قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال: أوْصَى هاشم ابن عبد مَناف إلى أخيه المطّلب بن عبد مَناف، فبنو هاشم وبنو المطّلب يدٌ واحدةٌ إلى اليوم، وبنو عبد شمس وبنو نوفل ابنا عبد مَناف يَدٌ إلى اليوم.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: وَوَلَد هاشم بن عبد مَناف أربعة نفر وخمس نسوة: شَيْبَةَ الحَمْدِ وهو عبد المطّلب، وكان سيّد قريش حتى هلك، ورُقيّة بنت هاشم، ماتت وهى جارية لم تَبْرُز، وأمّها سَلْمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خِداش بن عامر بن غَنْم بن عدى بن النجّار، وأخواهما لأمّها عمرو ومعبد ابنا أُحَيْحَة بن الجُلاح بن الحريش بن جَحْجَبَا بن كُلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، وأبَا صيفىّ بن هاشم، واسمه عمرو وهو أكبرهم، وصيفيًّا، وأمّهما هند بنت عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف ابن الخزرج، وأخوهما لأمّهما مخرمة بن المطّلب بن عبد منَاف بن قصىّ، وأسد ابن هاشم، وأمّه قَيْلة وكانت تلقب الجزور بنت عامر بن مالك بن جَذيمة، وهو المصطلق من خزاعة، ونضلة بن هاشم، والشّفاء، ورُقيّة، وأمّهم أُميمة بنت عدى ابن عبد الله بن دينار بن مالك بن سَلَامان بن سعد من قضاعة، وأخواهما لأمّها نُفيل بن عبد العزّى العدوى، وعمرو بن ربيعة بن الحارث بن حُبيّب بن جَذيمة بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤىّ، والضّعِيفَة بنت هاشم، وخالدةَ بنت هاشم، وأمّها أم عبد الله وهى واقدة بنت أبى عدى، ويُقال عُدَى، وهو عامر بن عبد نُهْم ابن زيد بن مازن بن صعصعة، وَحَيَّة بنت هاشم، وأمها عُدَّى بنت حُبَيّب بن الحارث بن مالك بن حُطَيْط بن جُشم بن قَسى وهو ثقيف (١).
قال: وكان هاشم يكنّى أبَا يزيد، وقال بعضهم: بل كان يكنّى بابنه أسد بن هاشم، ولما تُوفى هاشم رثاه ولده بأَشعارٍ كثيرة، فكان مما قيل فيما أخبرنا محمد ابن عمر عن رجاله، قالت خالدة بنت هاشم ترثى أباها، وهو شعر فيه ضعف:
بَكَرَ النّعِيُّ بخيْرِ مَنْ وَطِئَ الحَصَى … ذى المكَرُماتِ وَذى الفَعالِ الفاضِلِ
بالسيّد الغَمْرِ السَّمَيْدَعِ ذى النّهَى … ماضى العَزيمة غَير نِكسٍ واغِلِ
стр. 107
زينِ العَشِيرَةِ كُلّهَا وربيعِها … فى المُطْبِقاتِ وفى الزّمَانِ الماحِلِ
بأخى المَكارِمِ والفواضِلِ وَالعُلى … عمرو بن عبد مَنافِ غَيرِ الباطلِ
إنّ المُهَذَّب مِنْ لُؤىّ كُلّهَا … بالشَأمِ بَينَ صَفَائِحٍ وَجنَادِلِ
فابْكى عَليْهِ ما بقِيتِ بِعَوْلَةٍ … فَلَقَدْ رُزِئْتِ أخا ندًى وفَوَاضِلِ
وَلَقَدْ رُزِئْتِ قَريعَ فِهْرٍ كلّها … ورئيسها فى كلّ أمْرٍ شامِلِ
وقالت الشفاء بنت هاشم ترثى أباها:
عَينِ جُودى بِعَبرَةٍ وَسُجومِ … واسفحى الدمعَ للجواد الكريمِ
عينِ واسْتعبرى وَسحّى وَجُمّى … لأبِيكِ المسَوَّدِ المَعْلومِ
هاشمِ الخيرِ ذى الجلالةِ والمَجْدِ … وذى الباعِ والندى والصّميمِ
وَرَبيعٍ لِلْمُجْتَدينَ وَحِرْزٍ … وَلِزَازٍ لكلّ أمْرٍ عَظيمِ
شِمّرِىٍّ نَماهُ للعِزِّ صَقْرٌ … شامخُ البيتِ من سَرَاةَ الأديمِ
شيْظَمِىٍّ مُهَذَّبٍ ذى فُضُولٍ … أرْيحىٍّ مثْلِ القَناةِ وَسيمِ
غَالِبِىٍّ سَمَيْدَعٍ أحْوَذِىٍّ … باسقِ المجدِ مَضْرَحِىٍّ حَليمِ
صادقِ البَأسِ (١) فى الموَاطِنِ شهْمٍ .... ماجدِ الجَدِّ غيرِ نِكس ذميمِ
* * *
ذكر عبد المطّلب بن هاشم
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: كان المطلب بن عبد مناف بن قُصىّ أكبر من هاشم ومن عبد شمس، وهو الذى عقد الحلف لقريْش من النّجاشىّ فى متجرها، وكان شريفًا فى قومه مطاعًا سيدًا، وكانت قريش تسمّيه الفَيْضَ لسماحته، فولى بعْد هاشم السّقاية والرّفادة؛ وقال فى ذلك:
أبْلِغْ لَدَيْكَ بَنى هَاشِمٍ … بما قدْ فَعَلْنا ولم نُؤمَرِ
أقَمْنَا لِنَسْقى حَجِيجَ الحَرَا … م إذْ تُرِكَ المجدُ لمْ يُؤثَرِ
نَسُوقُ الحَجيجَ لأبْيَاتنَا … كَأنّهُمُ بَقَرٌ تُحْشَر
стр. 108
قال: وقدم ثابت بن المنذر بن حَرام، وهو أبو حسّان بن ثابت الشاعر، مكّة معتمرًا فلقى المطّلب وكان له خليلًا، فقال له: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالًا وهيبة وشرفًا، لقد نظرت إليه وهو يناضل (١) فتْيانًا من أخواله فيُدخل مِرْماتَيه (٢) جميعًا فى مثل راحتى هذه ويقول كلما خَسَقَ (٣): أنا ابن عَمْرِو العُلَى! فقال المُطّلب: لا أُمسى حتى أخرج إليه فأقدم به، فقال ثابت: ما أرى سلمَى تدفعه إليك ولا أخواله، هم أضَنّ به من ذلك وما عليك أن تَدَعَه فيكون فى أخواله حتى يكون هو الذى يقدِم عليك إلى ما ههنا راغبًا فيك، فقال المطّلب: يا أبَا أوس ما كنْتُ لأَدعه هناك ويترك مآثر قومه وَسِطَتَه ونسبه وشرفه فى قومه ما قد علمت، فخرج المطّلب فورد المدينة فنزل فى ناحية وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمى فى فتيانٍ من أخواله، فلمّا رآه عرف شبْه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه إليْه وكساه حُلّة يمانيّة وأنشأ يقول:
عَرَفْتُ شَيْبَةَ والنّجّارُ قدْ حَفَلَتْ .... أبناؤها حوله بالنّبْل تَنْتَضِلُ
عرفْتُ أجْلاده منّا وشيمتَهُ … ففاضَ منّى عليه وابلٌ سَبَلُ
فأرسلت سلمى إلى المُطّلب فدعتْه إلى النّزول عليها، فقال: شأنى أخفّ من ذلك، ما أريد أن أحُلّ عقدة حتى أقبض ابن أخى وألحِقه ببلده وقومه، فقالت: لسْتُ بِمُرْسِلَتِه معك، وغَلَّظت عليه، فقال المطّلب: لا تفعلى فإنى غير منصرف حتى أخرج به معى، ابن أخى قد بلغ وهو غريب فى غير قومه ونحن أهلُ بيتٍ شرفُ قومِنا، والمقام ببلده خير له من المقام ههنا وهو ابنكِ حيث كان، فلمّا رأت أنّه غير مُقَصّر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيّام، وتحوّل إليهم فنزل عندهم فأقام ثلاثًا ثمّ احتمله وانطلقا جميعًا (٤)، فأنشأ المطّلب يقول كما أنشدنى هشام بن محمد عن أبيه:
стр. 109
أبْلِغْ بنى النّجّارِ إنْ جِئْتَهُم … أنّيَ مِنْهُمْ وابْنُهُمْ وَالخميسْ
رَأيْتُهُمْ قَوْمًا إذا جِئْتُهُمْ … هَوُوا لِقائى وَأحَبّوا حَسِيسْ (١)
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال: ودخل به المطَّلب مكّة ظُهْرًا، فقالت قريْش: هذا عبد المطّلب، فقال: ويحكم! إنّما هو ابن أخى شيبة ابن عمرو، فلمّا رأوه قالوا: ابنه لعمرى! فلم يزل عبد المطّلب مقيمًا بمكّة حتى أدرك، وخرج المطّلب بن عبد منَاف تاجرًا إلى أرض اليمن فهلك برَدْمَانَ من أرض اليمن، فولى عبد المطّلب بن هاشم بعده الرفادة والسّقاية، فلم يزل ذلك بيده يطعم الحاجّ ويسقيهم فى حياض من أدَم بمكّة، فلمّا سُقى زمزم ترك السقْى فى الحياض بمكّة وسقاهم من زمزم حين حفرها، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم (٢).
وكانت زمزم سُقْيا من الله، أُتى فى المنَام مَرّات فأُمر بحفرها ووُصف له موضعها فقيل له: احفر طِيبَة، قال: وما طيبة؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر بَرّة (٣)، قال: وما بَرَّة؟ فلمّا كان الغد أتاه وهو نائم فى مَضْجَعه ذلك فقال: احفر المَضْنُونَة، قال: وما المضنونَة؟ أبِنْ لى ما تقول، قال: فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر زمزم، قال: وما زمزم؟ قال: لَا تُنْزَف (٤) ولا تُذَمّ، تَسْقى الحَجِيجَ الأعْظَم، وهى بين الفَرْث والدم عِند نُقْرَةِ الغراب الأعْصم؛ قال: وكان غراب أعْصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم؛ وهى شرب لك ولولدك من بعدك (٥).
стр. 110
قال: فغدا عبد المطّلب بِمِعْوَله وَمِسْحَاتِهِ معه ابنه الحارث بن عبد المطّلب، وليس له يومئذٍ ولد غيره، فجعل عبْد المُطّلب يحفر بالمعْول ويغرف بالمسحاة فى المِكْتَل فيحمله الحارث فيلقيه خارجًا، فحفر ثلاثة أيّام ثمّ بَدا لَه الطَّوِىّ (١) فكبَّر وقال: هذا طوىّ إسماعيل، فعرفت قريش أنّه قد أدرك الماء فأتوه فقالوا: أَشْرِكْنا فيه، فقال ما أنا بفاعل، هذا أمْرٌ خُصِصْتُ به دونكم فاجْعلوا بيْنَنا وبيْنَكم مَن شِئْتُم أُحاكمْكم إليه، قالوا: كاهنة بنى سعد هُذيم، وكانت بمُعان من أشراف الشأم، فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطّلب عشرون رجلًا من بنى عبد مَناف، وخرجت قريْش بعشرين رجلًا من قبائلها، فلمّا كانوا بالفَقير من طريق الشأم أو حَذْوه فَنِىَ ماء القَوم جميعًا فعطشوا فقالوا لعبد المطّلب: ما ترى؟ فقال: هو الموت، فليحفر كلّ رجل منكم حُفرة لنفسه فكُلّما ماتَ رجلٌ دفنه أصحابه حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا فيموت ضِيعَةً أيْسَرُ من أن تموتوا جميعًا، فحفروا ثمّ قعدوا ينتظرون الموت، فقال عبد المطّلب: والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا لَعَجْزٌ، ألا نضرب فى الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد! فارتحلوا، وقام عبد المطّلب إلى راحلته فركبها، فلمّا انبعثت به انْفجر تحت خُفّها عينُ ماء عَذْب، فكبَّر عبد المطّلب وكبَّر أصحابه وشربوا جميعًا، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء الرّواء فقد سقانا الله، فَشَربوا واستقوا وقالوا: قد قُضى لك علينا، الذى سقاك هذا الماء بهذه الفَلاة هو الذى سقاك زمزم، فوالله لا نخاصمك فيها أبدًا! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبين زمزم (٢).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا معتمر بن سليمان التيمىّ قال: سمعتُ أبى يحدّث عن أبى مِجْلز: أن عبد المُطّلب أُتى فى المنام فقيل له: احتفِرْ، فقال: أين؟ فقِيل له: مكان كذا وكذا، فلم يحتفر، فأُتى فقيل له: احتفِرْ عند الفرث عند النمل عند مجلس خزاعة ونحوه، فاحتفر، فوجد غزالا وسلاحًا وأظفارًا، فقال قومه لمّا رأوا الغنيمة: كأنهم يريدون أن يغازوه (٣)، قال: فعند ذلك نذر لئن
стр. 111
وُلد له عشرة لينحرنّ أحدهم، فلمّا ولد له عشرة وأراد ذبح عبد الله منعتْه بنو زُهرة وقالوا: أقرع بينه وبين كذا وكذا من الإبل، وإنّه أقرع فوقعت عليه سبع مرات وعلى الإبل مرة، قال: لا أدرى السبع عن أبى مجلز أم لا؟ ثمّ صار من أمره أن ترك ابْنه ونحر الإبل.
