← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

مشيخته وحوادثه: لما كان الأزهر كثير الطلبة والمدرسين والخدمة والمرتبات، كان من اللازم إقامة من يسوس أمورهم ويفصل قضاياهم، ويضبط مرتباته ويقيم شعائره، فجعل لكل طائفة شيخ وخدمة، وللجميع شيخ عموم يرجعون إليه ويباشر حكام الدولة، وهو فى الحقيقة شيخ فقهاء القطر بتمامه بمنزلة شيخ الإسلام فى دار المملكة، فكانت المشيخة فيه للسادة المالكية، ثم للسادة الشافعية مدة، ثم للسادة الحنفية، ثم آلت اليوم إلى السادة الشافعية، فمن مشايخه-كما فى الجبرتى-الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن على الخرشى المالكى المتوفى سنة إحدى ومائة وألف وقد ترجمناه فى بلده أبى خراش من أعمال البحيرة. وتولى بعده مشيخة الأزهر الشيخ محمد النشرتى وتوفى سنة عشرين ومائة وألف، ووقع بعد موته فتنة بالأزهر بسبب المشيخة والتدريس بالآقبغاوية، وافترق المجاورون فرقتين، فرقة تريد الشيخ أحمد النفراوى، وأخرى تريد الشيخ عبد الباقى القلينى ولم يكن حاضرا بمصر، فتصدر الشيخ أحمد النفراوى للتدريس بالآقبغاوية فمنعه القاطنون بها، وحضر القلينى فتعصب له جماعة النشرتى، وحضر جماعة النفراوى إلى الجامع ليلا ومعهم بنادق وأسلحة وضربوا بالبنادق فى الجامع وأخرجوا جماعة القلينى، وكسروا باب الآقبغاوية وأجلسوا النفراوى مكان النشرتى، فكبس جماعة القلينى الجامع وقفلوا أبوابه وتضاربوا مع جماعة النفراوى فقتلوا منهم نحو العشرة، وانفصلوا عن جرحى كثيرة، وانتهبت الخزائن وتكسرت القناديل، وحضر الوالى فأخرج القتلى وتفرق المجاورون فلم يبق بالجامع أحد، وفى ثانى يوم طلع النفراوى إلى الديوان ومعه حجة الكشف على القتلى، فلم يلتفت الباشا إلى دعواه لعلمه بتعديه وأمره بلزوم بيته، وأمر بنفى الشيخ أحمد شنن إلى بلده الجدية، وحبسوا من كان فى العرقانة وكانوا اثنى عشر، وتطاول حسن أفندى نقيب الأشراف على النفراوى بحضرة الباشا وقال له: جماعتك المفسدون الذين هم عاملون طلبة العلم يصعدون على المنارة ويقولون فى محل الأذان يا آل حرام ويضربون بالرصاص فى المسجد واستقر القلينى فى المشيخة. فلما مات تقلد بعده الشيخ محمد شنن المالكى من ناحية الجدية، وكان أغنى أهل زمانه وله مماليك وجوار، ومن مماليكه أحمد بيك شنن، توفى الشيخ محمد سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، وقبل موته جعل الشيخ محمد الجدواى وصيا على ولده موسى، ولما بلغ رشده سلمه ماله فكان من الذهب البندقى أربعين ألفا خلاف الجنزرلى والطرلى وأنواع

стр. 982

الفضة والأملاك والضياع والوظائف والجماكى والرزق والأطيان، بدده ولده جميعا حتى مات مدينا. ولما مات المترجم تولى بعده المشيخة الشيخ إبراهيم بن موسى الفيومى المالكى كانت ولادته سنة اثنتين وستين وألف ووفاته سنة سبع وثلاثين ومائة وألف. ومن شيوخه الشهاب الشبراملسى، والشيخ الزرقانى، والبشبيشى، والغرقاوى، والشيخ عبد الرحمن الأجهورى، وآخرون، وله شرح على العزية فى الفقه فى مجلدين. ولما مات المترجم انتقلت المشيخة إلى الشافعية فتولاها الشيخ عبد الله الشبراوى فى حياة كبار العلماء فكان طلبة العلم فى أيام مشيخته فى غاية الأدب والاحترام، وصار لأهل العلم فى مدته رفعة ومقام، ومهابة عند الخاص والعام، وهو عبد الله بن محمد بن عامر بن شرف الدين الشبراوى الشافعى المحدث الأصولى المتكلم الماهر الشاعر الأديب، ولد تقريبا سنة اثنتين وتسعين وألف، وكان من بيت العلم والجلالة، وقد حضر الأشياخ كالشيخ خليل بن إبراهيم اللقانى والشيخ محمد الزرقانى والشيخ أحمد النفراوى وغيرهم، ولم يزل يترقى ويفيد ويملى ويدرس حتى صار أعظم الأعاظم، وقبلت شفاعته وهاداه الأمراء، وعمر دارا عظيمة على بركة الأزبكية بالقرب من الرويعى، وكذلك ولده سيدى عامر دارا تجاه دار أبيه صرف عليها أموالا جمة، وكان يقتنى الظرائف والتحائف من كل شئ، والكتب المكلفة النفيسة بالخط الحسن، وكان راتب مطبخ ولده سيدى عامر فى كل يوم من اللحم الضانى رأسين من الغنم يذبحان فى بيته، ومن آثاره كتاب مطامح الألطاف فى مدائح الأشراف، وشرح الصدر فى غزوة أهل بدر، وديوان يحتوى على غزليات وأشعار ومقاطيع وغير ذلك. توفى ختام سنة إحدى وسبعين ومائة بعد الألف./وتولى المشيخة بعده الشيخ الحفنى المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة وألف. (وقد ترجمناه فى بلدته حفنة) وتولى المشيخة بعده الشيخ عبد الرؤوف السجينى وتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف (وترجمناه فى بلده سجين). وتولاها بعده الشيخ أحمد بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهورى المذاهبى الأزهرى، توفى سنة تسعين بعد المائة والألف. (وهو مترجم فى بلدته دمنهور الغربية). وبعد موته حصل نزاع فى تولى المشيخة بين الشيخ عبد الرحمن بن عمر العريشى الحنفى والشيخ أحمد العروسى الشافعى (المترجم فى الكلام على منية عروس)، ثم آلت للشيخ العروسى، وذلك أنه لما زاد انحطاط الشيخ أحمد الدمنهورى وتبين قرب وفاته تاقت نفس

стр. 983

العريشى لمشيخة الأزهر إذ هى أعظم مناصب العلماء فأحب التوصل إليها بكيفية، فحضر مع شيخ البلد إبراهيم بيك إلى الجامع الأزهر، وجمع الفقهاء والمشايخ وعرفهم أن الشيخ الدمنهورى أقامه وكيلا عنه، وبعد أيام توفى الشيخ الدمنهورى فتعين هو للمشيخة بتلك الطريقة، وساعده استمالة الأمراء وكبار الأشياخ وأبو الأنوار السادات وكاد أمره يتم، فانتدب لذلك بعض الشافعية الخاملون وذهبوا إلى الشيخ محمد الجوهرى وساعدهم وركب معهم إلى بيت الشيخ البكرى، وجمعوا عليهم جملة من أكابر الشافعية مثل الشيخ أحمد العروسى والشيخ أحمد السمنودى والشيخ حسن الكفراوى وكتبوا عرضحالا للأمراء مضمونه أن مشيخة الأزهر مناصب الشافعية وليس للحنفية فيها قديم عهد، وخصوصا إذا كان آفاقيا كالشيخ عبد الرحمن، وفى العلماء الشافعية من هو أهل لذلك علما وسنا، وأنهم اتفقوا على أن يكون المتعين لذلك الشيخ أحمد العروسى، وختموا على العرض وأرسلوه إلى إبراهيم بيك ومراد بيك فتوقف الأمراء وقالوا لإبراهيم بيك: أى شئ هذا الكلام! أمر فعله الكبار يبطله الصغار، ولأى شئ لا يتقدم الحنفية على الشافعية فى المشيخة، أليس الحنفية مسلمين ومذهب النعمان أقدم المذاهب، والأمراء حنفية والقاضى حنفى والوزير حنفى والسلطان حنفى؟ وثارت فيهم العصبية وشددوا فى عدم التقض. ورجع الجواب للمشايخ فقاموا على ساق، وشدد الشيخ محمد الجوهرى فى ذلك وركبوا بأجمعهم إلى جامع الإمام الشافعى ﵁ وباتوا به ليلة الجمعة، فهرعت الناس ينظرون فيما يؤول إليه هذا الأمر، وكان للأمراء اعتقاد فى الشيخ الجوهرى فسعى أكثرهم فى إنفاذ غرضه، وراجعوا مراد بيك وأوهموه حصول العطب له ولهم أو ثوران فتنة فى البلد، وحضر مراد بيك للزيارة فكلمه الشيخ الجوهرى وقال: لا بد من فروة تلبسها للشيخ العروسى ويكون شيخا على الشافعية، وذاك شيخا على الحنفية، كما أن الشيخ الدردير شيخ المالكية، والبلد بلد الإمام الشافعى وقد جئنا إليه وهو يأمرك بذلك، فإن خالفت يخشى عليك، فأحضر فروة وألبسها للعروسى، وركب مراد بيك وركب المشايخ وبينهم العروسى وذهبوا إلى إبراهيم بيك ولم يكن الأمراء رأوا الشيخ العروسى قبل ذلك، فجلسوا مسافة شرب القهوة وقاموا ولم يتكلم إبراهيم بيك بكلمة، وذهب العروسى إلى بيته وأخذ شأنه فى الظهور، واحتد العريشى وذهب إلى السادات والأمراء فألبسوه فروة، وتفاقم الأمر وصاروا حزبين، وتعصب للشيخ عبد الرحمن العريشى طائفة الشوام للجنسية، وطائفة المغاربة لانضمام شيخهم أبى الحسن القلعى معه من أول الأمر، وتوعدوا من كان مع الفرقة الأخرى ووقفوا لمنعهم من دخول

стр. 984

الجامع، وابن الجوهرى يسوس القضية ويستميل الأمراء وكبار المشايخ الذين كانوا مع العريشى كالشيخ الدردير والشيخ أحمد يونس. مطلب حادثة الشوام والأتراك: واستمر الأمر نحو سبعة أشهر إلى أن أسعفت العروسى العناية بوقوع حادثة بين الشوام والأتراك، واحتد الأمراء للجنسية وأكدوا فى طلب المحاققة، وتصدى العريشى للذب عن الشوام فانطلقت عليه الألسن وانحرف عليه الأمراء وطلبوه فاختفى، وعين لطلبه الوالى وأتباع الشرطة وعزلوه من الإفتاء، وحضر الأغا وصحبته العروسى للقبض على الشوام ففروا، فأغلقوا رواقهم وسمروه أياما ثم اصطلحوا وظهر العروسى من ذلك اليوم وثبتت مشيخته ورياسته، وأمروا العريشى بلزوم بيته وأن لا يعارض فى شئ ولا يتداخل فى أمر، فاختلى بنفسه وقال: الآن عرفت ربى. وأقبل على العبادة والذكر وقراءة القرآن، ونزلت له نزلة فى أنثييه من القهر، فأشاروا عليه بالفصد ففصد فازداد ألمه، وتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائة بعد الألف. وحضره الأمراء ودفن برحاب السادة الوفائية. ترجمة الشيخ العريشى: وكانت ولادته بقلعة العريش من أعمال غزة وبها نشأ وحفظ بعض المتون، ولما مر عليه الشيخ منصور السرمينى فى بلده وجده متيقظا نبيها وفيه قوة استعداد وحافظة جيدة، فأخذه صحبته بصورة معين/فى الخدمة، وورد معه مصر فكان ملازما له، وكان يحضر بالأزهر على الشيخ أحمد البيلى وغيره فى النحو وغيره، ثم توجه السيد منصور وتركه بالأزهر فلازم الشيخ أحمد السليمانى ملازمة جيدة، وحضر دروس الشيخ الصعيدى والحفنى ولقنه الذكر وأجازه وألبسه التاج الخلوتى، ثم درجه الشيخ حسن الجبرتى على الفتوى ومراجعة الأصول والفروع فترونق ونوه بشأنه وعرفه الناس، وتولى مشيخة رواق الشوام، وحج سنة تسع وسبعين من القلزم منفردا متقشفا وعاد إلى مصر، وحصلت له جذبة فترك عياله وانسلخ عن حاله وصار يأوى إلى الزوايا ويلقى دروسا من طريق القوم، ثم تراجع قليلا حتى عاد إلى حالته وتعين للإفتاء بعد موت الشيخ أحمد المعماقى، واشترى دارا حسنة بالقرب من الجامع الأزهر تعرف بدار القطرسى، وتردد الأكابر إليه وصار له خدم وأتباع، وسافر إلى إسلامبول وقرأ هناك كتاب الشفا ورجع إلى مصر، وكان كريم النفس سمحا بما فى يده يحب إطعام الطعام فيعمل عزائم للأمراء

стр. 985

ويخلع عليهم الخلع، ومن مآثره رسالة ألفها فى سرالكنى باسم السيد أبى الأنوار بن وفا أجاد فيها، ووصلت إلى زبيد وكتب عليها الشيخ عبد الخالق بن الزين حاشية وقرظ عليها الشيخ العروسى والشيخ الصبان وله غير ذلك. ومن حوادثه فى مدة الشيخ أحمد العروسى، أنه فى غرة رمضان من سنة تسع وتسعين ومائة وألف ثار فقراء المجاورين والقاطنين بالأزهر وأقفلوا أبواب الجامع ومنعوا منه الصلوات، وكان ذلك يوم الجمعة فلم يصل فيه ذلك اليوم، وكذلك أغلقوا المدرسة المحمدية المجاورة له ومسجد المشهد الحسينى، وخرج العميان والمجاورون يرمحون فى الأسواق ويخطفون ما يجدونه من الخبز وغيره، وتبعهم فى ذلك الجعيدية وأراذل السوقة، وسبب ذلك قطع رواتبهم وأخبازهم المعتادة، واستمروا على ذلك بعد العشاء فحضر سليم أغا أغات مستحفظان إلى مدرسة الأشرفية وأرسل إلى مشايخ الأروقة والمشار إليهم بالسفاهة، وتكلم معهم ووعدهم والتزم لهم بإجراء رواتبهم فقبلوا منه ذلك وفتحوا المساجد. وفى شهر محرم الحرام افتتاح سنة مائتين بعد الألف بعد صلاة الجمعة ضج المجاورون بالأزهر بسبب أخبازهم وأقفلوا أبواب الجامع، فحضر إليهم سليم أغا المذكور والتزم لهم بإجراء رواتبهم بكرة تاريخه، فسكنوا وفتحوا الجامع وانتظروا ثانى يوم فلم يأتهم شئ، فأغلقوه ثانيا وصعدوا على المنارات يصيحون، فحضر سليم أغا بعد العصر ونجزلهم بعض المطلوبات وأجرى لهم الجراية أياما، ثم انقطع ذلك وتكرر الغلق والفتح مرارا. وفى أول جمعة من جمادى الأولى من هذه السنة ثار جماعة من أهالى الحسينية بسبب ما حصل فى أمسه من حسين بيك المعروف بشفت-بمعنى يهودى-فإنه تسلط على هجم البيوت، وركب بجنده إلى الحسينية وهجم على دار أحمد سالم الجزار المتولى رياسة دراويش الشيخ البيومى ونهبه حتى مصاغ النساء والفرش، فحضر أهل الحسينية إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول، والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق، وذهبوا إلى الشيخ الدردير فساعدهم بالكلام وقال لهم: أنا معكم. فخرجوا من نواحى الجامع وأقفلوا أبوابه وصعد منهم طائفة على المنارات يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق فى حالة منكرة وأغلقوا الحوانيت، وقال لهم الشيخ الدردير: فى غد نجمع أهالى الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معهم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم، فلما كان بعد المغرب حضر سليم أغا مستحفظان ومحمد كتخدا الجلفى كتخدا إبراهيم بيك وجلسوا فى الغورية، ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال وقالوا: اكتبوا لنا قائمة بالمنهوبات ونأتى بها من محل ما تكون،

