشوام قائمة ببناء صغير، وكانت تعرف فى الزمن الأخير بقبلة البيجورى بسبب أن الشيخ إبراهيم البيجورى شيخ الجامع الأزهر كان يصلى عندها كثيرا، وقد أزيلت فى عمارة سنة تسعين ومائتين وألف. وبقرب رواق الشرقاوية فى مؤخر المقصورة قبلة صغيرة من خشب تعرف بقبلة الخطيب الشربينى، عليها كتابة بالخط تدل على أن عملها كان سنة سبع وعشرين وستمائة، وفى ظاهر

стр. 953

هذه المقصورة مما يلى صحن الجامع أربعة محاريب، أحدها بجوار باب المقصورة الذى يلى رواق معمر ورواق الشرقاوية مكتوب عليه: جدد هذا المحراب السعيد على يد العبد الفقير إلى الله تعالى الخواجا مصطفى بن الخواجبا محمود بن جلبى غفر الله له وللمسلمين. وبجوار ذلك شباك مكتوب عليه: لمولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى خلد الله أيامه، ويكتنف الباب الوسط محرابان من الحجر. مكتوب بأعلى أحدهما بالكوفى: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويلى هذا شباك مكتوب عليه: مولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى خلد الله أيامه، وعند الباب الثالث محراب مكتوب عليه: أمر بتجديد هذا المحراب السعيد سيدنا ومولانا الإمام الأعظم والملك المكرم السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى. وبقربه شباك مكتوب عليه كما قبله، ثم شباكان ليس عليهما كتابة، وجميع هذه الشبابيك والأبواب مطلة على ما بين البوائك الوالية للصحن التى يجلس فيها المؤدبون لتعليم الأطفال. وعند رواق الأتراك محراب صغير معمول بالقيشانى وأمامه تحت السقيفة دكة صغيرة غير مستعملة للتبليغ الآن، وذلك غير المحاريب التى فى المدارس الملحقة بالجامع وبعض الأروقة صحنه: هو مكان متسع وجميعه كشف سماوى مفروش بالحجر النحيت، وبوسطه تحت هذا الفرش أربعة صهاريج متسعة للماء الحلو، ولها أفواه من الرخام كأفواه الآبار ناتئة فوق فرش الصحن نحو متر، ولها أغطية من خشب تفتح وتقفل عند الحاجة، وسيأتى الكلام على الصهاريج. والعادة أن يجلس فيه المجاورون للمطالعة فى أيام الشتاء للتشمس فيه، ويبيتون به فى ليالى الصيف، ولا ينعقد فيه درس وإنما الدروس فى المقاصير، وفى دائره بوائك مسقفة على قواصر قائمة على عمد كثيرة من الرخام، جعل بعضها أروقة وبعضها يجلس فيه الأطفال ومؤدبوهم لتعليم القرآن الكريم. مناراته: به ست منارات يؤذن عليها فى الأوقات الخمس وفى الأسحار، وتوقد فى ليالى رمضان والمواسم. منها منارة خارج باب المزينين عن يمين الداخل تشرف على الشارع، وهى من إنشاء

стр. 954

الأمير عبد الرحمن كتخدا ويتوصل إليها من باب الميضأة الصغيرة الذى عن يمين الداخل قبل باب المدرسة الطيبرسية. ومنها ثلاث منارات من داخل باب المزينين مشرفة على صحن الجامع، منها منارة الآقبغاوية عن شمال الداخل إلى الصحن. وفى خطط المقريزى فى الكلام على الآقبغاوية أن هذه المنارة أول مئذنة عملت بديار مصر من الحجر بعد المنصورية، وإنما كانت قبل ذلك تبنى بالآجر، أنشأها هى والمدرسة الأمير علاء الدين آقبغا عبد الواحد، والذى تولى بناءهما المعلم ابن السيوفى رئيس المهندسين فى الأيام الناصرية انتهى. واثنتان عن يمين الداخل، فالتى تعلو جانب الباب أنشأها السلطان الملك الأشرف قايتباى مع الباب الذى تحتها وهى أعلى مناراته وأعظمها، والتى تليها من إنشاء السلطان قانصوه الغورى قايتباى، ويتوصل إلى هاتين المنارتين من باب صغير فى صحن الجامع يصعد منه إلى سطحه وفيه لكل منهما باب. والثالثة غير مسامتة لهما بل خارجة قليلا إلى جهة الطيبرسية. والخامسة المنارة التى بجانب باب/الصعايدة يتوصل إليها من رواق الصعائدة، من إنشاء الأمير عبد الرحمن كتخدا. والسادسة منارة باب الشوربة وبابها من الداخل من إنشاء الكتخدا أيضا، وجميعها من الحجر الآلة المتقن الصنعة، ولا يؤذن على تلك المنارات غالبا إلا العميان محافظة على عدم كشف عورات المساكن المجاورة لها، وتلك عادة حسنة جارية فى أكثر مدن مصر والقاهرة، ولكل منارة خلوة لإقامة مؤذنيها عند انتظار الأذان بها ولا يؤذنون إلا بتنبيه الميقاتى المجعول لخصوص ذلك، والغالب أن أذان الأزهر ينبنى عليه أذان أكثر منارات القاهرة. وفى طبقات الشعرانى، أن منارة السلطان الغورى بنيت فى محل خلوة فوق سطح الجامع كانت للشيخ محمد أبى المواهب الشاذلى، وكان مقيما بالقرب من الجامع الأزهر، وكان من الظرفاء الأجلاء الأخيار، والعلماء الراسخين الأبرار، أعطى ناطقية سيدى على أبى الوفا وعمل الموشحات الربانية، وألف الكتب اللدنية، وله كتاب القانون فى علوم الطائفة، وكان كلامه ينشد فى الموالد والاجتماعات والمساجد على رؤوس العلماء والصالحين، وكان يغلب عليه الحال فينزل من الخلوة يتمشى ويتمايل فى الجامع الأزهر، فيتكلم الناس فيه بما فى أوعيتهم حسنا وقبيحا، ومن كلامه: إذا أردت أن تهجر إخوان السوء فاهجر قبل أن

стр. 955

تهجرهم أخلاقك السوء، فإن نفسك أقرب إليك والأقربون أولى بالمعروف. وقد أطال الشعرانى فى ترجمته ولم يذكر تاريخ وفاته ﵁ انتهى. مزاوله: فيه سبع مزاول، فى صحنه أربع لمعرفة وقت الظهر على يمين الداخل من باب المزينين، وثلاث لمعرفة العصر وهى جهة رواق معمر، وإحدى هذه من عمل الوزير أحمد باشاكور المتولى على مصر سنة إحدى وستين ومائة وألف، وذلك-كما فى الجبرتى-أنه كان من أرباب الفضائل، وله رغبة فى العلوم الرياضية، فلما استقر بقلعة مصر قابله صدور العلماء، منهم الشيخ عبد الله الشبراوى شيخ الأزهر، فتكلم معهم فى الرياضيات فقالوا: لا نعرف هذه العلوم. فتعجب وسكت. وكان للشبراوى وظيفه الخطابة بجامع السراية، فكان يطلع يوم الجمعة ويدخل عند الباشا، فقال له الباشا يوما: المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع الفضائل والعلوم، وكنت فى غاية الشوق إلى المجئ فلما جئتها وجدتها كما قيل: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه. فقال له الشيخ: يا مولاى هى كما سمعتم معدن العلوم والمعارف. فقال: وأين هى وأنتم أعظم علمائها وقد سألتكم عن بعض العلوم فلم تجيبونى، وغاية تحصيلكم الفقه والوسائل ونبذتم المقاصد. فقال الشيخ: نحن لسنا أعظم علمائها وإنما نحن المتصدرون لقضاء حوائجهم، وأغلب أهل الأزهر لا يشتغلون بالرياضيات إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم المواريث كعلم الحساب والغبار. فقال له: وعلم الوقت كذلك من العلوم الشرعية، بل من شروط صحة العبادة، كمعرفة دخول الوقت واستقبال القبلة ووقت الصوم وغير ذلك. فقال الشيخ: نعم لكنه من فروض الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذه العلوم تحتاج إلى آلات وصناعات وأمور ذوقية، كرقة الطبع وحسن الوضع والخط والرسم والتشكيل والأمور العطاردية، وأهل الأزهر غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من القرى والآفاق، فيندر فيهم القابلية لذلك. فقال: وأين البعض؟ فقال: موجودون فى بيوتهم يسعى إليهم، ثم أخبره عن الشيخ الجبرتى (والد المؤلف) فقال: وكيف الطريق إلى حضوره؟ فقال: تكتبون له إرسالية مع بعض خواصكم فلا يسعه الامتناع. ففعل فلبى دعوته فسر به ولازم المطالعة عليه مدة ولايته، ولما طالع ربع الدستور طالع بعده وسيلة الطلاب وهو مؤلف دقيق للعلامة الماردينى؛ فكان الباشا يختلى بنفسه ويستخرج منه بالطرق الحسابية ثم بالتجييب فيجده مطابقا؛ فسر بذلك وخلع على الشيخ فروة من ملبوسه السمور فباعها بثمانمائة دينار.

стр. 956

اشتغل الباشا ثم بعمل المزاول والمنحرفات حتى أتقنها، ورسم على اسمه عدة منحرفات على ألواح كبيرة من الرخام، وعمل له تاريخ نقشه عليها وهو هذا: مزولة متقنة … نظيرها لا يوجد راسمها حاسبها … هذا الوزير الأمجد تاريخها أتقنها … هذا الوزير أحمد ونصب واحدة بالجامع الأزهر فى ركن الصحن على يسار الداخل فوق رواق معمر، وهى لفضل دائر العصر والمغرب، وأخرى بسطح جامع الإمام الشافعى وفيها خيط مساطره وفضل دائره وقسى عصر وفضل دائر المغرب، وأخرى بمشهد/السادات الوفائية وهى بشاخص واحد للظهر والعصر. ثم إنه عزل عن مصر وتولاها غيره. انتهى من الجبرتى فى أول النصف الثانى. المدارس الملحقة به: منها المدرسة الطيبرسية: قال المقريزى فى خططه: هذه المدرسة بجوار الجامع الأزهر، وهى غربيه مما يلى الجهة البحرية، أنشأها الأمير علاء الدين طيبرس الخازندارى نقيب الجيوش وجعلها مسجدا لله تعالى زيادة فى الجامع الأزهر، وقرر بها درسا للفقهاء الشافعية، وأنشأ بجوارها ميضأة وحوض ماء سبيل ترده الدواب، وتأنق فى رخامها وتذهيب سقوفها حتى جاءت فى أبدع زى وأحسن قالب وأبهج ترتيب؛ لما فيها من إتقان العمل وجودة الصناعة، بحيث إنه لم يقدر أحد على محاكاة ما فيها من صناعة الرخام فإن جميعه أشكال المحاريب. وبلغت النفقة عليها جملة كثيرة، وانتهت عمارتها فى سنة تسع وسبعمائة، ولها بسط تفرش فى يوم الجمعة كلها منقوشه بأعمال المحاريب أيضا، وفيها خزانة كتب ولها إمام راتب. ترجمة علاء الدين بن طيبرس: (طيبرس) بن عبد الله الوزيرى كان فى ملك الأمير بدر الدين بيلبك مملوك الخازندار الظاهرى نائب السلطنة، ثم انتقل إلى الأمير بدر الدين بيدرا وتنقل فى خدمته حتى صار نائب الصّبيبة، ورأى مناما للمنصور لاجين يدل على أنه يصير سلطان مصر، وذلك قبل أن يتقلد السلطنة وهو نائب الشام، فوعده إن صارت إليه السلطنة أن يقدمه وينوه به، فلما تملك لاجين استدعاه وولاه نقابة الجيش بديار مصر عوضا عن بلباى الفاخرى فى سنة سبع وتسعين وستمائة، فباشر النقابة مباشرة مشكورة إلى الغاية، من إقامة الحرمة وأداء الأمانة والعفة المفرطة، بحيث إنه ما عرف عنه أنه قبل من أحد هدية ألبتة، مع التزام الديانة والمواظبة على فعل الخير

