قالوا: واستعمل أبو بكر على الحج سنةَ إحدى عشرة عمر بن الخطّاب، ثمّ اعتمر أبو بكر في رجب سنة اثنتى عشرة فدخل مكّة ضَحْوَةً فأتى منزله وأبو قُحافة جالس على باب داره معه فتيان أحداث يحدّثهم إلى أن قيل له هذا ابنك، فنهض قائمًا وعَجِلَ أبو بكر أن يُنيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة فجعل يقول: يا أبتِ لا تقم، ثمّ لاقاه فالتزمه وقبّل بين عينيْ أبى قحافة وجعل الشيخ يبكى فرحًا بقدومه، وجاءَ إلى مَكّة عَتّاب بن أَسِيد (١) وسُهيل بن عمرو وعِكْرمة بن أبي جَهل والحارث بن هشام فسلّموا عليه: سلامٌ عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعًا فجعل أبو بكر يبكى حين يذكرون رسول الله، ﷺ ، ثمّ سلّموا على أبى قُحافة فقال أبو قحافة: يا عتيقُ هؤلاء الملأ فأحسِنْ صُحْبَتهم، فقال أبو بكر: يا أبتِ لا حول ولا قوة إلّا بالله! طُوّقتُ عظيمًا من الأمر لا قوّة لي به ولا يَدَانِ (٢) إلّا بالله. ثمّ دخل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فنحاهم ثمّ قال: امْشوا على رِسْلكم. ولقيه النّاس يتمشّون في وجهه ويُعزّونَه بنبيّ الله، ﷺ ، وهو يبكي حتَّى انتهى إلى البيت فاضطبَع بردائه ثمّ استلم الرّكن ثمّ طاف سبعًا وركع ركعتين، ثمّ انصرف إلى منزله، فلمّا كان الظهر خرج فطاف أيضًا بالبيت، ثمّ جلس قريبًا من دار الندوة فقال: هل من أحدٍ يتشكّى من ظلامة أو يطلب حقًّا؟ فما أتاه أحد وأثْنى النّاس على واليهم خيرًا، ثمّ صلّى العصر وجلس فودّعه النّاس، ثمّ خرج راجعًا إلى المدينة، فلمّا كان وقت الحج سنة اثنتى عشرة حجّ أبو بكر بالنّاس تلك السنة وأفْرَدَ الحجّ واستُخلف على المدينة عثمان بن عفّان.
* * *
стр. 982
ذكر صفة أبى بكر
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخلتُ مع أبى على أبى بكر وكان رجلًا نحيفًا خفيف اللحم أبيض.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا شُعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق عن أبيه عن عائشة أنها نظرت إلى رجل من العرب مارًّا وهي في هَوْدَجها فقالت: ما رأيْتُ رجلًا أشبه بأبى بكر من هذا، فقلنا: صِفى لنا أبا بكر، فقالت: رجلٌ أبيض، نحيف، خفيف العارضين، أجْنَأ (١) لا يَسْتَمْسِكُ إزارُه (٢) يَسْتَرْخى عن حَقْويْه، معروقُ الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عارى الأشاجع، هذه صفته (٣).
قال محمّد بن عمر: فذكرت ذلك لموسى بن عمران بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر فقال: سمعت عاصم بن عُبيد الله بن عاصم يذكر هذه الصفة بعينها.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن الزهريّ عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا جعفر بن عون قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن زياد عن عُمارة عن عمّه قال: مررتُ بأبى بكر وهو خليفة يومئذٍ ولحيته حمراء قانيةٌ.
قال: أخبرنا جعفر بن عون ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: أخبرنا مسعر عن أبي عون عن شيخ من بنى أسد قال: رأيتُ أبا بكر في غزوة ذات السلاسل كأنّ لحيتَه لُهاب العَرْفَج، شيخًا خفيفًا أبيض، على ناقة له أدماءَ.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن الأعمش عن ثابت عن أبي جعفر الأنصاريّ قال: رأيتُ أبا بكر الصّدّيق ورأسه ولحيته كأنّهما جَمْرُ الغَضا. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم عن أبي
стр. 983
سلمة بن عبد الرّحمن أنّ عبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يَغوث، وكان جليسًا لهم. كان أبيض الرأس واللحية فغدا عليهم ذاتَ يوم وقد حمّرها فقال له القوم: هذا أحْسَنُ، فقال: إنّ أمّي عائشة أرسلتْ إليّ البارحة جاريتها نُخيلة فأقسمتْ عليّ لأصْبُغَنّ وأخْبرَتْنى أنّ أبا بكر كان يَصْبُغُ.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثني سليمان بن بلال عن محمّد بن أبي عتيق وموسى بن عُقبة عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزّبير أنّ عائشة قالت صَبَغَ أبو بكر بالحنّاء والكتَم.
قال: أخبرنا عبد الله بن مَسْلَمَة بن قَعْنَب الحارثى قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن عَمرو بن أبي عمرو عن القاسم بن محمّد قال: سمعتُ عائشة وذُكرَ عندها رجلٌ يخضب بالحنّاء فقالت إنْ يَخْضِبْ فقد خَضَبَ أبو بكر قبله بالحنّاء.
قال القاسم: لو علمتُ أَنَّ رسول الله خَضَبَ لَبَدَأتُ برسول الله فذكرتُه.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا حُميد قال: سُئل أنس بن مالك أخضب رسول الله؟ فقال: لم يَشِنْه (١) الشّيْبُ ولكِنْ خضب أبو بكر بالحنّاء وخضب عمرُ بالحنّاء.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: خضب أبو بكر بالحنّاء والكتَم.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير قال: أخبرنا عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: سألتُ أنس بن مالك بأيّ شئٍ كان يختضب أبو بكر؟ قال: بالحنّاء والكَتَم، قال: قلتُ فعمرُ؟ قال: بالحنّاء، قال: قلت فالنّبيّ، ﷺ ؟ قال: لم يُدْركْ ذاك.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا همّام بن يحيى عن قتادة عن أنس وأخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: وأخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمر عن حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: خضب أبو بكر بالحنّاء والكَتَم.
стр. 984
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر كان يَصْبُغُ بالحنّاء والكَتَم.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن سِماك عن رجلٍ من بنى خَيْثَمٍ قال: رأيتُ أبا بكرٍ قد خَضَبَ رأسه ولحيته بالحنّاء.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا إسرائيل عن معاوية بن إسحاق قال: سألتُ القاسم بن محمّد أكان أبو بكر يخضب؟ قال: نعم قد كان يُغَيّرُ.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن عمّار الدُّهْنى قال: جلستُ إلى أشياخ من الأنصار بمكّة فسألهم عُبيد بن أبي الجَعْد أكان عمر يخضب بالحنّاء والكتم؟ فقالوا: أخبرنا فلان أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا ابن عُيينة عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة أن أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ قال: أخبرنا أبو عَوانة عن حصين عن المغيرة بن شُبيل البجلي عن قيس بن أبي حازم أنّ أبا بكر كان يخرج إليهم وكأنّ لحيته ضرامُ عَرْفج من شدّة الحمرة من الحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن قال: أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: وأخبرنا سعيد بن منصور عن حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: وأخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن قال: أخبرنا شعبة عن زياد بن عِلاقة عن رجل أظنّه قال من قومه أنّ أبا بكر خضَبَ بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا سليمان بن عبد الرّحمن الدمشقيّ قال: أخبرنا محمّد بن حِمْيَر قال: أخبرنا إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ أنّ عقبة بن وَسّاج حدّثه عن أنسٍ خادم النّبيّ، ﷺ ، قال: قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة وليس في أصحابه أشْمَطُ غير أبى بكر فغَلّفَها بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن جُرَيج عن عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جُبير بن مُطعم قال: قال رسول الله، ﷺ ، غيّروا
стр. 985
ولا تَشبّهوا باليهود، قال: فصبَغَ أبو بكر بالحنّاء والكتم، وصبغ عمر فاشتَدّ صبْغُه، وصفّر عثمان بن عفّان، قال: فقيل لنافع بن جُبير: فالنّبيّ، ﷺ ؟ قال: كان يَمَسّ السّدْرَ، قال ابن جُريج وقال عطاء الخراسانيّ إنّ النّبيّ، ﷺ ، قال: منْ أجْمَلِ ما تَجَمَّلُونَ (١) به الحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النهدى قال: أخبرنا إسرائيل عن عاصم بن سليمان قال: سأل ابن سيرين أنس بن مالك هل كان أحد من أصحاب رسول الله، ﷺ ، يخضب؟ قال: أبو بكر، قال: حَسْبى (٢).
* * *
ذكر وصيّة أَبى بكر
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: لمّا مرض أبو بكر مَرَضَه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالى منذ دخلتُ الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدى فإنّي قد كنتُ أستحلّه، قال: وقال عبد الله بن نُمير أستصلحه جَهْدى، وكنتُ أصيبُ من الوَدَك نحوًا ممّا كنتُ أصيب في التجارة، قالت عائشة: فلمّا مات نظرنا فإذا عَبْدٌ نوبيّ كان يحمل صبيانه وإذا ناضح كان يَسنى عليه، قال عبد الله بن نُمير: ناضح كان يسقى بُسْتانًا له، قالت فبعثنا بهما إلى عمر، قالت فأخبرنى جدّى أنّ عمر بكَى وقال: رحمة الله على أبى بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعْدَه تَعَبًا شديدًا.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير ومحمّد بن عُبيد عن عُبيد الله بن عمر عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنّ أبا بكر حين حضره الموت قال: إنّى لا أعلم عند أبى بكر من هذا المال شيئًا غير هذه اللقحة وغيرَ هذا الغلام الصّيْقَل
стр. 986
كان يعمل سيوف المسلمين ويَخْدُمنا فإذا مِتُّ فادْفَعِيه إلى عمر، فلمّا دفعته إلى عمر قال: رحمَ الله أبا بكر لقد أتعَبَ مَنْ بَعْدَه (١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابيّ قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: أطَفْنا بغرفة أبى بكر الصّدّيق في مَرْضَتِه التي قُبض فيها، قال: فقلنا كيف أصبح أو كيف أمسى خليفة رسول الله، ﷺ ؟ قال: فاطّلع علينا اطّلاعَةً (٢) فقال: ألَسْتُمْ تَرْضَوْنَ بما أصْنَعُ! قلنا: بلى قدْ رضينا، قال: وكانت عائشة هي تُمَرّضُه، قال فقال: أما إنى قد كنت حريصًا على أن أُوَفّرَ للمسلمين فَيْئَهم مع أنى قد أصبتُ من اللحم واللبن فانظروا إذا رجعتم منّى فانظروا ما كان عندنا فأبْلِغوه عُمَرَ، قال: فذاك حيث عرفوا أنّه استخلفَ عمر، قال: وما كان عنده دينارٌ ولا درهم، ما كان إلا خادم ولقحة ومِحْلَب، فلمّا رأى ذلك عمر يُحْمَلُ إليه قال: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعدَه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون عن محمّد قال: توفّى أبو بكر الصّدّيق وعليه ستّة آلاف كان أخذها من بيت المال، فلمّا حضرته الوفاة قال: إنّ عمرَ لم يَدَعْنى حتَّى أصبتُ من بيت المال ستة آلاف درهم وإن حائطى الذي بمكان كذا وكذا فيها، فلمّا توفّى ذُكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أحَبّ أن لا يَدَعَ لأحَدٍ بعده مقالًا وأنا والى الأمر من بعده وقد رددتُها عليكم.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت عن سُمَيّه عن عائشة أنّ أبا بكر قال لها: يا عائشة ما عندي من مال إلّا لِقْحة وقَدَحٌ فإذا أنا مِتّ فاذهبوا بهما إلى عمر، فلمّا مات ذهبوا بهما إلى عمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعْدَه.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ وقَبيصة بن عُقبة عن سفيان عن السّرِيّ عن عبد خير عن عليّ قال: يرحم الله أبا بكر هو أوّل من جمع اللّوْحَين (٣).
