← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدّثنا مجالد قال: حدّثنا الشعبيّ قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّىّ قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الشعبىّ قال: استخلف رسول الله، ﷺ ، ابن أمّ مكتوم حين خرج إلى بدر فكان يصلّى بالناس وهو أعمى (١). قال أبو عبد الله محمد بن سعد: وقد رُوِىَ لنا أنّ ابن أمّ مكتوم هاجر إلى المدينة قبل أن يقدم رسول الله، ﷺ ، المدينةَ وقبل بدر. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: كان أوّل من قدم علينا من المهاجرين مُصْعب بن عُمير أخو بنى عبد الدار بن قُصىّ، فقلنا له: ما فعل رسول الله، ﷺ ؟ فقال: هو مكانه وأصحابه على أثَرى. ثمّ أتانا بعده عمرو بن أمّ مكتوم الأعمى فقالوا له: ما فعل من وراءك رسول الله وأصحابه؟ فقال: هم أوْلاءِ على أثَرى (٢). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا شُعْبة قال: أنبأنا أبو إسحاق قال: سمعتُ البراء يقول: أوّل من قدم علينا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، مُصْعَب ابن عُمير وابن أمّ مكتوم فجعلا يُقْرِئانِ الناسَ القُرْآن (٣). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة قال: حدّثنا أبو ظلال قال: كنتُ عند أنس بن مالك فقال: متى ذهبَتْ عَيْنُك؟ قال: ذهَبتْ وأنا صغير، فقال أنس: إنّ جبريل أتَى رسول الله، ﷺ ، وعنده ابن أمّ مكتوم فقال: متى ذهب بَصَرُك؟ قال: وأنا غلام، فقال: قال الله ﵎: إذا ما أخذتُ كريمةَ عبدى لم أجِدْ له بها جزاءً إلّا الجنّة (٤). قال: أخبرنا أنس بن عياض اللّيث عن هشام بن عُروة عن أبيه عن ابن أمّ مكتوم أنّه كان مؤذّنًا لرسول الله، ﷺ ، وهو أعمى. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة أنّ ابن أمّ مكتوم كان مؤذّنًا لرسول الله، ﷺ ، وهو أعمى (٥).

стр. 1577

قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن الحجّاج قال: حدّثنى شيخ من أهل المدينة عن بعض مُؤَذِّنى (١) رسول الله، ﷺ قال: كان بلال يؤذّن، ويُقيم ابن أمّ مكتوم، وربّما أذّن ابن أمّ مكتوم وأقام بلال (٢). قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدّثنا مالك بن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: إنّ بلالًا ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى يُنادِى ابن أمّ مكتوم. قال وكان ابن أمّ مكتوم رجلًا أعمى لا ينادى حتى يقال له أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ (٣). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا ابن عُيينة عن الزهريّ عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ بلالًا يؤذّن بليلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أمّ مكتوم. قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى قال: حدّثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: إنّ بلالًا ينادى بليلٍ فكلوا واشربوا حتى يُنادىَ ابن أمّ مكتوم. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد الدراوَرْدىّ عن موسى بن عُبيدة أبي عبد العزيز الرّبَذىّ عن نافع عن ابن عمر قال: كان يؤذّن لرسول الله، ﷺ ، بلال بن رَباح وابن أمّ مكتوم، قال فكان بلال يؤذّن بليلٍ ويُوقِظُ الناسَ، وكان ابن أمّ مكتوم يتوخَّى الفَجرَ فلا يُخْطِئُه، فكان [بلال] يقول: كلوا (٤) واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمّ مكتوم.

стр. 1578

قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله قال: حدّثنا عيسى بن جارية عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى النبيّ، ﷺ ، فقال يا رسول الله إنّ منزلى شاسع، وأنا مكفوف البصر وأنا أسمع الأذان، قال: فإن سمعتَ الأذانَ فأجِبْ ولو زَحْفًا، أو قال: ولو حَبْوًا. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن زياد بن فيّاض عن إبراهيم قال: أتَى عمرو بن أمّ مكتوم رسول الله فشكا قائده وقال: إنّ بينى وبين المسجد شَجَرًا، فقال له رسول الله، ﷺ : تسمع الإقامةَ؟ قال: نعم. فلم يُرَخّصْ له. قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله قال: حدّثنا عيسى بن جارية عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: أمر رسول الله، ﷺ ، بقتل كلاب المدينة فأتاه ابن أمّ مكتوم فقال: يا رسول الله إنّ منزلى شاسع وأنا مكفوف البصر ولى كلب. قال فرخّص له أيّامًا ثمّ أمره بِقَتْلِ كلبه. قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدّثنا هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: كان النبيّ، ﷺ ، جالسًا مع رجال من قريش فيهم عُتْبة بن ربيعة وناس من وجوه قريش وهو يقول لهم: أليس حسنًا أن جئتُ بكذا وكذا؟ قال فيقولون: بلى والدماء. قال فجاء ابن أمّ مكتوم وهو مشتغل بهم فسأله عن شئ فأعرض عنه، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [سورة عبس: ١ و ٢]، يعنى ابن أمّ مكتوم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [سورة عبس: ٥]، يعنى عُتْبة وأصحابه، ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [سورة عبس: ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠]، يعنى ابن أمّ مكتوم. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا جُويبر عن الضحّاك في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، قال: كان رسول الله، ﷺ ، تصدّى لِرجل من قريش يدعوه إلى الإسلام فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم الأعمى فجعل يسأل رسولَ الله، ﷺ ، ورسول الله، ﷺ ، يُعْرِضُ عنه ويَعْبِسُ في وجهه ويُقْبِلُ على الآخر، وكلّما سأله عبس في وجهه، وأعرض عنه، فعيّر الله رسولَه فقال:

стр. 1579

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾. فلمّا نزلت هذه الآية دعاه رسول الله، ﷺ ، فأكرمه واستخلفه على المدينة مرّتين. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر قال: سألتُ عامرًا أيَؤمّ الأعمى القومَ؟ فقال: استخلف رسول الله، ﷺ ، عمرو بن أمّ مكتوم. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن نوح الحارثى عن أبي عُفير، يعنى محمد بن سهل بن أبي حَثْمَةَ، قال: استخلف رسول الله، ﷺ ، على المدينة ابنَ أمّ مكتوم حين خرج في غزوة قَرْقَرَة الكُدر إلى بنى سُليم وغَطَفان. وكان يُجَمّعُ بهم ويخطب إلى جنب المنبر، يجعل المنبر عن يساره، واستخلفه أيضًا حين خرج في غزوة بنى سُليم ببُحْران ناحية الفُرْع (١)، واستخلفه حين خرج إلى غزوة أحُد، وحين خرج إلى حَمْراء الأَسَد وإلى بنى النضير وإلى الخندق وإلى بنى قُريظة وفى غزوة بنى لحْيان وغزوة الغابة وفى غزوة ذى قَرَد وفى عُمْرة الحُديبية. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا أسامة بن زيد الليثى عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبان عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ ابن أمّ مكتوم ينادى بليلٍ فكُلوا واشربوا حتى ينادى بلال. قال: أخبرنا قَبيصة بن عقبة قال: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مَعْقِل قال: نزل ابن أمّ مكتوم على يهوديّة بالمدينة عمّة رجلٍ من الأنصار فكانت تُرْفِقُه وتؤذيه في الله ورسوله فتناولها فضربها فقتلها فرُفعَ إلى النبىّ، ﷺ ، فقال: أما والله يا رسول الله إن كانت لَتُرْفِقُنى ولكنّها آذَتْنى في الله ورسوله فضربتُها فقتلتها. فقال رسول الله، ﷺ : - أبعدها الله تعالى فقد أبْطَلَتْ (٢) دَمَها.

стр. 1580

قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن زياد بنِ فيّاض عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء: ٩٥]، فقال ابن أمّ مكتوم: يا ربّ ابْتَلَيْتَنى فكيف أصنع؟ فنزلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نزلَت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، فقال عبد الله بن أمّ مكتوم: أىْ رَبّ أنْزِلْ عُذْرى. أنْزِلْ (٢) عُذْرى. فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فجُعِلَتْ بينهما. وكان بعد ذلك يغزو فيقول: ادفعوا إلىّ اللواءَ فإنّى أعمى لا أستطيع أن أفِرّ وأقيمونى بين الصفّين (٣). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ووهب بن جرير قالا: حدّثنا شُعْبة، قال عفّان قال شعبة أبو إسحاق أنبأنى قال: سمعتُ البراء، وقال وهب عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، دعا رسول الله، ﷺ ، زيدًا وأمره فجاء بكَتِفٍ وكتبها، فجاء ابن أمّ مكتوم فشكا ضَرارتَه إلى رسول الله، ﷺ ، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسى قال: أخبرنا شُعْبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن رجلٍ عن زيد بن ثابت قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، دعا رسول الله، ﷺ ، بالكَتِف ودعانى وقال: اكتُبْ. وجاء ابن أمّ مكتوم فذكر ما به من الضّرَرِ، فنزلتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: كنتُ إلى جنب رسول الله، ﷺ ، فَغَشِيته

стр. 1581

السّكينَةُ فوقَعَتْ فَخِذُه على فخذى فما وجدتُ شيئًا أثقل من فخذ رسول الله، ﷺ ، ثمّ سُرِّىَ (١) عنه فقال لى: اكتُبْ يا زيد فكتبتُ في كَتِفٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. فقام عمرو بن أمّ مكتوم، وكان أعمى، لما سمعَ فضيلةَ المجاهدين فقال: يا رسول الله، فكيف بمَن لا يستطيع الجهاد؟ فما انقضى كلامُه حتى غشيَتْ رسولَ الله، ﷺ ، السكينةُ فوقعتْ فخذه على فخذى فوجدت من ثِقَلِها ما وجدتُ المَرَّةَ الأولى، ثمّ سُرِّىَ عنه فقال: اقْرَأ يا زيد: فقَرَأتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال: اكتُبْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال زيد: أنزلها الله وَحْدَها فكأنّى أنظر إلى مُلْحَقِها عند صَدْع الكَتِفِ (٢). قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهْرىّ عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: حدّثنى سهل بن سعد الساعديّ أنّه قال: رأيتُ مروان بن الحكم جالسًا في المسجد فأقبلتُ حتى جلستُ إلى جنبه فأخبرنا أنّ زيد بن ثابت أخبره أنّ رسول الله، ﷺ ، أمْلى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [سورة النساء: ٩٥] قال فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يُمليها فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدتُ، وكان رجلًا أعمى، قال فأنزل الله تعالى على رسوله، ﷺ ، وفخذه على فخذى فثَقُلَتْ علىّ حتى هممتُ تُرَضّ فخذى (٣)، ثمّ سُرِّى عنه فأنزل الله تعالى عليه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا بِشْر بن المفضّل قال: حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهريّ عن سهل بن سعد عن مروان بن الحكم عن زيد ابن ثابت عن النبيّ، ﷺ ، مِثْلَه.

