لصاحبه، أتذكر ما لقينا يوم الكُمَّةِ (١) بِسُبَاطة الحِيرَة؟ قال: نعم ما لقينا يومًا أشد منه، وقعت كُمَّةُ خالد بن الوليد فقال: التمسوها وغضب فوجدناها، فوضعها على رأسه ثم اعتذر إلينا فقال: لا تلوموني فإن نبيّ الله، ﷺ ، حين حَلَقَ رأسه انْتَهَبْنا شَعْرَهُ فوقعت ناصيتُه بيدي فجعلتها ناصيةً لي في هذه الخِرْقَة، فإنما شَقَّ عَلَيَّ حين وَقَعَتْ.
قال: أخبرنا محمد بن عُبَيْد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زِياد، قال: قال خالد بن الوليد عند موته: ما كان في الأرض ليلة أحَبَّ إليّ من ليلةٍ شديدة الجَلِيدِ في سَرِيَّةٍ من المهاجرين أُصَبِّحُ بهم العَدُوّ فعليكم بالجهاد (٢).
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمَيْر، قال: حدّثني إسماعيل، عن قَيْس، قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد منعني كثيرًا من القراءة الجهادُ في سبيل الله (٣).
قال: أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْن، قال: حدّثنا الوليد بن عبد الله بن جُمَيْع قال: حدثني رجل أثق به أَنّ خالدَ بنَ الوليد أَمَّ الناس بالحيرة فقرأ مِنْ سُوَرٍ شَتَّى ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال: شغلني عن تَعْلِيم القرآن الجهادُ.
قال: أخبرنا أَبُو معاويةَ الضَّرِير، قال: حدّثنا هشامُ بن عُرْوَةَ، عن أبيهِ، قال: كانت في بني سُليم رِدّةٌ، فبعث إليهم أبو بكر خالدَ بن الوليد فجمع منهم رجالًا في حَظَائِر ثم أحرقهم بالنار، فجاء عمر إلى أبي بكر فقال: انْزِعْ رجلًا عَذَّبَ بعذابِ الله! قال: فقال أبو بكر لَا وَالله لَا أَشِيمُ (٤) سَيْفًا سَلَّهُ الله على عبادهِ حتى يكون هو يَشِيمُهُ قال: ثم أمره فَمَضَى من وجهه ذلك إلى مُسَيْلمَةَ (٥).
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمَيْر، قال: حدّثنا هشام بن عُرْوَةَ، قال: أخبرني أبي أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: انْزِعْ خالدَ بن الوليد فإنّهُ عَذَّبَ بعذابِ الله! قال: لا أَشِيمُ سيفًا سلَّهُ الله على الكفّار حتى يكون الله الذي يَشِيمهُ.
стр. 1822
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني عُتبة بن جَبِيرَة، عن عاصم بن عُمَر بن قَتَادَة، قال: وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزُّهْرِيّ. قال: وحدثني أُسَامةُ بن زَيْدٍ اللَّيْثِيّ عن الزُّهْرِيّ، عن حَنْظَلَة بن عليّ الأَسْلَمِيّ. قال: وحدثني مَسْلَمَةُ بن عبد الله بن عُروة، عن أبيه، دخل حديثُ بعضهُم في حديث بعض قال: لما ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ من العرب وامتنعوا من الصَّدَقَة شَاوَرَ أبو بكر الصّدّيق في غَزْوِهِم وقِتَالهم، فأجمعَ البِعثَةَ إليهم، وخرَج هو نفسهُ إلى قَنَاة فَعَسْكَرَ بها، وأظهر أنه يريد غَزْوَهُم بنفسهِ ليبَلغَهُم ذلك فيكون أَهْيب لهم. ثم سَارَ من قَنَاة في مائة من المهاجرين وخالد بن الوليد يحمل لواءهُ حتى نزل بَقْعَاء (١)، وهو ذو القَصَّة وأراد أن يتلاحق به الناس ويكون أسرَعَ لخروجهم، فلما تلاحقوا به استعمل خالدَ بنَ الوليد عليهم، وأمرَهُ أن يسير إلى أهلِ الرِّدَّةِ فيقاتلهم على خمس خصالٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإِقَامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاة، وصيام شَهرِ رمضانَ.
ورجع أبو بكر إلى المدينة ومضَى خالد بن الوليد ومعه أهل السابقة من المهاجرين والأنصار فأَوْقَعَ بأهل الرِّدَّةِ من بني تميم وغيرهم بالبِطَاحِ، وقَتَلَ مالِكَ بن نُوَيْرة، ثم أوقع بأهلِ بُزَاخَةَ وحَرَّقَهُم بالنار، وذلك أنه بلغه عنهم مقالةٌ سَيِّئةٌ، شَتَموا النبي، ﷺ ، وثَبَتوا على رِدَّتهم.
ثم مَضَى إلى اليَمَامَةِ فقاتلَ بها مُسَيْلِمَةَ وبَنِي حَنِيفَة حتى قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ وصالحَ خالد أهلَ اليمامةِ على الصفراءِ والبيضاءِ والحَلْقَةِ والكُرَاعِ (٢) وَنصفِ السَّبْيِ. وكتب إلى أبي بكر: إِنِّي لم أصالحهم حتى قُتِل من كنتُ أَقوى به، وحتى عَجِفَ الكُراعُ ونُهِكَ الخُفُّ (٣)، ونُهِكَ المسلمون بالقتل والجراح، وقدمَ خالدُ بن الوليد المدينةَ من اليمامة ومعهُ سبعة عشر رجلًا من وَفْدِ بَنِي حَنِيفةَ فيهم مُجَّاعَةُ بن مُرَارَةَ
стр. 1823
وإخوتُهُ، فلما دخل خالد بن الوليد المدينة دخل المسجد وعليه قَبَاءٌ، عليه صَدَأُ الحديد، مُتَقَلِّدًا السيفَ مُعتمًّا في عمامته أَسْهُمٌ، فمرَّ بعمر فلم يكلِّمه ودخل على أبي بكرٍ، فرأى منه كُلَّ ما يُحِبّ، فخرج مسرورًا، فعرفَ عمر أن أبا بكر قد أرضاه، فأمسَكَ عن كلامه، وإنما كان وَجَدَ عليه عمر فيما صنع بِمَالِك بن نُوَيرةَ من قَتْلِهِ إيّاهُ، وتَزَوُّجِ امرأتِهِ، وما كان عليه في نفسه قبل ذلك من أَمْر بني جَذِيمَةُ (١).
قال محمد بن عمر: فهذا أَثْبَتُ عندنا أَنّ خالد بن الوليد رجع من اليمامة إلى المدينة. وقد رَوَى قوْمٌ من أهل العلم أَنَّ أبا بكر الصّدّيق كتب إلى خالد حين فرغ من أهل اليمامةِ أَنْ يَسِيرَ إلى العراق فَفَعَلَ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا شَيبان بن عبد الرحمن، عن جابر، عن عامر، عن البَرَاء بن عَازِب. قال: وحدثني طلحة بن محمد بن سعيد، عن أبيه، عن سعيد بن المُسَيَّب، قالا: كتبَ أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين فرغ من أهل اليمامة أن يسير إلى العراق، فخرج خالد من اليمامة فسار حتى أَتَى الحِيرَةَ فنزل بِخَفَّانِ (٢) - والمرزُبَان بالحِيرَةِ مَلِكٌ كان لكسرى، مَلَّكَهُ حين مات النُّعمان بن المُنْذِر - فتلقاهُ بنو قَبيصَةَ وبنو ثَعْلَبةَ، وعبد المسيح بن حَيَّان بن بُقَيْلَةَ، فصالَحوه عن الحِيرَةِ وأعطوهُ الجزيةَ مائةَ ألف درهم، على أن يَتَنَحَّى إلى السَّوَاد ففعل، وصالحَهم وكتب لهم كتابًا، وكانت أولَ جزية في الإسلام ثم سار خالد إلى عَيْن التَّمر فدعاهم إلى الإسلام فأَبَوْا، فقاتَلَهم قتالًا شديدًا فظفَّرهُ الله بهم، فقتل وسَبَى وبعث بالسَّبْي إلى أبي بكر الصديق. ثم نزل بأهل أُلَّيْس: وهي قرية أسفل الفرات، فصالحَهم، وكان الذي وَلِيَ صُلْحَه هانئ بن جابر الطائِيّ على ثمانين ألف درهم، ثم سار فنزل بِبَانِقْيَا (٣) على شاطئ
стр. 1824
الفُرَاتِ، فقاتلوه ليلةً حتى الصباح ثم طَلبوا الصُّلح فصالحهم وكَتَبَ لهم كتابًا (١).
وصالح صَلُوبَا (٢) بن بَصْبَهْرَى - ومنزله بشاطئ الفرات - على جزية ألف درهم، ثم كتَب إليه أبو بكر يأمره بالمسير إلى الشام، وكَتب إليه: إِنِّي قد استعملتك على جُندك، وعَهدتُ إليك عهدًا تقرأهُ وتعمل بما فيه، فَسِر إلى الشام حتى يوافيك كتابي فقال خالد: هذا عمل عمر بن الخطاب حَسَدَني أن يكون فتح العراق على يدي. فاستخلفَ المُثَنَّى بن حارثة الشيباني مكانَهُ، وسَارَ بالأَدِلّاء حتى نزل دُومَةَ الجَنْدَل، فوافاهُ كتابُ أبي بكرٍ وعَهدُهُ مع شَرِيك بن عَبَدَةَ العَجْلاني، فكان أحدُ الأمراءِ بالشام خلافة أبي بكر، وفتح بها فتوحًا كثيرة، وهو الذي ولى صلحَ دمشق وكتب لهم كتابًا فأنفذوا ذلك له، فلما تُوفي أبو بكر وَوَلى عمرُ بن الخطاب عزل خالدًا عما كان عليه، وولى أبا عُبيدة بن الجَرَّاح، فلم يزل خالدُ مع أبي عُبيدة في جُنده يغزو، وكان لهُ بلاءٌ وغَنَاءٌ وإقدام في سبيل الله حتى تُوفِّي ﵀ بحِمْص سنة إحدى وعشرين، وأوصَى إلى عمر بن الخطاب ودُفن في قريةٍ على مِيلٍ من حِمْصَ.
قال محمد بن عُمَر: سألتُ عن تلك القريةَ فقيل قَدْ دَثَرَت.
قال: أخبرنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِم، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَة، عن عاصم بن بَهْدَلَةَ، عن أبي وائِل، أن خالد بن الوليد كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران وَمِلَاءِ (٣) فارس: سلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدَى، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هُوَ، أما بعد: فإني أَعْرِضُ عليكم الإسلامَ،
стр. 1825
فإن أَقْرَرْتُمَا به فلكما ما لأهل الإسلام وعليكما ما على أهل الإسلام، وإن أَبَيْتُما فإني أعرض عليكما الجزية، فإن أقررتما بالجزية فلكما ما لأهل الجزية، وعليكما ما على أهل الجزية، وإن أَبَيْتُما فإِنّ عندي رجالًا يُحِبّون القتالَ كما تُحِبّ فارسُ الخَمْرَ.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِي، قال: حدّثنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت خالد بن الوليد أُتِيَ بِسُمٍّ فقال: ما هذا؟ قالوا: سُمّ. فقال: بسم الله وشَرِبَه، وأشار سفيان بيده إلى فيه: قال عبد الله بن الزبير: وذلك بالحِيرَة.
قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَيْن ومحمد بن عبد الله الأسدي، قالا: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدّثنا أبو السَّفَر، قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة، فنزل عَلَى بَنِي أُمّ المَرَازِبة [فقالوا: احْذَر السُّمَّ لا يسقيكه الأعاجم] فقال لهم: ائْتُوني بالسّمّ، فلما أتَوْهُ بهِ فوضعه في رَاحَتِه ثم قال: بسم الله، فاقتحمه (١) فلم يضرّهُ بإذن الله شيئًا (٢).
قال: أخبرنا هِشَامُ بن الوليد الطَّيالسي، قال: حدّثنا شُعْبَةُ عن الحكم، عن قيس بن أبي حازم، قال: أَمَّنا خالد بن الوليد باليَرْمُوك في ثوب واحدٍ، قد خالف بين طرفيه، وَخَلْفَهُ أصحابُ رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا سليمان بن حَرْب، قال حدّثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن عَطَاء بن السَّائِب، عن مُحَارِب بن دِثَار، قال: قيل لخالد بن الوليد: إنّ في عَسْكَرِكَ من يشرب الخَمْرَ، فركب دابتهُ وجَالَ في العسكر فلقي رجلًا عَلَى مَنْسِج (٣) فرسه زِقُّ خَمْرٍ، فقال له: ما هذا؟ قال: خَلٌّ فقال خالد: اللهم اجعله خَلًّا. قال فجاء الرجلُ أصحابَهُ فقال: قد أتيتكم بخمرٍ مَا شَرِبَت العربُ مثلها، فلما فتحوهُ
стр. 1826
إذا هو خَلٌّ، قالوا، ويْلك، والله ما جئتنا إلا بخلٍّ. قال: هذه دَعْوَةُ خالدٍ (١).
قال: أخبرنا مُسلم بن إبراهيم، قال: أخبرنا جُوَيْرِيَةُ بن أسماء، عن نافع، قال: لما قدم خالد بن الوليد من الشام، قَدِمَ وفي عِمَامَتِه أسهمٌ مُلَطَّخَةٌ بالدم قد جعلها في عمامته، فاستقبلهُ عُمَرُ لما دخل المسجد فنزعها من عمامته وقال: أتدخل مسجد النبي، ﷺ ، ومعك أسهمٌ فيها دَمٌ؟! وقد جاهدت وقاتلت وقد جاهد المسلمون قبلك وقاتلوا (٢).
قال: أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْن، ومحمد بن عبد الله الأسديّ قالا: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن العَيْزَار بن حُرَيْث، قال: كان خالد بن الوليد يقول: ما أدري من أيّ يومَيّ أفِرُّ؟ يومٍ أراد الله أن يهْدِيَ لي فيه شهادةً، أو من يوم أراد الله أن يهدي لي فيه كَرامَةً.
قال: أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْن، ومحمد بن عبد الله الأسديّ، قالا: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، قال: مرض خالد بن الوليد بالشام فَحَضَرهُ أُنَاسٌ وهو يَسُوقُ (٣): فقال بعضهم: والله إنه يَسُوقُ، فسمعه فقال: أجل، فأستعين الله على ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أَبِي الزِّنَادِ وغيره، قالوا: قَدِمَ خالدُ بنُ الوليد بعد أَنْ عَزَلَهُ عُمَرُ بنُ الخطاب مُعْتَمرًا، فمرَّ بالمدينة ولقي عُمَرَ ثم رجع إلى الشام فانقطع إلَى حِمْص، فلم يزل بها حتى تُوفي بها في سنة إحدى وعشرين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عَمْرو بن عبد الله بن عَنْبَسَة، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يقول: لم يزل خالد بن الوليد مع أبي عُبَيدةَ حتى توفي أبو عُبَيْدة، واستُخْلِفَ عياضُ بن غَنْم الفِهْرِيّ، فلم يزل خالدٌ معه حتى مات عياضُ بن غَنْم، فاعتزل خالد إلى ثَغْرِ حِمْص، فكان فيه، وَحَبَّسَ خَيْلًا وسِلَاحًا فلم يزل مقيمًا مرابطًا بحمص حتى نُزِلَ بهِ فدخل عليهِ أبو الدَّرْدَاءِ عائدًا له، فقال خالد بن الوليد: إِنَّ خَيْلِي هذهِ التي حَبَّسْتُ في الثغر
стр. 1827
وسلاحي، هو على ما جعلته عليه، عُدّةً في سبيل الله، وقوةً يُغْزَى عليها، وتُعلفُ من مالي، وداري بالمدينة صَدَقَة: حُبُسٌ لا تباع ولا تُورَّث وقد كنت أشهدتُ عليها عُمَرَ بن الخطاب ليالي قَدِمَ الجَابِيَة وهو كان أَمَرني أن أتَصَدَّق بها، ونِعْمَ العَوْنُ هو على الإسلام. والله يا أبا الدَّرْدَاءِ لئن مات عمر لَتَرَيَنَّ (١) أمورًا تُنْكِرها. قال: قال أبو الدَّرْدَاء: وأنا والله أرى ذلك. قال خالد: كنتُ قد وجدتُ عليه في نفسي في أمُورٍ لمَّا تَدَبَّرْتها في مرضي هذا وحضرني من الله حاضرٌ، عرفت أنّ عُمَرَ كان يريدُ الله بكل ما فعل: كنتُ قد وجدتُ في نفسي حيث بعث إِليَّ مَن يُقَاسِمُني مالي حتى أخذ فَرْدَ نَعْلٍ وأخذت فردَ نعل، فرأيته فعل ذلك بغيري من أهل السَّابِقة وَمَنْ شهد بَدْرًا، وكان يُغلظُ عَلَيَّ، وكانت غلظته على غيري نحوًا من غِلْظَتِه عَلَيَّ، وكنت أُدِلّ عليه بقرابة، فرأيتُه لَا يُبَالي قريبًا، وَلَا لَوْمَ لَائِمٍ في غير الله، فذلك الذي أَذْهبَ ما كنتُ أَجِدُ عليه، وكان يُكَثَّرُ عَلَيَّ عندهُ ومَا كان ذلك مِنِّي إلَّا على النظر، كنتُ في حَرْبٍ ومُكَايَدَةٍ، وكنتُ شاهدًا وكان غائِبًا، فكنتُ أُعْطِي على ذلك فَخَالَفَهُ ذلك مِنْ أَمْرِي، وقد جعلتُ وَصِيَّتِي وَتَرِكَتي وإِنْفَاذَ عَهْدِي إلى عُمر بن الخطاب. قال: فَقُدِمَ بالوصيّة عَلَى عمر، فقبلها وترحم عليه، وأنفذ ما فيها. وتزوج عُمَرُ بعدُ امرأتَهُ (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدّثني عمر بن عبد الله بن رَبَاح، عن أبي رباح خالد بن رَبَاح، قال: سمعت ثَعْلَبَة بن أبي مالك يقول: رأيت عمر بن الخطاب بقُبَاء (٣) يوم السبت ومعهُ نفرٌ من المهاجرين والأنصار، فإذا أُنَاسٌ من أهل الشام يُصلُّون في مسجد قُبَاء حُجّاجًا فقال: مَن القوم؟ قالوا: من اليمن، قال: أَيَّ مدائن الشام نزلتم؟ قالوا: حِمْص. قال: هل مِن مُغَرِّبَةٍ (٤) خَبَر؟ قالوا: موتُ خالد بن الوليد يوم رَحَلْنا من حِمْص. قال فاسترجع عُمَرُ مِرَارًا ونكس، وأكثر التَّرَحُّمَ عليه. وقال: كان والله سَدَّادًا لنحورِ العدوّ، ميمون النقيبةِ، فقال له عليّ بن أبي طالب: فَلِمَ عَزَلْتَهُ؟ قال: عَزلْتُه لِبَذْلِه المالَ لأهل الشرف وذوي
стр. 1828
اللسان. قال عليٌّ: فكنتَ عَزَلْتَه عن التبذير في المال وتتركه على جنده! قال: لم يكن يرضى، قال: فَهَلَّا بَلَوْتَهُ (١)؟!
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني يزيد بن عبد الملك، عن الحارث بن الحكم الضَّمْرِيّ، عن شيخ من بني غِفَار، قال: سمعتُ عمرَ بن الخطاب بعد أن مات خالد بن الوليد - وعمر فيما بين قُدَيدٍ وعَسَفَان يقول: وذكر خالدًا وموته - قال: قد ثُلِمَ في الإسلام ثُلْمةٌ لَا تُرْتَق فقلت: يا أمير المؤمنين لم يكن رَأْيُك في حياته على هذا! فقال: نَدِمْتُ على ما كان مِنِّي إليه (٢).
قال محمد بن عمر: وحدثني غير يزيد بن عبد الملك قال: حجَّ عمر بن الخطاب ومعه زبيد بن الصلت وكان كثيرًا ما يسايره، قال: فَعَرَّسنا من الليل بأسفل ثنيّة غَزال، فَجَعلتِ الرّقاقُ تمر من الشام يذكرون خالد بن الوليد بعد موته ويقول راجزهم:
إذا رأيتَ خَالدًا تَجفّفا
وكان بين الأعجَمِين مُنْصِفَا … وهَبَّت الرِّيحُ شمالًا حَرجَفَا.
قال: فجعل عمر يترحم عليه، فقال له زُبيد: ما وجدتُ مثلكَ ومثله إلَّا كما قال الشاعر:
لا أعرفَنَّكَ بعدَ الموتِ تَنْدُبُني … وفي حياتي ما زَوَّدْتَنِي زَادِي (٣)
فقال عمر: لا تقول ذلك، فوالله ما نقمت على خالدٍ في شيء إلا في إعطائِه المال، والله لَيْتَهُ بَقِيَ ما بقي بالجَمَّاءِ حَجَرٌ.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزُّبَير الحُمَيْدِيّ، قال: حدّثنا سُفْيان بن عُيَيْنَةَ، قال: حدّثنا إسماعيل بن أَبِي خالد، قال: سمعت قيس بن أَبِي حازم يقول: لما مات خالد بن الوليد قال عمر ﵀: يرحم الله أبا سليمان لقد كنّا نظنُّ بهِ أمورًا ما كانت (٤).
стр. 1829
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا جُوَيْرِيَةُ بن أسمَاء، عن نافع، قال: لما مات خالد بن الوليد لَمْ يَدَعْ إلا فَرَسَه وسلاحَه وغُلامه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: يرحم الله أبا سليمان كان على غير مَا ظَنَنَّا به (١).
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقَانَ، قال: حدّثنا يزيد بن الأصمّ، قال: لما توفي خالد بن الوليد بكت عليه أم خالد، فقال عمر: يا أُمَّ خالد: أخالدًا وأَجْرَه ترزئين جميعًا! عزمتُ عليك أَلَّا تبيتي حتى تُسَوَّدَ يداك من الخضاب (٢).
قال: أخبرنا وَكِيعُ بن الجَرّاح، وأبو معاوية الضَّرِير، وعبد الله بن نُمَيْر: قالوا: حدّثنا الأَعْمَش، عن شَقِيق بن سَلَمة، قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نِسْوةُ بَنِي المُغِيرَة في دار خالد يَبْكِين عليه، قال فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالدٍ وهن خُلَقاء أن يُسمِعْنَك بعضَ ما تكره، فَأَرْسِلْ إليهن فانهَهُنّ! فقال عمر: وما عليهن أَنْ يُرِقْنَ دُمُوعَهُنَّ على أبي سليمان، ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقَةً (٣). قال وكيع: النقعُ: الشق. واللقلقة: الصَوتُ.
قال: أخبرنا هشام بن الوليد الطَّيَالِسيّ، قال: حدّثنا شَرِيك، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي وائِل، قال: لما مات خالد بن الوليد قال عمر بن الخطاب: مَا عَلَى نساء بني المُغِيرَة أن يَسْفَحْنَ مِنْ دُمُوعِهِنَّ عَلَى أبي سليمان، ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقَةً (٣). والنقعُ: الشَّقّ. واللَّقْلَقَة: الصوتُ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة، عن عبد الله بن عِكرمة قال: عجبًا لقول الناس: إن عمر بن الخطاب نَهَى عن النَّوْحِ! لقد بكى على خالد بن الوليد بالمدينة ومكة (٤) نساءُ بني المُغِيرَة سبعًا، يشققن الجيوبَ، ويضربن الوجوه، وأطعموا للطعام تلك الأيام حتى مضت، ما ينهاهنَّ عمر (٥).
стр. 1830
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عن عبد الرحمن بن أَبِي الزِّنَاد، قال: كان خالد بن الوليد يُشْبِهُ عُمرَ، يعني في خَلقِهِ وصِفَته وَكَلَّمَ عَلْقمةُ بن عُلَاثَة عمَر بن الخطاب في السَّحَرِ وهو يَظُنُّه خالدَ بنَ الوليد لشبههِ به.
* * *
٧٢٩ - عبد الله بن أبي أُمَيَّة
ابن المُغِيرَة بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزُوم، وأمّه عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وكان اسم أبي أمية بن المغيرة: سُهيل، وهو زادُ الركب (١). كان إذا سافر معه قَوْمٌ أَنْفَقَ عليهم.
وكان لعبد الله بن أبي أُمَيّة من الولد: عبدُ الله وسليمانُ دَرَجَ، وأمهما أم عبد الله بنت طارق بن عامر بن سعد بن ربيعة بن يَرْبُوع بن وائلة بن نَصْر بن معاوية. وخديجةُ وأمّها رَيْطَةُ بنت هِشَام بن المُغِيرة بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزُوم. وكان عبد الله بن أَبِي أُمَيَّة بن المُغِيرَة أشدَّ قريش عداوةً لرسول الله، ﷺ ، وأشدّه مبادَاةً بردّ ما جاء من عند الله، وكان يُعرّض لرسول الله، ﷺ ، بالأذى، ونزل فيه آيٌ من كتاب الله، وكان مؤذيًا للمسلمين جماعةً. وكان يوضع في كل مسير تسيره قريش لقتال رسول الله، ﷺ .
فلما كانت عُمْرة القَضيَّةِ ودخل رسول الله، ﷺ ، مكة خرج فنزل بعلى عَلَى عشرة أميال من مكة، فأقام حتى خرج رسول الله، ﷺ ، فَكَانَ مَنْ مَرَّ به يَسْتَخْبِره عن رسول الله، ﷺ ، وعَمَّنْ معه من المسلمين فَيُعَيِّبُون ويُصَغِّرون الأمرَ حتى مرّ به رجلٌ من بني بكر بن هَوَازِن، فسأله؟ فقال: يا أبا محمد، الصدق أحبّ إليك أم الكذب؟ قال: بل الصدق وما خيرٌ في الكذب. فَأَخْبَرَهُ عن رسول الله، ﷺ ، والمسلمين وعن قوتهم وصِحَّتِهم وجماعاتهم وعُلُوِّ أمرهم. قال: فعرفت كل ما قال ووقع مني كل موقع، وندمت على ما سلف مني، وَدَخَلَني
стр. 1831
الإسلامُ فقلت: ما أرى محمدًا يَقْبَل مِنِّي، ثم عُزِمَ لِي عَلَى الخروج إليه فلقيتُ أبا سفيان بن الحارث فإذا رأيه مثل رأيي، فخرجنا جميعًا نريدُ: رسول الله، ﷺ ، بالمدينة، فلقيناه بنيقِ العُقَاب فيما بين السُّقْيَا والعَرْج (١)، ولم نكن شعرنا بخروجِه لغزوة الفتح، وذلك أَنّ الأخبار طُوِيَتْ عن أهل مكة، فطلبنا الدخول عليه فَأَبَى أن يُدْخلنا، فكلّمته أُمُّ سَلَمَة فقالت: يا رسول الله صِهْرُك وابنُ عَمِّك وابن عَمَّتِك وأخوك من الرَّضَاعة - تعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - وقد جاء الله بهما مُسْلِمَيْنِ لا يكونا أشقى الناس بك! فقال رسول الله، ﷺ : لا حاجة لي بهما، أَمَّا أخوك فالقائل لي بمكة ما قال، فقالت: إنما هو من قومك ما هو، وكل قريش قد تكلم ونزل القرآن فيه، وقد عفوت عَمَّنْ هو أعظم جُرْمًا منه وأنت أحقُّ الناس عَفَا عن جرمه فقال عبد الله بن أبي أمية: إنَّما جئت لأُصَدِّقك وأُومِنُ بك وَلِي مِنَ القَرَابَةِ مَالِي والصِّهْرِ بِكَ، وجعلتْ أُمُّ سَلَمَةَ تكلمهُ وتُرَقِّقُهُ عليهما، فرقّ رسول الله، ﷺ ، لهما، فدخلا وأسلما وَكَانَا جميعًا حَسَنَى الإسلام، وشهدَا مع رسول الله، ﷺ ، فتحَ مكة وحُنَيْن والطائف، ورمِيَ عبدُ الله بن أبي أُمَيَّة من حِصْن الطائف فَقُتِلَ يومئذ شهيدًا.
* * *
٧٣٠ - سَعِيدُ بن حُرَيْثِ
ابن عَمْرو بن عثمان بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم. وأمه عَمْرَةُ بنتُ هشام بن حِذْيَم بن سعيد بن رِياب بن سَهم. وكان لسعيد بن حُرَيث من الولد، فاطمةُ تزوجها عَمّار بن ياسر فولدت له، وأُمُّها أم ولدٍ. ولم يكن لسعيد بن حُرَيْث عقب، وهو أخو عَمْرو بن حُرَيْث. وكان أسَنّ من عَمْرو، وأسلم قبل الفتح، وهو الذي قَتَل ابن خَطَل يوم الفتح. وقسم النبي، ﷺ ، شيئًا وجده في البيت، فَأَعْطَى سعيدَ بن حُرَيْث منه. وتحول سعيد بن حُرَيْث إلى الكوفة فنزلها مع أخيه عَمْرو بن حُرَيْث، وقد كان غزا خراسان حين غُزِيَتْ.
стр. 1832
ومن بني سَهْم بن عَمْرو بن هُصَيْص بن كعب
٧٣١ - عَمْرُو بنُ العاص
ابن وائِل بن هاشم بن سُعَيد بن سَهْم، ويكنى أبا عبد الله. وأُمّه النَّابِغَة بنت خُزَيمة سَبِيَّةٌ من عَنَزَةَ وأخواه لأمّه عَمْرو بن أُثاثة (١) بن عبّاد بن المطلب بن عبد مناف بن قُصَيّ (٢) [وعُرْوة بن أَبي أُثاثة] (٣) وأَرْنَبُ بنتُ عفيف بن أبي العاص بن أُمَيَّة بن عبد شمس.
وكان لعمرو بن العاص من الولد عبدُ الله، وأمه رَيْطَةُ بنتُ مُنَبِّه بن الحَجّاج بن عامر بن حُذَيْفَة بن سَعْد بن سَهْم بن عَمْرو. ومحمد بن عَمْرو وأمُّه مِنْ بَلِيّ.
قال: (* أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عَمْرو بن العاص: كنت للإسلام مُجَانِبًا مُعَانِدًا، حضرتُ بدرًا مع المشركين فنجوتُ، ثم حضرت أُحُدًا فنجوتُ، ثم حضرتُ الخندقَ فنجوت فقلتُ في نفسي: كم أوضِع؟ والله ليظْهَرَنّ محمدٌ على قريش، فلحقت بمالي بالوَهْطِ (٤)، وأَقْلَلْتُ (٥) من الناسِ، فلم أحضر الحُدَيْبِيَةَ وَلَا صُلْحَهَا، وانصرف رسول الله، ﷺ ، بالصلح وَرَجَعَتْ قريشٌ إلى مكة، فجعلت أقول: يدخل محمدٌ قابلًا مكةَ بأصحابه، ما مكة لنا بمنزل ولا الطائف، وما شيء خيرٌ من
стр. 1833
الخروج، وأنا بعدُ نَاتٍ (١) عن الإسلام، أرى لو أسلمتْ قريش كلّها لم أسلم فَقَدِمتُ مكةَ فجمعتُ رجالًا من قومي كانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدِّمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا وَمِدْرَهُنَا (٢) مع يُمنِ نَقِيبة (٣) وبركةِ أمرٍ قلتُ: تعلَّموا والله أَني لأرى أمر محمد أَمْرًا يعلو الأمورَ عُلوًّا مُنْكَرًا، وإِني قد رأيت رأيًا. قالوا: ما هو؟ قلت: نَلْحَق بالنَّجَاشِيّ فنكون عنده، فإن يَظْهَرْ محمدٌ كنا عند النجاشي، [فنكون] تحت يده أحب إلينا من أن نكون تحت يَدَي محمدٍ، وإن تَظْهَر قريش فنحن مَنْ قد عَرفوا. قالوا: هذا الرأيّ! قلتُ: فاجمعُوا ما تُهْدُونه له. وكان أَحَبُّ ما يُهْدَى إليه من أرضنا الأَدم. قال: فجمعنا أَدَمًا كثيرًا، ثم خرجنا فقدمنا على النَّجاشي، فوالله إِنَّا لعنده إِذْ جاء عَمْرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ، وكان رسول الله، ﷺ ، بعثهُ إليه بكتابٍ كتب إليه يُزَوِّجه أُمَّ حَبِيبَة بنتَ أبي سُفْيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عَمْرو بن أُمَيَّةَ. ولو قد دخلتُ عَلَى النَّجاشِيّ قد سألتُه إياه فأَعطانيه فضربتُ عنقه، فإذا فعلتُ ذلك سَررْتُ قريشًا، وكنت قد أَجْزَأْت (٤) عنها حين قَتَلْتُ رسولَ محمدٍ. قال: فدخلتُ على النجاشي فسجدتُ له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي! أَهْدَيْتَ إِلَيَّ من بلادك شيئًا؟ فقلت: نعم أيها الملك، أَهْدَيْتُ إليك أَدَمًا كثيرًا.
ثم قَرَّبْتُهُ إليه فَأَعْجَبَهُ، وفَرَّق منه أشياء بين بَطَارِقَتِهِ، وأمر بسائره فأدخل في موضعٍ، و [أمر] أن يكتب ويُتَحَفَّظ (٥) به، فلما رأيتُ طيب نفسه قلت: أَيُّها الملك، إني قد رأيت رجلًا [خرج] من عندك وهو رسولُ رجلٍ عَدُوٍّ لنا، قد
стр. 1834
وَتَرَنا وقَتَل أَشْرَافَنَا وخِيَارَنَا فأَعْطِنيه فأقتُلهُ! فَغضِبَ فرفع يَدَه فضرب بها أَنْفِي ضَرْبَةً ظننتُ أنه كسرَهُ، وابتدر مَنْخِرايَ (١)، فجعلت أَتَلَقَّى الدَّمَ بثيابي، وأصابني من الذُّلِّ ما لو انْشَقَّت لي الأرضُ دخلتُ فيها فَرَقًا منه. فقلت له: أيها الملك، لو ظننتُ أنك تكره ما قلتُ ما سألتكه، قال: فاستحيا وقال: يا عَمرو، تسألني أَن أُعطيك رَسولَ رسولِ الله، ﷺ مَن يأتيه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى بن مريم - لِتَقْتُلَه؟!
قال عمرو، وغَيَّر الله قلبي عَمّا كنت عليه، وقلتُ في نفسي: عَرَفَ هذا الحقَّ العَربُ والعجمُ وتُخالفُ أَنت؟! قلت: وتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم. أشهد به عند الله يا عمرو، فأَطِعني وَاتَّبِعْه، والله إنه لَعَلَى الحَقّ وليظهرنَّ على كل من خَالَفَه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم: فبسط يده فبايعتُه على الإسلام، ودعا لي بطَسْتٍ فغسل عَنِّي الدمَ وكساني ثيابًا، وكانت ثيابي قد امتلأت من الدم فأَلقيتُها، ثم خرجت إلى أصحابي فلما رأوا كُسوة الملك سُرُّوا بذلك وقالوا: هل أدركتَ من صاحبك ما أردتَ؟ فقلتُ لهم: كرهتُ أن أكلمهُ في أَوّلِ مَرّةٍ وقلت أعود إليه. قالوا: الرأْيُ ما رأيتَ! وفارقتُهم وكأنّي أَعْمِدُ لحاجة فعمِدتُ إلى موضع السُّفُن فوجدت سفينة قد شُحِنَتْ تَدْفَع (٢)، فركبتُ معهم ودفعوها من ساعتهم حتى أنتهوا إلى الشُّعَيْبَةِ فخرجت بها ومعي نفقةٌ (٣). فاتبعتُ بعيرًا وخرجتُ أريدُ المدينة حتى أتيت على مَرِّ الظَّهْران. ثم مضيتُ حتى إذا كنتُ بالهَدَّة، إذا رجلان قد سبقاني بغير كبير يُريدان منزلًا، وأحدهما داخلٌ في خيمةٍ، والآخر قائمٌ يُمسكُ الراحلتين، فنظرت فإذا خالد بن الوليد. فقلت: أبا سليمان؟! قال: نعم. قلت: أين تريد؟ قال: محمدًا، دَخَلَ الناسُ في الإسلام فلم يبقَ أحدٌ به طُعمٌ (٤) والله لو أَقَمنا
стр. 1835
لأَخذ بِرِقَابِنا كما يُؤْخَذُ بِرَقَبة الضَّبُع في مَغَارتها. قلت: وأنا واللهِ قد أردتُ محمدًا وأَردت الإسلام، وخرج عُثمان بن طَلْحة فرحَّب بي فنزلنا جميعًا في المنزل. ثم ترافقنا حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجلٍ لقينا بِبِئْر أَبِي عِنَبَةَ يصيح: يا رَباح! يا رَباح! فتفاءَلنا بقوله وسُرِرْنا (١). ثم نظر إلينا فأَسمعه يقول: قد أعطت مكَّةُ المقَادةَ بعد هذين! فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، ثم وَلَّى مُدْبرًا إلى المسجد سريعًا، فظننت أنه يُبَشّر رسولَ الله، ﷺ ، بقدومنا، فكان كما ظننتُ. وأَنَخنا بالحَرَّة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونُودِي بالعصر فانطلقنا جميعًا حتى طلعنا عليه صلوات الله عليه وسلامه، وإِنَّ لوجهه تهلُّلًا، والمسلمون حوله قد سُرُّوا بإسلامنا.
فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدّم عُثمان بن طَلحة فبايع، رسول الله، ﷺ ، ثم تقدمتُ، فوالله ما هو إِلَّا أَن جلستُ بين يديه فما استطعت أن أرفع طرْفي إليه حياءً منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأَخَّر. فقال: إن الإسلامَ يَحُتُّ ما كان قبله، والهجرة تَحُتُّ (٢) ما كان قبلها. فوالله ما عَدَل بي رسول الله، ﷺ ، وبخالد بن الوليد أَحَدًا من أصحابه في أمرٍ حَزَبهُ منذ أَسلمنا، ولقد كنَّا عند أبي بكر بتلك المنزِلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحال. قال عبد الحميد: فذكرتُ هذا الحديث لِيَزِيد بن أَبِى حَبِيب فقال: أخبرني راشد مولى حَبِيب بن أَبِي أُوَيْس، عن حَبِيب بن أبي أَوْس (٣) الثَّقَفِيّ، عن عَمْرو نحو ذلك. قال عبد الحميد: فقلت لِيَزِيد بن أبي حبيب: فلم يُؤقِّت لك متى قدم عَمرو وخالدٌ؟ قال: لا إلّا أنه قُبَيْل الفَتْح، قلت: فإنّ أبي أخبرني أَنّ عمرًا وخالدًا وعثمانَ بن طلحة، قدموا المدينة لهلالِ صفر سنة ثمان *).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن جعفر عن أبي عُمَير الطّائِيّ عن الزُّهْرِي قال: لما رأى عَمْرُو بن العاص أَمْرَ النبي، ﷺ ، يَظْهَر خرج إلى
стр. 1836
النَّجَاشِيّ بأرض الحَبَشَة وأهدى له هدايا ليُقِيمَ في جِوَارِهِ، ووافق هناك عَمْرَو بن أُمَيّة الضَّمْرِيّ قد بعثه رسول الله، ﷺ ، إلى النجاشي وكتب معه كتابين: أحدهما يدعوه فيه إلى الإسلام، والآخر يسأله فيه أن يُزَوِّجَه أُمّ حَبِيبَة بنت أبي سفيان، ويبعث إليه بأصحابه أهلِ السفينتين. فلقي عَمْرُو بن العاص عَمْرَو بن أميَّة فضربه وخنقه بردائه، ثم دخل على النجاشي فأخبره فغضب النجاشي وقال: والله لو قتلتَهُ ما أبقَيتُ منكم أحدًا، أَتَقْتُلُ رَسُولَ رسولِ الله، ﷺ ،؟! قال عمرو بن العاص فقلت: أَتَشْهَدُ أَنّه رسولُ الله؟ قال: نعم. أشهد أنه رسول الله. فقلت: وأنا أَشْهَدُ أنه رسول الله، ابْسُطْ يَدَك أُبَايِعْك، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجتُ إلى عَمْرو بن أُمَيّة، فَعَانَقْتُه، وَعَانَقَنِي، وأخبرته بإسلامي، وانطلقتُ سريعًا إلى المدينة فأتيتُ رسول الله، ﷺ ، فبايعته على الإسلام وأن يُغْفَر لي ما تقدم من ذنبي، وأن أُشْرَك في الأمر ففعل، ونسيتُ أن أقول له: يُغْفَرُ لي ما تأخّر من ذنبي (١).
قال: أخبرنا إسحاق الخراساني بن أبي إسرائيل، قال: (* حدثنا النَّضْر بن شُمَيْل قال: أخبرنا أَبُو عَوْن عبد الله بن عون، عن عُمَير بن إسحاق قال: استأذن جعفرٌ رسولَ الله، ﷺ ، فقال: ائذنْ لي [أن] آتي أرضًا أعبدُ اللهَ فيها لا أخافُ أحدًا إلا الله. قال: فأَذِنَ له فأتى النَّجَاشِيَّ قال [عُمَيْر] فحدثني عمرو بن العاص قال: فلما رأيتُ مكانَه حَسَدتُه، قال قلت: والله لأستقتِلَنّ لهذا ولأصحابه، فأتيتُ النجاشي فدخلت عليه فقلت له: إِنَّ بأرضك رجلًا ابنُ عَمِّه بأرضنا، وإنه يزعم أنه ليس للناس إلّا إلهٌ واحدٌ، وإنك والله إنْ لم تَقْتُلْه وأصحابَه، لا أقطعُ هذه النُّطْفَةَ (٢) إليك أبدًا، أنا ولا أحدٌ من أصحابي قال: ادْعُه. قال قلت: إنه لا يجيء معي، فأرسلَ [إليه] معي رسولًا، قال: فجاء، فلما انتهيت إلى الباب، ناديت: ائْذَنْ لعمرو بن العاص، ونادى هو مِن خلفي: ائْذَنْ لحِزْبِ الله.
стр. 1837
قال: فسمع صوتَه فأَذِنَ له قبلي فدخل هو وأصحابه، قال: ثم أذِنَ لي، فدخلتُ، فإذا هو جالس، قال: فذكر أين كان مقعدُه من السرير، قال: فلما رأيتُه جئتُ حتى قعدتُ بين يَدَيْه، وجعلتُه خَلْفَ ظَهْرِي، وأَقْعَدْتُ بين كل رجلين من أصحابه رجلًا من أصحابي.
قال: قال النجاشي: نَخِّرُوا (١)، قال عُمَيْر: أي تكلموا. قال: فقال عمرو: فقلتُ إن ابنَ عمِّ هذا بأرضنا، وإنه يَزْعُم أنه ليس للناس إلا إله واحدٌ وإنك إن لم تقتلهُ وأصحابَه لا أقطعُ هذه النُّطفَةَ إليك أبدًا أنا وَلَا أحدٌ من أصحابي، قال فَتَشَهَّدَ. قال: فإنّ أول ما سمعتُ التَّشَهُّدَ يومئذ: فقال: صدق هو ابنُ عمِّي وأنا على دينه. قال: فصاح صِيَاحًا وقال: أَوَّه، حتى قلتُ: ما لابن الحبشيَةِ لا يتكلم! فقال: أَنَامُوسٌ مثل نَامُوسِ موسى؟ ما يقول في عيسى بن مريم؟ قال يقول: هو رُوحُ الله وكلمته. قال: فتناول شيئًا من الأرض وقال: ما أخطأ مِنْ أَمْرِه مثلَ هذه، وقال: لولا مُلْكِي لاتَّبَعْتُكم، وقال لي: ما كنتُ أبالي أَنْ لَا تَأْتِيَنِي أنت ولا أحدٌ من أصحابك أبدًا. وقال لجعفر: اذْهَبْ فأنت آمِنٌ بأرضي، فَمَنْ ضربك قَتَلْتُه، ومَنْ سَبَّك غَرَّمتهُ. وقال لآذِنِهِ: مَتى ما أتاك هذا يَسْتَأْذِن عَلَيَّ فأذن له إلا أن أكون عند أَهْلي، فإن كنت عند أهلي فأَخْبِره، فإن أَبَى فَأْذن له.
قال: وتفرقنا، فلم يكن أحد أحبّ إليّ أن أكون قد لقيته خاليًا من جعفر، قال: فاستقبلني في طريقٍ مَرّةً فنظرتُ خلفهُ فلم أرَ أحدًا، ونظرتُ خلفي فلم أرَ أحدًا. قال: فَدَنوتُ منه فأخذتُ بيدهِ فقلتُ: تعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله وَأن محمدًا عبدُه ورسوله قال: فقال: هداك الله فاثبتْ، قال: فتركني وذهب قال: فأتيت أصحابي فكأنما شهدوه معي، قال: فأخذوني فألقَوا عَلَيَّ قَطِيفةً: ثوبًا قال: فجعلوا يَغُمّونَني (٢) وجعلت أُخْرِج رأسي مَرّةً من هذه الناحية، ومَرّةً من هذه
стр. 1838
الناحية - حتى أفلتُّ وما عليَّ قِشرةٌ (١). قال: فلقيتُ حَبَشيَّةً، فأخذتُ قِنَاعَهَا (٢)، فجعلته عَلَى عَوْرَتِي، فقالت: كذا وَكذا، فقلت: كذا وكذا. فأتيتُ جعفرًا حتى دخلتُ عليه فقال: ما لك؟ فقلتُ ذُهِبَ بكل شَيءٍ لي حتّى ما تُرِكَ عَلَيَّ قشرةٌ، وما الذي ترى عليّ إلا قِناعُ حَبَشيّةٍ. قال: فقال: انطلق، فانطلقت معه حتى انتهينا إلى باب الملك فقال: ائْذَنْ لحِزْبِ الله، قال آذِنهُ: إنه معَ أهلهِ، قال: قال فاستأذِنْ لي، فاسْتأْذَنَ لهُ فقال: إن عَمْرًا قد تابعني على ديني قال: كلا، قلت: بلى، قال: كلا قلت: بلى قال: فقال لإنسان: اذهب فإن كان قد فعل فلا يقولَنَّ لك شيئًا إلا كتبتَه، قال: فجاء، فقال: نعم. فجعل يكتب ما أقول حتى ما تركتُ شيئًا حتى القَدَحَ ولو شئتُ أن آخذ من أموالهم إِلَى مَالِي لفعلتُ *).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن يَزيد بن رُومان. قال محمد بن عمر: وحدثني أَفْلَح بن سعيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيْش، عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم قالا: عَقَد رسولُ الله، ﷺ ، لعمرو بن العاص لواءً أبيض، وجعل معه رايةً سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سَراةِ المهاجرين والأنصار إلى ذَاتِ السَّلَاسِل (٣)، فبعث إلى رسولِ الله، ﷺ ، رافعَ بن مَكِيث الجُهَنِيّ يستمده ويخبره أن لهم جَمْعًا كثيرًا من بَلِيٍّ وقُضَاعَة وغيرهم، فأمدَّه بأبي عُبَيْدَة بن الجَرّاح في مائتين من سَراةِ المسلمين فيهم أبو بكر وعُمَر، وعقد له لواءً وعهد إليه إِذَا قَدِمتَ على صاحبك فتطاوعا، فَقَدِمَ عليه فاختلفا في الصلاةِ، فقال عَمْرو: إنما قدمت عَلَيَّ مددًا لي، فطاوعَهُ أبو عُبَيدة لوصية رسول الله، ﷺ إياه، فكان عَمْرو يصلي بالناس كلهم ويتأَمَّرُ عليهم (٤).
قال: أخبرنا وَكِيع بن الجَرَّاح، وعبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المُقْرِئ، قالا: حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رَبَاح اللَّخْمِيّ، عن أبيه، قال: سمعت عَمْرو بن
стр. 1839
العاص يقول: قال لي رسول الله، ﷺ : يا عمرو اشدد عليك سلاحك وثيابَك وائتني. ففعلت، فجئتهُ وهو يتوضأ، فَصَعَّدَ فِيَّ البَصَرَ، وصوَّبَهُ. قال: يا عمرو، إِني أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ وجهًا فَيُسَلِّمُكَ الله ويُغْنمك، وأزْعَبُ لك من المال زَعْبَةً صالحةً، قال قلتُ: يا رسول الله! إِنِّي لم أُسْلِم رغبةً في المال، إنما أسلمت رغبةً في الجهاد والكَيْنُونَةِ معك. قال: يا عَمْرو، نِعِمَّا بالمال الصالح للمرءِ الصّالح (١).
قال: أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْن، قال: حدثنا شَرِيك، عن إبراهيم بن مُهَاجر، عن إبراهيم قال: بعث رسول الله، ﷺ ، عَمْرَو بن العاص على غزوةِ ذات السلاسل وعَقَدَ له لواءً على سَرَاةِ أصحاب رسول الله، ﷺ ، فيهم أبو بكر وعمر.
قال: أخبرنا يحيى بن خُلَيْف بن عُقْبَة، قال حدثنا ابن عَوْن، عن محمد، قال: وأخبرنا عَارِم بن الفضل، قال: حدثنا حَمّاد بن زيد، عن هِشَام، عن محمد، قال: استعمل رسول الله، ﷺ ، عَمْرَو بنَ العاص على جيش ذات السَّلَاسِل، فيهم أبو بكر وعمر.
قال: أخبرنا وَكِيعُ بنُ الجَرَّاح، قال: حدّثنا إسماعيل بن أَبِي خَالِد، عن قيس بن أبي حازم، قال: بعث النبي، ﷺ ، عَمْرَو بنَ العاص في غزوة ذات السَّلَاسِل قال: فأصابهم بردٌ شديدٌ، فقال لهم عَمْرُو: لا يُوقِدَنَّ أَحَدٌ نارًا. قال: ثم قاتل القوم فلما قَدمُوا على النبي، ﷺ ، شَكَوا ذلك إليه، فقال: يا نبي الله، كان في أصحابي قِلَّةٌ، فخشيتُ أن يَرَى العدوُّ قِلّتَهُم، ونهيتُهم أن يتبعوا العدوَّ مخافةَ أن يكون لهم مِن وراءِ الجبل كمين. قال: فأعجب ذلك رسول الله، ﷺ . (٢)
стр. 1840
قال: أخبرنا وَكِيعُ بنُ الجَرَّاح، عن المُنْذِرِ بن ثَعْلَبَة، عن عبد الله بن بُرَيْدَة، قال: قال عُمر لأبي بكر، لَمَّا لَمْ يَدَعْ عَمْرُو بن العاص الناسَ أن يوقدوا نارًا ألا ترى إلى هذا ما صنع بالناس يَمْنَعُهم منافِعَهم؟ قال: فقال أبو بكر: دَعْهُ، فإنما ولّاهُ رسولُ الله، ﷺ ، علينا لِعِلْمِهِ بالحَرْب (١).
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبِيبَة، عن داود بن الحُصَيْن أن النبيّ، ﷺ ، بعثَ عَمْرَو بنَ العاص واستعمله على أصحابه في وجه من تلك الوجوه، فلما قَدِمُوا قال: كيف وَجَدْتُم أَمِيرَكم؟ قالوا: ما وجدنا به بَأْسًا مِنْ رَجُل، صلى لنا وهو جُنُبٌ، فدعاهُ فسأله فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال: صَدَقُوا. أَصَابَتْنِي جنابةٌ وأنا مريضٌ شديدُ المرض، فتخوفت إن اغتسلت أَنْ أقتل نَفْسِي واللهُ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢) [سورة النساء: ٢٩].
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، قال: حدثنا عاصم، عن الحارث بن حَسَّان البَكْرِيّ، قال: خرجت إلى رسول الله، ﷺ أو قال: قَدِمْتُ على رسول الله، ﷺ فدخلت المسجد، فإذا رسول الله، ﷺ ، على المنبر وبِلَال بين يديه مُتَقَلِّدًا بالسيف، وإذا راياتٌ سود بين يديه، فقلت: ما هذا؟ قالوا: عَمْرو بن العاص قَدِمَ من سَفَرِه الذي بعثه النبي، ﷺ .
قال: أخبرنا عَفّان بن مُسْلِم، قال: أخبرنا سَلَّام أبو المُنْذِر، عن عاصم بن أَبِي النَّجُودِ، عن أبي وائل، عن الحارث بن حَسّان البَكْرِيّ، قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الملك بن يزيد، عن سَعيد بن عمرو الهُذَلِيّ، قال: لما فتح رسول الله، ﷺ ، مَكّةَ بَثَّ السَّرَايا، فبعث عَمْرَو بن العاص إلى صنم هُذيل سُواع - فهدمه، فكان عَمرو يقول: انتهيتُ إليه وعنده السَّادِنُ، فقال: ما تريدُ؟ فقلتُ: هَدْم سُواع. فقال: وما لك ولَهُ؟ فقلت: أمرني رسول الله،
стр. 1841
- ﷺ ! فقال: لا تقدر على هَدْمه. فقلت: لِمَ؟ قال يمتَنِعُ. قال عمرو: حتى الآن أنت في الباطل! وَيْحَك وهل يسمع أو يُبصر؟ قال عمرو: فدنوتُ إليه فكسرتهُ، وأمرتُ أصحابي فهدموا بيت خِزَانَتِهِ، فلم يجدوا فيه شيئًا، ثم قلت للسّادنِ: كيفَ رأيتَ؟ قال أسلمتُ للهِ (١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن مسلم، عن الزُّهْرِيّ قال محمد بن عمر: وحدثني عبد الله بن يزيد الهُذَلِيّ، عن سعيد بن عَمرو الهُذَلِيّ، قال: لما رجع رسول الله، ﷺ ، من الجِعِرَّانَة قدم المدينة يومَ الجمعةِ لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة، فأقام بقية ذي القعدة وذي الحجة، فلمّا رأَى هلال المحرّم سنة تسع بعث المُصدِّقين يُصَدِّقون العربَ، فبعث عمرو بن العاص إلى بني فَزَارَة يُصَدِّقهم (٢).
قال: أخبرنا الحسن بن موسى، عن ابن لَهِيعَة، قال: حدثنا مِشْرَح بن هَاعَان، عن عُقْبَة بن عامر، قال: قال رسول الله، ﷺ : أَسْلَمَ الناس وآمن عَمْرُو بن العاص.
قال: أخبرنا عَمْرُو بن حَكَّام بن أَبِي الوَضَّاح، قال: حدّثنا شُعْبَة، عن عَمْرو بن دِينَار، عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، عن عمّه، عن النبي، ﷺ : ابْنَا العاص مُؤْمِنَانِ.
قال: أخبرنا عَفّان بن مُسْلِم وعَمْرو بن عاصم الكِلَابِي، قالا: حدّثنا حَمَّادُ بن سَلَمَة، قال: أخبرنا محمد بن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة أن رسول الله، ﷺ ، قال: ابْنَا العاص مؤمنان هشامٌ وعَمْروٌ.
قال: أخبرنا عَمْرو بن عَاصِم، قال: حدثنا نافع بن عمر، قال: أخبرنا عبد الله بن أَبِي مُلَيْكَة، قال: قال طَلْحَةُ بن عُبَيْد الله: لَا أُحَدِّثُ عن رسول الله، ﷺ ، إلّا أنّي سمعته يقول: عَمْروُ بن العاص مِن صَالحِي قريش.
قال: أخبرنا يَزِيد بن هارون، قال: أخبرنا أبو عبد الله التَّمِيميّ، قال يزيد
стр. 1842
ولا أعلم حمّاد بن يزيد إلا حدّثنا به عنه كَثِير بن زيد عن المُطَّلِب بن حَنْطَب، قال، وأخبرنا عَفّان بن مسلم، قال: حدّثنا وُهَيب، عن أيوب، عن ابن أَبِي مُلَيْكة وعن عمرو بن دِينَار، قالوا: قال رسول الله، ﷺ ، نِعْم أهلُ البيتِ عبدُ الله وأبو عبد الله وَأُمُّ عبد الله.
قال يزيد بن هارون: يعني: عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وعَمْرو بن العاص، وأمّ عبد الله بن عمرٍو. وسَمّاهُم.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: أخبرنا الفَرَجُ بن فَضَالَة، عن محمد بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمْرِو قال: قال عمرو بن العاص: جاء خَصْمَان يختصمان إلى رسول الله، ﷺ ، فقال لي: يا عَمْرو اقْضِ بينهما، قلتُ. أنت أولى بذلك يا رسول الله! قال: أجل، قلت فَعَلَامَ أَقْضِي؟ قال: إِنْ أصبتَ القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن اجتهدتَ فأخطأتَ فلك حسنةٌ واحدةٌ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أَبِي سَبْرَةَ، عن عبد المجيد بن سُهيل، قال: سمعت عَمْرو بن شُعَيب يُخبر أنه سمع (* مولى لعمرو بن العاص يقول: سمعت عمرو بن العاص يقول: أسلمت عند النَّجَاشِيّ وبايعتهُ على الإسلام، ثم قَدِمْتُ عَلَى رسول الله، ﷺ ، المدينَةَ فأعلمتُه أَنِّي قدِمْتُ راغبًا في الهجرة وفى ظهور الإسلام وأنا أحب أن ترى أثري وغناي عن الإسلام وأهله، فقد طال ما كنت عونًا عليه، فقال رسول الله، ﷺ ، الإسلام يَحُتُّ (١) ما كان قبله، وأنا باعثك في أُناس أَبعثهم إن شاء الله.
فلما كان بعد ذلك بعث رسول الله، ﷺ ، ثمانية نَفَرٍ سَمّاهم، فكنت أنا المبعوث إلى جَيْفَر وعبد ابْنَي الجُلُنْدَى وكَانَا (٢) من الأَزْد، والمَلك منهما جَيْفر.
стр. 1843
وكتب رسول الله، ﷺ ، معي إليهما كتابًا يدعوهما فيه إلى الإسلام، وكتب أُبَيُّ بن كعب الكتابَ وختمهُ رسول الله، ﷺ ، فخرجتُ حتى قَدِمْتُ عُمان، فعمدتُ إلى عبد بن الجُلُنْدَى - وكان أحلمَ الرجلين وأسهَلهما خُلُقًا - فقلتُ: إني رسولُ رسولِ الله، ﷺ ، إليك وإلى أخيك. فقال: أخي المُقدَّمُ عَلَيَّ بالسنِّ والمُلك وأنا أوصلكَ إليه.
فمكثتُ ببابه أيامًا ثم وصلتُ إليه، فدفعتُ الكتابَ إليه مَختومًا، فَفَضَّ خاتمه ثم قرأه إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه، وقال لي: يا عَمْرو، أنت ابن سيِّد قومك، فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قُدوة؟ قلتُ: مات ولم يُؤمن بمحمد، ﷺ ، وودتُ أنه كان أسلم وصدَّق به، وقد كنتُ أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تَبِعتَه؟ قلتُ: قريبًا قال: فسألني أين كان إسلامي؟ فقلت: عند النجاشي، وقد أسلم. قال: فكيف صَنع قومه بملكه؟ قلت: أَقرُّوه واتَّبعُوهُ. قال: والأساقِفةُ والرُهبانُ تبعوهُ؟ قال: قلت: نعم.
قال: فأَبَى أن يُسلم، فأقمتُ أَيّامًا ثم قلتُ: أنا خارجٌ غدًا. فلمَّا أيقن بخروجي أرسل إِلَيَّ فأجاب إلى الإسلام، فأسلَم هو وأخوه جميعًا، وصَدَّقا بالنبي، ﷺ ، وخَلَّيَا بيني وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، وكان عونًا لي على مَن خالفني، فأخذت الصدقةَ من أغنيائهم فرددتها على فقرائهم، وأخذت صدقات ثمارهم ما تَجرُوا به، فلم أزل مقيمًا حتى بلغنَا وفاةُ رسول الله، ﷺ *).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا الضَّحَّاك بن عثمان، عن مَخْرَمَةَ بن سُليمان الوَالِبيّ، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عُبيد الله قال محمد بن عمر: وأخبرنا محمد بن صالح، عن موسى بن عِمْران بن مَنَّاح. وغيرهما أيضًا قد حدثنا قال: كان عمرو بن العاص عاملًا لرسول الله، ﷺ ، على عُمَان، فجاءهُ يهوديّ من يهود عُمان فقال: أرأيتَ إن سألتك عن شيء أَتَخْشى عَلَيَّ منك؟ قال: لا. قال اليهوديُّ: أنشدُكَ بالله مَن أَرْسَلَكَ إلينا؟ قال: اللهم رسول الله، ﷺ . فقال اليهودي: آلله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ فقال له عمرو: اللهم نعم. فقال له اليهوديّ: لئن كان ما تقول حقًّا لقد ماتَ اليومَ. فلما رأى ذلك
стр. 1844
عَمْرو جمع عليه أصحَابَه وفَواشِيه وكتب ذلك اليوم الذي قال لهُ فيهِ اليهوديُّ ما قال: ثم خرج عَمْرو معه بخُفَرَاء من الأَزْد وعبد القيس يأمنُ بهم حتى قَدِمَ أرضَ بني حَنِيفَةَ فأخذ منهم خُفَراء، ثم جاء أرض بني تميم فَأَخذ منهم خُفَراء حتى جاء أرضَ بني عامر، فنزل على قُرّة بن هُبيرة القُشيري، فأَحْسَنَ مَنْزِله وضَيَّفَهُ، ثم إن قُرَّةَ قال له حين أراد عمرو أن يركب: إن لك عندي نصيحةً وأنا أُحِبُّ أن تسمعها، قال: وما هي؟ قال قُرَّة: إن صاحبكم قد توفي! قال عَمْرو: وصاحبنا هُوَلَا أمَّ لك يعني: دونك - وإنكم يا معشر قريش كنتم في حَرَمِكم تأمنون فيه، ويأتيكم الناس ثم خرج منكم رجل يقول ما سمعت: فلما بلغنا ذلك لم نكرهه، وقلنا رجل من مُضَر يَسُوق الناسَ وقد تُوفي، والناسُ إليكم سراعٌ، وإنهم غيرُ معطيكم شيئًا فَالْحَقوا بحَرَمِكم تأمنوا فيه، فإن كنتَ غير فاعل فَعِدْني حيث شئتَ آتِك، فَوَقَع به عَمرو، وقال: إني أَرُدّ عليك نصِيحتَك. وموعدك حِفْشُ (١) أمِّكَ! وأيّ العربِ تُوعِدُنا به؟ فأُقْسِم بالله لأُوطِئَنَّ عليك الخَيْل. قال قُرّة: إني لم أُرِدْ هَذَا، وَنَدِمَ على مقالتِه.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: فحدثني الضّحّاك بن عثمان، قال: سمعت الزُهريّ يقول: جاءت وفاةُ رسول الله، ﷺ ، عَمْرَو بن العاص وهو بعُمان، وَجدتُ ذكر ذلك عند المنذر بن سَاوَى، فخرج بخفراء من الأَزْدِ حتى قدم هَجَر، ثم خرج بخُفَراء من بني عبد القيس، فلما جاء أرضَ بَني حَنيفة، سمع به مُسيلمةُ فخرج في أصحابه فعرض له فهرب عَمْرو منه ومعه ثُمَامَة بن أُثَال في قومه من بَنِي حنيفة، واقتطع مُسَيْلِمَةُ رجلين من أصحابه: حَبِيب بن زيد بن عاصم وهو ابن أم عمارة، وعبد الله بن وَهْب الأَسْلمي وكانا في السائقة فأصابهما، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ فأقرَّ الأسلميّ بما قال: فأمر به فحُبس في حديدٍ حتى أفلت بعد ذلك، فصار إلى خالدِ بن الوليد.
стр. 1845
وأما حَبِيب بن زيد فقال أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع، فقال أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فقال: نعم. فأمر به فقُطعت يداه من المنكبين ورِجلاه من الركبتين ثم حَرقه بالنار (١).
قال: وأخذ عَمْرو بن العاص خفراءَ من بني تَمِيم بعثهم الزِّبْرِقَان بن بَدْرٍ وقَيْس بن عاصم المِنْقَرِي حتى وردَ على قُرَّة بن هُبَيْرَة، فخرج قُرَّةُ في مائة من قومهِ خُفَرَاء له.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني هاشم بن عاصم الأَسْلَميّ، عن المُنْذِرِ بن جَهم، قال: أقبل عَمرو بن العاص يلقى الناسَ مُرْتَدِّين حتى أتى على ذي القَصَّة، فلقي عُيَيْنَةَ بن بدر خارجًا من المدينة، وذلك حين قدم على أبي بكر الصديق يقول له: إن جعلتَ لنا شيئًا كفيناك مَنْ وراءنا، فقال له عمرو: وما وراءك؟ فقال عُيَيْنَة: ابن أبي قحافة، وَالِي الناس يا عَمْرو، استوينا نحن وأنتم! قال عمرو: كذبتَ يَابْنَ الأَخَابث مِنْ مُضَر. فلما قَدِم عَمْرو المدينةَ أخبر أبا بكر بما كان في وجهه وبمَا قَالَهُ قُرّة بن هُبَيْرة، وبما قَالَهُ عُيَيْنة بن بَدْر. وَأَتَى عَمْرُو خالدَ بن الوليد حين بعثه أبو بكر إلى الرِّدَّةِ، فجعل يقول: يا أبا سليمان لَا يُفْلِتَنَّ منك قُرَّةُ بن هُبَيْرة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أَبِي سَبْرَة، عن عيسى بن عُمَيْلَةَ الفزاريّ عن أبيه، قال: لما جاءت بنو عامر إلى خالد بن الوليد ولم تكن ارتَدّت ولم تَنصر، وكانت قد وقفت، فقال خالد بن قُرَّة بن هُبَيْرة القُشَيري قال: هَأَنَذَا! قال: قَدِّمهُ فاضْرِبْ عُنُقَه! أنت المُكَلِّم عَمْرَو بن العاص بما تكلمتَ به وأنت المُتَرَبِّص بالمسلمين الدوائر؟ قال: يَابْنَ المُغِيرَةِ إِنَّ لي عند عمرو بن العاص شهادةً. فقال خالد: عَمْرو بن العاص الذي نقل عنك إلى الخليفة ما تكلمتَ به.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني محمد بن عبد الله، عن الزُّهْرِيّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، قال: أوثق خالد بن الوليد عُيَيْنَةَ بن بَدر، وقُرَّةَ بن هُبَيْرَة، وأرسل بهما إلى أبي بكر في وثاق فقُدم بهما إلى
стр. 1846
المدينة، فنظرتُ إلى عُيَيْنَة مَجْمُوعَةٌ يداه إلى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ يَنْخُسُه غلمانُ المدينة بالجَرِيد ويضربونه ويقولون: أي عَدّو الله أكفرتَ بالله بعد إيمانك؟! فيقول: والله ما كنتُ آمنتُ بالله. قال: وأُتِيَ بِقُرَّةَ بن هُبَيْرة فقال: يا خَلِيفةَ رسول الله! والله ما كفرتُ. واسأل عَمْرَو بن العاص فإِنّ لي عنده شهادة ليالي أَقْبلَ من عُمان خرجتُ في مائة من قومي خُفَرَاءَ له، وقَبل ذلك ما أكرمت مَنزلَهُ وَنَحَرْتُ له! فسأل أبو بكر عَمْرًا فقال: نزلتُ به فَلَمْ أرَ لضَيْفٍ خيرًا منه! لَمْ يَتَّرِكْ، وخرج معي في قومه خَفِيرًا. ثم ذكر عمرو ما قال قُرَّة. فقال قُرَّة: أنْزَع يا عَمْرو، فقال عمرو: لو نَزَعتَ نَزَعتُ، فلم يعاقبه أبو بكر بذلك وعفا عنه، وكتب له أمانًا، وقَبِلَ من عُيَيْنَةَ وكتب لهُ أمانًا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن وَابِصَة العَبْسيّ، عن أبيه، عن جَده، قال: كنا مع خالد بن الوليد في الرِّدَّة أعوانًا له، ثم رجع إلى المدينة ومعه العرب رجعت العرب إلى أوطانها، ورجعت عَبْس وطَيِّئ ومن كان معه من أسَدٍ إلى منازلهم حتى جاءهم النفير إلى الشام، فقدموا المدينة، فجعل أبو بكر يُفَرِّقُ الجيوشَ على وُلَاتِه وهم ثلاثةٌ: عَمْروُ بن العاص، وَشُرَحْبِيل بن حَسَنَةَ، ويَزِيد بن أَبِي سُفْيان. فخرجوا معهم إلى الشام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، قال: لَمّا أَجْمَعَ أبو بكر عَلَى أَنْ يبعثَ الجيوشَ إلى الشام كان أول مَن سَارَ مِنْ عُمّاله عَمْرو بن العاص، وأمرهُ أن يسلك على أَيْلةَ عامدًا لفِلَسْطِين، فَقَدّم عمرو أمامه مُقَدِّمةً عليهم سعيد بن الحارث السَّهْمِيُّ، ودفع لواءهُ إلى الحجّاج بن الحارث السَّهمي، وكان جُنْدُ عمرو الذين خرجوا معه من المدينة ثلاثة آلاف، فيهم ناسٌ كثير من المهاجرين والأنصار، وخرج أبو بكر الصّديق يمشي إلى جَنبِ رَاحِلة عَمْرو بن العاص وهو يوصيه ويقول: يا عَمرو، اتق الله في سِرِّ أمرك وعَلَانِيَتِهِ، واستحييه فإنه يراك وَيَرَى عَمَلك، وقد رأيتَ تَقْدِيمي إياك على مَن هو أقدم سَابِقَةً منك ومَن كان أغنى عن الإسلام وأهله منك، فكن من عُمّال الآخرة، وأَرِدْ بما تفعل وَجْهَ الله وكُنْ وَالِدًا لمن معك، ولا تَكْشِفَنَّ الناسَ عن أستارهم، واكتَفِ بعلانيتهم، وكُنْ مُجِدًّا في
стр. 1847
أمرك، واصدُقِ اللِّقاءَ إذا لاقيتَ وَلَا تَجبُن، وتقدم في الغلول وعاقب عليه، وإذا وَعظْتَ أصحابَك فأَوْجز، وأصلح نفسَك تَصْلح لك رَعِيتُك في وصيةٍ طويلةٍ وعَهِدَ عهدهُ إليه يَعْمل به.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، أن أبا بكر قال لعمرو بن العاص: إِنِّي قد استعملتك على مَنْ مررت به من بَلِيّ وعُذرَةَ وسائر قُضاعَةَ ومن سَقَط هناك من العرب، فاندُبهم إلى الجهاد في سبيل الله، ورغِّبهم فيه، فمن تَبعك منهم فاحْمِلْهُ وزوِّده وَرَافق بينهم، واجعل كل قبيلة على جدتها ومنزلتها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أُسَامَة بن زَيْد، عن مُعَاذ بن عبد الله بن حُبَيْب، عن رجالٍ من قومه قال: بعث أبو بكر الصديق ثلاثة أمراء إلى الشام: عَمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرَحْبِيل بن حَسَنَةَ، فكان عمرو هو الذي يصلّي بالناس إذا اجتمعوا وإِنْ تفرقّوا كان كل رجلٍ منهم على أصحابه. وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يَمُدَّ عَمْرو بن العاص، فكان خالد مَددًا لعَمرو، وكان أمر الناس إلى عَمْرِو بن العاص يوم أَجْنَادِين ويوم فِحْل وفي حصار دمشق حتى فُتِحَتْ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِيّ، عن أبيه، قال: لما رأى عَمْرُو بنُ العاص كثرةَ الجُمُوع بالشام، كتب إلى أبي بكر يَذْكر أَمْرَ الروم وَمَا جَمَعُوا، ويَسْتَمدُّه فَشَاوَرَ أبو بكر مَنْ عِنْدَهُ من المسلمين، فقال عُمَرُ بن الخطاب، يا خليفةَ رسولِ الله، ﷺ ، اكْتُبْ إلى خالد بن الوليد يَسِيرُ بِمَنْ معه إلى عَمْرو بن العاص فيكون له مددًا ففعل أبو بكرٍ وكتب إلى خالد بن الوليد، فلما أتاه كتاب أبي بكر قال: هذا عَمَلُ عُمَرَ حَسَدَني عَلَى فتح العراق وأن يكون على يدي، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلني مَدَدًا لَعْمرو بن العاص وأصحابه فأكون كأحدهم، فإن كان فَتْحٌ شُرِكنا فيه أو أكون تحت يَدَي بعضهم، فإن كَانَ فَتْحٌ كَان ذِكْره له دوني.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الحميد بن عمران بن أبي
стр. 1848
أنس، عن المطلب بن السائب بن أَبِي وَدَاعَة، قال: كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو بن العاص: إِنّي كتبتُ إلى خالد بن الوليد يَسِير إليك مَدَدًا لك، فإذا قَدِمَ عليك فأَحْسِنْ مُصَاحَبَتَهُ وَلَا تَطَاوَلْ عليه ولا، تقطع الأمورَ دونه، لتقدُّمي إياك عليه وعلى غيره، شاوِرْهم ولا تُخالفهُم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني سعد بن راشد، عن عطية بن قيس، عن أبي العوَّام مؤذن بيت المقدس، قال: سمعتُ عَبْدَ الله بن عَمْرو بن العاص يُحدِّث في بيت المقدس يقول: شهدنا أَجْنَادِين ونحن يومئذٍ عشرون ألفًا، وعلى الناس يومئذٍ عَمْرو بن العاص، فهزمهم الله وتفرقوا، فَفَاءت فِئة إلى فِحْل في خلافة عمر بن الخطاب، فسار إليهم عمرو بن العاص في الناس فنفاهم عن فحْل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: لما سار أُمَرَاء المسلمين إلى الشام فنزلوا بقرية يقال لها ثَادِن من قرى غزةَ مما يلي الحجاز، فلقيهم فيها بَطْريق من بطارقة الروم، فأرسل إليهم أن يُخْرِجوا إليهِ أَحَدَ القُوّاد ليكلِّمه، قال: فتواكلوا ذلك، وقال لعمرو بن العاص: أنت لذلك، فخرج إليه عمرو فلما انتهى إليه رحَّب به وأجلسه معه على سريره، ومَتّ إليه بقرابه العِيص بن إسحاق بن إبراهيم في إسماعيل بن إبراهيم، فكلّمه عَمْرو وَدعاهم إلى الدخول في الإسلام أو الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فأبَى، وضَنَّ بدينه فقال عمرو: قد أعذرت وَلَمْ يَبْقَ إلا السيف، فافترقا واقتتلوا فكانت بينهم معركة عظيمة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن عبد الحكيم بن صُهَيب، (* عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحَكَم، قال: خرج عَمرو بن العاص إلى بَطْرِيق غَزَّة في نُفَير (١) من أصحابه، عليه قباءٌ عليه صدأ
стр. 1849
الحديد، وعِمَامة سوداء، وفي يده رمحٌ، وعلى ظهره تُرس، فلما طلع عليه ضحك وقال: ما كنتَ تصنع بحَمْلِ السلاح إلينا؟ قال: خِفْتُ أَنْ أَلقى دُونك فأكون قد فَرَّطتُ فالتفت إلى أصحابه فقال بيده - عقد الأَنمُلة على إبهامِه - ثم قال: مرحبًا بك، وأجلسه معه على سريره وحادثه فأطال، ثم كلّمه بكلام كثيرٍ، وحاجَّهُ عَمْرو ودعاهُ إلى الإسلام.
فلما سمع البَطْريق كلامه وبيانه وأَداءَه قال بالرومية يَا مَعْشَرَ الرُوم، أطِيعُونِي اليومَ واعصوني الدهر، هذا أميرُ القوم، أَلَا تَرَوْنَ أني كلما كَلّمته كلمةً أجابني عن نفسه؟ لا يقول: أُشاور أصحابي وأَذْكُر لهم ما عرضتَ عَلَيَّ وليس الرأي إلا أن نقتله قبل أن يخرج من عندنا، فتختلف العرب بينها وَيَهِنُ (١) أَمْرُهُم، ويفثئون (٢) عن قتالنا. فقال مَنْ حَوْلَه مِنَ الروم: ليس هذا برأي.
وَكَانَ دَخَل مع عمرو بن العاص رجلٌ من أصحابه يعرف كلام الروم، فألقَى إلى عَمْرو ما قال الملك. ثم قال الملك: أَلَا تخبرني هل (٣) في أصحابك مثلك يُبين بيانَك ويُؤَدّي أداءك؟ فقال عَمْرو: أنا أَكَلُّ أصحابي لسانًا وأدناهم أدَاءً، وفي أصحابي مَنْ لو كلمتَه لعرفتَ أني لستُ هناك قال: فأنا أُحِبُّ أَنْ تَبْعَثَ إلَيَّ رأسَكم في البيان والتقدم والأداء حتى أكلمه، فقال عَمْرو: أَفعل.
وخرج عَمرو من عنده. فقال البطريق لأصحابه: لَأُخَالِفنَّكم! لئن دخل عَلَيَّ فرأيتُ منه ما يقول لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ! فلما خرج عَمْرو من الباب كَبَّرَ وقال: لا أعود لمثل هذا أبدًا، وأتى منزله فاجتمع إليه أصحابه يسألونه، فَخَبَّرهم خبره وخبر البطريق، فأعظمَ القوم ذلك، وحَمَدوا الله على ما رزق من السلامة.
وكتب عَمْرو بذلك إلى عُمَر، فكتب إليه عمر: الحمد لله على إحسانه إلينا، وإيّاك والتغريرَ بنفسك أو بأحدٍ من المسلمين في هذا وشبهه (٤)، وبحسب العِلج منهم، يُكَلَّمَ في مكان سواء بينك وبينه، فتأمن غائلته، ويكون أكسر له.
стр. 1850
فلما قرأ عَمْرو بن العاص كتابَ عُمَر، رَحَّم (١) عليه ثم قال: ما الأب البار لولده بأَبَرّ من عمر بن الخطاب برعيته!
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كانت رايةُ عَمْرو بن العاص يوم اليَرْمُوك يحملها ابنه عبد الله بن عَمْرو.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمر بن محمد، عن عَمرو بن شُعَيب، قال: كانت رايةُ عمرو بن العاص يوم اليَرْمُوك سَوْدَاء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر، قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن موسى بن عِمْران بن مَنَّاحِ، قال: لما رأى عَمرو بن العاص يومَ اليَرْمُوك صَاحِبَ الرَّايةِ ينكشف بها، أخذها، ثم جَعَل يَتَقَّدمُ وهو يَصِيحُ: إِلَيَّ يا معشرَ المسلمين، فجعل يُطاعِن بها قُدُمًا وهو يقول: اصنعوا كما أصنع! حتى إنه ليرفعها وَلَكَأنَّ عليها أَلْسِنَةُ الطَّيْر (٢) مِنَ العَلَقِ *).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني يعقوب بن محمد، عن عبد الملك بن مُسلم، عن يَعْلى بن شَدّاد، عن أبيه، قال: لما سمع المسلمون بمسير عمر بن الخطاب إلى الجَابِيَة، تلقاهُ الأمراءُ: أبو عُبَيْدة بن الجَرّاح، وعَمْرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان حتى لقوه من وراء الجابية إلى المدينة بقليل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني المفضَّل بن فَضالة القَيْني، عن عَيَّاش بن عَبّاس القِتْبَانيّ. قال محمد بن عمر: وحدثني من سمع صالح بن كيْسان، يخبر عن يعقوب بن عُتبة، عن مشيخة من أهل مِصْر، أن عمرو بن العاص كان واليًا لعمر بن الخطاب على فلسطين وما والاها، فَنَدَبَ أصحابَه إلى المسير إلى مصر، فخرج بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف وخمسمائة، وسار بغير أَمْرِ عُمر، وخَلَفَ ابنَه عبد الله بن عَمْرو على عمله، فكتب معاوية بن أَبِي سُفْيان إلى عُمَر بن الخطاب يخبره بمسير عمرو بن العاص إلى مصر في أصحابه، فلما ورد
стр. 1851
الكتاب عَلَى عُمَر شَقَّ عليه، فَدَعَا عُقْبَة بن عامر الجُهَنِيّ، فكتب معه إلى عَمْرو بن العاص، وقال انطلق في طلب عَمرو فادفع إليه كتابي، فَلَحِقه عُقْبةُ وهو ينظر إلى أرض مصر، فَحَرَّك دَابَّتَه ولَحِقَهُ عُقبةُ، فسألَهُ عَمْرو عن ماله وكيف تركه؟ والكتاب في يد عقبة لا يمد عَمْرو يده إليه حتى دخل أرض مصر، فقال له بعض مَن كان معه: هذه أرض مصر، فقال: اللهم بارك لنا في أرض مصر، ونزل فقال: هات كتاب أمير المؤمنين، فقرأه على طمأنينة فدفعه إليه فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم:
أما بعد، فإنه لم يَحضُرك رُشْدُك ولا ما كان يُنْسَبُ إليك من العقل والتجربة بإقْدَامِكَ عَلَيَّ بما أقدمتَ به، وقطع الأمور دوني بمن معك من المسلمين تسوقهم حيث تريد، وأقسِم بالله لولا أني أظن أن ذلك على النظر منك للمسلمين، لَبَعَثْتُ إليك من يُقدِمُك عَلَيَّ مَاشِيًا من حيث أدركك أو يَحْمِلك عَلَى أَوْعَرِ ما يَجِدُ من المراكب، فيكون ذلك أشد عليك من المشي، تخرج في نُفَير يسيرٍ، ولعمري لو كان ثُكلُ أمك ما تقدمتَ بهم، ويحك لَوْ أَتَى ذُو أتيّ على من معك من المسلمين بتغريرك بهم، ألم تكن قد هَلَكْتَ وأَهْلَكْت! فإذا جاءكَ كتابي هذا ولم تدخل أرض مصر فارجع بمن معك إلى عملك حتى يأتيك أمري، قال: فجعل وَجْهُ عَمْرو يتغيّر وهو يقرأ الكتاب حتى كان آخر ذلك، فقال: قد دخلنا أرض مصر، فانتهى إلى الفَرَمَا، فوجدَ بها قومًا قد أعدُّوا للقتال، فقاتَلهم فهزمهم، ومضى قُدمًا حتى انتهى إلى الفُسْطَاط، فوجدَ قومًا قد أعدُّوا للقتال وخَنْدَقوا حول حِصْنِهم، فنزل من وراء خَندقِهم.
وبعثَ عُمَرُ بنُ الخطاب الزبيرَ بن العوام مَدَدًا لعمرو بن العاص في عشرة آلاف من المسلمين، فَقَدِمَ عليه وهو مُحَاصِرُهم، وأقاموا أيامًا يقاتلون ثمّ هرب العدو، فدخلوا الحصن وغلقوهُ عليهم، فقال الزبير: أما إذا صاروا إلى حصنهم فَلَا بُدَّ مِنْ مُنَاهَضَتِهم، فأمر بِسُلَّمٍ فَأُتِي به ونصبهُ على الحصن ثم صعد عليه فكبّر وتبعه المسلمون، فدخل الحصن ودخل المسلمون على أثره فَفُتح عَنْوَةً، واستباحوا ما فيه، فعزل مغنمًا للمسلمين، ثم صالحَهم عَمْرو بن العاص على الجزية في رقابهم وعلى خَراج الأرض. ثم كتب إلى عمر بن الخطاب بما فتح الله عليه، وبسلامته
стр. 1852
وَسَلَامَةِ مَنْ معه من المسلمين مَعَ عُقبة بن عامر الجُهَنِيّ فَحمِدَ عمرُ بن الخطاب الله على ذلك.
ثم كتب إلى عَمرو بن العاص يَحْمَدُ الله على ما أبلاه وَأَبْلَى المسلمون، ويقول: قد كنت عندي غير حميدٍ، فإياك إياك أن تفتاتَ عليّ بمثل هذا، إلا أن يكون أمرٌ يَحضُرك تخاف على المسلمين فيه فتناهضه بمن معك.
فكتب عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: مِنْ عَمْرو بن العاص، سلامٌ إليك، فإني أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: قرأت كتاب أمير المؤمنين وما عَصَّبَني من اللائمة وأضاف إِلَيَّ مِنْ سُوءِ التدبير، فقد كان ما كان من الافتيات عليك لما رجوت من الفرصة والنصر، فرزق الله ذلك، ورزق الله السلامة، فنحمده على ذلك، ولست بعائدٍ إلى ما خالفك، ولا قوة إلا بالله، والسلام عليك ورحمة الله.
فأقام عمرو بن العاص بمصر ما أقام، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في مناهضة أهل الإسكندرية، فكتب إليه عمر أن يسير إليهم بمن معه من المسلمين، فسار عمرو بن العاص في سنة إحدى وعشرين، وخلف على الفسطاط خارجة بن حُذافة العدوي، وقدَّم بين يديه مُقَدّمةً عليهم عبد الله بن حُذافَة السَّهْمِيّ، وقد تجمع له ما دون الإسكندرية من الروم والقبط يقولون: لا يدخل علينا الإسكندرية أبدًا.
وَزَحَفُوا إليه فَالْتَقَوا، فقاتَلهم عَمرو قتالًا شديدًا حتى هزمهم الله، وانتهوا إلى الكِرْيَون (١)، فقاتلوا قتالًا شديدًا حتى صَلَّى عَمْرو بن العاص يومئذ صلاة الخوف، ثم مضى قدمًا حتى انتهى إلى الإسكندرية، فأرسل إليهم المقوقس صَالِحْنا وَمَادِّنا مُدَّة ننتهي إليها نحن وأنت وأكتب إلى صاحبي - يعني ملك الروم - وسأله مُوادَعَة سنة، فَأبَى عَمرو، فقال: فشهرًا، قال: ولا ساعةً من نهارٍ، ثم قاتلهم أشد القتال حتى فتحها عَنْوَةً ودخلها بالسيف وغَنِمَ ما فيها من الروم وغيرهم الذين في جوفها، وجعل فيها رابطةً من المسلمين عليهم عبد الله بن حُذَافة.
стр. 1853
وبَعثَ عَمْرُو بن العاص معاويَة بن حُدَيْج (١) إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية. قال: وبلغ قُسطنطين بن هرقل أمْرَ الإسكندرية وَفَتْحهَا فبعث خَصِيًّا لهُ يُقال له: منويل في ثلاثمائة مركب حتى دخلوا الإسكندرية، فقتلوا من بها من روابط المسلمين وهَرَبَ مَن هرب، ونقض أهل الإسكندرية، فبلغ عمرو بن العاص الخبر فندب المسلمين فخرجَ في خمسة عشر ألفًا من المسلمين، ثم زحف إلى أهل الإسكندرية ونصب عليها المَجَانِيق، وقاتلهم أشد القتال حتى فتحها عَنْوَةً وخَرَّب جُدرَها، وَرُئِي عمرُو بن العاص يخرب بيده.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن نافع، عن عمرو بن الحارث، قال: كان عمرو بن العاص يبعث بجزية أهل مصر وخَراجها إلى عمر بن الخطاب كل سنة، بعد حبس ما كان يحتاج إليه، ثم إنه اسْتَبْطَأَ عَمْرَو بن العاص في الخراج فكتب إليه كتابًا يلومه في ذلك، ويُشدِّد عليه ويقول له في كتابه: فلا تجذع أبا عبد الله أن تُؤخذ بالحق وتُعطيه، فإنّ الحق أَبْلج، فَذَرْني وما عنه تُلَجْلِج فقد بَرح الخفَا.
فكتب إليه عمرو بن العاص يجيبه على كتابه وكتب إليه: إنّ أهلَ الأرض استنظروا إلى أن تدرك غَلَّتُهُم، فنظرت للمسلمين وكان التَّرفقُ بهم خيرًا من أن نخرق بهما فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه، فينكسر الخراج، وقد صدقتُ والله أَمِيرَ المؤمنين والسلام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة، عن موسى بن جُبَيْر، عن شيوخٍ من أهل المدينة قالوا: كتب عُمر بن الخطاب إلى عَمْرو بن العاص: أما بعد، فإني قد فرضت لمن قبلي في الديوان ولذريتهم ولمن وَرَدَ علينا بالمدينة من أهل اليمن وغيرهم ممن توجه إليك وإلى البُلدان، فانظر من فرضتُ له ونزل بك، فادْررْ عليه العطاءَ وعلى ذريته، ومن نزل بك ممن لم أفرض له فافرض له على نحوٍ ممّا رأيتني فرضتُ لأشباهه، وخُذ لنفسك مائتي دينار، فهذه فرائض أهل بدرٍ من المهاجرين والأنصار، ولم أبلغ بهذا أحدًا
стр. 1854
من نُظَرائك غيرك، لأنك من عمال المسلمين، فألحقتك بأرفع ذلك، وقد علمتُ أَنّ مُؤَنًا تَلْزَمُك، فَوَفِّر الخراجَ وخذه من حَقِّهِ ثم عِفَّ عنه بعد جمعه، فإذا حصل إليك وجمعتَه أخرجتَ عطاءَ المسلمين وذريتهم وما تحتاج إليه ممّا لا بد منه، ثم انظر فيما فضل بعد ذلك فَاحْمِلْهُ إِلَيَّ، واعلم أنّ ما قبلك من أرض مصر ليس فيه خُمسٌ، وإنما هي أرض صلح وما فيها للمسلمين فيءٌ، تبدأ بمن أغنى عنهم في ثغورهم وأجزأ عنهم في أعمالهم، ثم تَفُضّ ما فَضَل بعد ذلك عَلَى مَنْ سَمَّى الله.
واعلم يا عَمْرو أن الله يراك ويرى عملك ويعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك، فليكن مُقْتَدًى بك في سِيرَتِك وعملك، فإنه قال ﵎ في كتابه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٧٤] يريد أن يُقْتدى وأن معك أهل ذمة وعهدٍ قد أوصى رسول الله، ﷺ ، بهم، وأوصى بالقبط فقال: اسْتَوْصُوا بالقبط خَيْرًا فإنّ لهم ذِمَّةً وَرَحِمًا، ورحمهم: أنّ أُمَّ إسماعيل منهم. وقد قال رسول الله، ﷺ : مَن ظَلَم معاهدًا وكلّفه فوق طاقتهِ فَأَنَا خصْمُهُ يوم القيامة، احْذَرْ يَا عَمْرو أن يكون رسول الله، ﷺ ، لك خصمًا، فإنه من خاصمه خصمه، والله يا عمرو، لقد ابتليتُ بولايةِ هذه الأمة، وأنستُ من نفسي ضعفًا وانتشرت رعيَّتي، ورقَّ عظمي، فأسألُ الله أَنْ يقبضني إليه غير مُفرطٍ، والله إني لأخشى لو مات حَمَلٌ بأقصى عملك ضياعًا، أن أُسْأَلَ عنه يوم القيامة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا الوليد بن كثير، عن يَزِيد بن أَبِي حَبِيب، عن أبي الخَير، قال: لما فتح المسلمون مصر، بعث عَمْرُو بن العاص إلى القُرى التي حولها، الخيلَ تَطَؤُهم، فبعث عُقبةَ بن نافع بن عَبْد القَيْس (١)، وكان أخَا العاص بن وائل لأمّه، فدخلتْ خُيُولهم أرض النُّوبَة غزاةً، غَزْوًا كصوائف الروم، فلقي المسلمون من النُّوبة قتالًا شديدًا، لقد لاقوهم أول يومٍ، فَرَشَقُوهم بالنّبل، حتى جُرِحَ عامتهم جراحاتٍ كثيرةٍ، وحَدَق مَفقُوءةٌ، فسمَّوهم رُماةَ الحَدق، فلم يزالوا على ذلك حتى وَلَّى عثمانُ بن عفان عَبْدَ الله بن سعد بن أبي
стр. 1855
سَرح مصر، فسأله النُوبةُ الصُّلْحَ والموادعة، فأجابهم إلى ذلك، فاصطلحوا على غير جِزْية، على هدية ثلاثمائة رأس في كل سنة، ويُهدي إليهم المسلمون طعامًا مثل ذلك (١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا شُرَحْبِيل بن أَبِي عَوْن، عن عبد الله بن هُبَيْرة، قال: لما فتح عَمْرُو بن العاص الإسكندريةَ سار في جُنْدِه يريد المغرب حتى قدم برقة فصالح أهلها على الجزية وهي ثلاثة عشر ألف دينار، وأن يبيعوا من أبنائهم من أَحَبّوا في جِزْيتهم (٢).
قال محمد بن عمر: وكتب عَمْرُو بن العاص إلى عُمَرَ بن الخطاب يُخْبِره أَنّه وَلَّى عُقْبَةَ بن نافع الفِهْرِي، وأنه قد بلغ زَوِيلَةَ، وأَنَّ ما بين بَرْقَةَ وزَوِيلةَ سِلْم كلهم قد أطاع مُسْلِمُهم بالصَّدَقَة، وأَقَرَّ مُعَاهِدُهُم (٣) بالجِزْية. وقد وضعتُ على أهل [برقة] صلحًا صالحتهم عليه، ووضعنا على زَوِيلَةَ وما بيننا وبين زَوِيلَةَ ما نراهم يُطِيقُونه، وقد أمرت عمالي أن يأخذوا الصدقات من أغنياء المسلمين فيردّوها على فقرائهم، وأَنْ تُؤْخَذَ الجزيةُ من أهل الذمَّة فتحمل إِلَيَّ، ولا يقسم فيهم منها شيء، وأمرتُ في أرضيهم بمثل ما أمرتُ به في عين أموالهم أن يؤخذ من المسلمين رُبع عُشور مَا تَجَرُوا به، ويُؤخذ من زروعهم العُشُور ممّا سَقَتِ السماء، ونصف العُشر مِمّا سُقِي بالغَرْب (٤)، ويؤخذ من أهل الذمة الصلح الذي صالحنا عليه (٥)، ومن لم يُصالِح وُضِع على أرضه ما تُطِيق وَمَا يَقْوَى عليه فكتب إليه عمر يُصَوِّبُ رأيه، وكتب إليه وإن رأيتَ ضَعْفًا فَخَفِّفْ عنهم، واحْمِلْ جِزْيَتَهم إلى بيت مال المسلمين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، عن شُرَحْبِيل بن أبي عون، عن أبيه وعن أبي
стр. 1856
بكر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة وغيرهما، أَنَّ عَمْرَو بنَ العاص سار حتى نزل أطرابلس فافتتحها، وكتب إلى عمر بذلك، وأن بين أطرابلس وإفريقية تسعة أيام، ويُخبرهُ بكثرة أموالها وأنها معادن، إنما يَحثُون منها حثيًا، فإنْ رَأَى أميرُ المؤمنين أن يأذن للمسلمين في دخولها فعل. فكتب إليه عُمر: إنها ليست بإفريقية، ولكنها مفرقة غادرةٌ ومغدورٌ بها، لا يغذوها أحدٌ من المسلمين ما بقيتُ. فلم يأذن له في غزوها فكان عمرو بن العاص يبعثَ الجَرِيدَةَ من الخيلِ إلى أدنى القرى بإفريقية فيصيبون غنائم ويرجعون (١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا هشام بن سعد، عن يحيى بن عبد الله بن مالك الدار، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص: أن يحمل طعامًا من مصر حتى يُرسَى بهِ إلى بَولا وكان الساحلَ، ليقسمه على الناس على حالاتِهم وعيالاتِهم، وإن أهل المدينة قومٌ محصورون، وليست بأرض زرع، فبعث عمرو بن العاص بعشرين مركبًا في البحر، وبعث في كل مركب ثلاثة آلاف إردب وأكثر وأقلّ، حتى انتهت إلى الجار، وهو المرفأ اليوم وبلغ عمر ﵁ قدومها فخرج وخرج معه الأكابر من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فنظر السفن فحمد الله الذي ذَلَّلَ لهم البحرَ حتى جَرَتْ فيه منافع المسلمين إلى المدينة. وَأَمَرَ سعد الجار بِقَبْض ذلك الطعام وأَن يَسْتَوْفِيَه، فلما قدم عمر المدينة قسّم ذلك الطعامَ على الناس وكتب لهم بالصِّكاك إلى الجار، فكانوا يخرجون ويَقْبِضُونَ ذلك.
(* قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أُسَامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعتُ عَمْرَو بن العاص يومًا - وَذَكَرَ عُمَرَ فَتَرَحَّم عليه ثم - قال: ما رأيتُ أحدًا - بعد نَبِيّ اللهِ وأَبِي بكر - أَخْوَفَ للهِ من عُمَرَ، لا يبالي على من وقع الحقُّ، عَلَى وَلَدٍ أَوْ وَالدٍ، ثم قال: والله إِنِّي لَفِي منزلي ضُحًى بمصرَ إِذْ أتانى آتٍ فقال: قدم عبد الله وعبد الرحمن ابنا عُمَر غَازِيَيْنِ، فقلت للذي أخبرني: أين نَزَلَا؟ قال: في موضع كذا وكذا - لأقصى مصر - وقد كَتَبَ إِلَيَّ
стр. 1857
عُمَرُ: إياك أَنْ يَقدم عليك أحدٌ من أهل بيتي فَتحبُوهُ (١) بأمرٍ لا تصنعهُ بغيره، فَأَفعلُ بِكَ ما أنت أهله، فأنا لا أستطيع أن أهْدِي لهما، ولا آتيهما في منزلهما للخوف من أبيهما، فوالله إني لَعَلَى ما أنا عليه إلى أن قال قائِلٌ: هذا عبد الرحمن بن عمر، وأَبُو سِرْوَعَةَ على الباب يستأذنان، فقلت: يدخلان، فدخلا وهم مُنْكَسِرَان، فقالا: أقم علينا حَدَّ الله، فإنّا قد أصَبنا البارحة شرابًا، فسكِرنا. قال: فَزَبَرْتُهما (٢) وطَرَدْتُهما، فقال عبد الرحمن: إن لَمْ تفعلْ أخبرتُ أَبِي إِذا قَدِمت عليه، قال: فحضرني رأي (٣) وعلمت أني إن لم أقم عليهما الحدَّ غضبَ عليَّ عمر في ذلك وعزلني، وخالفه ما صنعت. فنحن على ما نحن عليه إذ دخل عبد الله بنِ عمر، فقمتُ إليه، فرحبتُ به، وأردتُ أن أجلسه على صدر مجلسي، فَأبَى عَلَيَّ وقال: إن أبي نهاني أن أدخل عليك إِلَّا أَلَّا أجِد بدّا، فإني لم أجد بدًّا من الدخول عليك، إن أخي لا يُحلَقُ على رءوس الناس أبدًا، فأمّا الضرب فاصنع مَا بَدَا لَك. قال: وكانوا يحلقُونَ مع الحدِّ - قال: قال: فأخرجتهما إلى صحن الدار، فضربتهما الحد، ودخل ابن عمر بأخيه عبد الرحمن إلى بيتٍ مِن (٤) الدار، فحلق رأسه ورأس أبي سِرْوَعَةَ. فوالله ما كتبت إلى عمر بحرفٍ مما كان، حتى إذا تَحينتُ كتابهُ إذا هو يَطِمُّ (٥) فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عُمَرَ أميرِ المؤمنين إلى العاصي بن العاصي، فَعجبتُ لك يابن العاصي ولجرءتك عَلَيَّ! وخلاف عهدِي، أما إِنّي قد خالفت فيك أصحاب بَدْرٍ ممن هو خيرٌ منك واخترتك لجرأتك عنِّي، وإنفاذ عهدي، فأراك تَلَوَّثْت بما قد تلوثت، فما أُراني إلا عَازِلُكَ فَمُسِيءٌ عَزْلَك، تَضْرِبُ عبدَ الرحمن بن عمر في بيتك وتَحلق رأسَه في بيتك، وقد عرفتَ أن هذا يخالفني؟! إِنَّما عبدُ الرحمن رجل مِن رَعِيَّتك تصنع ما تصنع بغيره من المسلمين، ولكن قلتَ: هو ولدُ أميرِ المؤمنين، وقد عرفتَ أن لا هوادةَ لأحدٍ من
стр. 1858
الناس عندي في حقٍّ يجبُ للهِ عليه. فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءَةٍ على قَتَب حتى يُعْرَف سوء ما صنع.
فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأتُ ابنَ عمر كتاب أبيه، وكتبت إلى عمر كتابًا أعتذرُ فيه. وأخبره أني ضربته في صحن داري، وبالله الذي لا يُحلَفُ بأعظم منه إِني لأقيم الحدودَ في صحن داري على الذِّمِّيّ والمسلم. وبعثتُ بالكتاب مع عبد الله بن عمر. فقال أسلم: فَقُدِمَ بعبد الرحمن على أبيه، فدخل عليه، وعليه الحدّ مرة فما عليه عباءةٌ، ولا يستطيع المشي من مَرْكَبه، فقال: يا عبد الرحمن، فعلتَ وفعلتَ! السِّيَاط! فكَلَّمَه عبدُ الرحمن بن عَوفٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ قد أقيم عليه الحدّ مرّة فما عليه أن تُقِيمَهُ ثانيةً! فلم يلتفت إلى هذا عُمَرُ، وبرّزَهُ (١)، فجعل عبد الرحمن يصيح! إِنِّي مريضٌ، وأنت قاتلي فضربَهُ الثانيةَ الحَدّ، وحَبسهُ ثم مرِضَ فمات *).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني شُرَحْبِيل بن أَبِي عون، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمةَ، قال: لما توفي عمر بن الخطاب وولي عثمان بن عفان كَتَبَ إلى عمرو بن العاص فَأَقَرّهُ عَلَى مصر، فكتب إليه عَمْرو يُخبره بما نال المسلمون من المغرب، وأنهم بلغوا باب قَابِس فأصابوا أموالًا عظامًا، وأنه ليس بين باب قابس وإفريقية إلا أربع ليال، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزيها المسلمين فعل، فكتب إليه عثمان: إني غيرُ فاعل، فأضرب عَمْرو عن ذكرها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر، عن أَبِي عون مَولى المِسْور، قال: وحدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: وحدّثنا أسامة بن زيد اللَّيثي، عن يزيد بن أَبِي حَبِيب، قال: عَزَل عثمانُ بن عفان عَمْرَو بن العاص عن خراج مصر وَأَقَرَّهُ على الجُنْدِ والصَّلَاةِ، وَوَلَّى عبدَ الله بن سعد بن أَبِي سَرْح الخراج فتباغيا، فكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان أَنّ عَمْرًا قد كسرَ عَلَيَّ الخراجَ. وكتبَ عَمْرُو بن العاص إلى عثمان أنّ عبدَ الله بن سعد قد كسرَ عليّ
стр. 1859
مكيدةَ الحربِ. فعزل عثمانُ عَمْروَ بن العاص عن الجندِ والصلاةَ، ووَلّى ذلك عَبْدَ الله بن سعد مع الخراج، فانصرف عَمْرٌو مغضبًا، فقدمَ المدينةَ فجعل يطعن على عثمان ويعِيبُهُ.
ودخل عليه يومًا وعليهِ جُبَّةٌ لهُ يمانيةٌ محشوةٌ بقُطنٍ، فقال له عثمان: مَا حَشْوُ جُبَّتِك هذه يا عَمْرو؟ قال: حَشْوُها عَمْرو. قال: لم أُرِدْ هذا يابنَ النابغة، ما أسرع ما قَمِلَ جِرِبَّانُ (١) جُبتكَ! وإنما عهدك بالعمل عَامَ أول، أَتَطْعَنُ عَلَيّ وتأتيني بوجهٍ وتذهب عَنِّي بآخر؟! فقال عَمرو: إن كثيرًا مما ينقل الناسُ إلى ولاتهم باطلٌ. فقال عثمان: استعملتك على ظَلعِكَ! فقال عَمرو: قد كنت عاملًا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عنّي راضٍ. فخرج عَمْرو من عند عثمان وهو متحقّنٌ عليه، فجعل يُؤلِّبُ عليه الناس ويُحَرِّضُهم، فلما حُصِرَ عثمانُ الحصرَ الأول خرج عَمْرو من المدينة حتى انتهى إلى أرضٍ له بفلسطين يقال لها السَّبْع (٢)، فنزل في قصرٍ يقال له العَجلان، فلما أتاهُ قتلُ عثمانَ قال: أنا أبو عبد الله إذا أحُكُّ قرحةً نَكَأْتُها. يعني: إِني قتلتُه بتحريض عليه وأنَا بالسَّبْع. وقال أَتَرَبَّصُ أيامًا وأنظر ما يصنع الناس، فبلغَهُ أنّ عليًا قد بُويع له، فاشتدَّ ذلك عليه، ثم بلغهُ أن عائشةَ وطلحةَ قد ساروا إلى الجملِ، فقال: أَسْتَأْنِي وأنظر ما يصنعون، فلم يشهد الجملَ ولا شيئًا من أمره.
ثم أتاه الخبر بأن طَلْحة والزُّبَيْر قد قُتلا، فأُرتجَ عليه أمرُه، فقال له قائل: إن معاوية لا يُريدُ أن يبايع لعليٍ، فَلَو قاربت معاويةَ! فقال: ارحَل يا وردان، فدعا ابنيه عبد الله ومحمدًا وقال: ما تريان؟ فقال عبد الله تُوُفِّي رسولُ الله، ﷺ ، وهو عنك رَاضٍ، وتُوفي أبو بكر وهو عنك راضٍ، وتُوفي عمر وهو عنك راضٍ. أَرَى أَنْ تَكُفَّ يَدَك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناسُ على إمام فتُبايعه، فقال: حُطّ يا وردان. وقال ابنه محمد بن عَمْرو: أنتَ نابٌ من أنيابِ العربِ، فلا أرى
стр. 1860
أن يجمع هذا الأمر وليس لك فيه صوتٌ ولا ذكر، فقال: أما أنت يا عبد الله فَأَمَرْتَني بالذي هو خيرٌ لي في آخرتي وأسلَمُ لي في ديني وأمّا أنت يا محمد فَأَمَرْتَني بالذي [هو] (١) أنْبَهُ لي في دنيايَ وأشرّ لي في آخرتي، وإنّ عليًّا قد بويع له وهو يُدِلّ (٢) بسابقته وهو غير مُشْرِكي في شيء من أمره، ارحلْ يا ورْدان. ثمّ خرج ومعه ابناه حتى قَدِمَ على معاوية بن أبي سفيان فبايعه على الطلب بدم عثمانُ (٣).
وكتَبا بينهما كتابًا نُسْخَتُه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تعاهد عليه معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ببيت المقدس من بعد قتل عثمان بن عفّان وحمل كلّ واحد منهما صاحبَه الأمانةَ، إنّ بيننا عهد الله على التناصر والتخالص والتناصح فما أمر الله والإسلام ولا يَخْذُلُ أحدُنا صاحبه بشيء (٤) ولا يتّخذ من دونه وَليجةً، ولا يحول بيننا ولدٌ ولا والدٌ أبدًا ما حَيينا فيما (٥) استطعنا، فإذا فُتِحَتْ مصر فإنّ عَمْرًا على أرضها وإمارته التي أمّره عليها أمير المؤمنين، وبيننا التناصح والتوازر والتعاون على ما نابنا من الأمور، ومعاوية أمير على عمرو بن العاص في الناس وفي عامّة الأمر، حتى يجمع الله الأمّةَ، فإذا اجتمعت الأُمّةُ فإنّهما يدخلان في أحسن أمرها على أحسن الذي بينهما في أمر الله الذي بينهما من الشرط في هذه الصحيفة. وكتب وردان سنة ثمانٍ وثلاثين.
قال: وبلغ ذلك عليًّا فقام فخطب أهل الكوفة فقال: أمّا بعد فإنّه قد بلغني أنّ عَمْرَو بن العاص الأبتر بن الأبتر بَايَعَ معاويةَ على الطلب بدم عثمان، وحَضّهم عليه فالعضد والله الشّلّاء عَمْرو ونُصْرَتُه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا هشام بن الغاز وإبراهيم بن موسى عن عِكْرِمة بن خالد وغيرهما قالوا: كان عمرو بن العاص يباشر القتال في القلب أيّام صِفِّين بنفسه، فلمّا كان يومٌ من تلك الأيّام اقتتل أهلُ العراق وأهل الشأم حتى غابت الشمس، فإذا كتيبة خَشْناءُ من خلف صفوفنا أراهم خمسمائة فيها عمرو