стр. 987
قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد قال: حدّثني أُسامة بن زيْد بن أسلم عن أبيه عن نِيار الأسلمى عن عائشة قالت: قسم أبي أوّل عامٍ الفَئَ فأعطى الحُرّ عشرة وأعطى المملوك عشرة والمرأة عشرة وأمَتها عشرة، ثمّ قسم في العام الثاني فأعطاهم عشرين عشرين.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا أبو عامر الخزّاز صالح بن رُسْتَم قال: حدّثني أبو عِمْران الجَوْنى عن أسير قال: قال سَلْمان دخلتُ على أبى بكر الصّدّيق في مرضه فقلت: يا خليفة رسول الله اعْهَدْ إليّ عَهْدًا فإنّى لا أراك تَعْهَدُ إليّ بعد يومى هذا، قال: أجل يا سلمان إنّها ستكون فتوحٌ فلا أعْرِفَنّ ما كان من حظّك منها ما جعلتَ في بطنك أو ألقيته على ظهرك، واعلم أنّه من صلّى الصلوات الخمس فإنه يُصْبحُ فى ذِمّةِ الله ويُمسى في ذمّة الله، فلا تَقْتُلَنّ أحدًا من أهل ذمّة الله فيَطلُبك الله بذمَّته فيُكِبّك الله على وجهك في النّار.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وكثير بن هشام عن جعفر بن بُرقان عن خالد بن أبي عَزّة أنّ أبا بكر أوصى بخُمس ماله، أو قال آخُذُ من مالى ما أخذَ الله من فَئِ المسلمين.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا همّام بن يحيَى عن قتادة قال: قال أبو بكر لي من مالى ما رَضى ربّى من الغنيمة، فأوْصى بالخُمس.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن إسحاق بن سُويد أنّ أبا بكر أوصى بالخمس.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة (١) عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهّد ثمّ قال: أمّا بعدُ يا بُنيّة فإنّ أحَبّ النّاسِ غِنًى إليّ بعدى أنْتِ وإنّ أعَزّ النّاسِ عليّ فَقرًا بعدى أنْتِ وإنّى كنتُ نَحَلْتُكِ جدادَ عشرين وسقًا من مالى فوَدِدْتُ والله أنّكِ حُزْته وأخذته فإنّما هو مال الوارث وهما أخَواكِ وأخْتاكِ، قالت: قلتُ هذا أخَوَاىَ فمَنْ أُخْتاىَ؟ قال: ذات بَطْنِ ابْنةِ خارجةَ فإنّى أظُنّها جاريةً.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: أخبرنا أبو الكِباش الكندى عن محمّد بن الأشعث أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا أنْ ثقُل قال
стр. 988
لعائشة: إنّه ليس أحدٌ من أهلى أحَبّ إليّ منك وقد كنتُ أقْطَعْتُكِ أرْضًا بالبحرَين ولا أراك رَزَأتِ منها شيئًا، قالت له: أجَلْ، قال: فإذَا أنا مِتّ فابْعَثى بهذه الجارية، وكانت تُرْضعُ ابْنَه، وهاتَين اللِّقْحَتَين وحالبهما إلى عُمَرَ، وكان يسقى لَبَنَهما جُلساءَه، ولم يكن في يده من المال شَئٌ. فلمّا مات أبو بكر بعثت عائشة بالغلام واللقحتين والجارية إلى عمر فقال عمر: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ من بعده. فقَبل اللقحتين والغلام وردّ الجارية عليهم.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا همّام عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ أبا بكر لمّا حضرته الوفاةُ دعاها فقال: إنّه ليس في أهْلى بعدى أحدٌ أحَبّ إليّ غِنًى منكِ ولا أعزّ عليّ فَقرًا منك وإنّى كنتُ نحلتُك من أرضٍ بالعالية جدادَ، يعني صِرامَ (١)، عشرين وسقًا فلو كنتِ جَدَدته تمرًا عامًا واحدًا انْحازَ لكِ وإنّما هو مال الوارث وإنّما هما أخَوَاكِ وأُخْتاك، فقلت: إنّما هي أسماء، فقال: وذات بطنِ ابنةِ خارجة قد أُلقىَ في رُوعى أنّها جارية فاسْتَوصى بها خيرًا. فَوَلَدَتْ أمّ كلثوم.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أفْلح بن حُميد عن أبيه قال: كان المال الذي نَحَلَ عائشة بالعالية من أموال بنى النضير بئر حجر كان النّبيّ، ﷺ ، أعطاه ذلك المال فأصلحه بعد ذلك أبو بكر وغرس فيه وَدِيًّا.
قال: أخبرنا أبو سهل نَصْر بن باب عن داود بن أبي هِنْد عن عامر أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا احتُضرَ قال لعائشة: أي بنيّة قد علمت أنّكِ كنتِ أحبّ النّاس إليّ وأعَزّهُ (٢) وأنى كنتُ نَحَلْتُكِ أرْضى التي تعلمين بمكان كذا وكذا وأنا أُحِبّ أن تَرُدّيها عَلَيّ فيكون ذلك قسمة بين ولدى على كتاب الله فألْقى ربّى حين ألْقاه ولم أُفضّلْ بعضَ ولدى على بعض.
стр. 989
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وأبو أسامة قالا: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما ترك أبو بكر دينارًا ولا درهمًا ضَرَبَ الله سِكّتَه.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير ويَعْلى بن عُبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البَهيّ مولى الزُّبير عن عائشة قالت: لمّا حُضِرَ أبو بكر قلتُ كلمةً من قول حاتم:
لَعمرُكَ ما يُغنى الثراءُ عن الفَتى … إذا حشرَجتْ يوْمًا وضاقَ بها الصدرُ
فقال: لا تقولى هكذا يا بُنيّة ولكن قولى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [سورة ق: ١٩]، انْظُروا مُلاءَتَيّ هاتَيْنِ فإذا مِتّ فاغسِلوهما وكفّنونى فيهما فإنّ الحيّ أحْوج إلى الجديد من الميّت.
قالَ: أخبرنا يَعْلى ومحمّد ابنا عُبيد قالا: أخبرنا موسى الجُهَنى عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: جاءت عائشة إلى أبى بكر وهو يعالج ما يُعالجُ الميّتُ ونفَسُه في صدره فتمثّلتْ هذا البيت:
لعمرُك ما يُغْنى الثراءُ عن الفَتى … إذا حشرَجتْ يومًا وضاق بها الصدرُ
فنظر إليها كالغضبان ثمّ قال: ليس كذاك يا أمّ المؤمنين ولكن ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [سورة ق: ١٩]، إني قد كنتُ نَحَلْتُكِ حائطًا وإنّ في نفسى منه شيئًا فرُدّيه إلى الميراث، قالت: نعم فرددتُه، فقال: أما إنّا منذ وَلِينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا ولكنّا قد أكلنا من جَريشِ طعامهم في بطوننا ولبسنا من خَشِنِ ثيابهم على ظهورنا وليس عندنا من فيءِ المسلمين قليلٌ ولا كثيرٌ إلّا هذا العبدَ الحبَشيّ وهذا البعير الناضح وجَرْدَ هذه القطيفة فإذا مِتّ فابْعثي بهنّ إلى عمر وابْرَئى منهنّ. ففعلتُ (١).
فلمّا جاء الرسول عمرَ بكى حتَّى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، يا غلام ارفعهنّ. فقال عبد الرّحمن بن عوف: سبحان الله تَسْلُبُ عيالَ أبي بكر
стр. 990
عبدًا حبَشيًّا وبعيرًا ناضحًا (١) وجَرْدَ قطيفةٍ (٢) ثَمَنَ خمسة الدراهم؟ قال: فما تأمُرُ؟ قال: تَرُدّهنّ على عياله، فقال: لا والذى بعث محمّدًا بالحقّ، أو كما حلف، لا يكون هذا في ولايتى أبدًا ولا خرج أبو بكر منهنّ عند الموت وأرُدّهُنّ أنا على عياله، الموتُ أقربُ من ذلك.
قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لمّا مرض أبو بكر:
مَنْ لا يَزَالُ دَمْعُه مُقَنَّعًا (٣) … فإنه في مرة مدفوقُ (٤)
فقال أبو بكر: ليس كذاك أي بُنيّه ولكن ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٢) [سورة ق: ١٩].
قالَ: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا هارون بن أبي إبراهيم قال: أخبرنا عبد الله بن عُبيد أنّ أبا بكر أتته عائشة وهو يجود بنفسه فقالت: يا أبتاه هذا كما قال حاتم:
إذا حَشْرَجَتْ يوْمًا وضاقَ بها الصّدْرُ (٥)
فقال: يا بُنيّة قول الله أصْدق، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، إذا أنا مِتّ فاغْسلى أخْلاقى (٦) فاجْعليها أكْفانى، فقالت: يا أبتاه قد رزق الله وأحسن، نُكَفّنُك في جديد، قال: إنّ الحَيّ هو أحْوَجُ يَصُونُ نفسه
стр. 991
وَيَضَعُهَا (١) من الميّت، إنّما يصير إلى الصديد وإلى البِلى.
قال: وأخبرنا روْح بن عُبادة قال: أخبرنا هشام بن حسّان عن بكر بن عبد الله المُزَني قال: بلغنى أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا مرض فثقل قعدت عائشة عند رأسه فقالت:
وكُلُّ ذِى إبِلٍ موروثُها … وكلّ ذى سَلَبٍ مَسْلُوبُ (٢)
فقال: ليس كما قلت يا بنتاه ولكن كما قال الله، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [سورة ق: ١٩].