стр. 1582

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا يزيد بن زُريع قال: حدّثنا سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أنّ عبد الله بن أمّ مكتوم يوم القادسيّة كانت معه راية له سَوْداء وعليه دِرْعٌ له (١). قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا أبو هلال الراسبيّ عن قتادة عن أنس بن مالك أنّ ابن أمّ مكتوم خرج يوم القادسيّة عليه دِرْعٌ سابغة. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو هلال عن قتادة عن أنس أنّ عبد الله بن زائدة، وهو ابن أمّ مكتوم، كان يقاتل يومَ القادسيّة وعليه دِرع له حَصينة سابغة (٢). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا معمر عن قَتادة عن أنس أنّ ابن أمّ مكتوم شهد القادسيّة ومعه الراية. قال محمد بن عمر: ثمّ رجع إلى المدينة فمات بها ولم يُسْمَعْ له بذِكْرٍ بعد عمر بن الخطّاب. * * *

стр. 1583

ومن بنى فِهْر بن مالك ٤٤٨ - سَهْل بن بَيْضاء وهى أمّه، وأبوه وهب بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضَبّة بن الحارث بن فِهْر بن مالك. وأمّه البيضاء وهى دَعْدُ بنت جَحْدَم بن عمرو بن عائش بن ظَرِب ابن الحارث بن فهر. أسلم بمكّة وكتم إسلامه فأخرجته قريش معها في نَفير بدرٍ فشهد بدرًا مع المشركين فأُسرَ يومئذٍ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنّه رآه يصلّى بمكّة فخلّى عنه. والذي روى هذه القصّة في سُهيل بن بيضاء قد أخطأ. سُهيل ابن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود ولم يَسْتَخْفِ بإسلامه، وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا مع رسول الله، ﷺ ، مسلمًا لا شكّ فيه، فغلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه لأنّ سُهيلًا أشهر من أخيه سَهْل. والقصّة في سهل. وأقام سهل بالمدينة بعد ذلك وشهد مع النبيّ، ﷺ ، بعض المشاهد وبقى بعد النبىّ، ﷺ . * * * ٤٤٩ - عمرو بن الحارث بن زُهير ابن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضَبّة بن الحارث بن فهر بن مالك. وأمّه هند بنت المضرّب بن عمرو بن وهب بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤىّ. وكان قديم الإسلام بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر، ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو معشر فيمن هاجر إلى أرض الحبشة. * * * ٤٥٠ - عثمان بن عبد غَنْم بن زُهير ابن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبّة بن الحارث بن فِهْر بن

стр. 1584

مالك. وكان هشام بن محمد يقول في كتاب النسب: هو عامر بن عبد غَنْم ويُكْنى أبا نافع، وأمّه بنت عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهْرة عمّة عبد الرحمن بن عوف. وكان له من الولد نافع وسعيد وأمّهما بَرْزة بنت مالك بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة. وكان قديم الإسلام بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأبى معشر ومحمد بن عمر، ومات بعد ذلك ولا عَقِبَ له. * * * ٤٥١ - سعيد بن عبد قيس ابن لَقيط بن عامر بن أميّة بن الحارث بن فهر بن مالك. وكان قديم الإسلام بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية موسى بن عقبة ومحمد ابن إسحاق وأبى معشر ومحمد بن عمر. * * * ومن سائر العرب ٤٥٢ - عمرو بن عَبَسَة (١) ابن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خَلَف بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بُهْثة بن سُليم بن منظور بن عِكْرِمة بن خَصَفة بن قيس بن عَيْلان بن مُضَر، ويُكنى أبا نَجِيح. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حَرِيز (٢) بن عثمان قال: حدّثنا سُليم بن عامر عن عمرو بن عَبَسة قال: أتيتُ رسول الله، ﷺ ، وهو بعُكاظ فقلتُ: مَن تبعك في هذا الأمر؟ قال: حُرّ وعبدٌ. وليس معه إلّا أبو بكر وبلال. فقال: انطلق حتى يُمَكّنَ الله لرسوله.

стр. 1585

قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدّثنا معاوية بن صالح عن أبي يحيَى سُليم ابن عامر وضَمْرة وأبى طلحة أنّهم سمعوا أبا أمامة الباهلىّ يحدّث عن عمرو بن عَبَسة قال: أتيتُ رسول الله، ﷺ ، وهو نازل بعُكاظ، قال قلتُ: يا رسول الله مَن معك في هذا الأمر؟ قال: معى رجلان أبو بكر وبلال. قال فأسلمتُ عند ذلك، قال فلقد رأيتُنى رُبُعَ الإسلام. قال فقلتُ: يا رسول الله أمْكُثُ معك أم ألْحَقُ بقومى؟ قال: الحَقْ بقومك. قال فيوشكُ الله تعالى أن يَفِىَ بمَن ترى ويُحَيِىَ الإسلام. قال ثمّ أتيتُه قبل فتح مكّة فسلّمتُ عليه، قال وقلتُ: يا رسول الله أنا عمرو بن عَبَسة السّلمىّ أُحِبّ أن أسألك عمّا تعلم وأجْهَلُ وينفعنى ولا يضرّك. قال: أخبرنا سليمان بن حَرْب قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة عن يَعْلى بن عطاء عن يزيد بن طَلْق عن عبد الرحمن بن البَيْلمانى عن عمرو بن عَبَسة قال: أتيتُ النبيّ، ﷺ ، فقلتُ: يا رسول الله مَن أسلم؟ قال: حُرّ وعبد، أو قال: عبد وحرّ، يعنى أبا بكر وبلالًا. قال: فأنا رابع الإسلام. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عثمان الأشجعىّ عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن عمرو بن عبسة أنّه كان ثالثًا أو رابعًا في الإسلام. قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسىّ قال: حدّثنا عِكْرِمة بن عمّار قال: حدّثنا شدّاد بن عبد الله أبو عمّار، وكان قد أدرك نفرًا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال: قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة، لصاحب العَقل (١) رجل من بنى سُليم، بأىّ شئٍ تدّعى أنّك رُبُعُ (٢) الإسلام؟ قال: إنى كنتُ في الجاهليّة أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشئٍ، ثمّ سمعتُ عن رجل يُخْبرُ أخبارًا بمكّة ويحدّث بأحاديث، فركبتُ راحلتى حتى قدمتُ مكة فإذا أنا برسول

стр. 1586

الله، ﷺ ، مستخفيًا، وإذا قومه عليه حِرَاءٌ (١) فتلطّفتُ حتى دخلتُ عليه فقلتُ: ما أنت؟ قال: أنا نبيّ، فقلت: وما نبيّ؟ قال: رسول الله، قلتُ: اللهُ أرسلك؟ قال: نعم، قلتُ فبأىّ شئٍ؟ قال: بأن يوَحَّدَ الله ولا يُشْرَكَ به شئٌ وكَسْرِ الأوثان وصِلَةِ الأرحام. فقلتُ له: مَن معك على هذا؟ قال: حُرّ وعبد. وإذا معه أبو بكر وبلال. فقلتُ له: إنّى مُتّبِعُكَ، قال: إنّك لا تستطيع ذلك يومَك هذا ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعتَ بِى (٢) قد ظهرتُ فالحَقْ بى. قال فرجعتُ إلى أهلى وخرج النبيّ، ﷺ ، مهاجرًا إلى المدينة وقد أسلمتُ. قال فجعلت أتخبّر الأخبار حتى جاء رَكبُه من يثرب فقلتُ: ما فعل هذا الرجل المكّىّ الذى أتاكم؟ فقالوا: أراد قومُه قَتْلَه فلم يستطيعوا ذاك وحيل بينهم وبينه، وتركتُ الناس إليه سِراعًا فركبتُ راحلتى حتى قدمتُ عليه المدينةَ فدخلتُ عليه فقلتُ: يا رسول الله تعرفنى؟ قال: نعم، ألستَ الذى أتَيْتَنى بمكّة؟ فقلتُ: بلى، فقلتُ يا رسول الله عَلّمْنى ممّا علّمكَ اللهُ وأجْهَلُ، فقال: إذا صَلّيْتَ الصّبْحَ فأقْصِرْ عن الصلاة حتى (٣) تَطْلُعَ الشمسُ فإذا طلعَتْ فلا تُصَلّ حتى ترتفعَ فإنّها تطلع بين قَرْنَىْ شيطان وحينئذ يسجد لها الكُفّار، فإذا ارتفعَتْ قيدَ رُمْحٍ أو رُمْحَينِ فصَلّ فإنّ الصّلاةَ مشهودة محضورة حتى يُسْتَقْبَلَ الرُّمْحُ بالظلّ (٤)، ثمّ أقْصِرْ عن الصلاة

стр. 1587

فإنّها حينئذٍ تُسْجَرُ جهنم (١)، فإذا فاءَ الفَىْءُ فصَلّ فإنّ الصلاةَ مشهودة محضورة حتى تُصَلّىَ العصر، ثمّ أقْصِرْ عن الصّلاة حتى تغرب الشمسُ فإنّها تغرب بين قَرْنَىْ شيطان، وحينئذ يسجد لها الكُفّار. قال قلتُ: يا رسول الله أخْبرْنى عن الوضوء، فقال: ما منكم من رجلٍ يقرّب وضوءه فيمضمض ويمجّ ثمّ يستنشق وينثر إلّا جرتْ خطايا فيه وخياشيمه مع الماء، ثمّ يغسل وجهه كما أمره الله إلّا جَرَتْ خطايا وَجهِه من أطراف لحيته مع الماء، ثمّ يغسل يديه إلى المِرْفقين إلّا جَرَتْ خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء، ثمَ يمسح رأسَه كما أمره الله إلّا جَرَتْ خطايا رأسه من أطراف شَعْره من الماء، ثمَ يغسل قَدَمَيْه إلى الكعبين كما أمره الله إلّا جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثمّ يقوم ويحمد الله ويُثنى عليه الذى هو له أهلٌ، ثمّ يركع ركْعَتَينِ إلّا انصرف من ذنوبه كهيئته يومَ ولدَته أمّه. فقال أبو أمامة: يا عمرو بن عَبَسة انْظُرْ ماذا تقول، أأنتَ سمعتَ هذا من رسول الله، ﷺ ، ويُعْطى الرجلُ هذا كلّه في مقامه؟ فقال عمرو بن عَبَسة: يا أبا أمامة لقد كَبِرت سنى ورقّ عَظْمى واقترب أجلى وما بى من حاجة أكذب على الله وعلى رسوله، ﷺ ، لو لم أسْمَعْه من رسول الله إلا مرّةً أو مرّتين أو ثلاثًا، لقد سمعتُه سبعًا أو ثمانيًا أو أكثر من ذلك (٢). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى الحجّاج بن صَفْوان عن ابن أبي حُسين عن شَهْر بن حَوْشَب عن عمرو بن عَبَسة السّلَمىّ قال: رَغِبْتُ عن آلهة