стр. 986

وقرؤوا الفاتحة على ذلك وانصرفوا، وركب الشيخ إلى إبراهيم بيك وأرسل إلى حسين بيك وأحضره وكلمه فى ذلك فقال: كلنا نهابون، أنت تنهب ومراد بيك ينهب وأنا أنهب، ثم انفض المجلس وبردت القضية. وفى عقبها بأيام قليلة حضر من ناحية قبلى سفينة بها تمر وسمن وخلافه، فأرسل سليمان بك الأغا فأخذ جميع ما فيها وادعى أن له مالا منكسرا عند أولاد وافى، ولم يكن ذلك لأولاد وافى وإنما هو لجماعة من مجاورى الصعائدة وغيرهم، فتعصب مجاور والصعائدة وأبطلوا دروس المدرسين وركب الشيخ الدردير والشيخ العروسى والشيخ المصيلحى وآخرون إلى إبراهيم بيك وتكلموا معه بحضرة سليمان بك كلاما كثيرا مفحما، فرد سليمان بيك بعض ما أخذه وذهب البعض. وفى يوم الأحد ثالث عشر شعبان من هذه السنة حضرت صدقات من مولاى محمد صاحب المغرب ففرقت على فقراء الأزهر وخدمة الأضرحة/والمشايخ المفتين والشيخ البكرى والشيخ السادات والعمريين على يد الباشا بموجب قائمة ومكاتبة. وفى شهر رجب سنة اثنتين ومائتين وألف، حضر إلى مينا بولاق أغا أسود وعلى يده مقرر لعبدى باشا، وخلعة لشريف مكة، وصحبته ألف قرش رومى أرسلها حضرة السلطان تفرق على طلبة العلم بالأزهر ويقرؤون له صحيح البخارى ويدعون له بالنصر، ثم كتبوا أسماء المجاورين والطلبة وأخبروا الباشا أن الألف قرش لا تكفى طائفة من المجاورين فزادها ثلاثة آلاف من عنده، فوزعوها بحسب الحال أعلى وأوسط وأدنى، فخص الأعلى عشرون قرشا والأوسط عشرة والأدنى أربعة، وكذلك طوائف الأروقة بحسب الكثرة والقلة، ثم قرؤوا البخارى، وصادف ذلك زيادة أمر الطاعون والكروب المختلفة. وفى ذى القعدة من هذه السنة ثار جماعة الشوام وبعض المغاربة بالأزهر على الشيخ العروسى بسبب الجراية، وقفلوا فى وجهه باب الجامع بعد كلام وصياح، ومنعوه من الخروج فرجع إلى رواق المغاربة وجلس به إلى الغروب، ثم تخلص منهم وركب إلى بيته، وخرجوا فى الصبح إلى السوق وأمروا الناس بغلق الدكاكين، وذهب الشيخ إلى إسماعيل بيك وتكلم معه فقال له: أنت الذى تأمرهم بذلك وتريد تحريك الفتنة علينا، ومنكم أناس يذهبون إلى أخصامنا. فتبرأ من ذلك، وذهب أيضا إلى الباشا وصحبته بعض المتعممين فقال له الباشا مثل ذلك، وطلب الذين يثيرون الفتن من المجاورين ليؤدبهم وينفيهم فمانعه فى ذلك، ثم ذهبوا إلى على بيك الدفتردار وهو الناظر على الجامع الأزهر فتلافى القضية وصالح إسماعيل بيك، وأجروا لهم الأخباز بعد مشقة، وامتنع الشيخ من دخول الجامع أياما وقرأ درسه بالصالحية.

стр. 987

وبعد موت الشيخ العروسى سنة ثمان ومائتين وألف انتقلت مشيخة الأزهر للشيخ عبد الله بن حجازى الشرقاوى، ولد فى حدود الخمسين بعد المائة وتوفى سنة سبع وعشرين بعد المائتين (وقد بسطنا ترجمته وما وقع له مع الحكام والفرنسيس فى الكلام على بلدته الطويلة) وقد وقع فى مدته حوادث كثيرة، فمن ذلك ما اتفق له فى أيام الأمراء المصريين أن طائفة المجاورين بالأزهر من الشرقاويين كانوا قاطنين بالطيبرسية وعمل لهم خزائن برواق معمر، فوقع بينهم وبين سكانه مشاجرة وضربوا نقيب الرواق، فكان ذلك سببا لبناء رواق الشرقاويين كما ذكرنا فى الكلام على الأروقة. وفى سنة تسع ومائتين بعد الألف حضر إليه أهل قرية بشرقية بلبيس له فيها حصة وذكروا له أن أتباع محمد بيك الألفى ظلموهم وطلبوا منهم مالا لا قدرة لهم عليه، فاغتاظ من ذلك وحضر إلى الأزهر وجمع المشايخ وقفلوا أبواب الجامع، وذلك بعد أن خاطب مراد بيك وإبراهيم بيك فلم يبديا شيئا، وأمر المشايخ الناس بغلق الأسواق والحوانيت ثم ركبوا ثانى يوم إلى بيت السادات وتبعهم كثير من العامة، وازدحموا أمام الباب والبركة بحيث يراهم إبراهيم بيك، فأرسل إليهم أيوب بيك الدفتردار فوقف بين أيديهم وسألهم عن مرادهم فقالوا: نريد العدل وإبطال الحوادث والمكوسات التى ابتدعتموها. فقال: لا يمكن الإجابة إلى هذا كله، فإنا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش. فقالوا له: ليس هذا بعذر عند الله، وما الباعث على الإكتار من النفقات والمماليك؟ والأمير يكون أميرا بالإعطاء لا بالأخذ. فقال: حتى أبلغ. وانصرف وانفض المجلس وركب المشايخ إلى الجامع الأزهر واجتمع أهل الأطراف وباتوا به، فبعث مراد بيك يقول: أجيبكم إلى جميع ما ذكرتموه إلا شيئين، ديوان بولاق وطلبكم المتأخر من الجامكية، ثم طلب أربعة مشايخ عينهم بأسمائهم فذهبوا إليه بالجيزة فلاطفهم والتمس منهم السعى فى الصلح، وفى اليوم الثالث اجتمع الأمراء والمشايخ فى بيت إبراهيم بيك وفيهم الشيخ الشرقاوى، وانعقد الصلح على رفع المظالم ما عدا ديوان بولاق وأن يكفوا أتباعهم عن مد أيديهم إلى أموال الناس ويسيروا فى الناس سيرة حسنة. وكتب القاضى حجة بذلك وفر من عليها الباشا والأمراء، وانجلت الفتنة وفرح الناس وسكن الحال نحو شهر، ثم عاد إلى أصله وزيادة. دخول الفرنساوية: ومن حوادث الأزهر أيضا ما وقع له فى وقعة دخول الفرنساوية مصر، أنهم لما ظهرت غلبتهم على مصر وملكوا القلعة وغيرها، أرسل كبيرهم إلى مشايخ الأزهر مراسلة فلم يجيبوه عنها ومل من المطاولة، فعند ذلك ضربوا بالمدافع والبنبات والبنادق على البيوت

стр. 988

والحارات، وتعمدوا بالخصوص الجامع الأزهر، وحرروا عليه المدافع والقنابر وعلى ما جاوره من الأماكن كسوق الغورية والفحامين، فضج أهل تلك الجهة ونادوا يا سلام يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف، وتتابع الرمى من القلعة وتلال البرقية حتى تزعزعت الأركان وهدمت فى مرورها حيطان الدور،/فركب المشايخ إلى كبير الفرنسيس ليرفع عنهم هذا النازل ويكف عسكره عن الرمى كما اتكف المسلمون، والحرب خدعة وسجال، فعاتبهم فى التقصير فاعتذروا إليه فقبل عذرهم وأمر برفع الرمى عنهم، وقاموا من عنده ينادون بالأمان فى المسالك والطرقات واطمأنت القلوب وأقبل الليل. وأما أهل الحسينية والعطوف فلم يزالوا يرمون حتى فرغ منهم البارود فأثخنهم الفرنج بالرمى المتتابع، وبعد هجعة من الليل دخل الفرنج المدينة ومروا فى الأزقة والشوارع وهدموا ما وجدوا من المتاريس، وانتشروا فى الطرقات وتراسلوا رجالا وركبانا، ثم دخلوا الجامع الأزهر راكبين على خيولهم وتفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة ونهبوا أمتعتهم، ودشتوا الكتب والمصاحف وطرحوها على الأرض وداسوها بأرجلهم ونعالهم، وبالوا وتغوطوا فيه، وجردوا كل من وجدوه به وأخرجوهم، وأصبحوا مصطفين بباب الجامع وكل من حضر للصلاة يراهم فيكر راجعا، ونهبوا بعض الدور التى بالقرب من الجامع، وخرج سكان تلك الجهة يهرعون للنجاة بأنفسهم، وانتهكت حرمة تلك البقعة بعد أن كانت أشرف البقاع، ويرغب الناس فى سكناها زيادة عن غيرها ويدعون عند أهلها الودائع، وكان الفرنساوية لا يمرون بها إلا فى النادر ويحترمونها ظاهرا وباطنا، فانقلب موضوعها وبقى الأمر كذلك يومين قتل فيهما خلائق لا تحصى، ونهبت أموال لا تستقصى، فركب المشايخ بأجمعهم وذهبوا إلى بيت سر عسكر الفرنساوية وطلبوا منه العفو والأمان، فوعدهم مع التسويف، وطلب منهم بيان من تسبب فى إثارة الفتنة من المتعممين، فغالطوه فقال لهم على لسان الترجمان، نحن نعرفهم بالواحد، فترجوا عنده فى إخراج العسكر من الجامع الأزهر فأجابهم لذلك وأمر بخروجهم، وأسكن منهم نحو السبعين فى الخطة كالضابطين، ثم فحصوا عن المتهمين فطلبوا الشيخ سليمان الجوسقى شيخ طائفة العميان والشيخ أحمد الشرقاوى والشيخ عبد الوهاب الشبراوى والشيخ يوسف المصيلحى والشيخ إسماعيل البراوى وحبسوهم ببيت البكرى، ثم ركب الشيخ السادات والمشايخ إلى بيت سر عسكر وتشفعوا فى المسجونين فقيل لهم: لا تستعجلوا. وبعد أيام حضر جماعة من عسكر الفرنسيس إلى بيت البكرى نصف الليل وطلبوا المشايخ المحبوسين عند سر عسكر

стр. 989

ليتحدث معهم، فذهبوا بهم إلى بيت قائم مقام بدرب الجماميز، وهناك عروهم من ثيابهم وطلعوا بهم إلى القلعة فسجنوهم إلى الصباح فأخرجوهم وقتلوهم بالبنادق وألقوهم خلف القلعة، وتغيب حالهم أياما، وفى ذلك ركب بعض المشايخ إلى مصطفى بيك كتخدا الباشا ليذهب معه إلى سر عسكر للشفاعة فى المسجونين، ظنا منه أنهم فى قيد الحياة فركب معه وكلموه فقال لهم الترجمان: اصبروا. وذهب فى أشغاله فانصرفوا، ثم حضر عدة من الفرنسيس ووقفوا بحارة الأزهر فأغلق الناس الدكاكين وتسابقوا للهروب، فذهب بعض المشايخ وأخبر سر عسكر فمنع العساكر وفتح الناس الدكاكين وسكن الحال. ومن ذلك أنه لما توجه بونابرت إلى الشام بعد استيلائه على مصر استولى على مدينة العريش وغزة وخان يونس، ورد الخبر إلى مصر فعمل الفرنساوية شنكا وضربوا عدة مدافع من القلعة والأزبكية، وحضر عدة منهم راكبين الخيول، وبعضهم مشاة، وعلى بعضهم عمائم بيض، وعلى جماعة برانيط ومعهم نفير ينفخون فيه وبيدهم بيارق كانت عند المسلمين بقلعة العريش، إلى أن وصلوا إلى الجامع الأزهر واصطفوا ببابه رجالا وركبانا، وطلبوا الشيخ الشرقاوى وأمروه برفع تلك البيارق على منارات الجامع الأزهر، فنصبوا بيرقين ملونين على المنارة الكسيرة ذات الهلالين عند كل هلال بيرقا وعلى منارة أخرى بيرقا، وضربوا عدة مدافع بهجة وسرورا وكان ذلك ليلة عيد الفطر، وعند الغروب ضربوا مدافع إعلاما بالعيد (إلى آخر ما هو مبسوط فى تاريخ الجبرتى وذكرنا بعضه فى عدة مواضع كناحية إنبابة والمطرية والطويلة والعريش). نادرة عجيبة: وفى المحرم افتتاح سنة خمس عشرة ومائتين وألف وقعت نادرة عجيبة، وهى أن سر عسكر الفرنساوية [كليبر] (١) كان واقفا فى بستان داره بالأزبكية وصحبته أحد خواصه، فدخل شخص يوهم أن له حاجة وضربه بخنجر فشق بطنه وفر هاربا، ففتشوا عليه حتى أخرجوه من بئر فوجدوه شاميا، فسألوه فخلط فى كلامه فعاقبوه وحرقوا يديه بالنار فقال لهم: لا تظلموا أهل مصر، فأنا من جملة جماعة بعنا أنفسنا للموت، واتفقنا على قتل رؤسائكم. فقيل له: أين كنت تأوى؟ فقال: عند فلان وفلان برواق الشوام بالجامع الأزهر، ولا يدرون حالى. فأحضروا الشيخ/الشرقاوى والعريشى وألزموهما بإحضار الذين كان يأوى إليهم وهم أربعة، ثم ركبوا إلى الأزهر وصحبتهم أغات الإنكشارية وقبضوا على ثلاثة ولم يجدوا