стр. 957

والغنى الواسع، وله من الآثار الجميلة الجامع والخانقاه بأراضى بستان الخشاب المطلة على النيل خارج القاهرة فيما بينها وبين مصر بجوار المنشأة، وهو أول من عمر فى أراضى بستان الخشاب، ومن آثاره أيضا هذه المدرسة البديعة الزى، وله على كل من هذه الأماكن أوقاف جليلة، ولم يزل فى نقابة الجيش إلى أن مات فى العشرين من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبعمائة، ودفن فى مكان بمدرسته هذه، وقبره بها إلى وقتنا هذا، ووجد له من بعده مال كثير جدا، واتفق أنه لما فرغ من بناء هذه المدرسة أحضر إليه مباشروه حساب مصروفها، فلما قدم إليه استدعى بطشت فيه ماء وغسل أوراق الحساب بأسرها من غير أن يقف على شئ منها وقال: شئ خرجنا عنه لله تعالى لا نحاسب عليه. ولهذه المدرسة شبابيك فى جدار الجامع تشرف عليه ويتوصل من بعضها إليه، وما عمل ذلك حتى استفتى الفقهاء فيه فأفتوه بجواز فعله. وقد تداولت أيدى نظار السوء على أوقاف طيبرس هذا فخرب أكثرها وخرب الجامع والخانقاه وبقيت هذه المدرسة عمرها الله بذكره انتهى. وقد مر فى عبارة الجبرتى أن الأمير عبد الرحمن كتخدا جدد هذه المدرسة فيما جدده من عمائر الأزهر، وهى على يمين الداخل من باب المزينين بعد مجاوزة باب الميضأة الصغيرة، وهى مربعة تبلغ مساحتها نحو مائة وسبعة وستين مترا وستة وتسعين سنتيمترا، وفيها أربعة أعمدة من الرخام، ولها قبلة عظيمة من الرخام الملون بها عمودان من حجر السماق ومنقوش بأعلاها بالخط الجميل ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ ويكتنفها شباكان من النحاس الجيد الصنعة -أحدهما مطل على رواق الأكراد من الجامع -مطلان على رواق البغداديين، وفى مؤخرها بزاويتها التى عن يمين الداخل ضريح بانيها كما مر وعليه قبة صغيرة، ويكتنف الباب أيضا شباكان من النحاس يطلان على دركة باب المزينين، مكتوب بأعلاها ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وعلى واجهة الباب من الخارج شعائر: *من هدى الرحمن للعبدى بشرى* وفيها خزانة كتب صغيرة وخزن كثيرة لأمتعة بعض المجاورين، وهى عامرة بدرس العلم ومطالعته على الدوام، وغالبا يقرأ فيها أحد كبار علماء الشافعية، وميضأتها ومراحيضها التى يداخل الباب المجاور لها غير مستعملة الآن. ومنها المدرسة الآقبغاوية، قال المقريزى أيضا: هذه المدرسة بجوار الأزهر على يسرة

стр. 958

الداخل إليه من بابه الكبير الغربى، وهى تشرف بشبابيك على الجامع مركبة فى جداره، فصارت تجاه المدرسة الطيبرسية، كان موضعها دار الأمير الكبير عز الدين أيدمر الحلى نائب السلطنة فى أيام الملك الظاهر، وميضأة للجامع، فأنشأها الأمير آقبغا وجعل بجوارها قبة ومنارة من الحجارة المنحوتة، وهى مدرسة مظلمة ليس عليها من بهجة المساجد ولا أنس بيوت العبادات شى أألبتة، وذلك أن آقبغا عبد الواحد اغتصب أرض هذه المدرسة؛ بأن أقرض ورثة أيدمر الحلى مالا وأمهل حتى تصرفوا فيه، ثم أعسفهم فى الطلب وألجأهم إلى أن أعطوه دارهم فهدمها وبنى موضعها هذه/المدرسة، وأضاف إلى اغتصاب البقعة أمثال ذلك من الظلم فبناها بأنواع من الغصب والعسف، وأخذ قطعة من سور الجامع حتى سآوى بها المدرسة الطيبرسية، وحشر لعملها الصناع من البنائين والنجارين والحجارين والمرخمين والفعلة، وقرر مع الجميع أن يعمل كل منهم فيها يوما فى كل أسبوع بغير أجرة فكان يجتمع فيها فى كل أسبوع سائر الصناع الموجودين بالقاهرة ومصر فيجدون فى العمل نهارهم كله بغير أجرة، وعليهم مملوك من مماليكه ولا هـ شد العمارة لم ير الناس أظلم منه ولا أعتى ولا أشد بأسا ولا أقسى قلبا، فلقى العمال منه مشقات لا توصف، وحمل إلى هذه العمارة سائر ما يحتاج إليه من الأمتعة وأصناف الآلات والاحتياجات من الخشب والحجر والرخام والدهان وغير ذلك من غير أن يدافع ثمنا ألبتة، بل بعضه بطريق الغصب وبعضه على سبيل الخيانة من عمائر السلطان؛ فإنه كان شادا عليها، وذلك غير الضرب الأليم الذى ينال العمال عند نزوله إلى هذه العمارة، ولما فرغ بناؤها جمع فيها سائر الفقهاء والقضاة، وكان نقيب الأشراف ومحتسب القاهرة شرف الدين على بن شهاب الدين الحسين يؤمل أن يكون مدرسها فعمل بسطا على قياسها بلغ ثمنها ستة آلاف درهم فضة ففرشت هناك، ولما تكامل حضور الناس بها قال الأمير آقبغا: لا أولى فى هذه الأيام أحدا فتفرق الناس، ثم قرر فيها درسا للشافعية ودرسا للحنفية ولم يقرر ذلك النقيب، وجعل فيها عدة من الصوفية وطائفة من القراء وإماما راتبا ومؤذنا وفراشين وقومة ومباشرين، وجعل النظر للقاضى الشافعى وشرط فى كتاب وقفه أن لا يلى النظر أحد من ذريته، و وقف على ذلك حوانيت خارج باب زويلة بخط تحت الربع وقرية بالوجه القبلى، وهذه المدرسة عامرة إلى اليوم إلا أنه تعطل منها الميضأة وأضيفت إلى ميضأة الجامع لتغلب بعض الأمراء بمواطأة بعض النظار على بئر الساقية التى كانت برسمها، وقد أفرد موضعا منها وجعله خانقاه وجعل فيه طائفة يحضرون وظيفة التصوف، وأقام لهم شيخا وأفرد لهم وقفا يختص بهم وله أيضا خانقاه بالقرافة.

стр. 959

ترجمة آقبغا: آقبغا عبد الواحد الأمير علاء الدين، أحضره إلى القاهرة التاجر عبد الواحد بن بدال، فاشتراه منه الملك الناصر محمد بن قلاوون ولقبه باسم تاجره الذى أحضره، فحظى عنده وعمله شاد العمائر، فنهض فيها نهضة أعجب منه السلطان وعظمه حتى عمله أستادارا بعد الأمير مغلطاى الجمالى فى المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، و ولا هـ مقدم المماليك فصار جميع من فى بيت السلطان يخافه. ولما تولى الملك المنصور أبو بكر بن الملك الناصر قبض عليه فى يوم الاثنين سلخ المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وأمسك بولديه وأحيط بماله وسائر أملاكه، وبيع موجوده من الخيل والجمال والجوارى والقماش والأسلحة والأوانى فظهر له شئ عظيم إلى الغاية، من ذلك أنه بيع بقلعة الجبل -وبها كانت تعمل حلقات مبيعه -سراويل امرأته بمبلغ مائتى ألف درهم فضة منها نحو عشرة آلاف دينار ذهب، وقبقاب وسرموزة وخف نسائى بمبلغ خمسة وسبعين ألف درهم فضة، وبدلة مقانع بمائة ألف درهم. وبعد أن ذكر المقريزى سبب القبض عليه قال: إنه أخرج من السجن بعد خلع الملك المنصور، وجعل من أمراء الدولة بالشام فسار إليها ومعه عياله، فأقام بها إلى أن كانت فتنة الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاوون وعصيانه بالكرك على أخيه الملك الصالح عماد الدين، فاتاهم آقبغا بأنه بعث مملوكا من مماليكه إلى الكرك يبشر الناصر أحمد بدخول أمراء الشام فى طاعته، فوصل الخبر إلى الملك الصالح فرسم بحمل آقبغا إليه مقيدا، فحمل من دمشق إلى الإسكندرية وقتل بها فى آخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة انتهى باختصار من المدارس والخوانق. ولهذه المدرسة ثلاث أبواب: أحدها يوصل إلى صحن الجامع بعد المرور فى رواق الفيومية، والثانى إلى دركة باب المزينين، والثالث إلى الزقاق الموصل إلى ميضأة الجامع الكبيرة، وتحتوى على ستة عشر عمودا وفيها محراب جليل من الرخام الجيد، وفيها مدفن أعده بانيها لدفنه وعليه قبة مزخرفة بالرخام الرفيع والصدف، وبداخلها محراب نفيس ملون بالذهب بجواره شباكان، وبها عمودان عليهما ماء الذهب، وفى أعلى القبة نقوش فيها آيات قرآنية وعلى بابها مكتوب: (بسم الله الرحمن الرحيم) أمر بإنشاء هذه القبة المباركة الفقير إلى الله تعالى المولوى الأمير السيفى آقبغا الواحدى المالكى الناصارى وكان الفراغ منها فى المحرم سنة أربعين وسبعمائة، وعليها كتابة أخرى فى دائرها، وقد أجرى فيها الخديوى إسماعيل باشا عمارة رمم بها ما تشعث منها وصرف عليها من طرف أوقافها وذلك قبيل سنة تسعين. المدرسة الجوهرية ومن مدارسه المدرسة المعروفة بالجوهرية عند بابه الصغير تجاه زاوية العميان بالقرب منها، وهى/صغيرة ليس بها عمد، وتشتمل على إيوانين متقابلين والممر بينهما مفروش بالرخام

стр. 960

الملون وبها قبلة صغيرة وعلى دائرها منقوش فى الحجر:* (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ إلى آخر الآية، وبأعلاها خلوتان، وفيها خزن ودواليب لبعض المجاورين، ويجلس بها بعض المؤدبين لتعليم الأطفال، وبداخلها مدفن منشئها جوهر القنقبائى. ترجمة جوهر القنقبائى: قال السخاوى فى كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: جوهر القنقبائى نسبة لقنقباى الجركسى الطواشى الحبشى الخازندار الزمام بالباب السلطانى، أنشأ هذه المدرسة عند باب السر لجامع الأزهر من الجهة البحرية، وفتح لها شباكا فى جدار الجامع، وأفتاه بذلك جماعة وامتنع العينى من الفتوى وحط عليه فى تاريخه، وكان بناؤه لها فى أواخر عمره، ولما قرب فراغها مات فدفن بها وذلك فى ليلة الاثنين مستهل شعبان سنة أربع وأربعين وثمانمائة آخر يوم من كيهك وقد جاوز السبعين، وسبب موته أنه حصل له فى موضع مباله دمل حصل عنه الإراقة، ثم فتح فتألم شديدا وكوّن فى موضع آخر فأقام بذلك نحو شهرين ثم مات. ومن مآثره الدار التى بدرب الأتراك بالقرب من جامع الأزهر، ومن أمره أنه بعد موت سيده خدم عند العلم بن الكويز فسار عنده سيرة حسنة؛ لأنه كان يحب أهل القرآن ويدرسه ويقرب أهله ويتدين ويتعفف فعظم بذلك قدره عنده، وبعد موته اتصل بالأشرف بواسطة سميه جوهر اللالى فاستخدمه فى باب السلطان وقربه بعقله وسكونه وتدينه، ثم استقربه فى الخازندارية عوضا عن خشقدم لانتقاله للزمامية فباشرها مباشرة حسنة، وتزاحم الناس على بابه وصار يقضى حاجة من ينتمى إليه، ويتقرب من السلطان بتحصيل الأموال من وجوه أكثرها لا يحل ويظهر التبرى والإنكار، وهو السبب الأعظم فى ضرر التجار ورخص بضائعهم وبقوا على البلاء نحو عشر سنين، وبعد الأشرف أضيفت إليه وظيفة الزمام عوضا عن فيروز الجركسى بمسافرة خوند البارزية، وكان له قريب من الحبوش فأسكنه فى دير عند بساتين الوزير فعمره وصار هو ومن معه يتظاهرون بجاهه بمالا يليق فالله أعلم بسريرته، وقد نزل له الكمال البارزى عن قضاء دمياط حين سافر لقضاء دمشق فاستقر فيه وصار يستأجر الأوقاف بالنزر اليسير، وكان يستأجر القرية بخمسين دينارا وهى تغل أزيد من مائة، ويصرف أجرتها على حساب صرف الدينار بأحد عشر درهما وربع درهم وزنا وهو يساوى أربعة عشر درهما وربعا، ثم يبيع عليهم بذلك عسلا بثلاثين درهما وهو يساوى عشرين ونحوها، ومن خالفه فى شئ لا يأمن على نفسه ولا ماله، وفى بعض الأحيان يمتنع من صرف الأجرة

