- ﷺ : مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطّ وإنّى لأمُرّ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا، قال الرجل: القول قولك، ثمّ قال لميسرة، وخَلَا به: يا ميسرة هذا والله نبىّ! والذى نفسى بيده إنّه لهو تجده أحبارنا فى كتبهم منعوتًا، فَوَعَى ذلك ميسرة (١).
ثمَّ انصرفَ أهل العير جميعًا، وكان مَيْسرة يرى رسول الله، ﷺ ، إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحَرّ، يرى مَلَكَين يُظِلّانه من الشمس وهو على بعيره، قالوا: كان الله قد ألقَى على رسوله المحبّة من مَيْسَرة، فكان كأنّه عبدٌ لرسول الله، ﷺ (٢).
فلمّا رجعوا فكانوا بمَرّ الظَّهْران قال: يا محمّد انطلق إلى خديجة فاسْبقنى فأخبرها بما صَنَعَ الله لها على وجهك، فإنها تعرف ذلك لك، فتقدَّم رسول الله، ﷺ ، حتى قَدِمَ مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة فى عُلِّية (٣) لها معها نساء فيهنّ نَفيسة بنت مُنية، فرأت رسول الله، ﷺ ، حين دخَل وهو راكبٌ على بَعيره ومَلَكَان يُظِلّان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك (٤).
ودَخَل عليها رسول الله، ﷺ ، فخبّرها بما رَبِحوا فى وجههم، فَسُرّت بذلك، فلمّا دخَل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم، وأخبرها بقول الراهب نسطور وما قال الآخر الذى خالَفه فى البيع، وربحت فى تلك المرّة ضعف ما كانت تربح، وأضْعَفَت له ضِعف ما سَمَّت له (٥).
أخبرنا عبد الحميد الحِمّانىّ عن النضر أبى عُمر الخزّاز عن عِكرمة عن ابن عبّاس، قال: أوّل شئ رأى النبىّ، ﷺ ، من النبوّة أن قيل له استتر وهو غلام، فما رُئِيَت عَورته من يومئذ (٦).
أخبرنا عبد الحميد الحِمّانى عن سفيان الثورىّ عن منصور عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن امرأة عن عائشة قالت: ما رأيتُ ذاك من رسول الله، ﷺ .
стр. 177
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى علىّ بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر بن الخطّاب عن منصور بن عبد الرحمن عن أُمه عن بَرَّة ابنة أَبِى تِجْراة قالت: إنّ رسول الله، ﷺ ، حين أراد الله كَرامته وابتداءَه بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجته أبعدَ حتى لا يرى بيتًا ويُفضى إلى الشِّعاب وبُطون الأودية، فلا يمرّ بحجرٍ ولا شَجرة إلّا قالت السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يَرى أحدًا (١).
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو الأحْوص عن سعيد بن مسروق عن منذر قال: قال الربيع - يعنى ابن خُثَيم: كان يُتَحَاكم إلى رسول الله، ﷺ ، فى الجاهليّة قبل الإِسلام، ثمّ اختُصّ فى الإِسلام، قال ربيع حَرْفٍ وما حرفٌ مَن يُطع الرسول فقَد أطاعَ الله آمنه، أى أنّ الله آمنه على وحيه.
أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا حمَّاد بن زَيد عن لَيْث عن مجاهد أنّ بنى غِفَار قَرَّبوا عِجْلًا لهم ليذبحوه على بعض أصنامهم فَشَدّوه، فصاح: يال ذريح، أمر نَجيح، صائح يَصيح، بلسان فَصِيح، بمكّة يشهد أن لا إله إلّا الله، قال: فنظروا فإذا النبىّ، ﷺ ، قد بُعث.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة عن حُسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن العبّاس عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: حدّثتْنى أمّ أيمَن قالت: كان بِبُوانة (٢) صَنمٌ تحضره قريش تعظّمه، تنسك له النّسائك، ويحلقون رءوسهم عنده، ويعكفون عنده يومًا إلى الليل، وذلك يومًا فى السّنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلّم رسول الله، ﷺ ، أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبَى رسول الله، ﷺ ، ذلك، حتى رأيتُ أبا طالب غَضب عليه، ورأيت عَمَّاتِهِ غَضِبْنَ عَليه يومئذ أشَدّ الغَضَب، وجعلن يَقُلن: إنّا لَنَخَاف عليك ممّا تَصنع من اجتناب آلهتنا، وجعلن يَقُلْنَ: ما تريد يا محمدُ أن تحضر لقومك عيدًا ولا تُكَثّر لهم جمعًا، قالت: فلم يزالوا به حتى ذهَب فغابَ عنهم ما
стр. 178
شاء الله، ثمّ رجعَ إلينا مرعوبًا فَزِعًا، فقالت له عَمّاته: ما دهاك؟ قال: إنّى أخْشَى أنْ يَكونَ بِى لَمَمٌ، فقُلن: مَا كان الله ليبْتليك بالشّيطان وفِيك من خِصال الخير ما فيك، فما الذى رأيْت؟ قال: إنّى كُلّما دَنَوْتُ مِنْ صَنَمٍ مِنْهَا تَمَثَّلَ لى رجُلٌ أبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بى وَرَاءَكَ يَا مُحَمّدُ لا تَمَسّهُ! قالت: فما عاد إلى عِيدٍ لهم حتى تنبّأ (١).
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى سليمان بن داود بن الحُصين عن أبيه عن عِكرِمة عن ابن عبّاس عن أُبَىّ بن كَعب قال: لمّا قَدِم تُبّع المدينة ونزل بقَناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال: إنّى مخرّب هذا البلد حتى لا تقوم به يهوديّة ويرجع الأمر إلى دين العرب، قال: فقال له سامول اليهودى، وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك إنّ هذا بلد يكون إليه مُهاجرَ نَبىّ من بَنى إسْماعيل مَوْلِده مكّة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذى أنت به يكون به من القَتلى والجِرَاح أمرٌ كبير فى أصحابه وفى عدوّهم، قال تُبّع: ومَن يقاتله يومئذ وهو نبىّ كما تزعمون؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون ههنا، قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد، قال: فإذا قُوتل لمَن تكون الدّبْرة؟ قال: تكون عليه مرّة وله مرّة، وبهذا المكان الذى أنت به تكون عليه، ويُقتَل به أصحابه مَقْتلة لم يُقْتَلوا فى موطن، ثمّ تكون العاقبة له، ويظهر فلا ينازعه هذا الأمرَ أحدٌ، قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، فى عينيه حُمرة، يركب البعير، ويلبس الشَّمْلَة، سيفه على عاتقه لا يبالى مَن لاقى أخًا أو ابن عَمّ أو عَمًّا حتى يظهر أمره، قال تُبّع: ما إلى هذا البلد من سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدى، فخرج تُبّع منصرفًا إلى اليمن (٢).
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: كان الزّبير بن بَاطَا، وكان أعلم اليهود، يقول: إنّى وجدتُ سِفْرًا كان أبى يختمه علىّ، فيه ذكر أحمد نبىّ يخرج بأرض القَرَظ صفته كذا وكذا، فتحدّث به الزّبير بعد أبيه والنبىّ، ﷺ ، لم يُبعث، فما هو إلّا أن سمع بالنبىّ، ﷺ ، قد خرَج بمكّة حتى عمد إلى ذلك السفر فَمَحَاه وكتَم شأن النبىّ، ﷺ ، وقال ليس به.
стр. 179
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى الضّحّاك بن عثمان عن مَخْرَمَة بن سليمان عن كُرَيْب عن ابن عبّاس قال: كانت يهود قُرَيظة والنَّضِير وفَدك وخَيْبر يجدون صفة النبىّ، ﷺ ، عندهم قُبَيل أن يُبعث، وأنّ دار هجرته بالمدينة. فلمّا وُلِدَ رسول الله، ﷺ ، قالت أحبار اليهود: وُلِدَ أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طَلَع، فلمّا تَنَبَّأ قالوا: قد تَنَبَّأ أحمد، قد طلع الكوكب الذى يطلع، كانوا يعرفون ذلك ويقرّون (١) به ويصفونه إلّا الحسد والبغى (٢).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن نملة بن أبى نملة عن أبيه قال: كانت يهود بنى قُريظة يَدْرُسون ذكر رسول الله، ﷺ ، فى كُتُبهم ويُعَلّمونه الوِلدان بصفته واسمه ومُهاجَره إلينا، فلما ظَهر رسول الله، ﷺ ، حَسَدوا وبغوا وقالوا ليس به.
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن أبى سفيان مولَى ابن أبى أحمد أنّ إسْلام ثَعلبة بن سعيد وأَسِيد بن سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد ابن عمّهم إنّما كان عن حديث ابن الهَيّبَان أبى عمير. قدم ابن الهَيّبَان، يهودىّ من يهود الشام، قُبيل الإِسلام بسنوات. قالوا: وما رأينا رجلًا لا يُصلّى الصّلوات الخَمْس خيرًا منه، وكان إذا حُبِس عنّا المطر احتَجنا إليه، نقول له: يابن الهيّبَان اخرج فاسْتَسْقِ لنا، فيقول: لا حتى تُقَدّمُوا أمام مَخْرَجكم صَدقة، فنقول: وما نقدّم؟ فيقول: صاعًا من تَمر أو مُدَّيْن من شَعير عن كلّ نفس، فنفعل ذلك فيخرج بنا إلى ظَهر وادينا، فوالله لن نَبرح حتى تَمرُّ السحابُ فَتُمْطِرَ عَلينا، ففعل ذلك بنا مِرارًا، كلّ ذلك نُسْقَى، فبينا هو بَيْن أظهرنا إذ حَضَرَته الوَفاةُ، فقال: يا مَعشر اليهود ما الّذى تَرَوْنَ أنّه أخرجنى من أرض الخَمْر (٣) والخَمِير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم يا أبا عُمير! قال: إنّما قدمتُها أتوَكّفُ خُروج نَبىّ قد أظلّكم زمانه، وهذا البلد مُهَاجَرُه،
стр. 180
وكنتُ أرجو أن أُدْركه فأتّبعه، فإن سَمِعتم به فلا تُسْبَقُنّ إليه، فإنّه يَسْفِك الدّماء ويَسْبى الذَّرَارى والنّساء، فلا يمنعكم هذا منه، ثمّ مات، فلمّا كان فى الليلة التى فى صَبيحتها فُتِحَت بنو قُرَيظة، قال لهم ثَعلبة وأَسِيد ابنا سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد فتيان شَبَاب: يا معشر يهود، والله إنّه الرّجل الذى وصف لنا أبو عُمير بن الهيّبَان، فاتّقوا الله واتّبعوه، قالوا: ليس به، قالوا: بَلَى والله إنّه لهو هو، فَنَزَلُوا وأسلموا وأبَى قومهم أن يُسلموا (١).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني محمد بن عبد الله عن الزُّهرى عن محمد بن جُبَير بن مُطعم عن أبيه قال: كنّا جلوسًا عند صَنَم ببُوانة قبل أن يُبعث رسول الله، ﷺ ، بشهر، فَنَحَرنا جُزرًا، فإذا صائحٌ يصيح من جوف واحدة: اسمعوا إلى العجب، ذهب استراقُ الوحى ونُرمى بالشُّهُب، لنبىّ بمكّة اسمه أحمد، مُهَاجَره إلى يثرب، قال: فأمسكنا وعجبنا، وخرَج رسول الله، ﷺ (٢).
حدّثنا محمد بن عمر، حدّثنى ابن أبى ذئب عن مُسلم بن جُندب عن النّضر ابن سفيان الهذلى عن أبيه قال: خرجنا فى عير لنا إلى الشام، فلمّا كُنّا بين الزرقاء ومُعَان وقد عَرّسنا من اللّيل إذا بفارس يقول: أيها النيام هُبّوا فليس هذا بحين رُقَاد، قد خرجَ أحمد، وطُرّدت الجنّ كلّ مُطَرّد، ففزعنا ونحن رفقة جرّارة كلهم قد سمع هذا، فرجعنا إلى أهلينا، فإذا هم يذكرون اختلافًا بمكّة بين قريش بنبىّ خرَج فيهم من بنى عبد المطّلب اسمه أحمد (٣).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى علىّ بن عيسى الحَكمى عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عَمرو بن نُفيل يقول: أنا أنتظر نبيًّا من ولد إسماعيل ثمّ من بنى عبد المطّلب، ولا أرانى أدركه، وأنا أومن به وأصدّقه وأشهد أنّه نبىّ، فإن طالت بك مدّة فرأيته فأقرئه منّى السّلام، وسأخبرك ما نعتُه حتى لا يخفَى عليك، قلت: هلمّ! قَال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق
стр. 181
عينيه حمرة، وخاتَم النبوّة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثمّ يُخرجه قومه منه ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإيّاك أن تُخدع عنه فإنّى طُفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكلّ مَن أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعتّه لك، ويقولون لم يبقَ نبىّ غيره، قال عامر بن ربيعة: فلمّا أسلمتُ أخبرتُ رسول الله، ﷺ ، قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فردّ ﵇ ورحّم عليه وقال: قَدْ رَأيْتُهُ فى الجنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا (١).