стр. 1588

قومى في الجاهليّة وذلك أنّها باطل، فلقيتُ رجلًا من أهل الكِتَاب من أهل تَيْماءَ (١) فقلتُ: إنى امرؤ ممّن يعبد الحجارة فينزل الحىّ ليس معهم إلهٌ فخرج الرجل منهم فيأتى بأربعة أحجارٍ فينصب ثلاثة لقِدْرِه ويجعل أحسنها إلهًا يعبده، ثمّ لعلّه يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره إذا نزل منزلًا سواه، فرأيتُ أنَّه إلهٌ باطلٌ لا ينفع ولا يضرّ فدُلّنى على خير من هذا، فقال: يخرج من مكّة رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيتَ ذلك فاتّبعه فإنّه يأتى بأفضل الدين. فلم تكن لى همّة منذ قال لى ذلك إلّا مكّة فآتى فأسأل: هل حدَثَ فيها حدثٌ؟ فيقال: لا. ثمّ قدمتُ مرّةً فسألتُ فقالوا حدثَ فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها. فرجعتُ إلى أهلى فشددتُ راحلتى برحلها ثمّ قدمتُ منزلى الذى كنتُ أنزل بمكّة، فسألتُ عنه فوجدتُه مستخفيًا ووجدتُ قريشًا عليه أشِدّاءَ، فتلطّفتُ حتى دخلتُ عليه فسألتُه فقلتُ: أىّ شئٍ أنت؟ قال: نبىّ، قلتُ: ومَن أرسلك؟ قال: الله، قلتُ: وبمَ أرسلك؟ قال: بعبادة الله وَحْدَه لا شَريك له وبحقْنِ الدّماء وبكسر الأوثان، وصِلةِ الرحمِ، وأمان السبيل. فقلتُ: نِعْمَ ما أُرْسِلْتَ به قد آمَنْتُ بك وصدّقتُك، أتأمرنى أمكثُ معك أو انصرف؟ فقال: ألا ترى كراهةَ الناس ما جئتُ به؟ فلا تستطيع أن تمكث، كُن (٢) في أهلك فإذا سمعتَ بى قد خرجتُ مَخْرَجًا فاتْبَعنى. فمكثتُ في أهلى حتى إذا خرج إلى المدينة سرتُ إليه فقدمتُ المدينةَ فقلتُ: يا نبىّ الله أتعرفنى؟ قال: نعم، أنتَ السّلَمىّ الذى أتيتَنى بمكّة فسألتَنى عن كذا وكذا، فقلتُ لك كذا وكذا، فاغتنمتُ ذلك المجلس وعلمتُ أن لا يكونَ الدهر أفرغ قلبًا لى منه في ذلك المجلس، فقلتُ: يا نبىّ الله أىّ الساعات أسمع؟ قال: الثّلُثُ الآخرُ فإنّ الصلاة مشهودة مقبولة حتى تطلع الشمس، فإذا رأيتها طلعت حمراءَ كأنّها الحَجَفَة فأقْصِرْ عنها فإنّها تطلع بين قرنى شيطانٍ فيصلّى لها الكُفّار،

стр. 1589

فإذا ارتفعتْ قيدَ رُمْحٍ أو رُمْحَيْنِ فإنّ الصلاةَ مشهودة مقبولة حتى يساوى الرجل ظِلّه، فأقْصِرْ عنها فإنّها حينئذٍ تُسْجَرُ جهنَّم، فإذا فاء الفَىْءُ فصَلّ فإنّ الصلاة مشهودة مقبولة حتى تغرب الشمس، فإذا رأيتَها غربَتْ حمراء كأنّها الحجَفَة فأقْصِرْ. ثمّ ذكر الوضوءَ فقال: إذا توضّأتَ فغسلتَ يديكَ ووجهك ورجليك فإن جلستَ كان ذلك لك طَهورًا وإن قُمتَ فصلّيتَ وذكرتَ ربّك بما هو أهلُه انصرفتَ من صلاتك كهيئتك يومَ ولدَتْك أمّك من الخطايا. قال محمد بن عمر: لما أسلم عمرو بن عَبَسة بمكّة رجع إلى بلاد قومه بنى سُليم، وكان ينزل بِصفنة وحَاذَةَ -وهى من أرض بنى سُليم-، فلم يزل مُقيمًا هناك حتى مَضَتْ بدر وأحُد والخندق والحُديبية وخيبر، ثمّ قدم على رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك المدينةَ. * * * ٤٥٣ - أبو ذَرّ واسمه جُنْدُب ابن جُنادة بن كُعيب بن صُعَيْر بن الوَقْعة (١) بن حَرام بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مُلَيْل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سمعتُ موسى بن عُبيدة يُخْبرُ عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر عن أبيه قال: اسم أبي ذرّ جندب بن جُنادة. وكذلك قال محمد ابن عمر وهشام بن محمد بن السائب الكلبىّ وغيرهما من أهل العلم. قال محمد بن عمر: وسمعتُ أبا معشر نَجيحًا يقول: واسم أبي ذرّ بُرير بن جُنادة. قال (*): أخبرنا هاشم بن القاسم الكِنانىّ أبو النضْر قال: حدّثنا سليمان بن

стр. 1590

المغيرة عن حُميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت الغِفارىّ عن أبي ذرّ قال: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يُحِلّون الشهرَ الحرامَ، فخرجتُ أنا وأخى أُنيس وأُمّنا فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا فأكرمنا خالُنا وأحسن إلينا، قال فحسدنا قومُه فقالوا له: إنّك إذا خرجتَ عن أهلك خالف إليهم أُنيس. قال فجاء خالنا فنثا علينا ما قيل له فقلتُ: أما ما مضى من معروفٍ فقد كدّرتَ ولا جماعَ لك فيما بعدُ. قال فقرّبنا صِرْمَتَنا (١) فاحتملنا عليها وتغطّى خالُنا بثوبه وجعل يبكى، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكّة، فنافر أُنيس عن صِرْمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخبّر أُنيسًا بما هو عليه، قال فأتانا بصرمتنا ومثلها معها وقد صلّيتُ يابنَ (٢) أخى قبل أن ألْقى رسولَ الله، ﷺ ، ثلاث سنين، فقلتُ: لمن؟ قال: لله. فقلتُ: أين تَوَجّهُ؟ قال: أتَوَجّهُ حيث يُوَجّهُنى الله، أصلّى عشاءً حتى إذا كان من آخر السّحَرِ أُلْقيتُ كأنّى خفاءٌ (٣) حتى تعلونى الشمس. فقال أُنيس: إنّ لى حاجة بمكّة فاكْفِنى حتى آتيَك. فانطلق أُنيس فراث (٤) عَلَىَّ، يعنى أبطأ، ثمّ جاء فقلتُ: ما حبسك؟ قال: لقيتُ رجلًا بمكّة على دينك يزعم أنّ الله أرسله. قال: فما يقول الناس له؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر. وكان أُنيس أحد الشعراء، فقال أُنيس: والله لقد سمعتُ قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشّعْر فلا يلتئِمُ على لسان أحدٍ بعيد أنّه شعر، والله إنّه لصادق وإنّهم لكاذبون! فقلتُ اكفنى حتى أذهب فأنظر! قال: نعم، وكُنْ من أهل مكّة على حَذَرٍ فإنّهم قد شَنِفُوا (٥) له وتَجهَّمُوا له. فانطلقتُ فقدمتُ مكّة فاستضعفتُ رجلًا منهم فقلتُ: أين هذا الذى تَدْعونَ الصابئ؟ قال فأشار إلىّ فقال: هذا الصابئ. فمال علىّ أهلُ الوادى بكلّ مَدَرَةٍ وعَظْمٍ فخررتُ مغشيًّا علىّ فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأنّى نَصْب أحمر، فأتيتُ

стр. 1591

زمزمَ فشربتُ من مائِها وغسلتُ عنى الدّماء فلبثتُ بها يابن أخى ثلاثين من بين ليلةٍ ويومٍ ما لى طعام إلّا ماء زمزم، فسَمِنْتُ حتى تكسّرتْ عُكَنُ بطنى وما وجدتُ على كبدى سَخْفَة جوعٍ. قال فبينا أهلُ مكّة في ليلةٍ قَمْراءَ إضْحِيان (١) إذ ضرب الله على أصْمِخَتهِمِ (٢) فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين، فأتتا عليّ وهما تدعوان إسافًا ونائلةَ. قال فقلتُ أنْكِحا أحدهما الآخر، فما ثناهما ذاك عن قولهما. قال فأتتا عليّ فقلتُ: هَنًا مثلُ الخشَبَةِ غير أنى لم أكْنِ، فانطلقتا تُوَلْوِلان وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا. قال فاستقبلهما رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قال: فما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تَمْلأ الفَمَ. فجاء رسول الله، ﷺ ، وصاحبه فاستلما الحجَرَ وطافا بالبيت ثمّ صلّى فأتيتُه حين قضى صلاتَه فكنتُ أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام، فقال: وعليك رحمة الله، ممّن أنت؟ قال قلتُ: من غِفار، فأهْوى بيده إلى جَبْهَته هكذا. قال قلتُ في نفسى: كَرِهَ أنى انتميتُ إلى غِفار. فذهبتُ آخذ بيده فَقَدَعَنى (٣) صاحبه وكان أعلم به منى فقال: متى كنتَ ها هنا؟ قلتُ: كنتُ ها هنا منذ ثلاثين من بين ليلةٍ ويوم، قال: فمَن كان يُطْعِمُك؟ قال قلتُ: ما كان لى طعام إلّا ماء زمزم فسَمِنْتُ حتى تكسّرت عُكَنُ بطنى فما وجدتُ على كبدى سَخْفَةَ جوعٍ. فقال رسول الله، ﷺ : إنّها مباركة، إنّها طعام طُعْمٍ (٤). قال أبو بكر: يا رسول الله ائْذَنْ لى في طعامه الليلةَ، قال ففعل فانطلق النبىّ، ﷺ ، وأبو بكر وانطلقتُ معهما، ففتح أبو بكر بابًا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. فقال أبو ذرّ: فذاك أوّل طعامٍ أكلتُه بها.