стр. 990

الرابع، ثم صبروا (١) المقتول وألبسوه برنيطة ثم وضعوا معه الخنجر الذى قتل به وحملوه على عربة إلى تل العقارب حيث القلعة التى بنوها هناك وضربوا له المدافع، وأحضروا القاتل وخوزقوه، وضربوا رقاب الثلاثة الشوام المظلومين وحرقوا جثثهم ورفعوا رؤوسهم على خوازيق بجانب المخوزق، ثم وضعوا قتيلهم فى تخشيبة ووضعوا عندها عسكرا يتناوبون ليلا ونهارا، ثم ولوا عوضه سر عسكر يسمى منو كان بثغر رشيد وأظهر أنه أسلم وتسمى بعبد الله، وحضر مع قائمقام والأغا إلى الأزهر وشقوا فيه وفى أروقته وأرادوا نبش أماكن للتفتيش على السلاح، وأخذ المجاورون فى نقل أمتعتهم وإخلاء الأروقة ونقلوا كتب الوقف، ثم إنهم كتبوا أسماء المجاورين فى قائمة وأمروهم أن لا يأووا آفاقيا مطلقا وأخرجوا منه الآتراك بالكلية، وفى عصريتها توجه الشيخ الشرقاوى والمهدى والصاوى إلى سر عسكر منو واستأذنوه فى قفل الجامع وتسميره، فتكلم بعض القبط وقال: هذا لا يصح. فحنق عليه الشيخ الشرقاوى وقال: اتركونا يا قبط واكفونا شر دسائسكم. وقصد الشيخ منع الريبة فإنه ربما دسوا من يبيت به واحتجوا بذلك على إنجاز أغراضهم من الفقهاء، ولا يمكن الاحتراس من ذلك لكثرة دخانيق الجامع واتساع زواياه فأذنوا لهم بذلك، فقفلوه وسمروا أبوابه، وكذا سمروا مدرسة محمد بيك المقابلة له وأخرجوا منها الأتراك، واستمرت الشدة والانزعاج إلى أن أخذ الفرنساوية فى الانجلاء من الديار المصرية. وفى غاية المحرم من سنة ست عشرة فتحوا الجامع الأزهر وشرعوا فى كنسه وتنظيفه وكذلك المدرسة، وفرح الناس فرحا شديدا وهنأ بعضهم بعضا، وحضر الوزير حسن باشا إلى المدينة فصلى الجمعة بالمشهد الحسينى وزار المشهد، ودعاه الشيخ السادات إلى داره المجاورة للمشهد الحسينى وسقاه قهوة وسكرا وطيبه بماء الورد والبخور، ثم خرجا إلى الجامع الأزهر فطاف بمقصوراته وأروقته وجلس ساعة وأنعم على الكناسين بدراهم وعلى خدمة المشهد الحسينى بمائتى قرش رومى. وفى شهر شعبان من سنة ثمانى عشرة وقف جماعة من العسكر فى خفاء الجامع الأزهر عند طلوع الشمس وعروا عدة أناس وأخذوا ثيابهم وعمائمهم. فانزعج الناس ووقعت فيهم كرشة وأغلقوا الدكاكين وذهبوا إلى الشيخ الشرقاوى والسيد عمر النقيب والشيخ

стр. 991

الأمير فركبوا إلى الأمراء وعملوا جمعية وأحضروا كبار العساكر وتكلموا معهم، ثم ركب الوالى بعدة من عسكر الأرنؤود ونادى المنادى بالأمان. وفى شهر صفر من سنة تسع عشرة وزعت على أرباب الحرف والصنائع خمسمائة كيس، فضجوا مع ما هم فيه من وقف الحال، وأصبحوا لم بفتحوا الدكاكين وحضر منهم طائفة إلى الجامع الأزهر، ومر الأغا والوالى ينادون بالأمان وفتح الدكاكين. وفى ثانى يوم تجمع الكثير من غوغاء العامة والأطفال ومعهم طبول وصعدوا إلى منارات الجامع الأزهر يصرخون ويطبلون، وتحلقوا بمقصورة الجامع يدعون وينضرعون، ووصل الخبر إلى الباشا فأرسل إلى السيد عمر النقيب يقول: إنا رفعنا عن الفقراء. فقال السيد عمر: إن هؤلاء الناس وأرباب الحرف كلهم فقراء وكفاهم ما هم فيه من القحط ووقف الحال، فكيف تطلب منهم مغارم لجوامك العسكر؟ فرجع الرسول بذلك ثم عاد بفرمان يتضمن رفع الغرامة عن المذكورين، ونادى المنادى بذلك فاطمأن الناس وتفرقوا إلى بيوتهم، وخرج الأطفال يرمحون ويفرحون. وفى شهر صفر من سنة عشرين كانت البلد مشحونة بأخلاط العسكر ومنهم الدالاتية جهة مصر القديمة وقصر العينى والآثار ودير الطين يأكلون الزرع ويخطفون ما يصادفون من الفلاحين والمارين، ويأخذون النساء والأولاد للإفساد، فحضر سكان مصر القديمة نساء ورجالا إلى الجامع الأزهر يشكون ويستغيثون، ويخبرون أن الدالاتية أخرجوهم من ديارهم ولم يمكنوهم من أخذ أمتعتهم ولا نسائهم، فخاطب المشايخ الباشا فى أموهم فكتب للدالاتية بترك الدور لأهلها فلم يمتثلوا، فاجتمع المشايخ بالأزهر وتركوا قراءة الدروس وخرجت الأولاد الصغار يصرخون فى الأسواق فأرسل الباشا كتخداه إلى الأزهر فلم يجد به أحدا، وكان المشايخ انتقلوا إلى بيوتهم، فذهب إلى بيت الشرقاوى وحضر هناك السيد عمر أفندى وخلافه فكلموه وأوفهموه، ثم قام وانصرف فرجمه الأولاد بالحجارة وبقى الأمر على السكون أياما. وفى المحرم من سنة خمس وعشرين ظهر بالأزهر أنفار بقفون بالليل بصحنه، فإذا قام إنسان منفردا أخذوا ما معه، وأشيع ذلك فاجتهد الشيخ المهدى فى الفحص عنهم إلى أن عرفوا أشخاصهم وأنسابهم، وفيهم من هو من أولاد المظاهر المتعممين، فستروا أمرهم وأظهروا من ليس له شهرة ونسبوا إليه هذه الفعال وأخرجوه منفيا، وكذلك أخرجوا طائفة من القوادين والنساء الفواحش كانوا سكنوا بحارة الأزهر واحتموا

стр. 992

فى أهله، وجعل أكابر الدولة وعساكرهم وأهل البلد والسوقة سهرهم وديدنهم ذكر الأزهر وأهله، ونسبوا له كل رذيلة، ويقولون نرى كل موبقة تظهر منه بعد أن كان منبع الشريعة والعلم، وقد ظهر منه قبل الآن الزغلية والآن الحرامية وأمور غير ذلك مخفية. ثم فى شهر ربيع الثانى من سنة سبع وعشرين وقعت حادثة بخط الأزهر، وهى أنه حصل به عدة سرقات حتى ضج الناس، إلى أن اتهمت امرأة رومية أشخاصا من عميان الأزهر فقبضوا عليهم وقرروهم فقالوا: لسنا بسارقين وإنما سمعنا صوت محمد بن أبى القاسم الدرقاوى المغربى المنفصل عن مشيخة رواق المغاربة ومعه آخرون، سمعناهم يتكلمون فى ذلك، فذهب بعض الأغاوات إلى أبى القاسم وكلموه سرّا سترا على أهل الخرقة المنتسبين للأزهر فأوعدهم أنه يتكلم مع أولاده، ثم أرسل إلى من يتعاطى الحسبة بخط الأزهر وحلفهم أن يستروا عليه وعلى أولاده فى هذه القضية، ثم أخرج لهم أمتعة من خزانة عنده، ثم فى الليل جاءهم ابنه بالصندوق يحمله رجل صرماتى وادعى على الصرماتى أنه هو السارق فأخذوه وعاقبوه، فسمى أولاد أبى القاسم وآخر يسمى سلاطة وابن عبد الرحيم، ثم أحضروهم إلى الكتخدا فلم يزل الصرماتى يذكر ما كانوا عليه فى سرحاتهم القديمة والجديدة ويقول: فعلنا كذا فى ليلة كذا واقتسمنا كذا فى محل كذا ويقيم الأدلة ويقول لأبى القاسم: أنت كبيرنا ورئيسنا ولا نسرح الا بمشورتك فأقر أولاد أبى القاسم، وكثر اللغط فى أهل الأزهر واجتمع كثير ممن سرقت لهم الأمتعة وظهر كثير من ذلك، ثم رفعوهم إلى المحكمة فثبتت عليهم السرقات، وكتب القاضى إعلاما بصورة الواقعة فأمر الكتخدا بقطع أيدى الثلاثة: محمد بن أبى القاسم ورفيقه الصرماتى والضباع فقطعت ثم نفاهم إلى الإسكندرية، ثم رجع محمد بن أبى القاسم بالشفاعة ومات من أثر القطع. وفى هذه السنة مات الشيخ عبد الله الشرقاوى فطلع المشايخ إلى القلعة بعد ثلاثة أيام من موته وذكروا للباشا موته واستأذنوه فيمن يجعلونه شيخا على الأزهر فقال لهم: أعملوا رأيكم واختاروا شيخا يكون خاليا عن الأغراض وأنا أقلده ذلك. فنزلوا إلى بيوتهم واختلفت آراؤهم، فالبعض اختار الشيخ المهدى، والبعض اختار الشيخ محمد الشنوانى، وامتنع الشيخ الأمير من المشيخة وكذلك ابن العروسى، وكان الشنوانى منعزلا عنهم يقرأ درسه بجامع الفاكهانى وبيده وظائف خدمته، فعند فراغه من الدرس يغير ثيابه ويكنسه ويغسل القناديل ويعمرها ويكنس المراحيض، فلما بلغه أنهم ذكروه تغيب. ثم إن الباشا أمر القاضى بهجت أفندى أن يجمع المشايخ ويتفقوا على شخص يكون شيخا بالشرط المذكور، فجمع القاضى أكابر العلماء كالقويسنى والفضالى إلا ابن العروسى

стр. 993

والهيثمى والشنوانى، فأرسلوا إليهم فحضروا ولم يحضر الشنوانى، فأرسلوا له رسولا فرجع بورقة ويقول إن له ثلاثة أيام غائبا عن داره، وقال لأهله إن طلبونى فاعطيهم هذه الورقة. فأخذ القاضى الورقة ففضها وقرأها فإذا فيها بعد البسملة والصلاة على النبى ﷺ : لحضرة مشايخ الإسلام إننا نزلنا عن المشيخة للشيخ بدوى الهيثمى. فعند ذلك قام الحاضرون يومة واحدة وأكثرهم من الشوام وقالوا هو لم يثبت له مشيخة حتى ينزل عنها، وقال كبارهم: لا يكون شيخا إلا من يفيد الطلبة. فقال القاضى: ومن الذى ترضون؟ فقالوا: نرضى الشيخ المهدى. وقام الكل وصافحوه وقرؤوا الفاتحة وكتب القاضى إعلاما بذلك، وركب المهدى إلى بيته فى كبكبة وحوله المشايخ والمجاورون وشربوا الشربات وأقبل الناس للتهنئة وانتظروا ورود جواب الإعلام من الباشا فلم يأت. مشيخة الشيخ الشنوانى على الأزهر: [هذا] والمدبرون يدبرون شغلهم، وأحضروا الشيخ الشنوانى من مصر القديمة وتمموا شغلهم، وأحضروا الشيخ منصور اليافى ليعيدوه إلى مشيخة الشوام، وجمعوا بقية المشايخ آخر الليل وركبوا فى الصباح إلى القلعة فخلع الباشا على الشيخ محمد الشنوانى فروة سمور وقرره شيخا، وكذا على السيد منصور اليافى وقرره على رواق الشوام كما كان، ثم نزلوا وصحبتهم أغات الينكشارية بهيئة الموكب، وعلى رأسه المحورة الكبيرة وأمامه الملازمون بالبراقع والريش على رؤوسهم، حتى نزلوا بدار ابن البجى بحارة خشقدم لأن دار الشنوانى صغيرة ضيقة لا تسع ذلك الجمع، وقام له المحروقى بجميع الاحتياجات وأرسل من الليل الطباخين والفراشين والأغنام والأرز والحطب والسمن والسكر والقهوة وأوقف عبيده لخدمة القادمين للتهنئة ومناولة القهوة والشربات/والبخور وماء الورد، وأتى الناس إليه أفواجا، ووصل الخبر إلى المهدى ومن معه وحصل لهم الكسوف وبطلت مشيخته. ولما كان يوم الجمعة حضر الشيخ الشنوانى إلى الأزهر وصلى الجمعة، وحضر المشايخ وعملوا الختم للشرقاوى، وحصل ازدحام عظيم وخصوصا للتفرج على الشيخ الجديد وكأنه لم يكن طول دهره بينهم (وقد ترجمناه فى الكلام على بلدته شنوان). وبعد موته فى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف تقلد المشيخة بعده العلامة السيد محمد ابن الشيخ أحمد العروسى من غير منازع وبإجماع أهل الوقت، ولبس الخلع من بيوت الأعيان مثل البكرى والسادات ومن يحب التظاهر. وبعد موته فى سنة خمس وأربعين انتقلت المشيخة للشيخ أحمد بن على بن أحمد الدمهوجى الشافعى نسبة إلى دمهوج قرية بقرب بنها العسل، وكانت داره برقعة القمح وراء رواق

стр. 994

الصعايدة، وكان جميل الهيئة حسن الصورة عمر سبعين سنة وتوفى ليلة الأضحى سنة ست وأربعين فكانت مدة شياختة نحو ستة أشهر، وكان نقش خاتمه الشكر لله بحمد عبده الدمهوجى أحمد. تولية الشيخ حسن العطار على الأزهر وترجمته: وبعد موته انتقلت لوحيد زمانه العلامة الشيخ حسن بن محمد العطار، فأقام شيخا بيده الحل والعقد حتى مات آخر سنة خمسين ومائتين وألف، وقد بحثت عن ترجمته حتى أتى لى ابنه لصلبه الشيخ أسعد جمعها له بعض فضلاء الوقت مما سمع منه أو نقل عنه أو وجد مكتوبا مشتتافى مؤلفاته، وملخص ذلك أنه ﵀ ولد بالقاهرة سنة نيف وثمانين ومائة وألف ونشأ بها فى حياطة أبيه الشيخ محمد كتن، وسمع من أهله أنه مغربى الأصل ورد بعض اسلافه مصر واستوطنها، وكان أبوه فقيرا عطارا له إلمام بالعلم كما يدل عليه قوله فى بعض كتبه: ذاكرت بهذا الوالد ﵀: وكان يستصحبه إلى الدكان ويستخدمه فى صغار شؤونه ويعلمه البيع والشراء، ولشدة ذكائة وحدة فطنته كان يميل إلى التعلم وتأخذه الغيرة عند رؤيته أترابه يترددون إلى المكاتب، فكان يختلف إلى الجامع الأزهر خفية عن أبيه حتى قرأ القرآن فى مدة يسيرة، فلما اطلع أبوه على ذلك اشتد سروره به وتركه وشأنه وساعده على طلب العلم، فجد الشيخ فى التحصيل على كبار المشايخ كالشيخ الأمير والشيخ الصبان وغيرهما حتى بلغ من العلوم فى زمن قليل مبلغا تميز به واستحق التصدى للتدريس، لكنه مال إلى الاستكمال واشتغل بغرائب الفنون والتقاط فوائدها، فلما كان هيجان الفتن بدخول الفرنساوية مصر داخله الخوف ففر إلى الصعيد كجماعة من العلماء، ثم عاد بعد أن حصل الأمن، واتصل بناس من الفرنساوية فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة فى بلادهم ويفيدهم اللغة العربية ويقول: إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها، ويتعجب مما وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطرق الاستفادة، ثم ارتحل فى تلك المدة إلى الشام وأقام بدمشق زمنا، وكان يقول الشعر أحيانا دون اهتمام به كما هو عادة كثير من العلماء، قال: وقلت وأنا بدمشق هذه القصيدة وسببها أن صاحبنا العلامة الشيخ محمد المسيرى كان قدم من بيروت لدمشق فأقام بالمدرسة البدرية حيث أنا مقيم ومكث نحو شهرين فوقع لى به أنس عظيم، ثم عاد إلى بيروت وأرسل مكتوبا لبعض التجار فيه قصيدة تتضمن مدح دمشق وعلمائها وتجارها الذين صاحبوه مدة إقامته، فكان جزاء تلك القصيدة أنها لم تقع منهم موقع القبول وصاروا يهزؤون بكلماتها وقوافيها، فانتدبت