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر، قال: وكانت جُرْهُم حين أحَسّوا بالخروج من مكّة دفنوا غزالَين وسبعة أسياف قَلْعِيَّة وخمسة أدراع سوابغ فاستخرجها عبد المطّلب، وكان يَتَألَّهُ ويعظّم الظّلم والفجور، فضرب الغزالَين صفائح فى وجه الكعبة، وكانا من ذهب، وعلّق الأسياف على البابَين يُريد أن يُحْرز به خَزانة الكعبة، وجعل المِفْتاح والقفل من ذهب (١).
وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: كان الغزال لجُرْهم، فلمّا حفر عبد المطّلب زمزم استخرج الغزال وسيوفًا قلعيّة فضرب عليها بالقداح فخرجت للكعبة فجعل صفائح الذهب على باب الكعبة، فغدا عليه ثلاثة نفر من قريْش فسرقوه.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه وعَنْ عبْد المجيد بن أبى عَبْس وأبى المقوّم وغيرهم قالوا: وكان عبد المطّلب أحسن قريْش وجهًا وأمدّه جسمًا وأحلمه حلمًا وأجوده كفًّا وأبعد النّاس من كلّ مُوبقة تُفسد الرجال، ولم يره ملك قطّ إلّا أكرمه وشفّعة، وكان سيّد قريش حتى هلك، فأتاه نفرٌ من خزاعة فقالوا: نحن قوم متجاورون فى الدار، هَلُمّ فلْنحالفك، فأجابهم إلى ذلك وأقبل عبد المطّلب فى سبعة نفر من بنى عبد المطّلب والأرقم بن نضلة بن هاشم والضحّاك وعمرو ابْنَىْ أبى صَيْفىّ بن هاشم، ولم يحضره أحد من بنى عبد شمس ولا نوفل، فدخلوا دار النّدوة فتحالفوا فيها على التّناصر والمواساة وكتبوا بينهم كتابًا وعلّقوه فى الكعبة؛ وقال عبدُ المطَّلب فى ذلك:
سَأُوصى زُبَيرًا إنْ تَوَافَتْ مَنيّتى … بإمْساكِ ما بينى وبين بنى عَمْرِو
وَأن يحفَظ الحلْفَ الذى سَنّ شيخُهُ … ولا يُلْحِدَنْ فيه بظلم وَلا غَدْرِ
стр. 112
همُ حفِظوا الإلّ القديم وحالَفوا … أباك فكانوا دون قومِكَ من فِهْرِ
قال: فأوصى عبد المطّلب إلى ابنه الزّبير بن عبد المطّلب، وأوصى الزبير إلى أبى طالب، وأوصى أبو طالب إلى العبّاس بن عبد المطّلب.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب قال: حدّثنى محمدّ بن عبد الرحمن الأنْصارى عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة الزهرىّ عن أبيه عن جدّه قال: كان عبد المطّلب إذا وَرَدَ اليمن نزل على عظيم من عُظماء حِمْيَر، فنزل عليه مرّة من المَرّ فوجد عنده رجلًا من أهل اليمن قد أُمهل له فى العمر، وقد قرأ الكتب، فقال له: يا عبد المطّلب! تأذن لى أن أفتّش مكانًا منك؟ قال: ليس كلّ مكان منى آذن لك فى تفتيشه، قال: إنّما هو مَنْخِرَاكَ، قال: فدونك، قال: فنظر إلى يار، وهو الشعر فى منخريه، فقال: أرى نُبوة وأرى مُلْكًا، وأرى أحدهما فى بَنى زُهرة، فرجع عبد المطّلب فتزوّج هالة بنت وهيب بن عبد مَناف ابن زُهرة وزوّج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مَناف بن زُهرة فولدت محمّدًا، ﷺ ، فجعل الله فى بنى عبد المطّلب النبوّة والخلافة، والله أعلم حيث وضع ذلك.
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: حدّثنى أبى، قال هشام: وأخبرنى رجل من أهل المدينة عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْور بن مَخْرَمَة عن أبيه قال: كان أوّل مَن خَضَبَ بالوَسِمَة من قريش بمكة عبد المطلب (١) بن هاشم، فكان إذا ورد اليمَن نزل على عظيم من عُظماءِ حِمْيَر فقال له: يا عبد المطّلب! هل لك أن تغيّر هذا البياض فتعود شابًّا؟ قال: ذاك إليك، قال: فأمر به فخُضِبَ بحنّاء، ثمّ عُلّى (٢) بالوَسِمة، فقال له عبد المطّلب: زَوّدنا من هذا، فزوّده فأكثر، فدخل مكّة ليلًا ثمّ خرج عليهم بالغداة كأنّ شعره حَلَك الغراب، فقالت له نُتَيْلَة بنت جناب بن كُليب أم العبّاس بن عبد المطّلب: يا شيبة الحمد! لو دام هذا لك كان حسنًا، فقال عبد المطّلب:
стр. 113
لوْ دام لى هذا السّوادُ حَمِدْتُهُ … فكان بَديلًا مِن شَباب قدِ انصَرَمْ
تَمَتّعْتُ مِنْهُ والحَيَاةُ قَصيرَةٌ … ولابدّ من موتٍ، نُتيْلَةُ، أوْ هَرَم
وماذا الذى يُجدى على المَرْء خَفْضُه … ونعْمتُه، يَوْمًا إذا عَرْشُهُ انهَدَم
فموتٌ جَهِيزٌ عاجلٌ لا شَوى لَهُ … أحبّ إلىّ مِن مقالِهِمُ حَكَمْ
قال: فَخَضَبَ أهلُ مكّة بالسواد (١).
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال: أخبرنى رجل من بنى كنانة يقال له ابن أبى صالح ورجل من أهل الرقّة مولى لبنى أسد وكان عالمًا قال: تنافر عبد المطّلب بن هاشم وحرب بن أميّة إلى النّجاشىّ الحبشىّ فأبي أن ينفّر بينهما، فجعلا بينهما نُفَيل بن عبد العُزّى بن رِياح بن عبد الله بن قُرط بن رَزاح (٢) بن عدى بن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقلّ منك لامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل منك صَفَدًا، وأطول منك مِذْوَدًا؟ فنفّره عليه، فقال حرب: إن من انتكاث الزّمان أن جعلناك حكمًا (٣).
قال: وأخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه قال: كان عبد المطّلب نديمًا لحرب بن أميّة حتى تنافرا إلى نُفَيل بن عبد العزّى جدّ عمر بن الخطّاب، فلمّا نفّر نُفيل عبد المطّلب تفرّقا، فصار حرب نديمًا لعبد الله بن جُدْعان.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبى مسكين قال: كان لعبد المطّلب بن هشام ماء بالطائف يقال له ذو الهَرِم وكان فى يدى ثقيف دهرًا ثمّ طلبه عبد المطّلب منهم، فأبوا عليه، وكان صاحب أمر ثقيف جندب بن الحارث بن حُبيّب ابن الحارث بن مالك بن حُطيط بن جُشَم بن ثقيف، فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن العذرىّ، وكان يقال له عُزّى سَلَمَة، وكان بالشأم، فتنافرا على إبل سمّوها، فخرج عبد المطّلب فى نفر من قريش ومعه ابنه
стр. 114
الحارث، ولا ولد له يومئذ غيره، وخرج جُنْدب فى نفر من ثقيف، فَنَفَدَ ماء عبد المطّلب وأصحابه، فطلبوا إلى الثقفيّين أن يسقوهم، فأبوا، ففجّر الله لهم عينًا من تحت جِران بعير عبد المطّلب، فحمد الله، ، وعلم أنّ ذلك منّة، فشربوا ريّهم وحملوا حاجتهم، ونفد ماء الثقفيّين فبعثوا إلى عبد المطّلب يستسقونه فسقاهم، وأتوا الكاهن فنفّر عبد المطّلب عليهم، فأخذ عبد المطّلب الإبل فنحرها، وأخذ ذا الهَرم ورجع وقد فَضَّله عليه وفَضَّل قومه على قومه (١).
* * *
ذكر نذر عبد المطَّلب أن ينحر ابنه
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهرىّ عن قَبيصة بن ذؤيب عن ابن عبّاس؛ قال الواقدىّ: وحدّثنا أبو بكر بن أبى سَبْرَة عن شيبة بن نِصاح عن الأعرج عن محمّد بن ربيعة بن الحارث وغيرهم، قالوا: لما رأى عبد المطّلب قلّة أعوانه فى حَفْر زَمْزَم، وإنّما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بِكْرُه، نَذَر لَئِن أكمَل الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم، فلمّا تكاملوا عشرة، فهُم: الحارث والزّبير وأبو طالب وعبد الله وحَمزة وأبو لهب والغَيْدَاق والمُقَوّم وضِرَار والعبّاس، جمعهم ثمَّ أخبرهم بِنَذْره ودَعَاهُمْ إلى الوفاء لله به، فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا: أوفِ بنَذرك وافْعل ما شِئْتَ، فقال: ليكتُبْ كل رجل منكم اسمَه فى قِدْحِه، ففعلوا، فدخل عبد المطّلب فى جوف الكعبة وقال للسّادن (٢): اضرب بقداحهم، فضرب، فخرج قِدْح عبد الله أوّلها، وكان عبد المطّلب يحبّه، فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المُدْيَة، فبكى بنات عبد المطّلب، وكنّ قيامًا، وقالت إحداهُنّ لأبيها: أعْذِر فيه بأن تضرب في إبلك السوائم التى فى الحرم، فقال للسادن: اضرب عليه بالقداح وعلى عشرٍ من الإبل، وكانت الدية يومئذ عشرًا من الإبل، فضرب، فخرج القِدْح. على عبد
стр. 115
الله، فجعل يزيد عشرًا عشرًا، كلّ ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة، فضرب بالقداح فخرج على الإبل، فكبّر عبد المطّلب والنّاس معه، واحتمل بنات عبد المطّلب أخاهنّ عبد الله، وقدّم عبدُ المطلب الإبلَ فنحرها بين الصفا والمروة (١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى سعيد بن مسلم عن يَعْلَى بن مسلم عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: لما نحرها عبد المطّلب خلّى بينها وبين كلّ مَن وردها من إنْسِىٍّ أو سَبُع أو طائر لا يذُبّ عنها أحدًا ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئًا (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى عبد الرحمن بن الحارث عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: كانت الدية يومئذ عشرًا من الإبل، وعبد المطّلب أوّل مَن سَنّ دية النّفس مائة من الإبل، فجرت فى قريش والعرب مائة من الإبل، وأقَرّهَا رسولُ الله، ﷺ ، على ما كانت عليه (٣).