стр. 1592

قال فغبرتُ ما غبرتُ فلقيتُ رسول الله، ﷺ ، فقال: إنّه قد وُجّهْتُ إلى أرضٍ ذاتِ نخل ولا أحْسِبُها إلّا يثرب، فهل أنت مُبْلِغٌ عنى قومك، عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ فانطلقتُ حتى لقيتُ أخى أُنيسًا فقال: ما صنعتَ؟ قلتُ: صنعتُ أنى قد أسلمتُ وصدّقتُ. قال أُنيس: ما بى رغبةٌ عن دينك فإنى قد أَسلمتُ وصدّقتُ. قال فأتينا أمّنا فقالت: ما بى رغبةٌ عن دينكما فإنّى قد أسلمتُ وصدّقتُ، قال فاحتملنا فأتينا قومَنا فأسلم نِصْفُهم قبل أن يقدم رسول الله، ﷺ ، المدينة. وكان يؤمّهم إيماءُ بن رَحَضَةَ، وكان سيّدهم، وقال بقيّتهم: إذا قدم رسول الله، ﷺ ، المدينةَ أسلمنا. فقدم رسول، ﷺ ، فأسلم بقيّتهم وجاءت أسْلَمُ فقالوا: يا رسول الله، إخوتنا، نُسْلِمُ على الذى أسلم عليه إخوتُنا. فأسلموا فقال رسول الله، ﷺ : غِفارٌ غَفَرَ الله لها وأسْلَمُ سالَمها الله (*). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن يحيَى بن شِبْل عن خُفاف بن إيماء بن رَحَضَةَ قال: كان أبو ذرّ رجلًا يصيب الطريق وكان شجاعًا يتفرّد وَحْدَه يقطع الطريق ويُغير على الصِّرم في عَماية الصبح على ظهر فرسه أو قدميه كأنّه السّبُعُ، فيطرق الحىّ ويأخذ ما أخذ، ثمّ إنّ الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبىّ، ﷺ ، وهو يومئذٍ بمكّة يدعو مختفيًا، فأقبل يسأل عنه حتى أتاه في منزله (١)، وقبل ذلك ما قد طلب (٢) مَن يوصله إلى رسول الله، ﷺ ، فلم يجد أحدًا فانتهى إلى الباب فاستأذن فدخل، وعنده أبو بكر وقد أسلم قبل ذلك بيوم أو يومين، وهو يقول: يا رسول الله والله لا نستسرّ بالإسلام وَلنُظْهِرَنّه. فلا يردّ عليه رسول الله، ﷺ ، شيئًا. فقلت: يا محمد إِلَامَ تدعو؟ قال: إلى الله وَحْدَه لا شريك له وخَلْعِ الأوثان وتشهد أنى رسول الله. فقلت: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال

стр. 1593

أبو ذرّ: يا رسول الله إني منصرف إلى أهلي وناظرٌ متى يُؤمَرُ بالقتال فألحَقُ بك فإني أرى قومك عليك جميعًا. فقال رسول الله، ﷺ : أصبتَ فانصرف. فكان يكون بأسفل ثنيّة غَزال فكان يعترض لِعيَرات قريش فيقتطعها فيقول: لا أردّ إليكم منها شيئًا حتى تشهدوا ألّا إلهَ إلّا الله وأنّ محمدًا رسول الله، فإن فعلوا ردّ عليهم ما أخذ منهم وإن أبوا لم يَرُدّ عليهم شيئًا. فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله، ﷺ ، ومضى بدر وأُحُد، ثمّ قدم فأقام بالمدينة مع النبيّ، ﷺ . قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني نَجيح أبو معشر قال: كان أبو ذَرّ يَتَألّهُ في الجاهليّة ويقول: لا إله إلّا الله، ولا يعبد الأصنام (١). فمرّ عليه رجل من أهل مكّة بعدما أوحى إلى النبيّ، ﷺ ، فقال: يا أبا ذرّ إنّ رجلًا بمكّة يقول مثل ما تقول لا إله إلّا الله، ويزعم أنّه نبيّ. قال: ممّن هو؟ قال: من قريش، قال فأخذ شيئًا من بَهْشٍ وهو المُقْلُ فتزوّده حتى قدم مكّة فرأى أبا بكر يُضيف الناس ويُطْعِمُهُم الزبيب، فجلس معهم فأكل ثمّ سأل من الغد: هل أنكرتم على أحدٍ من أهل مكّة شيئًا؟ فقال رجل من بني هاشم: نعم، ابن عمّ لي يقول لا إله إلّا الله ويزعم أنّه نبيّ. قال: فدُلّني عليه، قال فدلّه، والنبيّ، ﷺ ، راقد على دُكّان قد سدل ثوبَه على وجهه، فنبّهه أبو ذرّ فانتبه فقال: انْعَمْ صباحًا، فقال له النبيّ: عليك السلام، قال له أبو ذرّ: أنْشِدْني ما تقول، فقال: ما أقول الشعر ولكنّه القُرآنُ، وما أنا قلتُه ولكنّ الله قاله، قال: اقْرَأ عليّ. فقرأ عليه سورة من القرآن فقال أبو ذرّ: أشهد ألّا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمدًا رسوله. فسأله النبيّ، ﷺ : ممّن أنت؟ فقال: من بني غفار. قال فعجب النبيّ، ﷺ ، أنّهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ، ﷺ ، يرفع بَصَرَه فيه ويصوّبه تعجبًا من ذلك لِما كان يعلم منهم ثمّ قال: إنّ الله يَهْدي مَن يشاء. فجاء أبو بكر وهو عند رسول الله، ﷺ ، فأخبره بإسلامه فقال له أبو بكر: أليس ضيفي أمْسِ؟ فقال: بلى، قال: فانْطلقْ معي. فذهب مع أبي بكر إلى بيته فكساه ثوبين ممشّقين فأقام أيَامًا ثمّ رأى امرأة تطوف بالبيت وتدعو

стр. 1594

بأحسن دُعاء في الأرض تقول: أعْطني كذا وكذا وافعلْ بي كذا وكذا، ثمّ قالت في آخر ذلك: يا إسافُ ويا نائلة، قال أبو ذرّ: أنْكِحي أحدهما صاحبه. فتعلّقت به وقالت: أنتَ صابئٌ. فجاء فِتْيَةٌ من قريش فضربوه، وجاء ناس من بني بكر فنصروه وقالوا: ما لصاحبنا يُضرَبُ وتتركون صُباتَكم؟ فتحاجَزوا فيما بينهم فجاء إلى النبيّ، ﷺ ، فقال: يا رسول الله أمّا قريش فلا أدعُهم حتى أثْأرَ منهم، ضربوني. فخرج حتى أقام بعُسْفان وكلّما أقبلت عِيرٌ لقريش يحملون الطام يُنَفِّرُ (١) بهم على ثنيّة غَزال فتلقى أحمالها فجمعوا الحِنَطَ، قال يقول أبو ذرّ لقومه: لا يمسّ أحد حَبّة حتى تقولوا لا إله إلّا الله، فيقولون لا إله إلّا الله ويأخذون الغرائر. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنتُ في الإسلام خامسًا. (* قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني نجيح أبو معشر عن محمد بن قيس عن حكّام بن أبي الوضّاح البصريّ قال: كان إسلام أبي ذرّ رابعًا أو خامسًا. قال: أخبرنا عمرو بن حكّام البصريّ قال: حدّثنا المثنى بن سعيد القسّام القصير قال: أخبرنا أبو جَمْرة الضُّبَعيّ أنّ ابن عبّاس أخبرهم ببَدءِ إسلام أبي ذرّ قال: لما بلغه أنّ رجلًا خرج بمكّة يزعم أنّه نبيّ، أرسل أخاه فقال: اذهب فأتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه. فانطلق الرجل حتى أتَى مكّة فسمع من رسول الله، ﷺ ، فرجع إلى أبي ذرّ فأخبره أنّه يأمر بالمعروف ويَنْهَى عن المُنْكَر ويأمر بمكارم الأخلاق. فقال أبو ذرّ: ما شفيتَني. فخرج أبو ذرّ ومعه شَنّة فيها ماؤه وزادُه حتى أتى مكّة ففَرِقَ أن يسأل أحدًا عن شيءٍ ولما يَلْقَ رسولَ الله، ﷺ ، فأدركه الليل فبات في ناحية المسجد. فلمّا أعْتَمَ مرّ به عليّ فقال: ممّن الرجل؟ قال: رجل من بني غفار، قال: قُمْ إلى منزلك. قال فانطلق به إلى منزله ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيءٍ. وغدا أبو

стр. 1595

ذرّ يطلب فلم يَلْقَه، وكره أن يسأل أحدًا عنه، فعاد فنام حتى أمسى فمر به عليّ فقال: أما آنَ للرجل أن يعرف منزله؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيءٍ، فأصبحَ اليوم الثالث فأخذ على عليّ لَئِنْ أفْشى إليه الذي يريد ليَكتمنّ عليه وليسترنّه، ففعل فأخبره أنّه بلغه خروج هذا الرجل يَزعم أنّه نبيّ، فأرسلتُ أخي ليَأتيَني بخبره وبما سمع منه فلم يأتني بما يَشْفيني من حديثه، فجئتُ بنفسي لألقاه. فقال له عليّ: إني غادٍ فاتْبَعْ أثري فإني إن رأيتُ ما أخاف عليك اعتللتُ بالقيام كأنّي أهريق الماء فآتيك، وإن لم أرَ أحدًا فاتْبَعْ أثري حتى تدخل حَيْثُ أدخل. ففعل حتى دخل على أثر عليّ على النبيّ، ﷺ ، فأخبره الخبر، وسمع قول رسول الله، ﷺ ، فأسلم من ساعته، ثمّ قال: يا نبيّ الله ما تأمرني؟ قال: ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري، قال فقال له: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخَ بالإسلام في المسجد. قال فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، ﷺ ، قال فقال المشركون: صبأ الرجل صبأ الرجل. فضربوه حتى صُرعَ، فأتاه العبّاس فأكبّ عليه وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش، أنتم تُجّار وطريقكم على غفار، فتريدونَ أن يُقْطَعَ الطريق؟ فأمسكوا عنه ثمّ عادَ اليومَ الثاني فصنعَ مثل ذلك ثمّ ضربوه حتى صُرِعَ، فأكبّ عليه العبّاس وقال لهم مثل ما قال في أوّل مرّة، فأمسكوا عنه وكان ذلك بَدْءَ إسلام أبي ذَرّ *). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا من سمع إسماعيل بن أبي حكيم يُخبر عن سليمان بن يسار قال: قال أبو ذرّ حدْثانَ إسلامه لابن عمّه: يابن الأمَة. فقال النبيّ، ﷺ : ما ذهَبتْ عنك أَعرابِيَّتُكَ بعدُ. قال محمد بن إسحاق: آخى رسول الله، ﷺ ، بين أبي ذرّ الغفاري والمُنْذرِ بن عَمرو، أحد بني ساعدة وهو المُعْنِق (١) لِيَمُوتَ، وأنكر محمد بن عمر هذه المؤاخاة بين أبي ذرّ والمنذر بن عَمرو، وقال: لم تكن المؤاخاة إلّا قبل بدر فلمّا نزلت آية المواريث انقطعت المؤاخاة، وأبو ذرّ حين أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام

стр. 1596

بها حتى مضت بدر وأحُد والخندق ثمّ قدم على رسول الله، ﷺ ، المدينةَ بعد ذلك. قال: أخبرنا محمد بن الفُضيل عن مطرّف عن أبي الجَهْم عن خالد بن وهبان وكان ابن خالة أبي ذرّ، عن أبي ذرّ قال: قال النبيّ، ﷺ : يا أبا ذرّ كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يستأثرون بالفيء؟ قال قلتُ: إذًا والذي بعثك بالحقّ أضرب بسيفي حتى ألحق به. فقال: أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك؟ اصْبِرْ حتى تلقاني. قال: أخبرنا هُشيم قال: أخبرنا حُصين عن زيد بن وهب قال: مررتُ بالرّبَذةِ فإذا أنا بأبي ذرّ، قال فقلتُ ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشأم فاختلفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٣٤]، وقال معاوية: نَزَلَتْ في أهل الكتاب، قال فقلتُ: نَزَلَتْ فينا وفيهم. قال فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب يشكوني إلى عثمان، قال فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتُ المدينةَ وكَثُرَ الناسُ علي كأنّهم لم يَرَوْني قبل ذلك. قال فذُكِرَ ذلك لعثمان فقال لي: إن شئتَ تنحّيتَ فكنتَ قريبًا. فذاك أنزلني هذا المنزل ولو أُمّرَ عليّ حَبَشيّ لسمعتُ ولأطَعْتُ. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين أنّ رسول الله، ﷺ ، قال لأبي ذرّ: إذا بلغ البِنَاءُ (١) سَلْعًا فاخرج منها، ونحا بيده نحو الشأم، ولا أرى أمراءك يَدَعونَك! قال: يا رسول الله أفلا أقاتل مَن يحول بيني وبين أمرك؟ قال: لا، قال: فما تأمرني؟ قال: اسْمَعْ وأطِعْ ولو لعبدٍ حَبَشيّ (٢). قال: فلمّا كان ذلك خرج إلى الشأم فكتب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذرّ قد أفسد الناس بالشأم، فبعث إليه عثمان فقدم عليه، ثمّ بعثوا أهله من بعده فوجدوا عندهم (٣) كيسًا أو شيئًا فظنّوا أنّها دراهم، فقالوا: ما شاء الله! فإذا هي فلوس.

стр. 1597

فلمّا قدمَ المدينةَ قال له عثمان: كُنْ عندي تغدو عليك وتروح اللقاح، قال: لا حاجة لي في دنياكم، ثمّ قال: ائْذَنْ لي حتى أخرج إلى الرّبَذَة، فأذن له فخرج إلى الربذة وقد أقيمت الصلاةُ وعليها عبدٌ لعثمان حبشيّ فتأخّر، فقال أبو ذرّ: تَقَدّمْ فصلّ فقد أُمِرْتُ أن أسْمَعَ وأطيعَ ولو لعبدٍ حَبشيّ فأنت عبد حبشيّ (١). قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوّام بن حَوْشَب قال: حدّثني رجل من أصحاب الآجُرّ عن شيخين من بني ثَعْلَبَة رجل وامرأته قالا: نَزَلْنا الرّبذة فمرّ بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله، ﷺ . فاستأذنّاه أن نغسل رأسه فأذن لنا واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق، حَسِبْتُه قال من أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا ذرّ فعل بك هذا الرجل وفعل فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً؟ فَنُكْمِلُكَ (٢) برجال ما شئتَ؟ فقال: يا أهل الإسلام لا تَعْرِضوا عليّ ذاكم ولا تُذِلّوا السلطان فإنّه مَن أذلّ السلطان فلا توبة له، والله لو أنّ عثمان صلبني على أطول خشبةٍ أو أطول جبل لَسمعتُ وأطعتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئيتُ أنّ ذاك خير لي، ولو سيّرني ما بين الأفق إلى الأفق، أو قال ما بين المشرق والمغرب، لسمعتُ وأطَعْتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئيتُ أنّ ذاك خير لي، ولو ردّني إلى منزلي لسمعتُ وأطعتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئيتُ أنّ ذاك خير لي (٣). قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان عن ثابت بن الحجّاج عن عبد الله بن سيدان السّلَميّ قال: تَناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما، ثمّ انصرف أبو ذرّ متبسّمًا فقال له الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامعٌ مُطيعٌ ولو أمرني أن آتيَ صَنْعاءَ أو عَدَنَ ثمّ استطعتُ أن أفعل لفعلتُ، وأمره عثمان أن يخرج إلى الرّبَذَة (٤). قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حُسين عن الحكم بن

стр. 1598

عُيينة عن إبراهيم التيميّ عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنتُ رِدْفَ رسول الله، ﷺ ، وهو على حمار وعليه بَرْذَعَةٌ أو قطيفة (١). قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا الأعمش عن عثمان بن عُمير عن أبي حَرْب بن أبي الأسود الدّيْليّ عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول ما أقَلّت الغَبْراءُ ولا أظَلّت الخضراءُ من رجل أصدق [لهجة] من أبي ذرّ (٢). قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو أميّة بن يعلى عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : ما أظَلّتِ الخَضْراءُ ولا أقَلّتِ الغَبْراءُ على ذي لَهْجَةٍ أصدق من أبي ذرّ، مَن سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فَلْيَنْظُرْ إلى أبي ذرّ (٣). قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا سلام بن مسكين قال: حدّثنا مالك بن دينار أنّ النبيّ، ﷺ ، قال: أيّكم يلقاني على الحال التي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذرّ: أنا، فقال له النبيّ، ﷺ : صدقتَ. ثمّ قال: ما أظَلّتِ الخَضْراءُ ولا أقَلّتِ الغَبْراءُ على ذي لَهْجَة أصدق من أبي ذرّ، مَن سرّه أن ينظر إلى زُهْدِ عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذرّ (٤). قال: أخبرنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله، ﷺ : ما أظَلّتِ الخَضْراء ولا أقَلّتِ الغَبْراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ. قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحَنَفيّ قال: حدّثنا أبو حُرّة عن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله، ﷺ ، ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو قال: سمعتُ عِراك بن مالك يقول: قال أبو ذرّ: إني لأقرَبُكم مجلسًا من رسول الله، ﷺ ، يوم القيامة وذلك

стр. 1599

أني سمعتُه، ﷺ ، يقول أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة مَن خرج من الدنيا كهيئة ما تركتُه فيها، وإنّه والله ما منكم من أحد إلّا وقد تشبّث منها بشيء غيري (١). قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا أبو كعب صاحب الحرير قال: حدّثنا أبو الأصفر عن الأحنف بن قيس قال: أتيتُ المدينةَ ثمّ أتيتُ الشأم فَجمَّعت فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا فَرَّ (٢) أهلها، يصلّي ويُخِفّ صلاته، قال فجلستُ إليه فقلتُ له: يا عبد الله مَن أنت؟ قال: أنا أبو ذرّ، فقال لي: فأنتَ من أنت؟ قال قلتُ: أنا الأحنف بن قيس. قال: قُمْ عني لَا أعُرُّكَ (٣)، فقلتُ له: كيف تَعُرُّنِي بشرّ؟ قال: إنّ هذا، يعني معاوية، نادى مناديه ألّا يجالسَني أحد. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا سلّام أبو المُنْذِر عن محمد بن واسع عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرّ قال: أوصاني خليلي بسبعٍ: أمرني بحبّ المساكين والدّنُوّ منهم، وأمرني أن أنظر إلى مَن هو دوني ولا أنظر إلى مَن هو فوقي، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أصِلَ الرّحِم وإن أَدْبَرَتْ (٤)، وأمرني أن أقول الحقّ وإن كان مُرًّا، وأمرني أن لا أخاف في الله لَوْمَةَ لائمٍ، وأمرني أن أكْثرَ من لا حول ولا قوّة إلّا بالله فإنّهنّ من كنز تحت العرش (٥). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا همّام قال: أخبرنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبد الله بن الصامت أنّه كان مع أبي ذرّ فخرج عطاؤه ومعه جارية له، قال فجعلت تقضي حوائجَه، قال ففضل معها سِلَعٌ، قال فأمرها أن تشتري به فلوسًا، قال قلتُ: لو ادّخرتَه للحاجة تبوء بك أو للضيف ينزل بك،

стр. 1600

قال: إنّ خليلي عهدَ إليّ أن أيّ مالٍ ذَهَبٍ أو فضّةٍ أُوكِيَ عليه فهو جَمْرٌ على صاحبه حتى يُفَرّغَه في سبيل الله (١). قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدّثنا أبو هلال قال: حدّثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن أنّ أبا ذرّ كان عطاؤه أربعة آلاف فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عمّا يكفيه لسنةٍ فاشتراه له، ثمّ اشترى فلوسًا بما بقي وقال: إنّه ليس من وعى ذهبًا أو فضّة يُوكى عليه إلا وهو يتلظّى على صاحبه. قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن أبي نعامة السَّعْديّ عن الأحنف بن قيس قال: قال لي أبو ذرّ خُذ العطاء ما كان مُتْعَةً فإذا كان دَيْنًا فارفضه. قال: أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المِنْقَريّ قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسين المعلّم عن ابن بُريدة (٢) قال: لما قدم أبو موسى الأشعريّ لقي أبا ذرّ فجعل أبو موسى يلزمه، وكان الأشعري رجلًا خفيف اللحم قصيرًا، وكان أبو ذرّ رجلًا أسود كَثّ الشعر. فجعل الأشعريّ يلزمه ويقول أبو ذرّ: إليك عني، ويقول الأشعريّ، مَرْحَبًا بأخي، ويدفعه أبو ذرّ ويقول: لستُ بأخيك إنّما كنتُ أخاك قبل أن تُسْتَعْمَلَ (٣). قال ثمّ لقي أبا هريرة فالتزمه وقال: مرحبًا بأخي، فقال أبو ذرّ: إليك عني، هل كنتَ عَمِلْتَ لهؤلاء؟ قال: نعم، قال: هل تطاولتَ في البِناء أو اتْخَذتَ زَرْعًا أو ماشيةً؟ قال: لا، قال: أنت أخي أنت أخي. قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا صالح بن رُسْتُم أبو عامر عن حُميد بن هلال بن الأحنف بن قيس قال: رأيتُ أبا ذرّ رجلًا طويلًا آدم أبيض الرأس واللحية. قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا شريك عن إبراهيم بن مُهاجِر عن

стр. 1601

كُليب بن شهاب الجرْميّ قال: سمعتُ أبا ذرّ يقول: ما يُوئسني رِقّة عَظمى ولا بياض شَعْري أن ألقى عيسى بن مريم (١). قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدّثنا موسى بن عُبيدة عن عبد الله بن خِراش قال: رأيتُ أبا ذرّ في مظَلّةٍ وتحته امرأة سَحْماء. قال: محمد بن سعد: وقال غير عبيد الله في هذا الحديث مظلّة شَعْرٍ. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا محمد بن دينار قال: حدّثنا يونس عن محمد قال: سألتُ ابنَ أختٍ لأبي ذرّ: ما ترك أبو ذرّ؟ فقال: ترك أتانَين وعَفْوًا وأعْنُزًا وركائب. قال: العَفْوُ الحمار الذّكَرُ (٢). قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المُقْرئ قال: حدّثنا سعيد بن أبي أيّوب عن عبد الله بن أبي جعفر القرشيّ عن سالم بن أبي سالم الجَيْشانيّ عن أبيه عن أبي ذرّ أنّه قال: قال لي رسول الله، ﷺ ، يا أبا ذرّ إني أراك ضعيفًا وإني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، لا تأمُرَنّ على اثنين ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتيمٍ (٣). قال: أخبرنا خالد بن مخلد البَجَليّ قال: حدّثني سليمان بن بلال قال: حدّثني يحيَى بن سعيد قال: أخبرني الحارث بن يزيد الحضرميّ أنّ أبا ذرّ سأل رسول الله، ﷺ ، الإمارة فقال: إنّك ضعيف وإنّها أمانةٌ وإنّها يومَ القيامة خِزْيٌ وندامة إلّا مَن أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها (٤). قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنا غالب بن عبد الرحمن قال: لقيتُ رجلًا قال: كنتُ أصلّي مع أبي ذرّ في بيت المقدس فكان إذا دخل خلع خُفّيْه فإذا بزق أو تنخَّع تَنَخَّع عليهما، قال ولو جُمِعَ ما في بيته لكان رِداء هذا الرجل أفضل من جميع ما في بيته. قال جعفر: فذكرتُ هذا الحديث لميمون بن مهران (٥) فقال: ما أراه كان ما في بيته يَسْوى درهمَينِ.

