← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ومن مَوَالي بَنِي سَلِمَة ٧١١ - أَبو أيْمَن مولى عَمْرو بن الجَمُوح، شهد أُحدًا مع عَمرو بن الجموح وقتل يومئذٍ شهيدًا في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة. * * * ٧١٢ - النُّعْمانُ بنُ سِنان (١) مَولًى لبني سَلِمَة، شهد أُحدًا. * * * ومن بني بياضة بن عامرُ بن زُرَيْق بن عبد حارثة بن مالك بن غَضْب (٢) بن جُشَم بن الخزرج. ٧١٣ - زيدُ بنُ الدَّثِنَة ابن معاوية بن عُبيد بن عامر بن بَيَاضَةَ. فَوَلَدَ زَيْدٌ: عبدَ اللهِ، دَرَجَ وليس له عَقِبٌ وآخَى رسولُ الله ﷺ بين زيد بن الدَّثنَة وخالد بن أبي البُكَيْر حليف بني عدي بن كعب.

стр. 1787

وشهد زيدٌ أحدًا، وكان فيمن خرج مع بني لحيان مِن هُذيل إلى الرَّجِيع، فاستأسر يومئذٍ فدخلت به بنو لحيان مكة مع خُبَيْب بن عَدِيّ فباعُوهُ من قريش، فقتلوهُ بمكة شهيدًا يوم قُتلَ خُبَيبٌ بن عدي (١). أخبرنا عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمر بن قَتَادَةَ قال: ابتاع زيدَ بنَ الدَّثِنَة صفوانُ بن أمية فقتَلَهُ بأبيهِ، أَمَرَ بهِ مولًى له يقال له نِسطاس، فخرج به من الحرم فقتلَهُ، فحضره نفر من قريش فيهم أبو سفيان فقال قائِلٌ: يا زيدُ، أَنْشُدُكَ الله، أتُحِبّ أَنَّك الآن في أهلك وأن محمدًا عندنا مكانك نَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا يُشَاك في مكانه شوكة تؤذيه وإني جالسٌ في أهلي. قال يقول أبو سفيان: والله ما رأيتُ من قومٍ قط أشدّ حُبًّا لصاحِبِهم من أصحابِ محمدٍ لهُ (٢). * * * ٧١٤ - عُبَيدُ بنُ عَمْرٍو وجدناه فيمن شهد أحدًا من بني بَيَاضَةَ، ولم نقع على نسبهِ في كتاب النسب، ولم نسمع له بذكرٍ سوى اسمه فيمن شَهِدَ أُحُدًا. * * * ٧١٥ - أبو هِنْد البَيَاضِي وهو مَوْلَى فَرْوَة بن عمرو البَيَاضيّ، وكان قديم الإسلام، ولم يشهد بدرًا ولا أُحدًا. أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزُهري، قال: لقيَ أبو هند البياضيّ رسولَ الله ﷺ حين أقبل من بدر ومعهُ حَميتٌ (٣)

стр. 1788

مملوءٌ حَيسًا (١)، فقال رسول الله ﷺ : إنما أبو هند رجلٌ من الأنصار فأنكِحوهُ، وأنكحُوا إليهِ (٢). قال: أخبرنا عَارِمُ بنُ الفَضْل، قال: حدثنا حمّاد بن سَلمة، قال: حدثنا محمد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، عن أبي هُرَيرةَ، أن رسول الله ﷺ قال: يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أنكحُوا أبا هندٍ وأنكحوا إليهِ، وكان حَجَّامًا. * * * ومن بني زُرَيق بن عامر بن زُرَيْق بن عبد حارثةَ بن مالك بن غَضْب بن جُشَم بن الخَزْرَج. ٧١٦ - أبُو عَيَّاشٍ الزُرَقيُّ واسمه عُبَيْد بن معاوية بن صامت بن زيد بن خَلْدَةَ بن عامر بن زُرَيق وهو فارس حُلوة، فرس كانت له. وأم أبي عَيَّاشٍ خَوْلَةُ بنت زيد بن النعمان بن خَلْدَةَ بن عامر بن زُريق. فَوَلَدا أبو عيَّاش: كَثِيرًا، وزَيدَةَ امرأةً، وأمّها أم عَيّاش بنت مَخْشِيّ بن الأَشْيَم من بني ضَمرةَ. والنعمانَ، ومعاويةَ، وسليمانَ، وقيسًا، وبشرًا، ويزيدَ، وأميَّةَ امرأةً وَعَيشَةَ، وجَمِيلةَ، وكبشةَ، وأُمَّ موسى وهم أولاد لأمهاتٍ شَتّى، وأمَّ سعيد وأمَّ الحارث وأمها أم الحارث بنتُ زيد بن عُبيد بن المُعَلّى بن لوذان بن حارثة بن عدي بن زيد من ولد غَضْب بن جُشَم بن الخزرج. وقد انقرض ولد صامت بن زيد بن خَلْدَة بن عامر بن زُريق كلهم إلّا ولد النعمان بن أبي عَيّاشِ، وامرأة من ولد يزيد بن أبي عياش بالمدينة. وشهد أبو عياش أحدًا. * * *

стр. 1789

ومن بني حَبِيب بن عَبْدِ حارثة بن مالك بن غَضْب بن جُشَم بن الخَزْرَج. ٧١٧ - عُبَيْد بنُ المُعَلّى ابن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثَعْلَبة بن عَدِيّ بن مالك بن زيد مَنَاةَ بن حبيب بن عبد حارثة. وأمُّهُ إدَام بنت عوف بن مَبْذُول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النجار. وكان لعُبَيْد بن المُعَلَّى أخ من أبيه وأمه يقال له نُفيع، يذكرون أنه أسلم بعد قدوم النبي ﷺ المدينة، فَمرَّ برجلٍ من مُزَيْنَة حليفٍ لبعض الأوس وهو ببطحان فقتله. وشهد عبيد بن المعلى أحدًا، وقتل يومئذٍ شهيدًا، قتلهُ عِكْرِمة بن أبي جهلٍ. فَوَلَدَ عُبَيْدُ بن المُعَلَّى: عُتْبَةَ وزيدًا، قُتلَ يومَ مُؤْتةَ شهيدًا. وخالدةَ بنتَ عُبَيدٍ تزوجها أبو سعيد بن أوس بن المعلّى بن لوذان بن حارثةَ بن زيد بن ثعلبةَ بن عدي بن مالك بن زيد مناةَ بن حبيب بن عبد حارثة. وقُبيسةَ بنتَ عُبيدٍ وأمّهم جميعًا سُخطَى بنت الأسود بن عَبَّادِ بن عَمْرو بن سواد من بني سَلِمَة. وَوَلَدَ نُفَيْعُ بن المُعَلَّى: الشَّمُوسَ، تزوجها عتبة بن عُبَيْد بن المُعَلَّى بن لَوْذَان، وأمَّ الحارث تزوجها أبو عَيّاش بن معاوية بن صامت بن زيد بن خلدَة بن عامر بن زُرَيق، وأمُّهما أم ولدٍ. آخرُ الطبقة الثانية من الأنصارِ ممَّن شَهِدَ أُحُدًا (١). * * *

стр. 1790

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبقة الثالثة من المهاجرين والأنصار ممن شهد الخندق وما بعدها (١) منهم من المهاجرين ممن أسلم فيما بين الخندق وفتح مكة من بني عبد شمس بن عبد مناف: ٧١٨ - أبو العاص بن الرَّبيع ابن عَبْد العُزَّى بن عَبْد شمس بن عبد منافِ بن قُصَيّ واسمهُ مِهْشَم. وأمّهُ هالةُ بنتُ خُوَيْلدِ بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ. وخالته خَدِيجة بنت خُوَيْلد زَوْج رسول الله ﷺ . وكان أبو العاص يسمى جَرْوَ البَطْحاء. وكان رسول الله، ﷺ ، زوّجهُ ابنَتَه زينب قبل الإسلام. فَوَلدَتْ له عليًّا وأُمَامَةَ امرأةً، وأمها زينب بنت رسول الله، ﷺ ، وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ فتوفى عليّ وهو صغير، وبقيت أُمَامَةُ بنت أبي العاصِ، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله، ﷺ . قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاءِ العِجْليِّ، عن داود بن أَبِي هند، عن عامر الشَّعْبيّ: أن زينب بنت رسول الله، ﷺ ، كانت تحت أبي العاص بن الربيع فأسلمت وهاجرت مع أبيها، وأَبَى أَبُو العاص أن يسلم. قال: قال: أخبرنا محمد بن عمر (٢)، قال: حدثني المُنْذِر بن سعد مولًى لبني أسد بن عبد العزى، عن عيسى بن مَعْمَر، عن عَبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة: أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدرًا مع المشركين، فأسره

стр. 1791

عبد الله بن جُبير بن النعمان الأنصاري، فلما بعث أهلُ مكةَ في فداء أُساراهم، قدم فِي فِدَى أبي العاص أخوه عمرو بن الربيع، وبَعَثَت معه زينب بنت رسول الله، ﷺ ، وهي يومئذٍ بمكةَ بقلادةٍ لها كانت لخديجةَ بنتِ خويلدٍ من جَزْعِ ظَفار (١) وظفارُ جبل باليمن - وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادةِ على أبي العاص بن الربيع حين بَنَى بها، فبعثت بها في فداءِ زوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله، ﷺ ، القلادةَ عرفها، وَرَقَّ لها، وذَكرَ خديجةَ وترحم عليها. وقال: إن رأيتم أن تُطْلِقوا لها أسيرها وتَرُدُّوا عليها متَاعَها فعلتُم. قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا أبا العاص بن الربيع، ورَدُّوا على زينب قِلَادتها. وأخذ النبي، ﷺ ، على أبي العاص أن يُخلّى سبيلها إليه، فوعدَهُ ذلك ففعل. قال محمد بن عمر: هذا أثبتُ عندنا من رواية من روى أن زينب هاجرت مع أبيها، ﷺ . قال: أخبرنا محمد بن عمر (٢)، قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه، قال: خرج أبو العاص بن الربيع إلى الشام في عِيرٍ لقريش، وبلغ رسول الله، ﷺ ، أن تلك العيرَ قد أقبلت من الشام، فَبَعَثَ زَيْدَ بن حارثة في سبعين ومائة راكب، فلقوا العيرَ بناحية العِيص في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة، فأخذوها وما فيها من الأثقال، وأسروا ناسًا ممّن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع فلم يَغْدُ أن جاء المدينة، فدخل على زينب بنت رسول الله، ﷺ ، سَحَرًا، وهي امرأتُهُ، فاستجارها فأجارتهُ، فلما صلى رسول الله، ﷺ ، الفجر قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع! فقال رسول الله، ﷺ : أيها الناس، هل سمعتُم ما سمعتُ؟ قالوا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده، ما علمتُ بشيءٍ مما كان حتى سمعتُ الذي سمعتم، المؤمنون يدٌ واحدةٌ على مَن سِواهم، يُجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا مَن أَجارتْ. فلما أنصرف النبي، ﷺ ، إلى منزلهِ دخلت عليه زينبُ فسألتهُ أن يردّ عَلى أبي العاص ما أُخِذَ منهُ، ففعل وأمرها أَلَّا يقربها،