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ قال: حدّثنى الوليد بن عبد الله بن جُميع الزهرىّ عن ابنٍ لعبد الرحمن بن مَوْهَب بن رباح الأشعرى حليف بنى زُهرة عن أبيه قال: حدّثنى مَخْرَمَة بن نَوفل الزهرىّ قال: سَمعتُ أمّى رُقَيْقة بنت أبى صيفىّ بن هاشم بن عبد منَاف تحدّث، وكانت لِدَةَ عبد المطّلب، قالت: تَتَايَعَتْ (٤) على قريش سنون ذهبن بالأمْوال وأشفين على الأنْفس، قالت: فسمعتُ قائلًا يقول فى المنام: يا معشر قريش! إنّ هذا النبىّ المَبعوث منكم، وهذا إبّان خروجه، وبه يأتيكم الحَيَا والخِصْبُ، فانظروا رجُلًا من أوسطكم نَسبًا طُوالًا عُظامًا أبيض مقرون الحاجبين أهْدب الأشْفار جَعْدًا سَهْلَ الخَدّيْن رقيق العِرْنِين،
стр. 116
فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كلّ بطن رجل، فتطهّروا وتطيّبوا ثمّ استلِموا الرّكن، ثمّ ارْقَوْا رأس أبى قُبيس، ثمّ يتقدّم هذا الرجل فيستقى وتُؤمّنون فإنّكم سَتُسقَون، فأصبحت فَقَصَّت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصّفة صفة عبد المطّلب، فاجتمعوا إليه، وخرج من كلّ بطن منهم رجل، ففعلوا ما أمرتهم به، ثمّ عَلَوْا على أبى قُبيْس ومعهم النبىّ، ﷺ ، وهو غُلام، فتقدّم عبدُ المطّلب وقال: لاهُمّ هؤلاء عَبيدك وبنو عبيدك، وإماؤك وبنات إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتايعتْ علينا هذه السّنون فذهبت بالظّلف والخُفّ وأشْفتْ على الأنْفُس، فأذهِبْ عنّا الجَدْب وائتنا بالحيا والخِصْب! فما برحوا حتى سالت الأودية، وبرسول الله، ﷺ ، سُقوا، فقالت رُقَيقة بنت أبى صيْفَىّ بن هشام بن عبد مناف:
بشَيْبَةِ الحَمْدِ أسْقَى الله بَلْدَتَنَا … وقَدْ فَقَدْنَا الحَيَا واجْلوّذَ المطرُ
فَجَادَ بالماءِ جَوْنىٌّ له سَبَلٌ … دَانٍ فعاشَتْ بهِ الأنعام والشّجَرُ
مَنًّا منَ الله بالميمونِ طائره … وخيرِ مَن بُشّرَتْ يومًا بهِ مُضَرُ
مبارَكِ الأمْرِ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بِهِ … ما فى الأنامِ لهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ (١)
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا عبد الله بن عثمان بن أبى سليمان عن أبيه قال: وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن البَيْلَمانى عن أبيه قال: وحدّثنا عبد الله بن عَمرو بن زُهير الكَعبى عن أبى مالك الحِمْيَرى عن عَطَاء ابن يَسَار قال: وحدّثنا محمد بن سعيد الثقفى عن يَعْلَى بن عَطاء عن وكيع بن عُدُس عن عمّه أبى رَزِين العُقَيْلىّ قال: وحدّثنا سعيد بن مسلم عن عبد الله بن كثير عن مجاهد عن ابن عبّاس، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كان النجاشى قد وجّه أرياط أبا أصحم فى أربعة آلاف إلى اليمن فأداخها (٢) وغلب عليها فأعطى الملوك واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأَشْرَم أبو يَكْسُوم فدعا إلى طاعته فأجابوه، فقتل أرياط وغلَب على اليمن، فرأى الناس يتجهّزون أيّام الموسم للحجّ إلى بيت الله الحرام، فَسأل: أين يذهب الناس؟
стр. 117
فقال: يحجّون إلى بيت الله بمكّة، قال: ممّ هو؟ قالوا: من حجارة، قال: وما كِسْوَته؟ قالوا: ما يأتى من ههنا، الوصائل، قال: والمسيحِ لأبْنِيَنّ لكم خيرًا منْه! فبنى لهم بيتًا عمله بالرّخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلَّاه بالذهب والفِضّة، وحَفَّه بالجوهر، وجعل له أبوابًا عليها صفائح الذّهَب، ومسامير الذهب، وفصّل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمْراء عظيمة وجعَل له حُجّابًا، وكان يوقد فيه بالمَنْدلىّ (١)، ويلطّخ جُدُرَهُ بالمسْك فيسودّ حتى يغيب الجوهر، وأمر النّاس فحجّوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون ونسكوا له، وكان نُفَيْل الخثعمىّ يُؤَرّضُ (٢) له ما يكره، فأمهل، فلمّا كان ليلة من اللَّيَالى لم يرَ أحدًا يتحرك فقام فجاء بِعَذِرَةٍ فلطّخ بها قبلتَه وجمع جِيَفًا فألقاها فيه، فأُخبر أبرهةُ بذلك فغضب غضبًا شديدًا وقال: إنّما فعلَت هذا العرب غضبًا لبيتِهِمْ، لأنقضنّه حجرًا حجرًا! وكتب إلى النّجاشىّ يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود، وكان فِيلًا لم يُرَ مثله فى الأرض عظمًا وجِسمًا وقُوّة، فبعث به إليه، فلمّا قدم عليه الفيل سار أبرهةُ بالنّاس ومعه مَلِكُ حِمْيَر ونُفَيْل بن حبيب الخثعمىّ، فلمّا دنَا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نَعَم النّاس، فأصابوا إبلًا لعبد المطّلب، وكان نُفَيْل صديقًا لعبد المطّلب فكلّمه فى إبله فكلّم نفيلٌ أبْرهة فقال: أيّها الملِكُ قد أتاك سيّد العَرب وأفضلهم وأعظمهم شرفًا يحمل على الجِياد ويُعطى الأموال ويُطعم ما هبّت الرّيح، فأدخله على أبرهة، فقال له: حاجتك؟ قال: تردّ علىّ إبلى، قال: ما أرى ما بلغَنى عنك إلّا الغُرور وقد ظننتُ أنّك تُكلّمنى فى بيتكم هذا الذى هو شرفكم! قال عبد المطّلب: ارددْ علىّ إبلى ودونك والبيت فإنّ له ربًّا سيمنعه! فأمر بردّ إبله عليه، فلمّا قبضها قلّدها النّعال وأشعرها وجعلها هَدْيًا وبثّها فى الحرمِ لكى يُصابَ منها شئ فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطّلب على حِراء ومعه عَمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومُطْعِم بن عَدىّ وأبو مَسعود الثقفىّ فقال عبد المطّلب:
стр. 118
لا هُمّ إنّ المرْءَ يَمْـ … ــنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلالَكْ
لا يَغْلِبَنّ صَلِيبُهُمْ … وَمِحالُهُم غَدْوًا مِحالَكْ
إن كُنتَ تارِكَهُمْ وقِبْـ … ـــــلَتَنَا فأمْرٌ ما بَدا لَكْ
قال: فَأَقْبَلَت الطّيرُ من البحر أبابيل مع كلّ طائرٍ ثلاثة أحجار، حجران فى رجليه، وحَجَر فى منقاره، فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئًا إلّا هشمتْه وإلّا نَفِطَ ذلك الموضع، فكان ذلك أوّل ما كان الجُدَرىّ والحَصْبَة والأشْجار المُرّة فأهمدتهم الحجارة وبعث الله سَيْلًا أَتِيًّا فذهب بهم فألقاهم فى البحر، قال: وولّى أَبرهة ومَنْ بَقِىَ معه هُرّابًا، فجعل أبرهة يسقط عضوًا عضوًا، وأمّا محمود الفيل -فيل النجاشىّ- فَرَبَضَ ولم يشجع على الحَرم فنجا، وأمّا الفِيل الآخر فشجع فحُصب، ويُقال: كانت ثلاثة عشر فيلًا، ونزل عبد المطّلب من حراء فأقبل عليه رجُلان من الحبشة فقبّلا رأسه وقالا له: أنت كنتَ أعلم (١).
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السّائب الكلبىّ عن أبيه قال: وَلَدَ عبد المطّلب بن هاشم بن عبد منَاف اثنى عشر رجلًا وستّ نسوة: الحارث، وهو أكبر ولده وبه كان يكنّى ومات فى حياة أبيه، وأمّه صفيّة بنتُ جُنيدب بن حُجير بن زبّاب (٢) بن حبيب بن سُواءَة بن عامر بن صعصعة، وعبدَ الله أبا رسول الله، ﷺ ، والزّبَيرَ، وكان شاعِرًا شريفًا، وإليه أوصى عبد المطّلب، وأبا طالب واسمه عبد مَناف، وعبد الكعبة، مات ولم يُعقِبْ، وأمّ حكيم، وهى البيضاء، وعاتكة، وبرّة، وأميمَةَ، وأرْوَى، وأمّهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظَة بن مرة بن كعب بن لؤى، وحمزة، وهو أسد الله وأسد رسوله شهد بدرًا واستُشهد يوم أُحُد، والمقوّم، وحَجْلًا واسمه المغيرة، وصفية، وأمّهم هالة بنت وُهَيْب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، وأمّها العَيّلة بنت المطّلب بن عبد منَاف بن قُصىّ، والعبّاسَ، وكان شريفًا عاقلًا مهيبًا، وضرارًا، وكان من فتيان قريش جمالًا وسخاءً، ومات أيام أوحى الله إلى النبى، ﷺ ، ولا عَقِبَ له، وَقُثَمَ بن عبد المطّلب لا عقب له، وأمّهم نُتَيْلَة بنت جناب بن كُليب بن مالك
стр. 119
ابن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر، وهو الضّحْيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النَّمِر بن قاسط بن هِنب بن أفصى بن دُعْمىّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، وأبا لهب بن عبد المطّلب واسمه عبد العزّى ويكنى أبا عُتبة، كنّاهُ عبد المطّلب أبا لهب لحسنه وجماله، وكان جوادًا، وأمّه لُبْنَى بنت هاجِر بن عبد منَاف بن ضاطر بن حُبْشِيّة بن سلول بن كعْب بن عمرو من خُزاعَة، وأمّها هِند بنت عمرو بن كعْب بن سعد بن تيم بن مُرّة، وأمّها السّوداء بنت زهرة ابن كِلاب، والغَيْداقَ بن عبد المُطّلب، واسمه مُصعب، وأمّه ممنّعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمّل بن سوَيْد بن أسْعد بن مشنوء بن عبد بن حَبْتر بن عدىّ بن سلول ابن كعب بن عمرو من خُزاعة، وأخوه لأمّه عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث ابن زُهرة أبو عَبد الرحمن بن عوف (١).