стр. 995

لنظم هذه القصيدة على بحرها ورويها انتصارا للشيخ المسيرى، وقد ذكرت بعض منتزهات دمشق فى أول قصيدتى وأتيت فيها بفنون من الغزل والهجاء وغيرهما فقلت: بوادى دمشق الشام جزبى أخا البسط … وعرج على باب السلام ولا تخطى ولا تبك ما يبكى امرؤ القيس حوملا … ولا منزلا أودى بمنعرج السقط فإن على باب السلام من البها … ملابس حسن قد حفظن من العط هنالك تلقى ما يروقك منظرا … ويسلى عن الأخدان والصحب والرهط عرائس أشجار إذا الريح هزها … تميل سكارى وهى تخطر فى مرط كساها الحيا أثواب خضر تدثرت … بنور شعاع الشمس والزهر كالقرط ومنها: وقف بى بجسر الصالحية وقفة … لأقضى لبانات الهوى فيه بالبسط وعرج على باب البريد تجدبه … مراصد للعشاق فى ذلك الخط /وحاذر سويقات العمارة إنها … مهالك للأموال تأخذ لا تعطى إلى أن قال: فلو أن قارونا تبايع بينهم … لعاد فقيرا للخلائق يستعطى ولست لما أنفقت فيها بآسف … ولا بالرضا منى أمازج بالسخط إلى أن قال: وعندى من التأليف شئ وضعته … على شرح قانون الحفيد أخى السبط ثلاث مقالات كبار وضعتها … لتعريف حال الكىّ والفصد والط وجزء على شرح المبرد كامل … أبين فيه غامض النبض بالقط وألفت فى علم الجراحة نبذة … لتعريف أكل الفول بالقطع والخط إلى خرها، ومن شعره: إنى لأكره فى الزمان ثلاثة … ما إن لها فى عدّها من زائد قرب البخيل وجاهلا متفاضلا … لا يستحى وتودّدا من حاسد ومن الرزية والبلية أن ترى … هذى الثلاثة جمعت فى واحد ومن خطه فى بعض مجموعاته: اتفق لى أن بعد قضاء حجى توجهت مع الركب الشامى فوصلت إلى معان ثم لبلدة الخليل فأقمت بها نحو عشرة أيام، ثم توجهت إلى القدس الشريف

стр. 996

فنزلت بدار نقيبها السيد عمر أفندى، وليس ثمة دار آهلة للواردين سواها، وكان المذكور معزولا عن نقابة الأشراف وكان له عادة ورثها من سلفه الأقدمين عمل الموسم الموسوى، يتوجه لضريح السيد موسى الكليم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، فيبذل الهمة مالا وبدنا فى إقامة شعائر الموسم وإطعام الطعام إلى انقضاء الموسم، فاتفق أن جاءه المنصب قبل الموسم بيومين، وعزل المتولى الذى كان لا يستحق هذه الوظيفة الشريفة، وكنت إذ ذاك بمنزله فإنى تربصت حتى أحظى بزيارة السيد الكليم تتميما لهذه السياحة المباركة فنظمت قصيدة تهنئة له بعودة المنصب فقلت: الحمد لله على فضله … قد رجع الحق إلى أهله وآض روض الفضل ذا بهجة … من بعد أن أشفق من محله قد يطلب الحسناء من لم يكن … كفؤا لها للحمق فى عقله فمنصب المرء قرين له … والشكل مجذوب إلى شكله وإن سما شخص إلى رتبة … ليس لها فاضحك على جهله فهذه غلطة دهر ففى … رقدته فى ظلها خله فثم لا يظفر إلا بما … يسفر بالخيبة عن عزله قد يتساوى اثنان فى منصب … وإنما التفريق فى سبله ومفخر المرء بأفعاله … لا بالذى قد مات من أهله وقد يسود الشخص آباءه … ويشرف الفرع على أصله وقد نرى فرعين من دوحة … تخالفا فى الحكم مع شكله فالخلّ والخمر عصير وقد … باين هذا ذاك فى فعله إلى آخرها. ثم إنه ارتحل إلى بلاد الروم وأقام هناك مدة طويلة، وسكن بلد اشكودره من بلاد الأرنؤود وتأهل بها وأعقب لكن لم يبق عقبه ثمة، ولم يزل مشتغلا بالإفادة والاستفادة حتى عاد إلى مصر بعلوم كثيرة وأقر له علماء عصره بالانفراد، وعقد مجلسا لقراءة تفسير البيضاوى وقد مضت مدة على هذا التفسير لا يقرؤه أحد فحضره أكابر المشايخ، فكانوا إذا جلس للدرس تركوا حلقهم وقاموا إلى درسه. قال المترجم فيما نقل عنه: قدم علينا بمصر عام سبعة وثلاثين بعد المائتين والألف كبير جبال الدروز لقيام أهل الجبال عليه ملتجئا بوزيرها محمد على باشا، وقدم بصحبته بطرس النصرانى فاجتمع بالفقير مرارا ورأيت منه أدباجما ومحاضرة

стр. 997

ومعرفة بالتواريخ والأيام والأنساب والنحو وغير ذلك، وكان يكتب الخط الحسن وامتدحتى بقصيدة منها: /أمّا الذكاء فإنه … أذكى وأبرع من إياسه أضحى البديع رفيقه … لما تفرد فى جناسه فى أى فن شئته … فكأنه بانى أساسه ونقل عن المرحوم الفاضل الشيخ محمد شهاب الشاعر أنه كان يقول: إن الشيخ العطار كان آية فى حدة النظر وشدة الذكاء، ولقد كان يزورنا ليلا فى بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذى تعسر قراءته فى وضح النهار فيقرأ فيه على نور السراج وهو فى موضعه، وربما استعار منى الكتاب فى مجلدين فلا يلبث عنده إلا الأسبوع أو الأسبوعين ويعيده إلى وقد استوفى قراءته وكتب فى طرره على كثير من مواضعه، وكان رحمه الله تعالى طويلا بعيد ما بين المنكبين واسع الصدر أشم أسمر اللون خفيف اللحية، وكان له اتصال خاص بسامى باشا وأخويه باقى بك وخير الله بك وله عليهم مشيخة، وبواسطتهم كان يجتمع على المرحوم محمد على باشا فيجله ويعظمه ويعرف فضله، وتولى مشيخة الأزهر وله تآليف عديدة، منها: حاشيته على جمع الجوامع نحو مجلدين، وحاشية على الأزهرية فى النحو، وحاشية على مقولات الشيخ السجاعى، وحاشية على السمرقندية، ورسالة فى كيفية العمل بالأسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط، ورسائل فى الرمل والزايرجة والطب والتشريح وغير ذلك، وكان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية رحمه الله تعالى. تولية الشيخ القويسنى مشيخة الأزهر: وبعد موته تقلدها البرهان الشيخ حسن القويسنى فى سنة خمسين ومائتين بعد الألف وتوفى فى سنه أربع وخمسين، وكان مع انكفاف بصره مهيبا جدا عند الأمراء وغيرهم وله الحل والعقد. (وقد ترجمناه فى الكلام على قويسنا). تولية الشيخ احمد عبد الجواد الصائم: وبعده تقلدها الشيخ أحمد عبد الجواد الصائم سنة أربع وخمسين ومات سنة ثلاث وستين (وترجمناه فى الكلام على بلدته سفط العرفاء). تولية الشيخ البيجورى على الأزهر، وبعده تقلدها شيخ الشيوخ الشيخ إبراهيم البيجورى فى شهر شعبان سنة ثلاث وستين، وسار فيها باحتشام وتوقير إلى أن توفى سنة سبع وسبعين ومائتين وألف (وترجمته مبسوطة فى الكلام على ناحية البيجور).

стр. 998

وكان المرحوم عباس باشا فى جلوسه على تخت مصر يزوره فى درسه بالأزهر فلا يقوم له، بل يحضر له كرسى من جريد يجلس عليه خارج الدرس هنيهة، ثم يخرج وينثر خارج الأزهر شيئا من القروش الفضة المصرية. وقبيل سنة سبعين قام جماعة من مجاورى المغاربة على الشيخ وهموا بضربه من أجل مرتب الجراية، وأراد القبض عليهم فتعصبوا فرفع الأمر للحكومة، فجاءت العساكر إلى رواق المغاربة وقبضوا على من وجدوه وسمروا الرواق وبقيت المحافظة عليه أياما ثم انحسمت المادة بنفى أربعة منهم مشهورين بالعداء. وفى زمن جلوس المرحوم سعيد باشا على التخت حصل التشديد فى طلب الشبان للعسكرية فاضطر بعض مشايخ القرى لدخول الأزهر للقبض على أشخاص محتمين بالأزهر بسيمة طلب العلم، وكلموا الشيخ فى ذلك وهو على كرسى درسه فنهرهم وصرح فى وجوههم، وأمر بضربهم فقام عليهم المجاورون بالنعال والأكف والعصى حتى أسكتوهم، ثم رفعوا ومات أحدهم من ذلك الضرب ولم يعرف له قاتل وذهب دمه هدرا. وكان للشيخ ملازمة كلية على الدرس بالأزهر وقيام تام بوظائف المشيخة إلى أن كبر سنه فأهمل، وحصل بالأزهر حوادث أو جبت إقامة أربعة وكلاء عنه للقيام بواجبات الوظيفة، فمن تلك الحوادث أن بعض الشوام والصعايدة تزاحموا فى الجلوس فى الدرس وتضاربوا فجاء جملة من الشوام بالنبابيت والعصى وساقوا الصعايدة سوقا عنيفا، وركبوا أقفيتهم من تحت الإيوان إلى رواق الصعايدة، فخضر طائفة من الصعايدة بنبابيتهم ووقعوا بالشوام ضربا، وهموا وراءهم بقوة شديدة حتى أدخلوهم رواق الشوام وحاصروهم به ولم يسع الشوام إلا قفل باب الرواق، بل تسور لهم بعض الصعايدة من فوق السطوح واستمروا كذلك حتى ذهب الشيخ محمد الرافعى إلى بعض الأعيان من تجار الشوام وأخبره وذهبوا جميعا إلى خبر الدين باشا ضابط مصر، فحالا أرسل جملة من عساكر الأرنؤود وخلافهم فدخلوا الأزهر بصورة شنيعة وتطاولوا على كل صعيدى بلا تحقيق، فأخذ الصعايدة فى الذب عن أنفسهم حتى أخرجوا العساكر من الأزهر، ولم يلبثوا أن جاءت عساكر جهادية وأتراك بكثرة من طرف الضابط لما بلغه من التهويل، فدخلوا الأزهر بأسلحتهم ونفيرهم وطبلهم لابسين الجزم فقبضوا من الصعايدة على نحو ثلاثين وسجنوهم بالضبطية، ثم أخذوا ثلاثة من مشايخهم وعوقوهم هناك قليلا وبعد أطلقوهم/وبقى المجاورون فى السجن، وكان إذ ذاك المرحوم سعيد باشا فى الأرض الحجازية يزور النبى ﷺ ، وكانت الأحكام فى غيبته لوكلائه أحمد باشا ومصطفى باشا وعبد الحليم باشا وإسماعيل باشا الخديو بعده، فسعى بعض المشايخ عندهم فى الإفراج عنهم فأفرج عنهم بعد نحو عشرين يوما.

стр. 999

انتخاب وكلاء للجامع الأزهر: وحصل الكلام فى طريقة يسير عليها الأزهر حيث إن شيخه أقعده الكبر، وانحط الرأى على توكيل أربعة من العلماء، وصدر الأمر للشيخ مصطفى العروسى بعقد جمعية من العلماء لانتخاب أربعة يكون هو رئيسهم، فانتخب الشيخ أحمد كبوه العدوى المالكى والشيخ إسماعيل الحلبى الحنفى والشيخ خليفة الفشى الشافعى والشيخ مصطفى الصاوى الشافعى شيخ رواق معمر، ولما قدم المرحوم سعيد باشا من الزيارة وبلغه الخبر أحضر خير الدين باشا وعنفه، ويقال إنه ضربه بالجزمة ثم طرده وبعد قليل مات غريقا. تولية الشيخ مصطفى العروسى: ثم بعد موت الشيخ بقى الأزهر بلا شيخ بل بوكالة الأربعة، إلى أن كانت سنة إحدى وثمانين فتقلد المشيخة الشيخ مصطفى العروسى كأبيه وجده (وترجمنا الجميع فى الكلام على منية عروس) وكان قد ترك القراءة بالأزهر فعاد إليها وخافته المشايخ والطلبه، وكان مشغوفا بإبطال بدع كثيرة فأبطل الشحاذة بالقرآن فى الطرقات، وأقام جماعة ممن يدرس بالأزهر بلا استحقاق، وعزم على عمل الامتحان ففاجأه العزل عن المنصب فى سنة سبع وثمانين ومائتين وألف. تولية الشيخ محمد المهدى العباسى الحفنى: وتقلدها بعده الشيخ محمد المهدى العباسى الحفنى الحنفى، وهذا أول انتقالها إلى علماء الحنفية، فسار فيها سيرا حسنا ودان له الخاص والعام من أهل الأزهر، وزاد الأمراء فى تعظيمه، وقلت على يديه الشرور والمفاسد فى الأزهر، وكثرت به المرتبات من النقود والكساوى والجرايات المتجددة والمحياة بعد موتها، فقد كان للأزهر مرتبات كثيرة اضمحلت وتنوسيت، فحرى الكثير منها على أهله حتى صار لأكثرهم اسم فى الروزنامجة وغيرها وأثرى كثير منهم، وخلعت عليهم الخلع ودعوا فى المجامع الشريفة خصوصا بالامتحان الذى تقرر لمن يريد التصدر للتدريس، وله تحرّ بليغ فى صرف الاستحقاقات والمشى على شروط الوافقين وقوانين الحكام، حتى إن المجاور إذا رأى من مشايخ بلده تعديا عليه بنظمه فى سلك الفلاحين الذين يجرفون الجسور مثلا، وأراد الاحتماء بالأزهر بأخذ شهادة من المشايخ أنه مجاور بالأزهر، فلا يمكنه الشيخ من ذلك إلا إذا امتحنه بنفسه فى الكتب التى يدعى أنه حضرها أوفى حفظ القرآن، وكان للشيخ درس بالأزهر. ثم لازم القراءة فى بيته (وله ترجمة ذكرناها عند الكلام على ناحية يهيا الجيزية). ثم كانت العادة أن للسادة المالكية شيخا يتكلم عليهم وتكون درجته قريبة من درجة شيخ