стр. 1792

فإنها لا تحل له ما دام مشركًا. ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حَقٍّ حقهُ ثم أسلم، ورجع إلى النبي، ﷺ ، مسلمًا مهاجرًا سنة سبع من الهجرة، فردَّ عليه رسول الله، ﷺ ، زينب بذلك النكاحِ الأول. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن معروف بن الخَرَّبُوذِ (١) المكي، قال: خرج أبو العاص بن الربيع في بعض أسفاره إلى الشام، فذكر امرأته زينب بنت رسول الله، ﷺ ، فأنشأ يقول: ذَكَرْتُ زَيْنَبَ لَمَّا وَرّكَت إِرَمَا … فقلت سَقْيًا لشخصٍ يَسْكُنُ الحَرمَا بنتُ الأمين جزاها اللهُ صالحةً … وكلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بالذي عَلِمَا (٢) قال محمد بن عُمر: وكان رسول الله، ﷺ ، يقول: مَا ذَمَمْنَا صِهْرَ أَبِي العاص. قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العِجْلي، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشَّعْبي، قال: خرج أبو العاص بن الرَّبيع إلى الشام في أموال لقريش وله، ثم أقبل في العِيرِ فَسَمِعَ به ناسٌ من المسلمين فَتَهَيَّئُوا ليخرجوا إليه فيضربُوا عُنُقَهُ ويأخذوا ما معه من المال. فَسَمِعَتْ بذلك زينبُ فقالت: يا رسول الله، أَلَيس عقدُ المسلم وَعَهْدُهم واحدًا؟ قال: بَلى. قالت: فإني أُشْهِدُ الله أَني قد آمنتُ أبا العاص. فخرج الناس عُزلًا فقالوا: يا أبا العاص، أنت في بيت من بيوت قريش وأنت خَتَنُ رسول الله، ﷺ ، فأسلم على هذه الأموال التي معك تصير لك. قال: أتأمرونني أن أفتح ديني بغدرةٍ! فانطلق فأتى مكةَ فدفع إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّه. ثم قال: يا أهلَ مَكَّةَ أبرئت لي أمانتي؟ قالوا: نعم. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. قال: فرجع إلى زينب بالنكاح الأول (٣).

стр. 1793

قال: أخبرنا عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشَّعْبِيّ، قال: قدم أبو العاص بن الربيع من الشام ومعه أموال المشركين، وقد أَسْلَمَت امرأتُه زينب مع أبيها وهَاجَرت، فقيل له: هل لكَ إلى أن تسلم وتأخذ هذه الأموال التي معك، فإنها أموال المشركين؟ فقال: بِئْسَ ما أبدأ بهِ إسلامي أخون أمانتي! فكفلتْ عنه امرأتُه أن يرجع فيؤدي إلى كل ذي حَقٍّ حَقَّه، ويرجع فَيُسلم فَفَعَل وما فُرِّق بينهما. قال: أخبرنا يَعْلَى بن عُبَيد الطنافسيّ، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، قال: صلى رسول الله ﷺ ، بالناس الصبح، فلما قام في الصلاة نادت زينب بنت رسول الله، ﷺ : أيها الناس، إني قد أَجرتُ أبا العاص بن الربيع، فلما انصرف رسول الله، ﷺ ، قال: هل سمعتم ما سمعتُ؟ قالوا: نعم: قال أما والذي نَفسُ محمدٍ بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعتُ منه الذي سَمعتم، إنه يُجير على الناس أَدْناهم (١). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا مُصعب بن ثابتٍ، عن عيسى بن مَعْمَرٍ، قال: محمد بن عمر: وحدثنا سعيد بن راشد، عن صالح بن كيسان، قالا: كان أبو العاص بن الربيع يُسمَّى جِرْوَ البَطْحاءِ: لأنه كان مُتَّلِدًا بِهَا متوسطًا فيها يعني في نسبه في قريش فأسلم ثم رجع إلى مَكَّةَ، ولم يشهد مع النبي، ﷺ ، مشهدًا، ثم قدم المدينة بعد ذلك، وتُوفي في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر الصديق، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وليس لأبي العاص عقبٌ إلا من قِبَلِ ابنةٍ وَلَدَتِ القاسمَ بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف. * * * ٧١٩ - أبَانُ بن سَعيدِ ابن العاص بن أُمَيَّة بن عَبْد شَمْس بن عَبْد مَنَاف. وأُمُّه هند بنت المُغِيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزوم.

стр. 1794

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَرْوَةَ، عن عبد الله بن عَمْرو بن سعيد بن العاص، قال: كان خالد بن سعيد وعَمرُو بن سعيد قد أسلما وهاجرا إلى أرض الحبشة، وأقام غيرهما من ولد أبي أُحَيْحَةَ سعيد بن العاص بن أمية على ما هم عليه ولم يُسْلِموا، حتى كان نَفِيرُ بدرٍ، فلم يتخلف منهم أَحَدٌ خرجوا جميعًا في النفير إلى بَدْرٍ، فَقُتِل العاصُ بن سعيد عَلَى كُفْرِه، قتله عليّ بن أبي طالب. وعُبَيْدة بن سعيد قتله الزبير بن العوام. وأفلت أبان بن سعيد، فجعل خالد وعَمْرو يكتبان إلى أبان بن سعيد ويقولان: نُذكِركَ الله أن تموت على ما مات عليه أبوك، وعَلَى ما قُتِل عليه أخواك، فيغضب من ذلك ويقول: لا أُفارِق دين آبائي أبدًا، وكان أبو أُحَيْحَة قد مات بماله بالظُّرَيْبَةَ نَحْو الطَّائف وهو كافر، فأنشأ أبان بن سعيد يقول: قال محمد بن عمر: فيما أخبرني به المغيرة بن عبد الرحمن الأسدي: ألا ليتَ مَيْتا بالظُّرَيْبَةِ شاهدٌ … لما يَفْتَرِي في الدين عَمْرٌو وخالدُ أَطَاعا بنا أَمْر النِّساء فأَصْبَحا … يُعِينان مِنْ أعدائنا مَن نُكايدُ فأجابه خالد بن سعيد: أخي ما أخي لا شاتم أنا عِرْضَهُ … ولا هو عن سُوءِ المقالة مُقْصِرُ يقول إذا اشتدت عليه أمورُهُ … ألا ليتَ مَيْتًا بالظُّرَيْبةِ يُنْشَرُ فَدَعْ عنكَ مَيْتًا قد مضى لسبيله … وأقْبِل على الحَيِّ الذي هو أفقرُ (١) قال: فأقام أبان بن سعيد على ما كان عليه بمكةَ على دين الشرك، حتى قدم رسول الله، ﷺ ، الحُدَيْبِية وبعث عثمانَ بنَ عفان إلى أهل مكة، فتلقَّاه أبان بن سعيد فأجاره حتى بلّغ رسالةَ رسول الله، ﷺ ، وكانت هدنة الحديبية. فأقبل خالدٌ وعمرٌو ابنا سعيد بن العاص من أرض الحبشة في السَّفِينَتَيْن، وكانا آخر من خرج منها، ومع خالد وعَمْرو أهلُهما وأولادُهما، فلما كانا بالشُّعَيْبَة أرسلا إلى أخيهما أبان بن سعيد وهو بمكة رسولًا وكَتَبا إليه: يدعوانه إلى الله وحدَهُ وإلى

стр. 1795

الإسلام فأجابهما، وخرج في إثرهما حتى وافاهما بالمدينة مُسْلِمًا، ثم خرجوا جميعًا حتى قدموا على رسول الله، ﷺ ، بخيبر سنة سبع من الهجرة. فلما صدر الناس من الحج سنة تسع، بَعَثَ رسولُ الله، ﷺ ، أبان بن سعيد بن العاص إلى البحرين عاملًا عليها، فسأله أبان أن يُحَالِفَ عَبْدَ القَيس فأذن له في ذلك، وقال يا رسول الله: اعهد إِلَيَّ عهدًا في صَدَقاتِهم وجِزْيَتِهم وما تَجَرُوا به، فأمَرَهُ رسول الله، ﷺ ، أن يأخذ من المسلمين ربع العشر مما تجروا به، ومن كل حَالم من يهودي أو نصراني أو مجوسيّ دينارًا الذكر والأنثى. وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى مجوس هَجَر يعرض عليهم الإسلام، فإن أَبَوا عرض عليهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم، وكتب له صدقات الإبل والبقر والغنم على فرضها وَسُنَّتها كتابًا منشورًا مختومًا في أسفله (١). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني معاذ بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهم، قال: خرج أبان بن سعيد بن العاص بلوَاء معقودٍ أبيض وراية سوداء يحمل لواءَه رافع مولى رسول الله، ﷺ ، فلما أشرف على البحرين تَلَقَّته عبدُ القيس حتى قَدِمَ عَلَي المنذر بن سَاوَى بالبحرين (٢). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد العزيز بن يعقوب الماجِشُون، عن جعفر بن محمود بن محمد، قال: استقبله المنذر بن سَاوَى على ليلةٍ من منزله معه ثلاثمائة من قومه، فاعتنقا ورحَّب به وسأل عن رسول الله، ﷺ ، فأَحْفَى (٣) المسألَة فأخبره أبان بذكر رسول الله، ﷺ ، إياه، وأنه قد شَفَّعهُ في قومه، وأقام أبان بن سعيد بالبحرين يأخذ صدقات المسلمين وجزية معاهديهم، وكتب إلى رسول الله، ﷺ ، يخبره بما اجتمع عنده من المال، فبعث رسول الله، ﷺ ، أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين فحمل ذلك المال (٤).

стр. 1796

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة، قال: لما توفي رسول الله، ﷺ ، وارتدَّت العرب، ارتد أهل هَجَر عن الإسلام، فقال أبان بن سعيد لعبد القيس بلغُوني مأمني، قالوا: بل أقم فلنجاهد معك في سبيل الله فإن الله مُعِزٌّ دينه ومُظهره على ما سواه، وعبدُ القيس لم ترجع عن الإسلام. قال: بل بلّغُوني مأمني، فأشهَدُ أمرَ أصحابِ رسول الله، ﷺ ، فليس مثلي يغيب عنهم، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم. فقالوا: لا تفعل أنت أعز الناسِ وهذا عليك وعلينا فيه مقالةٌ، يقول قائلٌ: فَرَّ من القتال (١). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني معاذ بن محمد، عَن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، قال: مشى إليه الجارُودُ العَبدِي فقال: أنشدك الله أن تخرج من بين أظهرنا، فإن دارنا منيعةٌ، ونحن سامعون مطيعون، ولو كنت اليوم بالمدينة لَوَجَّهَكَ أبو بكر إلينا لمحالفتك إيانا، فلا تفعل فإنك إنْ قدمت على أبي بكر لَامَك وَفَيَّل (٢) رأيك وقال: تخرج من عند قوم أهل سمع وطاعة ثم رَجَعَكَ إلينا، قال: إذن لا أرجع أبدًا ولا أعمل لأحد بعد رسول الله، ﷺ ، فلما أبى عليه إلا كلمةً واحدةً قال أبان: إن معي مالًا قد اجتمع، قالوا: احمله فحمل مائةَ ألف درهم وخرج معه بثلاثمائة من عبد القيس خُفَرَاءَ حتى قدم المدينة على أبي بكر، فلامه أبو بكر وقال: ألا ثَبَتّ مع قوم لم يرتَدُّوا ولم يُبَدِّلوا!؟ قال أبان: هم على ذلك ما أرغبهم في الإسلام وأحسن نياتهم، ولكن لا أعمل لأحدٍ بعد رسول الله، ﷺ (٣). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عمر بن عثمان المخزومي، عن عبد الملك بن عُبيد، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، قال: قال عمر بن الخطاب لأبان بن سعيدٍ حين قدم المدينة: ما كان حقك أن تقدم، وتترك عملك بغير إذن إمامك ثم على هذه الحال، ولكنك أمنته، فقال أبان: إني والله ما كنت لأعمل لأحدٍ بعد رسول الله، ﷺ ، كنت عاملًا لأبي بكر في فضلِه وسابقته