قال الكلبىّ: فلم يكن فى العرب بنو أب مثل بنى عبد المطّلب أشرف منهم ولا أجسم، شُمّ العرانين، تشرب أنوفهم قبل شفاههم، وقال فيهم قُرّة بن حَجْل ابن عبد المطّلب:
اعدُدْ ضِرارًا إن عدَدتَ فتى نَدًى … واللّيثَ حمْزةَ واعدُد العبّاسا
واعدُدْ زُبَيْرًا والمُقوّمَ بعدَه … وَالصَّتْمَ حَجْلًا والفتى الرّءّاسَا
وأَبَا عُتَيْبَةَ فاعدُدَنْهُ ثامنًا … والقرْمَ عبد منَاف والجَسّاسَا
والقرْمَ غَيْدَاقًا تَعُدّ جَحاجِحًا … سادوا على رغم العدوّ النّاسا
والحارثَ الفيّاضَ وَلّى ماجِدًا … أيام نازعه الهُمامُ الكاسَا
ما فى الأنام عُمومَةٌ كعمومتى … خَيْرًا ولا كأُناسِنا أُنّاسَا (٢)
قال: فالعَقِب من بنى عبد المطّلب للعبّاس، وأبى طالب، والحارث، وأبى لَهب، وقد كان لحمزة، والمقوّم، والزّبير، وحَجْل بنى عبد المطّلب أولاد لأصلابهم فهلكوا والباقون لم يُعْقِبوا، وكان العدد من بنى هاشم فى بنى الحارث ثم تحوّل إلى بنى أبى طالب ثمّ صار فى بنى العبّاس.
стр. 120
ذكر تزوُّج عبد الله بن عبد المطَّلب آمنة بنت وهب أمّ رسول الله، ﷺ -
قال: حدّثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر الزهرىّ عن عمّته أمّ بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَة عن أبِيها قال: وحدّثنى عمر بن محمد بن عمر بن علىّ بن أبى طالب عَن يحيَى بن شبل عن أبى جعفر محمد بن علىّ بن الحسين قالا: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب فى حجر عمّها وُهيب بن عبد منَاف بن زهرة، فمشى إليه عبد المطّلب بن هاشم بن عبد منَاف بن قُصىّ بابنه عبد الله بن عبد المطلب أبى رسول الله، ﷺ ، فخطب عليه آمنة بنت وهب فزوّجها عبد الله بن عبد المطّلب، وخطب إليه عبد المطّلب ابن هاشم فى مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وُهيب على نفسه فزوّجه إيّاها، فكان تَزَوّجُ عبد المطّلب بن هاشم وتزوّج عبد الله بن عبد المطّلب فى مجلس واحد، فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطّلب حمزة بن عبد المطّلب، فكان حمزة عمّ رسول الله، ﷺ ، فى النّسب وأخاه من الرّضاعة (١).
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه وعن أبى الفيّاض الخَثْعَمِىّ قال: لمّا تزَوّج عبد الله بن عبد المطّلب آمنة بنت وهب أقام عندها ثلاثًا، وكانت تلك السُّنّة عندهم إذا دخل الرّجل على امرأته فى أهلها (٢).
* * *
ذكر المرأَة التى عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطَّلب
وقد اختلف علينا فيها، فمنهم مَن يقول: كانت قُتَيْلة بنت نَوْفَل بن أَسَد بن عَبْد العُزَّى بن قُصىّ أخت وَرَقَة بن نَوْفَل، ومنهم مَن يقول: كانت فاطمة بنت مُرّ الخَثْعَمِيَّة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمىّ قال: حدّثنى محمّد بن عبد
стр. 121
الله ابن أخى الزهرىّ عن الزهرىّ عن عُروة قال: وحدّثنا عُبيد الله بن محمد بن صفوان عن أبيه، وحدّثنا إسحاق بن عبيد الله عن سعيد بن محمد بن جُبير بن مُطعم، قالوا جميعًا: هى قُتيلة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل، وكانت تنظُر وتَعْتَاف، فمرّ بها عبد الله بن عبد المطّلب فدعتْه يستَبْضِع منها ولزمت طَرَف ثوبه. فأبى وقال: حتى آتِيَكِ. وخرج سريعًا حتى دخل على آمنة بنت وهب فوقع عليها. فحملت برسول الله، ﷺ ، ثمّ رجع عبد الله بن عبد المطّلب إلى المرأة فوجدها تنظره، فقال: هل لك فى الذى عرضت علىّ؟ فقالت: لا. مررتَ وفى وجهك نور ساطع ثمّ رجعت وليس فيه ذلك النور. وقال بعضهم: قالت مررت وبين عينيك غُرّة مثل غُرّة الفرس ورجعت وليس هى فى وجهك (١).
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس أنّ المرأة التى عرضت على عبد الله بن عبد المطّلب ما عرضت امرأة من بنى أسد بن عبد العزّى وهى أخت ورقة بن نوفل.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبى الفيّاض الخثعمى قال: مرّ عبد الله بن عبد المطّلب بامرأة من خَثْعَم يقال لها فاطِمة بنت مُرّ، وكانت من أجمل الناس وأشَبّه وأعَفّه. وكانت قد قرأت الكتب، وكان شباب قريش يتحدّثون إليها، فرأت نور النبوّة فى وجه عبد الله، فقالت: يا فتى مَن أنت؟ فأخبرها. قالت: هل لك أن تقع علىّ وأعطيك مائة من الإبل؟ فنظر إليها وقال:
أما الحَرَامُ فالممَاتُ دونَهْ … والحِلّ لَا حِلّ فَأَسْتَبِينَهْ
فكيفَ بالأمر الذى تنْوينَهْ (٢)؟
ثمّ مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب، فكان معها، ثمّ ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه. فأقبل إليها فلم يرَ منها من الإقبال عليه آخِرًا كما رآه منْها أولًا،
стр. 122
فقال: هل لكِ فيما قلتِ لى؟ فقالت: قد كان ذاك مرة فاليوم لا، فذهبت مثلًا: وقالَت: أىّ شئ صنَعْتَ بعدى؟ قال: وقعتُ على زوجتى آمنة بنت وهب، قالت: إنّى والله لسْتُ بصاحبة ريبة، ولكنى رأيت نور النبوّة فى وجهك فأردتُ أن يكون ذلك فىّ وأبى الله إلّا أن يجعله حيث جعله، وبلغ شبابَ قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطّلب وتأبّيه عليها، فذكروا ذلك لها، فأنشأت تقول (١):
إنى رَأيتُ مَخيلَةً عرَضَتْ … فتلألأتْ بحناتِمِ القَطْرِ
فَلَمَأْتُهَا نُورًا (٢) يضئُ لَهُ … ما حَوْلَهُ كإضَاءةِ الفَجْرِ
وَرَأيْتُهُ شَرَفًا أبُوءُ بِهِ … ما كلّ قادحِ زَندِهِ يُورِى
لله ما زُهْرِيّةٌ سَلَبَتْ … ثَوْبَيْكَ ما استَلبَتْ ومَا تَدْرِى
وقالت أيضًا (٣):
بنى هاشم قد غادرت من أخيكُمُ … أُمَيْنَةُ إذ للبَاهِ يَعْتَلِجَانِ (٤)
كما غادَرَ المصباحَ بَعدَ خُبُوّهِ … فَتَائلُ قَد ميثَتْ له بدِهانِ
وما كلّ ما يحوى الفتى من تلادهِ … بحزم (٥) ولا ما فاته لتَوَانِ
فأجْمِلْ إذا طالَبتَ أمرًا فإنهُ … سَيَكفِيكَهُ جَدّانِ يَصْطَرِعَان
سيكفِيكَهُ إمّا يَدٌ مُقْفَعِلّةٌ (٦) … وَإمّا يَدٌ مَبْسُوطة ببَنَان
وَلما قضَتْ منه أُمَيْنَةُ ما قَضَتْ … نبَا بصرى عنه وكَلّ لسانى
стр. 123
قال: وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم، أخبرنا أبى قال: سمعتُ أبا يزيد المدنى قال: نُبّئتُ أن عبد الله أبا رسول الله، ﷺ ، أتَى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نورًا ساطعًا إلى السماء فقالت: هل لك فِىّ؟ قال: نعم حتى أرمى الجمرة، فانطلق فرمى الجمرة، ثمّ أتى امرأته آمنة بنت وهب، ثمّ ذكر، يعنى الخثعميّة، فأتاها، فقالت: هل أتيت امرأة بعدى؟ قال: نعم، امرأتى آمنة بنت وهب، قالت: فلا حاجة لى فيك، إنّك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء فلمّا وقعت عليها ذهب، فأخبِرها أنّها قد حملت خير أهل الأرض (١).
* * *
ذكر حمل آمنة برسول الله ﷺ كثيرًا
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى علىّ بن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة عن أبيه عن عمّته قالت: كنّا نسمع أن رسول الله، ﷺ ، لما حَمَلَت به آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرتُ أنى حملت به، ولا وجدت له ثَقَلَةً (٢) كما تجد النساء، إلّا أنى قد أنكرت رفع حيضتى وربما كانت ترفعنى وتعود، وأتانى آت وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنّكِ حملتِ؟ فكأنى أقول ما أدرى، فقال: إنّك قد حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها، وذلك يوم الاثنين، قالت: فكان ذلك ممّا يَقّنَ عندى الحملَ، ثمَّ أمهلنى حتى إذا دَنَتْ (٣) ولادتى أتانى ذلك الآتى فقال: قولى أعيذه بالواحد الصّمَد من شرّ كلّ حاسد، قالت: فكنتُ أقولُ ذلك، فذكرت ذلك لنسائى، فقلن لى: تعلّقى حديدًا فى عضُدَيْكِ وفى عنقكِ، قالت: ففعلت، قالت: فلم يكن تُرِكَ علىّ إلّا أيّاما فأَجده قد قُطع، فكنت لا أتعلّقه.
стр. 124
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال: حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ قال: قالت آمنة: لقد عَلِقْتُ به فما وجدتُ له مَشَقّةً حتى وضعته (١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا همّام بن يحيَى عن إسحاق بن عبد الله قال: قالت أمّ النبىّ، ﷺ : قد حملتُ الأولاد فما حُمِلَتْ سخلةٌ أثقلَ منه، قال: قال محمّد بن عمر الأسلمى: وهذا لا يعرف عندنا ولا عند أهل العلم، لم تلد آمنة بنت وهب ولا عبد الله بن عبد المطلب غير رسول الله ﷺ ،
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى قيس مولى عبد الواحد عن سالم عَن أبى جعفر محمّد بن علىّ قال: أُمِرَتْ آمِنَةُ وهى حامل برسول الله، ﷺ ، أن تسمّيه أحمد.
* * *
ذكر وفاة عبد الله بن عبد المطلب
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا موسى بن عُبيدة الرّبَذى عن محمّد بن كعب قال: وحدّثنا سعيد بن أبى زيد عن أيّوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة قال: خرج عبد الله بن عبد المطّلب إلى الشأم إلى غزّة فى عِير من عِيرَات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثمّ انصرفوا، فمرّوا بالمدينة وعبدُ الله بن عبد المطّلب يومئذ مريض، فقال: أنا أتخلّف عند أخوالى بنى عدى بن النجار، فأقام عندهم مريضًا شهرًا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطّلب عن عبد الله، فقالوا: خلّفناه عند أخواله بنى عدىّ بن النجّار وهو مريض، فبعث إليه عبد المطّلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفى ودفن فى دار النابغة، وهو رجل من بنى عدى بن النجّار، فى الدار التى إذا دخلتها فالدّويرة عن يسارك، وأخبره أخواله بمرضه، وبقيامهم عليه، وما ولوا من أمره،
стр. 125
وأنهم قبروه، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوَجدَ عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدًا شديدًا: ورسولُ الله، ﷺ ، يومئذ حَمْل، ولعبد الله يوم تُوفّى خمس وعشرون سنة (١).
قال محمّد بن عمر الواقدىّ: هذا هو أثبت الأقاويل والرواية فى وفاة عبد الله ابن عبد المطّلب وسنّه عندنا.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى معمر عن الزهرىّ قال: بعث عبد المطلب عبد الله إلى المدينة يمتار له تمرًا فمات، قال محمّد بن عمر: والأول أثبت.
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: وقد روى لنا فى وفاته وجه آخر، قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه وعن عوانة بن الحكم قال: تُوُفى عبد الله بن عبد المطّلب بعدما أتى على رسول الله، ﷺ ، ثمانية وعشرون شهرًا. ويقال سبعة أشهر.