أَخبرنا علىّ بن محمد بن عبد الله بن أبى سيف القرشى عن إسماعيل بن مجالد عن مجالد [عن] (٢) الشَّعْبىّ عن عبد الرحمن بن زَيد بن الخطّاب قال: قال زَيد بن عَمرو بن نفيل: شاممت النصرانيّة واليهوديّة فكرهتهما، فكنتُ بالشأم وما والاه حتى أتيتُ راهبًا فى صومعة، فوقفتُ عليه، فذكرتُ له اغترابى عن قومى وكراهتى عبادة الأوثان واليهودية والنصرانيّة، فقال لى: أراك تريد دين إبراهيم! يا أخا أهل مكّة إنّك لتطلب دينًا ما يؤخذ اليوم به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفًا لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، كان يصلّى ويسجد إلى هذا البيت الذى ببلادك، فالحقْ ببلدك، فإنّ نبيًّا يُبْعث من قومك فى بلدك يأتى بدين إبراهيم بالحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله (٣).
أخبرنا علىّ بن محمد عن أبى عُبيدة بن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسِر وغيره عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة قالت: سَكَن يهودى بمكّة يبيع بها تجارات، فلمّا كان ليلة وُلد رسول الله، ﷺ ، قال فى مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأتُ والله حيثُ كنتُ أكره، انظروا يا معشر قريش وأحْصُوا ما أقول لكم: وُلِد الليلة نَبىّ هذه الأمّة أحمد الآخِر، فإن أخطأكم فبِفلَسْطين، به شامةٌ بين
стр. 182
كتفيه سوداء صفراء فيها شعرات متواترات، فتصدّع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا فى منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وُلد لعبد الله بن عبد المطّلب الليلة غلام فسماه محمّدًا، فالتقوا بعدُ من يومهم فأتوا اليهودىّ فى منزله فقالوا: أعلمت أنه وُلد فينا مولود؟ قال: أبعدَ خَبرى أم قَبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرَجوا معه حتى دخلوا على أمه، فأخرَجته إليهم، فرأى الشَّامة فى ظهره، فغُشى على اليهودى ثمّ أفاق، فقالوا: ويْلك! ما لك؟ قال: ذهبت النُّبوّة من بنى إسرائيل وخرَج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبير أَحْبَارَهم (١)، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم. يا معشر قريش؟ أمَا واللهِ ليسطوَن بكم سَطْوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب (٢).
أخبرنا علىّ بن محمّد عن يحيَى بن مَعن أبى زكريّاء العجلانى عن يعقوب ابنُ عتبة بن المغيرة بن الأخْنَس قال: إنّ أوّل العرب فَزَع لرمى النّجوم ثَقِيف، فأتوا عمرو بن أُمية فقالوا: ألم تَرَ ما حدَث؟ قال: بَلَى، فانْظروا فإن كانت مَعَالِمُ النجوم التى يُهْتَدى بها ويُعْرَف بها أنواء الصيف والشّتاء انتثرت فهو طى الدنيا وذهاب هذا الخَلْق الذى فيها، وإن كانت نجومًا غيرها فأمرٌ أراد الله بهذا الخلق ونَبىّ يُبعث فى العرب فقد تُحُدّث بذلك.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى زكرياء العجلانى عن محمّد بن كعب القرظى قال: أوحَى الله إلى يعقوب أنى أبعثُ من ذُرّيّتك ملوكًا وأنبياء حتى أبعث النبىّ الحرمىّ الذى تبنى أمّته هَيْكل بيت المقدس، وهو خاتم الأنبياء، واسمه أحمد.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن علىّ بن مجاهد عن حميد بن أبى البَخْتَرى عن الشَّعْبى قال فى مجلّة إبراهيم، ﷺ : إنّه كائن من ولدك شعوب وشعوب حتى يأتى النبى الأُمىّ الذى يكون خاتم الأنبياء.
стр. 183
أخبرنا علىّ بن محمد عن سليمان القافلانى عن عَطاء عن ابن عبّاس قال: لمّا أُمِرَ إبراهيم بإخراج هاجَر حُمل على البُراق، فكان لا يمرّ بأرض عَذْبة سهلة إلّا قال: انزلْ هاهنا يا جبريل. فيقول: لا، حتى أتى مكّة، فقال جبريل: انزِلْ يا إبراهيم، قال: حيث لا ضَرْع ولا زَرْع؟ قال: نَعَمْ هاهنا يخرج النبىّ الذى من ذُرّيّة ابنك الّذى تُتَمّ به الكلمة العُلْيا.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى عَمرو الزهرىّ عن محمّد بن كعب القرظى قال: لمّا خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقّاها مُتلقّ فقال: يا هاجر إنّ ابنك أبو شُعوب كثيرة، ومن شعبه النبىّ الأُميّ ساكن الحَرَم.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى مَعشر عن يزيد بن رومان وعاصم بن عمر وغيرهما أن كعب بن أسد قال لبنى قرَيظة حين نزل النبىّ، ﷺ ، فى حصنهم: يا مَعْشَر يهود تابعوا الرجل فوالله إنّه النبىّ، وقد تبيّن لكم أنّه نبىّ مرْسَل وأنّه الذى كنتم تجدونه فى الكتب، وأنّه الّذى بَشَّر به عِيسَى، وإنّكم لَتعرِفون صفته، قالوا: هو به ولكن لا نُفارق حكم التوراة.
أخبرنا علىّ بن محمد عن علىّ بن مجاهد عن محمّد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبى هريرة قال: أتى رسول الله، ﷺ ، بيت المِدْراس فقال: أَخْرِجُوا إلىَّ أعْلَمَكُمْ، فقالوا: عبد الله بن صُورِيا، فخلا به رسول الله، ﷺ ، فَنَاشَدَه بدينه وبما أنْعمَ الله به عليهم وأطعمهم من المنّ والسَّلْوَى وظَلَّلَهم به من الغَمام: أتَعْلَمُ أنّى رسُول الله؟ قال: اللهمّ نعم وإنّ القوم ليَعرفون ما أعرف. وإنّ صفتك ونعتك لمبيّن فى التوراة، ولكنهم حسدوك، قال: فَما يَمْنَعُكَ أنْتَ؟ قال: أكره خلاف قومى، وعسى أن يتّبعوك ويُسْلِموا فأُسْلم (١).
أخبرنا علىّ بن محمد عن أبى مَعشر عن محمّد بن جعفر بن الزبير ومحمّد بن عُمارة بن غَزِيّة وغيرهما قالوا: قَدِم وفد نَجران، وفيهم أبو الحارث بن عَلقمة بن ربيعة، له علم بدينهم ورئاسة، وكان أسقُفهم وإمامهم وصاحب مِدْرَاسِهم وله فيهم قَدْر، فَعَثُرَت به بَغلته، فقال أخوه: تَعِس الأبعد، يريد رسول الله، ﷺ ،
стр. 184
فقال أبو الحارث: بلْ تَعسْتَ أنْتَ، أتشتم رجلًا من المُرْسَلين؟ إنّه الذى بشر به عيسى وإنّه لفى التوراة! قال: فما يمنعك من دينه؟ قال: شرّفنا هؤلاء القوم وأكرَمونا ومَوّلونا وقد أَبَوْا إلّا خلافه، فحلف أخوه ألا يَثنى له صَعَرًا حتى يقدم المدينة فيؤمن به، قال: مهلًا يا أخى فإنّما كنتُ مازِحًا، قال: وإن، فمضى يضرب راحلته وأنشأ يقول:
إلَيْكَ تَعْدُو (١) قَلِقًا وضِينُها … مُعْتَرِضًا فى بَطْنِهَا جَنِينُها
مُخَالِفًا دِينَ النّصَارَى دينُهَا
قال: فَقَدِم وأسلم.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى علىّ العبدى عن محمّد بن السّائب عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: بعثت قريش النَّضر بن الحارث بن عَلْقَمة وعُقْبة بن أبى مُعَيْط وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم: سَلُوهم عن محمّد، فَقَدِموا المدينة فقالوا: أتيناكم لأمرٍ حدث فينا، منّا غلامٌ يتيمٌ حقيرٌ يقول قولًا عظيمًا يزعم أنه رسول الرحمن، ولا نعرفُ الرحمن إلا رَحْمان اليَمامة، قالوا: صِفُوا لنا صِفته، فَوَصَفوا لهم، قالوا: فمَن تَبِعه منكم؟ قالوا: سِفْلتنا، فضَحَك حَبْرٌ منهم وقال: هذا النبىّ الذى نجد نعته ونجد قومه أشدّ النّاس له عداوة.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن يزيد بن عياض بن جُعْدُبَةَ عن حَرام بن عثمان الأنصارىّ قال: قَدِم أسْعد بن زُرَارة من الشأم تاجِرًا فى أربعين رجُلًا من قومه، فرأى رؤيا أنّ آتيًا أتاه فقال: إنّ نبيًّا يخرج بمكّة يا أبا أُمامة فاتّبعه، وآية ذلك أنّكم تَنزلون منزلًا فيُصَاب أصحابُك فَتَنجو أنْت وفلان يُطْعَنُ فى عَيْنِه، فنزلوا منزلًا فَبَيَّتَهم الطّاعون فأُصِيبوا جميعًا غير أبى أُمامة وصاحب له طُعِن فى عينه.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن سعيد بن خالد وغيره عن صالح بن كيسان أنّ خالد بن سعيد قال رأيتُ فى المنام قبل مَبعث النبىّ، ﷺ ، ظُلْمة غَشِيَتْ مكّة حتى ما أرى جبلًا ولا سهلًا، ثمّ رأيتُ نورًا يخرج من زَمزم مثلَ ضَوء المِصباح
стр. 185
كلّما ارتفع عَظُم وسَطَع حتى ارتفعَ فأضاءَ لى أوّل ما أضاءَ البيت، ثمّ عَظُم الضوء حتى ما بَقى من سَهل ولا جَبل إلّا وأنا أراه، ثمّ سطَعَ فى السماء، ثم انحدرَ حتى أضاءَ لى نخل يَثْرب فيها البُسْر، وسمعتُ قائلًا يقول فى الضّوء: سبحانه سبحانه تمّت الكلمة وهَلَك ابن مارد بهضبة الحصى بين أذْرُحَ والأكَمَة، سَعِدَتْ هذه الأمّة، جاء نَبى الأُميين، وبلَغ الكتابُ أجله، كذبته هذه القرية، تُعذّبُ مرّتين، تتوبُ فى الثالثة، ثلاثٌ بقيت، ثِنتان بالمشرق وواحدة بالمغرب، فقصَّها خالد بن سعيد على أخيه عمرو بن سعيد، فقال: لقد رأيْت عجبًا وإنى لأرى هذا أمرًا يكون فى بَنى عبد المطّلب إذْ رأيت النّور خَرَجَ من زَمزم.
أخبرنا علىّ بن محمد عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبى هند قال: قال ابن عبّاس: أوحَى الله إلى بعض أنبياء بنى إسرائيل: اشتدّ غضبى عليكم من أجل ما ضَيَّعتم من أمرى، فإنى حلَفتُ لا يأتيكم رُوح القدس حتى أبعث النبى الأُمى من أرض العرب الذى يأتيه روح القدس.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن محمّد بن الفضل عن أبى حازم قال: قَدِم كاهن مَكّة ورسولُ الله، ﷺ ، ابن خمس سنين وقد قدمتْ بالنبىّ، ﷺ ، ظِئره إلى عبد المطّلب وكانت تأتيه به فى كلّ عام، فنظر إليه الكاهن مع عبد المطّلب فقال: يا معشرَ قريش اقْتلوا هذا الصبىّ، فإنّه يقتلكم ويفرّقكم، فهرَبَ به عبد المطّلب، فلم تَزَل قريش تخشَى من أمره ما كان الكاهن حذَّرهم.
أخبرنا علىّ بن محمد عن علىّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن عاصم ابن عُمر بن قتَادة عن علىّ بن حسين قال: كانت امرأة فى بنى النّجّار يُقالُ لها فاطمة بنت النعمان كان لها تابعٌ من الجِنّ، فكان يأتيها، فأتَاهَا حين هاجَر النبىّ، ﷺ ، فانقضَّ على الحائط، فقالت: ما لك لم تأتِ كما كنتَ تأتى؟ قال: قد جاء النبى الذى يحرِّم الزّنا والخمر.