стр. 961

أصلا ويقول فى الأرض المصرية إنها شرقت، وفى الأرض الشامية إنها أمحلت من المطر، وكانت علامته فى مراسيمه الداعى جوهر الحنفى، وقد وجد باسمه بعد موته نحو خمسين ما بين رزق وأقطاع ومستأجرات، وهو مع ذلك يواظب على الصلاة والتلاوة ويتصدق على فقراء الحرمين بجمل من المال انتهى. وأما زاوية العميان: فهى بخارج المدرسة الجوهرية فى الجانب الثانى من الحارة، بينهما ممر من الحجر يمشى عليه المتوضئون من ميضأتها، وهى كما فى تاريخ الجبرتى من إنشاء المرحوم عثمان كتخدا القازدغلى تابع حسن جاويش القازدغلى والد عبد الرحمن كتخدا صاحب العمائر الكثيرة، وذلك أنه كان قد تقلد الكتخدائية واشتهر ذكره، ولما وقع الفصل فى سنة ثمان وأربعين ومائة وألف ومات الكثير من أعيان مصر وأمرائها غنم أموالا كثيرة من المصالحات والتركات، وعمر عدة عمائر منها هذه الزاوية بالأزهر ورحبة رواق الأتراك والرواق أيضا ورواق السليمانية، ورتب لذلك مرتبات من وقفه، وجعل مملوكه الجوخدار ناظرا عليها وألبسه الضلمة انتهى. وهذه الزاوية تحتوى على أربعة أعمدة من الرخام ولها قبلة وميضأة وثلاثة عشر مرحاضا، وفوقها ثلاث أود للعميان ولا يسكنها غيرهم ولهم شيخ منهم وجراية تصرف عليهم. اروقته وحاراته: يشتمل الأزهر على عدة أروقة وحارات لطوائف الخلق المجاورين به، كل طائفة تختص بجهة يقيمون بها بأمتعتهم وتصرف عليهم فيها الجرايات والمرتبات، ولكل طائفة دفتر تحت يد نقيبهم وشيخ يحكم فيهم ويدافع عنهم ويخاطب فى شأنهم من طرف شيخ العموم أو من طرف مشايخ المذاهب كشيخ السادة المالكية مثلا، فإن لكل مذهب شيخا غالبا، ولكل طائفة أوقاف من عقارات وخلافها يصرف عليهم من ريعها بشروط يقررها الواقف واصطلاحات معروفة بينهم، وذلك غير الأوقاف العمومية لكافة أهل الأزهر. رواق الصعايدة: هذا الرواق أشهر أروقة الأزهر وأكثرها أهلا وأوقافا وأوسعها دفترا؛ فإن دفتره يجمع /أكثر من ألف نفس من العلماء والمجاورين، (١) ابتداء من مدينة منية ابن خصيب فى بحرى إلى فوق مدينة أسوان بالصعيد الأعلى (١)، ومع كثرة أهله فلا يسكنه إلا القليل من فقرائهم،

стр. 962

وباقيهم يسكن البيوت والوكائل بالقاهرة وبولاق وغيرهما، وهذا الرواق عن يمين الداخل من باب الصعائدة فى الدركة التى بين البابين يصعد إليه بنحو عشرين سلما، وتحت سلاليمه خلوة صغيرة تفرق فيها جراياته، وهو يحتوى على إيوان متسع بوسطه عمود من الرخام وبداخل الإيوان إيوان صغير بداخله خزانة فيها كثير من الكتب الموقوفة على عموم الطالبين ولها قيم يعير منها للمجاورين والمدرسين، وبدائر الإيوان دواليب وخزن لوضع أمتعتهم، وفى خارجه مطبخ وحنفية وأخلية ينزل إليها بدرج، وفوق المطبخ خلوة صغيرة برسم المؤذنين بالمنارة المجاورة له، وتحت الرواق صهريج كبير موقوف على عموم منافع الأزهر، وبجوار شباكه المطل على الدركة بزابيز يشرب منها المجاورون وخلافهم. وقد مر أن هذا الرواق وجميع جهته من إنشاء الأمير عبد الرحمن كتخدا مع ما أنشأ من العمائر غير ذلك، وقد وقف عليه أوقافا. ثم اقتفى أثره جماعة من أهل الخير فوقفوا عليه أوقافا من رباع وخلافها ورتبوا له جرايات يومية ومرتبات سنوية، فمن مرتبات الأمير عبد الرحمن كتخدا المذكور الجراية المعروفة بالجراية الكبيرة وهى رغيفان كل يوم لعدد مخصوص من المدرسين والطلبة من المكتوبين فى الدفتر الأول فالأول، فإذا غاب أحدهم أو مات دخل بدله من المنتظرين الواقفين على الباب الأول فالأول، ومن شرطه أن لا يأخذها إلا المشتغل بالعلم حضورا أو تدريسا من خصوص الصعايدة، حتى لو ولد بمصر لبعض المستحقين ولد اشتغل بالعلم بالأزهر لا يستحق منها لأنه ليس بصعيدى، وإذا سافر أحدهم ولم يترك أهله بمصر سقط حقه بمجرد سفره ومنها جرايته المرتبة لقراءة الربعة، ومن مرتبات نقيب أشراف الديار المصرية السيد عمر مكرم جراية تصرف لمن بعد المستحقين للجراية الكبرى كل واحد نصف رغيف كل يوم، وفى كثير من السنين تتعطل لعدم رواج أوقافها. ومن مرتباته الجراية التى وقفها الأمير الحاج محمد باشا أبو سلطان أكبر أمراء بلاد منية ابن خصيب المترجم عند الكلام على بلدته زاوية الأموات فى جنوب المنية، وهى ثلاثمائة وعشرون رغيفا كل يوم يصرف منها لمائة واثنين من الطلبة لكل طالب رغيفان، ويصرف لستة وعشرين من المدرسين لكل واحد ثلاثة أرغفة، وللناظر الحسبى وهو شيخ الجامع كل يوم عشرون رغيفا، ولشيخ الرواق سبعة أرغفة، وللنقيب المتولى تفرقتها كل يوم أربعة أرغفة. وقد وقف على ذلك مائة وخمسين فدانا من أحسن أطيانه بمديرية المنية وجعل النظر فيها لنفسه مدة حياته، ومن بعده لذريته الذكور، ومن بعدهم لناظر الأوقاف المصرية العمومية، وقرر فى الوقفية أنه إذا زاد الريع عن كفاية الجراية يخزن الزائد

стр. 963

إلى السنة القابلة لخوف طروّ مانع لإيرادها، وبعد ذلك يشترى منه أطيان توقف على هذه الجهة وهكذا، وشرط أن لا يستحق الجراية إلا من كان يحضر درسين أو كان يتعلم القرآن فى المكتب فى سن التعليم، وأن من سافر ولو بأهله يغتفر له شهر واحد إن كان سفره فى أيام العمالة، وأربعة أشهر إن كان فى أيام البطالة رجب وشعبان ورمضان مع شهر قبلها أو بعدها. ثم إن تحت نظر شيخ الرواق جملة من أوقافه الرباع والحوانيت يتصرف فيها بالنيابة عنهم بالإصلاح والتعمير واستيفاء الأجر، وكلما تجمد عنده شئ من الريع بعد الترميمات اللازمة يصرفه على كل من كان بدفتره من مدرس وطالب على السوية، ولا يتولى وظيفة المشيخة عليهم إلا واحد من أكبر مدرسيهم، وقد استقرت من عدة أجيال فى المشايخ العدوية لكثرة العلماء به من ناحية بنى عدى من زمن شيخ المشايخ الشيخ على الصعيدى العدوى إلى الآن، بل الشائع أن الشيخ عليا العدوى المذكور هو السبب فى إجراء هذا الخير العظيم العميم على يد الأمير الكتخدا المذكور، حتى إنه لحبه للصعايدة من أجل الشيخ العدوى جعل مدفنه بجوار هذا الرواق، فإن ضريحه عليه سحائب الرحمة عن يمين الخارج من المقصورة الجديدة إلى خارج باب الصعائدة ويصعد إليه بنحو أربع درج وهو محل جليل عليه قبة مرتفعة، وعلى القبر تركيبة من الرخام منقوش فيها أسماء العشرة المبشرين بالجنة هكذا: أبو بكر الصديق ابن أبى قحافة، عمر بن الخطاب العدوى، عثمان بن عفان الأموى، على بن أبى طالب الهاشمى، طلحة بن عبيد الله التيمى، سعد بن أبى وقاص الزهرى، سعيد بن زيد العدوى، عبد الرحمن بن عوف الزهرى، أبو عبيدة عامر بن الجراح الفهرى، الزبير ابن العوام الأسدى، رضى الله تعالى عنهم وعن بقية الصحابة والقرابة أجمعين، /وعليها أيضا من الجانب الشرقى أن عليا كرم الله وجهه كان إذا وصف النبى ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد وكان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد القطط إلى أن قال: وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين ﷺ ، أجود الناس صدرا … إلى أن قال: وأكرمهم عشيرة لم أر قبله ولا بعده مثله. وعلى الجهة القبلية شعر: بروض نعيم فاز كهف مكرم … وحاز بفضل الخير جنات رضوان هنيئا له فالحور فى الخلد أرخت … لقد فاق فى الفردوس عبد لرحمن ١٣٤ ١٨١ ٩٠ ٣٨١ ٧٦ ٣٢٨ - ١١٩٠

стр. 964

وعليها أيضا أسماء أهل الكهف وكتابات أخر، وقد اتخذ أكابر الأزهر هذا المدفن مجلسا يجتمعون فيه عند المشورة فى المهمات. رواق الحرمين: هذا الرواق بداخل باب المقصورة الجديدة يقرب منه عن يمين الذاهب إلى المنبر، وهو صغير يحتوى على قاعة سفلية وثلاث أود علوية، وله مرتب وجراية كل يومين اثنا عشر رغيفا وربع رغيف، ويسكنه مجاور وأهل الحجاز مكة والمدينة والطائف ونحوها، وشيخه الشيخ محمد عبد الله الطائفى، وأهله قليلون لاكتفائهم بالمجاورة بالحرمين الشريفين. رواق الدكارنة الغورية: هذا الرواق فى طرف المقصورة الجديدة فوق الإيوان عن شمال الداخل من باب الصعائدة، وهو أرضى يحتوى على محل واحد متسع، وفوقه بعض من رواق الشوام وأهله قليلون وله مرتبات وجراية كل يومين ثلاثة وثلاثون رغيفا، وشيخه الشيخ حسن عبد الرحمن الدكرورى. رواق الشوام: هذا الرواق عن يمين الداخل من باب الشوام، بابه فى المقصورة القديمة، ويقال إنه من إنشاء السلطان قايتباى، ثم زاد فيه الأمير عثمان كتخدا، ثم الأمير عبد الرحمن كتخدا حتى صار أكبر من رواق الصعايدة، مشتملا على إيوانين مبلطين متسعين، وبأعلاه مساكن نحو الثلاثين، وقد وقف عليه كل منهما أوقافا جارية عليه إلى الآن، ويسكنه أكثر من يجاور من بر الشام، وبه خزانة كتب لها قيم يغير منها لعموم المجاورين بعد كفاية أهل الرواق، وفيه بئر وحنفية وأخلية ومطبخ، وأهله كثيرون من جميع بر الشام، وله أوقاف وجاب وكاتب وبواب وسقاء، وشيخه الشيخ عبد القادر الرافعى الطرابلسى الحنفى أحد مدرسى الأزهر وأحد قضاة المحكمة الكبرى، ولهم مرتب من النقود والجراية كل يومين ثمانمائة وستة وخمسون رغيفا. رواق الجاوة: هو رواق صغير بين رواق السليمانية ورواق الشوام، وأهله قليلون، وله جراية كل يومين أحد عشر رغيفا، وشيخه الشيخ إسماعيل محمد الجاوى، وبه خزانة كتب. رواق السليمانية: هو بين باب الشوام ورواق الجاوة، به خمسة مساكن وخزانة كتب كبيرة لها قيم،

стр. 965

وشيخه يسمى الشيخ جان محمد الأغوانى، وأهله قليلون، ومرتبهم من الجراية كل يومين أربعون رغيفا. رواق المغاربة: هذا الرواق بالجانب الغربى من صحن الجامع على يمنة الداخل من باب المغاربة، مكتوب على بابه: أمر بتجديده مولانا وسيدنا السلطان الملك الأشرف قايتباى على يد الخواجا مصطفى ابن الخواجا محمود غفر الله لهما، وله باب آخر على الصحن، ويحتوى على خمس عشرة بائكة قائمة على أعمدة من رخام أبيض، وفيه مساكن علوية وكتبخانة كبيرة يغير منها لعموم المجاورين بعد استيفاء أهل الرواق، وفيه مطبخ وبئر وحنفية وأخلية وله بواب وجاب وكاتب ولا يستحق مرتباته وجراياته إلا من كان مالكى المذهب، وشيخه الشيخ أحمد عبد السلام المنصورى المغربى ومرتبه كل يومين ثمانمائة واثنان وستون رغيفا، وأهله كثيرون من طرابلس وتونس إلى المغرب الجوانى. رواق السنارية: هذا الرواق عن يمين الداخل من باب المغاربة قبل باب رواق الأتراك ويحتوى على مساكن علوية، وهو من إنشاء العزيز محمد على باشا بناء على طلب الشيخ محمد على وداعة السنارى شيخ الرواق الآن، وكان أصله ربعا فاشتراه العزيز محمد على وبناه رواقا وجعل بأسفله حانوتين وقفا عليه ورتب له ثمانين رغيفا كل يوم. رواق الأتراك: هذا الرواق عن يسرة الداخل من باب المغاربة وعلى يمنة الداخل من باب المزينين، وله باب مسامت لباب رواق المغاربة وباب على صحن الجامع، ويقال إنه من إنشاء السلطان قايتباى، وقد مر عن الجبرتى أنه بناه الأمير عثمان كتخدا القازد غلى وبنى الرحبة المسقوفة التى أمامه، فلعله رممه وأنشأ فيه زيادات، وهو يحتوى على ستة عشر عمودا من الرخام واثنى عشر مسكنا علوية، وفيه خزانة كتب عظيمة جامعة، وبه مطبخ وبئر وحنفية وأخلية، وله مرتبات كثيرة منها جراية كل يومين مائتان وستة/وخمسون رغيفا ونقود يستوفونها من الروزنامجة، وإيراد أوقافه يستحقها كل مجاور من بلاد الترك ولو كان عتيقا، وله بواب ونقيب وسقاء يملأ من البئر لحنفياته وجاب للإيراد وكاتب. وهو محل نظيف دائما معتنى به، وأهله كثيرون ولهم دفتر يجمعهم، وشيخهم الشيخ راشد أفندى أحد مدرسى الأزهر وأصله مملوك العزيز محمد على، وهو الآن نائب ثان فى المحكمة الكبرى مع وظيفة المشيخة، وقد ضربه بعض الطلبة بسكينة فقطع بعض أصابعه