стр. 1797

وقديم إسلامه، ولكن لا أعمل لأحدٍ بعد رسول الله، ﷺ . وشاور أبو بكر أصحابه فيمن يبعث إلى البحرين فقال له عثمان بن عفان: ابعَثْ رجلًا قد بعثهُ رسول الله، ﷺ ، إليهم فَقَدِم عليه بإسلامه وطاعتهم، وقد عرفوه وعرفهم، وعرف بلادهم، يَعنِي: العلاء بن الحضرمي، فأبى ذلك عمر عليه وقال: أكره أبان بن سعيد بن العاص فإنه رجلٌ قد حالفهم، فأبَى أبو بكر أن يكرهه وقال: لا أفعل، لا أُكْرِهُ رجلًا يقول: لا أعمل لأحد بعد رسول الله، ﷺ ، وأجمع أبو بكر بِعثةَ العلاءِ بن الحضرمي إلى البحرين (١). * * * ٧٢٠ - عبدُ الله بن سعيد ابن العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمّه صَفِيّة بنت المُغِيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخزُوم. وكان عبد الله اسمه الحكم، فأسلم قبل فتح مكة، فسماه رسول الله، ﷺ عبد الله، وقُتل يوم مُؤْتَةَ شهيدًا في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. وليس له عقبٌ. وكان أخوه لأبيه وأمه العاص بن سعيد بن العاص قُتِلَ يوم بَدْرٍ كافرًا، وهو أبو سعيد بن العاص الذي ولى الكوفةَ لعثمان بن عفان. * * * ٧٢١ - سَعيدُ بنُ سَعِيد ابن العاص بن أميَّةَ بن عبد شمس. وأمهُ صَفِيَّةُ بنتُ المُغِيرةِ بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم، وأسلم قبل فتح مكة. قال: أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مُرَّةَ المكي، قال: حدّثني سعيد بن

стр. 1798

سالم القدَّاح، عن ابن سمعان، قال: استعمل رسول الله، ﷺ ، على سُوق مكة حين افتتحها سَعِيدَ بن سعيد بن العاص بن أمية، فلما أراد النبي، ﷺ ، أن يخرج إلى الطائف خرج معه سعيد بن سعيد فاستشهد بالطائف، وليس له عقبٌ. وكذلك قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي في قتله بالطائف شهيدًا وليسَ له عَقِبٌ. * * * ومن بني نَوْفَل بن عَبْدِ مَنَاف ٧٢٢ - جُبَيْرُ بنُ مُطْعِم (١) ابن عَدِيّ بن نوفل بن عَبْد مَنَاف وأُمّه أمُّ جَمِيل بنتُ شُعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْلِ بن عامر بن لُؤيّ. وأمها أم حبيب بنت العاص بن أمية بن عبد شمس بن عَبْد مَنَاف. وكان لجبير بن مطعم من الولد: محمد، وأم حبيب، وأم سعيد. وأمهم قُتَيلَةُ بنت عَمْرو بن الأزرق بن قيس بن النعمان بن مَعْدِيكَرِبَ بن عِكَبِّ (٢) بن كنانة بن تيم بن أسامةَ بن مالكِ بن بكر بن حُبَيْب (٣) بن عَمْرو بن غنم بن تَغْلِب. ونافع بن جبير وأبو سليمان وسعيد الأصغرُ وعبد الرحمنِ الأكبر. وأُمّهم أم قِتَال بنت نافع بن ضُريب بن عَمْرو بن نوفل. وسعيد الأكبر، وأمه قَوّالةُ بنتُ الحَكَم بن قُريع بن حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص من بني سليم. وعبد الرحمن الأصغر بن جُبَير لأم ولدٍ. وأم جُبير بنت جبير وأمها امرأةٌ من ربيعة.

стр. 1799

ومحمد الأكبر بن جبير وأمه أم حُجَيْر بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص من بني سليم. ورملةُ بنت جبير وأمها أم ولدٍ. وكان أبوه مُطْعِم بن عَدِيّ من أشراف قريش، وكان كافًّا عن أذى رسول الله، ﷺ ، وقال رسول الله، ﷺ ، في أسارى بدرٍ: لو كان مُطْعِم بن عدي حَيًّا لوهبتُ له هؤلاء النَّتْنَى (١) وذلك ليد كانت لمطعم عند رسول الله، ﷺ ، كان أجارهُ حين رجع من الطائف وقام في نقضِ الصحيفة التي كَتَبَتْ قريشٌ على بني هاشم حين حُصِرُوا في الشِّعْب، وكان مبقيًا على نفسه، لم يكن يُشرِفُ لعداوةِ رسول الله، ﷺ ، ولا يُؤذيه ولا يؤذي أحدًا من المسلمين، كما كان يفعل غيرهُ. ومدحهُ أبو طالبٍ في قصيدةٍ له قالها. وتوفي مطعم بن عدي بمكة بعد هجرة رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة بسنةٍ، ودفن بالحَجُون مقبرةُ أهل مكةَ. وكان يوم توفي ابن بضع وتسعين سنة، وكان يكنى أبا وهبٍ ورَثَاهُ حسّان بن ثابت الأنصاري بقصيدته التي يقول فيها (٢): فلو كان مجدٌ يُخْلِدُ اليومَ واحدًا … من الناس أنجى مجدُهُ اليومَ مُطْعِما أجَرتَ رسولَ الله مِنهم فأصبحوا … عبيدكَ ما لبَّى مُلَبٍّ وَأَحْرَمَا قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا هشام بن عمارة، عن عثمان بن أبي سُليمان، عن نافع بن جُبَير بن مطعم، عن أبيه، قال: قدمت على النبي، ﷺ ، المدينة في فِدَاء أسارى بدرٍ، فاضطجَعتُ في المسجد بعد العصر وقد أصابني الكَرَى فنمتُ، فأقيمتْ صلاةُ المغرب فقمت فزعًا بقراءة رسول الله، ﷺ ، في المغرب ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [سورة الطور: ١، ٢] فاستمعت قراءتهُ حتى خرجتُ من المسجدِ فكان يومئذٍ أولَ ما دخل الإسلام قلبي.

стр. 1800

أخبرنا عفان بن مسلم، ويحيى بن عبّاد، قالا: حدّثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت بعض إِخْوَتِي، عن أبي، عن جُبَيْر بن مُطْعِم، أنه أتى رسول الله، ﷺ ، في فِدَاء بدرٍ وما أسلم يومئذٍ، قال: فدخلتُ المسجدَ ورسول الله، ﷺ ، يصلي المغرب، فقرأ بالطور. قال عفان في حديثه: فكأنما صُدِعَ عن قلبي حين سمعت القرآن. وقال يحيى بن عباد: فكأنما صَدَعَ قلبي. قال: أخبرنا عفان بن مسلم ويحيى بن عباد، وهشام أبو الوليد الطَّيالسيّ، قالوا: حدّثنا شُعْبَة، عن النعمان بن سالم، سمع رجلًا يقول: سمعت جُبَيْر بن مُطْعِم يقول: قلت: يا رسول الله، إن ناسًا يزعمون أن ليس لنا أجور بمكة فقال النبي، ﷺ : لَتَأْتِيَنَّكُم أُجُورُكم ولو كنتم في جُحْر ثعلب. قال يحيى بن عبّاد في حديثه: ثم أصغَى إليّ برأسهِ فقال: إن في أصحابي منافقين (١). قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، قال: حدّثنا مِسْعَر، عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب (٢) قال: مَرَّ جُبَيْر بن مُطْعِم على ماءٍ فسألوه عَنْ فَرِيضَةٍ فقال: لَا عِلْمَ لي ولكن أرسلوا معي حتى أسأل لكم عنها فأرسلوا معه فأتى عُمَر فسأله ققال: من سرَّهُ أن يكون فقيهًا عالمًا فليفعل كما فعل جُبَيْر بن مطعم سُئِلَ عما لا يعلم، فقال: الله أعلم. قال محمد بن عمر: وكان جبير بن مطعم يُكنى أبا محمد، وأسلم قبل الفتح، ونزل المدينة ومات بها في دارِهِ في وسط من خلافة معاوية بن أبي سفيان. * * * ومن بني عبد الدار بن قُصَيّ ٧٢٣ - عثمان بن طَلحَة ابن أبي طلحة بن عبد العُزى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ. وأُمّه السُّلافة الصغرى بنت سعد بن الشُّهَيد من بني عَمرو بن عوف من الأنصار.

стр. 1801

وكان لعثمان بن طلحة من الولد: عبدُ الله وهو أبو شَيبة، وأُمامةُ، وجَميلةُ. وأمُّهم أم شيبة بنت سماك بن سعد بن شُهَيْد من بني عَمْرو بن عوف من الأنصار. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد العَبدَريّ، عن أبيه، قال: قال عثمان بن طلحة: لقيني رسول الله، ﷺ ، بمكة قبل الهجرة، فدعاني إلى الإسلام فقلتُ: يا محمد العجبُ لك حيثُ تَطمَعُ أن أتّبعك وقد خالفتَ دينَ قَوْمِكَ وجئتَ بدينٍ مُحدَثٍ، فَفَرّقتَ جماعَتَهم وأُلْفَتَهُم، وأذهَبتَ بهاءهم فانصرف (١). وكنا نفتح الكعبةَ في الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل [النبي ﷺ ] يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فَغَلَّظتُ عليه ونلت منه، وَحَلُمَ عَنِّي ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بِيَدِي أَضَعُه حَيثُ شِئتُ فقلت: لقد هلكت قريشُ يومئذٍ وَذَلَّت. فقال رسول الله، ﷺ : بل عَمِرَتْ وعزَّت يومئذٍ، ودخل الكعبة فَوَقَعَتْ كلمتُه مني موقعًا ظننتُ يومئذٍ أن الأمر سيصير إلى ما قال (٢). قال: فأردتُ الإسلام ومُقاربةَ محمدٍ، ﷺ ، فإذا قومي يَزْبُرُونني زَبْرًا شديدًا (٣) ويُزْرُونَ برأيي، فأمسكت عن ذكره. فلما هاجر رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة جعلتْ قريشٌ تُشفِقُ من رجوعه عليها. فَهُم على ما هم عليه حتى جاء النفيرُ إلى بَدْر، فخرجْتُ فيمن خرج من قومنا، وشهدتُ المشاهدَ كُلَّها معهم على رسول الله، ﷺ . فلما دخَل رسول الله، ﷺ ، مكة عام القَضِيَّة غَيَّر الله قلبي عَمَّا كان عليه، ودخلني الإسلام، وجعلت أفكر فيما نحن عليه، وما نعبدُ من حَجَر لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا ينفعُ ولا يضرُّ، وأنظر إلى رسول الله، ﷺ ، وأصحابه، وظَلَفِ (٤) أنفسهم عن الدنيا، فيقع ذلك منّي فأقول: ما عمِلَ القومُ إلا على الثواب لما يكون

