← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة أبو عامر السّوائى، أخبرنا سُفيان بن سعيد الثورىّ عن عَلْقمة بن مَرثد عن ابن بُريدة عن أبيه قال: لما فَتح رسول الله، ﷺ ، مكّة أتى جِذْمَ قبرٍ فجلَس إليه وجلَس الناس حوله، فجعل كهيئة المخاطب، ثمّ قام وهو يبكى، فاستقبله عمر. وكان من أجرإ الناس عليه، فقال: بأبى أنت وأُمىّ يا رسول الله! ما الذى أبكاكَ؟ فقال: هَذا قَبْرُ أُمىّ سَألتُ رَبىّ الزّيَارَةَ فَأذِنَ لى وَسَألْتُهُ الاسْتِغْفارَ فَلَمْ يَأذَنْ لى فَذَكَرْتُهَا فَرَقَقْتُ فَبَكَيْتُ: فلم يُرَ يومًا كان أكثر باكيًا من يومئذ. قال ابن سعد: وهذا غلط وليس قبرها بمكّة وقبرها بالأبْوَاءِ. * * * ذكر ضمّ عبد المطلب رسول الله، ﷺ ، إليه بعد وفاة أمه وذكر وفاة عبد المطلب ووصية أبى طالب برسول الله، ﷺ - قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرى قال: وحدّثنا عبد الله بن جَعفر عن عبد الواحد بن حَمزة بن عبد الله قال: وحدثنا هاشم بن عاصم الأسْلَمى عن المنذر بن جَهْم قال: وحدثنا معمر عن ابن أبى نجَيح عن مجاهد قال: وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبى الحُوَيْرث قال: وحدثنا ابن أبى سَبْرة عن سليمان بن سُحَيم عن نافع بن جُبَير، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، يكون مع أُمّه آمنة بنت وهْب، فلمّا توفيت قبضه إليه جده عبد المطّلب وضمّه وَرَقّ عليه رِقّة لم يَرقّها على وَلَده، وكان يقرِّبه منه ويُدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نَام، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك: دعوا ابنى إنّه ليُؤنِسُ مُلكًا (١). وقال قوم من بنى مُدْلِج (٢) لعبد المطّلب: احتفظ به فإنّا لم نَرَ قَدَمًا أشبه

стр. 142

بالقَدم التى فى المقام منه، فقال عبد المطّلب لأبى طالب: أسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحتفظ به، وقال عبد المطلب لأُم أيْمن، وكانت تحضُن رسول الله، ﷺ : يا بَركة لا تغفلى عن ابنى فإنى وجدته مع غِلمان قريبًا من السّدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى هذا نبى هذه الأُمّة (١). وكان عبد المطلب لا يأكل طعامًا إلّا قال: علىّ بابنى، فيؤتَى به إليه، فلمّا حضَرَت عبد المطّلب الوفاةُ أوصَى أبا طالب بحفظ رسول الله، ﷺ ، وحياطته (٢)، ولمّا نزل بعبد المطّلب الوفاة قال لبناته: ابكيننى وأنا أسمع، فَبَكَته كلّ واحدةٍ منهنّ بشعر، فلمّا سمع قول أميمة، وقد أُمسك لسانه، جعل يحرك رأسه أى قد صدقتِ وقد كنتُ كذلك، وهو قولها (٣): أَعَيْنَىّ جُودا بِدَمْعٍ دِرَرْ … عَلى طَيّبِ الخيمِ وَالمُعْتَصَرْ عَلى ماجِدِ الجَدّ وارى الزّنادِ … جَميلِ المحيّا عَظِيمِ الخَطَرْ عَلى شَيْبَةِ الحَمدِ ذى المَكرُمَاتِ … وذى المَجدِ والعزّ والمُفْتَخَرْ وذى الحلم والفضلِ فى النائبات … كثيرِ المَكَارِمِ جَمّ الفَخَرْ له فضلُ مَجْدٍ عَلى قَوْمِه … مُبِينٍ يَلُوحُ كَضَوءِ القَمَرْ أتَتْهُ المَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ … بصَرْفِ اللّيَالى وَرَيْبِ القَدَرْ قال: ومات عبد المطّلب فدُفن بالحَجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشر سنين (٤). وسُئل رسول الله، ﷺ : أتذكر موت عبد المطّلب؟ قال: نَعَمْ أنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانى سِنِينَ، قالت أمّ أيْمن: رأيت رسول الله، ﷺ ، يومئذ يبكى خلف سرير عبد المطّلب. قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب عن أبيه قال: مات عبد المطّلب بن هاشم قبل الفِجار وهو ابن عشرين ومائة سنة. * * *

стр. 143

ذكر أبى طالب وضَمه رسول الله، ﷺ ، إليه وخروجه معه إلى الشام فى المرة الأولى قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: أخبرنا مَعْمَر عن ابن أبى نَجِيح عن مجاهد قال: وحدّثنا مُعاذ بن محمّد الأنصارى عن عطاء عن ابن عبّاس قال: وحدّثنا محمّد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإِبراهيم بن إسماعيل بن أبى حَبيبة، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: لما تُوُفى عبد المطّلب قَبَضَ أبو طالب رسول الله، ﷺ ، إليه فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبّه حبًّا شديدًا لا يحبّه ولدَه، وكان لا ينام إلّا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وصَبّ به أبو طالب صبابة لم يَصَبّ مثلها بشئ قط، وكان يخصّه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبى طالب جميعًا أو فُرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله، ﷺ ، شبعوا، فكان إذا أراد أن يُغَذّيَهُمْ قال: كما أنتم حتى يحضُر ابنى، فيأتى رسول الله، ﷺ . فيأكل معهم فكانوا يُفضلون من طعامهم. وإنْ لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول أبو طالب: إنّك لمبارك! وكان الصبيان يصبحون رُمْصًا شُعثًا ويصبح رسول الله، ﷺ ، دَهِينًا كَحِيلًا (١). قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ العنبرىّ، أخبرنا ابن عون عن ابن القِبْطِية قال: كان أبو طالب توضع له وِسادة بالبَطْحاء مثنيةً يتكئ عليها، فجاء النبىّ، ﷺ ، فبسطها ثمّ استلقى عليها، قال: فجاء أبو طالب فأراد أن يتكئَ عليها فسألَ عنها فقالوا: أخذها ابن أخيك، فقال: وحِلِّ البطحاء إن ابن أخى هذا ليُحسِن بنعيم. قال: أخبرنا عثمان بن عمر بن فارس البصرىّ، أخبرنا ابن عون عن عمرو بن سعيد قال: كان أبو طالب تُلقى له وسادة يقعدُ عليها، فجاء النبىّ، ﷺ ، وهو غلام، فَقَعَد عليها، فقال أبو طالب: وإلهِ ربيعة إن ابن أخى ليُحسِن بنعيم.

стр. 144

قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا مُعتمر بن سليمان قال: سمعتُ أبى يحدث عن أبى مِجْلَز: أن عبد المطلب أو أبا طالب، شكّ خالد، قال: لما مات عبد الله عَطَفَ على محمّد ﷺ ، قال: فكان لا يسافر سَفَرًا إلّا كان معه فيه، وإنّه توجّه نحو الشأم فنزل منزله فأتاه فيه راهب فقال: إنّ فيكم رجلًا صالحًا، فقال: إن فينا من يَقْرى الضّيف ويفكّ الأسير ويفعل المعروف، أو نحوًا من هذا، ثمّ قال: إنّ فيكم رجلًا صالحًا، ثمّ قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال: فقال هأَنَذَا وليّه، أو قيل هذا وليّه، قال: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشأم، إنّ اليهود حُسُدٌ. وإنى أخشاهم عليه. قال: ما أنت تقول ذاك ولكنّ الله يقوله، فردّه. قال: اللهمّ إنى أستودعك محمّدًا ثمّ إنّه مات. قال: أخبرنا محمّد بن عمر. حدّثنى محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن الحُصين قالوا: لمّا بَلغَ رسول الله، ﷺ ، اثنتى عشرةَ سنة. خرَج به أبو طالب إلى الشأم فى العير التى خرَج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بَحيرَا. فقال لأبى طالب فى النَّبىِّ، ﷺ ، ما قال، وأمَره أن يحتفظ به، فردَّه أبو طالب معه إلى مكّة، وشَبَّ رسول الله، ﷺ . مع أبى طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومَعايبها. لِمَا يريد به من كَرامته، وهو على دين قومه، حتى بلَغَ أن كان رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلقًا. وأكرمهم مخالطة. وأحسنهم جِوارًا. وأعظمهم حِلمًا وأمانة. وأصدقهم حديثًا وأبعدهم من الفحش والأذى (١). وما رُئى مُلاحيًا ولا مُماريًا أحدًا. حتى سمّاه قومه الأمين. لما جمع الله له من الأمور الصالحة فيه. فلقد كان الغالب عليه بمكّة الأمين، وكان أبو طالب يحفظه ويحوطه ويعضده وينصره إلى أن مات. قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب عن أبيه قال: كان اسم أبى طالب عبد مناف. وكان له من الوَلَد طالب بن أبى طالب، وكان أكبر وَلَده. وكان المشركون أخرَجوه وسائر بنى هاشم إلى بَدر كرهًا. فخرَج طالب وهو يقول:

стр. 145

لَا هُمَّ (١) إمّا يَغْزُوَنّ طالِبْ … فى مِقْنَبٍ من هذه المَقَانِبْ فليكن المغلوب غير الغالبْ … وليكن المسلوبَ غيرَ السالِبْ قال: فلمّا انهزموا لم يوجد فى الأسْرى ولا فى القَتْلَى ولا رَجَعَ إلى مكّة ولا يدرى ما حاله وليس له عَقِب. وعَقِيل بن أبى طالب ويكنى أبا يزيد. وكان بينه وبين طالب فى السنّ عشر سنين. وكان عالمًا بنسب قُريش. وجعفر بن أبى طالب. وكان بينه وبين عَقيل فى السِّن عشر سنين. وهو قديم فى الإِسلام من مُهاجرة الحبشة. وقُتل يوم مُؤْتَة شهيدًا. وهو ذو الجَنَاحين يطير بهما فى الجنة حيث شاء. وعلىّ بن أبى طالب، وكان بينه وبين جَعفر فى السِّن عشر سنينَ وأمّ هانئ بنت أبى طالب واسمها هند، وجُمانة بنت أبى طالب، ورَيْطَةُ بنت أبى طالب، قال: وقال بعضهم: وأسماءُ بنت أبى طالب، وأمّهم جميعًا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَىّ، وطُلَيْق بن أبى طالب، وأمه عَلّة، وأخوه لأمه الحُويْرث بن أبى ذُباب بن عبد الله بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مُرّة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال: حدّثنى مَعْمَر بن راشِد عن الزهرى عن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده عبد الله بن أبى أميّة وأبا جَهْل بن هِشام، فقال رسول الله ﷺ : يَا عَمّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا الله كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بهَا عِنْدَ الله: فقال له أبو جَهل وعبد الله بن أبى أُميّة: يا أبا طالب أترغبُ عن مِلَّة عبد المطّلب؟ قال: ولم يَزل رسول الله، ﷺ ، يعرضها عليه ويقول: يَا عَمّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا الله. أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ: ويقولان: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ حتى قال آخر كلمة تكلّمَ بها: أنا على ملّة عبد المطّلب، ثمّ مات، فقال رسول الله، ﷺ : لأسْتَغْفِرَنّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ: فاستغفر له رسول الله، ﷺ ، بعد موته حتى نَزَلَت هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي

стр. 146

قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١) [سورة التوبة: ١١٣]. قال: أخبرنا محمّد بن عمر، وحدثنى محمّد بن عبد الله ابن أخى الزُّهرى عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذرىّ قال: قال أبو طالب: يا بن أخى والله لولا رَهْبةَ أن تقول قريش دَهَرَنى الجَزَع (٢) فيكون سُبَّة عليك وعلى بَنى أبيك لَفَعَلْتُ الذى تقول، وأقررتُ عينك بها، لما أرى من شُكرك وَوَجْدَك بى ونصيحتك لى. ثمّ إن أبا طالب دعا بَنى عبد المطّلب فقال: لن تزالوا بخيرٍ ما سمعتم من محمّد وما اتبعتم أمره فاتّبعوه وأعينوه تَرْشُدوا، فقال رسول الله، ﷺ : أتَأمُرُهُمْ بِهَا وَتَدَعُهَا لِنَفْسِكَ؟ فقال أبو طالب: أما أنك لو سألتنى الكلمة وأنا صحيح لَتَابَعتُك على الذى تقول، ولكنى أكره أن أُجَزَّعَ عند الموت فترى قريش أنى أخذتُها جَزَعًا ورددتُها فى صحّتى (٣). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا ابن جُريْج وسفيان بن عُيينة عن عَمرو بن دينار عن أبى سعيد أو عن ابن عمر قال: نزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [سورة القصص: ٥٦]: فى أبى طالب (٤). قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى الثورى عن حبيب بن أبى ثابت عن ابن عبّاس فى قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام: ٢٦]: قال: نزلت فى أبى طالب ينهى عن أذى رسول الله، ﷺ ، أن يُؤذى وينأى أن يدخل فى الإِسلام. قال: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى مُعاوية بن عبد الله بن عُبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جَدّه عن علىّ قال: أخبرت رسول الله، ﷺ ، بموت أبى طالب فَبَكَى ثمّ قال: اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ وَكَفّنْهُ وَوَارِهِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ وَرَحِمهُ! قال:

стр. 147

ففعلت ما قال، وجعل رسول الله، ﷺ ، يستغفر له أيّامًا، ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل، ﵇، بهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى﴾ [سورة التوبة: ١١٣]: قال علىّ: وأمرنى رسول الله، ﷺ ، فاغتسلتُ (١). قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة عن عَمرو قال: لمّا مات أبو طالب قال له رسول الله، ﷺ : رَحِمكَ الله وغَفَرَ لَكَ لا أزَالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ حَتى يَنْهَانى الله، قال: فأخذَ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مُشرِكون، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾. قال: أخبرنا الفضل بن دُكَين أبو نُعَيْم، أخبرنا سفيان عن أبى إسحاق عن ناجية بن كعب عن علىّ قال: أتيت النبىّ، ﷺ ، فقلت: إنّ عمّك الشيخ الضالّ قد مات، يعنى أباه، قال: اذْهَبْ فَوَارِه وَلا تُحْدِثَنّ شَيْئًا حَتى تَأتِيَنى، فأتيته فقلت له، فأمرنى فاغتسلت، ثمّ دعا لى بدعوات ما يسرّنى ما عُرّض بهنّ من شئ (٢). أخبرنا عفّان بن مُسلم وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطّيَالسىّ قال: أخبرنا أبو عوَانة، أخبرنا عبد الملك بن عُمَير عن عبد الله بن الحارث بن نَوفل عن العبّاس ابنِ عبد المطّلب قال: قلت: يا رسول الله هل نفعتَ أبا طالب بشئٍ؟ فإنّه قد كان يحوطك ويغضب لك، قال: نَعَمْ وَهُوَ فى ضَحْضَاحٍ مِنَ النّارِ وَلولا ذَلِكَ لَكَانَ فى الدَّرْكِ الأسْفَل مِنَ النّارِ (٣). أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أنّ علىّ بن الحسين أخبره أن أبا طالب توفى فى عهد رسول الله، ﷺ ، فلم يَرِثْه جعفر ولا علىّ وورثه طالب وعَقيل، وذلك بأنّه لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا يرث الكافرُ المسلمَ.

стр. 148

قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَلى قال: حدّثنى سليمان بن بلال قال: حدّثنى هشام بن عُروة عن أبيه قال: ما زالوا كافّين عنه حتى مات أبو طالب، يعنى قريشًا، عن النبىّ ﷺ . قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سَلَمة عن ثابت عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قال العباس: يا رسول الله أترجو لأبى طالب؟ قال: كُلّ الخيْرِ أرْجُو منْ ربّى. قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسْلَمى قال: توفى أبو طالب للنصف من شوّال فى السنة العاشرة من حين نُبّئ رسول الله، ﷺ ، وهو يومئذ ابن بضع وثمانين سنة، وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة أيّام، وهى يومئذ بنت خمس وستّين سنة، فاجتمعتْ على رسول الله، ﷺ ، مُصيبتان: موت خديجة بنت خُوَيلد، وموت أبى طالب عمهِ. * * * ذكر رِعْيَة رسول الله، ﷺ ، الغنم بمكة قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير الهَمْدَانِىّ عن هشام بن عُروة عن وهْب بن كَيْسَان عن عبيد بن عُمير قال: قال رسول الله، ﷺ : مَا مِنْ نَبىّ إلّا قَدْ رَعَى الغَنَمَ: قالوا: وأنتَ يا رسول الله؟ قال: وَأنَا. قال: أخبرنا سُويد بن سعيد وأحمد بن محمّد الأزرقى المكّى قال: حدّثنا عمرو بن يحيَى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القُرَشىّ عن جدّه سعيد عن أبى هُريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : مَا بَعَثَ اللهُ، ، نبِيًّا إلّا رَاعِىَ غَنَمٍ (١): قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: نَعَمْ، وَأنَا رَعَيْتُهَا لِأهْلِ مَكّةَ بالقَرَارِيطِ (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عبيد الطنافسى ومحمّد بن عبد الله الأسدىّ قال:

стр. 149

أخبرنا مِسْعَر عن سعد بن إبراهيم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: مَرّوا على النبىّ، ﷺ ، بثمر الأراك، فقال رسول الله، ﷺ : عَلَيْكُمْ بِمَا اسْوَدّ منْهُ فَإنّى كُنْتُ أجْتَنِيه إذْ أنا رَاعِى الغَنَمِ: قالوا: يا رسول الله ورعيتَها؟ قال: نَعَمْ، وَمَا مِنْ نَبىّ إلّا قَدْ رَعَاهَا (١). قال: أخبرنا عمر بن عمر بن فارس قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهرىّ عن جابر بن عبد الله قال: كنّا مع النبىّ، ﷺ ، نجنى الكَباث (٢) فقال: عَلَيْكُمُ بالأسْوَد مِنْهُ فَإنّهُ أطْيَبُهُ فَإنّى كُنْتُ أجْنِيهِ إذ كُنْتُ أرْعَى الغَنَمَ: قلنا: وكنتَ ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: نَعَمْ، وَمَا مِنْ نَبىّ إلّا قَدْ رَعَاهَا. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زُهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: كان بين أصحاب الغنم وبين أصحاب الإبل تنازع، فاستطال عليهم أصحاب الإبل، قال: فبلغنا، والله أعلم، أن النبىّ، ﷺ ، قال: بُعِثَ موسى، ﵇، وَهُوَ راعى غَنَمٍ وَبُعِثَ دَاوُدُ، ﵇، وَهُوَ رَاعى غَنَمٍ وَبُعِثْتُ وَأنَا أرْعَى غَنَمَ أهْلى بأجْيَادٍ (٣) * * * ذكر حضور رسول الله، ﷺ ، حرب الفِجار قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، حدّثنى الضحّاك بن عثمان عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة قال: وأخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم التيمى عن أبيه قال: وحدّثنا عبد الله بن يزيد الهذلى عن يعقوب بن عُتبة الأخنسى قال: وغير هؤلاء أيضا قد حدّثنى ببعض هذا الحديث قالوا: كان سبب حرب الفجار أن النعمان بن المنذر بعث بلطيمة له إلى سوق

стр. 150

عكاظ للتجارة وأجارها له الرحّال عُروة بن عُتبة بن جابر بن كلاب، فنزلوا على ماء يقال له أُوَارَة (١)، فوثب البرّاض بن قيس أحد بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان خليعا، على عروة فقتله وهرب إلى خيبر فاستخفى بها، ولقى بِشْر بن أبى خازم الأسدىّ الشاعر فأخبره الخبر وأمره أن يُعلم ذلك عبد الله بن جُدعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أميّة، ونوفل بن معاوية الدّيلى، وبَلْعاء بن قيس، فوافى عكاظًا فأخبرهم فخرجوا موائلين منكشفين إلى الحرم، وبلغ قيسًا الخبر آخر ذلك اليوم، فقال أبو براء: ما كنا من قريش إلّا فى خدعة، فخرجوا فى آثارهم فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فناداهم رجل من بنى عامر يقال له الأدرم بن شعيب بأعلى صوته: إن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالى من قابل، وإنا لا نأتلى فى جمع، وقال: لَقَدْ وَعَدْنَا قُرَيْشًا وهْىَ كَارِهةٌ … بأنْ تجئَ إلى ضَرْبٍ رَعَابيلِ قال: ولم تقم تلك السنة سوق عكاظ، قال: فمكثت قريش وغيرها مِن كِنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش، وهم: الحارث بن عبد مناة ابن كنانة وعضَل والقارة وديش والمصطلِق من خزاعة لحلفهم بالحارث بن عبد مناة، سنةً يتأهبون لهذه الحرب، وتأهبت قيس عيلان، ثمّ حضروا من قابل ورؤساء قريش عبد الله بن جُدْعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أميّة، وأبو أُحيحة سعيد بن العاص، وعتبة بن ربيعة، والعاص بن وائل، ومعمر بن حبيب الجمحى، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وخرجوا متساندين، ويقال: بل أمرُهم إلى عبد الله بن جدعان، وكان فى قيس أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، وسُبيع بن ربيعة بن معاوية النصرى، ودريد بن الصّمّة، ومسعود بن معتِّب الثقفى، وأبو عروة بن مسعود، وعوف بن أبى حارثة المرى، وعبّاس بن رِعْل السُّلَمى، فهؤلاء الرؤساء والقادة. ويقال: بل كان أمرهم جميعا إلى أبى براء، وكانت الراية بيده وهو سوّى

стр. 151

صفوفهم، فالتقوا فكانت الدبرة أوّل النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضوى إليهم، ثمّ صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس فقتلوهم قتلًا ذريعًا، حتى نادى عتبة بن ربيعة يومئذ، وإنّه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة، إلى الصلح، فاصطلحوا على أن عَدّوا القتلى وَوَدَتْ قريش لقيس ما قتلت فضلًا عن قتلاهم، ووضعت الحرب أوزارها، فانصرفت قريش وقيس. قال رسول الله، ﷺ ، وذكر الفِجار فقال: قَدْ حَضَرْتُهُ مَعَ عُمُومَتى وَرَمَيْتُ فِيهِ بِأسْهُمٍ وَمَا أحِبّ أنّى لَمْ أكنْ فَعَلْتُ: فكان يوم حضر ابن عشرين سنة، وكان الفِجار بعد الفيل بعشرين سنة (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثنى الضّحاك بن عثمان عن عبد الله ابن عُروة عن حكيم بن حِزام قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، بالفجار وقد حضره، قال محمّد بن عمر: وقالت العرب فى الفجار أشعارًا كثيرة. * * * ذكر حضور رسول الله، ﷺ ، حِلْف الفُضُول قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا الضّحاك بن عثمان عن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: سمعتُ حكيم بن حِزام يقول: كان حلف الفضول مُنْصَرَفَ قريش من الفجار، ورسولُ الله، ﷺ ، يومئذ ابن عشرين سنة (٢). قال: قال محمّد بن عمر: وأخبرنى غير الضّحاك قال: كان الفِجَار فى شوّال وهذا الحلف فى ذى القعدة، وكان أشرف حِلف كان قطّ، وأوّل مَن دعا إليه الزبير بن عبد المطّلب، فاجتمعت بنو هاشم وزُهرة وتَيْم فى دار عبد الله بن جُدعان، فصَنَع لهم طعامًا فتَعَاقدوا وتَعَاهَدوا بالله، القاتل لنكوننّ مع المظلوم حتى