قال: أخبرنا عفّان قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن القاسم بن محمّد عن عائشة أنّها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر يقضى:
وَأبيضَ يُستَسقى الغمامُ بوَجهه … رَبيعُ اليتامى عصْمةٌ لِلأرامِلِ
فقال أبو بكر: ذاك رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا عَفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن سُمَيّة أنّ عائشة قالت:
من لا يزالُ دمْعُه مُقَنَّعًا … لابدّ يوما أنه يُهْرَاقُ
فقال أبو بكر: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت قال: كان أبو بكر يتمثّل بهذا البيت:
لا تَزالُ تَنْعى حَبيبًا حتَّى تكونَه … وَقَدْ يرْجُو الفَتَى الرّجَا يموتُ دونَه (٣)
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا مالك بن مِغول عن أبي السَّفَر (٤)
стр. 992
قال: مرض أبو بكر فقالوا ألا ندعو الطّبيب؟ فقال: قد رآنى فقال إنى فَعّالٌ لما أريد.
قال: أخبرنا رَوْح بن عبادة قال: أخبرنا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة قال: بلغنى أنّ أبا بكر قال: وَدِدْت أنى خضرة تَأكُلُنى الدّواب.
قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسى قال: حدّثني اللّيث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب أنّ أبا بكر والحارث بن كَلَدَة كانا يأكلان خزيرة أُهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبى بكر: ارْفَعْ يدك يا خليفة رسول الله، والله إنّ فيها لَسَمّ سَنَةٍ وأنا وأنت نموت في يوم واحد. قال فرفع يده فلم يَزَالا عَليلين حتَّى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة (١).
قال: أخبرنا محمّد بن حُميد العبدى عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال أبو بكر: لأنْ أُوصى بالخُمْس أحَبّ إليّ من أن أوصى بالربع، ولأن أوصى بالرّبع أحبّ إليّ من أن أوصى بالثلث، ومَنْ أوْصى بالثلث فلم يَتركْ شيئًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرَة عن عبد المجيد بن سُهيل عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال: وأخبرنا بَرَدان بن أبي النضر عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ قال: وأخبرنا عمرو بن عبد الله بن عَنْبَسَة عن أبي النضر عن عبد الله البَهيّ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا استُعِزّ (٢) به دعا عبد الرّحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطّاب، فقال عبد الرّحمن: ما تَسْألنى عن أمر إلا وأنت أعلم به منّى، فقال أبو بكر: وإنْ، فقال عبد الرّحمن: هو والله أفْضَلُ من رأيك فيه، ثمّ دعا عثمان بن عفّان فقال: أخْبِرني عن عمر، فقال: أنت أخبرُنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان: اللهُمّ عِلْمى به أنّ سريرته خير من علانيته وأنّه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تَرَكْتُه (٣) ما عَدَوْتُك.
стр. 993
وشاوَرَ معهما سعيد بن زيد أبا الأعور وأُسَيْدَ بن الحُضَير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أُسَيْدٌ: اللهمّ أعْلَمُه الخِيَرَةَ (١) بعدك يَرْضى للرّضى ويَسْخَطُ للسّخْطِ، الذي يُسِرّ خيرٌ من الّذى يُعلنُ، ولم يَلِ هذا الأمر أحَدٌ أقوى عليه منه. وسَمعَ بعضُ أصحاب النّبيّ، ﷺ ، بدخول عبد الرّحمن وعثمان على أبى بكر وخَلْوَتِهِما به فدخلوا على أبى بكر فقال له قائلٌ منهم: ما أنت قائلٌ لربّك إذا سألك عن استخلافك عُمَرَ علينا (٢) وقد تَرى غِلْظَتَه؟ فقال أبو بكر: أجْلِسونى، أبالله تُخَوفوني؟ خابَ مَنْ تَزَوّدَ من أمركم بظُلم، أقولُ اللهمّ استخلفتُ عليهم خير أهلك، أبْلِغ ما قلت لك مَنْ وَرَاءَك (٣).
ثمّ اضطجع ودعا عثمان بن عفّان فقال: اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما عَهِدَ أبو بكر بن أبي قُحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أوّل عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويَصْدُقُ الكاذب، إنى استخلفتُ عليكم بعدى عمر بن الخطّاب فاسمَعوا له وأطيعوا، وإنى لم آلُ الله ورسولَه ودينَه ونفسى وإيّاكم إلّا خيرًا (٤)، فإنْ عَدَل فذلك ظَنّى به وعلمى فيه، وإنْ بدّل فلكلّ امرئ ما اكتَسَبَ من الإثم، والخير أردتُ ولا أعلم الغَيْبَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢٢٧]، والسّلامُ عليكم ورحمةُ الله. ثمّ أمر بالكتاب فختمه (٥).
ثمّ قال بعضهم لمّا أمْلى أبو بكر صدرَ هذا الكتاب: بَقىَ ذكرُ عُمَرَ
стр. 994
فذُهِبَ (١) به قبل أنْ يُسَمّىَ أحَدًا. فكتب عثمان: إنى قد استخلفتُ عليكم عمرَ بن الخطّاب، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقْرَأ عَلَيّ ما كَتَبْتَ، فقَرَأ عليه ذِكْرَ عُمَرَ فكَبّرَ أبو بكر وقال: أراك خِفْتَ إنْ أقْبَلَتْ نفسى في غَشْيَتى تلك يَخْتَلِف النّاسُ فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا، والله إنْ كنتَ لها لأهْلًا (٢).
ثمّ أمره فخرج بالكتاب مختومًا ومعه عمر بن الخطّاب وأُسَيْد بن سعيد القُرَظيّ فقال عثمان للنّاس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد عَلِمْنَا به، قال ابن سعد: عليّ القائل وهو عمر، فأقَرّوا بذلك جميعًا ورَضوا به وبايعوا ثمّ دعا أبو بكر عمر خاليًا فأوصاه بما أوصاه به، ثمّ خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مَدًّا فقال: اللهمّ إنى لم أُرِدْ بذلِك إلّا صلاحَهم وخِفْتُ عليهم الفتنةَ فعملتُ فيهم بما أنت أعْلَمُ به واجتهدتُ لهم رَأيى فوَلّيْتُ عليهم خَيْرَهم وأقواهم عليهم وأحرَصهم على ما أرشدهم وقد حَضَرَنى من أمرِكَ ما حضر فاخْلُفنى فيهم فَهُمْ عبادُك ونَوَاصيهم بيدك أصْلِحْ لهم وإليهم واجْعَلْه من خُلفائك الراشدين يَتّبِعْ هُدى نبيّ الرّحْمَةِ وهُدى الصالحين بعده وأصْلِحْ له رَعِيّتَه.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لمّا ثقل أبو بكر قال: أيّ يوم هذا؟ قالت: قلنا يوم الاثنين، قال: فأيّ يومٍ قُبضَ رسولُ الله، ﷺ ؟ قالت: قلنا قُبض يومَ الاثنين، قال: فإنى أرجو ما بيني وبَينَ الليل. قالت وكان عليه ثوب فيه رَدْعٌ من مِشْقٍ فقال: إذا أنا مِتّ فاغسلوا ثوبى هذا وضمّوا إليه ثوبَين جديدين وكفّنونى في ثلاثة أثواب، فقلنا: ألا نَجْعَلُها جُدُدًا كلّها؟ قال فقال: لا، إنّما هو للمُهْلَةِ، الحَيّ أحَقّ بالجديد من الميّت. قالت فمات ليلة الثلاثاء، ﵀.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة
стр. 995
عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر قال لها: في أيّ يوم مات رسول الله، ﷺ ؟ قالت: في يوم الاثنين، قال: ما شاء الله، إنى لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيمَ كَفّنْتُمُوه؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سَحُوليّة يَمانِيَة ليس فيها قميص ولا عِمامَة، فقال أبو بكر: انْظُرى ثَوْبى هذا فيه رَدْعُ زَعْفَرَان أو مِشْقٍ فاغسليه واجعلى معه ثوبين آخَرَين، فقالت عائشة: يا أبتِ هو خَلَقٌ، فقال: إنّ الحىّ أحقّ بالجديد وإنّما هو للمُهْلة. وكان عبد الله بن أبي بكر أعْطاهم حُلّةً حِبَرَةً فأُدْرِجَ رسول الله، ﷺ ، فيها ثمّ استخرجوه منها فكُفّن في ثلاثة أثواب بيض، فأخذ عبد الله الحُلّة فقال: لأكَفّنَنّ نفسى في شئٍ مَسّ النّبيّ، ﷺ ، ثمّ قال بعد ذلك: والله لا أكَفّنُ في شئٍ مَنَعَهُ الله نبيّه أنْ يُكَفّنَ فيه، ومات أبو بكر ليلة الثلاثاء ودفن ليلًا، وماتت عائشة ليلًا فدفنها عبد الله بن الزُّبير ليلًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد اللّيثيّ عن محمّد بن حمزة بن عمرو عن أبيه قال: وأخبرنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق عن عمر بن حُسين مولى آل مظعون عن طلحة بن عبد الله ابن عبد الرّحمن بن أبي بكر قال: وأخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالوا: كان أوّلُ بَدْءِ مرض أبى بكر أنّه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بن الخطّاب يصلّى بالنّاس، ويَدْخُلُ النّاس عليه يعودونه وهو يثقل كل يومٍ وهو نازل يومئذ في داره التي قطع له النّبيّ، ﷺ ، وجاهَ دار عثمان بن عفّان اليوم، وكان عثمان ألْزَمَهُم له في مرضه، وتوفى أبو بكر، ﵀، مساء ليلة الثلاثاء لثمانى ليالٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من مُهاجَر النّبيّ، ﷺ ، فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليالٍ، وكان أبو معشر يقول سنتين وأربعة أشهر إلّا أربع ليالٍ، وتوفى، ﵀، وهو ابن ثلاثٍ وستّين سنة، مُجْمَعٌ على ذلك في الروايات كلّها، استوفى سِنّ رسول الله، ﷺ . وكان أبو بكر وُلد بعد الفيل بثلاث سنين (١).
стр. 996
قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني أبو إسحاق عن عامر بن سعد عن جرير أنّه سمع معاوية يقول: توفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستّين سنة.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا شريكُ عن أبي إسحاق قال: مات أبو بكر وهو ابن ثلاثٍ وستّين سنة.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: استكمل أبو بكر في خلافته سِنّ رسول الله، ﷺ ، فتوفى هو ابن ثلاث وستّين سنة.
قال: أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر قال: أخبرنا سُفيان بن عُيينة قال: سمعتُ عليّ بن زيد بن جُدْعان يحدّث عن أنس قال: كان أسنّ أصحاب رسول الله، ﷺ ، أبو بكر وسُهيل بن بيضاء.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن شعبة عن سعد بن إبراهيم أنّ أبا بكر أوصى أن تَغْسِلَه امرأتُه أسْماءُ (١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: حدّثنا همّام عن قتادة أنّ أبا بكر غسلته امرأته أسماءُ بنتُ عُميس.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن محمّد بن شريك عن ابن أبي مُليكة أنّ أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماءُ.