стр. 1602

قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النَّهْدِيّ قال: حدّثنا مسعود بن سعد الجُعْفيّ عن الحسن بن عبيد الله عن رياح بن الحارث عن ثعلبة بن الحكم عن عليّ أنّه قال: لم يبقَ اليومَ أحد لا يبالي في الله لومةَ لائم غير أبي ذرّ ولا نفسي، ثمّ ضرب بيده إلى صدره (١). قال: أخبرنا حجّاج بن محمد عن ابن جُريج قال: أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود عن أبي الأسود، قال ابن جُريج ورجل عن زاذان قالا: سُئِلَ عليّ عن أبي ذرّ فقال: وعى علمًا عجز فيه وكان شحيحًا حريصًا، شحيحًا على دينه حريصًا على العلم، وكان يُكْثرُ السّؤالَ فيُعْطى ويُمْنَعُ، أما أن قد مُلِئَ له في وِعائِه حتى امتَلأ. فلم يدروا ما يريد بقوله وعى علمًا عجز فيه، أعجز عن كَشْفِ ما عنده من العلم أم عن طَلَبِ ما طلب من العلم إلى النبيّ، ﷺ (٢). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابيّ قالا: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال قال: حدّثنا عبد الله بن الصامت قال: دخلتُ مع أبي ذرّ في رَهْطٍ من غِفار على عثمان بن عفّان من الباب الذي لا يُدْخَلُ عليه منه، قال: وَتَخَوَّفْنَا عثمانَ (٣) عليه، قال: فانتهى إليه فسلّم عليه، قال: ثمّ ما بدأه بشيء إلّا أن قال: أحَسِبْتَني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم، لو أمرتَني أن آخذ بِعَرْقُوَتَيْ قَتَبٍ لأخذتُ بهما حتى أمرتَ. قال ثمّ استأذنه إلى الرّبَذَةِ، قال فقال: نعم نأذن لك ونأمر لك بنَعَمٍ من نعم الصدقة فتُصيبُ من رِسْلها. فقال فنادى أبو ذرّ: دونكم معاشر قريش دنياكم فاغْذَمُوها (٤) لا حاجة لنا فيها. قال فما بزاه بشيء (٥). قال فانطلق وانطلقتُ معه حتى قدمنا الرّبَذَةَ،

стр. 1603

قال: فصادفنا مولًى لعثمان غلامًا حبشيًّا يؤمّهم فنُودِيَ بالصلاة فتقدّم فلمّا رأى أبا ذرّ نكص، فأومأ إليه أبو ذرّ: تَقَدّمْ فصلّ. فصلّى خلفه أبو ذرّ. (*) قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن مُجاهِد عن إبراهيم، يعني ابن الأشتر، أنّ أبا ذرّ حضره الموت وهو بالرَّبَذَة فبَكَت امرأته فقال: وما يُبْكيكِ؟ فقالت: أبكي أنّه لا يدَ لي بتغييبك وليس عندي ثوبٌ يَسَعُك كَفَنًا. فقال: لا تبكي فإنّي سمعتُ رسول الله، ﷺ ، ذاتَ يوم وأنا عنده في نفرٍ يقول: لَيموتنّ رجلٌ منكم بفَلاةٍ من الأرض تَشْهَدُه عِصابة من المؤمنين، قال: فكلّ مَن كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية فلم يَبْقَ منهم غيري وقد أصبحتُ بالفلاةِ أموت، فراقِبي الطريقَ فإنّكِ سوف تَرَيْنَ ما أقول لك فإنّي والله ما كذبتُ ولا كُذِبْتُ. قالت: وأنّى ذلك وقد انقطع الحاجّ؟ قال: راقِبي الطريق. فبينا هي كذلك إذا هي بالقوم تَجُدّ بهم رواحلهم كأنّهم الرّخَم، قال عفّان: هكذا قال: تجدّ بهم، والصوابُ تَخُدّ (١) بهم رواحلُهم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها قالوا: ما لكِ؟ قالت: امرؤ من المسلمين تُكَفّنونه وتُؤجَرُونَ فيه، قالوا: ومَن هو؟ قالت: أبو ذرّ. ففَدّوه بآبائهم وأمّهاتهم ووضعوا سياطَهم في نُحورها يبتدرونه. فقال: أبْشِروُا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله، ﷺ ، ما قال، أبشروا سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: ما من امرأيْنِ من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا فيريان النار أبدًا. ثمّ قال: قد أصبحتُ اليومَ حيثُ ترون ولو أنّ ثوبًا من ثيابي يسعني لم أُكَفّنْ إلّا فيه، أنشدكم الله ألّا يُكَفّني رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا. فكلّ القوم كان نال من ذلك شيئًا إلّا فَتًى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا

стр. 1604

صاحبك، ثوبان في عَيْبتي من غَزْل أمّي وأحَدُ ثَوْبَيَّ هذَين اللذين عليّ، قال: أنت صاحبي فكَفّني (*). قال: أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدّثنا يحيَى بن سُليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه أنّه لما حضر أبا ذرّ الموتُ بكت امرأته فقال لها: ما يُبْكيك؟ قالت: أبكي لأنّه لا يدان لي بتغييبك وليس لي ثوب يسعك، قال: فلا تبكي فإنّي سمعتُ رسولَ الله، ﷺ ، يقول لنفر أنا فيهم: لَيموتنّ منكم رجل بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر رجل إلّا قد مات في قريةٍ وجماعةٍ من المسلمين وأنا الذي أموت بفلاة والله ما كذبتُ ولا كُذِبْتُ فأبْصِري الطريق. فقالت: أنّى وقد انقطع الحاجّ وتقطّعت الطّرُق؟ فكانت تَشُدّ إلى كَثيبٍ تقوم عليه تنظر ثمّ ترجع إليه فَتُمَرّضُه ثمّ ترجع إلى الكثيب. فبينا هي كذلك إذا هي بنفر تَخُدّ بهم رواحلهم كأنّهم الرّخَمُ على رحالهم، فألاحت بثوبها فأقبلوا حتى وقفوا عليها قالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفّنونه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذرّ. فَفَدوْه بآبائهم وأمّهاتهم ووضعوا السيّاط في نحورها يستبقون إليه حتى جاءوه. فقال: أبْشِروا. فحدّثهم الحديث الذي قال رسول الله، ﷺ ، ثمّ قال: إني سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: لا يموت بين امْرَأينِ مسلمين ولدان أو ثلاثة فيحتسبان ويصبران فيريان النار، أنتم تسمعون، لو كان لي ثوب يسعني كَفَنًا لم أُكَفّنْ إلّا في ثوب هو لي، أو لامرأتي ثوب يسعني لم أُكَفّنْ إلّا في ثوبها، فأنشدكم الله والإسلام ألّا يُكَفّني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو نقيبًا أو بريدًا. فكلّ القوم قد كان قارف بعضَ ذلك إلا فتًى من الأنصار قال: أنا أكَفّنُك، فإنّي لم أُصِبْ ممّا ذكرتَ شيئًا، أكَفّنك في ردائي هذا الذي عليّ وفي ثوبَينِ في عَيْبَتي من غَزْل أمّي حاكتهما لي. قال: أنت فكفّني، قال فكفّنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه، منهم حُجْر بن الأدبر ومالك الأشتر في نفرٍ كلّهم يَمانٍ. قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أيّوب قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني بُريدة بن سفيان الأسلميّ عن محمد بن كعب

стр. 1605

القُرَظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذرّ إلى الرّبَذَةِ وأصابه بها قدرهُ ولم يكن معه أحد إلّا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفّناني وضعاني على قارعة الطريق فأوّل رَكْبٍ يمرّ بكم فقولوا هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، ﷺ ، فأعينونا على دَفْنِه. فلمّا مات فعلا ذلك، ثمّ وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبد الله بن مسعود في رَهْطٍ من أهل العراق عُمّارًا فلم يَرُعْهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل أن تطأها، فقال إليه الغلام فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، ﷺ ، فأعينونا على دفنه. فاستهلّ عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله، تمشي وحدك وتموت وحدك وتُبْعَثُ وحدك. ثمّ نزل هو وأصحابه فواروه، ثمّ حدّثهم عبد الله بن مسعود حديثَه وما قال له رسول الله، ﷺ ، في مَسيره إلى تَبوك. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذرّ أنّه رآه في نَمِرَة مُؤتَزِرًا بها قائمًا يصلّي فقلتُ: يا أبا ذرّ أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيتَه عليّ، قلتُ: فإنّي رأيتُ عليك منذ أيّام ثوبين، فقال: يابن أخي أعطيتُهما مَن هو أحوج إليهما مني، قلتُ: والله إنّك لمحتاج إليهما، قال: اللهمّ غفرًا، إنّك لمعظّم للدنيا، أليس ترى عليّ هذه البُرْدة ولي أُخْرى للمسجد ولي أعْنُزٌ نحلبها ولي أحْمِرَةٌ نحتمل عليها ميرتَنا وعندنا مَن يخدمنا ويكفينا مهْنَةَ طعامِنا فأيّ نعمةٍ أفضل ممّا نحن فيه؟ قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا سفيان الثوري عن عمّار الدّهْني عن أبي شُعْبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذرّ يعرض عليه فأبَى أبو ذرّ أن يأخذ وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها وأعْنُزٌ نحلبها ومُحرَّرة تخدمنا وفضل عباءة عن كِسْوَتنا وإني لأخاف أن أحاسَبَ بالفضلِ. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا يزيد بن عليّ الأسلميّ قال: حدّثني عيسى بن عُميلة الفَزاريّ قال: أخبرني من رأى أبا ذرّ يحلب غُنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه (١)، ولقد رأيتُه ليلةً حلب حتى ما بقى في ضُروع غنمه