стр. 152

يُؤدّى إليه حقّه ما بَلّ بحرٌ صُوفة، وفى التآسى فى المعاش، فسمّت قريش ذلك الحلف حِلف الفضول (١). قال: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ عن طَلحة بن عبد الله بن عَوف عن عبد الرحمن بن أَزهر عن جُبير بن مُطعم قال: قال رسول الله ﷺ : ما أُحِبّ أنّ لى بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ فى دَارِ ابنِ جُدْعَانَ حُمْرَ النَّعَم وَأنّى أغْدِرُ به، هاشِمٌ وَزُهْرَةُ وَتَيْمٌ تَحَالَفُوا أنْ يَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ مَا بَلّ بحْرٌ صُوفَةً ولَوْ دُعيتُ بهِ لأجَبْتُ وهُوَ حِلْفُ الفُضُولِ. قال محمّد بن عمر: ولا نعلم أحدًا سبق بَنى هاشم بهذا الحلف (٢). * * * ذكر خروج رسول الله، ﷺ ، إلى الشام فى المرة الثانية قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمىّ أخبرنا موسى بن شَيْبَة عن عميرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك عن أمّ سعْد بنت سعْد بن الرّبيع عن نفيسة بنت مُنْيَة أخت يعلى بن مُنية قالت: لمّا بلَغ رسول الله ﷺ خَمْسًا وعشرين سنة قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لى وقد اشتدّ الزمان علينا، وهذه عِير قومك وقد حَضَر خُروجُها إلى الشأم وخديجة بنت خُوَيْلد تبعث رجالًا من قومك فى عِيَراتها، فلو جئتها فعَرَضْتَ نفسكَ عليها لأسرعت إليك، وبلَغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له، فأرسلت إليه فى ذلك وقالت له أنا أعطيك ضِعْف ما أُعطى رجلًا من قومك (٣). قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقىّ، حدّثنى أبو المَلِيح عن عبْد الله بن

стр. 153

محمّد بن عَقيل قال: قال أبو طالب: يابن أخى قد بلَغَنى أنّ خديجة استأجرت فلانًا بِبَكْرَين ولسنا نَرضى لك بمثل ما أعطته، فهل لك أن تُكلمها؟ قال: ما أحْبَبْتَ! فخرَج إليها فقال: هَلْ لكِ يا خديجة أن تستأجرى محمّدًا؟ فقد بلغنا أنّك استْأجرتِ فلانًا بِبَكْرَيْن، ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكار، قال: فقالت خديجة: لو سألتَ ذاك لبعيد بَغيض فعلنا، فكيف وقد سألت لحبيبٍ قريب؟ قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا موسى بن شَيبة عن عميرة بنت عُبيد الله ابن كعب بن مالك عن أمّ سعْد بنت سعْد بن الرّبيع عن نفِيسَة بنت مُنْيَة قالت: قال أبو طالب: هذا رزق قد ساقَه الله إليك، فخرَج مع غلامها ميْسَرَة وجَعَل عُمُومَتُه يُوصُونَ به أهْلَ العير حتى قَدِمَا بُصْرَى من الشأم، فنزلا فى ظِلّ شجرة، فقال نَسْطور (١) الراهب: ما نزل تحتَ هذه الشجرة قطّ إلّا نبىّ، ثمّ قال لمَيْسَرَة: أفى عينيه حُمْرَة؟ قال: نعم لا تُفارقه، قال: هو نبىّ وهو آخر الأنبياء، ثمّ باع سِلْعَته فَوَقَع بينه وبين رجل تَلاحٍ. فقال له: احلفْ باللّات والعُزّى، فقال رسول الله، ﷺ : مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطّ وإنّى لأمُرّ فأُعْرِضُ عَنْهُمَا، فقال الرجل: القول قولك، ثمّ قال لمَيْسَرَة: هذا والله نبىّ تجده أحبارنا مَنْعوتًا فى كُتُبهم، وكان مَيْسَرَة إذا كانت الهاجرة واشتَدّ الحرّ يرى مَلَكَين يُظِلّان رسولَ الله، ﷺ ، من الشمس، فَوَعَى ذلك كلّه مَيْسَرَة، وكان الله قد ألقى عليه المحبّة من ميسرة، فكان كأنّه عَبْدٌ له، وباعوا تجارتهم وَرَبِحوا ضِعْف ما كانوا يَربحون، فلمّا رجعوا فكانوا بمرّ الظّهْرَان قال مَيْسَرَة: يا محمّد انطلق إلى خديجة فأخبرها بما صَنَع الله لها على وجهك، فإنها تعرف لك ذلك، فتقدّم رسول الله، ﷺ ، حتى دخل مكّة فى ساعة الظّهيرة وخديجة فى عُلّية لها فرأت رسول الله، ﷺ ، وهو على بَعيره ومَلَكَان يظلّان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليها رسول الله، ﷺ ، فخبرها بما ربحوا فى وجههم، فسرّت بذلك، فلما دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم، وأخبرها بما قال الراهب نسطور وبما قال الآخر الذى خالفه فى البيع: وقدِم رسول الله،

стр. 154

- ﷺ ، بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ضعف ما سَمَّت له (١). * * * ذكر تزويج رسول الله، ﷺ ، خديجة بنت خويلد قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا موسى بن شيبة عن عُميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بنت سعد بن الرّبيع عن نفيسة بنت مُنية قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قُصىّ امرأة حازمة، جَلْدَة، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهى يومئذ أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم مالًا، وكلّ قومها كان حريصًا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال، فَأَرْسلَتْنى دَسيسًا إلى محمّد بعد أن رجع فى عيرها من الشأم، فقلت: يا محمّد ما يمنعك أن تَزَوّج؟ فقال: مَا بِيَدى مَا أتَزَوجُ بهِ، قلت: فإن كُفيت ذلك ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فَمَنْ هِىَ؟ قلت: خديجة، قال: وَكَيْفَ لى بِذَلِكَ؟ قالت قلت: علىّ، قال: فَأنَا أفْعَلُ: فذَهبْتُ فأخْبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمْرو بن أسد ليزوّجها. فحضر ودخل رسول الله، ﷺ ، فى عمومته، فزوّجه أحدهم. فقال عمرو بن أسد: هذا البُضْعُ لا يُقْرع أنْفه، وتزوّجها رسول الله، ﷺ ، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة، ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن عبد الله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جُبير بن مُطعم. وعن ابن أبى الزناد عن هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن ابن أبى حبيبة عن داود بن الحُصين عن عِكرمة عن ابن عبّاس قالوا: إن عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسول الله، ﷺ ، وإن أباها مات قبل الفِجَار (٣).

стр. 155

قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ قال: أخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: زوّج عمرو بن أسد بن عبد العزّى بن قصى خديجة بنت خويلد النبىّ ﷺ ، وهو يومئذ شيخ كبير لم يبق لأسد لصُلبه يومئذ غيره، ولم يلد عَمْرو بن أسد شيئًا (١). قال: أخبرنا خالد بن خِداش بن عجلان، أخبرنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبى يذكر أن أبا مِجْلَز حدّث أنّ خديجة قالت لأختها: انطلقى إلى محمّد فاذكرينى له، أو كما قالت، وأنّ أختها جاءت فأجابها بما شاء الله، وأنهم تواطئوا على أن يتزوّجها رسول الله، ﷺ ، وأنّ أبا خديجة سُقِىَ من الخمر حتى أخذت فيه، ثمّ دعا محمّدًا فزوّجه، قال: وسنّت على الشّيخ حُلّة، فلمّا صحا قال: ما هذه الحُلّة؟ قالوا: كساكها خَتَنُك محمّد، فغضب وأخذ السّلاح وأخذ بنو هاشم السّلاح وقالوا: ما كانتْ لنا فيكم رغْبة، ثمّ إنّهم اصطلحوا بعد ذلك. قال: أخبرنا محمّد بن عمر بغير هذا الإسناد أنّ خديجة سقت أباها الخمر حتى ثَمِلَ، ونَحَرَت بَقَرَة. وخلّقَته بخلوق، وألْبَسته حُلّة حِبَرَة، فلمّا صحا قال: ما هذا العقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت: زوّجتَنى محمّدًا، قال: ما فعلتُ! أنا أفعل هذا (٢) وقد خطبكِ أكابر قريش فلم أفعل؟ قال: وقال محمّد بن عمر: فهذا كلّه عندنا غَلَط ووهل، والثّبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أنّ أباها خُوَيلد بن أسد مات قبل الفجار، وأن عمّها عمرو ابن أسد زوّجها رسول الله، ﷺ (٣). * * * ذكر أولاد رسول الله، ﷺ ، وتسميتهم قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: كان أوّل من وُلد لرسول الله، ﷺ ، بمكّة قبل النبوّة القاسم.

стр. 156

وبه كان يكنى. ثمّ وُلِدَ له زينب، ثمّ رُقيّة، ثمّ فاطمة، ثم أمُّ كلثوم، ثمّ وُلد له فى الإِسلام عبد الله فسُمّى الطيّب، والطاهر، وأمّهم جميعًا خديجة بنت خُوَيلد ابن أسد بن عبد العُزّى بن قُصىّ، وأمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن هَرِم بن رَوَاحة بن حُجْر بن عبد بن مَعيص بن عامر بن لؤى فكان أول مَن مات من ولده القاسم، ثمّ مات عبد الله بمكة، فقال العاص بن وائل السهمى: قد انقطع ولده فهو أبْتَر، فأنزل الله، ﵎ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١) [سورة الكوثر: ٣]. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عمرو بن سلمة الهُذلى عن (٢) سعيد بن محمّد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: مات القاسم وهو ابن سنتين. قال: وقال محمد بن عمر: وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطّلب تقبّل خديجة فى ولادها وكانت تعقّ عن كلّ غلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، وكان بين كلّ وَلَدَيْن لها سنة، وكانت تسترضع لهم وتُعِدّ ذلك قبل ولادتها. * * * ذكر إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، تسليمًا قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: لما رجع رسول الله، ﷺ ، من الحُدَيْبيَة في ذى القعدة سنة ستّ من الهجرة بعثَ حاطبَ بن أبى بلتعة إلى المقوقِس القبطى صاحب الإسكندرية وكتب معه إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإِسلام، فلمّا قرأ الكتاب قال خيرًا، وأخذ الكِتاب، فكان مختومًا، فجعله فى حُقّ من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، وكتب إلى النبىّ، ﷺ ، جواب كتابه، ولم يُسلم، وأهدى إلى النبىّ، ﷺ ، مارية القبطية وأختها سيرين وحماره يعفور وبغلته دُلْدُل وكانت بيضاء، ولم يكُ فى العرب يومئذ غيرها (٣).

стр. 157

قال محمّد بن عمر: وأخبرنى أبو سعيد رجل من أهل العلم قال: كانت مارية من حَفْن من كُورة أنْصِنَا (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا يعقوب بن محمّد بن أبى صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة قال: كان رسول الله، ﷺ ، يُعجَب بمارية القبطية، وكانت بيضاء جَعْدة جميلة، فأنزلها رسول الله، ﷺ ، وأختها على أم سُلَيْم بنت مِلْحان، فدخل عليهما رسول الله، ﷺ ، فعرض عليهما الإِسلام فأسلمتا، فوطئ مارية بالمِلك، وحوّلها إلى مال له بالعالية، كان من أموال بنى النضير، فكانت فيه فى الصيف وفى خُرافة النخل، فكان يأتيها هُناك، وكانت حسنة الدين، ووهب أختها سيرين لحسّان بن ثابت الشاعر، فولدت له عبد الرحمن. وولدت مارية لرسول الله، ﷺ ، غُلامًا فسمّاه إبراهيم، وعقّ عنه رسول الله، ﷺ ، بشاة يومَ سابعه، وحلق رأسه فتصدّق بزِنَة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدُفن فى الأرض، وسمّاه إبراهيم، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبى، ﷺ ، فخرجت إلى زوجها أبى رافع فأخبرته بأنها قد ولّدت غلامًا، فجاء أبو رافع إلى رسول الله، ﷺ ، فبشّره، فوهب له عبدًا، وغارَ نساء رسول الله، ﷺ ، واشتدّ عليهنّ حين رزق منها الولد (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى ابن أبى سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله عن أبى جعفر أن رسول الله، ﷺ ، حجب مارية وكانت قد ثَقُلت على نساء النبىّ، ﷺ وغِرْن عليها ولا مثل عائشة. قال محمّد بن عمر: وولدته فى ذى الحجّة سنة ثمان من الهجرة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ عن أنس بن مالك قال: لما وُلد إبراهيم جاء جبريل إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم (٣)!

стр. 158

قال: وأخبرنا محمّد بن خَازم أبو معاوية الضرير عن إسماعيل بن مسلم عن يونس بن عبيد عن أنس بن مالك قال: خرج علينا رسول الله، ﷺ ، حين أصبح فقال: إنّهُ ولِدَ لىَ اللّيْلةَ غُلامٌ وَإنّى سَمّيْتُهُ باسمِ أبى إبْرَاهِيمَ. قال: أخبرنا شَبابة بن سوّار، أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّهُ ولِدَ لىَ البَارِحَةَ غُلامٌ فَسَمَّيْتُهُ باسمِ أبى إبْرَاهِيمَ. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن أبى سَبرَة عن حسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن العبّاس عن عِكرمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله، ﷺ ، لما ولدت أمّ إبراهيم إبراهيمَ: أعْتَقَ أمَّ إبراهِيمَ وَلَدُهَا. قال: أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا يعقوب بن محمّد بن أبى صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة قال: لما وُلد إبراهيم تنافست فيه نساء الأنصار أيّتُهُنّ تُرضعه. فدفعه رسول الله، ﷺ . إلى أُمّ بُرْدة بنت المنذر بن زيد ابن لبيد بن خِداشَ بن عامر بن غُنْم بن عدىّ بن النجّار، وزوجُها البراء بن أوس ابن خالد بن الجعد بن عوف بن مبْذول بن عمرو بن غَنْم بن عدى بن النجّار، فكانت تُرضعه وكان يكون عند أبويه فى بنى النجّار ويأتى رسولُ الله ﷺ ، أمّ بُردة فَيَقِيل عندها ويُؤتَى بإبراهيم (١). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنى سليمان بن المغيرة عن ثابت البُنانى أخبرنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : وُلِدَ لىَ اللّيْلَةَ غُلامٌ فَسَمّيتُهُ بأبى إبْرَاهِيمَ: قال: ثمّ دفعه إلى أمّ سيفٍ امرأة قَيْن بالمدينة يقال له أبو سيف، فانطلق رسول الله، ﷺ ، وتبعتُه حتى انتهينا إلى أبى سيف وهو ينفخ بِكِيره، وقد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت فى المشى بين يدى رسول الله، ﷺ ، حتى انتهيت إلى أبى سيف، فقلت: يا أبا سيف أمسِك، جاء رسول الله، ﷺ ، فأمسك، ودعا رسولُ الله، ﷺ ، بالصبىّ فضمّه إليه وقال ما شاء الله أن يقول (٢).

стр. 159

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ بن عُليّة عن أيّوب عن عمرو بن سعيد عن أنس بن مالك قال: ما رأيتُ أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله، ﷺ . كان إبراهيم مسترضَعًا له فى عوالى المدينة، فكان يأتيه ونجئ معه، فيدخل البيت وإنّه لَيُدَخَّن قال: وكان ظِئرهُ قَينًا فيأخذه فيقبّله (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ عن عروة عن عائشة قالت: لما وُلِد إبراهيم جاء به رسول الله، ﷺ ، إلىّ فقال: انْظُرى إلى شَبَهِهِ بى فقلت: ما أرى شَبَهًا! فقال رسول الله، ﷺ : ألا تَرَيْنَ إلى بَيَاضِهِ وَلَحْمِهِ؟ فقلتُ: إنّه مَنْ قُصِرَ عَلَيْه اللقاح ابيضّ وسَمِن (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ عن عبد الله بن أبى بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن عَمرة عن عائشة عن النبىّ، ﵊، مثلَه إلّا أنه قال: قالت مَنْ سُقِىَ ألبانَ الضّأنِ سَمِنَ وابيضّ. قال: قال محمّد بن عمر: وكانت لرسول الله ﷺ : قطعة غنم تروح عليه ولبن لقاح له فكان جسمه وجسم أمّه مارية حسنًا. قال: أخبرنا سُفيان بن عُييْنَة عن ابن أبى حُسين عن مكحول قال، دخل رسول الله، ﷺ ، وهو معتمد على عبد الرحمن بن عوف وإبراهيم يجود بنفسه، فلما مات دمعت عينا رسول الله، ﷺ ، فقال له عبد الرحمن: أى رسول الله هذا الذى تنهى الناس عنه! متى يَرَك المسلمون تبكى يبكوا، قال: فلمّا شُرِيَت عنه عَبْرَتُه قال: إنّمَا هذَا رُحْمٌ (٣) وَإنّ مَنْ لا يرحَمْ لا يُرْحَمُ، إنّمَا نَنْهَى النّاسَ عَنِ النّيَاحَةِ وَأنْ يُنْدَبَ الرّجُلُ بما لَيْسَ فِيهِ، ثم قال: لَوْلا أنّهُ وَعْدٌ جَامِعٌ وَسَبِيلٌ مِئْتَاءٌ وَأنّ آخِرنَا لاحِقٌ بِأوّلِنَا لَوَجِدْنَا عَلَيْهِ وَجْدًا غَيْرَ هَذَا وإنّا عَلَيْهِ لمحزُونُونَ تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلا نَقُولُ مَا يُسْخطُ الرّبّ وَفَضْلُ رَضَاعِهِ فى الجنّة (٤). قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير الهَمْدَانِىّ والنضر بن إسماعيل أبو المغيرة قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عطاء عن جابر بن عبد الله الأنصارىّ عن عبد الرحمن بن عوف قال: أخذ رسول الله، ﷺ ، بيدى فانطلق

стр. 160

بى إلى النخل الذى فيه إبراهيم، فوضعه فى حجره وهو يجود بنفسه، فذرفت عيناه، فقلت له: أتبكى يا رسول الله! أوَلم تنهَ عن البكاء؟ قال: إنّمَا نَهَيْتُ عَنِ النّوْحِ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، صَوْتٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَمَزَامِيرُ شَيْطَانٍ، وَصَوْتٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشُ وُجوهٍ وَشَقُّ جُيُوبٍ وَرَنّةُ شَيْطَانٍ (١). قال: قال عبد الله بن نُمير فما حَدِيثِهِ (٢): إنّمَا هَذَا رَحْمَةٌ وَمَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ يَا إبْرَاهِيمُ لَوْلا أنّهُ أمْرٌ حَقٌّ وَوَعْدٌ صَادِقٌ وَأنّهَا سَبيلٌ مَأتيّةٌ وَأنّ أُخْرَانَا سَتَلْحَقُ أُولانَا لَحَزنّا عَلَيْكَ حُزْنًا هُوَ أشَدَّ مِنْ هَذا وَإنّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ تَدْمَعُ العَينُ ويَحْزَنُ القَلْبُ وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرّبّ (٣). قال: أخبرنا الفضل بن دُكَيْن، أخبرنا محمّد بن راشد عن مكحول أن رسول الله، ﷺ ، دخل على ابنه إبراهيم وهو فى السَّوْق فدمعت عيناه ومعه عبد الرحمن بن عوف، فقال: أتبكى وقد نهيت عن البكاء؟ فقال: إنّمَا نَهَيْتُ عَنِ النّيَاحةَ وَأنْ يُنْدَبَ الميّتُ بِمَا ليْسَ فيه وإنّمَا هَذِهِ رَحْمَةٌ. قالَ: أخبرنا الفَضلُ بن دُكين، أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال: لمّا توفى إبراهيم ابن النبىّ، ﷺ ، قال: إنّ القَلْبَ سَيَحْزَنُ وَإنّ العَيْنَ سَتَدْمَعُ وَلَنْ نَقُولَ مَا يُسْخِطُ الرّبّ، وَلَوْلا أنّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ وَيَوْمٌ جَامِعٌ لاشْتَدّ وَجْدُنَا عَلَيْكَ وإنّا بكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ! قال: أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا ابن لَهِيعَة عن بكير بن عبد الله بن الأشج: أنّ رسول الله، ﷺ ، بكَى على إبراهيم ابنه، فصرخ أسامة بن زيد فنهاه النبىّ، ﷺ ، فقال: رأيتك تبكى، فقال رسول الله، ﷺ : البكاءُ مِنَ الرّحْمَةِ وَالصّرَاخُ مِنَ الشّيْطَانِ. قال: أخبرنا يعلى بن عُبيد الطنافِسىّ، أخبرنا الأجلح عن الحَكَم قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله، ﷺ : لولا أنّهُ أَجَلٌ مَعْدُودٌ وَوَقْتٌ مَعْلُومٌ لَجَزِعْنَا عَلَيكَ أشَدَّ مِما جَزِعْنَا، العَينُ تَدْمَعُ وَالقَلْبُ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إنْ شاءَ اللهُ إلّا مَا يُرْضى الرّبّ وإنّا عَلَيْكَ يَا إبْرَاهِيمُ لمَحْزُونُونَ!

стр. 161

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا أبانُ، أخبرنا قَتَادَة أنّ إبراهيم ابن نبىّ الله، ﷺ ، توفى فقال نبىّ الله: إنّ العَينَ تدْمَعُ والقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقولُ إنْ شاءَ اللهُ إلّا خَيرًا، وإنّا عَلَيْكَ يَا إبراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ! وقال: تَمَامُ رَضَاعِهِ فى الجنّةِ. قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىَّ عن أيّوب عن عمرو بن سعيد قال: لما توفى إبراهيم قال رسول الله، ﷺ : إنّ إبْرَاهيمَ ابْنى وإنّهُ ماتَ فى الثّدْىِ وَإنّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلانِ رَضَاعَهُ فى الجنّة. قَال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبىّ قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ لَهُ مُرْضِعًا فى الجنّةِ تَسْتَكْمِلُ لَهُ بَقِيّةَ رَضَاعِهِ. قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسىّ ويحيَى ابن عبّاد عن شعبة قال: سمعتُ عدىّ بن ثابت عن البراء بن عازب قال: لمّا مات إبراهيم ابن النبىّ، ﷺ ، قال رسول الله، ﷺ : أمَا إنّ لَهُ مُرْضعًا فى الجنةِ (١). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا سليمان بن المغيرة، أخبرنا ثابت، أخبرنا أنس بن مالك قال: رأيتُ إبْرَاهيم وهو يكيد بنفسه بين يَدَىْ رسول الله، ﷺ ، فدمعت عينا رسول الله، ﷺ ، فقال رسول الله، ﷺ : تَدْمَعُ العَيْنُ ويَحْزَنُ القَلْبُ وَلا نَقُولُ إلّا ما يُرْضى رَبّنَا، والله يا إبْرَاهيمُ إنّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ! قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى البصرى، أخبرنا همام عن قتادة أن رسول الله، ﷺ ، صلّى على ابنه إبراهيم وقال: تَمَامُ رَضَاعِهِ فى الجَنّةِ. قالَ: أخبرنا عُبَيد الله بن موسى العَبْسِىّ عن إسرائيل بن يونس عن جابر عن عامر عن البراء قال: صلى رسول الله، ﷺ ، على ابنه إبْرَاهِيم، ابن القبطيّة، ومات وهو ابن ستّة عشر شهرًا، وقال: إنّ لهُ ظِئْرًا تُتِمّ رَضَاعَهُ فى الجنّة وَهُوَ صِدّيقٌ. قال: أخبرنا وكيع عن سفيَان عن جابر عن عامر أن النبىّ، ﷺ ، صلّى على ابنه إبراهيم وهو ابن ستة عشر شهرًا. قال: أخبرنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر عن البراء عن النبىّ، ﷺ ، قال: إنّ لَهُ مُرْضِعًا فى الجنّةِ تَسْتَتِمّ بَقِيّةَ رَضَاعِه، وقالَ: إنّهُ صِدّيقٌ شَهيدٌ.

стр. 162

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ويحيَى بن حماد وموسى بن إسماعيل التّبوذَكِىّ قالوا: أخبرنا أبو عَوانَة، أخبرنا إسماعيل السُدّىّ قال: سألت أنس بن مالك أصَلّى رسول الله، ﷺ ، على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدرى، رحمة الله على إبراهيم، لو عاش كان صدّيقًا نبيًّا (١). قال: أخبرنا عبد الله بن نمير الهَمْدانى عن عطاء بن عجلان عن أنس بن مالك أنّ النبىّ، ﷺ ، كبّر على ابنه إبراهيم أربعًا (٢). قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أويس المدنى عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمّد عن أبيه أن النبىّ، ﷺ ، صلّى على ابنه إبراهيم حين مات. قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا مِسعر عن عدىّ بن ثابت أنّه سمع البراء يقول: إنّ لابن رسول الله، ﷺ ، المتوفّى لمُرضعة فى الجنّة أو ظِئرًا: شكّ مِسْعَر. قال: أخبرنا يحيَى بن حماد، أخبرنا أبو عَوانة عن سليمان -يعنى الأعمش- عن مسلم عن البراء قال: تُوُفى إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، لستّة عشر شهرًا، فقال النبىّ، ﷺ : ادفِنُوهُ فى البَقِيعِ فإنّ لَهُ مُرْضِعًا فى الجنَّةِ. قال: وكان مِنْ جارية له قبطيّة. قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَلى، حدّثنى محمّد بن موسى قال: أخبرنى محمّد بن عمر بن علىّ بن أبى طالب قال: أوّل من دُفن بالبقيع عثمان بن مظعون، ثمّ أتبعه إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، ثمّ أشار بيده يخبرنى أنّ قبر إبراهيم إذا انتهيتَ إلى البقيع فجُزت أقصى دار عن يسارك تحتَ الكِبا الذى خلف الدار. قال: أخبرنَا مَعْن بن عيسى الأشجعى، أخبرنا إبراهيم بن نوفل بن المغيرة بن سعيد الهاشمىّ عن رجل من آل علىّ أنّ النبىّ، ﷺ ، حين دَفَنَ إبراهيم قال: هَلْ مِنْ أحَدٍ يَأتى بِقِرْبَةٍ؟ فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء، فقال: رُشّها على قَبْرِ إبْرَاهيمَ (٣).

стр. 163

قال: وقبر إبراهيم قريب من الطريق، وأشار إلى قريب من دار عَقيل. قال: أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال: لمّا سُوّىَ جَدَثه كأن رسول الله، ﷺ ، رأى كالحجر فى جانب الجَدَث فجعل رسول الله، ﷺ ، يُسَوّى بإصبعه ويقول: إذا عَمِلَ أحَدُكُمْ عَمَلًا فَلْيُتْقِنْهُ فإنّهُ مِمّا يُسَلّى بِنَفْسِ المُصَاب (١). قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن بُرْد عن مكحول أنّ النبىّ، ﷺ ، كان على شفير قبر ابنه فرأى فرجة فى اللّحد، فناول الحفّارَ مَدَرَة وقال: إنّها لا تَضُرّ وَلا تَنْفَعُ وَلكِنّها تُقِرّ عَيْنَ الحَىّ. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن السائب ابن مالك قال: انكسفت الشمس وتُوُفى ذلك اليوم إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ . قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن زياد بن عِلاقَة عن المغيرة ابن شعبة قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال رسول الله، ﷺ : إنّ الشّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله، ، ولا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَد فَإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَعَلَيْكُمْ بالدّعَاءِ حَتّى يَنْكَشِفا (٢). قالَ: أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا عبد الرحمن بن الغَسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، فقال النّاس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فخرج رسول الله، ﷺ ، حين سمع ذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بَعْدُ أيّهَا النّاسُ إنّ الشّمْس وَالْقَمَرَ آيَتَان مِنْ آيَاتِ الله لا يَنْكَسِفَانِ لِموتِ أحَدٍ وَلا لِحَيَاةِ أحَدٍ فإذا رَأيْتُمْ ذلِكَ فَافْزَعُوا إلى المَسَاجِدِ: ودمعت عيناه، فقالوا: يَا رَسُولَ الله تبكى وأنت رسول الله! قال: إنّمَا أنَا بَشَرٌ تَدْمَعُ العَيْنُ وَيخْشَعُ القَلْبُ وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرّبّ، وَالله يَا إبْرَاهِيمُ إنّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ! ومات وهو ابن ثمانيَة عشر شهرًا، وقال: إنّ لَهُ مُرْضِعًا فى الجنّة.

стр. 164

قال: أخبرنَا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عمر الأسلمى عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال: توفى إبراهيم وهو ابن ثمانية عشر شهرًا. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن شهر بن حَوْشَب عن أسماء بنت يزيد قالت: لمّا مات إبراهيم دمعت عينا رسول الله، ﷺ ، قال المُعزّى: يا رسول الله أنْتَ أحقّ من عرف لله حقّه! فقال رسول الله، ﷺ : تَدْمَعُ العَيْنُ ويَحْزَنُ القَلْبُ وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرّبّ، لَوْلا أنّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ وَوَعْد جَامِعٌ وَأنّ الآخِرَ لاحِقٌ بالأوّل لَوَجِدْنَا عَلَيْكَ يَا إبْرَاهِيمُ أشَدّ مِنْ وَجْدِنَا، وإنّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ! قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى أسامة بن زيد الليثى عن المنذر بن عبيد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمّه سيرين قالت: حضرت موت إبراهيم فرأيت رسول الله، ﷺ ، كلما صحت أنا وأختى ما ينهانا فلمّا مات نهانا عن الصّياح، وغسله الفضل بن عبّاس، ورسول الله، ﷺ ، والعبّاس جالسان، ثمّ حُمل فرأيت رسول الله، ﷺ ، على شفير القبر والعبّاس جالس إلى جنبه، ونزل فى حفرته الفضل بن عبّاس وأسامة بن زيد، وأنا أبكى عند قبره ما ينهانى أحد، وخُسفت الشمس ذلك اليوم، فقال الناس لموت إبراهيم، فقال رسول الله، ﷺ : إنّهَا لا تَخْسِفُ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لحِيَاتِهِ. ورأى رسول الله، ﷺ ، فرجة فى اللبن فأمر بها أن تُسَدّ، فقِيل لرسول الله، ﷺ ، فقال: أما إنّها لا تَضُرّ وَلا تَنْفَعُ وَلكنْ تُقِرّ عين الحىِّ، وإنّ العَبْدَ إذا عَمِلَ عَمَلًا أحَبّ الله أنْ يُتْقِنَهُ. ومات يوم الثّلاثاء لعشر ليال خلون مِنْ شهرِ ربيع الأول سنة عشر. قال: أخبرنا محمّد بن عمر. أخبرنا يعقوب بن محمّد بن أبى صعصعة عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبى صعصعة قال: توفى إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، فى بنى مازن عند أمّ بردة، فقال رسول الله، ﷺ : إنّ لَهُ مُرْضِعَةً تُتِمّ رَضَاعَهُ فى الجنّة، وحُمِل من بيت أمّ بردة على سرير صغير، وصلى عليه رسول الله، ﷺ ، بالبقيع، فقيل له: يا رسول الله، أين ندفنه؟ قال: عِنْدَ فَرطِنَا عُثْمَانَ ابنِ مَظْعُونٍ. وكان رسول الله، ﷺ ، قد أعطى أم بردة قطعة نخل ناقلتْ بها بعدُ مالَ عبد الله بن زَمْعة بن الأسْود الأسدىّ.

стр. 165

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا عبد الله بن عاصم الحَكَمى عن عمر بن الحكم بن ثوبان قال: أمر رسول الله، ﷺ ، بحجر فوضع عند قبره ورشّ على قبره الماء. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنى محمد بن عبد الله بن مسلم قال: سمعتُ عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يحدّث عمّى، يعنى الزهرىّ، قال: قال رسول الله، ﷺ : لَوْ عَاشَ إبْرَاهِيمُ لَوَضَعْتُ الجِزْيَةَ عَنْ كُلّ قِبْطىّ. قال: أخبرنا الحكم بن موسى أبو صالح البزاز قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، أخبرنا ابن جابر أنّه سمع مَكحولًا يحدّث أنّ رسول الله، ﷺ ، قال فى ابنه إبْراهيم لمّا مات: لَوْ عَاشَ مَا رَقَّ لَهُ خَالٌ (١). * * * ذكر حضور رسول الله، ﷺ ، هدم قريش الكعبة وبناءها قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلى عن سعيد بن عمرو الهذلى عن أبيه وعبد الله بن يزيد الهذلى عن أبى غَطفان عن ابن عبّاس قال: وحدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزُّهرىّ عن محمّد بن جُبير بن مُطعم، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كانت الجُرْف مُطلّة على مكّة، وكان السَّيْل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصَدَع فخافوا أن يَنْهَدم، وسُرِقَ منه حِلْية وغَزَال من ذَهَب كان عليه درّ وجوهر، وكان موضوعًا بالأرض، فأَقبلت سفينة فى البَحر فيها رُوم، ورأسهم باقوم، وكان بَانِيًا، فَجَنَحَتْهَا الرّيح إلى الشُعَيْبة، وكانت مَرفأ السُّفن قبل جُدّة، فتحطَّمت السفينة، فخَرج الوليد بن المغيرة فى نَفَرٍ من قريش إلى السفينة فابتاعوا خَشَبها وكلَّموا الرومى باقومَ فَقَدِم معهم، وقالوا: لو بَنَينا بيتَ ربِّنا، فأمروا بالحجارة تُجْمَع وتُنقى الضواحى منها، فبينا رسول الله، ﷺ ، يَنقل معهم، وهو يومئذٍ ابن خمسٍ

стр. 166

وثلاثين سنة، وكانوا يَضَعون أُزُرَهم على عَوَاتقِهم، ويَحمِلون الحجارة، ففعَلَ ذلك رسول الله، ﷺ ، فَلُبِطَ به ونُودِى: عَوْرَتك، فكان ذلك أوّل ما نُودى، فقال له أبو طالب: يابن أخى اجعل إزَارك على رأسك، فقال: مَا أصَابَنى مَا أصَابَنى إلّا فى تَعَرِّى، (١) فما رُئِيَت لرسول الله، ﷺ ، عَورة بعد ذَلك (٢). فلمّا أجمعوا على هَدْمها قال بعضهم: لا تُدخلوا فى بنائها من كَسْبِكم إلّا طيّبًا، ما لم تقطعوا فيه رَحمًا، ولم تَظْلموا فيه أحَدًا، فبدأ الوليد بن المغيرة بهدمها، وأخذَ المِعْول ثمّ قامَ عليها يطرح الحجارة وهو يقول: اللهم لم تُرَع إنّما نريد الخير، فهدم وهدمت معه قريش، ثمّ أخذوا فى بنائها، وميّزوا البيت، وأقرعوا عليه، فوقع لعبد مَناف وزُهرة ما بين الركن الأسود إلى رُكن الحِجْر وجهُ البيت، ووقع لبنى أسد بن عبد العُزّى وبنى عبد الدّار بن قُصىّ ما بين ركن الحِجْر إلى ركن الحِجْر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحِجْر إلى الركن اليمانى، ووقع لسَهم وجُمَح وعَدِىّ وعامر بن لُؤىّ ما بين الرّكن اليمانىّ إلى الركن الأسود، فبنوا، فلمّا انتهوا إلى حيث يُوضع الركن من البيت قالت كلّ قبيلة نحن أحقّ بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال (٣). ثمّ جعلوا بينهم أوّل من يدخل من باب بنى شَيْبَة فيكون هو الذى يضعه، وقالوا: رضينا وسلمنا، فكان رسول الله، ﷺ ، أوّل مَن دَخَل من باب بنى شَيْبَة، فلمّا رَأَوهُ قالوا: هذا الأمين قد رَضِينا بما قَضَى بيننا، ثمّ أخبروه الخبر، فوضع رسول الله، ﷺ ، رِدَاءَه وبَسَطَه فى الأرض، ثمّ وَضَع الرُّكن فيه، ثُمّ قال: ليأتِ مِن كلّ رُبع من أرباع قريش رَجُل، فكان فى رُبع بنى عبد مَناف عُتبة ابن ربيعة، وكان فى الرُّبع الثانى أبو زمعة، وكان فى الرّبع الثالث أبو حُذَيفة بن المغيرة، وكان فى الربع الرابع قَيْس بن عَدِىّ (٤).

стр. 167

ثمّ قال رسول الله، ﷺ : لِيَأخُذْ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ. بِزَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الثّوْبِ ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَرَفَعُوه، ثمّ وضَعه رسول الله، ﷺ ، بيده فى مَوْضِعه ذلك، فَذَهَب رجلٌ من أهل نَجْد ليناوِل النبىّ، ﷺ حَجرًا يشدُّ به الرّكن، فقال العبّاس بن عبد المطّلب: لا، ونَحَّاه، وناوَل العبّاس رسول الله، ﷺ ، حَجَرًا فَشَدَّ به الرّكن، فَغَضِبَ النَّجْدِىّ حيث نُحِّى، فقال النبىّ، ﷺ : إنّهُ لَيْسَ يَبْنى مَعَنَا فى البَيْتِ إلّا مِنّا، قال: فقال النَّجْدِىّ: يا عَجَبًا لقومٍ أهل شَرف وعُقول وسِنّ وأموال عَمَدُوا إلى أصغَرِهم سِنًّا، وأقلّهم مالًا، فَرَأَّسُوه عَلَيهم فى مكرمتهم وحرزهم كأنهم خَدَم له، أما والله ليَفوتنّهم سبقًا وليقسمن بينهم حظوظًا وجُدُودًا! ويقال إنّه إبليس، فقال أبو طالب: إنّ لَنَا أوَّلَهُ وَآخِرَه … فى الحُكم والعدلِ الذى لا نُنْكرَهْ وقدْ جَهَدْنَا جَهْدَهُ لِنَعْمُرَه … وقَدْ عَمَرْنَا خَيْرَهُ وَأكْثَرَهْ فإنْ يَكُنْ حَقًّا فَفِينا أوْفَرَهْ (١) ثمّ بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، فكان خمسة عشر جائزًا سقَفوا البَيْت عليه، وبنوه على سِتّة أعمدة، وأخرجوا الحِجْر مِن البيت. قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا ابن جُرَيج عن الوليد بن عَطاء عن الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عن عائشة قالت: قال رسول الله، ﷺ : إنّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الكَعْبَةِ وَلوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بالشِّرْكِ أعَدْتُ فيهِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدى أنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمّى أُرِيكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فأراها قريبًا من سبع أذرع فى الحِجر، قالت: وقال رسول الله، ﷺ ، في حديثه: وَلَجَعَلْتُ لهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْن فى الأرْضِ شَرْقِيًّا وغَرْبيًّا. أتَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ فقلْتُ له: لا أدرى، قال: تَعَزّزًا ألّا يَدْخلَهَا إلّا مَنْ أرَادُوا: وكَانَ الرجل إذا كرهوا أن يدخل يدَعونه حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه حتّى يسقط (٢).

стр. 168

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن يزيد الهُذلى عن سعيد ابن عَمرو عن أبيه قال: رأيتُ قريشًا يفتحون البيت فى الجاهليّة يوم الاثنين ويوم الخميس، فكان حُجّابه يجلسون على بابه، فيرقى الرّجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله دُفع فطُرِح، فرّبمَا عَطِبَ، وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء يعظّمون ذلك، يضعون نِعالهم تحت الدرج. قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة عن خالد بن رباح عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْظَب عن ابن مَرْسا مولى لقريش قال: سمعتُ العبّاس بن عبد المطّلب يقول: كسا رسول الله، ﷺ ، فى حجته البيتَ الحِبَرَاتِ. * * * ذكر نبوة رسول الله، ﷺ - قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُليّة عن خالد الحذَّاء عن عبد الله بن شقيق قال: قال رجلٌ: يا رسول الله متى كنتَ نَبِيًّا؟ فقال النّاس: مَهْ مَهْ، فقال رسول الله، ﷺ : دَعُوهُ، كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَينَ الرّوحِ والجَسَدِ (١). قال: أخبرنا عفَّان بن مسلم وعَمرو بن عاصم الكِلابى قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمة عن خالد الحذّاء عن عبد الله بن شقيق عن ابن أبى الجدعاء قال قلت: يا رَسولَ الله متى كنتَ نَبِيًّا؟ قال: إذْ آدَمُ بَينَ الرّوحِ والجَسَدِ (٢). قال: أخبرنا عَمْرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا أبو هلال، أخبرنا داود بن أبى هند عن مُطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير أنّ رجلًا سأل رسول الله، ﷺ : متى كنتَ نَبِيًّا؟ قال: بَيْنَ الرّوحِ والطِّينِ منْ آدَمَ (٣). أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا إسرائيل بن يونس عن جابر عن عامر قال: قال رجلٌ للنبىّ، ﷺ : متى استُنْبِئْتَ؟ فقال: وَآدَمُ بَينَ الرّوحِ والجَسَدِ حِينَ أُخِذَ منّى الميثاقُ (٤).

стр. 169

قال: أخبرنا الحسن بن سوّار أبو العلاء الخراسانى، أخبرنا لَيث بن سعد عن معاوية بن صالح عن سعيد بن سُويد عن عبد الأعلى بن هلال السّلمى عن عِرْبَاض ابن سارية صاحب رسول الله، ﷺ ، قال: سمعتُ النبىّ، ﷺ ، يقول: إنّى عَبْدُ الله وَخَاتَمُ النّبيّينَ وَإنّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فى طِينَتِهِ وسأُخْبِرُكُمْ مِنْ ذلِكَ دَعْوَةَ أبى إبْرَاهِيمَ وَبشَارَةَ عِيسَى بى وَرُؤيَا أُمّى التى رَأتْ، وكذلك أمّهات النبيّين يرين، وإنّ أم رسول الله، ﷺ ، رأت حين وضعته نُورًا أضاءت لها منه قصور الشام (١). أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلىّ، أخبرنا جُوَيبر عن الضّحّاك أن النبىّ، ﷺ ، قال: أنا دَعوةُ أبى إبْرَاهِيمَ، قَالَ وَهُوَ يَرْفَعُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٢٩] حتى أتَمّ الآيَة. أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى ربيعة بن عثمان عن عمر بن أبى أنس قال: وحدّثنا إسماعيل بن عبد الملك الأنصارىّ عن عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمر قال: قال رسول الله، ﷺ : أنَا دَعْوَةُ أبى إبْرَاهِيمَ وَبَشّر بى عيسى بن مريم (٢). أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبى أُمامة الباهلى قال قيل: يا رسول الله ما كان بَدْءُ أمرك؟ قال: دَعْوَةُ أبى إبْرَاهِيمَ وَبَشَّر بى عيسى بن مَرْيمَ. أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد بن أبى عَرُوبة عن قَتادة قال: وأخبرنا عَمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا أبو هلال عن قتادة قال: قال رسول الله، ﷺ : كُنْتُ أوّلَ النّاسِ فى الخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فى البَعْثِ (٣). * * *

стр. 170

ذكر علامات النبوة فى رسول الله، ﷺ ، قبل أن يُوحَى إليه حدّثنا عبد الوهّاب بن عطاء عن ثَور بن يزيد، وأخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا ثَور بن يزيد عن خالد بن مَعْدان قال: قيل لرسول الله، ﷺ : أخْبِرْنَا عَنْ نَفسك، قال: نَعَمْ أنَا دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَبَشّرَ بى عِيسَى بنُ مريمَ ورَأتْ أمّى حِينَ وَضَعَتْنى خَرَجَ مِنْهَا نورٌ أضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّأمِ واسْتُرْضِعْتُ فى بنى سَعْدِ بنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَمَا أنَا مَعَ أخِى خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرعَى بَهْمًا أتَانى رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثيَابٌ بِيَاضٌ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ ثَلْجًا فَأخَذَانى فَشَقّا بَطْنى فَاسْتَخْرَجَا قَلْبى فَشَقّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا ثُمّ غَسَلا بَطْنى وَقَلْبى بِذلِكَ الثّلْج ثُمّ قَال زِنْهُ بِمِائَة مِنْ أُمّتِهِ، فَوَزَنُونى بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِألْفٍ مِنْ أُمّتِهِ، فَوَزَنُونى بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمّ قَالَ دَعْهُ فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمّتِهِ لَوَزَنَهَا (١). أَخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى موسى بن عُبيدة عن أخيه قال: لمّا وُلد رسول الله ﷺ فوَقَع إلى الأرض وقع على يديه رافعًا رأسه إلى السماء وقَبَضَ قبضةً من التراب بيده، فبلَغ ذلك رجلًا من لِهْب فقال لصاحبٍ له: انجُه لئن صَدَق الفأل ليغلبنّ هذا المولود أهْل الأرض. أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مُسلم قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمة عن ثابت ابن أنسَ بن مالك أنّ رسول الله، ﷺ ، كان يلعب مع الصّبيان فأتاه آتٍ فأخذَه فشقَّ بطنه فاستخرَج منه عَلَقة فرمَى بها وقال: هذه نصيب الشيطان منك، ثمّ غسله فى طَست من ذَهب من ماء زَمْزَم ثمّ لَأَمَهُ، فأقبلَ الصبيان إلى ظِئره: قُتل محمد! قُتل محمد! فاستقبلت رسول الله، ﷺ ، وقد انْتُقِعَ لَوْنهُ، قال أنَس: فلقد كنّا نرى أثَرَ المِخْيَطِ فى صَدره. أَخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى عبد الله بن زَيد بن أسْلَم عن أبيه قال: لمّا قدمت حَليمة قَدِمَ معها زوجها وابن لها صغير تُرضعهُ يقال له عبد الله وأتانٌ قَمراء وشارفٌ لهم عَجْفَاء قد مات سَقْبها من العجَف ليس فى ضَرع أُمّه قَطرة لبن،

стр. 171

فقالوا: نُصيب ولدًا نُرضعه، ومعها نسوةٌ سَعديّات، فَقَدِمْنَ فأقَمن أيّامًا، فأخذن ولم تأخذ حَليمة، ويُعرض عليها النبىّ، ﷺ ، فقالت: يتيم لا أبَ له، حتى إذا كان آخر ذلك أخذته وخرَج صواحبها قَبلها بيوم، فقالت آمنة: يا حَليمة اعلَمى أنّكِ قد أخذتِ مولودًا له شأن، والله لحملتُه فما كنتُ أجد ما تجد النّساء من الحملِ، ولقد أُتيت فقيل لى: إنّك ستلدين غُلامًا فسمِّيه أحمد وهو سيّد العالمين، ولوقع معتمدًا على يديه رافعًا رأسَه إلى السماء، قال: فخرجت حليمة إلى زوجها فأخبرته، فسُرّ بذلك، وخرَجوا على أتانهم مُنطلقة، وعلى شارفهم قد دَرّت باللبن، فكانوا يجلبون منها غَبُوقًا وصَبُوحًا، فطلَعَت على صواحبها، فلمّا رأينها قُلن: مَنْ أخَذتِ؟ فأخبرتهن، فقلن: والله إنّا لنرجو أن يكون مُبارَكًا، قالت حليمة: قد رأينا بَرَكته، كنتُ لا أروى ابنى عبد الله ولا يَدَعنا ننام من الغَرث، فهو وأخوه يَرويَان ما أحبّا وينامان ولو كان معهما ثالث لرَوِىَ، ولقد أمَرَتْنى أُمه أن أسألَ عنْه: فرجعت به إلى بلادها، فأقامت به حتى قامت سوق عكاظ، فانطلقت برسول الله، ﷺ ، حتى تأتى به إلى عَرّاف من هُذيل يُريه النّاسُ صبيانَهم، فلمّا نَظَر إليه صاح: يا مَعْشر هُذيل! يا معشر العرب! فاجتمع إليه النّاس من أهل الموسم، فقال: اقتلوا هذا الصبىّ! وانسلّت به حليمة، فجعل النّاس يقولون؟ أىّ صبىّ؟ فيقول: هذا الصّبىّ! ولا يَرَوْنَ شيئًا قد انطلقت به أُمّه، فيقال له: ما هو؟ قال: رأيتُ غلامًا، وآلِهَتِهِ ليقتلنّ أهل دينكم، وليكسرنّ آلهتكم، وليظهرنّ أمره عليكم، فطُلب بعكاظ فلم يوجد، ورجعت به حليمة إلى منزلها، فكانت بعدُ لا تَعرضه لعرّاف ولا لأحدٍ من النّاس (١). قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى زياد بن سعد عن عيسى بن عبد الله بن مالك قال: جعل الشّيخ الهُذَلىّ يصيح: يا لهذيل! وآلهتِه إنّ هذا لينتظر أمرًا من السّماء، قال: وجعل يُغْرَى بالنبىّ، ﷺ ، فلم يَنْشَبْ أن دَلِهَ فذهب عقله حتى مات كافرًا. وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى مُعاذ بن محمد عن عطاء بن أبى رَباح عن ابن عبّاس قال: خرجت حليمة تطلب النبىّ، ﷺ ، وقد بَدَت البهمُ تَقِيل،

стр. 172

فوجدته مع أخته، فقالت: فى هذا الحرّ! فقالت أُخته: يا أمّهْ ما وَجَدَ أخى حَرًّا، رأيتُ غمَامَة تُظِلّ عليه إذا وقَفَ وقفت، وإذا سار سَارت معه حتى انتهى إلى هذا الموضع. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى نَجِيح أبو مَعْشَر قال: كان يُفْرَش لعبد المطّلب فى ظلّ الكعبة فِرَاش ويأتى بَنُوه فيجلسون حوالى الفِراش ينتظرون عبد المطّلب، ويأتى النبىّ، ﷺ ، وهو غُلام جَفْرٌ، حتى يَرْقَى الفراش فيجلس عليه، فيقول أعمامه: مَهْلًا يا محمّد عن فِرَاش أبيك، فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك منه: إنّ ابنى ليؤنس مُلْكًا، أو إنّه ليحدث نفسه بمُلك (١). أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا عبد الله بن عون عن عمرو بن سعيد أنّ أبا طالب قال: كنتُ بذى المجاز ومعى ابن أخى، يعنى النبىّ، ﷺ ، فأدرَكَنى العطش فشكوتُ إليه فقلتُ: يابن أخى قد عطشتُ، وما قلت له ذاك وأنا أرى أنّ عنده شيئًا إلّا الجَزَع، قال: فَثَنَى وَرِكَه ثم نَزَل فقال: يَا عَمّ أعَطِشْتَ؟ قال قلتُ: نعم، قال: فأهوى بعَقِبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: اشْرَبْ يا عَمّ، قَال: فشربتُ (٢). أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقى، أخبرنا أبو المليح عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل قال: أراد أبو طالب المَسِير إلى الشأم، فقال له النبىّ، ﷺ : أىْ عَمّ إلى مَنْ تُخَلّفُنى ههُنَا فَمَا لى أُمّ تَكْفُلُنى وَلا أَحَدٌ يُؤْوِينى، قال: فَرَقَّ له، ثمّ أردَفَه خَلْفه، فخرَج به فنزلوا على صاحب دَيْر، فقال صاحب الدَّيْر: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى، قال: ما هو بابنك ولا ينبغى أن يكون له أبٌ حَىٌّ، قال: ولِمَ؟ قال: لأنّ وجهه وجه نَبىّ وعينه عين نبىّ، قال: وما النبىّ؟ قال: الذى يُوحَى إليه من السماءِ فَيُنَبِّئُ بهِ أهْلَ الأرْض، قال: الله أجلّ مما تقول، قال: فاتّق عليه اليهود، قال: ثمّ خرَج حتى نزل براهب أيضًا صاحب دَير، فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى. قال: ما هو بابنك وما ينبغى أن يكون له أبٌ حىٌّ، قال: ولِمَ ذلك؟

стр. 173

قال: لأنّ وجهه وجه نَبىّ وعَيْنه عين نبىّ، قال: سُبحان الله، اللهُ أجَلّ ممّا تقول، وقال: يابن أخى ألَا تسمع ما يقولون؟ قال: أىْ عَمّ لا تُنْكِرْ لله قُدْرَةً (١). أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن صالح بن دينار وعبد الله بن جعفر الزهرى قال: وحدّثنا ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين قالوا: لمّا خرَج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله، ﷺ ، فى المرة الأولى، وهو ابن اثنتى عشرةَ سنة، فلمّا نَزَل الرَّكْبُ بُصْرَى من الشأم، وبها راهب يُقال له بَحِيرَا فى صَومعة له، وكان علماء النّصارى يكونون فى تلك الصومعة يتوارثونها عن كِتَاب يَدْرسونه، فلمّا نزلوا ببَحِيرَا وكان كثيرًا ما يمرّون به لا يكلِّمهم حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا مَنْزِلًا قريبًا من صَومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلّما مَرّوا، فصَنَع لهم طعامًا ثمّ دَعَاهم (٢). وإنّما حَمَله على دُعائهم أنّه رآهم حين طَلعوا وغَمامة تظلّ رسول الله، ﷺ ، من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثمّ نظر إلى تلك الغَمامة أظَلّت تلك الشجرة واخضلّت أغصان الشجرة على النبىّ، ﷺ ، حين استظلّ تحتها، فلمّا رأى بَحيرا ذلك نَزَل من صَومعته وأمرَ بذلك الطّعام فأتى به وأَرسَل إليهم، فقال: إنى قد صنعتُ لكم طعامًا يا معشر قريش، وأنا أحبّ أن تحضروه كلّكم، ولا تخلفوا منكم صغيرًا ولا كبيرًا، حُرًّا ولا عَبدًا، فإنّ هذا شئ تكرمونى به، فقال رجل: إن لك لشأنًا يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: فإنّنى أحببتُ أن أكرمكم ولكم حقّ (٣). فاجتمعوا إليه وتخلّف رسول الله، ﷺ ، من بين القوم لحداثة سنّه، ليس في القوم أصغر منه فى رحالهم، تحت الشجرة، فلمّا نَظَر بَحيرا إلى القوم فلم يَرَ الصّفة التى يَعرف ويجدها عنده، وجعلَ ينظر ولا يَرى الغمامة على أحدٍ من القوم، ويَراها متخلّفة على رأس رسول الله، ﷺ ، قال بَحيرا: يا معشرَ قريش

стр. 174

لا يتخلَّفن منكم أحدٌ عن طعامى، قالوا: ما تخلّف أحدٌ إلّا غلام هو أحدث القوم سِنًّا فى رِحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامى فما أقبح أن تحضروا ويتخلّف رجل واحدٌ مع أنى أراه من أنفَسكم، فقال القوم: هو والله أوسطنا نَسَبًا وهو ابن أخى هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن عبد المطلب بن عبد مَناف: والله إن كان بنا لَلُؤمٌ أن يتخلّف ابن عبد المطلب من بيننا، ثمّ قام إليه فاحتضنه وأقبلَ به حتى أجلَسَه على الطعام، والغَمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء فى جسده قد كان يجدها عنده من صفته (١). فلمّا تفرَّقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحقّ اللَّات والعُزَّى إلّا أخبرتنى عمّا أسألك، فقال رسول الله، ﷺ : لا تسْألْنى باللّات وَالعُزّى فَوَاللهِ مَا أبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا! قال: فبالله إلّا أخبرتَنى عمَّا أسألك عنه! قال: سَلْنى عما بَدَا لكَ، فجعل يسأله عن أشْياءَ من حاله حتى نَومه، فجعل رسول الله، ﷺ ، يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثمّ جعل ينظر بين عينيه، ثمّ كشَفَ عن ظَهرِه فرأى خاتَم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التى عنده، قال: فقبَّل موضع الخاتَم، وقالت قريش: إنّ لمحمد عند هذا الراهب لَقَدْرًا، وجعل أبو طالب، لما يرى مِن الراهب، يخاف على ابن أخيه، فقال الراهب لأبى طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب: ابنى، قال: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا، قال: فابن أخى: قال: فما فعلَ أبوه؟ قال: هَلَك وأُمّه حُبْلَى به، قال: فما فعلت أمّه؟ قال: توفّيت قريبًا، قال: صَدقتَ، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعَرفوا منه ما أعرف لَيَبْغُنّه عَنَتًا، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده فى كُتبنا وما روينا عن آبائنا، واعلم أنى قد أدّيتُ إليك النصيحة. فلمّا فَرَغوا من تجاراتهم خرج به سريعًا، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله، ﷺ ، وعَرَفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بَحيرا فَذَاكروه أمرَه فنهاهم أشدّ النهى وقال لهم:

стр. 175

أتجدونَ صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدّقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب فما خرج به سَفَرًا بعد ذلك خوفًا عليه (١). أخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى يعقوب بن عبد الله الأشعرىّ عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى، قال الراهب لأبى طالب: لا تخرجنّ بابن أخيك إلى ما ههنا فإنّ اليهود أهل عَداوة، وهذا نبىّ هذه الأمة، وهو من العرب، واليهود تحسده تريد أن يكون من بنى إسرائيل، فاحذر على ابن أخيك. أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن شَيبة عن عُميرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك عن أمّ سعد بنت سعد عن نَفيسة بنت مُنْيَة أخت يَعْلَى بن مُنْيَة قالت: لمّا بلَغ رسول الله، ﷺ ، خمسًا وعشرين سنة وليس له بمكّة اسمٌ إلّا الأمين، لِمَا تَكامَلَ فيه من خِصَال الخير، فقال له أبو طالب: يابن أخى أنا رجلٌ لا مالَ لى وقد اشتدّ الزّمان علينا وألحّت علينا سنون مُنْكَرَة وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عِير قومك قد حَضَر خروجها إلى الشام، وخديجة ابنة خُوَيلد تبعث رجالًا من قومك فى عِيَراتها (٢)، فلو تعرّضتَ لها، وبلَغَ خديجة ذلك فأرسلت إليه وأضعفت له ما كانت تعطى غيره، فخرج مع غلامها مَيسَرة حتى قَدِما بُصرى من الشأم، فنزلا فى سوق بُصْرَى فى ظلّ شجرة قريبًا من صَومعة راهب من الرهبان يقال له نَسْطُور، فاطلع الراهب إلى ميسرة، وكان يعرفه قبل ذلك، فقال: يا مَيْسرة مَن هذا الذى نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال مَيْسَرة: رجلٌ من قريش من أهل الحرَم، فقال له الرّاهب: ما نزلَ تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبىّ، ثمّ قال: فى عَينَيْهِ حُمْرَة؟ قال ميسرة: نعم لا تُفارقه، قال الراهب: هو هو آخر الأنبياء (٣)، يا ليت أنى أدركه حين يُؤْمَر بالخروج! ثمّ حضر رسول الله، ﷺ ، سوق بُصرى فباعَ سلعته التى خرَج بها واشترى غيرها، فكان بينه وبين رجل اختلاف فى شئ، فقال له الرجل: احلف باللَّات والعُزَّى، فقال رسول الله،

стр. 176

- ﷺ : مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطّ وإنّى لأمُرّ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا، قال الرجل: القول قولك، ثمّ قال لميسرة، وخَلَا به: يا ميسرة هذا والله نبىّ! والذى نفسى بيده إنّه لهو تجده أحبارنا فى كتبهم منعوتًا، فَوَعَى ذلك ميسرة (١). ثمَّ انصرفَ أهل العير جميعًا، وكان مَيْسرة يرى رسول الله، ﷺ ، إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحَرّ، يرى مَلَكَين يُظِلّانه من الشمس وهو على بعيره، قالوا: كان الله قد ألقَى على رسوله المحبّة من مَيْسَرة، فكان كأنّه عبدٌ لرسول الله، ﷺ (٢). فلمّا رجعوا فكانوا بمَرّ الظَّهْران قال: يا محمّد انطلق إلى خديجة فاسْبقنى فأخبرها بما صَنَعَ الله لها على وجهك، فإنها تعرف ذلك لك، فتقدَّم رسول الله، ﷺ ، حتى قَدِمَ مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة فى عُلِّية (٣) لها معها نساء فيهنّ نَفيسة بنت مُنية، فرأت رسول الله، ﷺ ، حين دخَل وهو راكبٌ على بَعيره ومَلَكَان يُظِلّان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك (٤). ودَخَل عليها رسول الله، ﷺ ، فخبّرها بما رَبِحوا فى وجههم، فَسُرّت بذلك، فلمّا دخَل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم، وأخبرها بقول الراهب نسطور وما قال الآخر الذى خالَفه فى البيع، وربحت فى تلك المرّة ضعف ما كانت تربح، وأضْعَفَت له ضِعف ما سَمَّت له (٥). أخبرنا عبد الحميد الحِمّانىّ عن النضر أبى عُمر الخزّاز عن عِكرمة عن ابن عبّاس، قال: أوّل شئ رأى النبىّ، ﷺ ، من النبوّة أن قيل له استتر وهو غلام، فما رُئِيَت عَورته من يومئذ (٦). أخبرنا عبد الحميد الحِمّانى عن سفيان الثورىّ عن منصور عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن امرأة عن عائشة قالت: ما رأيتُ ذاك من رسول الله، ﷺ .

стр. 177

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى علىّ بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر بن الخطّاب عن منصور بن عبد الرحمن عن أُمه عن بَرَّة ابنة أَبِى تِجْراة قالت: إنّ رسول الله، ﷺ ، حين أراد الله كَرامته وابتداءَه بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجته أبعدَ حتى لا يرى بيتًا ويُفضى إلى الشِّعاب وبُطون الأودية، فلا يمرّ بحجرٍ ولا شَجرة إلّا قالت السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يَرى أحدًا (١). أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو الأحْوص عن سعيد بن مسروق عن منذر قال: قال الربيع - يعنى ابن خُثَيم: كان يُتَحَاكم إلى رسول الله، ﷺ ، فى الجاهليّة قبل الإِسلام، ثمّ اختُصّ فى الإِسلام، قال ربيع حَرْفٍ وما حرفٌ مَن يُطع الرسول فقَد أطاعَ الله آمنه، أى أنّ الله آمنه على وحيه. أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا حمَّاد بن زَيد عن لَيْث عن مجاهد أنّ بنى غِفَار قَرَّبوا عِجْلًا لهم ليذبحوه على بعض أصنامهم فَشَدّوه، فصاح: يال ذريح، أمر نَجيح، صائح يَصيح، بلسان فَصِيح، بمكّة يشهد أن لا إله إلّا الله، قال: فنظروا فإذا النبىّ، ﷺ ، قد بُعث. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة عن حُسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن العبّاس عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: حدّثتْنى أمّ أيمَن قالت: كان بِبُوانة (٢) صَنمٌ تحضره قريش تعظّمه، تنسك له النّسائك، ويحلقون رءوسهم عنده، ويعكفون عنده يومًا إلى الليل، وذلك يومًا فى السّنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلّم رسول الله، ﷺ ، أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبَى رسول الله، ﷺ ، ذلك، حتى رأيتُ أبا طالب غَضب عليه، ورأيت عَمَّاتِهِ غَضِبْنَ عَليه يومئذ أشَدّ الغَضَب، وجعلن يَقُلن: إنّا لَنَخَاف عليك ممّا تَصنع من اجتناب آلهتنا، وجعلن يَقُلْنَ: ما تريد يا محمدُ أن تحضر لقومك عيدًا ولا تُكَثّر لهم جمعًا، قالت: فلم يزالوا به حتى ذهَب فغابَ عنهم ما

стр. 178

شاء الله، ثمّ رجعَ إلينا مرعوبًا فَزِعًا، فقالت له عَمّاته: ما دهاك؟ قال: إنّى أخْشَى أنْ يَكونَ بِى لَمَمٌ، فقُلن: مَا كان الله ليبْتليك بالشّيطان وفِيك من خِصال الخير ما فيك، فما الذى رأيْت؟ قال: إنّى كُلّما دَنَوْتُ مِنْ صَنَمٍ مِنْهَا تَمَثَّلَ لى رجُلٌ أبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بى وَرَاءَكَ يَا مُحَمّدُ لا تَمَسّهُ! قالت: فما عاد إلى عِيدٍ لهم حتى تنبّأ (١). أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى سليمان بن داود بن الحُصين عن أبيه عن عِكرِمة عن ابن عبّاس عن أُبَىّ بن كَعب قال: لمّا قَدِم تُبّع المدينة ونزل بقَناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال: إنّى مخرّب هذا البلد حتى لا تقوم به يهوديّة ويرجع الأمر إلى دين العرب، قال: فقال له سامول اليهودى، وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك إنّ هذا بلد يكون إليه مُهاجرَ نَبىّ من بَنى إسْماعيل مَوْلِده مكّة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذى أنت به يكون به من القَتلى والجِرَاح أمرٌ كبير فى أصحابه وفى عدوّهم، قال تُبّع: ومَن يقاتله يومئذ وهو نبىّ كما تزعمون؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون ههنا، قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد، قال: فإذا قُوتل لمَن تكون الدّبْرة؟ قال: تكون عليه مرّة وله مرّة، وبهذا المكان الذى أنت به تكون عليه، ويُقتَل به أصحابه مَقْتلة لم يُقْتَلوا فى موطن، ثمّ تكون العاقبة له، ويظهر فلا ينازعه هذا الأمرَ أحدٌ، قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، فى عينيه حُمرة، يركب البعير، ويلبس الشَّمْلَة، سيفه على عاتقه لا يبالى مَن لاقى أخًا أو ابن عَمّ أو عَمًّا حتى يظهر أمره، قال تُبّع: ما إلى هذا البلد من سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدى، فخرج تُبّع منصرفًا إلى اليمن (٢). أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: كان الزّبير بن بَاطَا، وكان أعلم اليهود، يقول: إنّى وجدتُ سِفْرًا كان أبى يختمه علىّ، فيه ذكر أحمد نبىّ يخرج بأرض القَرَظ صفته كذا وكذا، فتحدّث به الزّبير بعد أبيه والنبىّ، ﷺ ، لم يُبعث، فما هو إلّا أن سمع بالنبىّ، ﷺ ، قد خرَج بمكّة حتى عمد إلى ذلك السفر فَمَحَاه وكتَم شأن النبىّ، ﷺ ، وقال ليس به.

стр. 179

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى الضّحّاك بن عثمان عن مَخْرَمَة بن سليمان عن كُرَيْب عن ابن عبّاس قال: كانت يهود قُرَيظة والنَّضِير وفَدك وخَيْبر يجدون صفة النبىّ، ﷺ ، عندهم قُبَيل أن يُبعث، وأنّ دار هجرته بالمدينة. فلمّا وُلِدَ رسول الله، ﷺ ، قالت أحبار اليهود: وُلِدَ أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طَلَع، فلمّا تَنَبَّأ قالوا: قد تَنَبَّأ أحمد، قد طلع الكوكب الذى يطلع، كانوا يعرفون ذلك ويقرّون (١) به ويصفونه إلّا الحسد والبغى (٢). أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن نملة بن أبى نملة عن أبيه قال: كانت يهود بنى قُريظة يَدْرُسون ذكر رسول الله، ﷺ ، فى كُتُبهم ويُعَلّمونه الوِلدان بصفته واسمه ومُهاجَره إلينا، فلما ظَهر رسول الله، ﷺ ، حَسَدوا وبغوا وقالوا ليس به. أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن أبى سفيان مولَى ابن أبى أحمد أنّ إسْلام ثَعلبة بن سعيد وأَسِيد بن سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد ابن عمّهم إنّما كان عن حديث ابن الهَيّبَان أبى عمير. قدم ابن الهَيّبَان، يهودىّ من يهود الشام، قُبيل الإِسلام بسنوات. قالوا: وما رأينا رجلًا لا يُصلّى الصّلوات الخَمْس خيرًا منه، وكان إذا حُبِس عنّا المطر احتَجنا إليه، نقول له: يابن الهيّبَان اخرج فاسْتَسْقِ لنا، فيقول: لا حتى تُقَدّمُوا أمام مَخْرَجكم صَدقة، فنقول: وما نقدّم؟ فيقول: صاعًا من تَمر أو مُدَّيْن من شَعير عن كلّ نفس، فنفعل ذلك فيخرج بنا إلى ظَهر وادينا، فوالله لن نَبرح حتى تَمرُّ السحابُ فَتُمْطِرَ عَلينا، ففعل ذلك بنا مِرارًا، كلّ ذلك نُسْقَى، فبينا هو بَيْن أظهرنا إذ حَضَرَته الوَفاةُ، فقال: يا مَعشر اليهود ما الّذى تَرَوْنَ أنّه أخرجنى من أرض الخَمْر (٣) والخَمِير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم يا أبا عُمير! قال: إنّما قدمتُها أتوَكّفُ خُروج نَبىّ قد أظلّكم زمانه، وهذا البلد مُهَاجَرُه،

стр. 180

وكنتُ أرجو أن أُدْركه فأتّبعه، فإن سَمِعتم به فلا تُسْبَقُنّ إليه، فإنّه يَسْفِك الدّماء ويَسْبى الذَّرَارى والنّساء، فلا يمنعكم هذا منه، ثمّ مات، فلمّا كان فى الليلة التى فى صَبيحتها فُتِحَت بنو قُرَيظة، قال لهم ثَعلبة وأَسِيد ابنا سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد فتيان شَبَاب: يا معشر يهود، والله إنّه الرّجل الذى وصف لنا أبو عُمير بن الهيّبَان، فاتّقوا الله واتّبعوه، قالوا: ليس به، قالوا: بَلَى والله إنّه لهو هو، فَنَزَلُوا وأسلموا وأبَى قومهم أن يُسلموا (١). أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني محمد بن عبد الله عن الزُّهرى عن محمد بن جُبَير بن مُطعم عن أبيه قال: كنّا جلوسًا عند صَنَم ببُوانة قبل أن يُبعث رسول الله، ﷺ ، بشهر، فَنَحَرنا جُزرًا، فإذا صائحٌ يصيح من جوف واحدة: اسمعوا إلى العجب، ذهب استراقُ الوحى ونُرمى بالشُّهُب، لنبىّ بمكّة اسمه أحمد، مُهَاجَره إلى يثرب، قال: فأمسكنا وعجبنا، وخرَج رسول الله، ﷺ (٢). حدّثنا محمد بن عمر، حدّثنى ابن أبى ذئب عن مُسلم بن جُندب عن النّضر ابن سفيان الهذلى عن أبيه قال: خرجنا فى عير لنا إلى الشام، فلمّا كُنّا بين الزرقاء ومُعَان وقد عَرّسنا من اللّيل إذا بفارس يقول: أيها النيام هُبّوا فليس هذا بحين رُقَاد، قد خرجَ أحمد، وطُرّدت الجنّ كلّ مُطَرّد، ففزعنا ونحن رفقة جرّارة كلهم قد سمع هذا، فرجعنا إلى أهلينا، فإذا هم يذكرون اختلافًا بمكّة بين قريش بنبىّ خرَج فيهم من بنى عبد المطّلب اسمه أحمد (٣). أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى علىّ بن عيسى الحَكمى عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عَمرو بن نُفيل يقول: أنا أنتظر نبيًّا من ولد إسماعيل ثمّ من بنى عبد المطّلب، ولا أرانى أدركه، وأنا أومن به وأصدّقه وأشهد أنّه نبىّ، فإن طالت بك مدّة فرأيته فأقرئه منّى السّلام، وسأخبرك ما نعتُه حتى لا يخفَى عليك، قلت: هلمّ! قَال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق
следующие страницы →