أخبرنا عبد الله بن نُمير عن سعيد عن قتادة عن الحسن أنّ أبا بكر أوصى أن تغسله أسماء.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح والفضل بن دُكين عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم أن أبا بكر غسلته امرأته أسماء.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن أبى بُردة عن أبي بكر بن حفص أنّ أبا بكر أوصى أسماءَ بنتُ عُميس أن تغسله إذا مات وعَزَمَ عليها: لمّا أفْطَرْتِ لأنّهُ أقْوى لك، فَذَكَرَتْ يمينه من آخر النّهار فدعت بماءٍ فشربت وقالت: والله لا أُتْبِعُه اليوم حنثًا.
стр. 997
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ قالا: أخبرنا أشعث عن عبد الواحد بن صَبِرَةَ عن القاسم بن محمّد أنّ أبا بكر الصّدّيق أوصى أن تغسله امرأتُه أسماءُ فإن عجزت أعانَها ابنُها منه، محمّدٌ.
قال محمّد بن عمر: وهذا وَهَلٌ، وقال محمّد بن سعد: هذا خَطَأٌ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا ابن جُريج عن عطاء قال: أوصى أبو بكر أن تغسله امرأتُه أسماء بنت عُميس فإن لم تستطع استعانت بعبد الرّحمن بن أبي بكر.
قال محمّد بن عمر: وهذا الثبت، وكيف يُعينُها محمّدٌ ابنها وإنّما وَلَدَتْه بذى الحُليفة في حجّة الوداع سنةَ عشرٍ وكان له يومَ توفى أبو بكر ثلاث سنين أو نحْوها؟
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا أبو معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ أبا بكر غسّلته أسماءُ بنت عُميس.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن عبد الله بن أبي بكر أنّ أسماءَ بنت عُميس امرأة أبى بكر الصّدّيق غسلت أبا بكر حين توفى ثمّ خرجت فسَألَتْ من حَضَرَهَا من المهاجرين فقالت: إنى صائمة وهذا يومٌ شديدُ البرد فهل عليّ غُسْلٌ؟ قالوا: لا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن أبي عُبيد حاجب سليمان عن عطاء قال: غسلته في غداة باردة فسألت عثمان هل عليها غُسْل؟ فقال: لا، وعمر يسمع ذلك ولا يُنْكِرُه.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن حنظلة عن القاسم بن محمّد قال: كُفّن أبو بكر في رَيْطَتَين، ريطة بيضاء وريطة ممصّرة، وقال: الحيّ أحوج إلى الكسوة من الميّت، إنّما هو [الكفن] (١) لِما يَخْرُجُ من أنْفه وفيه.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حُميد الطّويل عن بكر بن عبد الله المُزَنى أنّ أبا بكر كُفّن في ثوبين.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن عُبيد الله بن عمر عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه قال: كُفّن أبو بكر في ثلاثة أثواب أحدها ثوب ممصّر.
стр. 998
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك عن يحيَى بن سعيد قال: بلغنى أنّ أبا بكر الصّدّيق قال لعائشة وهو مريض: في كم كُفّنَ رسولُ الله، ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب سَحُوليّة، فقال أبو بكر: خذوا هذا الثوب، لِثَوْب عليه قد أصابه مِشْقٌ أو زعفران، فاغسلوه ثمّ كفّنونى فيه مع ثوبين آخرين، فقالت عائشة: وما هذا؟ قال أبو بكر: الحيّ أحوج إلى الجديد من الميّت، وإنّما هو للمُهْلة.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا مِنْدَلٌ عن لَيْث عن عَطَاءٍ قال: كُفّن أبو بكر في ثوبين غسيلين.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: أخبرنا سُفيان عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه أنّ أبا بكر كُفّن في ثلاثة أثواب.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ قال: أخبرنا شُعبة قال: سألتُ عبد الرّحمن بن القاسم عن أبي بكر في كم كُفّن، قال: في ثلاثة أثواب، قلت: مَنْ حَدّثَكُم؟ قال: سمعتُه من محمّد بن عليّ.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا زُهير عن أبي إسحاق قال: كُفّن أبو بكر في ثوبين.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سُفيان وشريك عن عِمران بن مسلم عن سُويد بن غَفَلَةَ قال: كُفّن أبو بكر في ثوبين، قال شريك معقّدين.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا زُهير عن عِمران بن مُسلم عن سُويد بن غَفَلَة أنّ أبا بكر كُفّن في ثوبين من هذه الثياب الموصولة.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: أخبرنا كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد الله أنّ أبا بكر أمرهم أن يَرْحَضوا أخْلاقه فيدفنوه فيها. قال: ودُفن ليلًا.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سيف بن أبي سليمان قال: سمعتُ القاسم بن محمّد قال: قال أبو بكر حين حَضَرَه الموت: كفّنونى في ثوبيّ هذين اللّذين كنتُ أصَلّى فيهما واغسلوهما فإنّهما للمُهْلة والتراب.
стр. 999
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ وعفّان بن مسلم والحسن بن موسى الأشْيَبُ قالوا: أخبرنا شُعبة عن محمّد بن عبد الرّحمن عن عَمرَة عن عائشة قالت: قال أبو بكر: اغسلوا ثوبى هذا وكَفّنونى فيه فإنّ الحيّ أفقر إلى الجديد من الميّت.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن القاسم أنّ أبا بكر الصّدّيق كُفّن في ثوبين غَسيلَين سَحوليّين من ثياب اليمن، وقال أبو بكر: الحيّ أولى بالجديد، إنّما الكفن للمُهْلة.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيّب أنّ أبا بكر كُفّن في ثوبين أحدهما غَسيلٌ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معمر ومحمّد عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: أوصى أبو بكر أن يُكَفّن بثوبين عليه كان يَلْبَسُهُما، قال: كفّنونى فيهما فإنّ الحيّ هو أفقر إلى الجديد من الميّت.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ابن جُريج عن عطاء عن عُبيد بن عُمير قال: كُفّن أبو بكر في ثوبين أحدهما غسيل.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عَمرو أبو عامر العَقَديّ قال: أخبرنا خالد بن إلياس عن صالح بن أبي حَسّان أنّ عليّ بن الحسين سأل سعيد بن المسيّب: أيْنَ صُلّىَ على أبى بكر؟ فقال: بين القبر والمنبر، قال: من صَلّى عليه؟ قال: عمر، قال: كم كَبّرَ عليه. قال: أربعًا.
قال: أخبرنا شَبابة بن سَوّار الفزاريّ قال: أخبرنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن حمّاد عن إبراهيم قال: صَلّى عمر على أبى بكر فكبّر عليه أربعًا.
قال: أخبرنا وكيع عن كثير بن زَيد عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب أنّ أبا بكر وعُمر صُلّىَ عليهما في المسجد تُجاه المنبر.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير عن هشام بن عُروة عن أبيه، قال وكيع أو غيره شَكّ هشام، وقال ابن نُمير عن أبيه ولم يشُكّ، أنّ أبا بكر صُلّىَ عليه في المسجد.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا خالد بن إلياس عن صالح بن يزيد
стр. 1000
مولى الأسود قال: كنتُ عند سعيد بن المسيّب فمَرّ عليه عليّ بن حسين فقال: أين صُلّىَ على أبى بكر؟ فقال: بين القبر والمنبر.
قال: حدّثنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا خالد بن إلياس عن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار عن أبيه أنّ عمر كَبّرَ على أبى بكر أربعًا.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ أبا بكر صُلّى عليه في المسجد.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا حفص بن غياث عن ابن جُريج عن محمّد بن فلان بن سعد أنّ عمر حين صَلّى على أبى بكر في المسجد رَجّعَ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معمر عن الزّهريّ قال: وحدّثنا كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب قالا: الذي صلّى على أبى بكر عمرُ بن الخطّاب وصلّى صُهَيْبٌ على عمر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن أبيه قال: صلّى عمر على أبى بكر.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن هشام بن عروة عن أبيه أو غيره، شَكّ هشام، أنّ أبا بكر دُفن ليلًا.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابيّ قال: أخبرنا همّام عن هشام بن عروة قال: حدّثني أبى أنّ عائشة حدّثته قالت: توفى أبو بكر ليلًا فدفنّاه قبل أنْ نصبح (١).
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن موسى بن عليّ عن أبيه عن عُقبة بن عامر قال: سُئِل أيُقْبَرُ الميّتُ ليلًا؟ فقال: قد قُبر أبو بكر بالليل.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير قال: أخبرنا ابن جُريج عن إسماعيل بن محمّد بن سعد عن ابن السبّاق أنّ عمر دَفَنَ أبا بكرٍ ليلًا ثمّ دخل المسجد فأوْتَرَ بثلاث.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا عبد الله بن المؤمَّل عن ابن أبي مُليكة أنّ أبا بكر دُفن ليلًا.
قال: أخبرنا محمّد بن مُصْعَب القرقسانيّ عن الأوزاعيّ عن يحيَى بن سعيد أنّ أبا بكر دُفن ليلًا.
стр. 1001
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرنا الوليد بن أبي هشام عن القاسم بن محمّد قال: دفن أبو بكر ليلًا.
قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابيّ عن كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب أنّ أبا بكر الصّدّيق دُفن ليلًا.
قال: أخبرنا مُطَرّف بن عبد الله اليساريّ قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن محمّد بن عبد الله عن ابن شهاب، بلغه أنّ أبا بكر دُفن ليلًا، دَفنه عمر بن الخطّاب.
قال: أخبرنا أنس بن عياض عن يونس بن يزيد الأيلى عن ابن شهاب أنّ عمر دَفَن أبا بكر ليلًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن خالد بن رَباح عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب عن ابن عمر قال: حضرتُ دفن أبى بكر فنزل في حُفرته عمرُ بن الخطّاب وعثمان بن عفّان وطلحة بن عبد الله وعبد الرّحمن بن أبي بكر، قال ابن عمر فأرَدتُ أن أنزل فقال عمرُ كُفيتَ.
قال: أخبرنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب قال: لمّا توفّى أبو بكر أقامت عليه عائشة النّوْح فبلغ عُمَرَ فجاءَ فنهاهنّ عن النوح على أبى بكر، فأبَينَ أن يَنْتَهِينَ، فقال لهشام بن الوليد: أخْرِجْ إليّ ابنةَ أبى قُحافة، فعلاها بالدِّرّةِ ضَرَباتٍ فتفرّق النوائح حين سَمِعْنَ ذلك، وقال: تُرِدْنَ أنْ يعَذَّبَ أبو بكر ببُكائكنّ؟ إنّ رسولَ الله، ﷺ ، قال إنّ الميّت يُعَذَّبُ ببُكاءِ أهْله عليه.