стр. 966

من أجل مرتب الجراية وذلك سنة ١٢٩٣، وذلك أن هذا الطالب كان سئ الخلق وحصلت منه نوادر أمسكت عليه وزجر مرارا فلم ينزجر، فقطعت جرايته تأديبا له حتى تاب فأعيدت له ثانيا، ثم حصلت منه أمور أقبح منها مرارا فاقتضت المصلحة قطع جرايته رأسا، فاغتاظ غيظا شديدا وحمله سوء خلقه على أن قعد له فى الطريق صباحا والشيخ خارج من بيته بقصر الشوك ذاهبا إلى درسه بالأزهر، وضربه على رأسه فقطع العمامة ونزلت على يده فقطع إصبع يده اليمنى وأتلف السبابة، وفر هاربا حتى قبض عليه بالإسكندرية، وأخذ إلى مصر وسجن مدة ثم حكم عليه بالإقامة بليمان إسكندرية مدة سنوات ثم ينفى إلى بلاده. رواق البرنية: هو فى زاوية الرحبة المسقوفة خارج باب الأتراك بين رواق الأتراك ورواق اليمنية. وهو محل صغير أرضى كأنه جزء من رواق الأتراك، ولضيقه جعل به دكتان يسكنان، إحداهما داخله والأخرى خارجه، وجرايته كل يومين أربعة وعشرون رغيفا، وشيخه الشيخ آدم محمد البرناوى. رواق الجبرتية: هو فى داخل رواق البرنية وأوسع منه، وبه دكة ودواليب، وأهله قليلون وظهر منهم علماء جهابذة، منهم الشيخ حسن الجبرتى المترجم فى الكلام على ناحية آيه، ومرتبه كل يومين أحد وخمسون رغيفا، وشيخه الشيخ أحمد بن محمد الجبرتى. رواق اليمنية: هو بجوار رواق البرنية له باب على الرحبة المذكورة، وهو أرضى صغير وفيه دواليب وخزن مكتوب على بعضها: بسم الله الرحمن الرحيم وقف هذه الخزانة الفقير إلى الله تعالى الخواجا مصطفى أفندى بن الخواجا محمود، على المجاورين اليمنية بالجامع الأزهر، وله جراية كل يومين أربعة وثلاثون رغيفا، وشيخه الشيخ أحمد باعلور اليمنى. رواق الأكراد: هذا الرواق عن يمين الداخل من باب المزينين بجوار رواق اليمنية، فى أسفله خزن ودواليب وبأعلاه مساكن ويطل عليه شباك الطيبرسية، وله جراية كل يوم خمسة وستون رغيفا وشيخه الشيخ عبد الله الكردى.

стр. 967

رواق الهنود: هذا الرواق عن يمين الداخل من باب المزينين بينه وبين باب الطيبرسية، به مسكن أرضى وفوقه أربعة مساكن علوية مختصة بالمجاورين الهنود، والمسكن الأرضى مختص بالمجاورين الفشنية، وكان يعرف برواق الونائية نسبة لأهل وناء البلدة المشهورة فى أعمال الفشن، ويقال إنه أنشأه بعض الأمراء للشيخ الونائى المشهور المترجم فى الكلام على ناحية وناء وبجواره مطهرة المدرسة الطيبرسية مهجورة الآن، وأهله قليلون، ومرتبهم كل يومين ثلاثون رغيفا وشيخهم الشيخ مصطفى إمام الهندى. رواق البغدادية: هو بأعلى رواق الهنود، يشتمل على مسكنين ومطبخ وبيت خلاء، وأهله قليلون، وشيخه الشيخ عيسى البصرى، ومرتبه كل يومين ثلاثون رغيفا أيضا. رواق البحيرة: هو رواق صغير عن شمال الداخل من باب المزينين بابه إلى الصحن، وأصله بائكة من بوائك الصحن التى كانت فى دوائره على العمد الرخام الموجودة إلى الآن فى وسط الحيطان، فاقتطع بالبناء وجعل رواقا، ومثله فى ذلك رواق الأكراد ورواق اليمنية، وفيه خزن ودواليب، وشيخه الشيخ محمد بن شيخ المالكية سابقا الشيخ حبيش، ومرتبه كل يومين مائة رغيف وثلاثة وثلاثون رغيفا. رواق الفيومية: هو بين هذا الرواق ورواق الشنوانية فى الزاوية الشرقية من الصحن وبين الصحن والآقبغاوية، وبابه إلى الصحن ومنه يتوصل إلى الآقبغاوية، وأصله من بوائك الصحن، وفيه خزن ودواليب كثيرة وبه خزانة كتب، وشيخه الشيخ أحمد رفاعى الفيومى المالكى أحد مدرسى الأزهر، ولأهله مرتب كل يومين أربعمائة وعشرون رغيفا. رواق الآقبغاوية: هذا الرواق بمدرسة الآقبغاوية وله باب على رواق الفيومية، وشيخه الشيخ سليم سليم مطر البشرى أحد مدرسى الأزهر ووكيل شيخ صندوق المشهد الزينبى، ومرتبه من الجراية كل يومين مائة وثمانية وثلاثون رغيفا.

стр. 968

رواق الشنوانية: ويعرف أيضا برواق الأجاهرة ورواق الواطية، وهو فى الزاوية المذكورة أيضا بجوار رواق الفيومية، وفيه دواليب للمجاورين ولكل طائفة من أهله جهة وشيخ. رواق الحنفية: هذا الرواق خلف رواق الفشنية والشنوانية/والفيومية بين مرافق الميضأة الكبرى وساقية الآقبغاوية، وبابه إلى الصحن يدخل منه فى سرداب ضيق طويل، وذلك السرداب أصله من رواق الفشنية أخذ منه بعوض، والذى أنشأ هذا الرواق الأمير المفخم راتب باشا الكبير، وكان موضعه بيوتا مملوكة لأربابها فاشتراها المرحوم الحاج عباس باشا حين كان والى مصر، وهدمها وأسسها ليبنيها رواقا لأهل بلد الشيخ البيجورى شيخ الجامع الأزهر فى وقته، ثم مات ولم يتمه، فمكث زمنا طويلا ثم أكمله راتب باشا المذكور من ماله وجعله رواقا للحنفية، وهو متسع وفيه أربعة أعمدة من الرخام وبه دواليب كثيرة لمنافع المجاورين، وبأعلاه ثلاث عشرة أودة للمتقدمين من المجاورين المكتوبين بدفتره، وبه خزانة كتب جامعة لها قيم يغير منها لعموم المجاورين بعد استيفاء أهل الرواق، وكان له باب ينفذ إلى الميضأة فسد وجعل فيه حنفية للوضوء وجعل له مجرى يجلب إليها الماء من مصانع الجامع. وقد رتب له منشئه جراية كل يوم، وزيتا ونقودا كل شهر، وخصصه بمائة وعشرين من السادة الحنفية غير النقيب والبواب، وشرط أن يكون الجميع من القطر المصرى، وجعلهم أربع درجات كل درجة ثلاثون، ولكل واحد من الأولى خمسة أرغفة فى اليوم وعشرة قروش ميرية فى الشهر، ولكل واحد من الثانية أربعة أرغفة فى اليوم وثمانية قروش فى الشهر، ولكل واحد من الثالثة ثلاثة أرغفة فى اليوم وستة قروش فى الشهر، والدرجة الرابعة يقرؤون الربعة كل يوم ولكل واحد رغيفان فى اليوم وأربعة قروش فى الشهر، وذلك غير ما يكفى الرواق من الزيت، فإذا مات أحد من أهل درجة أو غاب غيبة انقطاع فإنه يدخل مكانه من كان فى أول قائمة الدرجة التى تليها، ويدخل بدله من التى تحتها وهكذا. وقد جعل النظر فيه لمفتى الحنفية، ووقف عليه أرضا جيدة من أحسن أطيانه، وحرر حجة الوقفية اللازمة وبين فيها ما اشترطه فى ذلك. رواق الفشنية: هذا الرواق بين باب رواق الحنفية وباب الميضأة وبابه إلى الصحن، وبداخله حارة خزن يقال لها حارة الزهار يسكنها بعض أهل المنوفية ولها شيخ يخصها، وبعض هذا الرواق

стр. 969

من بوائك الصحن وبه أربعة أعمدة من أعمدة البوائك غير العمد الداخلة فى حائطه، وبه دواليب لمنافع المجاورين، وشيخه الشيخ أحمد بن الشيخ عبد الجواد القايانى المترجم فى بلدته، ثم صار شيخا عليه الآن الشيخ محمد معتوق الفشنى، وأهله كثيرون، ومرتبه كل يومين ثلاثة وثمانون رغيفا ثم زاد مرتبه سلطان باشا. رواق ابن معمر: هذا الرواق عن يمين الداخل إلى الميضأة. وبعضه من بوائك الصحن وعمده ثمانية، وهو رواق مشهور لكثرة من ينتمى إليه بسبب أنه لا يخص جهة بخلاف غيره من الأروقة، وله مرتبات، وبابه إلى الصحن، وشيخه الشيخ حسن القويسنى بن الشيخ القويسنى المشهور المترجم ببلدته، ثم لما توفى صار شيخا عليه ولده الشيخ أحمد القويسنى، ومرتبه كل يومين أربعمائة وثلاثون رغيفا. رواق البرابرة: هذا الرواق عن شمال الداخل من باب المقصورة الشرقى، وهو مجرد خزن ودواليب، يسكنه مجاور والبربر وهم يزيدون الآن عن الأربعين، وشيخهم الشيخ محمد نور البربرى، ومرتبه كل يومين أحد عشر رغيفا وربع رغيف. رواق دكارنة صليح: هذا الرواق بجوار رواق الشرقاوية، وهو أيضا مجرد خزن ودواليب، ولهم جراية كل يومين سبعة عشر رغيفا وربع رغيف، وشيخه الشيخ جمعة عبد الرحمن الصليحى. رواق الشرقاوية: هذا الرواق فى النهاية البحرية من المقصورة القديمة، أنشأه الأمير إبراهيم بيك الوالى بسبب الشيخ الشرقاوى، فإن فى الجبرتى من حوادث سنة عشرين ومائتين وألف أن الشيخ عبد الله الشرقاوى شيخ الجامع الأزهر أنشأ بالجامع الأزهر الرواق الخاص بطائفة الشرقاويين، وكانوا أولا يقطنون بمدرسة الطيبرسية، وكان لهم خزائن برواق معمر، فوقع بينهم وبين المجاورين الذين بالطيبرسية مشاجرة وضربوا نقيب الرواق، فمنعهم الشيخ إبراهيم السجينى شيخ الرواق من الطيبرسية وخزائنها فاغتاظ الشيخ الشرقاوى وتوسط بامرأة عمياء فقيهة تحضر عنده فى درسه إلى عديلة هانم ابنة إبراهيم بيك الكبير، فكلمت زوجها إبراهيم بيك المعروف بالوالى بأن يبنى له مكانا خاصا بطائفته فأجابه إلى ذلك، وأخذ سكنا