قال محمّد بن سعد: والأوّل أثبت أنّه تُوفّى ورسول الله، ﷺ ، حَمْلٌ (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: ترك عبد الله بن عبد المطلب أمّ أيمن وخمسة أجمال أوارِكَ، يعنى تأكل الأراك، وقطعة غنم، فورث ذلك رسول الله (٣)، ﷺ ، فكانت أمّ أيمن تحضنه واسمها بركة: وقالت آمنة بنت وهب ترثى زوجها عبد الله بن عبد المطّلب (٤):
عفَا جانبُ البطحاءِ من ابن هاشم … وجاور لحدًا خارجًا فى الغماغمِ
دَعَتْهُ المنَايا دعوةً فأجابَها … وما تركت فى الناس مثل ابن هاشمِ
عشيّةَ راحوا يحملونَ سريرَهُ … تعاوَرَهُ أصحابُه فى التّزَاحمِ
فإن يكُ غالتهُ المنَايا وَرَيْبُها … فقد كانَ مِعطاءً كثيرَ التراحمِ
* * *
стр. 126
ذكر مولد رسول الله، ﷺ -
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن أبى جعفر محمّد بن على قال: وُلد رسول الله، ﷺ ، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأوّل، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك للنصف من المحرم، فبين الفيل وبين مولد رسول الله، ﷺ ، خمس وخمسون ليلة (١).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: كان أبو مَعْشَر نَجِيح المدنى يقول: وُلد رسول الله، ﷺ ، يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.
قال: أخبرنا محمّد بن معاوية النيسابورى، أخبرنا ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعانى عن ابن عباس قال: وُلد نبيّكم يوم الاثنين.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله ابن علقمة بن الفَغْواء قال: وحدّثنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة عن عيسى بن طلحة عن ابن عبّاس قال: وحدّثنا موسى بن عُبيدة عن محمّد بن كعب، وحدّثنا محمّد بن صالح عن عمران بن منّاح قال: وحدّثنا قيس بن الربيع عن ابن إسحاق عن سعيد بن جُبير قال: وحدّثنا عبد الله بن عامر الأسلمى عن ابنة أبى تجْراةَ قال: وحدّثنى حُكيم بن محمّد عن أبيه عن قيس بن مَخْرَمة، قالوا جميعا: وُلد رسول الله، ﷺ ، عام الفيل.
قال: أخبرنا يحيَى بن معين، أخبرنا حجاج بن محمّد، أخبرنا يونس بن أبى إسحاق عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: وُلد رسول الله، ﷺ ، يوم الفيل، يعنى عام الفيل.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا محمّد بن عبد الله بن مسلم عن الزهرىّ قال: وحدّثنا موسى بن عبيدة عن أخيه ومحمّد بن كعب القرظى قال: وحدّثنا عبد الله بن جعفر الزهرى عن عمّته أمّ بكر بنت المِسْوَر عن أبيها قال: وحدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم المدنى وزياد بن حشْرَج عن أبى وجْزَة قال: وحدّثنا مَعْمَر عن
стр. 127
ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: وحدّثنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عبّاس، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، أنّ آمنة بنت وهب قالت: لقد عَلِقْتُ به، تعنى رسول الله، ﷺ ، فما وجدتُ له مَشَقّةً حتى وضعتُه، فلمّا فَصَلَ منى خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثمّ وقع على الأرض معتمدًا على يديه ثمّ أخذ قبضة من تراب فقبضها ورفع رأسه إِلى السماء، وقال بعضهم: وقع جاثيا على رُكْبَتَيه رافعًا رأسه إلى السماء وخرج معه نورٌ أضاءت له قصور الشأم وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببُصْرى (١).
قال: وأخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا همّام بن يحيَى عن إسحاق بن عبد الله أنّ أمّ النبىّ، ﷺ ، قالت: لما ولدتُه خرج منى نورٌ أضاء له قصور الشأم، فولدته نظيفًا، ولدته كما يُولد السّخْلُ (٢) ما به قَذَرٌ، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيده (٣).
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ العنبرى قال: حدّثنا ابن عون عن ابن القبطية فى مولد النبىّ، ﷺ ، قال: قالت أمّه رأيتُ كأنّ شهابًا خرج منى أضاءت له الأرض.
قال: وأخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أيّوب عن عكرمة: أن رسول الله، ﷺ ، لما ولدته أمّه وضعته تحت بُرْمَة فانفلقت (٤) عنه، قالت: فنظرت إليه فإذا هو قد شقّ بَصَرَهُ ينظر إلى السماء.
стр. 128
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العِجْلى عن ثوْر بن يزيد عن أبى العجْفاء عن النبىّ، ﷺ ، قال: رأتْ أُمّى حينَ وضَعَتنى سَطَعَ مِنها نُورٌ أضَاءَتْ لهُ قُصُور بُصْرَى.
قال: أخبرنا سعد بن منصور، أخبرنا فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبى أمامة الباهلى قال: قال رسول الله، ﷺ : رأَت أمّى كَأنّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشّأمِ (١).
قال: أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا يحيَى بن حمزة عن الأوزاعى عن حسّان بن عطيّة: أنّ النبىّ، ﷺ ، لما وُلد وقع على كفّيه ورُكبتَيْه شاخصًا بصره إلى السماء.
قال: أخبرنا يونس بن عطاء المكى، أخبرنا الحكم بن أبان العدنى، أخبرنا عِكرمة عن ابن عبّاس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: ولد النبىّ، ﷺ ، مختونًا مسرورًا، قال: وأعجب ذلك عبدَ المطلب وحَظِى عنده، وقال: ليكوننّ لابنى هذا شأن، فكان له شأن (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى علىّ بن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زَمْعة عن أبيه عن عمّته قالت: ولما ولدت آمنة بنت وهب رسول الله، ﷺ ، أرسلت إلى عبد المطلب، فجاءه البشير وهو جالِسٌ فى الحِجْر معه ولده ورجال من قومه، فأخبره أنّ آمنة وَلَدت غلامًا، فسر ذلك عبد المطّلب وقام هو ومن كان معه فدخل عليها، فأخبرته بكلّ ما رأت وما قيل لها وما أُمِرَت به، قال: فأخذه عبد المطّلب فأدخله الكعبة وقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه (٣).
قال: أخْبرنا محمّد بن عمر الأسلمى قال: وأُخبرتُ أنّ عبد المطلب قال يومئذ:
الحَمدُ لله الذى أعطانى … هذا الغلامَ الطّيّبَ الأردانِ
стр. 129
قد سادَ فى المهدِ على الغلمانِ … أعيذُهُ بالبيت (١) ذى الأركَانِ
حتى أراهُ بالغ البُنْيانِ … أعيذُهُ مِنْ شر ذى شَنْآنِ
مِنْ حَاسِدٍ مضطَرِبِ العِنَانِ (٢)
* * *
ذكر أسماء الرسول، ﷺ ، وكنيته
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبى فُديك المدنى عن موسى بن يعقوب الزَّمْعى عن سهل مولى عُثيمة أنّه كان نصرانيًّا من أهل مَريس، وكان يقرأ الإنجيل، فذكر أنّ صفة النبىّ، ﷺ ، فى الإنجيل، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى قيس مولى عبد الواحد عن سالم عن أبى جعفر محمّد بن علىّ قال: أُمِرَتْ آمنة وهى حامل برسول الله، ﷺ ، أن تسمّيه أَحمد.
قال: أخبرنا أبو عامر العَقَدى، واسمه عبد الملك بن عمرو، أخبرنا زُهير بن محمّد عن عبد الله بن محمّد بن عُقيل عن محمّد بن علىّ، يعنى ابن الحنفيّة: أنّه سمع علىّ بن أبى طالب، ﵇، يقول: قال رسول الله ﷺ : سُمّيتُ أحْمَدَ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن جعفر بن أبى وَحْشيّة عن نافع بن جُبير بن مُطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: أنَا مُحَمّدٌ وَأحْمَدُ وَالحَاشِرُ وَالمَاحى وَالخَاتِمُ وَالعَاقِبُ.
قال: وأخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زِرّ بن حُبَيش عن حذيفة قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول فى سكّة من سكك المدينة: أنَا مُحمّدٌ وَأحْمَدُ وَالحَاشِرُ وَالمُقَفّى ونَبىّ الرّحْمة.
قال: أخبرنا محمّد بن عبيد الطَّنَافِسِىّ، والفضل بن دُكَيْن أبو نُعَيْم، وكَثِير ابن هشام، وهاشم بن القاسم الكنانى، قالوا: حدّثنا المسعودى عن عمرو بن مُرّة
стр. 130
عن أبى عبيدة عن أبى موسى الأشعرىّ قال: سمّى لنا رسول الله، ﷺ ، نفسه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: أنَا مُحَمّدٌ وَأحْمَدُ وَالْمُقَفّى وَالحَاشر وَنَبىّ الرّحْمَةِ وَالتّوْبة وَالمَلْحَمَة.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمَير عن مالك يعنى ابن مِغْوَل عن أبى حصين عن مجاهد عن النبىّ، ﷺ ، قال: أنَا محَمّدٌ وَأحْمدُ أنَا رَسُولُ الرّحْمة أنَا رَسولُ المَلْحَمَةِ أنَا المُقَفّى وَالحَاشِرُ بُعِثْتُ بالجِهَاد وَلَمْ أُبْعَثْ بالزّرّاعِ (١).
قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى الأشجعى. أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمّد بن جُبير بن مُطعم عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ ، قال: لى خَمْسَةُ أَسْمَاء: أنَا مُحَمّدٌ وَأحْمَدُ وَأنَا المَاحى يَمْحُو اللهُ بى الكُفر وَأنَا الحاشِرُ الذى يُحشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمى وَأَنَا العَاقِبُ.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عُيَيْنَة عن الزهرىّ عن محمّد بن جُبير ابن مُطعم عن أبيه عن النبىّ، ﷺ . بمثله وزاد: وَأنَا العَاقِبُ الّذِى لَيْسَ بعَدَهُ نَبىّ.
قال: أخبرنا حُجَيْن بن المثنّى أبو عمر صاحب اللؤلؤ أخبرنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد -يعنى ابن أبى هلال- عن عُتبة بن مسلم عن نافع ابن جُبير أنّه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أتحصى أسماءَ رسول الله، ﷺ ، التى كان جُبير -يعنى ابن مُطْعِم- يَعُدّها؟ قال: نعم، هى ستّةٌ: محمّد وأحمد وخاتم وحاشر وعاقب وماح، فأمّا حاشر فبعث مع الساعة نذيرًا لكم بين يدى عذاب شديد، وأمّا العاقب فإنّه عقب الأنبياء، وأمّا الماحى فإنّ الله محا به سيّئات من اتّبعه.
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضَمْرة اللّيثى قال: حدّثنى الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذُباب عن عطاء بن ميناء عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : يَا عبَادَ الله انظُروا كَيْفَ يَصرِفُ اللهُ عنّى شَتْمَهُمْ وَلَعْنَهُم: يعنى قريشًا، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأنَا مُحَمدٌ.
* * *
стр. 131
ذكر كنية رسول الله، ﷺ -
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا داود بن قيس قال: سمعتُ موسى بن يسار، سمعتُ أبا هريرة يقول: إنّ رسول الله، ﷺ ، قال: تَسَمّوا باسْمى وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتى فإنّى أنَا أبُو القَاسِم.