قَال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا مالك بن أبي الرّجال عن أبيه عن عائشة قالت: توفى أبو بكر بين المغرب والعشاء فأَصبحنا فاجتمع نساءُ المهاجرين والأنصار وأقاموا النّوح وأبو بكر يُغسل ويكفّن، فأمر عمر بن الخطّاب بالنُّوَّح (١) فَفُرّقْنَ فوالله على ذلك إنْ كُنّ لَيُفَرَّقْنَ ويَجْتَمِعْنَ.
стр. 1002
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن عمر بن عبد الله بن عروة أنّه سمع عروة والقاسم بن محمّد يقولان: أوصى أبو بكر عائشةَ أن يدْفَنَ إلى جَنْبِ رسول الله، ﷺ ، فلمّا توفّى حُفر له وجُعل رأسُه عند كَتِفَىْ رسول الله، ﷺ ، وأُلصِقَ اللّحدُ بقبر رسول الله، ﷺ ، فقُبر هناك (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ربيعة بن عثمان عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير قال: رَأسُ أبى بكر عند كَتِفَىْ رسول الله، ﷺ ، ورأسُ عمر عند حَقْوَىْ أبى بكر (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن عمرو بن أبي عمرو عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال: جُعِلَ قبرُ أبى بكر مثلَ قبر النّبيّ، ﷺ ، مُسَطّحًا ورُشّ عليه الماء.
قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم بن محمّد قال: دخلتُ على عائشة فقلت: يَا أُمَّتِ اكْشِفى لي عن قبر النّبيّ، ﷺ ، وصاحبَيْه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مُشْرِفَةٍ ولا لاطئةٍ مبطوحةٍ ببَطْحاءِ العَرْصَةِ الحمراءِ، قال: فرأيتُ قبر النّبيّ، ﷺ ، مُقَدّمًا وقبرَ أبى بكر عند رأسه، ورأسَ عمر عندَ رِجْلِ النّبيّ، ﷺ ، قال عمرو بن عثمان فوصف القاسمُ قبورهم.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار أنّه قال: رأيتُ عبد الله بن عمر يقف على قبر النّبيّ، ﷺ ، فيصلّى على النّبيّ، ﷺ ، ويدعو لأبى بكر وعمر.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا أبو عَقيل عن رجل قال: سئل عليّ عن أبي بكر وعمر فقال: كانا إمامَىْ هُدًى راشدَيْن مُرْشِدَيْن مُصْلِحَيْن مُنْجِحَيْن خَرَجا من الدّنيا خَميصَيْن.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا الضحّاك بن عثمان عن عُمارة بن عبد الله بن صيّاد عن ابن المسيّب قال: سمع أبو قُحافة الهائعة بمكّة فقال:
стр. 1003
ما هذا؟ قال: توفى ابنك، قال: رُزْءٌ (١) جليل، مَنْ قام بالأمر بعده؟ قالوا: عمر، قال: صاحبُه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا شُعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: وَرِثَ أبا بكر الصدّيق أبوه أبو قُحافة السّدْسَ ووَرِثَه معه ولده عبدُ الرحمن ومحمد وعائشةُ وأسماءُ وأمّ كلثوم بنو أبى بكر وامرأتاهُ أسْماءُ بنت عميس وحَبيبةُ ابنة خارجةَ بن زيد بن أبي زهير من بلحارث بن الخَزْرَج، وهي أمّ أمّ كلثوم وكانت بها نَسْأً حين توفّى أبو بكر، ﵀.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة قال: سمعتُ مُجاهدًا يقول: كُلّمَ أبو قُحافة في ميراثه من أبى بكر الصدّيق، ﵀، فقال: قد رَدَدتُ ذلك على ولد أبى بكر.
قالوا: ثمّ لم يَعِشْ أبو قحافة بعد أبى بكر إلّا ستّة أشهر وأيّامًا، وتوفّى في المحرّم سنة أربع عشرة بمكّة وهو ابن سبع وتسعين سنة.
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَنٍ قال: أخبرنا الربيع عن حِبّان الصائغ قال: كان نقش خاتم أبى بكر نعم القادر الله.
قال: أخبرنا معن بن عيسى وأبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قالا: أخبرنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أنّ أبا بكر الصدّيق تختّم في اليسار.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب وهشام عن محمّد بن سيرين قال: مات أبو بكر ولم يَجْمَع القرآن.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو معاوية عن السّرِيّ بن يحيَى عن بسطام بن مسلم قال: قال رسول الله، ﷺ ، لأبى بكر وعمر: لا يَتَأمّرُ عليكما أحدٌ بعدى.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا ابن عون عن محمّد أنّ أبا بكر قال لعمر: ابْسطْ يدك نبايعْ لك، فقال له عمر: أنت أفضل منّى، فقال له أبو بكر: أنت أقوى منّى، فقال له عمر: فإنّ قوّتى لك مع فَضْلك، قال فبايعه.
стр. 1004
قال: أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب قال: أخبرنا زُهير قال: أخبرنا عروة بن عبد الله بن قُشير قال: لقيتُ أبا جعفر وقد قَصِعَتْ لحيتى فقال: مالكَ عن الخضاب؟ قال: قلتُ أكرهه في هذا البلد، قال: فاصْبِغْ بالوَسِمَة فإنى كنتُ أخْضِبُ بها حتى تَحَرّكَ فمى، ثمّ قال إنّ أناسًا من حَمْقى قُرّائِكم يزعمون أنّ خِضابَ اللّحى حرام وأنّهم سألوا محمّد بن أبي بكر أو القاسم بن محمّد، قال زُهير الشكّ من غيرى، عن خِضاب أبى بكر فقال كان يخضب بالحنّاء والكتم فهذا الصِّدّيق قد خَضَبَ، قال: قلتُ الصِّدّيق؟ قال: نعم وربّ هذه القبلةِ أو الكعبة إنّه الصِّدّيق.
قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا أبى سمعت الحسن قال: لمّا بويع أبو بكر قام خطيبًا فلا والله ما خَطَبَ خِطْبَتَه أحدٌ بعدُ فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال (١): أمّا بعد فإنّى وَليتُ هذا الأمر وأنا له كارهٌ ووالله لوَدِدْتُ أنّ بعضكم كَفانيه، ألا وإنّكم إنْ كلّفتمونى أنْ أعْمَلَ فيكم بمثل عَمَل رسول الله، ﷺ ، لم أقُمْ به، كان رسول الله، ﷺ ، عَبْدًا أكرمه الله بالوَحْى وعَصَمَهُ به، ألا وإنّما أنا بشَرٌ ولستُ بخير من أحَدٍ منكم فراعونى، فإذا رأيتمونى استقمتُ فاتْبَعونى وإنْ رأيتمونى زُغْتُ فقوّمونى، واعلموا أنّ لي شيطانًا يعترينى فإذا رأيتمونى غضبتُ فاجْتَنبونى لا أؤثّرُ في أشعاركم وأبْشاركم.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب بن خالد قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سعيد الخدريّ قال: لمّا توفى رسول الله، ﷺ ، قامت خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إنّ رسول الله، ﷺ ، كان إذا استعملَ رجلًا منكم قَرَنَ معه رجلًا منّا فنرَى أن يَلىَ هذا الأمر رجُلان أحدهما منكم والآخر منّا. قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال: إنّ رسول الله، ﷺ ، كان من المهاجرين وإنّ الإمام إنّما يكون من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنّا أنصار رسول الله، ﷺ . فقام أبو بكر
стр. 1005
فقال: جَزاكم الله من حَيٍّ خَيرًا يا معشر الأنصار وثبّت قائلكم. ثمّ قال: أما والله لو فعلتم غير ذلك لما صَالَحناكم.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن يحيَى بن سهل بن أبي حَثْمَةَ عن أبيه عن جدّه قال: أخبرنا عبد الملك بن وهب عن ابن صُبيحة التيميّ عن آبائه عن جدّه صُبيحة قال: وأخبرنا عبد الرّحمن بن محمّد بن أبي بكر عن أبيه عن حنظلة بن قيس الزُّرَقيّ عن جُبير بن الحُويرث قال: وأخبرنا محمّد بن هلال عن أبيه، دخل حديثُ بعضهم في حديث بعض، أنّ أبا بكر الصّدّيق كان له بيتُ مال بالسُّنح معروف ليس يَحْرِسُه أحَدٌ، فقيل له: يا خليفة رسول الله، ﷺ ، ألا تَجْعَلُ على بيت المال مَنْ يحرسه؟ فقال: لا يُخافُ عليه، قلت: لِمَ؟ قال: عَلَيهِ قُفْلٌ. قال: وكان يُعطى ما فيه حتَّى لا يبقى فيه شئٌ، فلمّا تَحَوّل أبو بكر إلى المدينة حَوّله فجعل بيتَ ماله في الدّار التي كان فيها، وكان قَدِمَ عليه مالٌ من مَعْدِنِ القَبَليّةِ ومن معادن جُهينة كثير وانفتح معدن بنى سُليم في خلافة أبى بكر فَقُدِمَ (١) عليه منه بصَدَقَته فكان يوضعُ ذلك في بيت المال فكان أبو بكر يَقْسِمُه على النّاس نُقَرًا نُقَرًا فيصيب كل مائة إنسان كذا وكذا، وكان يُسَوّى بين النّاس في القَسْم الحُرّ والعَبْد والذَّكَر والأُنثى والصغير والكبير فيه سواءٌ، وكان يشترى الإبلَ والخَيلَ والسلاحَ فيَحمِلُ في سبيل الله، واشترى عامًا قطائفَ أتى بها من البادية ففَرقَها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، فلمّا توفى أبو بكر ودُفِنَ دعا عمر بن الخطّاب الأمناء ودخلَ بهم بيتَ مال أبى بكر ومعه عبد الرّحمن بن عوف وعثمان بن عفّان وغيرهما ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه دينارًا ولا درهمًا ووجدوا خَيْشة للمال فَنُفِضَتْ (٢) فوجدوا فيها درهمًا فرحّموا على أبى بكر. وكان بالمدينة وَزَّانٌ على عهد رسول الله، ﷺ ، وكان يزن ما كان عند أبى بكر من مال، فسُئل الوزّان كم بَلَغَ ذلك المال الذي وَرَدَ على أبى بكر؟ قال: مائتى ألف.
стр. 1006
٦٩ - طَلْحَة بن عُبَيْد الله
ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة، ويكنى أبا محمّد، وأمّه الصّعبَةُ بنتُ عبد الله بن عِماد الحضرميّ وأمّها عاتكة بنت وهب بن عبد بن قُصيّ بن كلاب، وكان وهب بن عبد صاحب الرّفادة دون قريش كلّها.