стр. 1000

العموم، وكذا كان للسادة الحنفية، وأما السادة الشافعية فكان شيخهم هو شيخ العموم، فلما انتقلت المشيخة للسادة الحنفية صار شيخهم شيخ العموم، وكان حق الشافعية أن يقيموا لهم شيخا لكن طمعهم فى رجوع المشيخة لهم حملهم على إهمال ذلك. ولم تزل مشيخة المالكية باقية لصرفهم النظر عن عود المشيخة إليهم، قممن تولى مشيخة السادة المالكية الشيخ على الصعيدى المنسفيسى العدوى المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة وألف. ثم الشيخ أحمد الدردير العدوى الشهير بالولاية وتوفى سنة إحدى ومائتين وألف، وكان مع ذلك شيخ رواق الصعايدة وناظر وقفهم ومفتيا. وكلاهما مترجم فى الكلام على بنى عدى. ثم بعده الشيخ محمد الأمير الكبير المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف. ثم تولاها ابنه الشيخ محمد الأمير الصغير. ثم الشيخ إبراهيم الملوانى. ثم الشيخ عبد الله القاضى العدوى، جمعت له مع مشيخة الرواق، وتوفى سنة سبع وخمسين ومائتين وألف. ثم بعده الشيخ حبيش المتوفى سنة إحدى وسبعين تقريبا. ثم بعده شيخ الشيوخ أبو عبد الله الشيخ محمد عليش سار فيها بشهامة، ثم بعد قليل حصلت نادرة منعتة من القيام بواجبها، وقد ترجمه ابنه الشيخ محمد المالكى أحد مدرسى الأزهر، ولم يستوف مناقبه ولا قرب من استيفائها، فإنه المجدد فى هذا القرن. فقال: إنه الإمام الجهبذ الوحيد الجامع بين العلم والتقوى، الرافل فى حلل الزهد والورع، المتجافى عن الشبهات والبدع، فرع الشجرة النبوية، وخلاصة السلسلة الهاشمية، أستاذنا ومولانا الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد عليش، ومنشأ تلقبه بعليش أن اسم جده الأعلى علوش أحد أجداد الغوث سيدى عبد العزيز الدباغ صاحب كتاب الذهب الإبريز. قال المترجم فيما كتبه بطرة شرحه لقواعد الإعراب: إن الأصل الأول من الجهتين من فاس، والأب ولادة طرابلس الغرب والأم ولادة مصر، وقال فى حاشيته التيسير/والتحرير على شرحه لمجموع المحقق الأمير: أخبرنى من يوثق به أن مدينة طرابلس ليس فيها من يسمى عليشا إلا جدى محمد وأولاده، وأنه من فاس، أقام بطرابلس فى رجوعه من الحج وتزوج بها وولد له بها أربعة ذكور ثم توفى بها فانتقلوا منها، ومات عمى محمد بمكة المشرفة، وكان من الأولياء العارفين، وتوفى والدى وأخوه على وحسين

стр. 1001

بمصر ودفنوا بحارة الدوادارى بقرب الجامع الأزهر، وأخبرنى آخر يوثق به أن بأعمال فاس قبيلة من الأشراف يقال لها العلالشة فلعل جدى منها والله أعلم. وأخبر المترجم أن والده لقبه فى صغره بمحمد حبيب ولكن شاع بين الناس اللقب الأول، وأن ولادته كانت بحارة الجوار بجوار الجامع الأزهر فى شهر رجب الحرام سنة سبع عشرة ومائتين وألف هجريه، وحفظ القرآن وسنه ثلاث عشرة سنة، واشتغل بالعلم فى الأزهر وأدرك به الجهابذة كالشيخ محمد الأمير الصغير والشيخ عبد الجواد الشباسى والشيخ عوض السنباوى والشيخ مصطفى السلمونى والشيخ مصطفى البولاقى والشيخ فراج العمورى والشيخ محمد فتح الله والشيخ حسن حميدة العدوى والشيخ مقديشى المغربى السفاقسى، وممن أجازه شيخ المالكية الشيخ إبراهيم الملوى والشيخ مصطفى البنانى صاحب التجريد على السعد والشيخ محمد حبيش شيخ المالكية وغيرهم ﵃. واشتغل بالتدريس فى الأزهر سنة اثنتين وثلاثين، فلم يدع فنا إلا درسه وأفاد فيه حتى تخرج عليه جل أهل الأزهر أو كلهم فى وقته، منهم: الشيخ أحمد أبو السعود الإسماعيلى والشيخ منصور كساب العدوى والشيخ مخلوف المنياوى والشيخ محمد الحداد والشيخ محمد قطة العدوى، كلهم مالكيون. وممن أخذ عنه الأستاذ شيخ الجامع الأزهر الآن الشيخ محمد الإنبابى والشيخ أحمد الأجهورى والشيخ عبد الرحمن الشربينى والشيخ عبد الرحمن البحراوى الحنفى وغيرهم، وله التآليف العديدة الجامعة المفيدة، فمنها شرحه منح الجليل على مختصر الشيخ خليل فى أربعة مجلدات ضخام وحاشية عليه ثلاثة أجزاء وقد طبع بالحاشية على هامشه فى المطبعة الكبرى ببولاق، وشرحه مواهب القدير على مجموع العلامة الأمير فى أربعة مجلدات وحاشيته عليه التيسير والتحرير أربعة أجزاء، وحاشية على مجموع الأمير تسمى البدر المنير أربعة أجزاء ضخام، وشرحه الجامع الكبير على مجموع الأمير بلغ فيه إلى باب الصيام فى أربعة أجزاء، وحاشية تسمى هداية السالك على شرح أقرب المسالك للقطب الدردير وهى جزآن مطبوعة، الجميع فى فقه مالك، وله فتاوى فى التوحيد والفقه فى مجلدين، وحاشية على شرح كبرى السنوسى تسمى القول الوافى السديد فى عقيدة أهل التوحيد فى مجلد ضخم، وشرح على الكبرى أيضا يسمى هداية المريد لعقيدة أهل التوحيد وهو جزء لطيف وله عليه حاشية يرجى تمامها، وشرح على منظومة سيدى أحمد المقرى المسماة بإضاءة الدجنة فى عقائد أهل السنة وهى خمسمائة بيت من بحر الرجز واسمه الفتوحات الوهبية على العقائد المقرية، الجميع فى التوحيد، ورسالة تسمى القول الفاخر فى بعض ما يتعلق بآية ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ

стр. 1002

الْآخِرِ﴾ فى نحو كراستين، ورسالة تسمى كفاية المريد فى مناسك الحج نحو كراسة، وحاشية تسمى القول المنجى على مولد البرزنجى نحو خمس كراريس طبعت فى المطبعة الكبرى، ورسالة تسمى تقريب العقائد السنية بالأدلة القرآنية نحو كراستين طبعت مرارا ورسالة فى البسملة تشتمل على ثمانية عشر علما تسمى الإيضاح نحو ستة كراريس، وخاتمة على مجموع الشيخ الأمير تسمى الكوكب المنير ثلاثة كراريس، وخاتمة تسمى الدرر البهية على شرح ابن تركى على العشماوية نحو كراسة، وخاتمة تسمى فتح الجليل على شرح ابن عقيل فى نحو كراستين، وخاتمة تسمى جلاء الصدا على شرح قطر الندا فى نحو كراستين، وحاشية على شرح الأشمونى على الألفية تسمى مواهب المالك وهى جزآن، وحاشية تسمى وميلة الإخوان على رسالة العلامة الصبان فى فن البيان وهى مجلد واختصرها فى نحو اثنتى عشرة كراسة مطبوعة، وشرح يسمى موصل الطلاب لقواعد الإعراب للشيخ يوسف البرناوى نحو ثمانى كراريس مطبوعة أيضا، وشرح يسمى حل المعقود من نظم المقصود فى الصرف للشيخ أحمد عبد الرحيم الطهطاوى نحو عشرة كراريس مطبوع، وحاشية تسمى القول المشرق على شرح ايساغوجى فى المنطق نحو ثمانى كراريس مطبوعة، ورسالة فى الموجهات نحو ورقتين، ورسالة تسمى بغية المبتدى وتذكرة المنتهى فى الفرائض نحو ست كراريس، وشرح يسمى فيض المنان/فى الحساب والفرائض على الدرة البيضاء فى الحساب للشيخ عبد الرحمن الأخضرى، وله تقييدات كثيرة فى فنون عديدة على كتب شتى، ومع مواظبته على التدريس للمنقول والمعقول لا يترك قراءة الكتب الحديثية فى المسجد الحسينى مع تفسير غرائبها وحل مشكلها وبيان مجملها. وتقلد حفظه الله مشيخة السادة المالكية والإفتاء بالديار المصرية فى شهر شوال سنة سبعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى ونفع به العالمين بجاه سيد المرسلين، حرر ذلك الفقير محمد عليش المالكى الأشعرى الشاذلى الأزهرى نجل الأستاذ المترجم المذكور ضاعف الله لها الأجور فى سنة أربع وتسعين ومائتين وألف. وبالجملة فهو فريد هذا العصر علما وزهدا وورعا وكمالا وتمسكا بالأحكام الشرعية والشمائل النبوية، لا ينطق إلا فيما يعنيه، ولا يفعل ما لا ثواب فيه، ما رآه راء إلا ذكر الله تعالى بقلبه ولسانه، ومال إليه بجميع أركانه، وله جلالة تهيب الأسود، ومواعظ تقشعر منها الجلود، لا يركن إلى أهل الجرائم، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، ويغلب على الظن أنه من شبيبته إلى مشيبه لم يترك صلاة الجماعة، وأكثر ما يكون ذلك مع جماعة المسجد الحسينى. فحقا إنه اخترق المكاره التى حفت بها الجنة، ومن ورعه أنه عند دخوله المسجد يضع نعله

стр. 1003

فى كيس خوفا من تنجيس المسجد وإن كان ذلك معفوا عنه، ولا يشرب القهوة ولا يشم رائحة الدخان، ولا يلبس ما فيه حرير أو نقد فيجتنب زر الطربوش وخلع الملوك والأمراء وموائدهم، ولا يزال يشدد النكير على الشافعية فى تعدد الجماعات فى المساجد فى آن واحد، وهم يقولون إن مذهبنا جواز ذلك فلا يسلم لهم، وله ملاحظات جميلة جدا إذا سمع من يقرأ قرآنا تجده يبادر باستقباله ويستدبر القبلة له فى غير الصلاة، وسئل فى ذلك فقال: إنه لا يسع أحدا يقرأ عليه فرمان الملك أن يسمعه وهو غير مستقبله بكليته، وينكر أيضا على العلماء والطلبة فى مسكهم النعال بأيمانهم والمحافظ فى شمائلهم، وفى بصقهم وامتخاطهم بين النعلين فى المساجد ويقول: إن النعال معفو عن نجاستها اللازمة لها من المنشى فى الطرقات، فإذا بصق الإنسان فى النعل تنجس البصاق من نجاسة النعل وصار نجاسة طارئة غير معفو عنها، وينكر على العلماء فيما اعتادوه من كتبهم فى المحاضر والتذاكر أن فلانا عالم محصل مستحق للوظائف مثلا والحال أنه ليس كذلك، ويقول: هذه من شهادة الزور، وهم يتساهلون فى ذلك ويرونه من قضاء حوائج الناس. وينكر عليهم أيضا فى حضور ليالى السهر فى الأفراح والجنائز مع اشتمالها على ما لا يجوز أو ما لا يليق، فإن أقل ما فيها عدم الإصغاء لقراءة القرآن ورفع الصوت عنده وهو لا يجوز. ومات ابنه الجهبذ العلامة الفريد بالألمعية والتحصيل الشيخ عبد الله عليش سنة أربع وتسعين ومائتين وألف، فلم يمكن أحدا من عمل الابرار المعتاد لموت علماء الأزهر، ولم يمش أمام جنازته بقراءة البردة ونحوها، ولم يجلس لقبول العزاء فيه بل قفل بيته وطرد القراء والفراشين الذين يخدمون فى الليالى، وقال لهم: أنا لا أدرى ما فعل بابنى فى قبره حتى أعمل له ليالى كليالى الأفراح، ولا أكون من الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وله حدة المغاربة وشدة الصالحين، أفتى الشيخ حسن العدوى مرة فى مسألة فرأى أنه أخطأ فيها ولم يرجع عن فتواه فشدد عليه ومنعه من القراءة بالأزهر. وحاصلها أن الأمير عبد اللطيف باشا كان مفتشا فى الأقاليم بعد سنة سبعين وكان جبارا شديدا فقصد رجلا من أهل الجيزة ففر منه فأمسك أباه وطلبه منه فادعى الأب أنه لا يعرف لابنه مكانا خوفا على ابنه من الضرب الأليم، فحلفه بالطلاق فحلف والحال أنه يعرف مكان ابنه، فأفتى الشيخ العدوى بأنه مكره لا يلزمه الطلاق فأنكر عليه الشيخ عليش وقال: إن الإكراه بالنسبة للولد لا يكون إلا بخوف القتل لا بمجرد الإيلام الشديد بخلاف الخوف على النفس، وانعقد لذلك مجلس من العلماء فى مدفن الكتخدا على عادتهم فى المهمات، فحصل من الشيخ العدوى ما أوجب أن الشيخ يحكم عليه بعدم القراءة فى الأزهر فلم يمتثل الشيخ العدوى وجلس فى الدرس على عادته، فذهب إليه الشيخ ليقيمه، وتبعه بعض المغاربة ففر الشيخ العدوى وكسر

стр. 1004

المغاربة كرسيه وكان من جريد. ثم إن الشيخ العدوى تواقع على الأمراء والمشايخ فعقدوا لذلك مجلسا فى القلعة وتعصبوا فيه على شيخ المالكية، وانفض المجلس بالحكم عليه بأن لا يتولى الحكم فى شئ من تعلقات الوظيفة مع بقائها له، ثم أعيد الشيخ العدوى للتدريس بالأزهر وأعيد له الكرسى خشبا، واستمر الأمر على ذلك لا يلى شيخ المالكية شيئا من شؤون الوظيفة، ولم يزل متفرغا للعبادة والتدريس والتأليف لا يهمه أمر، والخشوع غالب عليه بل لا يفارقه، فلا تراه إلا مطرقا رأسه فى سائر أحواله، وإذا التفت التفت جميعا، /وصوته فى الدرس منخفض مع انكباب الناس عليه، فيحضر درسه الحديث بالمسجد الحسينى نحو المائتين، وقد بلغ عمره نحو الثمانين مع القوة والصحة فى جميع حواسه، وهو رحمه الله تعالى كان طويل القامة عربى الوجه متسع الجبهة جميل اللحية له سمت حسن على سمت أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان أوّلا يدرس فى الأزهر مع وظيفة درس فى المسجد الحسينى، فلا نخفاض صوته مع كثرة الازدحام ترك الدرس بالأزهر لعدم الإسماع ولازم المسجد الحسينى. ***