قال: أخبرنا الضحّاك بن مخلد أَبو عاصم الشيبانى عن محمّد بن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : لا تَجْمَعُوا اسْمى وَكُنْيَتى، أنَا أبُو القَاسِمِ اللهُ يُعطى وَأنَا أقْسِمُ.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أويس المدنى عن سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة عن النبىّ، ﷺ ، فى حديث ذكره قال: وَمَحْلُوفِ أبى القَاسِمِ: يعنى نفسه.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العِجْلى، أخبرنا حُمَيد الطويل عن أنس بن مالك أنّ النبىّ، ﷺ ، كان بالبقيع فنادى رجل: يا أبا القاسِم، فالتفت إليه النبى، فقال: لم أعْنِكَ، فقال: ﷺ : سَمّوا باسْمى وَلا تَكْتَنُوا بكُنْيَتى.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسدى، أخبرنا سفيان عن منصور عن سالم عن جابر قال: وُلد لرجل من الأنصار غلام فسمّاه محمّدا، فغضبت الأنصار وقالوا حتى نستأمر النبىّ، ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: قد أحسنت الأنصار، ثمّ قال: تسَموْا باسْمى وَلا تَكْتَنُوا بكُنْيَتى فَإنّمَا أنَا أبو القَاسِمِ أقْسِمُ بَيْنَكُمْ.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: سئل سعيد بن أبى عَرُوبة عن الرجل يكتنى بأبى القاسم، فأخبرنا عن قتادة عن سليمان اليشكرى عن جابر بن عبد الله أنّ رجلًا من الأنصار يكتنى بأبى القاسم، فقالت الأنصار: ما كنّا لنكنّيك بها حتى نسأل رسول الله، ﷺ ، عن ذلك، فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ ، فقال: تَسَمّوا باسْمى وَلا تَكْتَنُوا بكُنْيَتى. قال سعيد: وكان قتادة يكره أن يكتنى الرجل بأبى القَاسم وإن لم يكن اسمه محمّدًا.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد الكريم الجَزَرىّ عن عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصارى قال: قال النبىّ، ﷺ : لا تجمَعُوا بَينَ اسمى وَكُنْيَتى.
стр. 132
قال: أخبرنا موسى بن داود الضّبّى، أخبرنا ابن لهيعة عن أبى يونس مولى أبى هريرة عن أبى هريرة أنّ النبىّ، ﷺ ، قال: لا تَسَمّوْا باسمى وَتَكْتَنوا بكُنْيَتى نهى أن يُجْمَع بين الاسم والكنية.
قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخى، أخبرنا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: لا تَجْمَعُوا بَينَ اسْمى وَكُنْيَتى.
قال: أخبرنا عبد الله بن صالح بن مسلم العِجْلى قال: أخبرنا إسرائيل عن ثُوير عن مجاهد قال: قال رسول الله، ﷺ : تسَمّوا باسْمى وَلا تَكْتَنُوا بكُنْيَتى.
* * *
ذكر من أرضع رسول الله، ﷺ ، وتسمية إخوته وأخواته من الرضاعة
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى موسى بن شيبة عن عُمَيرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك عن بَرّة بنت أبى تَجْرَاةَ قالت: أوّل من أرضع رسول الله، ﷺ ، ثُوَيْبَة بلبن ابن لها، يقال له مسْرُوح، أيّامًا قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطّلب، وأرضعت بعده أبا سلمة ابن عبد الأسد المخزومى (١).
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن مَعْمَر عن الزهرى عن عُبيد الله بن عبد الله ابن أبى ثور عن ابن عبّاس قال: كانت ثُويبة مولاة أبى لهب قد أرضعت رسول الله، ﷺ ، أيّامًا قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت أبا سلمة بن عبد الأسد معه، فكان أخاه من الرضاعة (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن مَعْمَر عن الزهرى عن عروة بن الزبير أن ثُويبة كان أبو لهب أعتقها فأرضعت رسول الله، ﷺ ، فلمّا مات أبو لهب رآه بعض
стр. 133
أهله فى النوم بشَرّ حِيبَة (١)، فقال: ماذا لقيتَ؟ قال أبو لهب: لم نذُق بعدكم رخاء، غير أنى سُقيتُ فى هذه بعتاقتى ثُويبة، وأشار إلى النّقَيرة التى بين الإبهام والتى تليها من الأصابع (٢).
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله، ﷺ ، يَصِلها وهو بمكّة، وكانت خديجة تُكرمها، وهى يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبى لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبَى أبو لهب، فلمّا هاجر رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله، ﷺ ، يبعث إليها بصِلة وكِسوة، حتى جاءه خبرها أنّها قد توفيت سنة سبع، مَرْجعَه من خيبر، فقال: مَا فَعَلَ ابنُهَا مَسْرُوح؟ فقيل: مات قبلها ولم يَبقَ من قَرابتها أحد (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن إبراهيم بن عبّاس عن القاسم بن عبّاس اللَّهَبىّ قال: كان رسول الله، ﷺ ، بعد أن هاجر يسأل عن ثُوَيبة فكان يبعث إليها بالصلة والكِسوة حتى جاءه خبرها أنّها قد ماتت، فسأل: من بقى من قرابتها؟ قالوا: لا أحد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا مَعْمَر عن يحيَى بن أبى كثير عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله، ﷺ : حَمْزَةُ بنُ عبد المطَّلِب أخى مِنَ الرضَاعَةِ.
قال: أخبرَنا محمّد بن عمر، حدّثنى عمر بن سعيد بن أبى حسين عن ابن أبى مُلَيْكة قال: كان حمزة بن عبد المطّلب رضيع رسول الله، ﷺ ، أرضعتهما امرأة من العرب، كان حمزة مسترضعًا له عند قوم من بنى سعد بن بكر، وكانت أمّ حمزة قد أرضعت رسول الله، ﷺ ، يومًا وهو عند أمّه حليمة (٤).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهْب المصرى عن مَخْرَمَة
стр. 134
ابن بُكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن مسلم يقول: سمعت محمّد بن مسلم، يعنى أخاه الزهرى، يقول: سمعتُ حميد بن عبد الرحمن بن عوف يقول: سمعتُ أمّ سلمة زوج النبىّ، ﷺ ، قالت: قيل له: أين أنت يا سول الله من ابنة حمزة؟ أو قيل له: ألا تخطب ابنة حمزة؟ قال: إنّ حَمزةَ أخى مِنَ الرّضَاعَةِ (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا همّام بن يحيَى، أخبرنا قتادة عن جابر ابن زيد عن ابن عبّاس أنّ رسول الله، ﷺ ، أريد على ابنة حمزة فقال: إنّهَا ابْنَةُ أخى مِنَ الرّضَاعَةِ وَإنهَا لا تَحِلّ لى وَإنّهُ يحْرُمُ منَ الرّضَاعَة مَا يحْرُمُ مِنَ النّسَبِ.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن علىّ بن زيد بن جُدعان عن سعيد بن المسيّب أنّ علىّ بن أبى طالب، ﵇، قال: قلتُ لرسول الله، ﷺ ، فى ابنة حمزة وذكرت له من جمالها، فقال رسول الله، ﷺ : إنّهَا ابْنَةُ أخى مِنَ الرّضَاعَةِ، أمَا عَلِمْت أنّ الله حَرّمَ مِنَ الرّضَاعَة مَا حَرّمَ مِنَ النّسَبِ؟
حدّثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليدَ الطّيالسىّ، أخبرنا شعبة عن محمّد بن عُبيد الله قال: سمعتُ أبا صالح عن علىّ قال: ذكرتُ ابنة حمزة لرسول الله، ﷺ ، فقال: هىَ ابْنَةُ أخى مِنَ الرّضَاعَة.
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطى، أخبرنا ليث بن سعد عن يزيد بن أَبِى حَبِيب عن عِراك بن مالك أنّ زينب بنت أبى سلمة أخبرته أن أمّ حبيبة قالت لرسول الله، ﷺ : إنّا قد حُدّثنا أنّك ناكح دُرّة بنت أبى سلمة، فقال رسول الله، ﷺ : أعَلَى أمّ سَلمَةَ؟ وقال: لَوْ أنّى لَمْ أنْكَحْ أمّ سَلمَةَ مَا حَلّتْ لى، إنّ أبَاهَا أخى مِنَ الرّضَاعةِ (٢).
قال: أخبرنَا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا زكريّاء بن يحيَى بن يزيد السعدى عن أبيه قال: قدم مكّة عشر نسوة من بنى سعد بن بكر يطلبن
стр. 135
الرضاع، فأصبن الرضاع كلهنّ إلّا حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن سِجْنَة (١) ابن جابر بن رِزَام بن ناصرة بن فُصَيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هَوَازن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة بن قَيس بن عيلان بن مُضر، وكان معها زوجها الحارث بن عبد العُزّى بن رفاعة بن مِلّان بن ناصرة بن فُصَيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ويكنى أبا ذُؤيب وولدُها منه عبد الله بن الحارث، وكانت تُرضعه، وأنيسة بنت الحارث وجُدامة بنت الحارث وهى الشّيْماء، وكانت هى التى تحضن رسول الله، ﷺ ، مع أمها وَتَوَرَّكُهُ، فَعُرِضَ عليها رسول الله، ﷺ ، فجعلت تقول: يتيم ولا مال له، وما عست أمّه أن تفعل؟ فخرج النّسوة وخلَّفنها، فقالت حليمة لزوجها: ما ترى؟ قد خرج صواحبى وليس بمكّة غلام يُستَرضع إلّا هذا الغلام اليتيم، فلو أنّا أخذناه، فَإنّى أكره أن نرجع إلى بلادنا ولم نأخذ شيئًا، فقال لها زوجها: خُذيه عَسَى الله أن يجعل لنا فيه خيرًا، فجاءت إلى أُمّه فأخذته منها فوضعته فى حجرها، فأقبل عليه ثدياها حتى يقطُرا لبنًا، فشرب رسول الله، ﷺ ، حتى روى، وشَرِب أخوه.
ولقد كان أخوه لا ينام من الغَرَث (٢)، وقالت أمّه: يا ظِئرُ (٣) سلى عن ابنك فَإِنَّهُ سيكون له شأنٌ، وأخبرتها ما رأت وما قيل لها فيه حين ولدته، وقالت: قيل لى ثلاث ليال: استرضعى ابنك فى بنى سعد بن بكر، ثمّ فى آلِ أبى ذؤيب، قالت حليمة: فإنّ أبا هذا الغلام الذى فى حِجرى أبو ذؤيب، وهو زوجى، فطابَت نَفسُ حليمة وسرّت بكلّ ما سمعت، ثمّ خرجت به إلى منزلها، فحدجوا أتانهم، فركبتها حليمة وحملت رسول الله ﷺ ، بين يديها ورَكِبَ الحارثُ شَارِفَهم فطلعا على صواحبها به بوادى السِّرَر، وهنّ مُرتِعات وهما يتواهقان، فَقُلْنَ: يا حليمة ما صنعتِ؟ فقالت: أخذتُ والله خير مولود رأيته قطّ وأعظمهم بَرَكة، قال النسوة: أهو ابن عبد المطّلب؟ قالت: نعم! قالت: فما رحلنا من منزلنا ذلك حتى رأيت الحسد من بعض نسائنا.