стр. 1802

بعد الموت، وجعلتُ أحبُّ النظر إلى رسول الله، ﷺ ، إلى أَنْ رأيتُه خارجًا من باب بني شَيْبَة يريد مَنزِلَهُ بالأَبْطَح، فأردتُ أن آتِيَه وآخُذَ بيده وأُسلِّم عليه، فلم يُعْزَمْ لي على ذلك، وانصرفَ رسول الله، ﷺ ، راجعًا إلى المدينة، ثم عُزِمَ لي على الخروج إليه، فأدْلجتُ إلى بطن يَأْجَج (١)، فألقى خالدَ بن الوليد، فاصطحبنا حتى وصلنا الهَدَةَ (٢)، فما شعرنا إلا بعمرو بن العاص، فانقمعنا منه وانقمع منّا، ثم قال: أين يُريدُ الرجلان؟ فأخبرناه، فقال: وأنا أريد الذي تريدان، فاصطحبنا جميعًا حتى قدمنا المدينة على رسول الله، ﷺ ، فبايعته على الإسلام، وأقمت حتى خرجت معه في غزوة الفتح، ودخل مكة فقال لي: يا عثمان ائْتِ بالمفتاح، فأتيتُهُ بهِ، فأخذه مني ثم دفعه إليّ مُضْطَبِعًا (٣) عليه بثوبه، وقال: خُذها تالدةً خالدةً، لا ينزعُها منكم إلا ظالم: يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصلُ إليكم من هذا البيت بالمعروف. قال عثمان: فلما ولَّيتُ ناداني، فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلتُ لك؟ قال: فذكرت قوله، ﷺ ، لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يومًا أضعه حيث شئت فقلت: بلى أشهد أَنَّكَ رسولُ الله (٤). قال: أخبرنا أنسَ بن عياض أبو ضَمرة اللّيثي، قال: حدّثنا محمد بن أبي يحيى، عن عمر بن أبي مُعَتِّب عن سعيد بن المسيِّب، قال: لما دخل رسول الله، ﷺ ، مكة ففتحها، أخذَ المفتاح بيده ثم قام للناس، فقال: هل من متكلِّم؟ هل من أحدٍ يتكلَّم؟ قال: فتَطَاول العباسُ ورجالٌ من بني هاشم رجاءَ أَنْ يدفعها إليهم مع السِّقاية قال [فقال] لعثمان بن طلحة: تعالَ. قال فجاء فوضعها في يده (٥).

стр. 1803

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، قال: حدّثنا حمّادُ بن سلمةَ، قال: أخبرنا محمد بن عَمرو، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: أن رسول الله، ﷺ ، لما دخل مكة يوم الفتح، بعث إلى أم عثمانَ بن طلحةَ أن ابعثي إليّ بالمفتاح، قالت: لا. واللَّاتِ والعُزَّى لا أبعث إليه بالمفتاح. فأراد رسول الله، ﷺ ، أن يبعث إليها فيأخذُه منها قَسْرا (١). فقال عثمان بن طَلحة: يا رسول الله، إنها حديثةُ عهدٍ بالكفر فابعثني إليها، فأرسَلَه إليها، فقال: يَا أُمَّهْ، إنه قد حدث أمرٌ غيرَ الذي كان، فاعلمى أنك إن لم تدفعي إليه المفتاحَ قُتِلْتُ أنا وأخي، فأعطتهُ فجاء به مسرعًا، فلما دنا من رسول الله، ﷺ ، عَثرَ ووقع المفتاحُ، فقام رسول الله، ﷺ ، فحَنَى عليه [بثوبه] (٢) ووصف حماد: بثوبه: غطاهُ، ففتح الباب فدخل فقام عند أركان البيت وأرجائه يدعو، ثم صلَّى ركعتين بين الأسطوانتين، فلما فرغ خرج فقام على البابِ وتطاول عليّ بن أبي طالب رجاء أن تجمع له السقاية والحِجَابة. فقال النبي، ﷺ ، يا عثمان هاك خُذُوا مَا أعطاكمُ الله. قال: أخبرنا مَعنُ بن عيسى، قال: حدّثنا عبد الله بن المُؤمِّل المخزومي، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ، عن عبد الله بن عباس، أن النبيّ، ﷺ ، قال: خُذُوهَا يا بني طلحة خالدةً تالدةً، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يعني: الكعبة والحجابةَ. قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي، قال: حدّثنا مسلم بن خالد الزّنجي، أنه سَمع الزُهريّ يقول: دَفع النبي، ﷺ ، مفتاحَ الكعبةِ إلى عثمان بن طلحة فقال: ها: يا عثمان غيبوه قال: فخرج عثمان إلى الهجرة وخلف (٣) شيبة فحجَب بعده (٤). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قدم عثمان بن طَلحة على رسول الله، ﷺ ، المدينة مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص مُسلِمًا قبل الفتح، فلم يزل في المدينة حتى خرج رسول الله، ﷺ ، لغزوة الفتح فخرج معهُ.

стр. 1804

قال محمد بن عمر: وكان قدوم عُثمانَ المدينةَ في صفر سنة ثمان، وهذا أثبت الوجوه في إسلام عثمان، ولم يزل مقيمًا بالمدينة حتى قُبض رسول الله، ﷺ ، فرجع مكة فنزلها حتى مات بها في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان. * * * ومن بني زُهرةَ بن كِلَابٍ. ٧٢٤ - الأَسْوَدُ بنُ عَوْفِ ابن عَبد عوف بن عبدِ بن الحارث بن زُهْرَة بنِ كِلَاب. وأمه الشِّفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهْرَةَ بن كِلَاب (١)، وهي أُمّ أخيه عبد الرحمن بن عوف. وكان للأسود بن عوفٍ من الولد عبدُ الله وبهِ كان يُكَنَّى. ومحمد قُتل يومَ الزَّاويَةِ (٢) - بالبصرة مع ابن الأشْعث، ورافِع وأُمُّهم أم رافع بنت عامر بن كُرَيز بن ربيعة بن حَبيب بن عبد شمس بن عبد مَنَاف بن قُصيّ. والنضرُ دَرَجَ لا عقبَ لهُ. وجابرُ بن الأسود وكان عاملًا لعبد الله بن الزُّبير على المدينة، فدعا الناسَ إلى البيعة له فبايعوا. وأَبَى سعيدُ بن المُسَيِّب وقال: حتى يجتمع الناس عليه، فَقَدّمهُ فضربهُ بالسياطِ، فبلغ ذلك عبد الله بن الزّبير فأنكر عليه وقال: مثلُ سعيدٍ يُفعل به هذا! وما عند سعيد خلافٌ ولا أمرٌ يُخاف. وعبدُ الله الأصغر بن الأَسْود. وميمونةُ وأُمّهم - ما خلا النَّضْر - الساكِنَةُ بنت أَبِي إهَاب بن عبد عوفِ بن عبد بن الحارث بن زُهْرَة. وعُبَيدُ الله وعبدُ الملك وعبد الرحمن دَرَجَ، وأمُّ المهاجر، وكرمةُ. وأمُّهم ميمونة بنت عَمْرو بن الحصَين بن يوسف بن حميرى من بني أسد بن خزيمة خلفاء ثَقيف. وعباسُ بن الأسود قُتل يومَ الزَّاوِيَةِ مع ابن الأشعث، وعائشَةُ وأُمّها أم ولد وأمُّ يحيى وأمها الفَرعةُ بنت نافع بن حَكم بن سَعد العَشِيرَة.

стр. 1805

وأمُّ نافع هذا هند بنت أبي سفيان بن أُمية بن عبد شمس، ولها أمهات أشراف من قريش وغيرهم. وليلى بنت الأسود وأمها امرأة من أهل اليمن. قال محمد بن عمر: وأسلَم الأسود بن عوف قبل الفتح وهاجَر إلى المدينة. * * * ومِنْ بَني تَيْم بن مُرّةَ ٧٢٥ - عبدُ الله بن أبي بكر الصِّدّيق ﵁، ابن أبي قُحافة. واسمه عثمان بن عامر بن عَمرو بن كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرّة. وأمَّه قُتيلة بنت عبد العُزّى (١) بن عبد أسعد بن نضر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ. وهي أيضًا أم أسماء بنت أبي بكر. وكان لعبد الله بن أبي بكر من الولد إبراهيمُ وأُمّه عائشة بنت إياس بن قُنْفذ بن عُمَير بن جُدعَانَ من بني تَيْم بن مُرة، وقد انقرض ولد عبد الله بن أبي بكر فلم يبقَ له عقبٌ، وأسلَم عبد الله بن أبي بكر قديمًا. قال محمد بن سعد: ولم نسمع لهم بمشهدٍ إلّا يومَ الطائِفِ، فإنه شهد يومئذٍ مع رسول الله، ﷺ ، فرماهُ أبو محجن بسهم فلم يزل منه جَريحًا ثم اندَمل الجرح ثم انتقَضَ بعد ذلك، فتوفي بعد وفاةِ رسول الله، ﷺ ، في شوال سنة إحدى عشرة من الهجرة (٢) في خلافة أبي بكر الصّدّيق، فكان يُعَدُّ من شهداءِ الطائف، وَنَزَلَ في حفرته عمر بن الخطابِ وطلحةُ بن عُبيد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر. * * *

стр. 1806

٧٢٦ - عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدّيق ﵁، واسمه عبد الله بن أبي قُحافة، واسمه عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سَعد بن تَيم بن مُرّة، وأمه أم رُومان بنت عامر بن عُوَيمِر بن عبد شمس بن عَتَّاب بن أذينة بن سُبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كِنانة (١). قال محمد بن سعد: وسمعتُ مَن ينسبها إلى غير هذا النسب فيقول: أمّ رُومان بنت عامر بن عَميرة بن ذُهْل بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة (٢). وكان لعبد الرحمن بن أبي بكر من الوَلدِ محمدٌ وهو أبو عَتِيق، فولدُهُ يقال لهم بَنُو أَبِي عَتِيق وأمّه أمية بنت عَدِيّ بن قَيْس بن حُذافة بن سَعد بن سهم. وعبدُ الله بن عبد الرحمن وأمّ حَكيم، وحَفْصةُ الكبرى وهي التي زوجتها عائِشةُ المنذرَ بن الزبير، وعبد الرحمن غائبٌ، فلما قَدِمَ أراد نَسْخ ذلك. وقال: يُفتَاتُ عَلَيَّ في بَنَاتِي، ثم رضي وأجازَ ما صنعت عائشة. وأسماء وأم كلثوم وحفصة الصغرى وهم لأمهاتِ أولادٍ شتى. قالوا: ولم يزل عبد الرحمن بن أبي بكر على دين قومه وشهد بدرًا مع المشركين، ودعا إلى المبارزَةِ فقام إليه أبو بكر الصديق ليُبارِزهُ فقال له رسول الله، ﷺ : مَتِّعنا بنفسك، ثم أسلم عبد الرحمن بن أبي بكر في هُدْنَةِ الحُدَيبِية وهاجر إلى المدينة، وأَطْعَمَه رسولُ الله، ﷺ ، بخَيْبَر أربعين وسقًا. وكان عبد الرحمن يكنى أبا عبد الله، ومات سنة ثلاث وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد سعد بن أبي وقّاص. قال: أخبرنا يحيى بن عَبَّاد، والحسن بن موسى قالا: حدّثنا حمادُ بن سَلمة، قال أخبرنا عُمارة بن أبي عمار، قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق يخضبُ بالحِناء والكتم.