стр. 1606

شيء إلّا مَصَرَه (١)، وقرّب إليهم تمرًا وهو يسير، ثمّ تعذّر إليهم وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال وما رأيتُه ذاق تلك الليلةَ شيئًا. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا خالد بن حيان قال: كان أبو ذرّ وأبو الدَّرداء في مِظَلَّتَيْنِ من شَعْر بدمشق. قال: أخبرنا محمد بن عمر عن موسى بن عبيدة قال: حدّثني عبد الله بن خِراش الكعبيّ قال: وجدتُ أبا ذرّ في مظَلّةِ شَعْرٍ بالرّبَذَةِ تحته امرأة سحماء فقلتُ: يا أبا ذرّ تَزَوّج سحماء! قال: أتزوّج من تضعني أحبّ إليّ ممّن ترفعني، ما زال بي (٢) الأمر بالمعروف والنهي عن المُنْكَر حتى ما ترك لي الحقّ صديقًا (٣). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا همّام بن يحيَى قال: حدّثنا قَتادة عن أبي قِلابة عن أبي أسماء الرّحبيّ أنّه دخل على أبي ذرّ وهو بالرّبَذة وعنده امرأة له سوداء مشنّفة (٤) ليس عليها أثر المَجاسِد (٥) ولا الخلوقِ، قال فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به هذه السّويداء؟ تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيتُ العراق مالوا عليّ بدنياهم، ألا وإنّ خليلي عهد إليّ أنّ دون جِسْر جهنّم طريقًا ذا دَحْضٍ (٦) ومَزَلّة، وإنّا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.

стр. 1607

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النّهْديّ قال: رأيتُ أبا ذرّ يميد على راحلته وهو مستقبل مَطْلِعَ الشمس فظننتُه نائمًا فدنوتُ منه فقلتُ: أنائم أنت يا أبا ذرّ؟ فقال: لا بل كنتُ أصلّي. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا أبو عَقيل قال: حدّثنا يزيد بن عبد الله أنّ أبا ذرّ تَبِعَتْه جُويرية سوداء فقيل له: يا أبا ذرّ هذه ابنتُك؟ قال: تزعم أمّها ذاك. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا قرّة بن خالد قال: حدّثنا عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كُسِيَ (١) أبو ذرّ بُرْدَينِ فأتَزَرَ بأحدهما وارتدى بشِمْلَةٍ وكسا أحدهما غلامَه، ثمّ خرج على القوم فقالوا له: لو كنتَ لبستَهما جميعًا كان أجمل، قال: أجل ولكني سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: أطْعِموهم ممّا تأكلون وألبسوهم ممّا تكسون. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا قرّة بن خالد قال: حدّثنا بُدَيل بن مَيْسَرَةَ عن مطرّف عن رجلٍ من أهل البادية قال: صحبتُ أبا ذرّ فأعجبَتْني أخلاقُه كلّها إلّا خُلقٌ واحد. قلتُ: وما ذاك الخلق؟ قال: كان رجلًا فَطِنًا فكان إذا خرج من الخلاء انتضح. * * * ٤٥٤ - الطُّفَيْلُ بن عَمْرو ابن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم بن فهم بن غَنْم بن دَوْس بن عُدْثان بن عبد الله بن زَهْران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نَصر بن الأزْدِ. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون الدّوْسيّ وكان له حِلْفٌ في قريش قال: كان الطّفيل بن عمرو الدّوْسيّ رجلًا شريفًا شاعرًا مَليئًا كثير الضيافة فقدم مكّة ورسول الله، ﷺ ، بها

стр. 1608

فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طُفيل إنّك قدمتَ بلادَنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضلَ بنا وفرّق جماعتنا وشَتّتَ أمرَنا وإنّما قوله كالسّحْر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، إنّا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه فلا تكلّمه ولا تَسْمَعْ منه (١). قال الطّفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلّمه، فغدوتُ إلى المسجد وقد حشوتُ أذُني كُرْسُفًا، يعني قُطنًا، فَرقًا من أن يبلغني شيء من قوله حتى كان يقال لي ذو القُطْنَتَينِ (٢). قال فغدوتُ يومًا إلى المسجد فإذا رسول الله، ﷺ ، قائم يصلّي عند الكعبة فقمتُ قريبًا منه فأبَى الله إلّا أن يُسْمِعَني بعضَ قوله فسمعتُ كلامًا حسنًا فقلتُ في نفسي: واثُكْلَ أمّي، والله إنّى لَرجل لبيب شاعر ما يَخْفى عليّ الحَسَنُ من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قَبِلْتُه وإن كان قبيحًا تركتُه (٣). فمكثتُ حتى انصرف إلى بيته ثمّ اتّبعتُه حتى إذا دخل بيته دخلتُ معه فقلتُ: يا محمد إنّ قومك قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا لي، فوالله ما تركوني يخوّفوني أمرك حتى سددتُ أذُني بكُرْسُفٍ لِئَلَّا أسمع قولك، ثمّ إنّ الله أبَى إلّا أن يُسْمِعَنِيه فسمعتُ قولًا حسنًا فاعرِضْ عليّ أمرك (٤). فعرض عليه رسول الله، ﷺ ، الإسلام وتلا عليه القرآن فقال: لا والله ما سمعتُ قولًا قطّ أحسن من هذا ولا أمرًا أعدل منه. فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحقّ فقلتُ: يا نبيّ الله إني امرؤ مطاعٌ في قومي وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام فادْعُ الله أن يكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهمّ اجْعَلْ له آيَةً (٥). قال فخرجتُ إلى قومي حتى إذا كنتُ بثنيّةٍ تُطْلِعُني على الحاضر (٦) وقع نور بين عينيّ مثل المصباح فقلتُ: اللهمّ في غير وجهي فإنّي أخشى أن يظنّوا أنّها مُثْلة وَقَعَتْ في وجهي لفراق دينهم. فتحوّل النور فوقع في رأس سوطى فجعل الحاضر

стр. 1609

يتراءوْنَ ذلك النور في سوطى كالقنديل المعلّق. فدخل بيته قال: فأتاني أبي فقلتُ له: إليك عني يا أبتاه فلستَ مني ولستُ منك، قال: ولِمَ يا بُنيّ؟ قلتُ: إني أسلمتُ واتّبعتُ دين محمد، قال: يا بنيّ ديني دينك. قال فقلتُ: فاذهب فاغتسل وطهّر ثيابك. ثمّ جاء فعرضتُ عليه الإسلام فأسلم، ثمّ أتَتْني صاحبتي فقلتُ لها: إليك عني فلستُ منك ولست مني، قالت: ولِمَ بأبي أنتَ؟ قلتُ: فرّق بيني وبينك الإسلامُ، إني أسلمتُ وتابعتُ دينَ محمد. قالت: فديني دينك، قلتُ: فاذهبي إلى حِسْى ذى الشّرى فتطهّري منه. وكان ذو الشّرى صَنَمَ دَوْسٍ، والحِسْيُ حِمًى له يحمونه، وبه وَشَلٌ (١) من ماءٍ يهبط من الجبل. فقالت: بأبي أنت أتخاف على الصبيّة من ذي الشّرى شيئًا؟ قلتُ: لا، أنا ضامن لما أصابك. قال فذهبَتْ فاغتسلتْ ثمّ جاءتْ فعرضتُ عليها الإسلام فأسلمت، ثمّ دعوتُ دَوْسًا إلى الإسلام فأبطأوا عليّ، ثمّ جئتُ رسول الله، ﷺ ، بمكّة فقلتُ: يا رسول الله قد غلبَتْني دَوْسٌ فادعُ الله عليهم، فقال: اللهمّ اهْدِ دَوْسًا (٢). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني معمر عن الزهريّ عن أبي سلمة قال: قال أبو هريرة قيل يا رسول الله ادْعُ الله على دَوْسٍ فقال: اللهمّ اهْدِ دوسًا وأتِ بها. رجع الحديث إلى حديث الطّفيل قال: فقال لي رسول الله، ﷺ : اخرج إلى قومك فادْعُهم وارفق بهم. فخرجتُ إليهم فلم أزل بأرض دوسٍ أدْعوها حتى هاجر رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة، ومضى بدر وأحُد والخندق، ثمّ قدمتُ على رسول الله، ﷺ ، بمَن أسلم من قومي، ورسول الله، ﷺ ، بخَيبر حتى نزلتُ المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثمّ لحقْنا رسول الله، ﷺ ، بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين وقلنا: يا رسول الله اجْعَلْنا مَيْمَنَتَك واجْعَلْ شِعارَنا مبرورًا، ففعل، فشعار الأزد كلّها إلى اليوم مبرور. قال الطفيل: ثمّ لم أزل مع رسول الله، ﷺ ، حتى فتح الله عليه مكّةَ فقلتُ: يا رسول الله ابْعثني إلى ذي الكَفّينِ صَنَمِ عمرو بن حُمَمَةَ حتى أحَرّقَه. فبعثه إليه فأحرقه. وجعل الطّفيل يقول وهو يوقد النار عليه وكان من خَشَبٍ:

стр. 1610

يا ذا الكَفَيْنِ (١) لَسْتُ من عُبّادكا … ميلادُنا أقْدَمُ من ميلادكا أنا حَشَشْتُ النّارَ في فؤادكا (٢) قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدّثنا حمّاد بن زيد عن محمد بن إسحاق أنّ الطّفيل بن عمرو كان له صَنَمٌ يقال له ذو الكفّين فكسّره وحرّقه بالنار وقال: يا ذا الكَفَيْنِ لَسْتُ من عُبّادِكا … ميلادُنا أقْدَمُ من ميلادِكا أنا حَشَوْتُ النّارَ في فؤادِكا (٣) رَجَعَ الحديثُ إلى حديثِ الطّفيل الأوّل، قال فلمّا أحرقتُ ذا الكفّين بان لمن بقى ممّن تمسّك به أنّه ليس على شيء فأسلموا جميعًا. ورجع الطّفيل بن عمرو إلى رسول الله، ﷺ ، فكان معه بالمدينة حتى قُبضَ (٤). فلمّا ارتدّت العرب خرج مع المسلمين فجاهد حتى فرغوا من طُليحة وأرض نجدٍ كلّها، ثمّ سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطّفيل، فقُتل الطّفيل بن عمرو باليمامة شهيدًا وجُرِحَ ابنه عمرو بن الطّفيل وقُطِعَتْ يده، ثمّ استبلّ (٥) وصحّت يده، فبينا هو عند عمر بن الخطّاب إذ أُتي بطعام فتنحّى عنه فقال عمر: ما لك لعلّك تَنَحّيتَ لمكان يدك؟ قال: أجل، قال: والله لا أذوقه حتى تَسوطه (٦) بيدك، فوالله ما في القوم أحد بَعْضُه في الجنّة غيرك. ثمّ خرج عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطّاب فقُتل شهيدًا (٧).