стр. 970

أمام الجامع المجاور لمدرسة الجوهرية من غير ثمن وأضاف إليه قطعة أخرى، وأنشأ ذلك رواقا خاصا بهم ونقل إليه الأحجار والعمود الرخام الذى بوسطه من جامع الملك الظاهر بيبرس الذى خارج الحسينية، وكان تحت نظر الشيخ إبراهيم السجينى ليكون ذلك نكاية له نظير تعصبه عليه، وعمل به قوائم وخزائن واشترى له غلالا من جرايات الأشوان وأضافها إلى أخباز الجامع، وأدخلها فى دفتره يستلمها خباز الجامع ويصرفها/خبزا لأهل ذلك الرواق فى كل يوم، ووزعها على الأنفار الذين اختارهم من أهل بلاده انتهى. ودفتر هذا الرواق جامع لكثير من مجاورى بلاد الشرقية ولا يسكنه إلا القليل من فقرائهم كرواق الصعائدة، وجرايته كل يومين ثلاثمائة وخمسة وأربعون رغيفا، وشيخه الشيخ أحمد الغربى، ثم لما توفى جعل شيخا عليه الآن الشيخ إبراهيم الظواهرى الشرقاوى. رواق الحنابلة: هذا الرواق بجوار زاوية العميان من إنشاء المرحوم عثمان كتخدا منشئ زاوية العميان، بل هو فى الأصل قطعة من زاوية العميان، وهو يحتوى على ثلاثة مساكن علوية جددها الأمير راتب باشا الكبير، وأهل هذا الرواق الآن نحو ثلاثين تلميذا. وشيخهم الشيخ يوسف النابلسى الشامى تلقى مذهب ابن حنبل فى مدرسة بلدته، وقد أجرى عليهم راتب باشا مرتبات وجراية كل يومين مائة وعشرين رغيفا مرتبات جارية إلى الآن. وأما حارات الأزهر فهى عبارة عن جهات بها الخزن والدواليب موضوعة فى نهاية المقصورة القديمة وخلافها، فتجد بعض طوائف المجاورين لهم خزن فى جهات مخصوصة تعرف بهم ويسمونها حارة كذا، وهى حارة البشابشة بظهر رواق المغاربة، وحارة السليمانية على يمنة داخل باب الشوام، وحارة الدكة بظهر القبلة القديمة، وحارة الممشى بالطرقة الموصلة من باب الجوهرية إلى باب الشربة، وحارة النفراوية بجوار رواق دكارنة صليح، وحارة البجيرمية بجوار حارة النفراوية، وحارة العفيفى بين أبواب المقصورة، وحارة الزرقانية بجوارها، ولكل حارة شيخ. مطاهره ومصانعه ومراحيضه: للأزهر ثلاث ميضآت: الميضأة الكبيرة: عن شمال الداخل من باب المزينين. بابها فى وسط الصحن بين رواق معمر ورواق الفشنية، وهى متسعة يبلغ طولها نحو عشرة أمتار وعرضها نحو خمسة، وفى وسطها فوارة كبيرة تمتلئ منها، وعليها سقف من الخشب المتين قائم على ثمانية عمد، وعن

стр. 971

يمين الداخل إليها المغاطس التى يغتسل فيها أرباب الأحداث وغيرهم، وهى ستة مصانع أكبر من مصانع الحمامات، ويكتنف الميضأة من ثلاث جهاتها أربعة وثلاثون مرجاضا لجميعها أبواب من الخشب، وللميضأة ولواحقها مجار توصل إليها الماء من المصنع الكبير الذى بجوار الساقية، ولها خدمة لا يفترون عن تنظيفها بالغسل والمسح، وزجر الصبيان ومن لا يفرق بين محل الطهارة والنجاسة لما هناك من الازدحام المستمر ليلا ونهارا حتى يقال إنها ما دامت مفتوحة مملوءة لا تخلو عن متوضئ، ولتصريف الفضلات مجرى واسع مبنى تحت الأرض يمتد إلى خارج الحسينية. الثانية ميضأة زاوية العميان: وهى ميضأة متوسطة وحولها مرتفقات ثلاثة عشر، وهى أيضا مزدحمة لعدم كفاية مرافق الميضأة الكبيرة، ولها ممشى من الحجر متصل بباب الجوهرية. الثالثة ميضأة الطيبرسية: عن يمين الداخل من باب المزينين، وهى غير مستعملة وحولها عدة مراحيض ليس فيها ماء لهجر ساقيتها، وفى رواق الأتراك مرتفقات وحنفيات تملأ من بئر هناك ويتوضأ منها أهل الرواق وغيرهم، وكذلك فى رواق المغاربة حنفيات وأخلية وبئر، وكذلك رواق الشوام، وأما رواق الحنفية فليس به غير الحنفية يأتى إليها الماء من مجرى الميضأة الكبيرة. صهاريجه: فى صحنه أربعة صهاريج لها أفواه من الرخام كأفواه الآبار، لها أغطية من خشب وأقفال من حديد، تملأ كل سنة ويصرف منها مرتبات الأروقة وبعض المدرسين بالأزهر، وعند رواق الصعايدة صهريج كبير أنشأه المرحوم عبد الرحمن كتخدا وجعله وقفا عاما، فينقل منه السقاؤون حتى فى بعض بيوت العلماء القريبين من الأزهر، وهو صهريج كبير مبنى تحت الرواق والدركة، وبعض الإيوان الجديد وفمه فى قاعة تحت رواق الصعائدة، وهناك سبيل عليه بزابيز من نحاس أصفر يشرب منه عموم الناس. وتجاه باب المغاربة صهريج بابه فى الجهة الأخرى من الشارع عن يسار الداخل إلى حارة الأتراك. من إنشاء السلطان قايتباى، وهو تابع للجامع، وبجوار الميضأة الكبيرة جملة بزابيز مركبة على حيضان تملأ من الصهاريج المذكورة لشرب المجاورين وأولاد المكاتب التى بصحن الجامع ولها غطاء خشب.

стр. 972

قناديله وفرشه: به دائما قناديل بعدد البوائك، وتزيد فى شهر رمضان جدا، وهى معلقة فى أوتار الخشب التى بين كل عمودين مثبتة تحت قواصر البوائك، وتوقد من ريع أوقافه بخدمة مخصصين لذلك يوقدونها من غروب الشمس إلى ما بعد صلاة العشاء، ثم يطفئون أكثرها ولا يبقون إلا القليل فيستمر إلى الصباح، وقبل الفجر يوقد أيضا بعض قناديل على المحرابين الكبيرين وأمامهما، وللقنديل السهارى أوقية من زيت الشيرج ولغير السهارى ربع أوقية، وفيه أربع سهارات توقد لمطالعة المجاورين، وهى عبارة/عن أوعية من نحاس ولها أغطية وقائم من نحاس نحو نصف ذراع، مربوطة ببعض الأعمدة بسلسلة من حديد وتستمر موقدة الليل كله، وهى من إنشاء المرحوم عبد الرحمن كتخدا، ورتب للواحدة كل ليلة أوقيتين من الزيت، وللقناديل والزيت خزانة تسمى بيت القناديل عن شمال الداخل من باب الصعائدة. وأما فرشه فيفرش منه المقصورتان والمدارس والأروقة كل سنة مرة واحدة قبيل رمضان بحصر جيدة من السمار، ولا تفرش فيه البسط إلا شيئا قليلا بجوار القبلة فى يوم الجمعة، وليس فى صحنه فرش إلا البلاط. طريق التدريس فيه والمطالعة: كان فى السابق لكل أهل مذهب من المذاهب الأربعة عمد معينة من عمده لا يجلس للتدريس فيها غيرهم، ولو وقع لحصل الشقاق والقتال بينهم، ولكل شيخ من أهل المذهب عمود لا يتعداه ولا يتعدى أحد عليه، لكن لا يشدد على ذلك كتشديد تعدى أهل مذهب على مذهب، والمتكلم على ذلك مشايخ المذاهب كشيخ المالكية وشيخ الحنفية، وإذا تفاقم الأمر يرفع إلى شيخ الجامع. ويجلس الشيخ أمام العمود مستقبلا والطلبة حلقة حوله، فإذا كثروا جلس على كرسى من خشب أو جريد وهم أمامه بلا تحلق، وكانت العادة سابقا أن لا يجلس على الكرسى، إلا نحو شيخ الجامع ولا يمكن ذلك من غيره، ثم بطل هذا فجلس كثير من العلماء على الكراسى، ولكل طالب مكان لا يتعداه ويقيم من يجلس فيه، فإذا جلسوا ابتدأ الشيخ بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبى، ثم يقرر لهم الدرس بالدقة وهم يقابلون عليه فى الورق ويسألونه ما بدا لهم، وبعد ختم الدرس يقومون لتقبيل يده ولو كبارا، وليس على الشيخ أن يلاحظ حال الطالب من اجتهاد أو تكاسل أو حضور أو غيبة، بل هو موكول لنفسه، إلا أن يكون وليا عليه، كما أنه ليس لهم امتحان شهرى ولا سنوى، ومن له اجتهاد من نفسه أو وليه يلتفت إلى حفظ المتون قبل زمن الحضور أو معه، فيحفظ جميع المتون أو بعضها فينجح مسعاه؛ لأن من حفظ المتون حاز الفنون، وقبل حضورهم حلقة الدرس لا بد أن يطالعوه

стр. 973

بالدقة متنا وشرحا وتقريرا مرة فأكثر جماعات وفرادى، وقد يطالع الشيخ عليه مواد أخر حتى يكون مستحضرا لأطراف المسألة وما يرد عليها وما يجاب به وكذا كبار الطلبة، وكانت العادة فيه غالبا أن أفضل الطلبة يطالع لباقيهم درس شيخه مطالعة بحث وتفتيش حتى يأتوا إلى الشيخ وهم متهيئون لما يلقيه. قال فى خلاصة الأثر: وكان الشيخ سالم ابن حسن الشبشيرى شيخ وقته يطالع لجماعة شيخه النور الزيادى درسه على عادة مشايخ الأزهر انتهى. وكثير منهم يحصل الكتب التى حضرها فيملكها بشراء أو نسخ بيده أو غيره خصوصا الرسائل الصغيرة، وكان لا يتصدر للتدريس إلا من مارس الفنون المتداولة بالأزهر وتلقاها من أفواه المشايخ، وصار متأهلا للتصدر حلالا للمشكلات ومعضلات المسائل، فلا يحتاج لاستئذان إلا على جهة الأدب والبركة، وإنما يعلم بعض المشايخ والطلبة فيحضرون درسه ويتراكمون عليه، وهو يتأنق فى الابتداء ويسلك فيه طريق الإغراب والتوغل، وبعض الحاضرين يتعصب عليه ويتعنت والبعض ينتصر له، وإذا تلعثم فى إجابة سائل ربما أقاموه ومنعوه من التصدر، وإذا عاند ربما ضربوه، ثم تساهلوا فى ذلك حتى صار من يتصدر لا يكاد يتعرض له أحد حتى كثر المتصدرون وصار فيهم من لا أهلية فيه. ثم لما تولى مشيخة الجامع الشيخ مصطفى العروسى تنبه لذلك وهمّ بمنع غير المستحقين للتصدر، وعزم على عمل قانون يجرى عليه المشايخ فى تصدرهم، ففجأه العزل عن المشيخة فى سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، وصارت إلى الشيخ محمد المهدى الحفنى العباسى الحنفى، فأراد أن يمشى على الطريقة التى كان قد عزم عليها الشيخ مصطفى العروسى لما رأى فى ذلك من المصلحة العائدة على العلم بالحفظ وعدم الابتذال، فاستأذن عزيز مصر الخديو الأعظم فى عمل قانون الامتحان لكل من يريد التدريس من المستجدين فأذن له، فعقد مجلسا من أكابر العلماء وشاورهم فى كيفية القانون، وانحط الرأى بينهم على تعيين ستة لذلك من أكابر العلماء، من كل أهل مذهب من المذاهب الثلاثة اثنان، وأما مذهب ابن حنبل فأهله بالأزهر بل بمصر عموما قليلون أو معدومون، وعلى جعل الامتحان فى أحد عشر فنا هى العلوم المتداولة بالأزهر: التفسير، والحديث، والأصول، والتوحيد، والفقه، والنحو، والصرف، والمعانى، والبيان، والبديع، والمنطق، وأن من يريد الدخول فى الامتحان لا بد أن يكون قد حضر هذه الفنون بالجامع الأزهر وحضر كبار الكتب مثل السعد وجمع/الجوامع، ثم يقدم عريضة لشيخ الجامع أنه يريد الدخول فى حومة العلماء المدرسين وينتظم فى سلك المعلمين المأذونين، وأنه حضر كذا وكذا من الفنون وحضر مختصر السعد وابتدأ فى جمع الجوامع