стр. 136
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: وذكر بعض الناس أنّ حليمة لما خرجت برسول الله، ﷺ ، إلى بلادها قالت آمنة بنت وهب:
أعيذُهُ بالله ذى الجلالِ … من شرّ ما مرّ على الجبالِ
حتى أراهُ حامل الكلَالِ (١) … وَيَفْعَلَ العُرْفَ إلى الموَالى
وغيرِهم من حِشْوَة الرجالِ
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن أصحابه قال: مكث عندهم سنتين حتى فُطِم، وكأنّه ابن أربع سنين، فَقَدِموا به على أُمه زائرين لها، وأخبرتها حليمةُ خبره وما رأوا من بَرَكته، فقالت آمنةُ: ارجعى بابنى فإنى أخاف عليه وَبَاء مكّة، فوالله ليكوننّ له شأن! فرجعت به، ولما بلغ أربع سنين كان يغدو مع أخيه وأخته فى البهْمِ قريبًا من الحى، فأتاه الملَكَان هناك فَشَقّا بطنه واستخرَجا عَلَقَةً سَوْداءَ فَطَرَحاها وغَسَلا بطنه بماء الثلج فى طَسْت من ذهب، ثمّ وُزِنَ بألفٍ من أُمته فوزنهم، فقال أحدهما للآخر: دَعْه، فلو وُزِن بأمّته كلّها لوزنهم! وجَاء أخوه يصيح بأمّه: أدركى أخى القرشىّ! فخرجت أمّه تعدو ومعها أبوه فيجدان رسول الله، ﷺ ، مُنْتَقعَ اللون، فنزلت به إلى آمنة بنت وهب وأخبرتها خبره وقالت: إنّا لا نَرُدّهُ إلّا على جَدْعٍ آنُفِنَا، ثمّ رَجعت به أيضًا فكان عندها سنةً أو نحوها لا تَدعه يذهب مكانًا بعيدًا، ثمّ رأت غَمَامَةً تُظِلّه إذا وقفَ وقفت، وإذا سارَ سارت، فأفزَعها ذلك أيضًا من أمره، فَقَدِمَتْ به إلى أُمه لتردّه وهو ابن خمس سنين فأضلّها فى الناس فالتمسته فلم تَجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطّلب فلم يجده: فقام عند الكعبة فقال:
لاهمّ أدّ راكبى مُحمّدَا … أدّهْ إلىّ وَ (٢) اصْطَنعْ عِنْدى يَدَا
стр. 137
أنت الذى جعلته لى عَضُدَا … لا يبعدِ الدهرُ به فَيَبْعَدَا
أنت الذى سَمّيتهُ مُحَمّدَا (١)
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطىّ، أخبرنا خالد بن عبد الله عن داود ابن أبى هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كِنْدِير بن سعيد عن أبيه قال: كنت أطوف بالبيت فإذا رجلٌ يقول:
ربّ (٢) رُدَّ إلىَّ رَاكبى محمّدَا … رُدّهْ إلىَّ واصْطَنِعْ عِنْدى يَدَا
قال قلت: مَن هذا؟ قالوا: عبد المطّلب بن هاشم بعث بابن ابن له فى طلب إبلٍ له ولم يبعث به فى حاجة إلَّا نَجح، فما لبثنا أن جاء فضمَّه إليه وقال: لا أبعثُ بك فى حاجة.
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ العَنبرى، أخبرنا ابن عَون عن ابن القِبْطية قال: كان النبىّ، ﷺ ، مسترضَعًا فى بنى سعد بن بكر.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا همّام بن يحيَى عن إسحاق بن عبد الله أنّ أمّ النبىّ، ﷺ ، لما دفعته إلى السعدية التى أرضعته قالت لها: احفظى ابنى، وأخبرتها بما رأت، فمرّ بها اليهود، فقالت: ألا تحدّثونى عن ابنى هذا فإنى حملته كذا ووضعته كذا ورأيتُ كذا كما وَصَفت أُمّه، قال: فقال بعضهم لبعض: اقتلوه، فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا، هذا أبوه وأنا أمّه، فقالوا: لو كان يتيمًا لقَتَلناه (٣)! قال: فذهبت به حليمة وقالت: كدتُ أخرّب أمانتى، قال إسحاق: وكان له أخٌ رضيع، قال: فجعل يقول له: أترى أنّه يكون بَعْثٌ؟ فقال النبىّ، ﷺ : أمَا والّذى نَفْسى بيدِهِ لآخُذَنّ بيَدِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلأعْرِفَنّكَ: فقال: فلمّا آمَنَ بعد موت النبىّ، ﷺ ، جعل يجلس فيبكى ويقول: إنما أرجو أن يأخذ النبىّ، ﷺ ، بيدى يوم القيامة فأنجو.
стр. 138
قال: أَخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا زكريّاء بن يحيَى بن يزيد السعدىّ عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : أنَا أعْرَبُكُمْ أنَا مِنْ قرَيْشٍ وَلِسَانى لِسَان بَنى سَعْدِ بن بَكْر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا أُسامة بن زَيد اللّيثى عن شيخ من بنى سعد قال: قَدِمَت حليمة بنت عبد الله على رسول الله، ﷺ ، مكّة، وقد تزوّج خديجة، فَتَشَكّت جَدْبَ البلاد وهَلاك الماشية، فكلّم رسول الله، ﷺ ، خديجة فيها فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا مُوَقَّعًا للظعينة وانصرفت إلى أهلها.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير الهَمْدَانِىّ، أخبرنا يحيَى بن سعيد الأنصارى عن محمّد بن المنكدر قال: استأذنت امرأة على النبىّ، ﷺ ، قد كانت أرضعته، فلمّا دخلت عليه قال: أُمّى أُمى! وَعَمَد إلى رِدائه فبَسَطَه لها فقعَدَت عليه.
قال: أخبرنا إبراهيم بن شمّاس السّمرقندى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السِّينانىّ عن عيسى بن فَرْقد عن عمر بن سعد قال: جاءت ظِئر النبى إلى النبى، ﷺ ، فَبَسَط لها رداءَه وأدخل يده فى ثيابها ووضعها على صدرها، قال: وقضى حاجتها، قال: فجاءت إلى أبى بكر فبسط لها رداءَه وقال لها: دعينى أضع يدى خارجًا من الثياب، قال: ففعل وقضى لها حاجتها، ثمّ جاءت إلى عمر ففعل مثل ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن مَعْمَر عن الزهرى وعن عبد الله بن جعفر وابن أبى سَبْرَة وغيرهم قالوا: قَدِم وفدُ هَوَازن على رسول الله ﷺ ، بالجِعِرّانَة (١) بعدما قسم الغنائم وفى الوفد عمّ النبىّ، ﷺ ، من الرّضاعة أَبو ثَرْوان، فقال يومئذ: يا رسول الله، إنّما فى هذه الحظائر مَن كان يكفلك من عمّاتك وخالاتك وحواضِنك، وقد حضنّاك فى حجورنا وأرضعناك بثُديّنا، ولقد رأيتك مُرْضَعًا فما رأيتُ مُرْضَعًا خيرًا منك، ورأيتك فطيمًا فما رأيتُ فَطيمًا خيرًا منك، ثمّ رأيتك شابًّا فما رأيتُ شابًا خيرًا منك، وقد تكاملتْ فيك خلالُ الخير،
стр. 139
ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك، فامنُنْ علينا مَنَّ اللهُ عليك! فقال رسول الله، ﷺ : قَدِ اسْتَأْنَيْتُ بكُمْ حَتى ظَنَنْتُ أنكُم لا تَقْدَمُونَ، وقد قسم النبىّ، ﷺ ، السَّبْى وجَرَت فيه السُّهْمَان، وقدم عليه أربعة عشر رجلًا من هَوَازن مُسلمين وجاءُوا بإسلام مَن وراءهم من قومهم، وكان رأسَ القوم والمتكلّمَ أبو صُرَد زُهَير بن صُرد فقال: يا رسول الله إنّا أصلٌ وَعَشِيرةٌ، قد أصابنا من البَلاء ما لا يَخْفَى عليك يا رسول الله، إنّما فى هذه الحظائر عَمّاتُك وخَالَاتُك وحَوَاضِنُك اللّاتى هنّ يَكْفُلْنَكَ، ولو أنّا ملحنا للحارث بن أبى شَمِر أو للنُّعمان بن المنذر ثمّ نزلا منّا بمثل الذى نزلتَ به رَجَونا عَطْفهما وعائِدتهما وأنت خير المكفولين، ويقال إنّه قال يومئذ أبو صُرَد: إنّما فى هذه الحظائر أخواتُك وعَمّاتُك وخالاتُك وبناتُ عمّك وبناتُ خالاتك وأبعدهنّ قريب منك، بأبى أنتَ وأمّى! إنّهنّ حضنّك فى حُجورهنّ وأرضعنَك بثُديّهنّ وتوركنك على أوراكهنّ، وأنت خير المكفولين، فقال رسول الله، ﷺ : إنّ أحْسَنَ الحَديثِ أصْدَقُهُ وَعِنْدى مَنَ تَرَوْنَ منَ المُسْلمينَ أَفَأبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤكُمْ أحَبّ إلَيْكُمْ أمْ أَمْوَالُكُمْ؟ فقالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحْسَابنا وأموالنا، وما كنّا لنعدل بالأحْساب شيئًا، فَرُدّ علينا أبناءنا ونساءنا، فقال النبىّ، ﷺ : أمّا ما لى ولبَنى عَبْدِ المُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَأسْألُ لَكُمُ النّاسَ فَإذا صَلّيْتُ بالنّاسِ الظُّهْرَ فَقُولوا نَسْتَشْفِعُ برَسُول الله إلى المُسْلِمينَ وَبالمُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ الله، فَإنّى سَأقُولُ لَكُمْ مَا كَانَ لى وَلِبَنى عَبْدِ المُطَّلبِ فهُوَ لَكُمْ، وَسَأطْلُبُ لَكُمْ إلى النّاسِ: فلمّا صلّى رسول الله، ﷺ ، الظّهر، قاموا فَتَكَلّموا بالذى قال لهم رسول الله، ﷺ ، فَرَدّ عليهم رسول الله، ﷺ ، ما كان لهُ ولبنى عبد المطّلب، وَرَدّ المهاجرون وَرَدّ الأنصار، وسأل لهم قبائل العرب فاتفقوا على قول واحد بتسليمهم ورضاهم ودَفْع ما كان فى أيديهم من السَّبى إلّا قومًا تمسّكوا بما فى أيديهم فأعطاهم إبلًا عوضًا من ذلك.
* * *
ذكر وفاة آمنة أم رسول الله، ﷺ -
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهرىّ قال: وحدّثنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: وحدّثنا
стр. 140
عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عَمرو بن حزم قال: وحدّثنا هاشم بن عاصم الأسلمىّ عن أبيه عن ابن عبّاس، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، مع أمّه آمنة بنت وهب، فلمّا بلغ ستّ سنين خرجت به إلى أخواله بنى عدىّ بن النجّار بالمدينة تزورهم به، ومعه أمّ أيمن تحضنه وهم على بعيرين، فنزلت به فى دار النابغة (١)؟ فأقامت به عندهم شهرًا، فكان رسول الله، ﷺ ، يذكر أمورًا كانت فى مقامه ذلك، لما نظر إلى أطُم بنى عدىّ بن النّجار عرفه وقال: كُنْتُ ألاعِبُ أنيسَةَ جَارِيَة مِنَ الأنْصَارِ عَلى هذا الأطُمِ وَكُنْتُ مَعَ غِلْمَان مِنْ أخوالى نُطَيّرُ طَائِرًا كَانَ يقَع عَلَيْهِ، ونظر إلى الدار فقال: هَهُنَا نَزَلَتْ بى أمّى وَفى هَذِه الدّارِ قُبِرَ أَبى عَبْدُ الله ابنُ عَبْدِ المطّلبِ وأحْسَنْتُ العَوْمَ فى بِئْر بَنى عَدِىّ بنِ النجّارِ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُود يَخْتَلِفُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْه فقَالَتْ أمّ أيْمَنَ فَسَمِعْتُ أحَدَهُمْ يَقُولُ: هُوَ نَبىّ هَذهِ الأمّةِ وَهَذِهِ دَارُ هِجرَتِهِ، فوَعَيْتُ ذَلِكَ كُلّهُ مِنْ كلامِهِ: ثمّ رجعت به أمّه إلى مكّة، فَلمّا كانوا بالأبْوَاء (٢) تُوُفّيَت آمنة بنت وهب، فقبرها هناك، فرجعت به أمّ أيمن على البعيرين اللذين قدموا عليهما مكّة، وكانت تحضنه مع أمّه ثمّ بعد أن ماتت، فلمّا مرّ رسول الله، ﷺ ، فى عمرة الحديبية بالأبواء قال: إنّ الله قَدْ أذَنَ لِمُحمّدٍ فى زِيَارَةِ قَبْرِ أمّه، فأتاه رسول الله، ﷺ ، فأصلحه وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكاء رسول الله، ﷺ ، فقيل له فقال: أدْرَكَتْنى رَحمتُهَا فَبَكَيْتُ (٣).