أخبرنا علىّ بن محمد عن وَرقاء بن عمر عن عَطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: لما بُعث محمّد، ﷺ ، دُحِرَ الجنّ وَرُمُوا بالكواكب، وكانوا قبل ذلك يستمعون، لكلّ قَبِيل من الجنّ مقعدٌ يستمعون فيه، فأوّل مَن فزع لذلك أهل الطائف فجعلوا يذبَحون لآلهتهم من كان له إبل أو غَنم كلّ يوم حتى
стр. 186
كادت أموالهم تَذهب، ثمّ تَناهوا وقال بعضهم لبعض: ألا تَرون معالم السماء كما هى لم يذهب منها شئ! وقال إبليس: هذا أمرٌ حدَث فى الأرض، ائتونى من كلّ أرض بتُربة، فكان يُؤتَى بالتربة فيشمّها ويلقيها، حتى أُتى بتُربة تِهامة فشَمَّها وقال: هاهنا الحدث (١).
أخبرنا علىّ بن محمّد عن عبد الله بن محمّد القرشى من بنى أسد بن عبد العُزَّى عن الزُّهرى قال: كان الوحى يُستمع، وكان لامرأة من بنى أسد تابع، فأتاها يومًا وهو يصيح: جاء أمرٌ لا يُطاق، أحمد حرَّم الزّنا، فلمّا جاء الله بالإسلام مُنِعوا الاستماع (٢).
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن يزيد الهذلى عن سعيد بن عمرو الهذلى عن أبيه قال: حضرتُ مع رجالٍ من قومى صَنمَنا سُوَاع وقد سُقنا إليه الذبائح، فكنتُ أوّل مَن قرَّب إليه بقرة سمينة فذبحتها على الصنم، فسمعنا صوتًا من جوفها: العجب العجب كلّ العجب، خروجُ نبىّ بين الأخاشب يحرّم الزنا، ويحرّم الذبح للأصنام، وحُرست السّماء، وَرُمِينا بالشُّهب فَتفَرّقنا، وقدمنا مكّة فسألنا فلم نجد أحدًا يخبرنا بخروج محمد، ﷺ ، حتى لقينا أبا بكر الصّدّيق فقلنا: يا أبا بكر، خرج أحدٌ بمكّة يدعو إلى الله يقال له أحمد؟ قال: وما ذاك؟ قال: فأخبرته الخبر، فقال: نَعم هذا رسول الله. ثمّ دعانا إلى الإِسلام، فقلنا: حتى ننظر ما يصنع قومنا، ويا ليت أنّا أسلمنا يومئذ. فأسلمنا بعده.
أخبرنا محمد بن عمر الأسْلمى قال: حدّثنى عبد الله بن يزيد الهذلى عن عبد الله بن ساعدة الهُذلى عن أبيه قال: كنّا عند صنمنا سُوَاع وقد جلبتُ إليه غنمًا لى مائتى شاة قد كان أصابها جَرَب. فأدنيتُها منه أطلبُ بَرَكته، فسمعتُ مناديًا من جوف الصنم يُنادى: قد ذهبَ كيْد الجنّ ورُمينا بالشُّهب لنبىّ اسمه أحمد، قال: قلتُ عُبّرتُ والله، فأصرف وجه غنمى منحدرًا إلى أهلى، قال: فلقيتُ رجلًا فخبرنى بظهور رسول الله، ﷺ .
стр. 187
أخبرنا علىّ بن محمّد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن محمّد بن عمر الشامى عن أشياخه قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، فى حِجْر أبى طالب، وكان أبو طالب قليل المال، كانت له قطعة من إبل فكان يُؤتَى بلبنها، فإذا أكل عيال أبى طالب جميعًا أو فُرَادى لم يَشْبعوا. وإذا أكل معهم النبىّ، ﷺ ، شَبِعوا، فكان إذا أرادَ أن يطعمهم قال: أربعوا حتى يحضر ابنى، فيحضر فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإن كان لَبَنٌ (١) شرب أولهم ثمّ يناولهم يشربون فَيَرْوَوْنَ عن (٢) آخرهم، فيقول أبو طالب: إنّك لمبُارَك! وكان يصبح الصبيان شُعثًا رُمْصًا، ويصبح النبىّ، ﷺ ، مَدْهُونا مَكْحولًا. قالت أمّ أَيمن: ما رأيتُ النبى، ﷺ ، شَكَا، صغيرًا ولا كبيرًا، جوعًا ولا عطشًا، كان يغدو فيشرب من زَمزم فأعرض عليه الغذاء فيقول: لا أرِيدُهُ، أنَا شَبْعَانُ (٣).
* * *
ذكر من تسمى فى الجاهلية بمحمّد رجاء أن تدركه النبوة للذى كان من خبرها
أخبرنا علىّ بن محمّد بن عبد الله بن أبى سيف عن سَلَمة بن عثمان عن علىّ ابن زَيد عن سعيد بن المسيّب قال: كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكُهّان أن نبيًّا يُبعث من العرب اسمه محمّد، فَسَمَّى مَن بلَغه ذلك من العرب ولَدَه محمّدًا طَمَعًا فى النّبوة.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن سَلَمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق قال: سُمّى محمّد بن خُزاعى بن حُزابة من بنى ذَكوان من بنى سُليم طَمَعًا فى النبوّة، فأتى
стр. 188
أبرهةَ باليمن فكان معه على دينه حتى مات، فلمّا وَجُهَ قال أخوه قيس بن خُزاعىّ:
فَذَلِكُمُ ذُو التّاجِ مِنّا مُحَمّد … وَرَايَتُهُ فى حَوْمَة الموْتِ تَخْفِقُ
أخبرنا علىّ بن محمّد عن مسلمة بن علقمة عن قَتادة بن السَّكن العُرَنىّ قال: كان فى بنى تَميم محمّد بن سفيان بن مجاشع، وكان أسقُفًا، قيل لأبيه: إنّه يكون للعرب نبىّ اسمه محمّد، فسمّاه محمّدًا، ومحمد الجشمى فى بنى سُوَاءة، ومحمّد الأسيّدىّ، ومحمّد الفُقَيْمىّ سَمّوهم طَمَعًا فى النبوّة (١).
* * *
ذكر علامات النبوة بعد نزول الوحى على رسول الله ﷺ -
أخبرنا عفّان بن مُسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا علىّ بن زيد عن أبى زيد أنّ رسول الله، ﷺ ، كان بالحَجون وهو مُكْتَئِبٌ حَزينٌ فقال: اللهمّ أرنى اليَوْمَ آيَةً لا أُبَالى مَنْ كَذّبَنى بَعْدَهَا مِنْ قَوْمى، فإذا شجرة من قبل عَقَبة المدينة، فناداها فجاءت تشقّ الأرض حتى انتهت إليه فسلّمت عليه، ثمّ أمرها فرجعت، فقال: مَا أُبَالى مَنْ كَذّبَنى بَعْدَهَا مِنْ قَوْمى (٢).
أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال: بلغنى أن النبىّ، ﷺ ، كان مسافرًا فذهب يريد أن يتبرّز أو يقضى حاجته، فلم يجد شيئًا يَتَوَارَى به من الناس، فرأى شجرتين بعيدتين، فقال لابن مسعود: اذْهَبْ فَقُمْ بَيْنَهُمَا فَقُلْ لَهُمَا إنّ رَسُولَ الله أرْسَلَنى إلَيْكُمَا أنْ تَجْتَمِعَا حتى يَقْضىَ حَاجَتَهُ وَرَاءَكُمَا، فذهَب ابن مسعود فقال لهما، فأقبلت إحداهما إلى الأخرى فقضى حاجته وراءهما (٣).
стр. 189
حدّثنا وكيع، أخبرنا الأعْمش عن المِنْهال بن عمرو عن يَعْلَى بن مُرّة قال: كنتُ مع النبىّ، ﷺ ، فى سَفَر فنزلنا منزلًا، فقال لى: ائْتِ تَيْنِكَ الأشَاءَتَيْنِ (١) فَقُلْ لَهُمَا إنّ رَسُولَ الله، ﷺ ، يأمُرُكُمَا أن تَجْتَمِعَا، فأتيتهما فقلت لهما ذلك، فوثَبت إحداهما إلى الأخرى فاجتمعتا، فخرج النبىّ، ﷺ ، فاستَتَر فقضَى حاجته، ثمّ وثبَت كلّ واحدة منهما إلى مكانها (٢).
أخبرنا إسماعيل بن أَبان الورَّاق، أخبرنَا عَنْبسة بن عبد الرحمن القُرشى عن محمّد بن زَاذَان عن أمّ سعد عن عائِشة قالت: قلت: يا رسول الله ﷺ تأتى الخَلَاء فلا يُرى منك شئ من الأذى! فقال: أوَمَا عَلِمْتِ يَا عَائِشَةُ أنّ الأرْضَ تَبْتَلِعُ ما يخَرجُ مِنَ الأنْبِيَاءِ فَلا يُرَىَ مِنْهُ شَئٌ؟.
أخبرنا مُسلم بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن عبيد، أخبرنا أبو عِمران عن أنَس ابن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : بَيْنَا أنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ إذْ دَخَلَ جِبْرِيلُ فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفَىّ فَقُمْتُ إلى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَى الطّيْرِ فَقَعَدَ فى وَاحِدَةٍ وَقَعَدْتُ فى أخْرَى فَسَمَتْ فارْتَفَعَتْ حَتّى سَدّتِ الخَافِقَين وَلَوْ شِئْتُ أنّ أمَسّ السّمَاءَ لَمَسَسْتُ وَأنَا أقَلّبُ طَرْفى فَالْتَفَتّ إلى جِبْرِيلَ فَإذا هُوَ كَأنّهُ حِلْسٌ لاطِئٌ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللهِ وَفُتِحَ لى بابُ السّماءِ فَرَأيْتُ النّورَ الأعْظَمَ وَلَطّ دُونى الحجَابَ رَفْرَفُهُ الدّرُّ واليَاقُوتُ ثُمّ أوحَى اللهُ إلىّ مَا شَاءَ أنْ يُوحى (٣).
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن عُبيد الإيادى، أخبرنَا سعيد بن إياس أبو مسعود الجُرَيْرِى عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان النبىّ، ﷺ ، يُحْرَسُ حتّى نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: ٦٧]: قالت: فأخرَج رسول الله، ﷺ ، رأسه من القُبّة لهم فقال: أيّها النّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنى اللهُ مِنَ النّاسِ.
стр. 190
أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن النبىّ، ﷺ ، قال: إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ تَنَامُ أعْيُنُنَا وَلا تَنَامُ قُلُوبُنَا.
أخبرنا هَوْذة بن خليفة بن عبد الله بن أبى بكرة، أخبرنا عوف عن الحسن عن النبىّ، ﷺ ، قال: تَنَامُ عَيْناىَ وَلا يَنامُ قَلْبى.
أخبرنا الحجاج بن محمّد الأعور عن ليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله، ﷺ ، فقال: رَأيْتُ فى المَنَام كَأنّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأسى وَمِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلىّ يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِه اضْربْ لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ: اسْمعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنّمَا مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتّخَذَ دارًا ثُمّ بَنى فيهَا بَيْتًا ثُمّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعَامِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أجَابَ الرّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاللهُ هُوَ المَلِكُ وَالدّارُ هِىَ الإسلامُ وَالبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يَا مُحمّدُ الرّسُولُ مَنْ أجَابَكَ يا مُحَمّدُ دَخَلَ الإسلامَ وَمَنْ دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنّةَ وَمَنْ دَخَلَ الجَنّةَ أكَلَ مَا فِيهَا (١).
أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن محمّد بن عمرو عن أبى سلمة قال: كان رسول الله، ﷺ ، لا يأكل الصّدقة ويأكل الهدية، فأهْدتْ إليه يهوديّة شاةً مصليّة فأكل رسول الله، ﷺ ، منها هو وأصحابه، فقالت: إنى مسمومة، فقال لأصحابه: ارْفَعُوا أيْديَكُمْ فإنّهَا قَدْ أخْبَرَتْ أنّهَا مَسْمومَةٌ، قال: فرفعوا أيديهم، قال: فمات بِشْر بن البرَاء، فأرسل إليها رسول الله، ﷺ ، فقال: مَا حَمَلَكِ عَلى مَا صَنَعْتِ؟ قالت: أردتُ أن أعْلَمَ إن كنتَ نبيًّا لم يضررك، وإن كنتَ ملكًا أرَحْتُ النّاس منك، قال: فأمر بها فقتلت (٢).
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا خالد بن عبد الله عن حُصَين عن سالم بن أبى الجَعْد قال: بعثَ رسول الله، ﷺ ، رجلين فى بعض أمره فقالا: يا رسول الله ما معنا ما نتزوَّده، فقال: ابْتَغِيَا لى سِقَاءً، فَجَاءَاه بسِقاء، قال: فأمرنا فملأناه
стр. 191
ثمّ أوكأهُ وقال: اذْهَبَا حَتّى تَبْلُغَا مَكَانَ كَذَا وكَذَا فَإنّ الله سَيَرْزُقُكُمَا، قال: فَانْطَلَقا حَتّى أتيا ذلك المكان الذى أمرهما به رسول الله، ﷺ ، فانحلّ سِقاؤهما فإذا لَبنٌ وزُبد غنم، فَأكَلا وشرِبا حتى شَبِعا.
أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النّضر الكنانى، أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال: حدّثَنى شَهْر، يعنى ابن حَوْشب، قال: وحَدّثَ أبو سعيد الحضرمى قال: بينما رجل من أسْلَم فى غُنَيْمَةٍ له يَهُشّ عليها فى بيداء ذى الحليفة إذ عَدَا عليه ذئب فانتزعَ شاةً من غنمه، فَجَهْجَأه (١) الرجل ورماه بالحجارة حتى استنقذَ منه شاته، ثمّ إنّ الذئب أقبلَ حتى أقعَى مُسْتثفرًا (٢) بذَنَبه مقابل الرجل فقال: أما اتّقيت الله أن تنزع منّى شاة رزقنيها الله؟ قال الرجل: تالله ما سمعت كاليوم قطّ قال الذئب: من أىّ شئ تَعجَب؟ قال: أعْجب من مخاطبة الذئْب إيّاى! قال الذّئب: قد تركْتَ أعْجَبَ مِن ذلك، هاذاك رسول الله، ﷺ ، بين الحرّتين فى النَّخَلَاتِ يُحدّث النّاس بما خلا، ويُحدّثهم بما هو آتٍ، وأنت ههنا تتّبع غنمك! فلمّا أن سمع الرجل قول الذئب ساق غنمه يحوزها حتى أدخلها قباء قرية الأنصار فسأل عن رسول الله، ﷺ ، فصادفه فى منزل أبى أيّوب فأخبره خبر الذئب، قال رسول الله، ﷺ : صَدَقْتَ، احْضَرِ العَشِيّة فَإذَا رَأيْتَ النّاسَ اجْتَمَعُوا فَأخْبِرْهُمْ ذَلِكَ، ففعل، فلمّا أن صلّى الصّلاة واجتمع الناس أخبرهم الأسلمى خبر الذئب، قال رسول الله، ﷺ : صَدَقَ صَدَقَ صَدَقَ، تِلْكَ الأعَاجِيبُ بَينَ يَدَىِ السّاعَةِ، قالها ثلاثًا، أمَا وَالّذى نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ ليُوشِكَنّ الرّجُلُ مِنْكُمْ أنْ يَغِيبَ عَنْ أهْلِهِ الرّوْحَةَ أوِ الغَدْوَةَ ثمّ يُخْبِرَهُ سَوْطُهُ أوْ عَصَاهُ أوْ نَعْلُهُ بِمَا أحْدَثَ أهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ (٣).
أخبرنَا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الحميد بن بَهرام قال: حدّثنى شَهْر، حدّثنى عبد الله بن عبّاس قال: بينما رسول الله، ﷺ ، بفِناء بيته بمكّة جالسًا إذ مرّ به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله، ﷺ ، فقال له رسول الله،
стр. 192
- ﷺ : ألا تَجْلِسُ؟ قال: بَلَى، فجلس رسول الله، ﷺ ، مُستقْبله، فبينما هو يُحدّثه إذ شَخَص رسول الله، ﷺ ، فنظر ساعة إلى السّماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه فى الأرض، فتحرّف رسول الله، ﷺ ، عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ يُنغِض رأسه كأنّه يستفقه ما يُقال له، وابنُ مظعون ينظر، فلمّا قضَى حاجته واستفقَه ما يُقال له، وشخص بصر رسول الله، ﷺ ، إلى السّماء كما شخص أول مرّة، فاتّبعه بصره حتى توارى فى السّماء، فأقبل على عثمان بِجِلْستِهِ الأولى، فقال عثمان: يا محمّد فيما كنتُ أُجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغَداةَ، قال: وَما رَأيْتَنى فَعَلْتُ؟ قال: رأيتُك تُشخص بصرك إلى السّماء ثمّ وضعته على يمينك فتحرّفت إليه وتركتنى. فأخذتَ تُنْغِض رأسَكَ كأنك تستفقه شيئًا يُقال لك، قال: أوَفَطِنْتَ لِذاكَ؟ قال عثمان: نعم، قال: فقال رسول الله، ﷺ : أتَانى رَسُولُ الله آنِفًا وَأنْتَ جَالسٌ، قلتُ: رسولُ الله؟ قال: نَعَمْ، قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]: قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان فى قلبى وأحببتُ محمّدًا.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الحميد بن بَهرام، أخبرنا شَهْر قال: قال ابن عبّاس: حضَرَتْ عصابةٌ من اليهود، يعنى رسول الله، ﷺ ، يومًا فقالوا: يا أبا القاسم حَدّثْنا عن خِلال نسألُك عنهُنّ لا يعلمهنّ إلّا نبىّ، قال: سَلُونى عَمّا شِئْتُمْ ولكِنِ اجْعَلُوا لى ذِمّة الله وَمَا أخَذَ يَعْقُوبُ عَلى بَنِيهِ لَئِنْ أنَا حَدّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوه لَتُتَابِعُنِّى على الإِسْلامِ، قالوا: فذلك لك: قال: فَسَلُونى عمّا شئتمْ، قالوا: أخبرْنَا عن أربع خِلالٍ نسألك عنهنّ، أخبرْنا أىّ الطّعام حرَّم إسرائيلُ على نفسه من قبل أن تُنَزّلَ التَّوراة، وأخبِرنا كيف ماء المرأة من ماء الرجل، وكيف يكون الذَّكر منه وكيف تكون الأنثى، وأخبرنا كيف هذا النبىّ الأمّى فى النوم ومَن وليّه من الملائكة، قال: فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ الله لَئِنْ أنا أخْبَرْتُكُمْ لَتُتَابِعُنِّى، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال: فَأنْشُدُكُمْ بالّذى أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ إسْرَائيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ فَنَذَرَ لله نَذْرًا لَئِنْ
стр. 193
شَفَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرّمَنّ أحَبّ الشّرَابِ إلَيْهِ وَأحَبّ الطّعَامِ إلَيْهِ، فَكانَ أحَبّ الطّعَام إلَيْهِ لُحْمَان الإبِلِ وَأحَبّ الشّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟ قالُوا: اللّهم نَعم، قال: اللهم اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَأنْشُدُكُمْ بالله الذى لا إلهَ إلّا هُوَ الّذى أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمونَ أنّ مَاءَ الرّجُل أبْيَضُ غَليظٌ وَأنّ مَاءَ المرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَأيّهُمَا عَلا كَانَ لَه الوَلَدُ وَالشّبَهُ بإذْنِ الله، وَإنْ عَلا ماءُ الرّجُلِ عَلى مَاءِ المَرْأةِ كَانَ ذَكَرًا بإذْنِ الله، وإنْ عَلا مَاءُ المَرْأةِ عَلى مَاءِ الرّجُلِ كَانَ أُنْثى بإذْنِ الله؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قال: فَأنْشُدُكُمْ باللهِ الّذى أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ هَذَا النّبِىّ الأمّىّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ؟ قالوا: اللهم نَعم، قال: اللهم اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قالوا: أنْتَ الآن فحدّثْنا مَن وليّك مِن الملائكة فعندها نجامعُك أو نُفارقُك، قال: فَإنّ وَلِيّى جِبْرِيلُ وَلَمْ يُبْعَثْ نَبِىّ قطّ إلّا هُوَ وَلِيّهُ، قالوا: فعندها نُفارقك، لو كان وليّك سواه من الملائكة لتابعناك وصدّقناك، قال: فَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أنْ تُصَدّقوهُ؟ قالوا: إنّه عدوّنا، فعند ذلك قال الله، جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [سورة البقرة: ٩٧]، إلى قوْلِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٠١] فعند ذلك باءوا بغضب على غضب (١).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان، يعنى ابن المغيرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة قال: زار رسول الله، ﷺ ، سعدًا فقال عنده، فلمّا أبردوا جاءوا بحمارٍ لهم أعرابىٍّ قطوفٍ قال: فَوَطَّئُوا لرسول الله، ﷺ ، بقطيفةٍ عليه، فركب رسول الله، ﷺ ، فأراد سعد أن يُردف ابنه خلف رسول الله، ﷺ ، ليَرُدّ الحمار، فقال، رسول الله، ﷺ : إنْ كُنْتَ بَاعِثَهُ معى فَاحْمِلْهُ بَينَ يَدَىّ، قال: لا بل خلفك يا رسول الله، فقال رسول الله، ﷺ : أهْلُ الدّابّةِ هُمْ أوْلى بِصَدْرِهَا، قال سعد: لا أبعثه معك ولكن رُدّ الحمار، قال: فَرَدّهُ وَهُوَ هِمْلاجٌ (٢) فَرِيغٌ (٣) مَا يُسَايِرُ.
стр. 194
أخبرنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنى سليمان عن ثابت - يعنى البُنانى، قال: اجتمع المُنافقون فتكلّموا بينهم، فقال رسول الله، ﷺ : إنّ رِجالًا مِنْكُمُ اجْتَمَعُوا فَقَالُوا كَذَا وَقَالُوا كَذَا فَقُومُوا وَاسْتَغْفِرُوا الله وَأسْتَغْفِرُ لَكُمْ، فلم يقوموا فقال: مَا لَكُمْ؟ قُومُوا فاسْتَغْفِرُوا الله وَأسْتَغْفِرُ لكُمْ، ثلاث مَرّات فقال: لَتَقُومُنّ أوْ لأسمّيَنّكُمْ بِأسْمَائِكُمْ! فَقَالَ: قمْ يا فُلانُ، قال: فقاموا خزايا متقنعين.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك قال: إنّى لقائم عند المنبر يوم الجمعة ورسول الله ﷺ ، يخطب، إذ قال بعضُ أهل المسجد: يا رسول الله حُبس المطر وهلكت المواشى فادعُ الله أن يسقينا، فرفع رسول الله، ﷺ ، يديه، وما نرى فى السماء من سحاب، فألّف الله بين السحاب، فَوَبَلَتْنَا حَتّى رأيتُ الرجل الشديد تُهمّه نفسه أن يأتى أهله، قال: فمُطِرنا سبعًا لا تُقْلع حتى الجمعة الثانية ورسول الله، ﷺ ، يخطب، فقال بعض القوم: يا رسول الله! تهدّمتِ البيوت وحُبس السُفّار فادعُ الله أن يرفعها عنّا، فرفع رسول الله، ﷺ ، يديه فقال: اللهم حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا! قال: فتقوّر ما فوق رءوسنا منها حتى كأنّا فى إكليل يُمطَر ما حولنا ولا نُمطَر (١).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان عن ثابت قال: جعلت امرأة من الأنصار طُعيّمًا لها ثمّ قالت لزوجها: اذهبْ إلى رسول الله ﷺ . فادعُه وأسِرّه إلى رسول الله، ﷺ ، قال: فجاء فقال: يا رسول الله إنّ فلانة قد صنعت طُعيّمًا وإنى أُحِبّ أن تأتينا، فقال رسول الله، ﷺ ، للنّاس: أجِيبوا أبَا فُلان، قال: فجئتُ وما تكاد تتّبعنى رجلاى لما تركتُ عند أهلى، ورسول الله، ﷺ ، قد جاء بالناس، قال: فقلت لامرأتى قد افتضحنا! هذا رسول الله، ﷺ ، قد جاء بالناس معه، قالت: أوَما أمرتك أن تُسِرّ ذلك إليه؟ قال: قد فعلتُ، قالت: فرسولُ الله، ﷺ ، أعْلم، فجاءوا حتى ملأوا البيت وملأوا الحُجْرة وكانوا في الدار، وجئ بمثل الكفّ فوُضعت، فجعل رسول الله، ﷺ ، يبسطها فى الإناء ويقول ما شاء الله أن يقول ثمّ قال: ادْنُوا فَكُلُوا فَإذا شَبِعَ أحَدُكُمْ فَلْيخْلِ لِصاحِبِهِ،
стр. 195
قال: فجعل الرّجل يقوم والآخر يقعد حتى ما بقى من أهل البيت أحد إلّا شبع، ثمّ قال: ادْعُ لى أهْلَ الحُجْرَة، فجعل يقعد قاعدٌ، ويقوم قائم حتى شبعوا، ثمّ قال: ادْعُ لى أهْلَ الدّار، فصنعوا مثل ذلك، قال: وبقى مثلُ ما كان فى الإناء، قال: فقال رسول الله، ﷺ : كُلُوا وَأطْعِمُوا جِيرَانَكُمْ.