стр. 1005

جامع آل ملك قال المقريزى: هذا الجامع فى الحسينية خارج باب النصر. أنشأه الأمير سيف الدين الحاج آل ملك، وكمل وأقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. والأمير سيف الدين هذا أصله مما أخذ فى أيام الملك الظاهر من كسب الأبلستين لما دخل إلى بلاد الروم فى سنة ست وسبعين وستمائة، وصار إلى الأمير سيف الدين قلاوون وهو أمير قبل سلطنته، فأعطاه لابنه الأمير على، وما زال يترقى فى الخدم إلى أن صار من كبار الأمراء المشايخ رؤوس المشورة فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتولى نيابة حماة فى سلطنة الناصر أحمد، ثم قدم إلى مصر فى تولية الصالح إسماعيل وأقام بها مبجلا إلى أن أمسك الأمير آق سنقر السلارى نائب السلطنة بديار مصر فولاه النيابة مكانه، وشدد فى الخمر إلى الغاية وحدّ شاربها، وهدم خزانة البنود وأراق خمورها وبنى بها مسجدا وحكرها للناس فسكنت، وأمسك الزمام زمانا إلى أن تولى الملك الكامل شعبان فأخرجه أول سلطنته إلى دمشق نائبا بها، فلما كان فى أول الطريق حضر إليه من أخذه وتوجه به إلى صفد نائبا بها فدخلها آخر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ثم سأل الحضور إلى مصر فرسم له بذلك، فلما توجه ووصل إلى غزة أمسكه نائبها ووجهه إلى الإسكندرية فى سنة سبع وأربعين فخنق بها، وكان خيرا فيه دين وعبادة يميل إلى أهل الخير والصلاح، وعمر غير هذا الجامع دارا مليحة عند المشهد الحسينى، ومدرسة بالقرب منها رحمة الله عليه. وفى طبقات الشعرانى أنه أقام بهذا الجامع الشيخ الصالح المعتزل عن الناس إبراهيم نحو أربعين ستة، صابرا على الوحدة حين خربت حارة الجامع ليلا ونهارا شتاء وصيفا، وكانت الأكابر تتردد إليه للتبرك به، وكان يلبس العمامة أو الثوب لا يخلعها حتى تذوب عليه مات سنة نيف وسبعمائة، وقد تخرب هذا الجامع واندرست معالمه. جامع إبراهيم أغا هذا الجامع بقرب قلعة الجبل بين باب الوزير والتبانة. وكان أولا يعرف باسم منشئه آق سنقر الناصرى السلارى. قال المقريزى: كان موضعه فى القديم مقابر أهل القاهرة، أنشأه الأمير آق سنقر الناصرى، وبناه بالحجر وجعل سقوفه عقودا من حجارة، وزخمه واهتم فى بنائه اهتماما

стр. 1006

زائدا حتى كان يقعد على عمارته بنفسه، ويشيل التراب مع الفعلة بيده، ويتأخر عن غدائه اشتغالا بذلك. وأنشأ بجانبه مكتبا لإقراء أيتام المسلمين القرآن، وحانوتا لسقى الناس الماء العذب، ووجد عند حفر آساس هذا الجامع كثيرا من الأموال، وجعل عليه ضيعة من قرى حلب لعل فى السنة مائة وخمسين ألف درهم فضة عنها نحو سبعة آلاف دينار، وقرر فيه درسا فيه عدة من الفقهاء، وولى الشيخ شمس الدين محمد بن اللبان الشافعى خطابته، وأقام له سائر ما يحتاج إليه من أرباب الوظائف، وبنى بجواره مكانا ليدفن فيه ونقل إليه ابنه فدفنه هناك. وهذا الجامع من أجلّ جوامع مصر، إلا أنه لما حدثت الفتن ببلاد الشام وخرجت النواب عن طاعة سلطان مصر منذ مات الملك الظاهر برقوق امتنع حضور مغل وقف هذا الجامع لكونه فى بلاد حلب، فتعطلت وظائفه إلا الأذان والصلاة وإقامة الخطبة فى الجمع والأعياد. ولما كانت سنة خمس عشرة وثمانمائة أنشأ فى وسطه الأمير طوغان الدوادار بركة ماء وسقفها، ونصب عليها عمدا من رخام لحمل السقف، أخذها من جامع الخندق وهدمه لأجل ذلك، وصار الماء ينقل إلى هذه البركة من ساقية الجامع التى كانت للميضأة، فلما قبض الملك المؤيد شيخ الظاهرى على طوغان فى يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وثمانمائة، وأخرجه إلى الإسكندرية واعتقله بها، أخذ شخص الثور الذى كان يدبر الساقية فإن طوغان كان آخذه منه بغير ثمن فبطل الماء من البركة. وآق سنقر هذا هو الأمير شمس الدين أحد مماليك السلطان الملك المنصور قلاوون، ولما فرقت المماليك فى نيابة كتبغا على الأمراء صار آق سنقر من نصيب الأمير سلار، ولذلك قيل له آق سنقر السلارى، وقد ترقى فى زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون حتى صار أحد الأمراء المقدمين، وزوجه بابنته وأخرجه لنيابة صفد، ثم نقله إلى نيابة غزة، ثم تولى نيابة مصر وسار فيها سيرة حسنة، فكان لا يمنع أحدا شيئا طلبه كائنا ما كان، ولا يرد سائلا ولو كان مطلوبه غير ممكن، فارتزق/الناس فى أيامه واتسعت أحوالهم وتقدم من كان متأخرا، حتى كان الناس يطلبون ما لا حاجة لهم به. ثم إن الصالح أمسكه هو وجملة من الأمراء من أجل أنهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك يوم الخميس رابع المحرم سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وكان ذلك آخر العهد به. انتهى.

стр. 1007

وبه أيضا قبر منشئه آق سنقر، وقبر يعرف بقبر علاء الدين. وهو من الجوامع الكبيرة، وسقفه محمول على أعمدة من الحجر الشبيه بالرخام، وببعض حيطانه القيشانى إلى نحو أربعة أمتار، وبه منبر ودكة من الرخام، وكذلك العمد التى تحملها، وصحنه غير مسقوف وبه حنفية وفسقية، وله ثلاثة أبواب: اثنان على الشارع بقرب باب الوزير، والثالث بدرب شعلان مكتوب عليه تاريخ البدء فيه سنة ٧٢٧ والفراغ منه سنة ٧٢٨. وعرف بجامع إبراهيم أغا من أجل أن إبراهيم أغا مستحفظان كان ناظرا عليه، وبنى له به قبرا وكتب عليه: أنشأ هذا القبر المبارك الراجى عفو ربه ستر الله عيوبه وغفر ذنوبه: إبراهيم أغا مستحفظان فى تاريخ سنة ألف وثلاث وعشرين وكان نظر هذا الجامع تحت يد رجل بمقتضى تقرير من المحكمة المصرية، فلما مات أضيف النظر إلى الديوان. وكان إيراده فى السنة قبل إضافته إلى الديوان أحدا وثمانين ألف قرش وتسعمائة قرش، منها أجر أماكن واحد وثمانون ألف قرش وأربعمائة وتسعة وثلاثون قرشا، ومرتب بالروزنامجة مائة قرش وواحد وأربعون قرشا، وأحكار ثلاثمائة قرش واثنان وعشرون قرشا، وبعد إضافته إلى الديوان بلغ إيراده زيادة عن مائة ألف قرش، يصرف منها ما يلزم لشعائره والباقى يحفظ للعمائر. جامع إبراهيم الصوفى هذا الجامع بحارة أبى السباع. ويعرف أيضا بجامع جركس، شعائره معطلة وهو متخرب وليس به ما يدل على تاريخ إنشائه، وله أوقاف تحت نظر الشيخ حسن الشبراوى. جامع إبراهيم الميدانى هو بحارة بئر حمص. مقام الشعائر وليس به ما يدل على تاريخ إنشائه، وبه ضريح الشيخ إبراهيم الميدانى وقيمه عمر الكعكى الخباز. جامع ابن إدريس هو بحارة خليل من خط الحنفى. به أعمدة من الحجر، وبدائره من أعلى إزار خشب مكتوب فيه: أمر بإنشاء هذا المسجد الشريف السيد أحمد بن السيد إدريس الشافعى القاسمى، مع آيات قرآنية، وبه منبر خشب مكتوب عليه تاريخ سنة إحدى ومائتين وألف، وفى جهته القبلية ضريح ابن إدريس عليه مقصورة من الخشب ومكتوب على ستره: هذا

стр. 1008

مقام سيدى محمد بن إدريس، مع آية الكرسى، وله منارة ومطهرة وشعائره مقامة، وبجواره حمام له عليه حكر. جامع ابن الرفعة قال المقريزى: هذا الجامع خارج القاهرة بحكر الزهرى. أنشأه الشيخ فخر الدين ابن عبد المحسن بن الرفعة بن أبى المجد العدوى انتهى. وهو داخل حارة الشيخ قواديس بلصق الشارع الجديد الذى افتتحه الخديو الأعظم من تجاه باب حارة غيظ العدة إلى قنطرة آق سنقر، وهو الآن متهدم غير مقام الشعائر، وليس به آثار تدل على تاريخ إنشائه، وفيه ضريح منشئه متهدم أيضا، وتجاهه من الجهة الأخرى ضريح الشيخ قواديس، فلذا اشتهر بمسجد قواديس. وعلى ما فى المقريزى يكون هو غير ابن الرفعة المشهور، أحد أئمة الشافعية الذى ترجمه فى حسن المحاضرة فقال: هو الإمام نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن على بن مرتفع الأنصارى، واحد عصره وثالث الشيخين الرافعى والنووى فى الاعتماد عليه. قال الإسنوى: كان إمام مصر بل سائر الأمصار، وفقيه عصره فى جميع الأقطار، كان أعجوبة فى استحضار كلام الأصحاب وفى معرفة نصوص الشافعى، وفى قوة التخريج. ولد بالفسطاط سنة خمس وأربعين وستمائة، وتفقه على الظهير التزمنتى، والشريف العباسى، وغيرهما. ودرس بالمعزية بمصر، وولى حسبة مصر، وصنف التصنيفين العظيمين: الكفاية فى عشرين مجلدا، والمطلب فى ستين مجلدا، وله النفائس فى هدم الكنائس، وتأليف فى المكيال والميزان. مات بمصر سنة عشر وسبعمائة. جامع ابن طولون موضع هذا الجامع يعرف بجبل يشكر. قال ابن عبد الظاهر: وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل: إن موسى ﵊ ناجى ربه عليه بكلمات. ابتدأ فى بنائه الأمير أبو العباس أحمد بن طولون فى سنة ثلاث وستين ومائتين بعد بناء القطائع، وكان أولا يصلى الجمعة فى المسجد القديم الملاصق للشرطة، فلما ضاق عليه بنى الجامع الجديد مما أفاء الله عليه من المال الذى وجده فوق الجبل فى الموضع المعروف بتنور فرعون، وهو الكنز الذى شاع خبره وكتب به أحمد بن طولون إلى العراق يخبر المعتمد، ويستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البر، فبنى منه الجامع والمارستان والعين، وكان قدره على ما ذكره المقريزى ألف ألف دينار،/عبارة عن سبعمائة وخمسين ألف بينتو ذهبا، باعتبار أن الدينار خمسة

стр. 1009

عشر افرنكا أو ثلاثة ريالات سينكو. فلما أراد بناءه قدر له ثلاثمائة عمود، فقيل له ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس فى الأرياف والضياع الخراب فتحملها منها، فأنكر ذلك ولم يختره، وتعذب قلبه بالفكر فى أمره، وبلغ الخبر النصرانى الذى تولى له بناء العين وكان قد غضب عليه ورماه فى المطبق، فكتب إليه يقول: أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلا عمودى القبلة، فأحضره وقد طال شعره حتى نزل على وجهه فقال: ويحك ما تقول فى بناء الجامع؟ فقال: أنا أصوره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمد إلا عمودى القبلة. فأمر بأن يحضر له الجلود فأحصرت، وصوره له فأعجبه واستحسنه، فأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مائة ألف دينار وقال له: أنفق، وما احتجت إليه أطلقناه لك. فوضع النصرانى يده فى البناء، فكان ينشر من جبل يشكر ويعمل الجيرويبنى، إلى أن فرغ من جميعه وبيضه وخلقه، وعلق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال، وفرش فيه الحصر وحمل إليه صناديق المصاحف، ونقل إليه القراء والفقهاء، فلما كان أول جمعة صلاها فيه أحمد بن طولون وفرغت الصلاة جلس محمد بن الربيع خارج المقصورة، وقام المستملى وفتح باب المقصورة وجلس أحمد بن طولون والغلمان قيام وسائر الحجاب، فتكلم ابن الربيع على حديث «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا فى الجنة» فلما فرغ المجلس خرج إليه غلام بكيس فيه ألف دينار وقال: يقول لك الأمير نفعك الله بما علمك وهذه لأبى طاهر، يعنى ابنه، وتصدق ابن طولون بصدقات عظيمة، وعمل طعاما للفقراء والمساكين، وكان يوما عظيما. ونزل أحمد بن طولون فى الدار التى عملها فيه للإمارة، وكانت فى الجهة القبلية منه، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة بجوار المحراب والمنبر، وكانت قد فرشت وعلقت بها القناديل وحملت إليها الآلات والأوانى وصناديق الأشربة وما شاكلها، فجدّد بها طهره وغير ثيابه وخرج إلى المقصورة فركع وسجد شكرا لله تعالى على ما أعانه عليه من ذلك، ثم خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوارة وخرج إلى باب الريح، فصعد النصرانى الذى بنى الجامع ووقف إلى جانب المركب النحاس وصاح: يا أحمد بن طولون يا أمير الأمان عبدك يريد الجائزة، ويسأل الأمان أن لا يجرى عليه مثل ما جرى فى المرة الأولى. فقال له: انزل فقد أمنك الله، ولك الجائزة. فنزل وخلع عليه، وأمر له بعشرة آلاف دينار، وأجرى عليه الرزق الواسع إلى أن مات. ولم يزل ينزل بهذه الدار إذا راح إلى الصلاة إلى أن قدم المعز لدين الله أبو تميم معدّ من

стр. 1010

بلاد المغرب فصار يجبى فيها الخراج، وبقيت زمنا ثم تخربت وصار موضعها ساحة ثم احتكرت وبنيت. ويقال: إن ابن طولون راح فى يوم الجمعة إلى الجامع، فلما رقى الخطيب المنبر وخطب -وهو أبو يعقوب البلخى-دعا للمعتمد ولولده، ونسى أن يدعو لأحمد بن طولون، ونزل عن المنبر فأشار أحمد إلى نسيم الخادم أن اضربه خمسمائة سوط، فذكر الخطيب سهوه وهو على مراقى المنبر، فعاد وقال: الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما، اللهم وأصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين. وزاد فى الشكر والدعاء له بقدر الخطبة، ثم نزل فنظر أحمد إلى نسيم أن اجعلها دنانير، ووقف الخطيب على ما كان منه فحمد الله تعالى على سلامته وهنأه الناس بالسلامة. ورأى ابن طولون الصناع يبنون فى الجامع عند العشاء-وكان فى شهر رمضان- فقال: متى يشترى هؤلاء الضعفاء إفطارا لعيالهم وأولادهم؟ اصرفوهم العصر. فصارت سنة إلى اليوم بمصر. فلما فرغ شهر رمضان قيل له: قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى رسمهم. فقال: قد بلغنى دعاؤهم وقد تبركت به، وليس هذا مما يوفر العمل علينا. قال القضاعى: إن السبب فى بنائه أن أهل مصر شكوا إليه ضيق الجامع يوم الجمعة من جنده وسودانه، فأمر بإنشاء هذا الجامع، فابتدأ فى بنائه فى سنة ثلاث وستين ومائتين وفرغ منه فى رمضان سنة خمس وستين ومائتين، فجاء من أحسن الجوامع، وعمل فى مؤخره ميضأة وخزانة شراب فيها جميع الشرابات والأدوية وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة، وبلغت نفقة بنائه مائة وعشرين ألف دينار. وتقرب الناس إلى ابن طولون بالصلاة فيه، وألزموا أولادهم صلاة الجمعة فى فوارة الجامع، ثم يخرجون بعد الصلاة إلى مجلس الربيع بن سليمان ليكتبوا العلم ومع كل واحد عدة أوراق وعدة غلمان. ويقال إن ابن طولون رأى فى منامه كأن الله تعالى قد تجلى ووقع نوره على المدينة التى حول الجامع إلا الجامع فإنه لم يقع عليه من النور شئ، فتألم وقال: والله ما بنيته إلا لله خالصا، ومن المال الحلال الذى لا شبهة/فيه فقال له معبر حاذق: هذا الجامع يبقى ويخرب كل ما حوله لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، فكل شئ يقع عليه جلال الله لا يثبت. ورأى أيضا كأن نارا نزلت من السماء فأخذت الجامع دون ما حوله، فلما قصها قيل له: أبشر بقبول الجامع، فقد كان إحراق النار فى الزمان السابق علامة على قبول القربان.