стр. 1807

قال: أخبرنا وكيعُ الجَرّاح، ومحمد بن عبد الله الأسدي، عن عبد الله بن لَاحِق المكي، عن ابن أبي مُليكة سمعته منه قال: مات عبد الرحمن بن أبي بكر بالحُبْشِيّ (١)، فحُمِل حتى دُفن بمكة. قال: فقدمت عائشة من المدينة فَأَتَت قبرَه فوقفت عليه فتمثلت بهذين البيتين: وكُنّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمة حِقْبَةً … من الدَّهْر حتى قيل: لن يَتَصدَّعَا فلما تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي ومَالكًا … لطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً مَعَا (٢) ثم قالت أَمَا واللهِ لو شهدتك ما زرت قبرك، ولو شهدتك ما حُمِلتَ من حبشيّ ميتًا وَلَدُفِنْتَ مكانك. قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب (٣)، عن عبد الله بن أبي مُليكَةَ أن عبد الرحمن بن أبي بكر تُوفي في منزلٍ له فحملناه على رقابنا ستة أميالٍ إلى مكة وعائشةُ غائبةُ. فقَدِمَتْ بعد ذلك فقالت: أَرُوني قبرَ أخي فأَرَوها فَصَلَّت عليه. قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ، قال: حدّثنا ابن عون، قال: حدّثني رجلٌ قال: قدمت أم المؤمنين ذَا طُوًى (٤) حين رفعوا أيديهم عن قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: فَفَعَلَتْ يومئذ وتركت، قال: فقالت لها امرأة: وإنك لتفعلين مثل هذا يا أمَّ المؤمنين؟! قالت: وما رأيتني فعلت؟ إِنه ليست لنا أكباد كأكباد الإبل، قال: ثم أمرت بفُسطاط فَضُرب على القبر وَوَكّلوا به إنسانًا وارتحلت، فقدم ابن عمر فرأى الفسطاط مضروبًا فسأل عنه فحدثوه، فقال للرجل: انزعه قال: إنهم وكّلوني به، قال: وأخبرهم أن عبد الرحمن إنما يُظلّه عَملهُ (٥).

стр. 1808

قال: أخبرنا عبد الملك بن عَمرو أبو عامر العَقَدِيّ، قال: حدّثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مُليكة، أن عبد الرحمن بن أبي بكر تُوفي بالحبشى على رأس أميال من مكة فنقله ابن صفوان إلى مكة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما آسى من أمره إلا على خصلتين: إنه لم يُعَالَجْ ولم يُدفن حيث مات. قال نافع: وكان مات فجأة (١). قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أُوَيس المدني الأعشى، عن سليمان بن بلال، عن عَلقمة بن أبي عَلقمة، عن أمه، أن امرأة دخلت بيت عائشة فصلّت عند بيت النبي، ﷺ ، وهي صحيحة، فَسَجَدَتْ فلم ترفع رأسَها حتى مَاتَتْ، فقالت عائشة: الحمد لله الذي يحيي ويميت، إن في هذا لَعِبْرَةً لي في عبد الرحمن بن أبي بكر، رَقَدَ في مَقِيلٍ له قَالَهُ، فذهبوا يُوقِظونَهُ فوجدوه قد مات، فدخل نفس عائشة تهمةٌ أن يكون صُنع به شرٌ، أَوْ عُجِلَ عليه فَدُفِن وهو حَيّ، فرأت أنه عِبرةٌ لها، وذهب ما كان في نفسها من ذلك (٢). قال: أخبرنا مَعن بن عيسى، قال: حدّثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد، قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في نومٍ نامَهُ، فأعتقت عنه عائشة أم المؤمنين رقابًا. قال: أخبرنا وَكيع الجَرّاح، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن القَاسم بن محمد، أن أخًا لعائشةَ نزل منزلًا فمات فجأةً، فأعتقت عنه عائشة رقيقًا من تلاده، ترجو أن ينفعه ذلك بعد موته (٣). قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن القَاسم بن محمد، أن عبد الرحمن بن أبي بكر تُوفي في قائلةٍ لهُ وأن عائشةَ أختهُ زوج النبي، ﷺ ، أعتقت عنه عبيدًا له مِن تِلَادِهِ، ترجو أن ينفعهُ الله بهم. قال: أخبرنا الفضلُ بن دُكَيْن، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جُرَيْج، عن ابن أَبِي مُلَيْكَة، قال: كانت عائِشة تزور قبرَ أخيها في هَودج.

стр. 1809

قال: أخبرنا الفضل بن دُكَيْن، قال: حدّثنا سُفْيان، عن منصور بن صَفِيَّة، عن أمهِ، قال: مات أخٌ لعائشةَ بوادِي الحُبْشِيّ فَحُمل من مكانه، فأتيناها نعزّيها فقالت: ما أجد في نفسي إلا أنني وَددتُ أنه كان دُفن مكانهُ. قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطَّيالِسيّ، قال: حدّثنا نافع بن عمر، عن ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قال: قالت عائشة: ما آسى من أمر عبد الرحمن على شيء إلا أنه لم يُعالج ولم يُدفن حيث مات. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جُرَيْج، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن القاسم بن محمد قال: مات عبد الرحمن بن أبي بكر فعمدَ ابنه فلم يدع أحدًا من قرابته إلا أعطاهُ شيئًا. قال القاسم: فذكرته لابن عباس فقال: ما كان ذلك له، إنما ذاك في الوصية أن يدُلّهُم عليها أو يأمرهم بها. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا خالد بن أبي عثمان القرشي، قال: حدّثني أيوب بن عبد لله بن يَسار، قال: مرّ عبد لله بن عمر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أخِي عائشة وعليه فُسطاطٌ مضروبٌ فقال للغلام: انزعهُ فإنما يُظلهُ عمله. قال الغلام: تَضْرِبُنِي مَوْلَاتِي. فقال له ابن عمر: كلا، فنزعه. قال: أخبرنا سليمان بن حربٍ، قال: حدثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيكَة: أن عبد الرحمن بن أبي بكر حَلفَ ألَّا يُكلّم إنسانًا، فلما مات قالت عائشة: يميني في يمين ابن أمّ رُومان. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدّثنا همام بن يحيى، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيكَةَ أنه رأى عائشةَ جائية من قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس والحسن بن موسى الأشيب، قالا: حدّثنا زهير بن معاوية، قال: حدّثنا عُروة بن عبد الله بن قُشير، قال: حدثني ابن أبي مُلَيْكَة، قال: رأيت عائشة بعينيّ هاتين تزور قبر أخيها فتُسَلِّم وتُصَلِّي عليه وتستغفر له. قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن زيد، قال: حدّثني أبو التَّياح، عن عبد الله بن أبي مُليكة قال، رُحتُ من منزلي وأنا أريدُ منزل عائشة

стр. 1810

فتلقتني على حمار فسألت بعض من كان معها قال: زارت قبر أخيها عبد الرحمن. * * * ٧٢٧ - عبد الرحمن بن عثمان ابن عُبَيد الله بن عثمان - وكان عثمان بن عمرو بن كعب يقال له شارِب الذهب وبه كان يُلقب - ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة. وأمه هند بنت عُمَير بن جُدْعان (١) أخي عبد الله بن جُدْعان. وهو ابن أخي طلحة بن عُبَيد الله. وكان لعبد الرحمن بن عثمان من الولد معاذٌ لأم ولدٍ، وعثمان، وأم أبيها، وهند. وأمهم جَفنةُ بنتُ الحُصين بن عبد الله بن الأعلم بن خَليع بن ربيعة بن عُقَيل. وأم عثمان بنت عبد الرحمن وأمها أم ولدٍ (٢). وأسلمَ أيامَ الحديبيةِ، وروى عن النبي، ﷺ ، قال: دخلنا مع النبي، ﷺ ، في عُمرة القَضِيَّةِ فَسَلَكَ بين الصخرتين اللتينِ في المروة مُصْعِدًا فيها، وروى عنه سَعِيد بن المسيِّب. * * *

стр. 1811

ومن بني مَخْزُوم بن يَقظة ٧٢٨ - خَالِدُ بنُ الوليدِ ابن المُغِيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم. ويكنى أبا سليمان. وأمهُ عصماء، وهي لُبَابَة الصغرى بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير بن الهُزَم بن رُوَيْبَةَ بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صَعصعة بن قيس عَيلَان. وهي أخت أم الفضل بنتُ الحارث أم بني العباس بن عبد المطلب. وكان لخالد بن الوليد من الولد: المهاجرُ، وعبدُ الرحمن لا بقية له. وعبدُ الله الأكبر قُتل بالعراق: وأمهم أسماء بنتُ أنس بن مُدرِك الخَثعَمِيّ. وسليمانُ بن خالد وبه كان يكنى، وأمه كبشَةُ بنت هَوْذَةَ بن أبي عَمْرو بن عَدّاء بن أُميّة بن رِزَاح بن ربيعة بن حَرَام بن ضنّةَ بن عَبد بن كَبِير بن عُذرة مِنْ قُضَاعة. وعبدُ الله الأصغر وأمه أم تَمِيم. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبي يُحَدِّث قال: قال خالدُ بنُ الوليد: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قَذَفَ في قلبي حبَّ الإسلام، وحضرني رشدي، وقلتُ قد شهدتُ هذه المواطن كلها على محمدٍ، فليس مَوْطنٌ أشهده إلا انصرفت وأنا أرى في نفسي أني مُوضِعٌ في غير شيء، وأن محمدًا سيظهرُ. ودافعتْهُ قريش بالراحِ يوم الحديبية فقلتُ: أين المذهَبُ؟ وقلتُ: أخرج إلى هِرقل. ثم قلت: أخرج من ديني إلى نصرانيةٍ أو يهودية، فأقيم مع عجمٍ تابعًا لهم مع عيبِ ذلك عَلَيَّ! ودخل رسول الله، ﷺ ، مكة عام القَضِيَّةِ فتغيَّبتُ، فكتب إِلَيّ أَخي: لم أَرَ أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلُكَ عَقلُكَ! ومثل الإسلام جَهِلَهُ أحدٌ؟ وقد سألني رسول الله، ﷺ ، عَنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به فقال: ما مثل خالد جَهِلَ الإسلام! ولو كان جعل نكايته وَحَدَّهُ (١) مع