حدّثنا هاشم بن القاسم، أخبر سليمان عن ثابت قال: قلت لأنس: يا أبا حَمْزَة حدّثنا من هذه الأعاجيب شيئًا شهدته ولا تُحدثه عن غيرك، قال: صلّى رسول الله، ﷺ ، صلاة الظهر يومًا ثمّ انطلق حتى قعد على المقاعد التى كان يأتيه عليها جبريل فجاء بلال فنادى بالعصر، فقام كلّ من كان له بالمدينة أهل يقضى الحاجةَ ويصيب من الوضوء، وبقى رجال من المهاجرين ليس لهم أهل بالمدينة، فأتى رسول الله، ﷺ ، بقدح أرْوَحَ فيه ماء فوضع رسول الله، ﷺ ، كفّه فى الإناء، فما وسع الإناء كف رسول الله، ﷺ ، كلّها، فقال بهؤلاء الأربع فى الإناء ثمّ قال: ادْنُوا فَتَوَضَّئُوا، ويده فى الإناء، فتوضئوا حتى ما بقى منهم أحد إلّا توضّأ، قال فقلت: يا أبا حمزة كم تراهم؟ قال: ما بين السبعين والثمانين!
أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب وخالد بن خداش قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس أنّ النبىّ، ﷺ ، دعا بماء فأُتى به فى قدح رَحْرَاح، قال: فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من أصابعه كأنّه العيون، فشربنا، قال أنس: فحزرتُ القوم ما بين السبعين إلى الثمانين، إلّا أنّ خالدًا قال: فجعل القوم يَتَوضَّئون.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: حضرتِ الصّلاة فقام جيران المسجد يَتَوضَّئون. وبقى ما بين السبعين إلى الثمانين، فكانت منازلهم بعيدة، فدعا رسول الله، ﷺ ، بِمخْضب فيه ماء ما هو بملآن فوضع أصابعه فيه وجعل يصبّ عليهم ويقول: تَوَضّئوا، حتى تَوَضّئوا كلّهم، وبقى فى المخضب نحوٌ مما كان فيه.
أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسى، أخبرنا حزم بن أبى حزم قال: سمعتُ الحسن يقول: أخبرنا أنس بن مالك أنّ رسول الله، ﷺ ، خرج ذات يوم
стр. 196
لبعض مخارجه ومعه ناسٌ من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحَضَرَتِ الصّلاة فلم يجد القوم ما يتوضئون به، فقالوا: يا رسول الله ما نجد ما نتوضّأ به، وَرَأَىَ (١) فى وجوه القوم كَراهية ذلك، فانطلقَ رجلٌ من القوم فجاء بقدح فيه شئ من ماء يسير، فأخذه رسول الله، ﷺ ، فتوضّأ منه ثمّ مدّ أصابعه الأربع على القدح ثمّ قال: هَلُمّوا، فتوضّأ القوم حتى بلغوا ما يريدون من الوضوء، فسُئل: كم بلغوا؟ فقال: سبعين أو نحو ذلك (٢).
أخبرنا موسى بن مسعود أبو حُذَيفة النَّهدى، أخبرنا عِكْرِمة بن عمار عن إياس ابن سَلمة عن أبيه قال: قدمنا الحُدَيبية مع رسول الله، ﷺ ، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة ما تُرويها، فقعدَ رسول الله، ﷺ ، على جَبَاها، فإمّا بَزَقَ، وإمّا دَعَا، فجاشَت فَسَقَيْنَا واستقينا (٣).
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدى، أخبرنا خلف بن خليفة عن أَبان بن بِشر عن شيخ من أهل البصرة، أخبرنا نافع أنه كان مع رسول الله، ﷺ ، في زُهاء أربعمائة رجل فنزل بنا على غير ماء، فكأنّه اشتدّ على الناس (٤)، ورأوا رسول الله، ﷺ ، نزل فنزلوا، إذ أقبلت عنز تمشى حتى أتت رسول الله، ﷺ ، مُحَدَّدة القرنين، قال: فحَلَبها رسول الله، ﷺ ، قال: فأروى الجُند ورَوِى، قال ثم قال: يا نافِعُ امْلِكْهَا ومَا أرَاكَ تَمْلِكُهَا، قال: فلمّا قال لى رسول الله، ﷺ : وَمَا أُرَاكَ تَمْلِكُها، قال: فأخذتُ عودًا فركزتُه فى الأرض، قال: وأخذت رباطًا فربطتُ الشاة فاستوثقت منها، قال: ونامَ رسول الله، ﷺ ، ونام الناس ونمتُ، قال: فاستيقظتُ فإذا الحبل محلول وإذا لا شاة، قال: فأتيتُ رسول الله، ﷺ ، فأخبرته، قال قلت: الشاة ذهبت، قال: فقال لى رسول الله، ﷺ : يا نافِعُ أوَمَا أخْبَرْتُكَ أنّكَ لا تَمْلِكُهَا؟ إن الّذى جَاءَ بِهَا هُوَ الذى ذَهَبَ بِهَا.
стр. 197
أخبرنا عتاب بن زياد وأحمد بن الحجّاج أبو العبّاس الخراسانيّان قالا: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا الأوزاعى قال: حدّثنا المطّلب بن حَنْطَب المخزومى قال: حدّثنى عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصارىّ قال: حدّثنى أبى قال: كنّا مع رسول الله، ﷺ ، فى غَزَاة، فأصاب النّاس مَخْمَصَةٌ فاستأذن النّاسُ رسول الله ﷺ ، فى نَحْر بعض ظهرهم وقالوا: يُبلّغنا الله به، فلمّا رأى عمر بن الخطّاب أن رسول الله ﷺ ، قد هَمّ أن يأذن لهم فى نَحْر بعض ظَهرهم قال: يا رسول الله كيف بنا إذا نُحر لقينا القوم غدًا جياعًا رجالًا، ولكن إن رأيت أن تدعو النّاس ببقايا أزوادهم فَتجمّعها ثمّ تدعو الله فيها بالبرَكة، فإنّ الله سيُبلّغُنا بدعوتك، أو سيبارك لنا فى دعوتك، فدعا رسول الله، ﷺ ، ببقايا أزوادهم، فجعلَ النّاس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك، وكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر، فجمّعها رسول الله، ﷺ ، ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو ثمّ دعا الجيش بأوعيتهم وأمرهم أن يحثوا، فما بقى فى الجيش وعاء إلّا مَلَئُوه وبقى منه، فضحك رسول الله، ﷺ ، حتى بَدَت نَواجِذه فقال: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا الله وأشْهَدُ أنّى رَسُولُ الله لا يَلْقَى الله عَبْدٌ يُؤمنُ بهما إلا حُجبَتْ عَنْهُ النّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ (١).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان، يعنى ابن المغيرة، عن ثابت البُنَانى عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة قال: خطبنا رسول الله، ﷺ ، عشِيّة فقال: إنّكُمْ تَسْرُونَ (٢) عَشِيّتَكُمْ هَذِهِ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأتُونَ المَاءَ إن شاءَ الله غَدًا، فانْطلقَ النّاس لا يلوى بعضهم على بعض، فإنى لأَسيرُ إلى جَنْب النبىّ، ﷺ ، حين ابهارّ الليل، إذ نَعَسَ النبىّ، ﷺ ، فمال على راحلته فدعمتُه، يعنى أسندته، من غير أن أُوقظه، فاعتدلَ على راحلته ثمّ سِرنا، ثمّ تهوّر الليل فنعس النبىّ، ﷺ ، فمالَ على راحلته مَيْلة أُخرى فَدَعمتُه من غير أن أُوقظه، فاعتدلَ على راحلته ثمّ سِرنا حتى إذا كان من آخر السَّحَر مالَ مَيْلَةً هى أشدّ من الميلتين الأوليَيْن حتى كاد أن يَنْجَفل فَدَعمتُه فرَفع رأسه فقال: مَنْ هَذَا؟ فقلتُ: أبو قتَادة، فقال:
стр. 198
مَتى كَانَ هذَا مِنْ مَسِيرِكَ مِنِّى؟ قلت: ما زال هذا مَسِيرى منك منذ الليلة، قال: حَفِطَكَ الله بِمَا حَفِظْتَ نَبِيّه بِهِ، ثمّ قال: أتُرَانَا نَخْفَى على النّاس؟ هَلْ تَرَى مِنْ أحَدٍ؟ كأنّهُ يُريد أن يُعرّس، قال قلت: هذا راكبٌ، ثمّ قلت: هذا راكبٌ، فاجتمعنا وكنّا سبعة رَكَبَة، فمال النبىّ، ﷺ ، عن الطريق فوضع رأسه ثمّ قال: احْفَظوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا، فَكان أوّل ما استيقظ هو بالشمس فقُمنَا فزعين، قال: ارْكَبوا، فسِرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نَزَلَ فدعا بميضأة كانت معى فيها ماء فتوضّأنا وضوءًا دون وضوء وبقى فيها شئ من ماء، فقال النبىّ، ﷺ : يا أبَا قَتَادَةَ احْفَظْ عَلَيْنَا مَيْضَأتَكَ هَذه فإنّهُ سَيَكونُ لهَا نَبَأ، ثمّ نُودى بالصلاة فصلّى النبىّ، ﷺ ، ركعتين قبل الفجر ثمّ صلّى الفجر كما كان يصلّى كلّ يوم، ثمّ قال: ارْكبوا، فركبنا، فجعل بعضنا يهمس إلى بعض، فقال النبىّ، ﷺ : مَا هَذَا الّذى تَهْمِسُونَ دُونى؟ قال قلنا: يا رسول الله تفريطنا فى صلاتنا، قال فقال: أمَا لَكُمْ فىّ أُسْوَةٌ؟ إنّهُ لَيْسَ فى النّوْم تَفْرِيطٌ وَلَكِنّ التّفْريطَ عَلى مَنْ لَمْ يُصَلّ الصّلاةَ حَتّى يجئَ وَقْت الصّلاةِ الأخْرَى فمَنْ فَعلَ ذلِكَ فَلْيُصَلّ حين يَنْتَبِهُ لَهَا، فإذا كانَ الغَدُ فَلْيُصَلّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا، ثمّ قال: مَا تَرَوْنَ النّاسَ صَنَعُوا؟ ثمّ قال: أصبح النّاس فقَدوا نبيّهُم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله يَعِدكم لم يكن ليُخْلِفكم، فقال النّاس: النبىّ، ﷺ ، بين أيديكم فإن تُطيعوا أبا بكر وعمر تَرشُدوا، فانتهينا إلى النّاس حين حمى كلّ شئٍ، أو قال حين تعالى النّهار، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشًا، قال: لا هُلْكَ عَلَيْكُمْ، فنزل فقال: أطْلِقُوا لى غُمَرى، يعنى بالغمر القعب الصغير، ودعا بالميضأة فجعل النبىّ، ﷺ ، يصبّ وأسْقيهم، فلمّا رأى النّاس ما فيها تكابّوا، فقال النبىّ، ﷺ : أحْسِنُوا المِلْءَ فَكُلّكُمْ سَيُرْوَى، قال: فجعل النبىّ، ﷺ ، يصُبّ وأسْقيهم حتى ما بقى غيرى وغيره، قال: فصُبّ، وقال: اشْرَبْ، قال: فقلتُ يا رسول الله لا أشرَب حتى تشرَبَ، فقال النبىّ، ﷺ : إنّ سَاقىَ القَوْمِ آخِرُهُمْ، قال: فشربتُ وشربَ النبىّ، ﷺ ، قال: فأتى النّاس الماء جامّينَ رِوَاءً، فقال عبد الله بن رباح: إنى لَفى مسجدكم هذا الجامع أحدّث هذا الحديث، إذ قال لى عِمران بن حُصَين: انظر أيها الفتى، انظر كيف تحدِّث، فإنى أحد الركب تلك الليلة، قال: قلت يا أبا نُجيد فأنت أعلم، قال: ممن أنت؟ قال: قلت من الأنصار، قال: فأنتم أعلم بحديثكم، حدِّثِ
стр. 199
القوم، قال: فحدّثتُ القوم، فقال عمران: وقد شهدتُ تلك الليلة وما شعرتُ أنّ أحدًا من النّاس حفظه كما حفظته (١).