وكان لطلحة من الولد محمّدٌ وهو السَّجَّاد وبه كان يكنى، قُتل يوم الجَمَل مع أبيه، وعِمران بن طَلحة وأمّهما حَمْنة بنت جَحْش بن رئاب بن يَعْمُر بن صَبِرَة بن مُرّة بن كبير بن غَنْم بن دودان بن أسد بن خُزَيمة وأمّها أُميمة بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ، وموسى بن طلحة وأمّه خَوْلة بنت القَعْقاع بن مَعْبَد بن زُرارة بن عُدَس (١) بن زَيد من بنى تَميم، وكان يقال للقَعْقَاع تَيّار الفُرات من سَخائه، ويعقوب بن طلحة وكان جَوادًا قُتل يوم الحَرّة، وإسماعيل وإسحاق وأمّهم أُمّ أبان بنت عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس، وزكريّاءُ ويوسف وعائشة وأمّهم أمّ كلثوم بنت أبى بكر الصّدّيق، وعيسى ويحيَى وأمّهما سُعْدى بنت عوف بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المُرّى، وأمّ إسحاق بنت طلحة تزوّجها الحسن بن عليّ بن أبي طالب فولدت له طلحة ثمّ توفى عنها فخلف عليها الحسين بن عليّ فولدت له فاطمة وأمّها الجَرْباءُ وهي أمّ الحارث بنت قسامة بن حنظلة بن وهب بن قيس بن عُبيد بن طريف بن مالك بن جَدْعاءَ من طيئ، والصعبة بنت طلحة وأمّها أمّ ولد، ومريم ابنة طلحة وأمّها أمّ ولد، وصالح بن طلحة دَرَجَ، وأمّه الفَرْعة بنت عليّ سَبيّة من بنى تغلب.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني الضّحّاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبيّ عن إبراهيم بن محمّد بن طلحة قال: قال طلحة بن عُبيد الله حضرتُ سوقَ بُصْرى فإذا راهبٌ في صومعته يقول: سَلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحدٌ من أهل الحَرَم؟ قال طلحة: فقلتُ نعم أنا، فقال: هل ظَهَرَ أحْمَدُ بعدُ؟ قال
стр. 1007
قلتُ: ومَنْ أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطّلب، هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء ومخرجه من الحرم ومُهاجَرُه إلى نَخْلٍ وحَرّةٍ وسِباخٍ، فإيّاكَ أنْ تُسْبَقَ (١) إليه، قال طلحة: فوقع في قلبى ما قال فخرجتُ سريعًا حتَّى قدمتُ مكّة فقلتُ: هل كان مِنْ حَدَثٍ؟ قالوا: نعم محمّد بن عبد الله الأمين تنبّأ وقد تبعه ابن أبي قُحافة، قال فخرجتُ حتَّى دخلتُ على أبى بكر فقلت: أتَبِعْتَ هذا الرّجل؟ قال: نعم فانطلقْ إليه فادخل عليه فاتْبَعْه فإنّه يدعو إلى الحقّ. فأخبَرَه طلحة بما قال الرّاهب فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله، ﷺ ، فأسْلَم طلحة وأخبر رسول الله بما قال الرّاهب فسُرّ رسول الله، ﷺ ، بذلك فلمّا أسلَم أبو بكر وطلحة بن عُبيد الله أخذهما نوفل بن خُويلد بن العَدَويّة فشَدّهما في حبلٍ واحدٍ ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نَوفل بن خُويلد يُدْعى أسدَ قريش فلذلك سمّى أبو بكر وطلحة القَرينَين (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا فائد مولى عبد الله بن عليّ بن أبي رافع عن عبد الله بن سعد عن أبيه قال: لمّا ارتحلَ رسول الله، ﷺ ، من الخرّار في هجرته إلى المدينة فكان الغد لقيه طلحة بن عُبيد الله جائيًا من الشأم في عير، فكَسَا رسول الله، ﷺ ، وأبا بكر من ثياب الشأم وخبّر رسول الله، ﷺ ، أنّ مَنْ بالمدينة من المسلمين قد استبطئوا رسول الله، فعَجّلَ رسولُ الله، ﷺ ، السّيرَ ومضى طلحةُ إلى مكّة حتَّى فرغ من حاجته ثمّ خرج بعد ذلك مع آل أبى بكر فهو الّذى قَدِمَ بهم المدينة (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الجبّار بن عُمارة قال: سمعتُ عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم قال: لمّا هاجر طلحة بن عُبيد الله إلى المدينة نزل على أسعد بن زُراة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم بن
стр. 1008
الحارث التيميّ عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين طلحة بن عُبيد الله وسعيد بن زَيد بن عمرو بن نُفيل.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة عن عمّه عيسى بن طلحة قال: وأخبرنا مخرمة بن بُكير عن أبيه عن بُسر بن سعيد قالا: آخى رسول الله، ﷺ ، بين طلحة بن عُبيد الله وأُبَيّ بن كعب.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: جعل رسول الله، ﷺ ، لطلحة موضع داره.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن المِسْوَر بن رِفاعة عن عبد الله بن مِكْنَف مِنْ حارثة الأنصار (١) قال محمّد بن عمر وسمعتُ بعض هذا الحديث من غير ابن أبي سَبْرَة قالوا: لمّا تحيّن رسول الله، ﷺ ، فُصول عِيرِ قُريش من الشأم بعث طلحة بن عُبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل قبل خروجه من المدينة بعشر ليال يتحسّبان خبر العير فخرجا حتَّى بلغا الحوراء فلم يزالا مقيمين هناك حتَّى مَرّت بهما العِير، وبلغ رسولَ الله، ﷺ ، الخبر قبل رجوع طلحة وسعيد إليه فنَدَبَ أصحابه وخرج يريد العير، فساحلت العير وأسرعت وساروا اللّيل والنّهار فَرَقًا من الطلب، وخرج طلحة بن عُبيد الله وسعيد بن زيد يريدان المدينة ليُخبرا رسول الله، ﷺ ، خبر العير ولم يَعْلَما بخروجه فَقَدِمَا المدينة في اليوم الذي لاقى فيه رسول الله، ﷺ ، النّفير من قريش ببدر، فخرجا من المدينة يعترضان رسول الله، ﷺ ، فلقياه بتُربان (٢) فيما بين ملَلٍ والسّيالة على المحجّة مُنْصَرِفًا من بدر، فلم يشهد طلحة وسعيد الوقعة، فضرب لهما رسول الله، ﷺ ، بسهامهما وأجورهما في بدر فكانا كَمَنْ شَهِدَها. وشهد طلحة أُحُدًا مع رسول الله، ﷺ ، وكان فيمن ثَبَتَ معه يومئذ حين ولّى النّاس، وبايعه على الموت، ورَمى مالك بن زُهير يوم أحُدٍ رسول الله، ﷺ ، فاتّقى بيده عن وجه رسول الله، ﷺ ، فأصاب خنصره فَشَلّت، فقال حين أصابته الرّمية: حَسِّ، فقال رسول الله، ﷺ : لو قال بسم الله لَدَخَلَ
стр. 1009
الجنَّةَ: والنّاس ينظرون، وكان طلحة قد أصابته يومئذٍ في رأسه المصلّبة، ضَرَبهُ رجلٌ من المشركين ضَرْبَتَينِ، ضَرْبَةً وهو مقبل وضربة وهو مُعْرِض عنه، فكان قد نُزِفَ منها الدمُ، وكان ضرار بن الخطّاب الفهرى يقول: أنا والله ضربتُه يومئذٍ. وشهد طلحة الخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير ويَعْلَى ومحمّد ابنا عُبيد والفَضل بن دُكين عن زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر الشعبيّ قال: أُصيب أنفُ النّبيّ، ﷺ ، ورَباعيّتُه يوم أحُدٍ وإنّ طلحة بن عُبيد الله وَقَى رسول الله، ﷺ ، بيده فضُربت فشَلّتْ إصْبَعه.
قال: أخبرنا أبو أُسامة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرنا قيس قال: رأيتُ إصبعَى طلحة قد شَلّتا، اللّتين وقى بهما النّبيّ، ﷺ ، يوم أُحُد.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا صالح بن موسى عن معاوية بن إسحاق عن عائشة وأمّ إسحاق ابنتى طلحة قالتا: جُرح أبونا يوم أُحُد أربعًا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شَجّةٌ مربّعة وقُطِعَ نَساه، يعني عِرْق النَّسَا، وشَلّت إصبعه، وسائر الجراح في سائر جسده، وقد غلبه الغَشىُ ورسول الله، ﷺ ، مكسورة رباعيّتاه مشجوج في وجهه، قد عَلَاه الغشى وطلحة محتمله يَرْجِعُ به القَهْقَرى، كُلّما أدركه أحدٌ من المشركين قاتَلَ دونه حتَّى أسنده إلى الشِّعْب (١).
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة قال: أخبرني عيسى بن طلحة عن عائشة أمّ المؤمنين قالت: حدّثني أبو بكر قال: كنتُ في أوّل من فاءَ إلى رسول الله، ﷺ ، يوم أُحُد فقال لنا رسول الله، ﷺ ، عليكم صاحبكم، يريد طلحة، وقد نُزِفَ فلم ينظر إليه، وأقبلنا على النّبيّ، ﷺ .
قال إسحاق بن يحيَى وأخبرنى موسى بن طلحة قال: رجع طلحة يومئذٍ بخمسٍ وسبعين أو سبعٍ وثلاثين ضربةً رُبّعَ فيها جبينه وقُطعَ نَساه وشَلّت إصبعه التي تلى الإبهام.
стр. 1010
قال عبد الله بن المبارك: وأخبرنى محمّد بن إسحاق عن يحيَى بن عبّاد عن أبيه عن جدّه عن الزُّبير قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: أوْجَبَ طلحة.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا صالح بن موسى عن معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: إنى لفى بيتى ورسول الله، ﷺ ، وأصحابه بالفِناء وبينى وبينهم السّترُ إذ أقبل طلحة بن عُبيد الله فقال رسول الله، ﷺ : مَنْ سَرّه أن ينظر إلى رجل يمشى على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابيّ قال: أخبرنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة قال: حدّثني موسى بن طلحة قال: دخلتُ على معاوية فقال: ألا أبَشّرُكَ؟ قال قلت: بَلَى، قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: طلحة ممّن قضى نحبه.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ قال: أخبرنا أبو عَوانة (١) عن حُصين عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: قال رسول الله، ﷺ : مَنْ أراد أن ينظر إلى رجل قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عُبيد الله.
قال حُصين: قاتلَ طلحةُ عن رسول الله، ﷺ ، حتى جُرِحَ يومئذٍ.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن شريك عن أبي إسحاق أنّ النّبيّ، ﷺ ، بعث طلحة سريّة في عشرة وقال: شِعارُكم يا عَشَرَةُ.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق قال: بعث رسول الله، ﷺ ، سريّةً تسعة وأتَمّهم عشرة بطلحة بن عُبيد الله وقال: شعاركم عشرة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: سمعتُ من يصف طلحة قال: كان رجلًا آدم كثير الشعر، ليس بالجعْد القَطَط ولا بالسّبْط، حسن الوجه، دقيقَ العِرْنين. إذا مشى أسْرَعَ، وكان لا يُغيّر شَعْره، وقد روى عن أبي بكر وعمر.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا عمرو بن عثمان مولى آل طلحة عن أبي جعفر قال: كان طلحة بن عُبيد الله يَلْبَسُ المعصفرات.