стр. 1011

قال ابن عبد الظاهر: سمعت غير واحد يقول إنه لما فرغ ابن طولون من بناء هذا الجامع أسر بسماع ما يقوله الناس فيه من العيوب، فقال رجل: محرابه صغير. وقال آخر: ما فيه عمود. وقال آخر: ليست له ميضأة. فجمع الناس وقال: أما المحراب فإنى رأيت رسول الله ﷺ وقد خطه لى، فأصبحت فرأيت النمل قد أطافت بالمكان الذى خطه لى رسول الله ﷺ ، وأما العمد فإنى بنيت هذا الجامع من مال حلال، وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إما أن تكون من مسجد أو كنيسة. فنزهته عنها، وأما الميضأة فإنى نظرت فوجدت ما يكون منها من النجاسات فطهرته منها، وها أنا أبنيها خلفه، ثم أمر ببنائها. وفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة احترقت الفوارة التى كانت به فلم يبق منها شئ واحترقت القبة التى كانت فى صحنه وكانت مشبكة من جميع جوانبها، وهى مذهبة قائمة على عشرة أعمدة من الرخام، وفى جوانبها ستة عشر عمودا مفروشة كلها بالرخام، وتحت القبة قصعة رخام فسحتها أربعة أذرع فى وسطها الفوارة، وقبة مزوقة يؤذن فيها وفى أخرى على سلمها، وفى السطح علامات الزوال، والسطح بدرابزين ساج، فاحترق جميع هذا فى ساعة واحدة. ثم فى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة أمر العزيز بالله بن المعز ببناء فوارة عوضا عنها. قال المسبّحى: إن الحاكم أنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة عشر مصحفا للقراءة فيها، وبقى الجامع عامرا مع ما حوله إلى زمن المستنصر، فجاء الغلاء بمصر وخربت القطائع والعسكر وفارقت الناس هذه الجهة، وخرب الجامع وما حوله، وصارت المغاربة تنزل فيه بأباعرها ومتاعها عندما تمر بمصر أيام الحج. واستمر على ذلك إلى أن استولى لاجين على الديار المصرية وتلقب بالملك المنصور سنة ست وتسعين وستمائة فأمر ببنائه، فبنى وبيض وجعل عليه أوقافا عظيمة، ورتب فيه دروسا للمذاهب الأربعة، ودرسا للتفسير، ودرسا للحديث، ودرسا للطبّ، وقرر للخطيب معلوما وجعل له إماما راتبا ومؤذنين وفراشين وقومة، وعمل بجواره مكتبا لإقراء أيتام المسلمين وغير ذلك من أنواع البر، فبلغت النفقة على عمارته وثمن مستغلاته عشرين ألف دينار، ورجع الجامع لما كان عليه وعمر ما حوله إلى أن قتل الملك لاجين سنة ثمان وتسعين وستمائة. وفى سنة سبع وستين وسبعمائة جدد به الأمير يلبغا العمرى الخاصكى دروسا للحنفية،

стр. 1012

وقرر لكل فقيه من الطلبة فى الشهر أربعين درهما وأردب قمح، فانتقل جماعة من الشافعية إلى مذهب الحنفية. وولى نظره بعد تجديده الأمير سنجر الجاولى دوادار السلطان الملك المنصور لاجين. ثم وليه قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة. ثم من بعده الأمير مكين فى أيام الناصر محمد بن قلاوون فجدد فى أوقافه طاحونا وفرنا وحوانيت. ثم وليه قاضى القضاة عز الدين بن جماعة. ثم ولاه الناصر للقاضى كريم الدين الكبير فجدد فيه مئذنتين، فلما نكبه السلطان عاد نظره إلى قاضى القضاة الشافعى. وما برح إلى أيام الناصر حسن بن محمد بن قلاوون فولاه للأمير صرغتمش، وتوفر فى مدة نظره من مال الوقف مائة ألف درهم فضة، فكان من أحسن الجوامع إيرادا. وفى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة جدد الرواق البحرى الملاصق للمئذنة الحاج عبيد بن محمد بن عبد الهادى الهويدى البازدار مقدم الدولة وحاز نعمة جليلة وسعادة طائلة، توفى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وكان ابن طولون لا يعبث بشئ قط فاتفق أنه أخذ درجا أبيض بيده وأخرجه ومده، ثم استيقظ لنفسه وعلم أنه فطن به وأخذ عليه لكونه لم تكن تلك عادته فطلب المعمار وقال له: تبنى المنارة التى للتأذين هكذا، فبنيت على تلك الصورة. انتهى من المقريزى. وقال ابن جبير فى رحلته: وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب إلى أبى العباس أحمد بن طولون، وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة، الواسعة البنيان، جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق فى كل شهر، ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم إليهم، ولم يجعل يدا لأحد عليهم، فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره ويتحاكمون فى طوارئ أمورهم، واستصحبوا الدعة والعافية وتفرغوا لعبادة ربهم، ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذى هم بسبيله انتهى. وفى تاريخ الجبرتى أنه فى سنة خمس ومائة وألف هبت ريح شديدة وتراب أظلم منه الجو، وكان الناس فى صلاة الجمعة فى رمضان، فظن الناس أنها القيامة، وسقطت المركب التى على منارة جامع ابن طولون وهدمت دور كثيرة انتهى.

стр. 1013

وقد بقى هذا الجامع عامرا تقام فيه الجمعة والجماعة مدة ثم سقطت عليه غوائل الأزمان فتخرب وضاعت أوقافه. وفى زمن الأمير محمد بيك أبى الذهب جعل ورشة لعمل الأحزمة الصوف وغيرها، وبعد ذلك اتخذ تكية للفقراء إلى الآن، ففيه اليوم جملة وافرة منهم أورثوه خرابا وتقذيرا ونتنا وجعلوا فيه عششا وأوكارا، ومع ذلك فلم تتغير معالمه الأصلية، وقد وصف الآن بالمعاينة فوجد على بابه من داخله تجاه الميضأة لوح رخام مكتوب عليه بالخط الكوفى تاريخ إنشائه فى شهر رمضان سنة خمس وستين ومائتين، وأن المستعمل للصلاة خمس بوائك منه فقط، وطوله من إحدى جهاته ثمانون مترا، ومن جهة أخرى ستة وسبعون مترا، فمساحته ستة آلاف وثمانون (١) مترا مسطحا وذلك فدان وعشرة قراريط من فدان تقريبا وهو أقل من نصف مساحة جامع عمرو بن العاص. وقبلته من الرخام الملون وبأعلاها سطر كوفى فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ . وبأعلى ذلك برواز خشب به خمسة أسطر بالخط العربى لكنه لا يقرأ لمحو أغلبه، ويكتنفها أربعة عمد، وبأعلاها قبة خشب قديمة فيها مناور، وبجوار المحراب من الجهة الشرقية قبلة معمولة بالجبس عليها آيات من سورة البقرة مكتوبة بالجبس أيضا مع نقوشات نفيسة، ومنبره من الآثار القديمة العظيمة مكتوب عليه حفر فى الخشب: أمر بعمل هذا المنبر المبارك مولانا السلطان الملك المنصور حسام الدنيا والدين لاجين المنصورى فى عاشر المحرم سنة ست وتسعين وستمائة. وعمده وطاراته من الطوب الأحمر والجبس فى غاية الإتقان، وفى الطارات والحيطان إزار من خشب عليه آيات قرآنية بالخط الكوفى تدل على أن هذا البناء لم يتغير عن أصله. وله ثلاث مآذن: اثنتان فى الجهة القبلية من الطوب وسلاليمها من الداخل، والثالثة فى الجهة البحرية وهى من الحجر وسلمها من الخارج، وهذه غير مستعملة الآن وهى من بناء ابن طولون، والسياحون إلى الآن يقصدونها للفرجة ويعجبون منها. وقد بيع من الجامع جزء من جهة شارع الزيادة بنى أملاكا، وجزء آخر منه بجوار الساقية قد جعل ورشة دبارة وهى تابعة لوقف حسام الدين لاجين. وبداخل الجامع زاوية صغيرة متخربة بها ضريح الشيخ البوشى بجوار المنارة الحجرية، وله ساقية معينة وميضأة وأخلية.

стр. 1014

وفى تحفة الأحباب للسخاوى أن الحاكم بأمر الله أخبر بأن بالقرب من الجامع الطولونى قبور جماعة من السادات، فأمر ببناء مساجد ثلاثة فى هذا الخط فسميت بالمساجد الحاكمية، وذلك سنة اثنتين وأربعمائة انتهى. جامع أبى بكر هذا الجامع بشارع سوق الزلط. ويعرف أيضا بمسجد السيد يوسف وهبة، وهو مقام الشعائر من جماعة وأذان وله أوقاف تحت نظر السيد موافى. جامع أبى حريبة هو جامع قجماس الإسحاقى السيفى بشارع الدرب الأحمر عن شمال الذاهب من باب زويلة طالبا القلعة. أنشأه الأمير قجماس فى سنة ست وثمانين وستمائة كما وجد فى بعض نقوش حجارته، وأرضه مرتفعة نحو ثلاثة أذرع، وبه أربعة ألونة، وصحنه مفروش بالرخام ومسقوف بالخشب النقى، وبه منبر ودكة، ومطهرته بأخليتها وساقيتها منفصلة عنه، ينزل إليها بدرج بعد المرور فوق قبوة تحتها طريق يوصل إلى الباطنية، وله منارة وشعائره مقامة وأوقافه تحت نظر الشيخ محمد هانى. وعرف بجامع أبى حريبة من أجل أن دفن به الشيخ أحمد أبو حريبة النقشبندى المتوفى سنة ألف ومائتين وثمان وستين وقبره تحت قبة شاهقة أنشئت مع إنشاء الجامع، وبجوار قبره قبر آخر يقال إنه ليس به أحد. وقجماس المذكور مات بأرض الشام وكان نائبا فيها، ففى ابن إياس أنه فى شوال من سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة جاءت الأخبار بوفاة نائب الشام قجماس الإسحاقى الظاهرى، وكان دينا خيرا فى غاية الاحتشام مع لين الجانب، وكان إنسانا حسنا لا بأس به. قال: وهو الذى أنشأ المدرسة التى عند الدرب الأحمر بقرب سوق الغنم، وأنشأ مثلها بدمشق، وله آثار حسنة غير ذلك انتهى. وفى الضوء اللامع للسخاوى أن قجماس هذا هو قجماس الإسحاقى الظاهرى جقمق نائب الشام، نشأ فى خدمة أستاذه، وجوّد الخط فى طبقته بحيث كتب بردة وقدمها له فاتهم بأنها خط شيخه وكان كذلك، فامتحنه فكتب بحضرته بسملة فاستحسنها سيما وقد أشبهت كتابة شيخه فيها، وصرف له أشياء وحج رفيقا لتمربغا فى أيام أستاذهما، ثم عمله الظاهر خشقدم خازندار كيس، ثم أمّره بلباى عشرة بعد أن توجه لنقل المنصور لدمياط وللإذن

стр. 1015

المؤبد بالركوب، فلما استقر الأشرف قايتباى/رقاه وأسكنه فى بيته بالباطنية، ثم أرسله الشام لتركه نائبها بردبك البشمقدار ودواداره أبا بكر، ثم استقر به فى نيابة إسكندرية وأضاف إليه وهو بها تقدمة، ثم نقله من النيابة لإمرة آخور وتحول إلى الديار المصرية فسكن ببيت تمر الحاجب بالقصر تجاه الكاملية، ثم تحول لبيت الدوادار الكبير بالقرب من الحسينية، وسافر فى أثنائها أمير الحاج وكان معه من الفقهاء الصلاح الطرابلسى والشمس النوبى، وكذا توجه فى أثنائها لعمارة برج للسلطان بها، بل وعمر لنفسه حين نيابته بها جامعا ظاهر باب إسكندرية المسمى بباب رشيد للجمعة والجماعات مع تربة وخان بقربه، كان السبب فيه عدم أمن من يبيت من المسافرين ممن يصل إلى الباب بعد الغروب وغلقه وحصل به نفع كبير، ودفن بتربته الظاهر تمربغا، وأنشأ بجانب ذلك بستانا هائلا، وجدد أيضا جامع الصوارى ظاهر باب السدرة وأقيمت به الشعائر، وعمر خارجها بالجزيرة خارج باب البحر على شاطئ بحر السلسلة هيئة رباط وأودع به أسلحة ونحوها، وبنى وهو أمير آخور مدرسة هائلة بالقرب من خوخة أيدغمش للجمعة والجماعات، وجعل بها متصدرا وقارئا للبخارى ونحو ذلك، بل نقل ما كان قرره من التصوف بالجامع الأزهر إليها، وعمل تربة بالقرب من تربة قانم التاجر وبها أيضا تصوف ووظائف، وكذا جدد بالقرب من الروضة فى نواحى باب النصر مكانا يعرف بالشيخ موسى وغير ذلك، وأرصد لكلها أوقافا، ثم نقل إلى نيابة الشام بعد أسر قانصوه اليحياوى وجدد بجوار باب السعادة داخل باب النصر منها مدرسة وقرر فيها صوفية، بل عمل بجانبها مطبخا للدشيشة، وسافر لعدة غزوات ومات فى آخر يوم الخميس ثانى شوال سنة اثنتين وتسعين وصلى عليه من الغد ودفن بتربته، وكان ساكنا خيرا من خيار أبناء جنسه متثبتا متواضعا متأدبا مع العلماء والصالحين شجاعا اه. ترجمة الشيخ أبى حريبة: وأبو حريبة هو الشيخ أحمد الشنتناوى من قرية بأعمال المنوفية تعرف بشنتنا، وأصله من مدينة قنا بالصعيد الأعلى. يقال إن نسبه ينتهى إلى سيدى عبد الرحيم القناوى ﵁، قرأ القرآن ثم اشتغل فى صغره بالفلاحة ونسج الصوف ونحوه، واشتغل بالسلوك فى طريق القوم فأخذ طريقة الخلوتية عن الشيخ الشنتناوى، ثم طريق الشاذلية عن الشيخ أبى النجا بطنتدا، وأخذ طريق القادرية والرفاعية، ثم أذن له فى التسليك، ثم حضر إلى القاهرة وفتح دكان عطارة، ثم اشتغل بحرفة الكتابة عند نصرانى فى مخبز بحارة درب سعادة، ثم أخذ طريق الختمية عن بعض خلفاء الشيخ عثمان المرغنى المعروف بالختم، فرأى بركة ذلك الشيخ وتعلقت آماله بالاجتماع به فتوجه إلى مكة المشرفة واجتمع به وأخذ عنه مباشرة وأقام

стр. 1016

معه أياما، وبعد أداء فريضة الحج وزيارة قبر النبى ﷺ رجع إلى مصر وقد فتح الله عليه فتحا إلهيا، وطار صيته واعتقده الخاص والعام وأخذ عنه الطريق جم غفير، منهم: شيخ الإسلام الشيخ حسن القويسنى، وشيخ الإسلام الشيخ إبراهيم البيجورى، والشيخ الخنانى، وكان لا يسأل عن مسألة إلا بيّن حكم الله فيها بالنصوص الصحيحة من غير أن يمارس العلم، وسئل عن اللوح المحفوظ فقال: هو صدر العارف متى توجه لشئ وجده أمامه، وكان يقول: علم النحو كذب فلا أشتغل به. ومع ذلك له مؤلفات عديدة منها قصيدة فى أسماء الله الحسنى نحو مائة بيت، وأخرى نحو ثلاثين، وتائية تحكى تائية ابن الفارض لكنها أكبر منها فإنها نحو ألف ومائتى بيت وتائية ابن الفارض ثمانمائة بيت، وتفسير صغير الحجم للقرآن العظيم، وكتاب يشتمل على نحو سبعين فنا، وله شرح على حكم شيخه نحو سبعين كراسة، وذيل قصيدة شيخه المرغنى وشرحها بنحو ثمانى عشرة كراسة، وله توسلات ومناجاة وأوراد وصلوات وغير ذلك، وكان يرى النبى ﷺ كثيرا ومن كلامه فى ذلك. تجلى الجمال الفرد بالعلم الفردى … فأشهدنى غيبى وأوجدنى فقدى إلى أن قال: أشاهده فى كل غيب وحاضر … وألحظه بالعين فى القرب والبعد فها أنا فى حان المحبين حاكم … أنفذ أحكام المدامة فى جندى وكان كريم النفس باذلا للفقراء زاهدا ورعا لا يقبل من أحد شيئا، أرسل له العزيز محمد على الأكبر خمسمائة جنيه مصرية فردها، وأنعم عليه المرحوم عباس باشا بأطيان فلم يقبلها، وقد أسلم على يديه أكثر من ستين نفسا، ولعل ذلك هو حكمة إقامته فى المخبز. ولم يزل فى ترق فى إنعامات إلى أن توفى قبيل فجر يوم الأحد لخمس عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثمان وستين ومائتين وألف وعمره ستون سنة، ودفن بجامع قجماس وعمل له بعض تلامذته مقصورة بالصدف، وعمل له مولد كل سنة وله حضرة وزيارة. هكذا أملاه بعض تلامذته الشيخ سيد البيجورى/الشافعى أحد مدرسى الأزهر. جامع أبى درع هذا الجامع فى حارة أبى درع الموصلة إلى حارة قواديس. وعلى واجهته تاريخ بنائه سنة ألف ومائتين وسبع عشرة، وله منبر وخطبة وشعائره قائمة وبه ضريح الشيخ

стр. 1017

محمد أبى درع وله أوقاف تحت نظر تومان أفندى شنن، ويتبعه صهريج بأعلى شباكه لوح رخام منقوش فيه: يسبل فى الدنيا سبيل سعادة … ويسعد فى نفع الأنام دليله وأنت أمان المستغيث وأرخا … حسين لحسن الأمن هذا سبيله ١٢٨ ١٤٨ ١٢٢ ٧٠٦ ١٠٧ - ١٢١١ جامع أبى السباع هو بالشارع الذاهب إلى قصر النيل. أخذ أغلبه فى هذا الشارع وما بقى منه به ضريح الشيخ عبد الرحمن المعروف بأبى السباع، وليس به آثار تدل على تاريخ إنشائه، وله أوقاف تحت نظر الحاج حسن الشبراوى. جامع أبى السعود الجارحى هذا الجامع فى شرقى جامع عمرو بن العاص ﵁ بالقرب منه بين التلول. على أحد أبوابه فى لوح رخام هذا البيت: وسيلة العبد للرحمن أرخها … للجارحى مسجد يزهو لمن دخله ٢٨٢ ١٠٧ ٢٨ ١٢٠ ٦٣٩ - ١١٧٦ وعلى باب آخر فى لوح رخام أيضا تاريخ: جا هنا ملجا فأرّخ … باب بشرى لزياراتى ٥ ٥١٢ ٦٥٩ - ١١٧٦ وعلى باب مقصورة الصلاة-فى رخامة-هذا البيت: أبو السعود له جاه ومنقبة … من زار ساحته يبلغ به أمله وكان أولا زاوية للشيخ فجعله الأمير عبد الرحمن كتخدا مسجدا جامعا يشتمل على ثلاث بوائك مسقوفة، وفى وسطه جزء يعرف بجامع الشيخ ريحان، وفيه قبور ومساكن للخدم، وبه ضريح الشيخ أبى السعود عليه قبة مكتوب بدائرها: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. جدد هذا الضريح المبارك محمد طاهر باشا. وله مطهرة وبئر نقر فى الحجر، وله أوقاف تحت نظر عاشق أفندى شيخ تكية النقشبندية، ويعمل له حضرة كل ليلة أربعاء ومولد كل سنة.

стр. 1018

ترجمة أبى السعود: وفى طبقات الشعرانى أن هذا الأستاذ هو العارف بالله سيدى أبو السعود الجارحى، من أجل من أخذ عن الشيخ شهاب الدين المرحومى، وكانت له فى مصر الكرامات والتلامذة الكثيرة والقبول التام عند الملوك والوزراء وغيرهم، وكانوا يحضرون بين يديه خاضعين، وعملوا بأيديهم فى عمارة زاويته فى حمل الطوب والطين، وكان كثير المجاهدات والعبادات ينزل فى سرب تحت الأرض من أول رمضان فلا يخرج إلا بعد العيد بستة أيام. وقال يوما: إنى من حين عملت شيخا فى مصر لى سبع وثلاثون سنة ما جاءنى قط أحد يطلب الطريق إلى الله تعالى ولا يسأل عن حسرة ولا عن فترة ولا عن شئ يقربه إلى الله تعالى، وإنما يقول: أستاذى ظلمنى، امرأتى تناكدنى، جاريتى هربت، جارى يؤذينى، شريكى خاننى، فكلت نفسى من ذلك وحننت إلى الوحدة وما كان لى خيرة إلا فيها، فياليتنى لم أعرف أحدا ولم يعرفنى أحد. وجاءه مرة أمير بقفص موز ورمان فرده عليه. فقال: هذا لله. فقال الشيخ: إن كان لله فأطعمه للفقراء. فأخذه الأمير ورجع به إلى بيته. فأرسل الشيخ فقيرين بصيرا وضريرا وقال: الحقاه وقولا له أعطنا شيئا لله من هذا الموز والرمان. فلحقاه وطلبا منه لله فنهرهما ولم يعطهما. فأخبرا الشيخ بما وقع فأرسل إليه يقول له: تقول هذا لله وتكذب وتنهر من يقول أعطنا لله فلا عدت تأتينا بعد اليوم أبدا. ولما حضرت الشيخ الوفاة أرسل إلى شيخ الإسلام الحنفى وجماعة وقال: أشهدكم أنى ما أذنت لأحد من أصحابى فى السلوك. فما منهم أحد شم رائحة الطريق. ثم قال: اللهم اشهد. اللهم اشهد. اللهم اشهد. وكان يقول: لا تجعل لك قط مريدا ولا مؤلفا ولا زاوية وفرّ من الناس فإن هذا زمان الفرار. وسمعته مرة يقول لفقيه من الجامع الأزهر: متى تصير هاء الفقيه راء؟. مات رحمه الله تعالى سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بكوم الجارح بالقرب من جامع عمرو فى السرداب الذى كان يعتكف فيه، وقد حصل لى منه دعوات وجدت بركتها. انتهى/باختصار. وفى ابن إياس من حوادث سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة أنه لما مات السلطان الغورى واتفق رأى أمراء مصر على تولية الأمير طومان باى الدوادار السلطنة، امتنع من ذلك غاية الامتناع والأمراء جميعا ملحون عليه، يقولون: ليس عندنا من يصلح للسلطنة إلا أنت،

стр. 1019

ولا محيد لك عنها طوعا أو كرها. فركب الأمير طومان وصحبته جماعة من الأمراء وتوجهوا إلى العارف بالله تعالى سيدى أبى السعود الجارحى ﵁ بكوم الجارح، فذكروا أمر سلطنة الأمير طومان باى وأنه امتنع من ذلك. فسأله الشيخ عن سبب امتناعه فعرفه أنه يخاف خيانتهم وتخليهم عنه، فأحضر لهم الشيخ مصحفا وحلفهم على أنهم إذا سلطنوه لا يخونونه ولا يقتلونه ولا يغدرون به ولا يخامرون عليه، وأن يرضوا بقوله وفعله، فحلفوا على ذلك وأكدوا الأيمان، ثم حلفهم على أن لا يعودوا إلى ظلم الرعايا وأن لا يشوشوا على أحد بغير طريق شرعى، ولا يجددوا مظلمة، وأن يبطلوا جميع محدثات الغورى ويجروا الأمور على ما كانت عليه أيام الأشرف قايتباى، ويبطلوا المشاهرة التى قررت على الدكاكين، ويمشوا الحسبة على طريقة بشتك الجمالى. فحلفوا على ذلك، ثم ذكر لهم الشيخ أن الله ما هزمكم وسلط عليكم ابن عثمان إلا بدعاء المظلومين الذين جرتم عليهم فى البر والبحر. فقالوا: تبنا إلى الله عن جميع المظالم. ثم خرجوا من عنده على أن يسلطنوا الأمير طومان باى وقد رضى بذلك بعد أن كان ممتنعا خائفا من غدرهم به وتخليهم عنه انتهى. وقد ذكرنا بعض ذلك فى الكلام على المطرية وأنهم سلطنوا الأمير طومان باى ثم تخلوا عنه حتى صلبه السلطان سليم بن عثمان على باب زويلة. كائنة مهولة: وفى ابن إياس أيضا من حوادث هذه السنة أن كائنة مهولة وقعت للزينى بركات ابن موسى محتسب القاهرة مع الشيخ أبى السعود الجارحى، وذلك أن شخصا مدابغيا يبيع الجلود يقال له الدمرداوى جار عليه ابن موسى وأراد أن يقبض عليه، فتوجه الدمرداوى إلى الشيخ واحتمى به، فأرسل الشيخ رسالة لابن موسى يتشفع فيه فتوقف ابن موسى ولم يلتفت إلى رسالة الشيخ، فأرسل الشيخ خلف ابن موسى فلما حضر عنده فى كوم الجارح وبخه الشيخ وقال له: يا كلب كم تظلم المسلمين. فحنق منه ابن موسى وقام من عنده على غير رضا. فأمر الشيخ بكشف رأس ابن موسى وضربه بالنعال فصفعوه بالنعال على رأسه حتى كاد يهلك ثم وضعه فى مكان وأرسل للأمير علان الدوادار الكبير، فلما حضر قال له: ضعه فى الحديد. وشاور السلطان عليه، وأعلمه بأنه يؤذى المسلمين. فطلع إلى السلطان وشاوره فأرسل السلطان يقول للشيخ: مهما اقتضاه رأيك فيه فافعله. فأمر الشيخ بإشهار ابن موسى فى القاهرة ثم يشنقوه على باب زويلة، فأخرجوه من الزاوية بكوم الجارح وهو ماش مكشوف الرأس وهو فى الحديد ينادى عليه: هذا جزاء من يؤذى المسلمين. واستمروا من كوم الجارح

стр. 1020

إلى ساحل مصر العتيقة وهم ينادون عليه إلى أن وصل إلى بيت الأمير علان بالناصرية، ثم عاودوا الشيخ فى أمره بأن عليه دينا ومالا للسلطان يضيع بشنقه، فعفا الشيخ عنه من القتل وأبقاه فى الحديد حتى يكون من أمره ما يكون، وقد أشرف ابن موسى على الهلاك. ثم إن الشيخ أبا السعود لما فعل بابن موسى ذلك قامت عليه الثائرة، وأنكر عليه الناس والفقراء. وقالوا: إيش للشيخ شغل فى أمور السلطنة، واشتغل الناس به ولم يشكره أحد على ما فعله بابن موسى، ثم بعد أيام أشيع أنه أرسل خلف ابن موسى وفكه من الحديد وأظهر أنه قد رضى عليه وصار يتصرف فى أمور المملكة من عزل وولاية فأنكر الناس عليه ذلك انتهى. ترجمة شمس الدين السعودى: وفى تاريخ الجبرتى أن من ذرية الشيخ أبى السعود الجارحى الإمام العلامة شمس الدين أبا عبد الله محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن على بن الأستاذ أبى السعود الجارحى الشافعى ﵁، ويقال له السعودى نسبة إلى جده المذكور، حضر دروس الشيخ مصطفى العزيزى وغيره من فضلاء الوقت، وكان إماما محققا له باع فى العلوم، وكان مسكنه فى باب الحديد أحد أبواب مصر، وحضر السيد البليدى فى تفسير البيضاوى، وكان الشيخ يعتمده فى أكثر ما يقول ويعترف بفضله ويحسن الثناء عليه. توفى فى شعبان سنه تسع وسبعين ومائة وألف انتهى. جامع أبى العلا هذا المسجد ببولاق القاهرة عند منتهى الجسر الموصل من جنينة الأزبكية إلى بولاق. جدده السادات الوفائية، وعلى بابه كتابة بالخط الكوفى فيها بيتان تحتهما تاريخ سنة ثلاث وستين ومائتين وألف وهما: قف على الباب خاضعا … حسن الظن والتجى فهو باب مجرب … لقضاء الحوايج /وهو جامع عامر مقام الشعائر إلى الغاية، له ثلاثة أبواب أحدها على الشارع وهو الباب الكبير، والثانى تجاه باب المقام غربى الجامع موصل لعطفة ضيقة، والثالث للميضأة. ويشتمل على إيوانين وثمانية أعمدة من الرخام، ومنبره من الخشب النقى المنزل بالعاج، ومحرابه مكسو بالرخام المقسم، ومنارته مرتفعة عليها نقوش كثيرة منها سورة تبارك بتمامها، وعلى سطحه مزولة، وبداخله ضريح سيدى أبى العلا الحسينى عليه قبة عظيمة ومقصورة من الخشب المنزل
следующие страницы →