حدّثنا فُضيل بن عبد الوهّاب أبو محمد الغطفانى، أخبرنا شريك عن سِماك عن أبى ظَبْيان عن ابن عبّاس قال: جاء رجلٌ إلى النبىّ، ﷺ ، فقال: بمَ كنتَ نبيًّا؟ قال: أرَأيْتَ إن دَعَوْتُ شَيْئًا مِنَ النّخْلَةِ فَأجَابَنى أتُؤمِنُ بى؟ قال: نعم، فدعاه فأجابه فآمن به وأسلم (٢).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شُعبة قال: أخبرنى عَمرو بن مُرّة وحصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: أصابنا عطَش بالحُدَيبية فَجَهَشْنا (٣) إلى رسول الله، ﷺ ، وبين يديه تَوْر فيه ماء فقال بأصابعه هكذا فيه، وقال: خُذُوا باسمِ الله، قال: فجعل الماء يَتَخَلَّل من أصابعه كأنّها عُيون فَوَسِعَنَا وكَفَانا، وقال حُصين فى حديثه: فشربنا وتوضأنا (٤).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سُليمان بن المغيرة عن ثابت البُنانى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن المقداد قال: أقبلتُ أنا وصاحبان لى قد ذَهَبَتْ أسماعنا وأبصارنا من الجهد، قال: فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله، ﷺ ، ليس أحدٌ يقبلنا، قال: فانطلقنا إلى رسول الله، ﷺ ، فانطلقَ بنا إلى أهله، قال: فإذا ثلاثة أعنز، فقال رسول الله، ﷺ : احْتَلِبُوا هَذَا اللّبَنَ بَيْنَنَا، قال: فكنّا نحتلب فيشرب كلّ إنسان نصيبه، ونرفع لرسول الله، ﷺ ، نصيبه، قال: فيجئ من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان، ثمّ يأتى المسجد فيصلّى، ثمّ يأتى شرابه فيشربه، قال: فأتانى الشيطان ذات ليلة فقال: محمّد يأتى الأنصار فيُتحفونه ويصيبُ عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجُرعة فاشربْها،
стр. 200
قال: ما زال يزيّن لي حتّى شَرِبتها، فلمّا وَغَلَت في بطني وعرف أنّه ليس إليها سبيل نَدَّمني (١) قال: ويْحك ما صنعتَ! شربتَ شرابَ محمّد فيجيء فلا يراه فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دُنياك وآخرتك، قال: وعليّ شَملة من صُوف كلّما رُفعت على رأسي خرَجت قَدَماي، وإذا أُرسلت على قَدَمي خرَج رأسي، قال: وجعل لا يجيئني نوم، قال: وأمّا صاحباي فناما، فجاء رسول الله، ﷺ ، فسلّم كما كان يسلّم، ثمّ أتَى المسجد فصلّى، وأتى شرابه فكشَف عنه فلم يجد فيه شيئًا، قال: فرفع رأسه إِلى السّماء، قلت الآن يدعو عليَّ فأهلك، فقال: اللَّهم أطْعمْ مَنْ أطْعَمَني وَاسْقِ مَنْ سَقَاني! قال فعمدتُ إلى الشَّملة فشددتها عليّ وأخذت الشّفرة فانطلقتُ إلى الأعنز أجُسّهُنّ أيّتهنّ أسْمن فأذبحُ لرسول الله، ﷺ ، فإذا هُنّ حُفَّلٌ كُلهنّ، فعمدت إلى إناء لآل محمّد ما كانوا يطمعون أن يحلبوا فيه، فحلبت فيه حتى علته الرغوة، ثمّ جئت به إلى رسول الله، ﷺ . فقال: أمَا شَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللّيْلَةَ يا مِقْدَادُ؟ قال قلتُ: اشرب يا رسول الله قال: فشرب ثمّ نَاولني، فقلت: يا رسول الله اشرب، فشرب ثمّ ناولني، فأخذتُ مَا بقى فشربتُ، فلمّا عرفتُ أنّ رسول الله، ﷺ ، قد روى وأصابتني دعوته ضحكتُ حتى أُلقيت إلى الأرض، قال رسول الله، ﷺ : إحْدَى سَوْءَاتِكَ يا مِقْدَاد، قال قلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وصنعتُ كذا، فقال رسول الله، ﷺ : مَا كَانَتْ هَذِهِ إلّا رَحْمَةً مِنَ اللهِ، أفَلا كُنْتَ أدْنَيْتَني فَتُوقِظَ صَاحِبَيْك هَذَيْنِ فيصيبانِ مِنْهَا؟ قال قلت: والّذي بعثك بالحقّ ما أُبالي إذ أصبتَها وأصبتُها معك مَن أصابها من النّاس.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا زهير أبو خيثمة، أخبرنا سُليمان الأعمش عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود: ما أعترف لأحدٍ أسلم قبلي، أتاني رسول الله ﷺ ، وأنا في غَنم أهلي فقال: أَفِي غَنَمِك لَبَنٌ؟ قال قلتُ: لا، قال: فأخذَ شاةً فَلَمَسَ ضرعها فأنزلت، فما أعرف لأحدٍ أسلم قبلي.
أخبرنا عليّ بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف القرشي عن أبي زكريّاء
стр. 201
العجلاني عن محمّد بن كعب القرظي وعن عليّ بن مجاهد عن محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عبّاس عن سلمان قال: أتيتُ رسول الله، ﷺ ، وهو في جنازة رجل من أصحابه، فلمّا رآني مُقْبلًا قال لي: دُرْ خلفي، وطرَح رداءه فرأيتُ الخاتَم وقبَّلته. ثمّ دُرت إليه فجلست بين يديه، فقال: كَاتِبْ، فكاتبت على ثلاثمائة وديّة عالقة وأربعين أوقية من ذهب. فقال رسول الله، ﷺ : أَعِينُوا أخاكم، فكان الرجل يأتي بالوديّة والثنتين والثلاث حتى جمعوا لي ثلاثمائة، فقلت: كيف لي بعلوقها؟ فقال لي: انْطَلِقْ فَفَقّرْ لهَا بِيَدِكَ، فَفَقَّرتُ لها ثمّ أتيته فجاء معي فوضعها بيده، فما أخلفت منها واحدة وبقي الذهب، فبينا أنا عنده أُتي بمثل بيضة الحمامة من ذهب صَدَقة فقال: أيْنَ العَبْدُ المُكَاتبُ الفَارِسِيّ؟ فقمتُ فقال: خُذْ هَذِهِ فَأدِّ مِنْهَا، فقلت: وكيف تكفيني هذه! فمَسَح رسول الله، ﷺ ، لسانه عليها، فوزنْت منها أربعين أوقية وبقي عندي مثل ما أعطاهم (١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن الصلت بن دينار عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر العُقَيلي قال: خرجتُ إلى المدينة فتلقّاني رسول الله، ﷺ ، بين أبي بكر وعمر يمشي، فَمَرّ بيهودي ومعه سِفْر فيه التوراة يقرؤها على ابن أخٍ له مريض بين يديه، فقال النبيّ، ﷺ : يا يَهُودِيّ نَشَدْتُكَ بالّذي أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسى وفَلَقَ البَحْرَ لبَني إسْرَائيلَ أتَجِدُ فى تَوْرَاتِكَ نَعْتِي وَصِفَتي وَمَخْرَجي؟ فأومأ برأسه أن لا، فقال ابن أخيه: لكني أشهدُ بالّذي أنزلَ التوراةَ على موسى، وفَلَق البحرَ لبَني إسرائيل، أنّه لَيَجد نَعتك وزَمانك وصِفتك ومَخرجك في كتابه، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله، فقال النبيّ، ﷺ : أقيمُوا اليَهُودِيّ عن صَاحِبِكُمْ، وَقُبِضَ الفتى، فصلَّى عليه النبيّ، ﷺ ، وأجنَّه.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن يعقوب بن داود عن شيخ من بني جُمَح قال: لمّا أتى النبيّ، ﷺ ، أُمّ معبد قال: هَلْ مِنْ قِرًى؟ قالت: لا، قال: فانتبذَ هو وأبو بكر، وراح ابنها بشُوَيهات فقال لأُمّه: ما هذا السَّواد الذى أرى مُنتبذًا؟
стр. 202
قالت: قوم طلبوا القِرَى فقلتُ ما عندنا قِرًى، فأتاهم ابنها فاعتذر وقال: إنها امرأة ضعيفة، وعندنا ما تَحتاجون إليه، فقال رسول الله، ﷺ : انْطَلِقْ فَأْتِني بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِكَ، فجاء فَأخَذَ عَنَاقًا، فقالت أُمّه: أين تذهب؟ قال: سألاني شاةً، قالت: يصنعان بها ماذا؟ قال: ما أحَبّا، فمسَح النبيّ، ﷺ . ضَرعها وضَرّتها فتحفّلت، فحَلَب حتى ملأ قعبًا وتركها أحفل ما كانت وقال: انْطَلِقْ بِهِ إلى أمّكَ وَأتِني بِشاةٍ أخْرى مِنْ غَنَمِكَ، فأتى أمّه بالقَعْب فقالت: أنَّى لكَ كذا؟ قال: من لبن الفلانة، قالت: وكيف ولم تَقْرِ سَلًا قطّ؟ أظنّ هذا واللَّاتِ الصّابئَ الذي بمكّة! وشربَتْ منه، ثمّ جاءه بعَنَاق أُخرى، فحلبها حتى ملأ القعب ثمّ تركها أحفل ما كانت ثمّ قال: اشْرَبْ، فشرب، ثمّ قال: جِئْني بأُخْرَى، فأتاه بها، فحلب وسقى أبَا بكر، ثمّ قال: جِئْني بأُخرى، فأتاه بها فحَلَب ثمّ شَرِب وتركهنّ أحفل ما كُنّ.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن الحسن بن دينار عن الحسن قال: بينا رسول الله، ﷺ ، في مسجده إذ أقبل جمل نادّ حتى وضَعَ رأسه في حِجر النبيّ، ﷺ ، وجرجر، فقال النبيّ، ﷺ : إنّ هَذَا الجَمَلَ يَزْعُمُ أنّهُ لِرَجُلٍ وَأنّهُ يُريدُ أنْ يَنْحَرَهُ في طَعَامٍ عَنْ أبِيهِ الآنَ فَجَاءَ يَسْتَغِيثُ، فقال رجل: يا رسول الله هذا جملُ فلان، وقد أراد به ذلك، فدعا النبيّ، ﷺ ، الرجلَ فسأله عن ذلك. فأخبره أنه أراد ذلك به، فطلب إليه النبيّ، ﷺ ، أن لا يَنحره، ففعل (١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن حُباب بن موسى السعيديّ عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: قال عليّ، ﵁: بتنا ليلة بغير عَشاء، فأصبحتُ فخرجتُ ثمّ رجعتُ إلى فاطمة، ﵍، وهي محزونة، فقلت: ما لكِ؟ فقالت: لم نَتَعشَّ البارحة ولم نتغدَّ اليوم وليس عندنا عَشاء، فخرجتُ فالتمستُ فأصبتُ ما اشتريتُ طعامًا ولحمًا بدرهم، ثمّ أتيتُها به فخبزتْ وطبختْ، فلمّا فرغت من إنْضاج القِدْر قالت: لو أتيتَ أبي فدَعوته، فأتيتُ رسول الله، ﷺ ، وهو مُضْطجع في المسجد وهو يقول: أعوذُ بالله مِنَ الجُوعِ ضجيعًا! فقلت: بأبي أنت
стр. 203
وأمّي يا رسول الله، عندنا طعامٌ فهلُمّ! فتوكّأ عليّ حتى دخل والقِدْرُ تَفُور، فقال: اغْرِفي لِعَائِشةَ، فغرفت في صحفة، ثمّ قال: اغْرِفي لحَفْصَةَ، فغرفَت في صَحفة حتى غرفت لجميع نسائه التِّسع، ثمّ قال: اغْرِفي لأبيك وَزَوْجِكِ، فغرفت، فقال: اغْرِفي فكُلِي، فغرفت ثمّ رفعت القِدْر وَإنها لَتَفِيضُ فأكلنا منها ما شاء الله (١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن يزيد بن عياض بن جُعْدُبة الليثي عن نافع عن سَالم عن عليّ قال: أمَر رسول الله، ﷺ ، خديجة وهو بمكّة فاتخذت له طعامًا، ثمّ قال لعليّ، ﵁: ادْعُ لي بَني عَبْدِ المُطّلِبِ، فدعا أربعين، فقال لعليّ: هَلُمّ طَعَامَكَ، قال عليّ: فأتيتهم بثَريدة إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، فأكلوا منها جميعًا حتى أمسكوا، ثمّ قال: اسْقِهِمْ، فسقيتهم بإناء هو رِيّ أحدهم، فشربوا منه جميعًا حتى صدروا، فقال أبو لهب: لقد سحركم محمّد، فتفرّقوا ولم يدْعُهم، فلبثوا أيامًا، ثمّ صَنَع لهم مثله. ثمّ أمرني فجمعتهم فطعموا، ثمّ قال لهم، ﷺ : مَنْ يُؤازِرُني عَلَى مَا أنا عَلَيْهِ وَيُجِيبُني عَلَى أنْ يَكُونَ أخي وَلَهُ الجنَّةُ؟ فقلت: أنَا يا رسول الله، وإني لأحْدَثهم سِنًّا وأحمشهم سَاقًا، وسكتَ القوم، ثمّ قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك؟ قال: دعوه فلن يَألُوَ ابن عَمّه خيرًا.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زَيد بن أسْلَم وغيره أن عَين قتَادة بن النعمان أُصيبت فسَالَت على خَدّه، فَرَدّها رسول الله، ﷺ ، بيده، فكانت أصَحّ عينيه وأحسنهما (٢).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زَيد بن أسْلم ويزيد بن رومان وإسحاق بن عبد الله بن أبي فَروة وغيرهم أنّ عُكّاشة بن مِحْصَن انقطَع سيفه في يوم بدر، فأعطاه رسول الله، ﷺ ، جِذْلًا من شجرة، فعادَ في يده سيفًا صارمًا صافي الحديدة شديد المتن (٣).
стр. 204
أخبرنا عليّ بن محمّد عن عليّ بن مجاهد عن عبد الأعلى بن مَيْمون بن مِهْران عن أبيه قال: قال عبد الله بن عبّاس: كان رسول الله، ﷺ ، يخطب إلى خَشبة كانت في المسجد، فلمّا صُنع المنبر فَصَعَدَه رسول الله، ﷺ ، حَنَّت الخشبة، فنزل رسول الله، ﷺ ، فاحتَضَنها فَسَكَنت (١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زَيد بن أسْلم وغيره أنّ سُراقة بن مالك رَكِبَ في طلب النبيّ، ﷺ ، بعدما استَقْسَم بالأزْلَام أيخرج أم لا يخرج، فكان يخرج له أن لا يخرجَ ثلاث مرّات، فرِكَب فَلَحِقهم، فدعا النبيّ، ﷺ ، أن تَرْسَخ قوائم فرسِه فرَسَخت، فقال: يا محمّد، ادعُ الله أن يُطلق فرَسي فَأَرُدّ عنك فقال النبيّ، ﷺ : اللّهم إنْ كَانَ صَادِقًا فَأطْلِقْ لَهُ فَرَسَهُ، فخرَجت قوائم فرسه.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني الحَكَم بن القاسم عن زكريّاء بن عمرو عن شيخ من قريش أنّ قريشًا لمّا تكاتَبت على بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا إليهم رسول الله، ﷺ ، وكانوا تكاتَبوا ألا يُنكحوهم ولا يَنكحوا إليهم، ولا يَبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا يخالطوهم في شيء ولا يكلّموهم، فمكثوا ثلاث سنين في شِعبهم محصورين إلّا ما كان من أبي لَهب فإنّه لم يدخل معهم، ودخلَ معهم بنو المطّلبِ بن عبد مَناف، فلمّا مضت ثلاث سنين أطْلَعَ الله نبيّه على أمر صَحِيفَتهم، وأنّ الأَرَضَة قد أكلَت ما كان فيها من جَوْر أو ظُلم، وبقى ما كان فيها من ذِكر الله، فذكر ذلك رسول الله، ﷺ ، لأبي طالب، فقال أبو طالب: أحقّ ما تخبرني يابن أخي؟ قال: نَعَمْ والله! قال: فَذَكَر ذلك أبو طالب لإخوته، فقالوا له: ما ظَنّك به؟ قال: فقال أبو طالب: والله ما كذَبني قطّ، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تَلْبِسُوا أحسَن ما تجدون من الثياب ثمّ تخرجون إلى قريش فنذكر ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر، قال: فخرَجوا حتى دخَلوا المسجد، فصَمَدوا إلى الحِجر - وكان لا يجلس فيه إلّا مَسَانّ قريش وذَوُو نُهَاهم - فترفعت إليهم المجالس ينظرون ماذا يقولون، فقال أبو طالب: إنّا قد جِئنا لأمرٍ فأجيبوا فيه بالذي يُعرف
стр. 205
لكم، قالوا: مَرْحَبًا بكم وأهلًا وعندنا ما يَسرّك فما طلبتَ؟ قال: إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قَطّ أنّ الله سَلَّط على صحيفتكم التى كتبتم الأرَضَة فَلَحَسَتْ (١) كلّ ما كان فيها من جَوْر أو ظلم أو قطيعة رحم وبقى فيها كلّ ما ذُكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فَقَتلتموه أو استحييتموه إن شِئتم، قالوا: قد أنصَفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة، فلمّا أُتي بها قال أبو طالب: اقرءوها، فلمّا فَتَحوها إذا هي كما قال رسول الله، ﷺ ، قد أُكِلَت كلّها إلّا ما كان من ذِكر الله فيها، قال: فَسُقِطَ في أيدي القوم ثمّ نكسوا على رءوسهم، فقال أبو طالب: هل تبين لكم أنّكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة؟ فلم يراجعه أحدٌ من القوم، وتَلَاوَم رجالٌ من قريش على ما صَنَعوا ببني هاشم، فمَكَثوا غيرَ كثير، ورجع أبو طالب إلى الشِّعب وهو يقول: يا معشر قريش علامَ نُحصَر ونُحبَس وقد بان الأمر؟ ثمّ دخَل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللّهم انصرنا ممن ظلمنا، وقطع أرحامنا، واستَحَلّ منّا ما يحرم عليه منّا! ثمّ انصرفوا (٢).
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن ابن عقيل عن جابر أو غيره قال: إن أول خبر جاء إلى المدينة عن رسول الله، ﷺ ، أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع فجاءَ في صورة طائر حتى وقَعَ على حائط دارهم، فقالت المرأة: انزل حدِّثنا ونحدّثك وتخبرنا ونخبرك، قال: إنّه قد بُعث بمكّة نبيّ حرَّم علينا الزنا ومنع منّا القرار.
* * *
стр. 206
ذكر مبعث رسول الله، ﷺ وما بُعِث به
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ، أخبرنا سُفيان الثوريّ قال: سمعتُ السُّدّي يقول في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [سورة الضحى: ٧]، قال: كان على أمر قومه أربعين عامًا.
أخبرنا عبد الله بن مَسْلَمَة بن قَعْنَب، أخبرنا سُليمان بن بلال قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى عن مالك بن أنس جميعًا عن رَبيعة بن أبي عبد الرحمن سمع أنس بن مالك يقول: بُعث رسول الله، ﷺ ، على رأس أربعين سنة، يعني من مَولده (١).
أخبرنا رَوْح بن عُبَادة، أخبرنا هِشام بن حسّان عن عِكرمة عن ابن عبّاس قال: بُعث رسول الله، ﷺ ، لأربعين سنة.
أخبرنا عبد الله بن عَمرو أبو مَعْمَر المِنْقَرى، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا أبو غالب الباهليّ أنه شَهد العلاء بن زياد العدوي يسأل أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة بسنّ أي الرجال كان رسول الله، ﷺ ، إذ بُعث؟ قال: كان ابن أربعين سنة، قال: ثمّ كان ماذا؟ قال: كان بمكّة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، قال: هذا قول أنس إنّه كان بمكّة عشر سنين ولم يكن يقوله غيره.
أخبرنا المعلَّى بن أسد العَمّى، أخبرنا وهيب بن خالد عن داود بن أبي هند عن عامر، وأخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا خالد بن عبد الله عن داود بن أبي هند عن عامر، وأخبرنا نَصر بن بَاب (٢) الخراساني عن داود بن أبي هند عن عامر أن رسول الله، ﷺ أُنزلت عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة، وكان معه إسرافيل ثلاث سنين، ثمّ عُزل عنه إسرافيل وأُقرن به جبريل عشر سنين بمكّة وعشر سنين مُهاجَره بالمدينة، فقُبض رسول الله، ﷺ ، وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة: قال محمّد بن سعد: فذكرتُ هذا الحديث لمحمّد بن عمر فقال: ليس يعرف أهل
стр. 207
العلم ببلدنا أنّ إسرافيل قُرن بالنبيّ، ﷺ ، وإن علماءهم وأهل السيرة منهم يقولون لم يقرن به غير جبريل من حين أُنزل عليه الوحي إلى أن قُبض (١)، ﷺ .
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمَّاد بن سَلَمة عن أبي محمّد قال: سمعتُ زُرارة بن أوْفى يقول: القَرن مائة وعشرون عامًا، قال: فبُعث رسول الله، ﷺ ، في قرن كان العام الذي مات فيه يزيد بن معاوية (٢).
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سالم بن العلاء الأنصاري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن أبي جعفر قال: قال رسول الله، ﷺ : بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ (٣): قال عبد الملك: الأحمر النّاس والأسود الجنّ.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عَوف عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : أنَا رَسُولُ مَنْ أدْرَكْتُ حَيًّا ومَنْ يولَدُ بَعْدي (٤).
أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي، حدّثني أبو عُتبة إسماعيل بن عَيَّاش (٥) عن بَحِير بن سَعْد عن خالد بن مَعْدان قال: قال رسول الله، ﷺ : بُعِثْتُ إلى النّاسِ كَافّة فَإنْ لمْ يَسْتَجِيبُوا لى فإلى العَرَبِ فإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لى فَإلى قُرَيْشٍ فإنْ لمْ يَسْتَجِيبُوا لي فإلى بَني هَاشِمٍ فإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لي فَإليّ وَحْدي (٦).
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا أبو عَوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هُريرة أن النبيّ ﷺ ، قال: أُرْسِلْتُ إلى النّاس كَافّةً وَبِي خُتِمَ النّبِيّونَ.
أخبرنا عبد الله بن نُمَير الهَمْدَانِيّ عن مُجالد بن سعيد عن عامر عن جابر قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: إنّي خَاتَمُ ألفِ نبيّ أو أكْثَرَ (٧).
стр. 208
أخبرنا أحمدُ بن محمّد بن الوليد المكي، أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي قال: حدّثني زياد بن سعد عن محمّد بن المنكدر وعن صَفوان بن سُليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : بُعِثْتُ عَلى إثْرِ ثَمانِيَةِ آلافٍ مِنَ الأنْبِيَاءِ، مِنْهُمْ أرْبَعَةُ آلافِ نَبيٍ مِنْ بَني إسْرَائِيلَ (١).
أخبرنا محمّد بن عبيد الطنافسي، أخبرنا بُرد الحريري عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال رسول الله، ﷺ : بُعِثْتُ بالحَنِيفِيّةِ السّمْحَةِ (٢).
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن محمّد بن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّمَا بُعِثْتُ لأتَمّمَ صالِحَ الأخْلاقِ.
حدّثنا الفضل بن دُكَين، أخبرنا مِسْعَر عن معبد بن خالد قال: قال رسول الله، ﷺ : تَعْلَمُونَ أنّي رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ بُعِثْتُ لِرَفْعِ قَوْمٍ وَوَضْعِ آخَرِين (٣).
أخبرنا وكيع بن الجرّاح، أخبرنا الأعمش عن أبي صالح قال: قال رسول الله، ﷺ : أيّهَا النّاسُ إنّمَا أنا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ (٤).
أخبرنا معن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا مالك بن أنس أنّه بلغه أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: إنّمَا بُعِثْتُ لأتَمّمَ حُسْنَ الأخْلاقِ.
حدّثنا محمّد بن عمر قال: حدّثني معمر بن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إله إلّا الله فَمَنْ قَالَ لا إلَهَ إلّا الله عَصم منّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلّا بحقّهِ وَحِسَابُهُ على الله، وَأنْزَلَ اللهُ في كِتَابِهِ، وذكرَ قومًا قد اسْتكبروا، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة الصافات: ٣٥].
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الموالى عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: وحدّثني محمّد بن هلال عن أبيه
стр. 209
عن أبي هُريرة عن النبيّ، ﷺ ، قال: أُمِرتُ أن أقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا الله فَإذا قالوهَا مَنَعُوا منّي أنْفُسَهُمْ وَأمْوَالهُمْ إلّا بحقّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلى الله .
* * *
ذكر اليوم الذي بُعث فيه رسول الله، ﷺ -
أخبرنا محمّد بن معاوية النيسابوري، أخبرنا ابن لَهيعة عن خالد بن أبي عمران عن أبي حَنَش الصنعاني عن ابن عبّاس قال: نُبّئ نبيّكم، ﷺ ، يوم الاثنين.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا عليّ بن عابس الكوفي عن مسلم عن أنس قال: استُنْبِئ النبي، ﷺ ، يوم الاثنين.
أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي جعفر قال: نزل الملَك على رسول الله، ﷺ ، بحِراء يوم الاثنين لسبع عشرة خَلَت من شهر رمضان ورسولُ الله يومئذ ابن أربعين سنة وجبريلُ الّذي كان ينزل عليه بالوحي (١).
* * *
ذكر نزول الوحي على رسول الله، ﷺ -
أخبرنا محمّد بن حُميد أبو سفيان العَبْدي عن مَعمر عن قَتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [سورة البقرة: ٨٧] قَال: هو جبريل.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني معمر بن راشد ومحمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن عروة عن عائشة قالت: كان أول ما بُدئ به رسول الله، ﷺ ، من الوحي الرؤيا الصّادقة، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فَلَق الصبح، قالت: فمكثَ على ذلك ما شاء الله، وحُبّبَ إليه الخَلْوَة فلم يكن شيء أحَبّ إليه منها،
стр. 210
وكان يخلو بغار حِراء يتحنّث فيه الليالي ذوات العَدَد قبل أن يرجع إلى أهله، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى فَجِئَه الحقّ وهو في غار حِراء (١).
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبيبة عن داود بن الحُصين عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: فبينا رسول الله، ﷺ ، على ذلك وهو بأجْياد إذ رأى مَلَكًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح: يا محمّد، أنا جبريل، يا محمّد، أنا جبريل، فذُعر رسول الله، ﷺ ، من ذلك، وجعل يراه كلّما رفع رأسه إلى السّماء، فرجع سريعًا إلى خديجة فأخبرها خبره وقال: يَا خَدِيجَةُ وَاللهِ مَا أبْغَضْتُ بُغْضَ هَذِه الأَصْنَامِ شَيْئًا قَطّ وَلا الكُهّانِ وَإنّي لأخْشَى أنْ أكُونَ كَاهِنًا، قالت: كلّا يابنَ عَمّ لا تَقُلْ ذلك فإنّ الله لا يفعل ذلك بك أبدًا، إنّك لتصل الرَّحِم وتَصْدق الحديث وتؤدّي الأمانة، وإن خُلُقَكَ لكريم، ثمّ انطلقت إلى وَرَقة بن نوفل، وهي أوّل مرّة أتته، فأخبرته ما أخبرها به رسول الله، ﷺ ، فقال ورقةُ: والله إن ابن عمّك لَصادق، وإنّ هذا لبدءُ نبوّة، وإنّه ليأتيه النّاموس الأكبر، فَمُريه أن لا يجعل في نفسه إلّا خيرًا (٢).
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عُروة عن عُروة أن رسول الله، ﷺ ، قال: يَا خَديجَةُ إنّي أرَى ضَوْءًا وَأسْمَعُ صَوْتًا، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ كَاهِنًا، فقالت: إنّ الله لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله، إنّك تصدقُ الحديث وتؤدّي الأمانة وتصل الرّحم (٣).
أخبرنا يحيَى بن عبّاد وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عمّار بن أبي عَمّار، قال يحيَى بن عبّاد، قال حمّاد بن سلمة: أحسبه عن ابن عبّاس، أن النبيّ، ﷺ ، قال: يَا خَديجَةُ إنّي أسْمَعُ صَوْتًا وَأرَى ضَوْءًا وإنّي أخْشَى أنْ يَكُونَ فيّ جُنُنٌ، فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يابن عبد الله، ثمّ أتت وَرَقَةَ بن نوفل فذكرت له ذلك، فقال: إنْ يكُ صادقًا فهذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن يُبْعَثْ وأنا حَيّ فسأعزّره وأنصره وأومن به.
* * *
стр. 211
ذكر أول ما نزل عليه من القرآن وما قيل له، ﷺ -
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حَدَّثَنِي معمر بن راشد عن الزهريّ عن محمّد بن عبّاد بن جعفر قال: سمعت بعض علمائنا يقول: كان أوّل ما أنزل على النبيّ، ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: ١: ٥]: فهذا صدرها الذي أُنْزِل على النبيّ، ﷺ ، يوم حِراء، ثمّ نزل آخرها بعد ذلك بما شاء الله.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شُعبة عن عَمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: أوّل سورة أُنزلت على النبيّ، ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن أبي موسى عن داود بن الحُصين عن أبي غَطفان بن طريف عن ابن عبّاس أن رسول الله، ﷺ ، لمّا نزل عليه الوحي بحراء مكثَ أيّامًا لا يرى جبريل، فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثَبِير (١) مرة وإلى حِراء مرّة يريد أن يُلقي نفسه منه (٢).
فبينا رسول الله، ﷺ كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتًا من السماء، فوقف رسول الله ﷺ ، صَعِقًا للصّوت ثمّ رفع رأسه فإذا جبريل على كُرسيّ بين السماء والأرض متربّعًا عليه يقول: يا محمّد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله، ﷺ ، وقد أَقَرّ الله عينه وربط جأشه، ثمّ تتابع الوحي بعْدُ وَحَمِيَ.
أخبرنا محمّد بن مُصْعب القَرْقَسَاني، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: قِيلَ لي يَا محمّدُ لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنكَ وَلْيَعِ قَلْبُكَ، قال النبيّ، ﷺ : فَنَامَتْ عَيْنِي وَوَعَى قَلْبي وَسَمِعَتْ أُذُني.
* * *
стр. 212
ذكر شدة نزول الوحي على النبيّ، ﷺ -
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا قتادة وحميد عن الحسن عن حِطّان بن عبد الله الرقّاشي عن عُبَادة بن الصَّامت أنّ النبيّ، ﷺ ، كان إذا نزل عليه الوحي كُرِب له وتَربَّد وجهه (١).
أخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عكرمة قال: كان إذا أُوحي إلى رسول الله، ﷺ . وُقذ لذلك ساعة كهيئة السَّكْران (٢).
أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن صالح بن محمّد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي أَرْوَى الدَّوْسي قال: رأيتُ الوحي ينزل على النبيّ، ﷺ ، وإنّه على رَاحِلته، فترغو وتفتل يديها حتى أظنّ أن ذراعها تَنقصم، فربما بَركت وربما قامت مُوَتّدَة يديها حتى يُسَرَّى عنه من ثِقل الوحي، وإنّه لَيَتَحدَّر منه مثل الجُمَان (٣).
أخبرنا حُجين بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمّه أنّه بلَغه أنّ رسول الله، ﷺ كان يقول: كان الوَحْيُ يَأتِيني على نحْوَيْنِ: يَأتِيني بِهِ جِبْرِيلُ فَيُلْقِيه عَلَيّ كَمَا يُلْقى الرّجُلُ عَلى الرّجُلِ فَذَلِكَ يَتَفَلّتُ منّي، ويَأتِيني في شَيْءٍ مِثْلِ صَوْتِ الجَرَسِ حَتّى يُخَالِطَ قَلْبي فَذاكَ الّذي لا يَتَفَلّتُ منّي (٤).
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحارث بن هشام قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله، ﷺ : أحْيانًا يَأتِيني في مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وَهُوَ أشَدّهُ عَلَيّ، فَيُفْصِمُ عنّي وَقدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لي المَلَكُ فَيُكَلّمُني فَأعي مَا يَقُولُ، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيُفصِم عنه وإن جَبينه لَيتَفَصَّد عَرَقًا (٥).
стр. 213
أخبرنا عَبيدة بن حُميد التيمي قال: حدّثني موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: كان النبيّ، ﷺ ، إذا نَزَلَ عليه الوحي يعالج من ذلك شِدّة، قال: كان يتلقّاه ويحرّك شَفَتيه كي لا ينساه، فأنزل الله عليه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [سورة القيامة: ١٦]: لتعجل بأخذه، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٧]: إنّ علينا أن نجمعه في صدرك، قال: قرآنه أن يقرأه، قال: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٨]: قال: أنْصِتْ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٩]: أن نبيّنه بلسانك، قال: فانشرح رسول الله، ﷺ (١).
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا أبو عَوانة، أخبرنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس في قول الله تعالى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٦، ١٧]: قال: كان رسول الله، ﷺ (١)، يعالج من التنزيل شدّة يحرّك به شفتيه، فَأنْزَلَ الله، ﵎: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾: علينا جمعه في صدرك ثمّ تقرؤه، قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٨]: قال: استمع له وأنصت، قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٩].
قال: ثمّ علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع له فإذا انطلق جبريل قرأه كما أُقْرِئَهُ.
* * *
ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، النّاس إلى الإسلام
أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: أُمر رسول الله، ﷺ ، أن يَصْدَع بما جاء من عند الله، وأن يُبَادِيَ (٢) النّاس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله، فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوّة ثلاث سنين مستخفيًا إلى أن أُمِرَ بظهور الدّعاء.
стр. 214
أخبرنا هَوْذَة بن خَليفة، أخبرنا عوف عن محمّد: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت: ٣٣]: قال: هو رسول الله، ﷺ . (١)
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمر بن راشد عن الزّهري قال: دعا رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام سِرًّا وجَهْرًا، فاستجابَ لله مَن شاء من أحداث الرّجال وضُعفاء النّاس حتى كثر مَن آمَن به وكُفّارُ قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مَرَّ عليهم في مَجالسهم يشيرون إليه أن غلام بني عبد المطّلب لَيُكَلَّم من السماء، فكان ذلك حتى عابَ الله آلهتهم التى يعبدونها دونه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكُفر، فَشَنِفوا لرسول الله، ﷺ ، عند ذلك وعادَوْه (٢).
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبيبة عن داود بن الحصين عن عِكرمة عن ابن عبّاس قال: لما أُنزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٤]: صعد رسول الله ﷺ ، على الصّفا فقال: يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ! فقالت قريش: محمّد على الصّفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: ما لك يا محمّد؟ قال: أرَأيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ خَيْلًا بسَفْحِ هَذا الجَبَلِ أكُنْتُمْ تُصَدّقُونَني؟ قالوا: نعم أنْت عندنا غير متّهم وما جرّبنا عليك كذبًا قطّ، قال: فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَديدٍ يَا بَني عَبْدِ المُطّلبِ يَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ يَا بَني زُهْرَةَ، حَتّى عدّدَ الأفْخَاذَ مِن قُريش، إنّ الله أمَرَني أنْ أُنْذِرَ عَشِيرتي الأقْرَبِينَ وَإنّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الدّنْيَا مَنْفَعَةً وَلا مِنَ الآخِرَةِ نَصِيبًا إلّا أنْ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، قال: يقول أبو لهب: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله، ﵎: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا
стр. 215
كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ [سورة المسد: ١: ٥]: السّورة كلها. (١)
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ابن مَوْهَب عن يعقوب بن عُتْبَة قال: لمّا أظهر رَسول الله، ﷺ ، الإسلام ومَن معه وفشا أمره بمكّة ودعا بعضهم بعضًا، فكان أبو بكر يدعو ناحية سرًّا، وكان سعيد بن زيد مثل ذلك، وكان عثمان مثل ذلك، وكان عمر يدعو علانية، وحمزة بن عبد المُطّلب، وأبو عُبيدة بن الجرّاح، فغضبت قريش من ذلك، وظهرَ منهم لرسول الله، ﷺ ، الحسدُ والبغي، وأشخص به منهم رجال فبادَوه وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي إلّا أنهم ينزّهون أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله، ﷺ (٢).
وكان أهلَ العداوة والمباداة لرسول الله، ﷺ وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل: أبو جَهل بن هشام، وأبو لَهب بن عبد المُطّلب، والأسود بن عبد يَغوث، والحارث بن قَيس بن عديّ وهو ابن الغَيْطَلة والغَيْطلة أمّه، والوليد بن المغيرة، وأُميّة وأُبيّ ابنا خَلَف، وأبو قَيس بن الفَاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل، والنَّضر بن الحارث، ومنبّه بن الحجّاج، وزُهير بن أبي أميّة، والسائب بن صَيْفيّ بن عابد (٣)، والأسود بن عبد الأسد، والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هاشم، وعُقبة بن أبي مُعَيط، وابن الأصْدى (٤) الهُذلي، وهو الذي نَطَحته الأرْوَى، والحَكَم بن أبي العاص، وعديّ بن الحمراء، وذلك أنهم كانوا جيرانه، والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله، ﷺ ، إليهم: أبو جَهل، وأبو لَهب، وعُقبة بن أبي مُعَيْط، وكان عُتبة وشَيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب أهلَ عداوة ولكنهم لم يُشْخَصوا بالنبيّ، ﷺ ، كانوا كَنَحْو قريش، قال ابن سعد: ولم يُسلم منهم أحد إلّا أبو سفيان والحكم (٥).