стр. 1011
قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: أخبرنا فُليح بن سليمان عن نافع عن أسلم مولى عمر أنّ عمر رأى على طلحة بن عُبيد الله ثوبين مصبوغين بمِشْق وهو مُحْرِم فقال: ما بال هذين الثوبين يا طلحَ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّما صبغناه بمَدرٍ، فقال عمر: إنّكم أيّها الرّهط أَئِمَّة يقتدى بكم الناسُ ولو أنّ جاهلًا رأى عليك ثوبيك هذين لقال قد كان طلحة يلبس الثياب المصبّغة وهو مُحْرِم.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق عن نافع عن صفيّة بنت أبى عُبيد أو أسلم أنّ عمر أبصر طلحة بن عُبيد الله وعليه ثوبان ممشّقان فقال: ما هذا يا طلحة؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّما هو مَدَرٌ، فقال: إنكم أيّها الرّهط أَئِمَّةٌ يُقْتَدى بكم ولو رآك أحدٌ جاهل قال طلحة يلبس الثياب المصبّغة وهو مُحْرِم، وإنّ أحسنَ ما يلبس المحرِمُ البياضُ، فلا تلبسوا على النّاس.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عمر قالا: أخبرنا إسرائيل قال: سمعتُ عِمران بن موسى بن طلحة يذكر عن أبيه أنّ طلحة بن عُبيد الله قُتل يوم الجمل وعليه خاتم من ذهب.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا قيس بن الرّبيع عن عمران بن موسى بن طلحة عن أبيه قال: كان في يد طلحة خاتم من ذهب فيه ياقوتة حمراء فنزعها وجعل مكانها جِزْعة، فأصيب، ﵀، يوم الجمل وهي عليه.
قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثى قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة قال: كانت غلّة طلحة بن عُبيد الله ألفًا وافيًا.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عُيينة عن طلحة بن يحيَى قال: حدّثتنى جدّتى سُعدى بنت عوف المُرّيّة قالت: دخلتُ على طلحة ذات يوم فقلت: ما لي أراك أرابك شئٌ من أهلك فنُعْتِبَ؟ قال: نعم، حليلةُ المرءِ أنت ولكن عندي مال قد أهَمّنى أو غَمّنى، قالت: اقْسِمْه. فدعا جاريته فقال: ادخلى على قومى. فأخَذَ يَقْسِمُهُ فسألتها: كم كان المال؟ فقالت: أربعمائة ألف.
قال: أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال: أخبرنا هشام عن الحسن أنّ طلحة بن عُبيد الله باع أرضًا له من عثمان بن عفّان بسبعمائة ألف فحملها إليه فلمّا جاء بها قال:
стр. 1012
إنّ رجلًا تبيتُ هذه عنده في بيته لا يدرى ما يَطْرُقُه من أمر الله لَغَرِير (١) بالله، فبات ورُسُلُه مختلف بها في سِكَكِ المدينة حتَّى أسْحَرَ وما عنده منها درهم.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عُيينة عن مجالد عن عامر عن قَبيصة بن جابر قال: ما رأيت أحدًا أعطى لجزيلِ مالٍ من غير مسألة من طلحة بن عُبيد الله.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عُيينة عن ابن أبي خالد عن ابن أبى حازم قال: سمعتُ طلحة بن عُبيد الله يقول، وكان يُعَدّ من حُلماء قريش: إنّ أقلّ العيب على الرجل جلوسُه في داره.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل عن قيس قال: قال طلحة بن عُبيد الله: إنّ أقلّ العيب على المرء أنْ يَجْلِسَ في داره.
قال: حدّثنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مخرمة بن سليمان الوالبى عن عيسى بن طلحة قال: كان أبو محمّد طلحة يُغِلّ كلّ يومٍ من العراق ألفَ وافٍ درهمٍ ودانقين.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان طلحة بن عُبيد الله يُغِلّ بالعراق ما بين أربعمائة ألفٍ إلى خمسمائة ألف، ويُغِلّ بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقلّ أو أكثر، وبالأعراض له غلّاتٌ، وكان لا يدَعُ أحدًا من بنى تَيْم عائلًا إلّا كفاه مئونته ومئونة عياله وزوّج أياماهم وأخْدَمَ عائلهم وقضى دين غارمهم، ولقد كان يُرسل إلى عائشة إذا جاءت غلّته كلّ سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن صُبيحة التيميّ ثلاثين ألف درهم (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة أنّ معاوية سأله: كم ترك أبو محمّد، يرحمه الله، من العين؟ قال: ترك ألفى ألف درهم ومائتى ألف درهم ومائتى ألف دينار، وكان ماله قد اغتيل، كان
стр. 1013
يُغِلّ كلّ سنة من العراق مائة ألف سوى غلّاته من السراة وغيرها، ولقد كان يُدْخِلُ قُوتَ أهله بالمدينة سَنَتَهم من مزرعة بقناة كان يَزْرَعُ على عشرين ناضحًا، وأوّلُ من زرع القمح بقناة هو، فقال معاوية: عاش حميدًا سخيًّا شريفًا وقُتل فقيرًا، ﵀.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن محمّد بن زيد بن المهاجر عن إبراهيم بن محمّد بن طلحة قال: كانت قيمة ما ترك طلحة بن عُبيد الله من العقار والأموال وما ترك من النّاضّ ثلاثين ألف ألف درهم، ترك من العين ألفَىْ ألف ومائتى ألف درهم ومائتى ألف دينار، والباقى عُروض.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إسحاق بن يحيَى عن جدّته سُعْدَى بنت عوف المُرّيّة أمّ يحيَى بن طلحة قالت: قُتل طلحة بن عُبيد الله، يرحمه الله، وفى يد خازنه ألفا ألف درهم ومائتا ألف درهم، وقُوّمت أصولُه وعقارُه ثلاثين ألف ألف درهم (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو رجاء الأيلى عن يزيد بن أبى حبيب عن عليّ بن رَباح قال: قال عمرو بن العاص حُدّثتُ أنّ طلحة بن عُبيد الله ترك مائة بُهار في كلّ بهار ثلاث قناطر ذهب، وسمعتُ أنّ البُهار جِلْدُ ثور.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مخرمة بن سليمان الوالبيّ عن السائب بن يزيد قال: صَحِبْتُ طلحة بن عُبيد الله في السفر والحضر فلم أَخْبُرْ (٢) أحدًا أعَمّ سخاءً على الدّرهم والثوب والطعام من طلحة.
قال محمّد بن سعد: وأخبرنى من سمع إسماعيل بن أبي خالد يخبر عن
стр. 1014
حكيم بن جابر الأحمسيّ قال: قال طلحة بن عُبيد الله يوم الجمل: إنّا داهنّا في أمر عثمان فلا نَجِدُ اليوم شيئًا أمْثَلَ منْ أنْ نَبْذُلَ دماءَنا فيه، اللهمّ خُذْ لعثمان منى اليومَ حتَّى ترضى.
قال: أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال: أخبرنا عوف قال: بلغنى أنّ مَروان بن الحكم رمى طَلحة يوم الجمل وهو واقف إلى جنب عائشة بسهم فأصاب ساقه ثمّ قال: والله لا أطلبُ قاتِلَ عثمان بعدك أبدًا. فقال طلحة لمَوْلًى له: ابْغنى مكانًا، قال: لا أقدِرُ عليه، قال: هذا والله سهم أرسله الله، اللهُمّ خُذْ لعثمان منى حتَّى ترضى. ثمّ وَسّدَ حجرًا فمات.
قال: أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال: أخبرنا ابن عون عن نافع قال: كان مَروان مع طَلحة في الخيل فرأى فُرْجة في درع طلحة فرماه بسهمٍ فقتله.
قال: أخبرنا رَوح بن عُبادة قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَروبة عن قَتادة قال: رُمى طلحة فأعْنَقَ فرَسُه فركَض فمات في بنى تَميم فقال: بالله مَصْرَعُ شَيْخٍ أُضيعَ.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن قُرّة بن خالد عن محمّد بن سيرين أنّ مروان اعتَرضَ طلحةَ لمّا جَالَ النّاس بسهم فأصابه فقتله.
قال محمّد بن سعد: أخبرني من سمع أبا حُباب الكلبيّ يقول حدّثني شيخ من كلب قال: سمعتُ عبد الملك بن مروان يقول لولا أنّ أمير المؤمنين مروان أخبرني أنّه هو الذي قتل طلحة ما تركتُ من ولد طلحة أحدًا إلّا قتلته بعثمان بن عفّان.
قال: أخبرنا أبو أُسامة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرني قيس بن أبي حازم قال: رمى مروان بن الحكم طلحة يوم الجمل في رُكبته فجعل الدّم يغذو يسيل فإذا أمسكوه اسْتَمْسَكَ وإذا تركوه سال، قال: والله ما بَلَغَت إلينا سهامُهم بَعْدُ، ثمّ قال: دَعُوه فإنّما هو سهمٌ أرسله الله. فمات فدفنوه على شطّ الكَلّاءِ، فرأى بعضُ أهله أنّه قال: ألا تُريحوننى من هذا الماء فإنى قد غَرِقْتُ، ثلاثَ مرّات يقولها، فنبشوه من قبره أخْضَرَ كأنّه السّلْق فنزفوا عنه الماءَ ثمّ استخرجوه فإذا ما يلى الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا دارًا من دور أبى بكرة فدفنوه فيها.
стр. 1015
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمّد بن طلحة عن محمّد بن زيد بن المهاجر قال: قُتل طلحة بن عُبيد الله، يرحمه الله، يوم الجمل، وكان يوم الخميس لعشرٍ خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، وكان يومَ قُتِلَ ابنَ أربعٍ وستّين سنة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: قال لي إسحاق بن يحيَى عن عيسى بن طلحة قال: قُتل وهو ابن اثنتين وستّين سنة.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعيّ عن أبي حَبيبة مَوْلًى لطلحة قال: دخل عِمْران بن طلحة على عليّ بعدما فَرَغَ من أصحاب الجمل فرحّبَ به وقال: إنى لأرجو أن يجعلنى الله وإيّاك من الذين قال الله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٧]. قال ورجلان جالسان على ناحية البساط فقالا: الله أعدَلُ من ذلك، تَقْتُلُهُم بالأمس وتكونون إخْوانًا على سُرُرٍ متقابلين في الجنّة؟ فقال عليّ: قُوما أبْعَدَ لأرْضٍ وأسْحَقَها، فمَنْ هو إذًا إن لم أكنْ أنا وطلحة؟ قال ثمّ قال لعمران: كيف أهْلُكَ مَنْ بَقىَ من أمّهات أولاد أبيك؟ أما إنّا لم نَقْبِضْ أرضَكم هذه السّنين ونحن نريد أن نأخذها، إنّما أخذناها مخافةَ أنْ ينتهبها النّاسُ. يا فلان اذْهَبْ معه إلى ابن قَرَظَة فمُرْهُ فَلْيَدْفَعْ إليه أرضه وغَلّةَ هذه السنين، يابن أخى وَأتِنا في الحاجة إذا كانت لك (١).