стр. 1812

المسلمين على المشركين لكان خيرًا له ولقدّمناه على غيره فاستدرِكْ يا أخي ما فاتك، فقد فَاتتْك مَوَاطنُ صالحةٌ. فلمَّا جاءني كتابُه نَشِطتُ للخروج، وزادني رغبةً في الإسلام وَسَرَّتْنِي مقالةُ رسول الله، ﷺ ، وأرى في المنام كأني في بلادٍ ضَيِّقةٍ جَدْبةٍ، فخرجت إلى بلدٍ أخضَرَ واسعٍ. فقلت: إن هذه لَرُؤْيا. فذكرتها بَعدُ لأبي بكر الصِّدِّيق فقال: هو مَخْرَجُكَ الذي هَداك الله فيه للإسلام، والضِّيقُ الذي كنتَ فيه: الشِّرْكُ فأجمعت الخروج إلى رسول الله، ﷺ ، وطلبت من أُصَاحبُ فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة وخرجنا جميعًا فأدلجنا سَحَرًا. فلما كنّا بالهَدةِ إذا عمرو بن العاص فقال: مرحبًا بالقوم. قُلنا: وبك، قال: أين مسيركم؟ فأَخْبَرْناهُ وأَخْبَرَنا أنه يريدُ أيضًا النبي، ﷺ ، لِيُسْلِم. فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة على رسول الله، ﷺ ، أول يومٍ من صفر سنة ثمان. فلما طلعتُ على رسول الله، ﷺ ، سلّمت عليه بالنُبوةِ، فردَّ عَلَيّ السلام بوجْهٍ طَلْقٍ فأسلمت وشهدت شهادة الحق. فقال رسول الله، ﷺ : قد كنت أرى لك عقلًا رجوتُ أن لا يُسْلِمُك إلا إلى خيرٍ وبايعتُ رسول الله، ﷺ ، وقلت: استغفر لي كلّ ما أوضعتُ فيه من صدٍّ عن سبيل الله، فقال: إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبلَه. قلت: يا رسول الله على ذلك؟ فقال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدٍّ عن سبيلكَ. قال خالد: وتقدم عَمْرو بن العاص وعثمان بن طلحة فأسلما وبايعا رسول الله ﷺ ، فوالله ما كان رسول الله، ﷺ ، من يوم أسلمت يَعْدِل بي أحدًا من أصحابه فيما يَحْزبه (١). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله، عن الزُّهْري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: أقطع رسول الله، ﷺ ، خالد بن الوليد مَوْضِعَ دارهِ.

стр. 1813

قال محمد بن عمر: وإنما (١) أقطعَهُ رسول الله، ﷺ ، بعد خَيبر وبعد قدوم خالد عليه، وكانت دُورًا لحارثة بن النعمانِ ورثها من آبائه فوهبها لرسول الله، ﷺ ، فأقطع منها رسولُ الله، ﷺ ، خالدَ بن الوليد وعمّار بن ياسر. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني إسماعيل بن مُصْعَب، عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت قال: لما كان يوم مُؤتةَ وقُتل الأمراء أخذ اللواءَ ثابت بن أقرم وجعل يصيح: يَا لَلْأَنْصار، فجعل الناس يثوبون إليه. فنظر إلى خالد بن الوليد فقال: خُذِ اللواءَ يا أبا سليمان، قال: لا آخذه، أنت أحق به، لك سِنٌّ وقد شهدتَ بدرًا. قال ثابت؟ خذْهُ أيها الرّجُلُ، فواللهِ ما أخذتهُ إلا لك! وقال ثابت للناسِ: آصطلحتم على خالدٍ؟ قالوا: نعم فأخذ خالد اللواءَ فحملهُ ساعةً وجعلَ المسلمونَ يحملون عليه، فثبتَ حتى تكَركَرَ (٢) المشركون، وحمل بأصحابه فَفَضَّ جَمعًا من جمعهم، ثم دهمه منهم بشرٌ كثيرٌ فانحاشَ بالمسلمين فانكشفوا راجعين (٣). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفُضَيل (٤)، عن أبيه، قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله، ﷺ : الآن حَمى الوطيسُ (٥)! قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن نُمير (٦)، ومحمد بن عُبَيد الطنافسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت خالد بن الوليد بالحيرة يقول: لقد انقطع في يدي يوم مُؤْتَةَ تسعةُ أسياف وصَبَرتْ في يدي صفيحةٌ لي يمانِيّةٌ. قال: أخبرنا عبد الملك بن عَمْرو أبُو عامر العَقَدِي، قال: حدّثنا الأسودُ بن

стр. 1814

شيبان، عن خالد بن سُمَيْر، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: حدّثنا أبو قَتَادَةَ الأنصاري فارسُ رسول الله، ﷺ ، أنه سمع رسول الله، ﷺ ، لما ذَكرَ جيشَ الأمراء ونعاهم واحدًا واحدًا واستَغفرَ لهم قال: ثم أخذ اللواء خالدٌ سيفُ الله قال: ولم يكن من الأمراءِ، قال فرفع رسول الله، ﷺ ، ضَبْعَيْهِ (١) وقال: اللهم هو سيفٌ من سيوفك فانتصر به، قال: فيومئذٍ سُمي خالد سيف الله (٢). قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني صفوان بن عَمْرو، عن عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجَعِيّ، قال: خرجت مع مَن خرج مع زَيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مُؤْتَةَ وَرَافَقَني مَدَدِيّ (٣) من اليمن ليس معه شيء غير سيفه، فَنَحَرَ رجلٌ من المسلمين جَزُورًا، فسأله المَددِيّ طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدّرق، ومضينا فلقينا جُموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرجٌ مُذْهَبٌ وسلاحٌ مُذْهَبٌ فجعل الروميّ يَفْرِي (٤) بالمسلمين، وقعد له المَدَدِيّ خَلْفَ صخرةٍ فَمرّ به الروميّ فَعَرْقَبَ فرسَه، فخَرَّ وعلاه بالسيف فقتله، وحاز فَرسَهُ وسِلَاحَه. فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ منه السَّلَب، قال عوفٌ: فأتيتهُ فقلت: يا خالد، أما عَلمتَ أن رسول الله، ﷺ ، قضى بالسَّلَب للقاتل؟ قال: بَلَى. ولكني استكثرته. فقلت: لَتَرُدَّنَّهُ إليه أو لَأُعَرِّفَنَّكُمَا عند رسول الله، ﷺ ، فأبى أن يردّ عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله فقصصنا عليه قِصَّةَ المَدَدِيّ وما فعل خالد: فقال رسول الله، ﷺ : يا خالد، ما حَمَلكَ على ما صنَعْتَ؟

стр. 1815

فقال: يا رسول الله استكثرتُه. فقال رسول الله، ﷺ : يا خالد رُدَّ عليه ما أخذتَ. قال عوف فقلت: دونك يا خالد، أَلَمْ أَفِ لك؟ فقال رسول الله، ﷺ : وما ذاك؟ فأخبرته فغضب رسول الله، ﷺ ، وقال: يا خالد، لا تردّه عليه، هل أنتم تاركون لي أُمَرائي؟ لكم صفوةُ أمرِهم وعليهم كدره (١). قال الوليد بن مسلم سألت ثور بن يزيد، عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان، عن جُبير بن نُفَير، عن عوف بن مالك الأشجعيِّ بنحوٍ من ذلك. قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال رسول الله، ﷺ : إنما خالد سيفٌ من سيوفِ الله صبَّهُ على الكُفّار. قال: أخبرنا يَعْلَى ومحمد ابنا عُبَيد، قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال رسول الله، ﷺ : لا تُؤذوا خالدًا فإنه سيفٌ من سيوفِ الله صبَّهُ الله على الكفار. قال: أخبرنا محمد بن عُبَيد، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشَّعْبِيّ، قال: قال خالد: يا رسول الله إنهم يقعون في عرضي فلا أستطيع إلا أن أرُدّ عليهم مثلَ ما يقولون لي. فقال رسول الله، ﷺ : لا تُؤذوا خالدًا فإنه سيفٌ من سيوفِ الله سَلَّهُ الله على أعدائه. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، قال: حدّثنا مهْدي بن ميمون، قال: حدّثنا محمد عبد الله بن أبي يعقوب، قال: حدثني الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب قال في حديثه الذي رواه عن النبي، ﷺ ، حين نَعَى زيدَ بنَ حارثة وجَعْفرَ بن أبي طالب وعبدَ الله بن رَوَاحة إلى الناس قال: ثم أخذ الرايةَ سيفٌ من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَةَ، عن إسحاق بن عبد الله، عن ابن كعب بن مالك، قال: حدّثني نَفَرٌ من

стр. 1816

قومي حضروا يوم مُؤْتَة. قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني داود بن سنان، عن ثعلبة بن أبي مالك. قال محمد بن عمر: وحدثني خالد بن إلياس، عن صالح بن أبي حسان، عن عُبَيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ. قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني نافع بن ثابت، عن يحيى بن عَبّاد، عن أبيه، عن رجل من بني مُرّة كان في الجيشِ بمُؤْتَةَ، قالوا جميعًا: لما أخذَ خالدُ بن الوليدِ اللواءَ يومئذٍ انكشفَ الناسُ منهزمين. قال أبو سعيدِ الخُدْرِيّ في حديثه فلما سمع أهل المدينة بجيش مُؤْتَةَ قادمين تلقّوهم بالجُرْفِ (١)، فجعلَ الناسُ يَحثُون في وجوههم التراب ويقولون: يا فُرّار، أَفَررتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله، ﷺ : ليسوا بفُرّار، ولكنهم كُرَّار إن شاء الله (٢)! قال محمد بن عمر: وأمرَ رسول الله، ﷺ ، خالدَ بن الوليد يوم فتح مكة أن يدخل من اللِّيط فدخل فوجد جمعًا من قريش وأحابيشها، فيهم صَفوان بن أُمية، وعِكْرمةُ بن أبي جهل، وسُهيل بن عَمْرو، فمنعُوه الدخول وشهرُوا السلاح ورموا بالنبل، وقالوا: لا تدخلها عَنوةً أبدًا! فصاحَ خالدُ في أصحابه وقاتلهم، فقتل منهم أربعةً وعشرين رجلًا، عشرونَ منهم من قريش، وأربعةٌ من هُذَيل، وانهزموا أقبح انهزام حتى قُتلوا بالحَزْوَرَة (٣) وهم مُوَلَّون في كل وجهٍ. ولما ظهر رسول الله، ﷺ ، على ثنيةِ أَذاخِر نظرَ إلى البارِقةِ (٤) فقال: ما هذه البارقة، ألم أَنْه عن القتال؟ قيل: يا رسول الله، خالدُ بن الوليد قُوتل فقَاتل، ولو لم يُقاتَل ما قَاتل! فقال رسول الله، ﷺ : قضاء الله خير (٥)! قال وجعل خالد بن الوليد وهو يُقاتل خارجة بن خُوَيْلِد الكعبي (٦) يومئذٍ يتمثل بأبيات:

стр. 1817

إِذَا مَا رسُولُ اللهِ فِينَا رَأَيْتَنا … كَلُجَّةِ بَحْرٍ نال فيها سَرِيرُها إذا ما ارتدينا الفارسِيّةَ فوقَها … رُدَيْنِيّةٌ يَهدِي الأصم خَرِيرُها إذا ما ارتديناها فإن محمدًا … لها ناصرٌ عَزَّتْ وعَزَّ نصيرُها قال محمد بن عمر: أنشدني هذه الأبيات حِزام بن هشام الكعبي، عن أبيه (١). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن يزيد الهُذلي، عن سعيد بن عمرو الهُذلي، قال: لما فتح رسول الله، ﷺ ، مكة بَثَّ السرايا، فبعثَ خالد بن الوليد إلى العُزّى يهدمها، فخرج خالد في ثلاثين فارسًا من أصحابه، فلما انتهى إليها جَرَّد سيفهُ فخرجت إليه امرأةٌ سوداء، عُريانةٌ، ناشرةُ الرأس قال وأخذني اقْشِعرَارٌ في ظهري، وجعل السادِنُ يصيحُ بها (٢): أَعُزَّايَ شُدِّي شَدَّةً لا تُكَذِّبي … على خالد أَلْقِي القناعَ وَشَمِّرِي أَعُزَّايَ إن لم تَقْتُلي المرءَ خالدًا … فَبُوئِي بذنب عاجلٍ أوْ تَنَصَّرِي (٣) قال: وأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول: [يا عُزَّ] كُفْرانَكِ لَا سُبْحَانَكِ … إني وجدت الله قَدْ أَهَانَكِ قال: فضربها بالسيف فَجزَّلها باثنين، ثم رجع إلى رسول الله، ﷺ فأخبره، فقال: نعم، تلك العُزَّى وقد آيَسَت أن تُعْبَدَ ببلادكم أبدًا (٤). قال: أخبرنا عبد الله بن نُمَير، عن الأجلح، عن عبد الله بن أبي الهُذيل، قال: وأخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد بن خالد بن سَلَمة المَخْزُومِيّ أبو عبد الرحمن، قال: حدّثني أبي: قال: وأخبرنا عُبَيد الله بن موسى، عن إِسْرَائيلِ، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي الهُذيل، أن نبيّ الله، ﷺ ، بعث خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليكسرها فجعل يضربها وهو يقول:

стр. 1818

[يا عُزّ] كفرانكِ لا سبحانكِ … إني رأيت الله قد أَهَانَكِ قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن حَكيم بن حَكيم بن عَبَّاد بن حُنَيف، عن أبي جَعفر، قال: لما رجع خالد بن الوليد من هَدْم العُزَّى إلى رسول الله، ﷺ ، وهو مقيم بمكة، بعثه رسول الله، ﷺ ، إلى بني جَذِيمَةَ وهم من كِنَانَة، وكانوا بأسفل مكة على ليلةٍ أو أقل ناحيةَ يَلَمْلَمَ (١) بموضعٍ يُقال له الغُمَيْصَاء (٢)، فبعثه داعيًا لهم إلى الإسلام ولم يبعثهُ مقاتلًا، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار وَبَنِي سُلَيم، فانتهى إليهم فقالوا: نحن قومٌ مسلمون وقد صَلَّيْنا وَصَدَّقْنا بمحمد وبنينا المساجدَ وأذَّنا فيها. قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قومٍ من العرب عداوةً، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح. قال: فَضَعُوا السلاحَ! فوضع القوم السلاح فأوقع بهم، وبلغ رسول الله، ﷺ الخبر، فبعث عَلِيَّ بنَ أبي طالب فَودَى ما أصابَ خالد منهم (٣). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يوسف بن يعقوب بن عُتْبَة، عن عثمان بن محمد عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: ما عَتَبَ رسول الله، ﷺ ، على خالدٍ فيما صنع ببني جَذِيمَةَ، لأنهم إنما ادَّعوا الإسلام بعدَ الذي صَنَعَ بهم، ولقد كان المُقَدَّمَ عنده حتى مات، ولقد خرج بعد ذلك معه إلى حُنَيْن على مُقدِّمته وإلى تَبُوك، وبعثه رسول الله، ﷺ ، مِنْ تَبُوك إلى أُكْيَدْرِ دُوَمة (٤) الجَنْدَل فسَبَى من سَبَى ثم صالحهم. ولقد بعثَهُ إلى بني الحارث بن كعب بنجران في شهر ربيع الأول سنة عشرٍ أميرًا وداعيًا إلى الله، فخرج في أربعمائة من المسلمين، فقدِمَ عليهم فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا ولم يقاتلوا، وكتبَ بذلك إلى رسول الله، ﷺ ، مع بلال بن الحارث المُزني، فكتب

стр. 1819

إليه رسول الله، ﷺ : أن يقدم عليه هو وَوَفْدُ بني الحارث بن كعب، فقدموا معهُ فأنزلهم خالدٌ عليه في منزله وأكرمهم. ولقد خرج مع رسول الله، ﷺ ، في حجة الوَدَاع، فلما حَلَقَ رسولُ الله، ﷺ ، رأسه أعطاه ناصِيتَهُ فكانت في مُقَدَّم قَلَنْسُوته، فكان لا يلقى أحدًا إلا هزمهُ، ولقد قاتَل يوم اليَرْمُوك فوقعت قَلَنْسُوَته. فجعل يقول: القَلَنْسُوَة القَلْنْسُوَة! فَقِيلَ له بعد ذلك: يا أبا سليمان: عجبًا لِطَلَبِك القَلَنْسُوَة وأنت في حَوْمَةِ القتال! فقال: إن فيها نَاصِيةَ رسولِ الله، ﷺ ، ولم أَلْقَ بها أَحَدًا إلَّا وَلَّى، ولقد تُوفِّي [خالد] يوم تُوفِّى، وهو مجاهد في سبيل الله، وقَبْرُهُ في بعض قُرى حِمْص فأخبرني مَنْ غَسَّله وحَضَره ونظرَ إلى ما تحت ثيابه، ما فيه مَصَحّ، ما بين ضربةٍ بسيف أو طعنةٍ برُمْحٍ أو رَمْيَةٍ بسهمٍ (١). وقال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا هُشَيم، قال: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن أبيه، قال: لما كان يَوْمَ اليَرْمُوك فَقَدَ خالدُ بنُ الوليد قَلَنْسُوَةً لَهُ فقال: اطلبوها، فطلبوها فلم يجدوها، فقال: اطلبوها فطلبوها فوجدوها، فإذا هي قَلَنْسُوَةٌ وَسخَةٌ. فقال: اعْتَمَرَ رسولُ الله، ﷺ ، فَحَلَقَ رَأْسَه فَابْتَدَرَ الناسُ إلى شَعرِهِ فسبقتُهم إلى ناصيَته فجعلتها في هذه القلنسوة، فما شهدت قتالًا وهي معي إِلَّا رُزِقْتُ النَّصْرَ. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أَبِي أُوَيْس، قال: حدثني سُلَيمان بن مُسلم بن جَمَّاز (٢) القارِئ مَوْلَى بني زُهرة، عن قيس بن محمد بن عبد العزيز بن قيس، عن العباس بن عبد الله بن معبد يرفعه إلى رسول الله، ﷺ ، أن خالد بن الوليد أراد الخروج إلى مكة وأنه استأذن النبي، ﷺ ، في رجل من بني بَكْر - يُريد أن يَصْحَبه فقال له رسول الله، ﷺ : اخرج به، أخوك (٣) البِكْريّ (٤)

стр. 1820

وَلَا تَأْمَنْهُ فقال فخرج معه فاستيقظ به خالد وقد سلَّ السيف يريد أن يقتله به، فقتله خالد بن الوليد. قال: أخبرنا يزيد بن هارون ومحمد بن عُبَيْد ومحمد بن عبد الله الأسدي، قالوا: حدّثنا مِسْعَر، عن عَلْقَمةَ بن مَرْثَد (١)، عن عبد الرحمن بن سابط قال: أصاب خَالِدَ بنَ الوليد أَرَقٌ فقال له رسول الله، ﷺ : ألا أُعلّمك كلماتٍ إذا قُلْتَهُنَّ نِمْتَ! قال قل: اللهم رب السماوات السبع، وما أَظَلّت، ورب الأرض (٢) وما أَقَلّت، ورب الشياطين وما أَضَلّت، كُنْ جَارِي من شَرِّ خَلْقِك كلهم جميعًا، أن يَفْرُطَ عَلَيّ أحدٌ منهم أو أَنْ يَطْغَى، عَزَّ جَارُكَ ولا إله غَيْرُكَ. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدّثنا حُمَيْد الطَّوِيل، قال: حدثنا بكر بن عبد الله المزني، أن أبا الْعَالِيَةَ حدثهم، أن خالد بن الوليد اشتكى إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني ألقى تفزاعًا من الليل (٣) فقال ألا أعلمك كلمات علمنيهن جبريل - قال: قال يا محمد إن عفريتًا من الجن يكيدك - فقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يُجاوزهُنّ بَرٌّ ولا فاجرٌ من شر ما ينزل من السماء وَمَا يَعْرُجُ فيها، ومن شر ما ذَرَأَ في الأرض وَمَا يَخْرُج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن كل طارقٍ إِلّا طارِقًا يطرُقُ بخيرٍ يا رحمن. قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا حماد بن سَلَمة، قال أخبرنا علي بن زَيدٍ، عن يحيى بن جَعْدَةَ، أن خالد بن الوليد اشتكى إلى رسول الله، ﷺ ، تَفْزاعًا يَجِدُهُ بالليل، ثم ذكر مثل حديث حُمَيد الطَّوِيل عن بكرٍ. قال: أخبرنا يحيى بن حَمّاد، قال: حدثنا أبو عَوَانَةَ، عَن عاصم بن كُلَيْب، قال: سمعتُ شَيْخَيْنِ في المسجد ممّن سمع خالد بن الوليد، قال أحدهما

стр. 1821

لصاحبه، أتذكر ما لقينا يوم الكُمَّةِ (١) بِسُبَاطة الحِيرَة؟ قال: نعم ما لقينا يومًا أشد منه، وقعت كُمَّةُ خالد بن الوليد فقال: التمسوها وغضب فوجدناها، فوضعها على رأسه ثم اعتذر إلينا فقال: لا تلوموني فإن نبيّ الله، ﷺ ، حين حَلَقَ رأسه انْتَهَبْنا شَعْرَهُ فوقعت ناصيتُه بيدي فجعلتها ناصيةً لي في هذه الخِرْقَة، فإنما شَقَّ عَلَيَّ حين وَقَعَتْ. قال: أخبرنا محمد بن عُبَيْد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زِياد، قال: قال خالد بن الوليد عند موته: ما كان في الأرض ليلة أحَبَّ إليّ من ليلةٍ شديدة الجَلِيدِ في سَرِيَّةٍ من المهاجرين أُصَبِّحُ بهم العَدُوّ فعليكم بالجهاد (٢). قال: أخبرنا عبد الله بن نُمَيْر، قال: حدّثني إسماعيل، عن قَيْس، قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد منعني كثيرًا من القراءة الجهادُ في سبيل الله (٣). قال: أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْن، قال: حدّثنا الوليد بن عبد الله بن جُمَيْع قال: حدثني رجل أثق به أَنّ خالدَ بنَ الوليد أَمَّ الناس بالحيرة فقرأ مِنْ سُوَرٍ شَتَّى ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال: شغلني عن تَعْلِيم القرآن الجهادُ. قال: أخبرنا أَبُو معاويةَ الضَّرِير، قال: حدّثنا هشامُ بن عُرْوَةَ، عن أبيهِ، قال: كانت في بني سُليم رِدّةٌ، فبعث إليهم أبو بكر خالدَ بن الوليد فجمع منهم رجالًا في حَظَائِر ثم أحرقهم بالنار، فجاء عمر إلى أبي بكر فقال: انْزِعْ رجلًا عَذَّبَ بعذابِ الله! قال: فقال أبو بكر لَا وَالله لَا أَشِيمُ (٤) سَيْفًا سَلَّهُ الله على عبادهِ حتى يكون هو يَشِيمُهُ قال: ثم أمره فَمَضَى من وجهه ذلك إلى مُسَيْلمَةَ (٥). قال: أخبرنا عبد الله بن نُمَيْر، قال: حدّثنا هشام بن عُرْوَةَ، قال: أخبرني أبي أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: انْزِعْ خالدَ بن الوليد فإنّهُ عَذَّبَ بعذابِ الله! قال: لا أَشِيمُ سيفًا سلَّهُ الله على الكفّار حتى يكون الله الذي يَشِيمهُ.