стр. 1611

٤٥٥ - ضِماد الأزديّ من أزد شَنُوءة. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني خارجة بن عبد الله وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبيبة عن داود بن الحُصين عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قدم رجل من أزد شنوءة يقال له ضماد مكّة معتمرًا، فسمع كُفّارَ قريش يقولون: محمد مجنون، فقال: لو أتيتُ هذا الرجلَ فداويتُه. فجاءه فقال له: يا محمد إني أداوي الريح فإن شئتَ داويتُك لعلّ الله ينفعك. فَتَشَهَّدَ رسول الله، ﷺ ، وحَمِدَ اللهَ وتكلّم بكلماتٍ فأعجب ذلك ضمادًا فقال: أَعِدْها عليّ، فأعادها عليه فقال: لم أسمع مثل هذا الكلام قطّ، لقد سمعتُ كلام الكَهَنَةِ والسّحَرَةِ والشعراء فما سمعتُ مثل هذا قطّ، لقد بلغ قاموسَ البحر، يعني قَعْرَه، فأسلم وشهد شهادة الحقّ وبايعه على نفسه وعلى قومه. فخرج عليّ بن أبي طالب بعد ذلك في سريّةٍ إلى اليمن فأصابوا إداوةً فقال: رُدّوها فإنّها إداوة قوم ضِماد. ويقال بل أصابوا عشرين بعيرًا بموضع فاستَوفوها فبلغ عليًّا أنّها لقوم ضِماد فقال: رُدّوها إليهم، فرُدّتْ إليهم. * * * ٤٥٦ - بُريدة بن الحُصيب ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رِزاح بن عَديّ بن سَهْم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى، وأسْلَمُ فيمن انخزع من بطون خُزاعة هو وأخواه مالك ومَلْكان ابنا أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو ماء السماء. وكان بُريدة يُكْنى أبا عبد الله. وأسلم حين مرّ به رسول الله، ﷺ ، للهجرة.

стр. 1612

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدّثني (١) هاشم بن عاصم الأسلميّ عن أبيه قال: لما هاجر رسول الله، ﷺ ، من مكّة إلى المدينة فانتهى إلى الغَميم أتاه بُريدة بن الحُصيب فدعاه رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام فأسلم هو ومن معه، وكانوا زُهاء ثمانين بيتًا. فصلّى رسول الله، ﷺ ، العشاء فصلّوا خلفه. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدّثني هاشم بن عاصم الأسلميّ قال: حدّثني المنذر بن جَهْم قال: كان رسول الله، ﷺ ، قد علّم بُريدة بن الحُصيب لَيْلَتَئِذٍ صدرًا من سورة مَرْيَمَ. وقدم بُريدة بن الحُصيب بعد أن مضت بدر وأحُد على رسول الله، ﷺ ، المدينةَ فتعلّم بقيّتَها، وأقام مع رسول الله، ﷺ ، فكان من ساكني المدينة. وغزا معه مَغازِيَه بعد ذلك. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم قال: أمر رسول الله بأسارى المُرَيْسيع فكُتفوا وجُعلوا ناحيةً، واستعمل بُريدةَ بن الحُصيب عليهم. قال محمد بن عمر: وعقد رسول الله، ﷺ ، في غَزْوَة فتح مكّة لواءين فحمل أحدَهما بُريدة بن الحُصيب وحمل الآخر ناجية بن الأعجم، وبعث رسول الله، ﷺ ، بُريدة بن الحُصيب على أسلم وغفار يصدّقهم، وبعثه رسول الله، ﷺ ، حين أراد غَزْوَةَ تَبوكَ إلى أسلم يستنفرهم إلى عدوّهم. ولم يزل بعد وفاة رسول الله، ﷺ ، مقيمًا بالمدينة حتى فُتحت البصرة ومُصّرَت فتحوّل إليها واختطّ بها ثمّ خرج منها غازيًا إلى خراسان فمات بمَرْو في خلافة يزيد بن معاوية، وبقي ولده بها، وقدم منهم قوم فنزلوا بغداد فماتوا بها. قال: أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النّضْر الكنانيّ قال: حدّثنا شُعْبة قال: حدّثنا محمد بن أبي يعقوب الضّبّي قال: حدّثني من سمع بُريدة الأسلمي من وراء نهر بَلْخ وهو يقول: لا عيشَ إلّا طِراد الخيْلِ الخَيْلَ. قال: أخبرنا فَهْدُ بن حيّان أبو بكر القيسيّ قال: حدّثنا قُرّة بن خالد السّدوسيّ عن أبي العلاء بن الشخّير عن رجلٍ من بكر بن وائل لم يُسَمّه لنا قال:

стр. 1613

كنتُ مع بُريدة الأسلميّ بِسِجِسْتَان، قال فجعلتُ أُعَرّضُ بعليّ وعثمان وطلحة والزّبير لأستخرج رأيَه، قال فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال: اللهمّ اغفر لعثمان واغفر لعليّ بن أبي طالب واغفر لطلحة بن عبيد الله واغفر للزّبير بن العوّام. قال ثمّ أقبل عليّ فقال لي: لا أبا لك أتُراك قاتلي؟ قال فقلتُ: والله ما أردتُ قتلك ولكنّ هذا أردتُ منك، قال: قوم سبقَتْ لهم من الله سوابق فإن يَشَأ يَغْفِر لهم بما سبق لهم فَعَلَ وإن يَشَأ يُعَذّبهم بما أحْدَثوا فَعَلَ، حِسابُهم على الله. * * * ٤٥٧، ٤٥٨ - مالك ونعمان ابنا خلَف ابن عوف بن دارم بن عَنْز بن وائلة بن سَهْم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ بأسمائهما ونَسَبِهما هكذا، وقال: كانا طَليعَتَينِ للنبيّ، ﷺ ، يومَ أحُد فقُتلا يومئذٍ شَهيدينِ فدُفنا في قبرٍ واحدٍ. * * * ٤٥٩ - أبو رُهْم الغِفاري واسمه كُلْثوم بن الحُصين بن خَلَف بن عُبيد بن معشر بن زيد بن أُحَيمس بن غفار بن مُليك بن ضَمْرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. أسلم بعد قدوم رسول الله، ﷺ ، المدينة وشهد معه أحُدًا ورُميَ يومئذٍ بسهمٍ فوقع في نحره فجاء إلى رسول الله، ﷺ ، فبسق عليه فبرأ، فكان أبو رُهْم يسمّى المنحور. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا عبد الرحمن بن الحارث عن عُبيد بن أبي عُبيد عن أبي رُهْم الغِفاريّ قال: كنتُ ممّن أسوق الهَدْيَ وأركب على البُدُن في عُمْرة القضيّة.

стр. 1614

قال محمد بن عمر: وبينا رسول الله، ﷺ ، يسير من الطائف إلى الجِعرانة وأبو رُهْم الغِفاريّ إلى جنب رسول الله، ﷺ ، على ناقة له وفي رجليه نَعْلان له غليظتان، إذ زحمت ناقتُه ناقةَ رسول الله، ﷺ ، قال أبو رُهْم: فوقع حرف نعلي على ساقه فأوجعه فقال رسول الله، ﷺ : أوْجَعْتَني أخّر رجلك. وقرع رجلي بالسوط. قال فأخذني ما تقدّم من أمري وما تأخّر وخَشيتُ أن ينزَّل في قرآن لعظيم ما صنعتُ. فلمّا أصبحنا بالجِعرانة خرجتُ أرعى الظَّهْرَ وما هو يومى فَرَقًا أن يأتى للنبيّ، ﵇، رسول يطلبني، فلمّا رَوّحتُ الرّكابَ سألتُ فقالوا: طلبك النبيّ، ﷺ ، فقلتُ: إحداهنّ والله، فجئتُه وأنا أتَرَقّبُ فقال: إنّك أوْجَعتني برجلك فقرعتُك بالسوط، أوجعْتُك فخُذْ هذه الغَنَم عِوَضًا من ضرْبتي. قال أبو رُهْم: فرضاه عني كان أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها. قال وبعث رسول الله، ﷺ ، أبا رُهْم حين أراد الخروج إلى تبوك إلى قومه يستنفرهم إلى عدوّهم وأمره أن يطلبهم ببلادهم، فأتاهم إلى مجالهم فشهد تبوك منهم جماعة كثيرة، ولم يزل أبو رهم مع النبيّ، ﷺ ، بالمدينة يغزو معه إذا غزا، وكان له منزل ببني غِفار، وكان أكثر ذلك ينزل الصّفراء وغَيْقةَ وما والاها، وهي أرض كنانة. * * * ٤٦٠، ٤٦١ - عبد الله وعبد الرحمن ابنا الهُبيب من بني سَعْد بن لَيْث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وأمّهما أمّ نوفل بنت نوفل بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَىّ. أسلما قديمًا وشهدا مع رسول الله، ﷺ ، أحُدًا، وقُتلا يومئذٍ شَهيدين في شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة. * * *

стр. 1615

٤٦٢ - جِعال (١) بن سُراقة الضّمْريّ ويقال ثَعْلَبيّ، ويقال إنّه عَديد لبني سواد من بني سَلمة من الأنصار. وكان من فقراء المهاجرين، وكان رجلًا صالحًا دَميمًا قبيحًا وأسلم قديمًا وشهد مع رسول الله، ﷺ ، أحُدًا. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال جِعال بن سُراقة وهو يتوجّه إلى أحُد: يا رسول الله إنّه قيل لي إنّك تُقْتَلُ غدًا، وهو يتنفّس مكروبًا، فضرب النبيّ، ﷺ ، بيده في صدره وقال: أليس الدهرُ كلّه غدًا؟ قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني يحيَى بن عبد العزيز عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان جُعيل بن سراقة رجلًا صالحًا، وكان دَميمًا قبيحًا، وكان يعمل مع المسلمين في الخندق فكان رسول الله، ﷺ ، قد غيّر اسمه يومئذٍ فسمّاه عَمْرًا، فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون: سَمّاهُ مِن بعدِ جُعَيْلٍ عُمَرْ … وكان للبائسِ يَوْمًا ظُهَرْ فجعل رسول الله، ﷺ ، لا يقول من ذلك شيئًا إلّا أن يقول عمر. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدّثني يزيد بن فِراس اللّيْثيّ عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر قال: وجعل جُعيل يقول مع المسلمين: سمّاه من بعد جُعيل عمر، وهو يضحك مع المسلمين فعرفوا أنّه لا يبالي. قال محمد بن عمر: هو جِعال بن سُراقة فصُغّرَ فقيل جُعيل، وسمّاه رسول الله، ﷺ ، عَمْرًا ولكن هكذا جاء الشعر عُمَرْ. وشهد أيضًا جعال المُرَيْسيع والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، وأعطى رسول الله، ﷺ ، المُؤلّفة قلوبهم بالجِعرانة من غنائم خَيْبَر فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أعطيتَ عُيينة بن
следующие страницы →