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن طلحة بن يحيَى قال: أخبرني أبو حبيبة قال: جاءَ عمران بن طلحة إلى عليّ فقال: تَعالَ هاهنا يابن أخى. فأجلسه على طَنْفَسَته فقال: والله إنى لأرجو أن أكون أنا وأبو هذا ممّن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
فقال له ابن الكَوّاء: الله أعْدَلُ من ذلك. فقام إليه بدِرّته فضربه وقال: أنت، لا أمّ لك، وأصحابُك تنكرون هذا؟
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا أبان بن عبد الله البَجَليّ قال: حدّثني نُعيم بن أبي هند قال: حدّثني رِبْعيّ بن حِراش قال: إنى لعند عليّ جالسٌ إذ جاء ابن طلحة فسلّم على عليّ، فرحّب به عليّ، فقال: تُرَحّبُ بي يا أمير
стр. 1016
المؤمنين وقد قَتَلْتَ والدى وأخذتَ مالى؟ قال: أمّا مالك فهو معزول في بيت المال، فاغْدُ إلى مالك فخذه، وأمّا قولك قتلتَ أبى فإنى أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٧]. فقال رجل من همدان أعْور: الله أعْدَلُ من ذلك. فصاح عليّ صيحة تداعى لها القصر، قال: فمَنْ ذاك إذا لم نكن نحن أولئك (١)؟
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوْضيّ قال: أخبرنا عُبيدة بن أبي رَيْطَة قال: أخبرني أبو حُميدة عليّ بن عبد الله الظّاعنيّ قال: لمّا قدم عليّ الكوفة أرسل إلى ابنَىْ طلحة بن عُبيد الله فقال لهما: يا ابنى أخى انطلقا إلى أرضكما فاقبضاها فإنى إنّما قبضتها لئلّا يَتَخَطّفَها النّاس، إنى لأرجو أن أكون أنا وأبوكما ممّن ذكر الله في كتابه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٧]. قال الحارث الأعور الهَمْدانيّ: الله أعْدَلُ من ذلك، فأخذ عليّ بمجامع ثيابه وقال: فَمَنْ، لا أمّ لك. مَرّتين.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أُنيسة عن محمّد الأنصاريّ عن أبيه قال: جاءَ رجل يومَ الجمل فقال: ائْذَنوا لقاتل طلحة. قال فسمعتُ عليًّا يقول: بَشّرْه بالنّار.
* * *
٧٠ - صُهَيْبُ بن سِنان
ابن مالك بن عبد عمرو بن عُقيل بن عامر بن جندلة بن جَذِيمة (٢) بن كعب
стр. 1017
ابن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النّمِر بن قاسط بن هِنْب بن أفْصى بن دُعْميّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وأمّه سلمى بنت قَعيد بن مَهيض بن خُزاعى بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم (١).
وكان أبوه سِنان بن مالك، أو عمّه، عاملًا لكسرى على الأبُلّة، وكانت منازلهم بأرض المَوْصِل، ويقال كانوا في قرية على شطّ الفرات ممّا يلى الجزيرة والموصل فأغارت الروم على تلك النّاحية فسبَتْ صُهيبًا وهو غُلام صغير، فقال عمّه:
أنشد بالله الغلام النمرىْ … دج به الروم وأهلى بالنبىْ (٢)
قال: والنبى اسم القرية التي كان أهله بها، فنشأ صُهيب بالروم فصارَ ألْكَنَ فابتاعته كلب منهم ثمّ قدمت به مكّة فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التّيميّ منهم فأعتقه فأقام معه بمكّة إلى أن هلك عبد الله بن جُدْعان وبُعثَ النّبيّ، ﷺ ، لمّا أراد الله به من الكرامة ومَنّ به عليه من الإسلام. وأمّا أهل صُهيب وولده فيقولون بل هَرَبَ من الرّوم حين بلغ وعَقَلَ فقدم مكّة فحالف عبد الله بن جُدْعان وأقام معه إلى أن هلك (٣).
وكان صُهيب رجلًا أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى القصر أقرب، وكان كثير شعر الرأس، وكان يخضب بالحنّاء (٤).
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن معروف بن أبي معروف الجَزَريّ قال: سمعتُ محمّد بن سيرين يقول: صُهيب من العرب من النّمِر بن قاسط.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : صُهيب سابق الروم.
стр. 1018
قال: أخبرنا عبد الملك أبو عامر العَقَديّ وأبو حُذيفة موسى بن مسعود قالا: أخبرنا زُهير بن محمّد قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو جميعًا عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل عن حمزة بن صُهيب عن أبيه أنه كان يُكنى أبا يحيَى ويقول إنّه من العرب ويُطْعِمُ الطعامَ الكثيرَ، فقال له عمر بن الخطّاب: يا صُهيب ما لك تُكنى أبا يحيَى وليس لك ولدٌ وتقول إنّك من العرب وأنت رجل من الروم وتُطْعِمُ الطعامَ الكثير وذلك سَرَفٌ في المال؟ فقال صُهيب: إنّ رسول الله، ﷺ ، كنانى أبا يحيَى، وأمّا قولك في النّسب وادّعائى إلى العرب فإنى رجل من النمر بن قاسط من أهل الموصل ولكن سُبِيتُ، سَبَتْنى الرومُ غلامًا صغيرًا بعد أن عَقَلْتُ أهلى وقومى وعرفتُ نسبى، وأمّا قولك في الطعام وإسرافى فيه فإنّ رسول الله، ﷺ ، كان يقول إنّ خِيارَكُمْ مَنْ أطْعَمَ الطَّعامَ ورَدّ السلامَ، فذلك الذي يحملنى على أن أطْعِمَ الطّعام (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن أبي عُبيدة عن أبيه قال عمّار بن ياسر: لقيتُ صُهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله، ﷺ ، فيها فقلت: ما تريد؟ فقال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردتُ أن أدخل على محمّد فأسْمَعَ كلامه، قال: وأنا أريد ذلك. قال فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثمّ مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا، ثمّ خرجنا ونحن مُستخفون، فكان إسلام عَمّار وصُهيب بعد بضعةٍ وثلاثين رجلًا (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاوية بن عبد الرّحمن بن أبي مُزَرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزُّبير قال: كان صُهيب بن سنان من المستضعَفين من المؤمنين الذين كانوا يعذَّبون في الله بمكّة (٣).
قال: أخبرنا هَوذة بن خليفة قال: أخبرنا عوف عن أبي عثمان النّهْديّ قال: بلغنى أنّ صُهيبًا حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له أهل مكّة: أتَيْتَنا ها هنا صُعْلوكًا
стр. 1019
حقيرًا فكَثُرَ مالُك عندنا وبلغتَ ما بلغتَ ثمّ تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكونُ ذلك. فقال: أرَأيْتُمْ إنْ تركتُ مالى تُخَلّونَ أنتُم سبيلى؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله أجْمَعَ، فبلغَ النّبيّ، ﷺ ، فقال رَبحَ صُهَيْبٌ، رَبحَ صُهيب (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرني عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال: أقبل صُهيب مهاجرًا نحو المدينة واتّبعه نفرٌ من قريش فنزل عن راحلته وانْتَثَلَ ما في كِنانته ثمّ قال: يا معشرَ قريش لقد عَلِمْتُم أنى مِنْ أرْماكم رجلًا، وايْمُ الله لا تَصِلون إليّ حتَّى أرْمىَ بكلّ سهم معي في كنانتى ثمّ أضْرِبَكُم بسيفى ما بَقىَ في يدى منه شئٌ، فافعلوا ما شئْتُم، فإنْ شِئتُم دَلَلتُكم على مالى وخلّيتُم سبيلى، قالوا: نعم، ففعل. فلمّا قدم على النّبيّ، ﷺ ، قال: رَبِحَ البَيْعُ (٢) أبا يحيَى، رَبِحَ البَيْعُ، قال ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣) [سورة البقرة: ٢٠٧].
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عاصم بن سُويد من بنى عمرو بن عوف عن محمّد بن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت قال: قدِمَ آخرَ النّاس في الهجرة إلى المدينة عليّ وصُهيب بن سِنان، وذلك للنصف من شهر ربيع الأوّل، ورسول الله، ﷺ ، بقُباءَ لم يَرِمْ بعد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن عبد الحكيم بن صُهيب عن عمر بن الحكم قال: قدم صُهيبٌ على رسول الله، ﷺ ، وهو بقباءَ ومعه أبو بكر وعمر وبين أيديهم رُطَبٌ قد جاءَهم به كلثوم بن الهِدْم أمّهاتُ جراذين (٤)، وصُهيب قد رَمِدَ بالطريق وأصابته مَجاعةٌ شديدة، فوقع في الرطب
стр. 1020
فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى إلى صُهيب يأكل الرطب وهو رَمِدٌ؟ فقال رسول الله، ﷺ : تأكُلُ الرّطَبَ وأنْتَ رَمِدٌ؟ فقال صُهيب: وإنّما آكُلُه بشِقّ عَيْنى الصحيحة، فتبسّم رسولُ الله، ﷺ ، وجعل صُهيب يقول لأبى بكر: وَعَدْتَنى أن نَصْطَحِبَ (١) فخرَجتَ وتركتَنى، ويقول: وعدتَنى يا رسول الله أن تصاحبنى فانطلقتَ وتركتنى فأخَذَتْنى قريشٌ فحبسونى فاشتريتُ نفسى وأهلى بمالى. فقال رسول الله، ﷺ : رَبحَ البَيْعُ. فأنزلَ الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧]. وقال صُهيب: يا رسول الله ما تزوّدتُ إلّا مُدًّا من دقيق عَجَنْتُه بالأبواء حتَّى قدمتُ عليك (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لمّا هاجر صُهيب من مكّة إلى المدينة نزل على سعد بن خَيْثَمَة، ونزل العُزّابُ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، على سعد بن خَيْثَمَة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ بين صُهيب بن سِنان والحارث بن الصّمّة.
قال: وشهد صُهيب بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ (٣).
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا جرير بن حازم عن يَعْلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: كان صُهيب يقول: هَلُمّوا نُحَدّثكم عن مغازينا فأمّا أن أقولَ قال رسول الله فلا (٤).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني فُليح بن سليمان عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه قال: قال عمر لأهل الشّورى فيما يوصيهم به: وَلْيُصَلّ لكم صُهيبٌ (٥).