стр. 974

مثلا، فيؤخر الشيخ تلك العريضة عنده حتى يستخبر عن أحواله شفاها ممن يعرف حقيقة أمره، ثم يكتب للمشايخ بإعطاء الشهادة فى حقه بالكتابة فيشهد له جمع من المشايخ أقلهم ثمانية، ثم يعين له من كل فن درسا ويعطيه ميعادا يطالع فيه فيعطيه لكل فن يوما، وعلى رأس الأحد عشر يوما ينعقد مجلس الامتحان فى بيت شيخ الجامع، ويجعلون مريد الامتحان بمنزلة الشيخ وهم بمنزلة الطلبة له، فيبتدئ فى القراءة وهم يسألونه وهو يجيبهم، ولا يحضر فى ذلك المجلس غيرهم، فيمكث غالبا من أول الساعة الرابعة من النهار إلى الساعة الرابعة من الليل لا يقوم إلا لنحو الصلاة والأكل، فإذا أجاب فى كل فن كتبوه من الدرجة الأولى من درجات ثلاث، فيكتبون له الشهادة الكافية وترسل إلى المعية الخديوية، فتكتب له عريضة تشريف متوجّة بختم الخديو الأعظم تكون معه، ويخلع عليه فرجية وشريط مقصب يجعله فى عمامته فى مواضع التشريفات، ويكتب للجهات باحترامه وتوقيره، ويخفف عنه فى نحو السفر فى الوابور فينزل فيه بنصف الأجرة، وإذا أجاب فى أكثر الفنون كتب من الدرجة الثانية، وإذا أجاب فى الأقل كتب من الدرجة الثالثة، ثم يكونون على باب مرتبات الأزهر، فإذا مات أحد من المرتب لهم النقود أو الكساوى أو الجرايات أو حصل له مانع من الاستحقاق فرق مرتبه على المستجدين بنظر شيخ الجامع، وإذا لم يجب ذلك الممتحن أقيم من المجلس ولا يؤذن له فى التدريس. وقد استحسن شيخ الجامع أنه لا يمتحن فى العام أكثر من ستة، فإذا تراكمت العريضات من طالبى الامتحان، نظر الشيخ فى موجبات الترجيح كالشهرة بالعالمية أو الوجاهة أو سبق التاريخ أو كبر السن، ثم إن طريق الامتحان هذه قد أورثت الطلبة جدّا واجتهادا فى التحصيل بالحفظ والمطالعة وسهر الليل، ولكن ربما يقال إن ذلك فيه إفساد لنية الطالبين والمدرسين بحب المحمدة والافتخار والرغبة فى الجاه والمرتبات والتصدر والتعظيم ونحو ذلك، وقد تساعده الأقدار فيجيب من غير أن يكون فيه أهلية فيعطى غير ما يستحقه. ثم إن الشيخ المهدى أيضا أبطل اختصاص أهل كل مذهب بعمد مخصوصة، وأبقى اختصاص كل شيخ بعمود، وإذا خلا عمود من شيخ بموت أو انقطاع فله أن يعطيه لشيخ غيره ولو لم يكن من أهل مذهبه، وقد يشترك فى العمود شيخان مثلا يقرأ كل واحد فى وقت، وقد يكون للشيخ عمودان يقرأ فى أحدهما صبحا وفى الآخر ظهرا مثلا، والعادة أن حصة الصبح يقرأ فى أولها التفسير والحديث ونحو ذلك وفى آخرها الفقه، وحصة الظهر يقرأ فيها النحو والمعانى والبيان والبديع والأصول، وحصة العصر صالحة لكل فن كحصة ما بعد المغرب، وأكثر تلك الأوقات ازدحاما حصة الصبح إلى ضحوة النهار، فإنك عند جلوسهم للدروس

стр. 975

لا تكاد تمر بالأزهر لتلاصقهم، بل قد يتدافعون ويتنازعون فى المجالس ويكون لهم دوى شديد، ويدركون الحر فى الشتاء من تجاور الأجسام وكثرة الأنفاس، ويكون لهم فى الصيف روائح غير مقبولة يلهيهم عنها اجتهادهم واشتغالهم بالتحصيل، ومنهم من يفر من ذلك فيقرأ فى نحو جامع محمد بيك أو مدرسة العينى، وأما بعد العشاء فليس فيه درس، بل المطالعة للمجاورين والمشايخ على السهارة أو غيرها إلى نصف الليل أو نحوه. وأكثر اعتنائهم بفهم العبارات وحل التراكيب والمناقشات بالاعتراض والجواب والإطلاق والتقييد والمنطوق والمفهوم وغير ذلك من غير اعتناء بالحفظ، فتجد كثيرا منهم جبل فى الفهم فى الكراس وإذا سئل من خارج فقل أن يجيب لعدم استحضاره، والعادة أن يقرأ المشايخ للطلبة المبتدئين فى النحو شرح الكفراوى على الآجرومية مرتين فى السنة، وفى السنة الثانية شرح الشيخ خالد عليها بحاشية أبى النجاء مرتين، وفى الثالثة شرح الأزهرية بحاشية الشيخ العطار مرتين، ثم يقرؤون شرحى القطر والشذور لابن هشام فى سنة، ثم شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك فى سنة، ثم شرح الأشمونى عليها بحاشية الصبان فى سنتين أو ثلاثة، ثم متن المغنى بحاشية الشيخ الأمير فى سنة أو سنتين، وقد يكرر أحدهم حضور الكتاب أكثر من مرة، وفى أثناء هذه السنين يدرسون كتبا فى باقى الفنون فيقرؤون فى علم الصرف نادرا لامية الأفعال لابن مالك وغالبهم يكتفى بما فى آخر الألفية من ذلك، وفى علم البيان السمرقندية وشراحها وحواشيها ورسالة الدردير بحواشيها ورسالة الشيخ الصبان بحواشيها، وفى علم المنطق متن السلم وشراحه وحواشيه/وايساغوجى والقطب على الشمسية ومختصر السنوسى، وفى علم التوحيد السنوسية الصغرى بحواشيها والجوهرة وحواشيها والجريدة والسنوسية الكبرى، وبعد التمكن من النحو والإلمام بغيره يقرؤون متن التلخيص للقزوينى بشرح مختصر السعد وحواشيه، ثم بمطوله قليلا وهو يشتمل على ثلاثة فنون: المعانى والبيان والبديع، ويقرؤون من علم الأصول جمع الجوامع بشرح المحلى وحواشيه وهو من كتب أصول الشافعية، ومع ذلك يقرؤه أهل المذاهب الأربعة مع ترك قراءة أصول مذاهبهم، ويقرأ به من علم الحديث الجامع الصغير والشفا للقاضى عياض والمواهب اللدنية والشمائل للترمذى وموطأ مالك والبخارى ومسلم، وفى المصطلح البيقونية وغرامى صحيح، ومن التفسير شرح الجلالين وحاشية الجمل وشرح الخطيب والبيضاوى وأبو السعود ونحو ذلك، وأما الفقه فكل يشتغل بفقه مذهبه خاصة، فيقرأ المالكية أولا ابن تركى على العشماوية ثم الزرقانى على العزية ثم أبا الحسن على الرسالة ثم أقرب المسالك ثم متن خليل بشرح الدردير ثم بشرح الخرشى ثم بشرح عبد الباقى ثم مجموع الشيخ الأمير، ويقرأ الشافعية أولا ابن قاسم ثم الخطيب ثم التحرير ثم المنهج

стр. 976

ثم شرح الرملى، ويقرأ الحنفية مراقى الفلاح ثم الطائى ثم منلا مسكين ثم شرح العينى ثم شرح الدرر على متن الغرر ثم شرح الدر على متن التنوير بحاشية ابن عابدين وحاشية الطحطاوى، وقد يقرؤون الهداية والأشباه والنظائر، ويقرأ الحنابلة الدليل وزاد المستقنع والمنتهى. والعادة أن ابتداء قراءة الكتب به من نصف شوال وبختمونها أو يقفون فيها قبيل رجب ولا يقرؤون من رجب إلى عيد رمضان إلا نادرا كتبا صغيرة لمن يبقى مقيما من الطلبة، ولهم فى أثناء السنة بطالات كبطالة عبد الأضحى نحو عشرين يوما، وبطالة المولد الصغير للسيد البدوى نحو ثلاثين يوما، وفى المولد الكبير كذلك أو أكثر. وإذا مات أحد من العلماء المدرسين يتركون لأجله الدروس كلها ثلاثة أيام حزنا عليه، فإن كان من المشهورين فلا يقرؤون فى الأزهر ولا خارجه، وإذا خالف أحد وجلس للدرس أقامته الخدمة بأمر شيخ الجامع. ثم إن أكثر اعتنائهم غالبا بالنحو ثم الفقه ثم البيان والمعانى ثم التفسير والحديث ثم البقية، وليس لهم التفات لنحو التاريخ والجغرافية والفلسفة، بل يرون ذلك بطالة وتضييعا للزمن بلا فائدة، وينهون من يقرأ كتب الفلسفة ويشنون عليه الغارة وربما نسبوه للكفر، كما أنهم لا يكادون يطلعون على كتب اليهود ولا النصارى ولا يستعملون من الرياضات إلا الحساب قليلا، وليس لأهل مذهب اعتناء بالاطلاع على مذهب غيرهم إلا مذهب أبى حنيفة فصاروا الآن يرغبون فى الاطلاع عليه لحاجتهم إليه للفتوى والتقلد بالوظائف لانحصار ذلك اليوم فى أهله. عوائد أهل الأزهر: عادة المصريين فى ابتداء إتيانهم إلى الأزهر أن يأتوا غالبا فى سن البلوغ أو المراهقة قارئين القرآن فقط بغير تجويد، فيشرعون فى حفظ المتون مع حضور صغار الكتب، ومنهم من يشتغل بتجويد القرآن على القراء المنتصبين به لذلك إما مع الحضور أو قبله، وقد يأتون أميين فيشتغلون بحفظ القرآن قبل الحضور، والغالب على مجاورى الصعايدة عدم حفظ القرآن، وأما أهل الوجه البحرى فهم بعكس ذلك، بل كثير منهم يعانى علم القراآت ثم يتكسب من السهر فى الختمات. وعادة الصعايدة أن يأتوا بمؤنة نصف سنة أو أكثر، من خبز قمح مقدد بالنار وسمن وجبن ودقيق وكشك وقادوسية ومفتلة وعدس وبصل وحطب ونحو ذلك ونقود كل بحسب

стр. 977

وسع من يعوله من أب أو أخ مثلا، وإذا قرب فراغ مؤنته أرسل إلى أهله فيرسلون له مثل ذلك وهكذا، وهؤلاء يسكنون الوكائل والبيوت مع كتب أسمائهم فى الرواق لانتظار الجراية، وقل من يأتى بلا زاد وهم الفقراء جدا ويسكنون الرواق ويضعون أمتعتهم فى الخزن التى فيه، ثم لا يذهب أحد من الصعائدة فى تسعة أشهر العمالة إلى بلده، فإذا جاء رجب فمنهم من يزور أهله ويكون عندهم إلى أول شوال ثم يعود إلى الأزهر بمؤنته، وقد يتزوج فى تلك المدة ويتركها عند أقاربه ينفقون عليها كما ينفقون عليه، ومنهم من يقيم السنين العديدة بلا زيارة ولا زواج حتى يتم غرضه أو غرض أهله من المجاورة، فإذا رجع إليهم بعد طول تلقوه بالأفراح والولائم وذلك فيمن بعدت بلدته غالبا. وأما أهل الوجه البحرى ومن قربت بلدته من القاهرة فيذهبون إلى بلادهم كل سنة يقيمون بها أشهر البطالة، وكذا فى أثناء السنة فى نحو بطالة السيد البدوى، ويأتون/بزاد قليل لقرب بلادهم وكثرة المترددين إليهم منها فيأتونهم بالمؤنة كل شهر أو أكثر، وكثير منهم يسكن بالأزهر لقلة متاعه خصوصا الفقراء، وينشرون الخبز بصحن الجامع لتنشيفه بالشمس وعند إرادة الأكل قد يبلون ناشف الخبز فى الميضأة أو فى إناء خارجها، وينامون بصحنه فى الصيف وبمقصورته فى الشتاء، ومعظم الفريقين أو كلهم ليس لهم طرق للكسب، بل أقاربهم ملتزمون بالإنفاق عليهم إلى انتهاء المجاورة، وغالبهم يباشر أعماله بنفسه من طبخ وغسل ثياب وتفليتها وترقيعها، ويقمّ بيته وقد يخصف نعله ونحو ذلك، وأكثر أكلهم سيما فقراؤهم المدمس والنابت والمخلل والكراث والفجل ونحو ذلك، وأهل الصعيد أكثر تقشفا من أهل الوجه البحرى، وأكثر الفريقين يلبس الزعابيط والدفافى الصوف المصبوغة بالنيلة أو بلا صبغ، ويلبسون الفلائل وكانت سابقا قليلة فيهم سيما الصعائدة، وقد يلبس الصعيدى ملاية زرقاء ذات خطوط بيضاء تصنع فى نحو إخميم وجرجا أو شقة بيضاء تصنع فى نحو أسوان، ويختلف الجميع فى الزى تبعا لاختلاف بلادهم، وقد يلبس أهل الثروة الثياب المفرجة من جبب وقفاطين والشرابات فى أرجلهم بزى أكثر أهل القاهرة، وأما العمائم فهى من زى الجميع فلا يكاد يوجد طالب علم بلا عمامة، وكثيرا ما يستعملون فراوى الغنم للجلوس عليها فى الدرس أو النوم عليها، وقد يسكن الجماعة فى مسكن واحد ضيق فيورثهم سقما لأنهم لا يتعهدون المسكن بالتنظيف، ولا الأوعية التى يأكلون فيها لما يقع بينهم من العناد وإحالة بعضهم على بعض، وكل ذلك طلبا لتخفيف الأجرة، فتجد كثيرا منهم مبتلى بالجرب أو الحكة مثلا، خصوصا سكان الأروقة والملازمون للجامع، وكثير منهم بلا فرش ولا غطاء فضلا عن الأوساخ التى علت أبدانهم وثيابهم، كل ذلك وهم منهمكون فى الطلب مجدون فى التحصيل إلا قليلا منهم.

стр. 978

وأما أهل الأقطار الخارجة من الهنود والسنارية والأتراك وغيرهم فهم أنعم عيشا من المصريين، وأنظف ثيابا وأبدانا، وأغنى منهم لما لهم من المرتبات الكافية مع ما يجلبونه من بلادهم من النقود الكثيرة، والفقير فيهم قليل، ويأتون كبار السن فوق العشرين، وكثير منهم يكون قد طلب العلم فى بلاده، وأكثرهم لا يحفظ القرآن، وأكثرهم يسكن أروقة الأزهر مع النظافة والفرش الكافى، وإذا قلت نقودهم يتيسر لهم التداخل عند الأمراء ونحوهم أكثر من المصريين، ولبعد بلادهم لا يذهبون إليها إلا بعد قضاء وطرهم من طلب العلم إلا لسبب قوى. وعادة الشاميين إذا تمم الواحد منهم غرضه وأراد السفر إلى بلده أن يدعو أصدقاءه ومحبيه من الطلبه والمشايخ، وقد أوقد لهم الرواق بالشموع وفرشه بقدر حاله، فيجتمعون عنده إلى ما شاء الله من الليل، ويطاف عليهم بالقهوة والشربات وينشدون بالمجلس قصيدة أو أكثر تشتمل على مدحه والتنويه بغزارة علمه وكثرة فضله ثم ينصرفون. وعادة أكثر المجاورين عند ختم الكتاب أن يأتوا فى الحلقة بالمباخر والقماقم فيها الطيب والعطريات، وبعضهم يأتى بشئ من النقل، وبعد الختم يقرأ بعض الحاضرين شيئا من القرآن بالترتيل، ثم يرش عليهم ماء الورد وينثر عليهم نحو اللوز والتمر، ويقبلون يد الشيخ، وبعض المشايخ يعمل طعاما يدعو عليه الطلبة. وعادة المجاورين أيضا سيما عند إرادة السفر أن يطلبوا الأجازات من المشايخ، فيكتبون لهم إجازات بخطوطهم متوجة بأختامهم، تتضمن الشهادة للمجاور بالتحصيل والمهارة فى الفنون والأهلية للتدريس والإفتاء مثلا وإجازتهم بذلك، وقد يبين فيها الشيخ اتصال سنده أو بعضه، ويوصيه فيها بالتقوى والتحرى فى الأحكام وأن لا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، والغالب أن للواحد منهم احتراما زائدا لشيخه ولو صار شيخا مثله، فيقبل يده ويقوم له ويمتثل أمره. وللمشايخ زى يعرفون به، فيلبسون الآن غالبا الأقبية المفرجة المسماة بالفرجيات، وهى ذات كمين واسعين تتخذ من جوخ أو تبيت أو نحو ذلك، مع القفاطين والطيالس الفاخرة والسرموزات والبوابيج الصفر وغير ذلك، وكان الكثير منهم فى السابق مخشوشنين فيلبس الشيخ زعبوط الصوف غير المصبوغ بغير غلالة، وكانوا يعرفون بعمائم يقال لها المقلة تشبه عمائم الأضرحة، ومع اخشيشان الطلبة والمشايخ فقد كانوا عند الأمراء والأعيان فى منزلة كبيرة من التعظيم والإجلال ونفوذ الكلمة، لما كانوا عليه من التمسك القوى بالشرع

стр. 979

الشريف، ومازالوا دائما كل وقت فى احترام وتوقير، فلا يجرفون الجسور ولا يحفرون الترع ولا يؤخذ منهم عساكر النظام، وهذا هو السبب غالبا فى كثرتهم من أهل القطر، فإن الأزهر حرم آمن حتى إنه يحتمى به من ليس قصده طلب العلم. ثم إن العادة أن يتبع الطالب/مذهب أبيه أو أهل بلده ولا يخالفه إلا لسبب، ولا ينتقل أحد عما اختاره من المذاهب إذ كان كل يفتى على مذهبه من غير نكير ولا تحجير، ولما انحصرت الفتوى فى مذهب أبى حنيفة آثره كثير منهم لقصد التعيش بالفتوى، لكن كانوا لا ينتقلون إليه بعد التمذهب بغيره بل يختارونه ابتداء. ثم لما انتقلت المشيخة إلى أهله وكثرت مرتباتهم وانحصرت الوظائف فيهم، ازدادت رغبة الطلبة فيه خصوصا من بعد سنة ثمانين بعد المائتين والألف، فدخل الناس فيه أفواجا وانتقل إليه كثير بعد الانتهاء فى المذاهب الأخر، بل انتقل إليه بعض المدرسين طلبا للمعاش، وبعضهم يشتغل به مع عدم هجر مذهبه، فصار أشهر المذاهب بعد أن لم يكن كذلك، وكان الشافعية والمالكية يستقبحون الانتقال إليه ولا ينسبون لأهله علما فصار اليوم مستحسنا أكيدا، وجدّ طالبوه فيه وفى غيره من الفنون فتقدموا وشهد لهم الجميع بالتحصيل. ثم إنه ليس بالأزهر عادة امتحان للطلبة لا ابتداء ولا انتهاء، ولا يعود الطالب لما حضره بمذاكرة ولا غيرها اكتفاء بحضور كتاب أكبر من الأول مشتمل على ما فيه وزيادة، وقد مر أن المشايخ أيضا غير مسئولين عن مواظبتهم أو تقصيرهم فهم مخيرون فى كل أفعالهم، وإنما السائق لهم الرغبة الذاتية وهى تختلف كما تختلف جودة الأذهان وفراغ البال، وبحسب ذلك تأتى درجاتهم، وقد يكون الحث والتحضيض من آبائهم أو المتفقين عليهم فيجبرونهم على ذلك، والغالب أن كل من بعدت بلدته يكون أكثر اجتهادا وتحصيلا، وأن من عاش فيه متقشفا هو الذى يحصل ويسود فكأن الرفاهية ترقد القريحة على وساد الكسل، وتقعد صاحبها عن الكد والعمل، كما أن الغالب على أولاد العلماء المشهورين عدم النجاح لتكاسلهم اتكالا على شهرة آبائهم، ثم إذا أراد المنتهى التصدر للتدريس فحينئذ بعقد له مجلس الامتحان الذى مر بيانه. ثم إن فى أهل كل جهة عصبية وحمية، فكثيرا ما يتضاربون على أسباب واهية كمجالس الدرس أو المشاغبة فى المسائل، وأكثرهم حمية الصعايدة ثم الشرقاوية والشوام والمغاربة، وترفع القضايا التى بينهم لمشايخ الأروقة، فإن لم تنحسم فلشيخ العموم، فإن تجسمت فللمحتسب كما ترفع له ابتداء القضايا التى بينهم وبين غيرهم.

стр. 980

وعادتهم بطالة الدروس من بعد درس الفقه يوم الخميس إلى غروب يوم الجمعة، فيخرجون يوم الخميس إلى بولاق أو غيرها للفسحة وغسل الثياب، فيكونون طوائف طوائف ويلعبون هناك الكرة وغيرها، وكانوا سابقا كثيرا ما يقع بينهم الخصام والمضاربة وقل ذلك فيهم الآن وسهلت عرائكهم، وللصعايدة ترفع عن السفاسف كالقراءة على القبور للصدقة وقراءة الختمات بالأجرة كغالب أهل الجهات الخارجية، مع كثرة زيارتهم للقبور يوم الجمعة. وللمجاورين قرافة تعرف بهم فى القرافة الكبرى، وإذا مات المجاور اجتمع بالأزهر بعد دفنه أصحابه أو أهل بلده فيعملون له عتاقة لا إله إلا الله بعد المغرب، فيوقدون شموعا صغيرة يلصقونها بالحصر، فيجتمع الجم الغفير من المجاورين ويستمر ذلك إلى العشاء، وأما إذا مات أحد العلماء المدرسين فيحزن عليه أهل الأزهر ثلاثة أيام فلا يعقد به درس، بل إن كان من مشاهيرهم تركوا له الدرس به وخارجه ثلاثة أيام، فبمجرد موته ينهى الخبر إلى شيخ العموم فيأمر بترك التدريس فى هذه الأيام ويقام من يكون جالسا للدرس، ويأمر المؤذنين بعمل الأبرار فيصعدون على المنائر ويقرؤون بأصوات مرتفعة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ وما يليها من الآيات، وكذا يفعل على كثير من منائر المساجد فيتسامع الناس ويحضرون الجنازة ويشيعونه إلى الأزهر وأمامه المنشدون يقرؤون البردة ونحوها بأصوات مرتفعة ويليهم كثير من العلماء، وربما حضره بعض الأمراء والأعيان، فإن كان من أرباب الشهرة أو المناصب بعث الحاكم بعض عساكر الشرطة لمنع ما عسى أن يقع من الضرر لكثرة الازدحام، ويدخلون بالجنازة من باب المزينين، وعند ذلك يصرخ المؤذنون بالأبرار، فإذا وضع من فوق الأعناق تلا بعض المنشدين بين يدى الصلاة عليه مرثية وهو على دكة المبلغين يعدد فيها محاسنه وربما ذكر نسبه ينشئها بعض الشعراء بعد موته ويصلى عليه شيخ الجامع أو نحوه، ثم يعمل له بالأزهر عند عموده الذى كان يدرس عنده ثلاث ليال يجتمع فيها كثير من العلماء والمجاورين، فيعملون له عتاقة لا إله إلا الله أو الصمدية فيستمرون من الغروب إلى الساعة الرابعة من الليل، ثم فى كل أسبوع من أربعة أسابيع بعد صلاة الجمعة يجتمعون عند عموده ويكونون حلقة واحدة، وتفرق عليهم ربعات القرآن فيقرأ كل واحد جزءا ويجلس بعض القراء والمنشدين وسط الحلقة فيقرأ بعضهم آيات من القرآن بالترتيل، ثم يختمون المجلس بقراءة آخر البقرة والآيات المعتادة فى الختم مع أسماء الله الحسنى وآخر البردة، كل ذلك بجوقة عظيمة ويرددون فى أبيات البردة، ثم تقرأ مرثية أخرى، وربما وقع الأبرار له فى أغلب مدن مصر أو جميعها، والعادة أن لا يغطى نعش العالم كما يغطى غيره.

стр. 981

مشيخته وحوادثه: لما كان الأزهر كثير الطلبة والمدرسين والخدمة والمرتبات، كان من اللازم إقامة من يسوس أمورهم ويفصل قضاياهم، ويضبط مرتباته ويقيم شعائره، فجعل لكل طائفة شيخ وخدمة، وللجميع شيخ عموم يرجعون إليه ويباشر حكام الدولة، وهو فى الحقيقة شيخ فقهاء القطر بتمامه بمنزلة شيخ الإسلام فى دار المملكة، فكانت المشيخة فيه للسادة المالكية، ثم للسادة الشافعية مدة، ثم للسادة الحنفية، ثم آلت اليوم إلى السادة الشافعية، فمن مشايخه-كما فى الجبرتى-الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن على الخرشى المالكى المتوفى سنة إحدى ومائة وألف وقد ترجمناه فى بلده أبى خراش من أعمال البحيرة. وتولى بعده مشيخة الأزهر الشيخ محمد النشرتى وتوفى سنة عشرين ومائة وألف، ووقع بعد موته فتنة بالأزهر بسبب المشيخة والتدريس بالآقبغاوية، وافترق المجاورون فرقتين، فرقة تريد الشيخ أحمد النفراوى، وأخرى تريد الشيخ عبد الباقى القلينى ولم يكن حاضرا بمصر، فتصدر الشيخ أحمد النفراوى للتدريس بالآقبغاوية فمنعه القاطنون بها، وحضر القلينى فتعصب له جماعة النشرتى، وحضر جماعة النفراوى إلى الجامع ليلا ومعهم بنادق وأسلحة وضربوا بالبنادق فى الجامع وأخرجوا جماعة القلينى، وكسروا باب الآقبغاوية وأجلسوا النفراوى مكان النشرتى، فكبس جماعة القلينى الجامع وقفلوا أبوابه وتضاربوا مع جماعة النفراوى فقتلوا منهم نحو العشرة، وانفصلوا عن جرحى كثيرة، وانتهبت الخزائن وتكسرت القناديل، وحضر الوالى فأخرج القتلى وتفرق المجاورون فلم يبق بالجامع أحد، وفى ثانى يوم طلع النفراوى إلى الديوان ومعه حجة الكشف على القتلى، فلم يلتفت الباشا إلى دعواه لعلمه بتعديه وأمره بلزوم بيته، وأمر بنفى الشيخ أحمد شنن إلى بلده الجدية، وحبسوا من كان فى العرقانة وكانوا اثنى عشر، وتطاول حسن أفندى نقيب الأشراف على النفراوى بحضرة الباشا وقال له: جماعتك المفسدون الذين هم عاملون طلبة العلم يصعدون على المنارة ويقولون فى محل الأذان يا آل حرام ويضربون بالرصاص فى المسجد واستقر القلينى فى المشيخة. فلما مات تقلد بعده الشيخ محمد شنن المالكى من ناحية الجدية، وكان أغنى أهل زمانه وله مماليك وجوار، ومن مماليكه أحمد بيك شنن، توفى الشيخ محمد سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، وقبل موته جعل الشيخ محمد الجدواى وصيا على ولده موسى، ولما بلغ رشده سلمه ماله فكان من الذهب البندقى أربعين ألفا خلاف الجنزرلى والطرلى وأنواع

стр. 982

الفضة والأملاك والضياع والوظائف والجماكى والرزق والأطيان، بدده ولده جميعا حتى مات مدينا. ولما مات المترجم تولى بعده المشيخة الشيخ إبراهيم بن موسى الفيومى المالكى كانت ولادته سنة اثنتين وستين وألف ووفاته سنة سبع وثلاثين ومائة وألف. ومن شيوخه الشهاب الشبراملسى، والشيخ الزرقانى، والبشبيشى، والغرقاوى، والشيخ عبد الرحمن الأجهورى، وآخرون، وله شرح على العزية فى الفقه فى مجلدين. ولما مات المترجم انتقلت المشيخة إلى الشافعية فتولاها الشيخ عبد الله الشبراوى فى حياة كبار العلماء فكان طلبة العلم فى أيام مشيخته فى غاية الأدب والاحترام، وصار لأهل العلم فى مدته رفعة ومقام، ومهابة عند الخاص والعام، وهو عبد الله بن محمد بن عامر بن شرف الدين الشبراوى الشافعى المحدث الأصولى المتكلم الماهر الشاعر الأديب، ولد تقريبا سنة اثنتين وتسعين وألف، وكان من بيت العلم والجلالة، وقد حضر الأشياخ كالشيخ خليل بن إبراهيم اللقانى والشيخ محمد الزرقانى والشيخ أحمد النفراوى وغيرهم، ولم يزل يترقى ويفيد ويملى ويدرس حتى صار أعظم الأعاظم، وقبلت شفاعته وهاداه الأمراء، وعمر دارا عظيمة على بركة الأزبكية بالقرب من الرويعى، وكذلك ولده سيدى عامر دارا تجاه دار أبيه صرف عليها أموالا جمة، وكان يقتنى الظرائف والتحائف من كل شئ، والكتب المكلفة النفيسة بالخط الحسن، وكان راتب مطبخ ولده سيدى عامر فى كل يوم من اللحم الضانى رأسين من الغنم يذبحان فى بيته، ومن آثاره كتاب مطامح الألطاف فى مدائح الأشراف، وشرح الصدر فى غزوة أهل بدر، وديوان يحتوى على غزليات وأشعار ومقاطيع وغير ذلك. توفى ختام سنة إحدى وسبعين ومائة بعد الألف./وتولى المشيخة بعده الشيخ الحفنى المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة وألف. (وقد ترجمناه فى بلدته حفنة) وتولى المشيخة بعده الشيخ عبد الرؤوف السجينى وتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف (وترجمناه فى بلده سجين). وتولاها بعده الشيخ أحمد بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهورى المذاهبى الأزهرى، توفى سنة تسعين بعد المائة والألف. (وهو مترجم فى بلدته دمنهور الغربية). وبعد موته حصل نزاع فى تولى المشيخة بين الشيخ عبد الرحمن بن عمر العريشى الحنفى والشيخ أحمد العروسى الشافعى (المترجم فى الكلام على منية عروس)، ثم آلت للشيخ العروسى، وذلك أنه لما زاد انحطاط الشيخ أحمد الدمنهورى وتبين قرب وفاته تاقت نفس

стр. 983

العريشى لمشيخة الأزهر إذ هى أعظم مناصب العلماء فأحب التوصل إليها بكيفية، فحضر مع شيخ البلد إبراهيم بيك إلى الجامع الأزهر، وجمع الفقهاء والمشايخ وعرفهم أن الشيخ الدمنهورى أقامه وكيلا عنه، وبعد أيام توفى الشيخ الدمنهورى فتعين هو للمشيخة بتلك الطريقة، وساعده استمالة الأمراء وكبار الأشياخ وأبو الأنوار السادات وكاد أمره يتم، فانتدب لذلك بعض الشافعية الخاملون وذهبوا إلى الشيخ محمد الجوهرى وساعدهم وركب معهم إلى بيت الشيخ البكرى، وجمعوا عليهم جملة من أكابر الشافعية مثل الشيخ أحمد العروسى والشيخ أحمد السمنودى والشيخ حسن الكفراوى وكتبوا عرضحالا للأمراء مضمونه أن مشيخة الأزهر مناصب الشافعية وليس للحنفية فيها قديم عهد، وخصوصا إذا كان آفاقيا كالشيخ عبد الرحمن، وفى العلماء الشافعية من هو أهل لذلك علما وسنا، وأنهم اتفقوا على أن يكون المتعين لذلك الشيخ أحمد العروسى، وختموا على العرض وأرسلوه إلى إبراهيم بيك ومراد بيك فتوقف الأمراء وقالوا لإبراهيم بيك: أى شئ هذا الكلام! أمر فعله الكبار يبطله الصغار، ولأى شئ لا يتقدم الحنفية على الشافعية فى المشيخة، أليس الحنفية مسلمين ومذهب النعمان أقدم المذاهب، والأمراء حنفية والقاضى حنفى والوزير حنفى والسلطان حنفى؟ وثارت فيهم العصبية وشددوا فى عدم التقض. ورجع الجواب للمشايخ فقاموا على ساق، وشدد الشيخ محمد الجوهرى فى ذلك وركبوا بأجمعهم إلى جامع الإمام الشافعى ﵁ وباتوا به ليلة الجمعة، فهرعت الناس ينظرون فيما يؤول إليه هذا الأمر، وكان للأمراء اعتقاد فى الشيخ الجوهرى فسعى أكثرهم فى إنفاذ غرضه، وراجعوا مراد بيك وأوهموه حصول العطب له ولهم أو ثوران فتنة فى البلد، وحضر مراد بيك للزيارة فكلمه الشيخ الجوهرى وقال: لا بد من فروة تلبسها للشيخ العروسى ويكون شيخا على الشافعية، وذاك شيخا على الحنفية، كما أن الشيخ الدردير شيخ المالكية، والبلد بلد الإمام الشافعى وقد جئنا إليه وهو يأمرك بذلك، فإن خالفت يخشى عليك، فأحضر فروة وألبسها للعروسى، وركب مراد بيك وركب المشايخ وبينهم العروسى وذهبوا إلى إبراهيم بيك ولم يكن الأمراء رأوا الشيخ العروسى قبل ذلك، فجلسوا مسافة شرب القهوة وقاموا ولم يتكلم إبراهيم بيك بكلمة، وذهب العروسى إلى بيته وأخذ شأنه فى الظهور، واحتد العريشى وذهب إلى السادات والأمراء فألبسوه فروة، وتفاقم الأمر وصاروا حزبين، وتعصب للشيخ عبد الرحمن العريشى طائفة الشوام للجنسية، وطائفة المغاربة لانضمام شيخهم أبى الحسن القلعى معه من أول الأمر، وتوعدوا من كان مع الفرقة الأخرى ووقفوا لمنعهم من دخول

стр. 984

الجامع، وابن الجوهرى يسوس القضية ويستميل الأمراء وكبار المشايخ الذين كانوا مع العريشى كالشيخ الدردير والشيخ أحمد يونس. مطلب حادثة الشوام والأتراك: واستمر الأمر نحو سبعة أشهر إلى أن أسعفت العروسى العناية بوقوع حادثة بين الشوام والأتراك، واحتد الأمراء للجنسية وأكدوا فى طلب المحاققة، وتصدى العريشى للذب عن الشوام فانطلقت عليه الألسن وانحرف عليه الأمراء وطلبوه فاختفى، وعين لطلبه الوالى وأتباع الشرطة وعزلوه من الإفتاء، وحضر الأغا وصحبته العروسى للقبض على الشوام ففروا، فأغلقوا رواقهم وسمروه أياما ثم اصطلحوا وظهر العروسى من ذلك اليوم وثبتت مشيخته ورياسته، وأمروا العريشى بلزوم بيته وأن لا يعارض فى شئ ولا يتداخل فى أمر، فاختلى بنفسه وقال: الآن عرفت ربى. وأقبل على العبادة والذكر وقراءة القرآن، ونزلت له نزلة فى أنثييه من القهر، فأشاروا عليه بالفصد ففصد فازداد ألمه، وتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائة بعد الألف. وحضره الأمراء ودفن برحاب السادة الوفائية. ترجمة الشيخ العريشى: وكانت ولادته بقلعة العريش من أعمال غزة وبها نشأ وحفظ بعض المتون، ولما مر عليه الشيخ منصور السرمينى فى بلده وجده متيقظا نبيها وفيه قوة استعداد وحافظة جيدة، فأخذه صحبته بصورة معين/فى الخدمة، وورد معه مصر فكان ملازما له، وكان يحضر بالأزهر على الشيخ أحمد البيلى وغيره فى النحو وغيره، ثم توجه السيد منصور وتركه بالأزهر فلازم الشيخ أحمد السليمانى ملازمة جيدة، وحضر دروس الشيخ الصعيدى والحفنى ولقنه الذكر وأجازه وألبسه التاج الخلوتى، ثم درجه الشيخ حسن الجبرتى على الفتوى ومراجعة الأصول والفروع فترونق ونوه بشأنه وعرفه الناس، وتولى مشيخة رواق الشوام، وحج سنة تسع وسبعين من القلزم منفردا متقشفا وعاد إلى مصر، وحصلت له جذبة فترك عياله وانسلخ عن حاله وصار يأوى إلى الزوايا ويلقى دروسا من طريق القوم، ثم تراجع قليلا حتى عاد إلى حالته وتعين للإفتاء بعد موت الشيخ أحمد المعماقى، واشترى دارا حسنة بالقرب من الجامع الأزهر تعرف بدار القطرسى، وتردد الأكابر إليه وصار له خدم وأتباع، وسافر إلى إسلامبول وقرأ هناك كتاب الشفا ورجع إلى مصر، وكان كريم النفس سمحا بما فى يده يحب إطعام الطعام فيعمل عزائم للأمراء

стр. 985

ويخلع عليهم الخلع، ومن مآثره رسالة ألفها فى سرالكنى باسم السيد أبى الأنوار بن وفا أجاد فيها، ووصلت إلى زبيد وكتب عليها الشيخ عبد الخالق بن الزين حاشية وقرظ عليها الشيخ العروسى والشيخ الصبان وله غير ذلك. ومن حوادثه فى مدة الشيخ أحمد العروسى، أنه فى غرة رمضان من سنة تسع وتسعين ومائة وألف ثار فقراء المجاورين والقاطنين بالأزهر وأقفلوا أبواب الجامع ومنعوا منه الصلوات، وكان ذلك يوم الجمعة فلم يصل فيه ذلك اليوم، وكذلك أغلقوا المدرسة المحمدية المجاورة له ومسجد المشهد الحسينى، وخرج العميان والمجاورون يرمحون فى الأسواق ويخطفون ما يجدونه من الخبز وغيره، وتبعهم فى ذلك الجعيدية وأراذل السوقة، وسبب ذلك قطع رواتبهم وأخبازهم المعتادة، واستمروا على ذلك بعد العشاء فحضر سليم أغا أغات مستحفظان إلى مدرسة الأشرفية وأرسل إلى مشايخ الأروقة والمشار إليهم بالسفاهة، وتكلم معهم ووعدهم والتزم لهم بإجراء رواتبهم فقبلوا منه ذلك وفتحوا المساجد. وفى شهر محرم الحرام افتتاح سنة مائتين بعد الألف بعد صلاة الجمعة ضج المجاورون بالأزهر بسبب أخبازهم وأقفلوا أبواب الجامع، فحضر إليهم سليم أغا المذكور والتزم لهم بإجراء رواتبهم بكرة تاريخه، فسكنوا وفتحوا الجامع وانتظروا ثانى يوم فلم يأتهم شئ، فأغلقوه ثانيا وصعدوا على المنارات يصيحون، فحضر سليم أغا بعد العصر ونجزلهم بعض المطلوبات وأجرى لهم الجراية أياما، ثم انقطع ذلك وتكرر الغلق والفتح مرارا. وفى أول جمعة من جمادى الأولى من هذه السنة ثار جماعة من أهالى الحسينية بسبب ما حصل فى أمسه من حسين بيك المعروف بشفت-بمعنى يهودى-فإنه تسلط على هجم البيوت، وركب بجنده إلى الحسينية وهجم على دار أحمد سالم الجزار المتولى رياسة دراويش الشيخ البيومى ونهبه حتى مصاغ النساء والفرش، فحضر أهل الحسينية إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول، والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق، وذهبوا إلى الشيخ الدردير فساعدهم بالكلام وقال لهم: أنا معكم. فخرجوا من نواحى الجامع وأقفلوا أبوابه وصعد منهم طائفة على المنارات يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق فى حالة منكرة وأغلقوا الحوانيت، وقال لهم الشيخ الدردير: فى غد نجمع أهالى الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معهم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم، فلما كان بعد المغرب حضر سليم أغا مستحفظان ومحمد كتخدا الجلفى كتخدا إبراهيم بيك وجلسوا فى الغورية، ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال وقالوا: اكتبوا لنا قائمة بالمنهوبات ونأتى بها من محل ما تكون،
следующие страницы →