стр. 1822

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني عُتبة بن جَبِيرَة، عن عاصم بن عُمَر بن قَتَادَة، قال: وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزُّهْرِيّ. قال: وحدثني أُسَامةُ بن زَيْدٍ اللَّيْثِيّ عن الزُّهْرِيّ، عن حَنْظَلَة بن عليّ الأَسْلَمِيّ. قال: وحدثني مَسْلَمَةُ بن عبد الله بن عُروة، عن أبيه، دخل حديثُ بعضهُم في حديث بعض قال: لما ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ من العرب وامتنعوا من الصَّدَقَة شَاوَرَ أبو بكر الصّدّيق في غَزْوِهِم وقِتَالهم، فأجمعَ البِعثَةَ إليهم، وخرَج هو نفسهُ إلى قَنَاة فَعَسْكَرَ بها، وأظهر أنه يريد غَزْوَهُم بنفسهِ ليبَلغَهُم ذلك فيكون أَهْيب لهم. ثم سَارَ من قَنَاة في مائة من المهاجرين وخالد بن الوليد يحمل لواءهُ حتى نزل بَقْعَاء (١)، وهو ذو القَصَّة وأراد أن يتلاحق به الناس ويكون أسرَعَ لخروجهم، فلما تلاحقوا به استعمل خالدَ بنَ الوليد عليهم، وأمرَهُ أن يسير إلى أهلِ الرِّدَّةِ فيقاتلهم على خمس خصالٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإِقَامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاة، وصيام شَهرِ رمضانَ. ورجع أبو بكر إلى المدينة ومضَى خالد بن الوليد ومعه أهل السابقة من المهاجرين والأنصار فأَوْقَعَ بأهل الرِّدَّةِ من بني تميم وغيرهم بالبِطَاحِ، وقَتَلَ مالِكَ بن نُوَيْرة، ثم أوقع بأهلِ بُزَاخَةَ وحَرَّقَهُم بالنار، وذلك أنه بلغه عنهم مقالةٌ سَيِّئةٌ، شَتَموا النبي، ﷺ ، وثَبَتوا على رِدَّتهم. ثم مَضَى إلى اليَمَامَةِ فقاتلَ بها مُسَيْلِمَةَ وبَنِي حَنِيفَة حتى قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ وصالحَ خالد أهلَ اليمامةِ على الصفراءِ والبيضاءِ والحَلْقَةِ والكُرَاعِ (٢) وَنصفِ السَّبْيِ. وكتب إلى أبي بكر: إِنِّي لم أصالحهم حتى قُتِل من كنتُ أَقوى به، وحتى عَجِفَ الكُراعُ ونُهِكَ الخُفُّ (٣)، ونُهِكَ المسلمون بالقتل والجراح، وقدمَ خالدُ بن الوليد المدينةَ من اليمامة ومعهُ سبعة عشر رجلًا من وَفْدِ بَنِي حَنِيفةَ فيهم مُجَّاعَةُ بن مُرَارَةَ

стр. 1823

وإخوتُهُ، فلما دخل خالد بن الوليد المدينة دخل المسجد وعليه قَبَاءٌ، عليه صَدَأُ الحديد، مُتَقَلِّدًا السيفَ مُعتمًّا في عمامته أَسْهُمٌ، فمرَّ بعمر فلم يكلِّمه ودخل على أبي بكرٍ، فرأى منه كُلَّ ما يُحِبّ، فخرج مسرورًا، فعرفَ عمر أن أبا بكر قد أرضاه، فأمسَكَ عن كلامه، وإنما كان وَجَدَ عليه عمر فيما صنع بِمَالِك بن نُوَيرةَ من قَتْلِهِ إيّاهُ، وتَزَوُّجِ امرأتِهِ، وما كان عليه في نفسه قبل ذلك من أَمْر بني جَذِيمَةُ (١). قال محمد بن عمر: فهذا أَثْبَتُ عندنا أَنّ خالد بن الوليد رجع من اليمامة إلى المدينة. وقد رَوَى قوْمٌ من أهل العلم أَنَّ أبا بكر الصّدّيق كتب إلى خالد حين فرغ من أهل اليمامةِ أَنْ يَسِيرَ إلى العراق فَفَعَلَ. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا شَيبان بن عبد الرحمن، عن جابر، عن عامر، عن البَرَاء بن عَازِب. قال: وحدثني طلحة بن محمد بن سعيد، عن أبيه، عن سعيد بن المُسَيَّب، قالا: كتبَ أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين فرغ من أهل اليمامة أن يسير إلى العراق، فخرج خالد من اليمامة فسار حتى أَتَى الحِيرَةَ فنزل بِخَفَّانِ (٢) - والمرزُبَان بالحِيرَةِ مَلِكٌ كان لكسرى، مَلَّكَهُ حين مات النُّعمان بن المُنْذِر - فتلقاهُ بنو قَبيصَةَ وبنو ثَعْلَبةَ، وعبد المسيح بن حَيَّان بن بُقَيْلَةَ، فصالَحوه عن الحِيرَةِ وأعطوهُ الجزيةَ مائةَ ألف درهم، على أن يَتَنَحَّى إلى السَّوَاد ففعل، وصالحَهم وكتب لهم كتابًا، وكانت أولَ جزية في الإسلام ثم سار خالد إلى عَيْن التَّمر فدعاهم إلى الإسلام فأَبَوْا، فقاتَلَهم قتالًا شديدًا فظفَّرهُ الله بهم، فقتل وسَبَى وبعث بالسَّبْي إلى أبي بكر الصديق. ثم نزل بأهل أُلَّيْس: وهي قرية أسفل الفرات، فصالحَهم، وكان الذي وَلِيَ صُلْحَه هانئ بن جابر الطائِيّ على ثمانين ألف درهم، ثم سار فنزل بِبَانِقْيَا (٣) على شاطئ

стр. 1824

الفُرَاتِ، فقاتلوه ليلةً حتى الصباح ثم طَلبوا الصُّلح فصالحهم وكَتَبَ لهم كتابًا (١). وصالح صَلُوبَا (٢) بن بَصْبَهْرَى - ومنزله بشاطئ الفرات - على جزية ألف درهم، ثم كتَب إليه أبو بكر يأمره بالمسير إلى الشام، وكَتب إليه: إِنِّي قد استعملتك على جُندك، وعَهدتُ إليك عهدًا تقرأهُ وتعمل بما فيه، فَسِر إلى الشام حتى يوافيك كتابي فقال خالد: هذا عمل عمر بن الخطاب حَسَدَني أن يكون فتح العراق على يدي. فاستخلفَ المُثَنَّى بن حارثة الشيباني مكانَهُ، وسَارَ بالأَدِلّاء حتى نزل دُومَةَ الجَنْدَل، فوافاهُ كتابُ أبي بكرٍ وعَهدُهُ مع شَرِيك بن عَبَدَةَ العَجْلاني، فكان أحدُ الأمراءِ بالشام خلافة أبي بكر، وفتح بها فتوحًا كثيرة، وهو الذي ولى صلحَ دمشق وكتب لهم كتابًا فأنفذوا ذلك له، فلما تُوفي أبو بكر وَوَلى عمرُ بن الخطاب عزل خالدًا عما كان عليه، وولى أبا عُبيدة بن الجَرَّاح، فلم يزل خالدُ مع أبي عُبيدة في جُنده يغزو، وكان لهُ بلاءٌ وغَنَاءٌ وإقدام في سبيل الله حتى تُوفِّي ﵀ بحِمْص سنة إحدى وعشرين، وأوصَى إلى عمر بن الخطاب ودُفن في قريةٍ على مِيلٍ من حِمْصَ. قال محمد بن عُمَر: سألتُ عن تلك القريةَ فقيل قَدْ دَثَرَت. قال: أخبرنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِم، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَة، عن عاصم بن بَهْدَلَةَ، عن أبي وائِل، أن خالد بن الوليد كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران وَمِلَاءِ (٣) فارس: سلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدَى، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هُوَ، أما بعد: فإني أَعْرِضُ عليكم الإسلامَ،

стр. 1825

فإن أَقْرَرْتُمَا به فلكما ما لأهل الإسلام وعليكما ما على أهل الإسلام، وإن أَبَيْتُما فإني أعرض عليكما الجزية، فإن أقررتما بالجزية فلكما ما لأهل الجزية، وعليكما ما على أهل الجزية، وإن أَبَيْتُما فإِنّ عندي رجالًا يُحِبّون القتالَ كما تُحِبّ فارسُ الخَمْرَ. قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِي، قال: حدّثنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت خالد بن الوليد أُتِيَ بِسُمٍّ فقال: ما هذا؟ قالوا: سُمّ. فقال: بسم الله وشَرِبَه، وأشار سفيان بيده إلى فيه: قال عبد الله بن الزبير: وذلك بالحِيرَة. قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَيْن ومحمد بن عبد الله الأسدي، قالا: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدّثنا أبو السَّفَر، قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة، فنزل عَلَى بَنِي أُمّ المَرَازِبة [فقالوا: احْذَر السُّمَّ لا يسقيكه الأعاجم] فقال لهم: ائْتُوني بالسّمّ، فلما أتَوْهُ بهِ فوضعه في رَاحَتِه ثم قال: بسم الله، فاقتحمه (١) فلم يضرّهُ بإذن الله شيئًا (٢). قال: أخبرنا هِشَامُ بن الوليد الطَّيالسي، قال: حدّثنا شُعْبَةُ عن الحكم، عن قيس بن أبي حازم، قال: أَمَّنا خالد بن الوليد باليَرْمُوك في ثوب واحدٍ، قد خالف بين طرفيه، وَخَلْفَهُ أصحابُ رسول الله، ﷺ . قال: أخبرنا سليمان بن حَرْب، قال حدّثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن عَطَاء بن السَّائِب، عن مُحَارِب بن دِثَار، قال: قيل لخالد بن الوليد: إنّ في عَسْكَرِكَ من يشرب الخَمْرَ، فركب دابتهُ وجَالَ في العسكر فلقي رجلًا عَلَى مَنْسِج (٣) فرسه زِقُّ خَمْرٍ، فقال له: ما هذا؟ قال: خَلٌّ فقال خالد: اللهم اجعله خَلًّا. قال فجاء الرجلُ أصحابَهُ فقال: قد أتيتكم بخمرٍ مَا شَرِبَت العربُ مثلها، فلما فتحوهُ
следующие страницы →