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل النَّهْدِىّ أبو غسّان، أخبرنا شريك بن عبد الله عن سِماك بن حَرب عن القاسم قال: استأذن النبىّ، ﷺ ، فى زيَارة قبر أمّه فأُذن له فسأل المغفرة لها فَأبى عليه (٤).
стр. 141
قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة أبو عامر السّوائى، أخبرنا سُفيان بن سعيد الثورىّ عن عَلْقمة بن مَرثد عن ابن بُريدة عن أبيه قال: لما فَتح رسول الله، ﷺ ، مكّة أتى جِذْمَ قبرٍ فجلَس إليه وجلَس الناس حوله، فجعل كهيئة المخاطب، ثمّ قام وهو يبكى، فاستقبله عمر. وكان من أجرإ الناس عليه، فقال: بأبى أنت وأُمىّ يا رسول الله! ما الذى أبكاكَ؟ فقال: هَذا قَبْرُ أُمىّ سَألتُ رَبىّ الزّيَارَةَ فَأذِنَ لى وَسَألْتُهُ الاسْتِغْفارَ فَلَمْ يَأذَنْ لى فَذَكَرْتُهَا فَرَقَقْتُ فَبَكَيْتُ: فلم يُرَ يومًا كان أكثر باكيًا من يومئذ. قال ابن سعد: وهذا غلط وليس قبرها بمكّة وقبرها بالأبْوَاءِ.
* * *
ذكر ضمّ عبد المطلب رسول الله، ﷺ ، إليه بعد وفاة أمه وذكر وفاة عبد المطلب ووصية أبى طالب برسول الله، ﷺ -
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرى قال: وحدّثنا عبد الله بن جَعفر عن عبد الواحد بن حَمزة بن عبد الله قال: وحدثنا هاشم بن عاصم الأسْلَمى عن المنذر بن جَهْم قال: وحدثنا معمر عن ابن أبى نجَيح عن مجاهد قال: وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبى الحُوَيْرث قال: وحدثنا ابن أبى سَبْرة عن سليمان بن سُحَيم عن نافع بن جُبَير، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، يكون مع أُمّه آمنة بنت وهْب، فلمّا توفيت قبضه إليه جده عبد المطّلب وضمّه وَرَقّ عليه رِقّة لم يَرقّها على وَلَده، وكان يقرِّبه منه ويُدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نَام، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك: دعوا ابنى إنّه ليُؤنِسُ مُلكًا (١).
وقال قوم من بنى مُدْلِج (٢) لعبد المطّلب: احتفظ به فإنّا لم نَرَ قَدَمًا أشبه
стр. 142
بالقَدم التى فى المقام منه، فقال عبد المطّلب لأبى طالب: أسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحتفظ به، وقال عبد المطلب لأُم أيْمن، وكانت تحضُن رسول الله، ﷺ : يا بَركة لا تغفلى عن ابنى فإنى وجدته مع غِلمان قريبًا من السّدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى هذا نبى هذه الأُمّة (١).
وكان عبد المطلب لا يأكل طعامًا إلّا قال: علىّ بابنى، فيؤتَى به إليه، فلمّا حضَرَت عبد المطّلب الوفاةُ أوصَى أبا طالب بحفظ رسول الله، ﷺ ، وحياطته (٢)، ولمّا نزل بعبد المطّلب الوفاة قال لبناته: ابكيننى وأنا أسمع، فَبَكَته كلّ واحدةٍ منهنّ بشعر، فلمّا سمع قول أميمة، وقد أُمسك لسانه، جعل يحرك رأسه أى قد صدقتِ وقد كنتُ كذلك، وهو قولها (٣):
أَعَيْنَىّ جُودا بِدَمْعٍ دِرَرْ … عَلى طَيّبِ الخيمِ وَالمُعْتَصَرْ
عَلى ماجِدِ الجَدّ وارى الزّنادِ … جَميلِ المحيّا عَظِيمِ الخَطَرْ
عَلى شَيْبَةِ الحَمدِ ذى المَكرُمَاتِ … وذى المَجدِ والعزّ والمُفْتَخَرْ
وذى الحلم والفضلِ فى النائبات … كثيرِ المَكَارِمِ جَمّ الفَخَرْ
له فضلُ مَجْدٍ عَلى قَوْمِه … مُبِينٍ يَلُوحُ كَضَوءِ القَمَرْ
أتَتْهُ المَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ … بصَرْفِ اللّيَالى وَرَيْبِ القَدَرْ
قال: ومات عبد المطّلب فدُفن بالحَجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشر سنين (٤). وسُئل رسول الله، ﷺ : أتذكر موت عبد المطّلب؟ قال: نَعَمْ أنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانى سِنِينَ، قالت أمّ أيْمن: رأيت رسول الله، ﷺ ، يومئذ يبكى خلف سرير عبد المطّلب.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب عن أبيه قال: مات عبد المطّلب بن هاشم قبل الفِجار وهو ابن عشرين ومائة سنة.
* * *
стр. 143
ذكر أبى طالب وضَمه رسول الله، ﷺ ، إليه وخروجه معه إلى الشام فى المرة الأولى
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: أخبرنا مَعْمَر عن ابن أبى نَجِيح عن مجاهد قال: وحدّثنا مُعاذ بن محمّد الأنصارى عن عطاء عن ابن عبّاس قال: وحدّثنا محمّد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإِبراهيم بن إسماعيل بن أبى حَبيبة، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: لما تُوُفى عبد المطّلب قَبَضَ أبو طالب رسول الله، ﷺ ، إليه فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبّه حبًّا شديدًا لا يحبّه ولدَه، وكان لا ينام إلّا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وصَبّ به أبو طالب صبابة لم يَصَبّ مثلها بشئ قط، وكان يخصّه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبى طالب جميعًا أو فُرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله، ﷺ ، شبعوا، فكان إذا أراد أن يُغَذّيَهُمْ قال: كما أنتم حتى يحضُر ابنى، فيأتى رسول الله، ﷺ . فيأكل معهم فكانوا يُفضلون من طعامهم. وإنْ لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول أبو طالب: إنّك لمبارك! وكان الصبيان يصبحون رُمْصًا شُعثًا ويصبح رسول الله، ﷺ ، دَهِينًا كَحِيلًا (١).
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ العنبرىّ، أخبرنا ابن عون عن ابن القِبْطِية قال: كان أبو طالب توضع له وِسادة بالبَطْحاء مثنيةً يتكئ عليها، فجاء النبىّ، ﷺ ، فبسطها ثمّ استلقى عليها، قال: فجاء أبو طالب فأراد أن يتكئَ عليها فسألَ عنها فقالوا: أخذها ابن أخيك، فقال: وحِلِّ البطحاء إن ابن أخى هذا ليُحسِن بنعيم.
قال: أخبرنا عثمان بن عمر بن فارس البصرىّ، أخبرنا ابن عون عن عمرو بن سعيد قال: كان أبو طالب تُلقى له وسادة يقعدُ عليها، فجاء النبىّ، ﷺ ، وهو غلام، فَقَعَد عليها، فقال أبو طالب: وإلهِ ربيعة إن ابن أخى ليُحسِن بنعيم.
стр. 144
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا مُعتمر بن سليمان قال: سمعتُ أبى يحدث عن أبى مِجْلَز: أن عبد المطلب أو أبا طالب، شكّ خالد، قال: لما مات عبد الله عَطَفَ على محمّد ﷺ ، قال: فكان لا يسافر سَفَرًا إلّا كان معه فيه، وإنّه توجّه نحو الشأم فنزل منزله فأتاه فيه راهب فقال: إنّ فيكم رجلًا صالحًا، فقال: إن فينا من يَقْرى الضّيف ويفكّ الأسير ويفعل المعروف، أو نحوًا من هذا، ثمّ قال: إنّ فيكم رجلًا صالحًا، ثمّ قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال: فقال هأَنَذَا وليّه، أو قيل هذا وليّه، قال: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشأم، إنّ اليهود حُسُدٌ. وإنى أخشاهم عليه. قال: ما أنت تقول ذاك ولكنّ الله يقوله، فردّه. قال: اللهمّ إنى أستودعك محمّدًا ثمّ إنّه مات.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر. حدّثنى محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن الحُصين قالوا: لمّا بَلغَ رسول الله، ﷺ ، اثنتى عشرةَ سنة. خرَج به أبو طالب إلى الشأم فى العير التى خرَج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بَحيرَا. فقال لأبى طالب فى النَّبىِّ، ﷺ ، ما قال، وأمَره أن يحتفظ به، فردَّه أبو طالب معه إلى مكّة، وشَبَّ رسول الله، ﷺ . مع أبى طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومَعايبها. لِمَا يريد به من كَرامته، وهو على دين قومه، حتى بلَغَ أن كان رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلقًا. وأكرمهم مخالطة. وأحسنهم جِوارًا. وأعظمهم حِلمًا وأمانة. وأصدقهم حديثًا وأبعدهم من الفحش والأذى (١). وما رُئى مُلاحيًا ولا مُماريًا أحدًا. حتى سمّاه قومه الأمين. لما جمع الله له من الأمور الصالحة فيه. فلقد كان الغالب عليه بمكّة الأمين، وكان أبو طالب يحفظه ويحوطه ويعضده وينصره إلى أن مات.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب عن أبيه قال: كان اسم أبى طالب عبد مناف. وكان له من الوَلَد طالب بن أبى طالب، وكان أكبر وَلَده. وكان المشركون أخرَجوه وسائر بنى هاشم إلى بَدر كرهًا. فخرَج طالب وهو يقول:
стр. 145
لَا هُمَّ (١) إمّا يَغْزُوَنّ طالِبْ … فى مِقْنَبٍ من هذه المَقَانِبْ
فليكن المغلوب غير الغالبْ … وليكن المسلوبَ غيرَ السالِبْ
قال: فلمّا انهزموا لم يوجد فى الأسْرى ولا فى القَتْلَى ولا رَجَعَ إلى مكّة ولا يدرى ما حاله وليس له عَقِب. وعَقِيل بن أبى طالب ويكنى أبا يزيد. وكان بينه وبين طالب فى السنّ عشر سنين. وكان عالمًا بنسب قُريش. وجعفر بن أبى طالب. وكان بينه وبين عَقيل فى السِّن عشر سنين. وهو قديم فى الإِسلام من مُهاجرة الحبشة. وقُتل يوم مُؤْتَة شهيدًا. وهو ذو الجَنَاحين يطير بهما فى الجنة حيث شاء. وعلىّ بن أبى طالب، وكان بينه وبين جَعفر فى السِّن عشر سنينَ وأمّ هانئ بنت أبى طالب واسمها هند، وجُمانة بنت أبى طالب، ورَيْطَةُ بنت أبى طالب، قال: وقال بعضهم: وأسماءُ بنت أبى طالب، وأمّهم جميعًا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَىّ، وطُلَيْق بن أبى طالب، وأمه عَلّة، وأخوه لأمه الحُويْرث بن أبى ذُباب بن عبد الله بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مُرّة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال: حدّثنى مَعْمَر بن راشِد عن الزهرى عن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده عبد الله بن أبى أميّة وأبا جَهْل بن هِشام، فقال رسول الله ﷺ : يَا عَمّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا الله كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بهَا عِنْدَ الله: فقال له أبو جَهل وعبد الله بن أبى أُميّة: يا أبا طالب أترغبُ عن مِلَّة عبد المطّلب؟ قال: ولم يَزل رسول الله، ﷺ ، يعرضها عليه ويقول: يَا عَمّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا الله. أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ: ويقولان: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ حتى قال آخر كلمة تكلّمَ بها: أنا على ملّة عبد المطّلب، ثمّ مات، فقال رسول الله، ﷺ : لأسْتَغْفِرَنّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ: فاستغفر له رسول الله، ﷺ ، بعد موته حتى نَزَلَت هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي