← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذكر أول ما نزل عليه من القرآن وما قيل له، ﷺ - أخبرنا محمّد بن عمر قال: حَدَّثَنِي معمر بن راشد عن الزهريّ عن محمّد بن عبّاد بن جعفر قال: سمعت بعض علمائنا يقول: كان أوّل ما أنزل على النبيّ، ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: ١: ٥]: فهذا صدرها الذي أُنْزِل على النبيّ، ﷺ ، يوم حِراء، ثمّ نزل آخرها بعد ذلك بما شاء الله. أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شُعبة عن عَمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: أوّل سورة أُنزلت على النبيّ، ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن أبي موسى عن داود بن الحُصين عن أبي غَطفان بن طريف عن ابن عبّاس أن رسول الله، ﷺ ، لمّا نزل عليه الوحي بحراء مكثَ أيّامًا لا يرى جبريل، فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثَبِير (١) مرة وإلى حِراء مرّة يريد أن يُلقي نفسه منه (٢). فبينا رسول الله، ﷺ كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتًا من السماء، فوقف رسول الله ﷺ ، صَعِقًا للصّوت ثمّ رفع رأسه فإذا جبريل على كُرسيّ بين السماء والأرض متربّعًا عليه يقول: يا محمّد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله، ﷺ ، وقد أَقَرّ الله عينه وربط جأشه، ثمّ تتابع الوحي بعْدُ وَحَمِيَ. أخبرنا محمّد بن مُصْعب القَرْقَسَاني، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: قِيلَ لي يَا محمّدُ لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنكَ وَلْيَعِ قَلْبُكَ، قال النبيّ، ﷺ : فَنَامَتْ عَيْنِي وَوَعَى قَلْبي وَسَمِعَتْ أُذُني. * * *

стр. 212

ذكر شدة نزول الوحي على النبيّ، ﷺ - أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا قتادة وحميد عن الحسن عن حِطّان بن عبد الله الرقّاشي عن عُبَادة بن الصَّامت أنّ النبيّ، ﷺ ، كان إذا نزل عليه الوحي كُرِب له وتَربَّد وجهه (١). أخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عكرمة قال: كان إذا أُوحي إلى رسول الله، ﷺ . وُقذ لذلك ساعة كهيئة السَّكْران (٢). أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن صالح بن محمّد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي أَرْوَى الدَّوْسي قال: رأيتُ الوحي ينزل على النبيّ، ﷺ ، وإنّه على رَاحِلته، فترغو وتفتل يديها حتى أظنّ أن ذراعها تَنقصم، فربما بَركت وربما قامت مُوَتّدَة يديها حتى يُسَرَّى عنه من ثِقل الوحي، وإنّه لَيَتَحدَّر منه مثل الجُمَان (٣). أخبرنا حُجين بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمّه أنّه بلَغه أنّ رسول الله، ﷺ كان يقول: كان الوَحْيُ يَأتِيني على نحْوَيْنِ: يَأتِيني بِهِ جِبْرِيلُ فَيُلْقِيه عَلَيّ كَمَا يُلْقى الرّجُلُ عَلى الرّجُلِ فَذَلِكَ يَتَفَلّتُ منّي، ويَأتِيني في شَيْءٍ مِثْلِ صَوْتِ الجَرَسِ حَتّى يُخَالِطَ قَلْبي فَذاكَ الّذي لا يَتَفَلّتُ منّي (٤). أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحارث بن هشام قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله، ﷺ : أحْيانًا يَأتِيني في مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وَهُوَ أشَدّهُ عَلَيّ، فَيُفْصِمُ عنّي وَقدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لي المَلَكُ فَيُكَلّمُني فَأعي مَا يَقُولُ، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيُفصِم عنه وإن جَبينه لَيتَفَصَّد عَرَقًا (٥).

стр. 213

أخبرنا عَبيدة بن حُميد التيمي قال: حدّثني موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: كان النبيّ، ﷺ ، إذا نَزَلَ عليه الوحي يعالج من ذلك شِدّة، قال: كان يتلقّاه ويحرّك شَفَتيه كي لا ينساه، فأنزل الله عليه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [سورة القيامة: ١٦]: لتعجل بأخذه، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٧]: إنّ علينا أن نجمعه في صدرك، قال: قرآنه أن يقرأه، قال: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٨]: قال: أنْصِتْ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٩]: أن نبيّنه بلسانك، قال: فانشرح رسول الله، ﷺ (١). أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا أبو عَوانة، أخبرنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس في قول الله تعالى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٦، ١٧]: قال: كان رسول الله، ﷺ (١)، يعالج من التنزيل شدّة يحرّك به شفتيه، فَأنْزَلَ الله، ﵎: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾: علينا جمعه في صدرك ثمّ تقرؤه، قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٨]: قال: استمع له وأنصت، قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٩]. قال: ثمّ علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع له فإذا انطلق جبريل قرأه كما أُقْرِئَهُ. * * * ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، النّاس إلى الإسلام أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: أُمر رسول الله، ﷺ ، أن يَصْدَع بما جاء من عند الله، وأن يُبَادِيَ (٢) النّاس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله، فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوّة ثلاث سنين مستخفيًا إلى أن أُمِرَ بظهور الدّعاء.

стр. 214

أخبرنا هَوْذَة بن خَليفة، أخبرنا عوف عن محمّد: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت: ٣٣]: قال: هو رسول الله، ﷺ . (١) أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمر بن راشد عن الزّهري قال: دعا رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام سِرًّا وجَهْرًا، فاستجابَ لله مَن شاء من أحداث الرّجال وضُعفاء النّاس حتى كثر مَن آمَن به وكُفّارُ قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مَرَّ عليهم في مَجالسهم يشيرون إليه أن غلام بني عبد المطّلب لَيُكَلَّم من السماء، فكان ذلك حتى عابَ الله آلهتهم التى يعبدونها دونه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكُفر، فَشَنِفوا لرسول الله، ﷺ ، عند ذلك وعادَوْه (٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبيبة عن داود بن الحصين عن عِكرمة عن ابن عبّاس قال: لما أُنزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٤]: صعد رسول الله ﷺ ، على الصّفا فقال: يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ! فقالت قريش: محمّد على الصّفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: ما لك يا محمّد؟ قال: أرَأيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ خَيْلًا بسَفْحِ هَذا الجَبَلِ أكُنْتُمْ تُصَدّقُونَني؟ قالوا: نعم أنْت عندنا غير متّهم وما جرّبنا عليك كذبًا قطّ، قال: فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَديدٍ يَا بَني عَبْدِ المُطّلبِ يَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ يَا بَني زُهْرَةَ، حَتّى عدّدَ الأفْخَاذَ مِن قُريش، إنّ الله أمَرَني أنْ أُنْذِرَ عَشِيرتي الأقْرَبِينَ وَإنّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الدّنْيَا مَنْفَعَةً وَلا مِنَ الآخِرَةِ نَصِيبًا إلّا أنْ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، قال: يقول أبو لهب: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله، ﵎: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا

стр. 215

كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ [سورة المسد: ١: ٥]: السّورة كلها. (١) أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ابن مَوْهَب عن يعقوب بن عُتْبَة قال: لمّا أظهر رَسول الله، ﷺ ، الإسلام ومَن معه وفشا أمره بمكّة ودعا بعضهم بعضًا، فكان أبو بكر يدعو ناحية سرًّا، وكان سعيد بن زيد مثل ذلك، وكان عثمان مثل ذلك، وكان عمر يدعو علانية، وحمزة بن عبد المُطّلب، وأبو عُبيدة بن الجرّاح، فغضبت قريش من ذلك، وظهرَ منهم لرسول الله، ﷺ ، الحسدُ والبغي، وأشخص به منهم رجال فبادَوه وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي إلّا أنهم ينزّهون أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله، ﷺ (٢). وكان أهلَ العداوة والمباداة لرسول الله، ﷺ وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل: أبو جَهل بن هشام، وأبو لَهب بن عبد المُطّلب، والأسود بن عبد يَغوث، والحارث بن قَيس بن عديّ وهو ابن الغَيْطَلة والغَيْطلة أمّه، والوليد بن المغيرة، وأُميّة وأُبيّ ابنا خَلَف، وأبو قَيس بن الفَاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل، والنَّضر بن الحارث، ومنبّه بن الحجّاج، وزُهير بن أبي أميّة، والسائب بن صَيْفيّ بن عابد (٣)، والأسود بن عبد الأسد، والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هاشم، وعُقبة بن أبي مُعَيط، وابن الأصْدى (٤) الهُذلي، وهو الذي نَطَحته الأرْوَى، والحَكَم بن أبي العاص، وعديّ بن الحمراء، وذلك أنهم كانوا جيرانه، والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله، ﷺ ، إليهم: أبو جَهل، وأبو لَهب، وعُقبة بن أبي مُعَيْط، وكان عُتبة وشَيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب أهلَ عداوة ولكنهم لم يُشْخَصوا بالنبيّ، ﷺ ، كانوا كَنَحْو قريش، قال ابن سعد: ولم يُسلم منهم أحد إلّا أبو سفيان والحكم (٥).

стр. 216

أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هِشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله، ﷺ : كُنْتُ بَينَ شَرّ جَارَيْنِ، بَينَ أبي لَهَبٍ وَعُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْط إنْ كَانَا لَيَأتِيَانِ بالْفَرُوثِ فَيَطْرَحَانِهَا عَلى بَابي حَتّى أَنّهُمْ لَيَأتُونَ ببَعْضِ مَا يَطْرَحُونَ مِنَ الأذَى فَيَطْرحُونَهُ عَلى بَابِي، فيخرج به رسول الله، ﷺ ، فيقول: يَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ أىّ جِوَارٍ هَذَا! ثُمّ يُلْقِيهِ بالطّريقِ (١). * * * ذكر مَمْشى قريش إلى أبي طالب في أمره، ﷺ - أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني محمّد بن لوط النّوْفَلي عن عَون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: وحدّثني عائذ بن يحيَى عن أبي الحُوَيْرث قال: وحدَّثني محمّد بن عبد الله ابن أخي الزّهريّ عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْريّ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لمّا رأت قريش ظهور الإسلام وجلوس المسلمين حول الكعبة سُقِط في أيديهم، فمشوا إلى أبي طالب حتى دَخَلوا عليه فقالوا: أنْت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا، وقد رأيتَ هذا الذي فعلَ هؤلاء السُّفهاء مع ابن أخيك من تركهم آلهتنا وطَعنهم علينا وتَسْفِيههم أحلامنا، وجاءوا بعُمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا: قد جئناك بفتى قريش جمالًا ونسبًا ونَهادة وشعرًا ندفعه إليك فيكون لك نصره وميراثه وتدفع إلينا ابن أخيك فنقتله، فإنّ ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبّةً، قال أبو طالب: والله ما أنْصَفْتُموني، تُعطونني ابنكم أَغذُوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه؟ ما هذا بالنّصَف، تسومونني سوم العرير الذليل! قالُوا: فأرْسِلْ إليه فلنعطه النّصَف، فأرسل (* إليه أبو طالب، فجاء رسول الله، ﷺ ، فقال: يابن أخي هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا ينصفونك، فقال رسول الله، ﷺ : قُولُوا أسْمَعْ، قالوا: تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، قال أبو طالب: قد أنصَفَك

стр. 217

القوم فاقبل منهم، فقال رسول الله، ﷺ : أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ هَلْ أنْتُمْ مُعْطِيّ كَلِمَةً إنْ أنْتُمْ تَكَلّمْتُمْ بهَا مَلَكْتُمْ بهَا العَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بهَا العَجَمُ؟ فقال أبو جهل: إنّ هذه لكلمة مُرْبحة، نعم وأبيك لنقولنّها وعشر أمثالها، قال: قُولُوا لا إلَهَ إلّا الله، فاشمأزّوا ونفَرُوا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد، ويقال: المتكلّم بهذا عقبة بن أبي مُعَيْط، وقالوا: لا نعود إليه أبدًا، وما خير من أن يُغْتالَ محمّد، فلمّا كان مساء تلك الليلة فُقِدَ رسول الله، ﷺ ، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانًا من بني هاشم وبني المطّلب ثمّ قال: ليأخذْ كلّ واحدٍ منكم حديدة صارمة ثمّ ليتبعني إذا دخلتُ المسجد، فلينظر كلّ فتًى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحَنْظَلِيّة، يعني أبا جَهل، فإنّه لم يغب عن شرّ إن كان محمّد قد قُتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجدَ أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنتُ معه آنفًا، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبدًا حتى أراهُ، فخرَج زَيدٌ سريعًا حتى أتى رسول الله، ﷺ ، وهو في بيت عند الصَّفَا ومعه أصحابه يتحدّثون، فَأَخْبَرَهُ الخبر، فجاء رسول الله، ﷺ ، إلى أبي طالب، فقال: يابن أخي أين كنت؟ أكنتَ في خيرٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله، ﷺ ، فلمّا أصبح أبو طالب غَدا على النبيّ، ﷺ ، فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميون والمطّلبيون، فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هَممتُ به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عمّا في أيديكم، فَكَشَفُوا، فإذا كلّ رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بَقَّيْتُ منكم أحدًا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدّهم انكسارًا أبو جهل *). * * * ذكر هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله، ﷺ ، إلى أرض الحبشة في المرَّة الأولى أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا هِشام بن سعد عن الزهريّ قال: لمّا كثر المسلمون وظَهَر الإيمان وتُحُدّث به ثارَ ناسٌ كثيرٌ من المشرِكين من كُفّار قريش بمن

стр. 218

آمن من قبائلهم فعذَّبوهم وسَجَنوهم وأرادوا فِتنتهم عن دينهم، فقال لهم رسول الله، ﷺ : تَفَرَّقُوا في الأرْضِ، فقالوا أين نذهب يا رسول الله؟ قال: هَهُنا، وأشار إلى الحبشة، وكانت أحبّ الأرض إليه أن يهاجر قِبَلَهَا، فهاجَر ناسٌ ذَوو عددٍ من المسلمين منهم مَن هاجر معه بأهله، ومنهم مَن هاجَر بنفسه، حتى قَدِموا أرض الحبشة. أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا يونس بن محمّد الظَّفَري عن أبيه عن رجل من قومه فيها قال: وأخبرنا عُبيد الله بن العبّاس الهذلي عن الحارث بن الفُضَيل قالا: فخرجوا متسلّلين سِرًّا وكانوا أحدَ عشرَ رجلًا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشُّعَيْبة (١) منهم الراكب والماشي ووفّق الله تعالى للمُسلمين ساعةَ جاءوا سفينَتين للتّجّار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نُبِّئ رسول الله، ﷺ ، وخرَجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحرَ حيث رَكِبوا فلم يُدْرِكوا منهم أحدًا، قالوا: وقَدِمنا أرض الحبشة فجاوَرْنَا بها خير جار، أمِنّا على ديننا وعَبَدْنَا الله لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئًا نكرهه (٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني يونس بن محمّد عن أبيه. قال: وحدّثني عبد الحميد بن جعفر عن محمّد بن يحيَى بن حَبّان قالا: (٣) تسميةُ القوم الرجال والنّساء: عُثمان بن عفّان معه امرأته رُقيّة بنت رسول الله، ﷺ ، وأبو حُذَيفة بن عُتبة بن ربيعة معه امرأته سَهْلة بنت سُهَيل بن عمرو، والزُّبير بن العَوّام بن خُوَيلد بن أسد، ومُصْعَب بن عُمَير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عَوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة، وأبو سَلَمَة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم معه امرأته أم سَلَمة بنت أبي أميّة بن المغيرة،

стр. 219

وعثمان بن مظعون الجُمحي، وعامر بن ربيعة العَنْزي حليف بني عديّ بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العُزّى العامريّ، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسُهيل بن بيضاء من بني الحَارث بن فِهر، وعبد الله بن مسعود حليف بني زُهرة (١). * * * ذكر سبب رجوع أصحاب النبي، ﷺ ، من أرض الحبشة أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني يونس بن محمّد بن فُضالة الظَّفَري عن أبيه قال: وحدّثني كثير بن زَيد عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطب قالا: رأى رسول الله، ﷺ ، من قومه كَفًّا عنه، فجلس خاليًا فتمنّى فقال: لَيْتَهُ لا يَنْزِلُ عَليّ شَيْءٌ يُنَفِّرُهُمْ عَنّي! وقارَب رسولُ الله، ﷺ ، قومَه ودَنا منهم ودَنَوا منه، فجلسَ يومًا مجلسًا في نادٍ من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [سورة النجم: ١] حتى إذا بَلَغَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٩، ٢٠]: ألقى الشّيْطانُ كلمتين على لسانه: تلك الغَرَانيقُ العُلَا، وإن شفاعتهن لَتُرتَجى، فتكلَّم رسول الله، ﷺ ، بهما (٢)، ثمّ مضى فقرأ السورة كلّها وسَجَدَ وسَجَدَ القومُ جميعًا ورفع الوَلِيد بن المغيرة تُرابًا إلى جَبهته فسَجَد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، ويقال: إنّ أبا أُحَيحَة سعيد بن العاص أخذَ ترابًا فسجَد عليه رفَعه إلى جبهته، وكان شيخًا

стр. 220

كبيرًا، فبعض النّاس يقول إنّما الذي رَفَع التراب الوليد، وبعضهم يقول أبو أُحَيحة، وبعضهم يقول كلاهما جميعًا فعل ذلك، فرضوا بما تكلّم به رسول الله، ﷺ ، وقالوا: قد عرفنا أنّ اللهَ يُحيي ويُميت ويَخلُق ويَرزُق، ولكنّ آلهتنا هذه تَشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك، فكبُر ذلك على رسول الله، ﷺ ، من قولهم حتّى جلَس في البيت، فلمّا أمسى أتاه جبريل، ﵇، فَعَرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتك (١) بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله، ﷺ : قُلْتُ عَلى اللهِ مَا لَمْ يَقُلْ، فَأوْحَى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾: إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٣ - ٧٥] (٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: فَشَتْ تِلْكَ السَّجدة في النّاس حتى بلغت أرض الحبشة، فبلَغ أصحابَ رسول الله، ﷺ ، أنّ أهل مكّة قد سجدوا وأسلموا حتى إنّ الوليد بن المغيرة وأبا أُحَيْحَة قد سَجَدا خلف النبيّ، ﷺ ، فقال القوم: فمن بَقى بمكّة إذا أسلم هؤلاء؟ وقالوا: عشائرنا أحبّ إلينا، فخرَجوا راجعين حتى إذا كانوا دون مكّة بساعة من نهار لقوا رَكْبًا من كنانة فسألوهم عن قُريش وعن حالهم، فقال الركْب: ذكَر محمّد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثمّ ارتَدَّ عنها فعاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشرّ، فتركناهم على ذلك، فَأْتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة ثمّ قالوا: قد بلغْنا ندخل فننظر ما فيه قريش ويُحْدِث عَهْدًا مَن أراد بأهله ثمّ يرجع (٣). أخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن

стр. 221

أبي بكر بن عبد الرحمن قال: دخلوا مكّة ولم يدخل أحد منهم إلّا بجوار، إلّا ابن مسعود فإنّه مكثَ يسيرًا ثمّ رجع إلى أرض الحبشة (١). قال محمّد بن عمر: فكانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبانَ وشهرَ رمضان وكانت السَّجدةُ في شهر رمضان وقدِموا في شوّال سنة خمس (٢). * * * ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني سيف بن سليمان عن ابن أبي نَجيح قال: وحدّثني عُتبة بن جَبيرة الأشهلي عن يعقوب بن عمر بن قتادة قال: سمعت شيخًا من بني مخزوم يحدّث أنّه سمع أُم سَلَمة قال: وحدّثنا عبد الله بن محمّد الجُمَحي عن أبيه عن عبد الرحمن بن سابط قالوا: لمّا قدم أصحاب النبيّ، ﷺ ، مكّة من الهجرة الأولى اشتدّ عليهم قومهم وسَطَت بهم عَشَائرهم ولَقوا منهم أذًى شديدًا، فَأذنَ لهم رسول الله، ﷺ ، في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الآخرة أعظمهما مشقّة ولقوا من قريش تعنيفًا شديدًا ونَالوهم بالأذى، واشتدّ عليهم ما بَلَغهم عن النّجاشيّ من حُسْنِ جِواره لهم، فقال عثمان بن عفّان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النجاشيّ ولستَ معنا؟ فقال رسول الله، ﷺ : أنتم مُهاجرون إلى الله وَإلَيّ، لَكُمْ هَاتَانِ الهِجْرَتَانِ جَمِيعًا، قال عثمان: فَحَسْبُنَا يا رسول الله (٣). وكان عدّة مَن خَرج في هذه الهجرة من الرّجال ثلاثة وثمانون رجلًا، ومن النساء إحدى عشرةَ امرأةً قرشيّة، وسبع غرائب (٤)، فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشيّ بأحسن جوار، فلمّا سَمعوا بمهاجَر رسول الله، ﷺ ، إلى

стр. 222

المدينة رَجَع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا، ومن النساء ثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكّة، وحُبس بمكّة سبعةُ نفر، وشهد بدرًا منهم أربعة وعشرون رجلًا، فلمّا كان شهر ربيع الأوّل سنة سبع من هجرة رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة كتَب رسول الله، ﷺ ، إلى النجاشيّ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعثَ به مع عمرو بن أمية الضَّمْري، فلمّا قُرِئَ عليه الكتاب أسلَم وقال: لو قدرت أن آتيَه لأتيته، وكتب إليه رسول الله ﷺ أن يزوّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت فيمن هاجَر إلى أرض الحبشة مع زوجها عُبيد الله بن جَحْش فتنصَّر هناك ومات، فزوَّجه النَّجاشيّ إيّاها وأصدَق عنه أربعمائة دينار. وكان الذي ولى تزويجها خالد بن سعيد بن العاص، وكتَب إليه رسول الله، ﷺ ، أن يبعث إليه مَن بَقي عنده من أصحابه ويحملهم، ففعلَ وحَملَهم في سفينتين مع عَمرو بن أميّة الضمري، فأرْسَوْا بهم إلى ساحل بَوْلا وهو الجار (١)، ثمّ تكاروا الظّهر حتى قدموا المدينة فيجدون رسول الله، ﷺ ، بخيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خَيبر، فكلَّمَ رسول الله ﷺ ، المسلمين أنْ يُدْخِلُوهم في سُهْمَانهم، ففعلوا. * * * ذكر حصر قريش رسول الله، ﷺ ، وبني هاشم في الشِّعْب أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله عن أبي سلمة الحضرمي عن ابن عبّاس. وحدّثني مُعاذ بن محمّد الأنصاري عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدّثنا محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: وحدّثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطعم عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: لمّا بلغ قريشًا فعْلُ النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر

стр. 223

ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله، ﷺ ، وأصحابه، وأجمعوا على قتل رسول الله ﷺ ، وكتبوا كتابًا على بني هاشم ألّا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عِكْرِمَة العَبْدَري، فشَلّت يده، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقال بعضهم: بل كانت عند أمّ الجُلاس بنت مُخَرِّبَة الحنظليّة خالة أبي جَهل، وحَصَروا بني هاشم في شِعْب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين تنبّى رسول الله، ﷺ ، وانحاز بنو المطّلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شِعبه مع بني هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش فظَاهَرهم على بني هاشم وبني المطّلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلّا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشِّعب، فمن قريش مَن سَرَّه ذلك ومنهم مَن ساءه وقال: انظروا ما أصاب منصور بن عِكْرِمة، فأقاموا في الشعب ثلاث سنين، ثمّ أَطْلَع الله رسوله على أمرِ صحيفتهم وأن الأرَضَةَ قد أكلت ما كان فيها من جَوْر وظُلم وبقى ما كان فيها من ذِكر الله (١). أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن زياد بن فيّاض عن عِكرمة قال: كتبت قريش بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، كتابًا وخَتَموا عليه ثلاثة خواتيم، فأرسل الله، ، على الصحيفة دابة فأكلت كلّ شيء إلّا اسم الله . أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن عليّ وعِكْرِمة قالا: أُكل كلّ شيء كان في الصحيفة إلّا باسمك اللّهم. أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر قال: حدّثني شيخٌ من قريش من أهل مكّة، وكانت الصحيفة عند جَدّه، قال: أُكل كلّ شيء كان في الصحيفة من قطيعة غير باسمك اللّهم. رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر الأوّل، قال: فذكر ذلك رسول الله، ﷺ ، لأبي طالب، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وخرجوا إلى المسجد،

стр. 224

فقال أبو طالب لكفّار قريش: إن ابن أخي قد أخبرَني ولم يكذبني قطّ أنّ الله قد سلّط على صحيفتكم الأرَضة فلَحَست كلّ ما كان فيها من جَوْر أو ظُلم أو قَطيعة رَحِم وبقي فيها كلّ ما ذُكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سُوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعتُه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله، ﷺ ، فسُقط في أيديهم ونُكسوا على رءوسهم، فقال أبو طالب: علامَ نُحبس ونُحصر وقد بانَ الأمر؟ ثمّ دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللّهم انصرنا ممّن ظَلَمنا وقَطَع أرحامنا، واستحلّ ما يحرم عليه منّا، ثمّ انصرفوا إلى الشِّعب، وتَلَاوَمَ رجالٌ من قريش على ما صنَعوا ببني هاشم، فيهم: مُطعم بن عَديّ، وعدي بن قيس، وزمعة بن الأسود، وأبو البَخْتَري بن هاشم، وزُهير بن أبي أُميّة، ولبسوا السلاح ثمّ خرجوا إلى بني هاشم وبني المطّلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا، فلمّا رأت قريش ذلك سُقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم، وكان خروجهم من الشّعب في السنة العاشرة (١). أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن علي قال: مكث رسول الله، ﷺ ، وأهله في الشّعب سنتين، وقال الحكم: مكثوا سنين (٢). * * * ذكر سبب خروج رسول الله، ﷺ ، إلى الطائف أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن صالح بن دينار وعبد الرحمن بن عبد العزيز والمنذر بن عبد الله عن بعض أصحابه عن حكيم بن حِزام قال: وحدّثنا محمّد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير قالوا: لما توفى أبو طالب وخديجة بنت خُوَيلد، وكان بينهما شهر وخمسة أيّام، اجتمعت على رسول الله، ﷺ ، مُصيبتان فَلَزم بيته وأقلّ الخروج ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تَطمع به، فبلغَ ذلك أبا لَهب فجاءه فقال: يا محمّد امضِ لما أردتَ وما كنتَ

стр. 225

صانعًا إذ كان أبو طالب حيًّا فاصنعه، لا واللّات لا يوصل إليك حتى أموت! وسَبّ ابنُ الغيطلة النبيّ، ﷺ ، فأقبل عليه أبو لهب فنالَ منه، فولّى وهو يصيح: يا معشر قريش صَبأ أبو عُتبة! فأقبلت قريش حتى وقَفوا على أبي لهب، فقال: ما فارقتُ دينَ عبد المطّلب ولكني أمنع ابن أخي أن يُضام حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم: فمكث رسول الله، ﷺ ، كذلك أيّامًا يذهب ويأتي لا يعترض له أحدٌ من قريش، وهابوا أبا لهب، إلى أن جاء عُقبة بن أبي مُعيط وأبو جَهل بن هشام إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب: يا محمّد أين مدخل عبد المطّلب؟ قال: مَعَ قَوْمِهِ، فخرَج أبو لهب إليهما فقال: قد سألته فقال مع قومه، فقالا: يزعم أنّه في النّار، فقال: يا محمّد أيدخل عبد المطّلب النّار؟ فقال رسول الله، ﷺ : نَعَمْ، وَمنْ مَاتَ عَلى مِثْلِ مَا مَاتَ عَلَيْهِ عَبْدُ المُطّلِبِ دَخَلَ النارَ، فقال أبو لهب: والله لا برحتُ لك عدوًّا أبدًا، وأنت تزعم أن عبد المطّلب في النّار! فاشتدّ عليه هو وسائر قريش (١). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحُوَيرث عن محمّد بن جُبير بن مُطعم قال: لما توفي أبو طالب تناولت قريش من رسول الله، ﷺ ، واجترءوا عليه فخرجَ إلى الطائف ومعه زَيد بن حارثة، وذلك في ليال بقين من شوّال سنة عشر من حين نُبِّئ رسول الله، ﷺ ، قال محمّد بن عمر بغير هذا الإسناد، فأقام بالطائف عشرة أيّام لا يَدَع أحدًا من أشرافهم إلّا جاءه وكلّمه، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم فقالوا: يا محمّد اخرج من بلدنا والحقْ بمُجابك من الأرض، وَأَغْرَوْا به سُفهاءهم، فجعلوا يَرمونه بالحجارة حتى إن رجليْ رسول الله، ﷺ ، لتَدميان وزَيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شُج في رأسه شجاج، فانصرف رسول الله ﷺ ، من الطائف راجعًا إلى مكّة وهو محزون لم يَستجب له رجل واحد ولا امرأة (٢). فلمّا نزل نخلة قام يصلّي من الليل فصُرف إليه نَفَرٌ من الجنّ، سبعة من أهل

стр. 226

نَصيبين، فاستمعوا عليه وهو يقرأ سورة الجنّ ولم يشعر بهم رسول الله، ﷺ ، حتى نزلت عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [سورة الأحقاف: ٢٩]: فهم هؤلاء الذين كانوا صُرفوا إليه بنخلة، وأقام بنخلة أيّامًا، فقال له زَيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم، يعني قريشًا، وهم أخرجوك؟ فقال: يَا زَيْدُ إنّ الله جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَإنّ الله نَاصِرُ دِينِهِ وَمُظْهِرُ نَبِيّهِ، ثمّ انتهى إلى حِراء، فأرسل رجلًا من خُزاعة إلى مُطعم بن عديّ: أدْخُلُ في جِوَارِكَ؟ فقال: نعم، ودعا بَنيه وقومه فقال: تلبّسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجَرْتُ محمّدًا، فدخل رسول الله، ﷺ ، ومعه زَيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام مُطعم بن عَديّ على رَاحِلته فنادَى: يا معشر قريش إني قد أجْرَتُ محمّدًا فلا يَهِجْه أحدٌ منكم، فانتهى رسول الله، ﷺ ، إلى الركن فاستلمه وصلّى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومُطعم بن عديّ وولده مُطِيفون به (١). * * * ذكر المعراج وفرض الصلوات أخبرنا محمد بن عمر عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره من رجاله قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، يسأل ربّه أن يريه الجنّة والنّار، فلمّا كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، ورسول الله ﷺ ، نائم في بيته ظهرًا، أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأُتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظرًا، فعرجا به إلى السَّماوات سماءً سماءً، فلقى فيها الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى، وأُرى الجنة والنّار، قال رسول الله، ﷺ : وَلَمّا انْتَهيْتُ إلى السّمَاءِ السَابِعَةِ لَمْ أسْمَعْ إلّا صَرِيفَ الأقْلامِ: وَفُرِضَت عليه الصلوات الخَمس، ونزل جبريل، ﵇، فصلّى برسول الله، ﷺ ، الصلوات في مواقيتها. * * *

стр. 227

ذكر ليلة أُسري برسول الله ﷺ ، إلى بيت المقدس أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني أُسامة بن زيد الليثي عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جدّه قال: وحدّثني موسى بن يعقوب الزمعيّ عن أبيه عن جدّه عن أمّ سلمة، قال موسى: وحدّثني أبو الأسود عن عُروة عن عائشة، قال محمّد بن عمر: وحدّثني إسحاق بن حازم عن وهب بن كيسان عن أبي مرة مولى عقيل عن أمّ هانئ ابنة أبي طالب، وحدّثني عبد الله بن جعفر عن زكريّاء بن عمرو عن ابن أبي مُليكة عن ابن عبّاس، وغيرهم أيضًا قد حدّثني، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: أُسري برسول الله، ﷺ ، ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة، من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس، قال رسول الله، ﷺ : حُمِلْتُ عَلى دَابّةٍ بَيْضَاءَ بَيْنَ الحِمَارِ وَبَيْنَ البَغْلَةِ في فَخِذَيْهَا جَنَاحَانِ تَحْفِزُ (١) بِهِمَا رِجْلَيْهَا، فَلَمّا دَنَوْتُ لأرْكَبَهَا شَمَسَتْ فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلى مَعْرَفَتِهَا ثمّ قَالَ: ألا تَسْتَحْيِينَ يَا بُرَاقُ مِمّا تَصْنَعِينَ؟ وَاللهِ مَا رَكِبَ عَلَيْكِ عَبْدٌ للهِ قَبْلَ مُحَمّدٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنْهُ! فَاسْتَحْيَتْ حَتّى ارْفَضّتْ عَرَقًا ثُمّ قَرّتْ حَتّى رَكِبْتُهَا فَعَمِلَتْ بِأُذُنَيْهَا وَقُبِضَتِ الأَرْضُ حَتّى كَانَ مُنْتَهَى وَقْعِ حَافِرِهَا طَرَفُهَا وَكَانَتْ طَوِيلَة الظّهْرِ طَوِيلَةَ الأُذُنَيْنِ، وَخَرَجَ مَعِي جِبْرِيلُ لا يَفُوتُني وَلا أَفُوتُهُ حَتّى انْتَهَى بي إلى بَيْتِ المَقْدسِ، فَانْتَهَى البُرَاقُ إلى مَوْقِفِهِ الّذي كَانَ يَقِفُ فَرَبَطَهُ فِيهِ، وكان مربط الأنبياء قبل رسول الله، ﷺ ، قال: وَرَأيتُ الأَنْبِيَاءَ جُمِعُوا لي فَرَأَيْتُ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فَظَنَنْتُ أنّهُ لا بُدّ مِنْ أنْ يَكُونَ لَهُمْ إمَامٌ فَقَدّمَني جِبْرِيلُ حَتّى صَلّيْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَسَألْتُهُمْ فَقَالُوا: بُعِثْنَا بالتّوْحِيدِ (٢). وقال بعضهم: فُقد النبيّ، ﷺ ، تلك الليلة فتفرّقت بنو عبد المطّلب يطلبونه ويلتمسونه، وخرج العبّاس بن عبد المطّلب حتى بلغ ذا طوًى (٣) فجعل يصرخ: يا محمّد يا محمّد! فأجابه رسول الله، ﷺ : لَبّيْكَ! قال: يابن أخي عَنَّيْت

стр. 228

قومك منذ الليلة فأين كنت؟ قال: أتَيْتُ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، قال: في ليلتك! قال: نَعَمْ، قال: هل أصابك إلّا خير؟ قال: مَا أصَابَني إلّا خيْرٌ. وقالت أمّ هانئ ابنة أبي طالب: ما أُسري به إلّا من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة صلّى العشاء ثمّ نام، فلمّا كان قبل الفجر أنبهناه للصبح، فقام فلمّا صلّى الصبح قال: يَا أمّ هَانئٍ لَقدْ صَلّيْتُ مَعَكُمُ العِشَاء كَمَا رَأيْتِ بِهَذَا الوَادِي، ثُمّ قَدْ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيهِ، ثُمّ صَلّيْتُ الغَدَاةَ مَعَكُمْ، ثمّ قام ليخرج فقلتُ: لا تحدّث هذا النّاسَ فيكذبوك ويؤذوك، فقال: وَاللهِ لأحَدّثَنّهُمْ، فأخبرهم، فتعجّبوا وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قطّ! وقال رسول الله، ﷺ ، لجبريل: يَا جِبْرِيلُ إنّ قَوْمي لا يُصَدّقُونَني، قَالَ: يُصَدّقكَ أبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصّدّيقُ، وافْتُتِنَ نَاسٌ كَثِيرٌ كانوا قَدْ صَلّوا وَأَسْلَمُوا وَقُمْتُ في الحِجْرِ فَخُيّلَ إليّ بَيْتُ المَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأنا أنْظُرُ إليْه، فَقَال بعْضُهُم: كَمْ لِلْمَسْجِدِ منْ بَابٍ؟ وَلمْ أَكُنْ عَدَدْتُ أَبْوَابَهُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلَيْهَا وَأعُدّهَا بَابًا بَابًا وَأعلمُهُمْ وَأخْبَرْتُهُمْ عَنْ عِيَرَاتٍ لَهُمْ في الطّرِيقِ وَعَلامَاتٍ فِيهَا فَوَجَدُوا ذَلِكَ كَمَا أخْبَرْتُهُمْ، وَأنزل الله، ، عليه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠]: قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه (١). أخبرنا حُجين بن المثنّى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : لَقَدْ رَأيْتُني في الحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْألُني عَنْ مَسْرَايَ فَسَألُوني عَنْ أشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطّ فَرَفَعَهُ الله إليّ أنْظُرُ إلَيْهِ مَا يَسْألُوني عَنْ شَيْءٍ إلّا أنْبَأتُهُمْ (٢) بِهِ، وَقَدْ رَأيْتُني في جَمَاعَةٍ مِنَ الأنْبِيَاءِ فَإذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلّي فَإذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ (٣) جَعْدٌ كَأنّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وإذَا عِيسَى بن مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلّي أقْرَبُ النّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودِ الثّقَفي، وَإذَا إبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلّي أشْبَهُ النّاسِ

стр. 229

بِهِ صَاحِبُكُمْ، يعني نفسه، فَحَانَتِ الصّلاةُ فَأمَمْتُهُمْ، فَلَمّا فَرَغْتُ مِنَ الصّلاة قَالَ لي قائِلٌ: يَا مُحَمّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النّارِ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَالتَفَتّ إلَيْهِ فَبَدَأني بالسَّلامِ (١). * * * ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، قبائل العرب في المواسم أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أيّوب بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: وحدّثنا محمّد بن عبد الله عن الزهريّ قال: وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قَتادة ويزيد بن رُومان، وغير هؤلاء أيضًا قد حدّثني، قالوا: (* أقام رسول الله، ﷺ ، بمكّة ثلاث سنين من أوّل نبوّته مستخفيًا، ثمّ أعلن في الرابعة فدعا النّاس إلى الإسلام عشر سنين، يُوافي المواسم كلّ عام يتّبع الحاجّ في منازلهم في المواسم بعكاظ ومَجَنّة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبَلّغَ رسالات ربّه ولهم الجنّة، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يجيبه، حتى إنّه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يَا أيّهَا النّاس قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ تُفْلحُوا وَتَمْلِكُوا بهَا العَرَبَ وَتَذِلّ لَكُمُ العَجَمُ وَإذا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا في الجَنّةِ، وأبو لهب وراءه يقول: لا تُطيعوه فإنّه صابئ كاذب، فيردّون على رسول الله، ﷺ ، أقبح الردّ، ويؤذونه ويقولون: أُسرتك وعشيرتك أعلمُ بك حيث لم يتّبعوك، ويكلّمونه ويجادِلونه ويكلّمهم ويَدْعوهم إلى الله ويقول: اللهم لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا، فكان من سُمّي لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله، ﷺ ، وَدَعَاهم وعَرَض نفسه عليهم: بنو عَامر بن صَعْصَعة، ومُحارب بن خَصَفَة، وفَزَارة، وغَسّان، ومُرّة، وحَنيفة، وسُلَيم، وعَبْس، وبنو نضر، وبنو البكاء، وكِنْدة، وكَلْب، والحارث بن كعب، وعُذْرة، والحَضَارمة، فلم يستجب منهم أحد *). * * *

стр. 230

ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، الأوس والخَزْرَج أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني نافع بن كثير عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمّد عن أبيه عن عائشة قال: وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي منصور عن إبراهيم بن يحيَى بن زَيد بن ثابت عن أمّ سعد بنت سعد بن ربيع قال: وحدّثنا داود بن عبد الرحمن العَطّار عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن أبي الزُّبير عن جابر قال: وحدّثنا هشام بن سعد عن زَيد بن أسْلَم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال: وحدّثني أُسامة بن زَيد بن أسْلَم عن نافع أبي محمّد قال: سمعتُ أبا هريرة قال: وحدّثني عُبيد بن يحيَى عن مُعاذ بن رِفاعة بن رافع عن أبيه عن جدّه قال: وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصِم بن عمر بن قتَادة عن محمود بن لبيد، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: أقامَ رسول الله ﷺ ، بمكّة ما أقام يدعو القبائل إلى الله ويعرض نفسه عليهم كلّ سنة بِمَجَنَّة وعُكاظ ومِنًى أن يؤووه حتى يبلّغ رسالة ربّه ولهم الجنَّة، فليست قبيلة من العرب تستجيب له ويُؤذَى ويُشْتَم حتى أراد الله إظهار دينه ونَصْر نبيه وإنجاز ما وعَدَه، فسَاقَه إلى هذا الحيّ من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة. فانتهى إلى نَفَرٍ منهم وهم يحلقون رءوسهم، فجلَس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدَّقوا وآووا ونَصروا ووَاسَوْا، وكانوا والله أطول الناس ألْسِنَةً، وأحدّهم (١) سيوفًا، فاختلف علينا في أوّل من أسلم من الأنصار وأجاب فذكروا الرجل بعينه، وذكروا الرجلَيْنِ، وذكروا أنه لم يكن أحد أوّل من الستّة، وذكروا أن أوّل مَن أسلَمْ ثمانية نفر، وكتَبْنَا كلّ ذلك، وذكروا أنّ أوّل مَن أسْلَم من الأنصار أسْعد بن زُرارة وذَكْوان بن عبد قيس، خرجا إلى مكّة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فقال لهما: قد شغلنا هذا المُصَلِّي عن كلّ شيء، يزعم أنّه رسول الله، قال: وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التّيّهان يتكلّمان بالتوحيد بيثرب، فقال ذكوان بن عبد قيس لأسعد بن زُرارة حين سمع كلام عتبة: دُونك هذا دينك، فقاما إلى رسول الله، ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فأسلما ثمّ رجع إلى المدينة،

стр. 231

فلقى أسعد أبا الهَيْثَم بن التّيّهان فأخبره بإسلامه وذكر له قول رسول الله، ﷺ ، وما دعا إليه، فقال أبو الهيثم: فأنا أشهد معك أنّه رسول الله، وأسلم. ويقال: إن رافع بن مالك الزُّرَقيّ ومُعاذ بن عَفراء (١) خرجا إلى مكّة معتمرين فذُكر لهما أمر رسول الله، ﷺ ، فأتياه، فعَرَضَ عليهما الإسلام فأسْلَما، فكانا أوّل مَن أسلم، وقدما المدينة، فأوّل مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زُريق. ويقال: إنّ رسول الله، ﷺ ، خرَج من مكّة فمرّ على نفر من أهل يثرب نُزولٍ بمنًى ثمانية نفر، منهم: من بني النّجّار مُعاذ بن عفراء وأسعد بن زُرارة، ومن بني زُريق رافع بن مالك وذَكوان بن عبد قيس، ومن بني سالم عُبادة بن الصَّامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثَعلبة، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التّيّهان حليف لهم من بليّ، ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة، فَعَرَض عليهم رسول الله، ﷺ ، الإسلام فأسْلَموا، وقال لهم رسول الله، ﷺ : تَمْنَعُونَ لي ظَهْرِي حَتّى أُبَلّغَ رِسَالَةَ رَبّي؟ فقالوا: يا رسول الله نحن مجتهدون لله ولرسوله، نحن، فاعلمْ، أعداءٌ متباغضون، وإنّما كانت وقعة بُعاث، عام الأوّل، يومٌ من أيّامنا اقتتلنا فيه فإن تَقْدَمْ ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعلّ الله يُصْلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العامَ المقْبِلَ. ويقال: خرج رسول الله، ﷺ ، في الموسم الذِي لقى فيه الستّة النّفر من الأنصار، فوقف عليهم فقال: أحُلَفَاءَ يَهُودٍ؟ قالوا: نعم، فدعاهم إلى الله وعَرَض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فأسلموا، وهم: من بني النجّار أسعد بن زُرارة وعَوف بن الحارث، ابن عَفراء، ومن بني زُريق رافع بن مالك، ومن بَني سَلمة قُطبة بن عامر بن حَديدَة، ومن بني حرام بن كعب عُقبة بن عامر بن نابئ، ومن بني عُبيد بن عديّ بن سلمة جابر بن عبد الله بن رِئاب، لم يكن قبلهم أحد: قال محمّد بن عمر: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم وهو المُجْتَمَعُ عليه.

стр. 232

أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني زكريّاء بن زيد عن أبيه قال: هؤلاء الستّة فيهم أبو الهيثم بن التّيهان، ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: ثمّ قدموا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام فأسلم من أسلم، ولم يبقَ دار من دور الأنصار إلّا فيها ذِكْرٌ، عن رسول الله، ﷺ كثيرًا. * * * ذكر العقبة الأولى الاثني عشر ليس فيهم عندنا اختلاف، أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتَادة عن محمود بن لبيد قال: وحدّثنا يونس بن محمّد الظّفَريّ عن أبيه قال: وحدّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الرحمن بن عُسَيلَة الصُّنابحي عن عُبادة بن الصامت قالوا: لما كان العام المقبل من العام الذي لقي فيه رسول الله، ﷺ ، النفر الستّة لقيه اثنا عشر رجلًا بعد ذلك بعام، وهي العَقَبة الأولى، من بني النّجّار أسعد بن زُرارة، وعَوْف ومُعاذ وهما ابنا الحارث، وهما ابنا عَفْراء، ومن بني زُريق ذكوان بن عبد قيس ورافع بن مالك، ومن بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن، ومن بني عامر بن عوف عبّاس بن عُبادة بن نَضْلة، ومن بني سلمة عُقْبة بن عامر بن نابئ، ومن بني سواد قُطْبة بن عامر بن حَديدة، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التّيّهان من بليّ حليفٌ في بني عبد الأشهل، ومن بني عمرو بن عوف عُويم بن ساعدة، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، على أن لا نُشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتيَ ببُهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيَه في معروف، قال: فَإنْ وَفّيْتُمْ فَلَكُمُ الجَنّةُ وَمَنْ غَشِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذّبَهُ وَإنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، ولم يُفرض يومئذ القتال، ثمّ انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام، وكان أسعد بن زُرارة يُجَمّعُ بالمدينة بمن أسلم، وكتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله، ﷺ : ابعث إلينا مقرئًا يُقرئنا القرآن، فبعث إليهم مُصعب بن عُمير العَبْدَريّ فنزل على أسعد بن زُرارة فكان يقرئهم القرآن، فروى

стр. 233

بعضهم أن مُصعبًا كان يُجَمّع بهم ثمّ خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله، ﷺ (١). * * * ذكر العقبة الآخرة وهم السبعون الذين بايعوا رسول الله، ﷺ - أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلميّ قال: حدّثني محمّد بن يحيَى بن سهل عن أبيه عن جدّه عن أبي بُرْدَة بن نِيَار قال: وحدّثني أُسامةَ بن زَيد الليثي عن عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصَّامت عن عبادة بن الصامت قال: وحدّثني عبد الله بن يزيد عن أبي البَدّاح بن عاصم عن عبد الرحمن بن عُويم بن سَاعدة عن أبيه قال: وحدّثني عُبيد بن يحيَى عن مُعاذ بن رِفاعة قال: وحدّثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبي سفيان قال: وحدّثني ابن أبي سَبْرة عن الحارث بن الفضل عن سفيان بن أبي العوجاء قال: وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رُومان، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا، لما حضر الحجّ مشى أصحاب رسول الله، ﷺ ، الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج وموافاة رسول الله، ﷺ ، والإسلام يومئذ فاشٍ بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلًا أو رجلين في خَمَر (٢) الأوس والخزرج وهم خمسمائة، حتى قدموا على رسول الله، ﷺ ، مكّة، فسلّوا على رسول الله، ﷺ ، ثمّ وعدهم مِنًى وسط أيّام التشريق ليلة النَّفْر الأوّل إذا هدأت الرِّجْل أن يوافوه في الشّعب الأيمن إذا انحدروا من مِنًى بأسفل العَقَبة حيث المسجد اليوم، وأمرهم أن لا ينبّهوا نائمًا ولا ينتظروا غائبًا، قال: فخرج القوم بعد هَدْأَة يَتَسَلّلُون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله، ﷺ ، إلى ذلك الموضع معه العبّاس بن عبد المطّلب ليس معه أحد غيره (٣).

стр. 234

فكان أوّل من طلع على رسول الله، ﷺ ، رافع بن مالك الزّرَقي، ثمّ توافى السبعون ومعهم امرأتان، قال أسعد بن زُرارة: فكان أول مَن تكلّم العبّاس بن عبد المطّلب فقال: يا مَعشر الخزرج إنّكم قد دَعوتم محمّدًا إلى ما دعوتموه إليه، ومحمّد من أعزّ النّاس في عشيرته، يمنعه واللهِ مِنّا مَن كان على قوله، ومَن لم يكن منّا على قوله يمنعه للحَسَب والشَّرف، وقد أبَى محمّد النّاسَ كلّهم غيركم، فإن كُنتم أهل قوّة وجَلد وبصَرٍ بالحرب واستقلال بعدَاوة العرب قاطبة، ترميكم عن قَوس واحدة، فارتئُوا رأيكم وائتمروا بينكم ولا تفترقوا إلّا عن ملإٍ منكم واجتماع، فإنّ أحسن الحديث أصدقه (١). (*) فقال البَرَاء بن مَعرور: قد سمعنا ما قلتَ وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقُلناه ولكنّا نريدُ الوفاء والصدق وبذل مُهَج أنفسنا دون رسول الله، ﷺ ، قال: وتلا رسول الله، ﷺ ، عليهم القرآن ثمّ دَعَاهم إلى الله ورغّبهم في الإسلام وذكر الذي اجتمعوا له، فأجابه البرَاء بن مَعرور بالإيمان والتصديق ثم قال: يا رسول الله بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر، ويقال إن أبا الهيثم بن التيّهان كان أوّل من تكلّم وأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله، ﷺ ، وصدّقه، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال وقَتل الأشراف، ولَغطوا، فقال العبّاس بن عبد المطّلب وهو آخذ بيد رسول الله، ﷺ : أخفوا جَرْسَكم فإن علينا عيونًا، وقدّموا ذوي أسنانكم، فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنّا نخاف قومكم عليكم، ثمّ إذا بايعتم فتفرّقوا إلى مَحالّكم. فتكلّم البَرَاء بن مَعرور فأجابَ العبّاس بن عبد المطّلب، ثمّ قال: ابسُط يدك يا رسول الله، فكان أوّل مَن ضَرَب على يد رسول الله، ﷺ ، البَراء بن مَعرور، ويقال أوّل من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيّهان، ويقال أسعد بن زرارة، ثمّ ضرب السبعون كلّهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله، ﷺ : إنّ موسى أخَذَ مِنْ بَني إسْرَائِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا فَلا يَجِدَنّ مِنْكُمْ أحَدٌ في نَفْسِهِ أنْ يُؤخَذَ غَيْرُهُ فَإنّمَا يَخْتَارُ لي جِبْرِيلُ، فلمّا تخيّرهم قال للنقباء: أنْتُمْ كُفَلاءُ عَلى غَيْرِكُمْ كَكَفَالَةِ الحَوَارِيّينَ لِعِيسَى بنِ مَرْيَمَ وَأنَا كَفِيل عَلى

стр. 235

قَوْمي، قالوا: نعم، فلمّا بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العَقبة بأبعد صوت سُمِعَ: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمّد والصُّباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله، ﷺ : انْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ، فقال العبّاس بن عُبادة بن نَضْلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحقّ لئن أحببتَ لنميلنّ على أهل مِنًى بأسيافنا، وما أحدٌ عليه سيف تلك الليلة غيرُه، فقال رسول الله، ﷺ : إنّا لَمْ نُؤمَرْ بذلِك فَانْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ: فتفرَّقوا إلى رِحالهم، فلمّا أصبح القوم غَدَت عليهم جِلّة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شِعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج إنّه بلغنا أنّكم لَقيتم صاحبنا البارحة وَوَاعَدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايمُ الله مما حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشبَ بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعثَ مَن كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أُبَيّ يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا عليّ بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني، فلمّا رجعت قريش من عندهم رَحَل البرَاء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجَجَ وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كلّ وجه ولا تعدَّوا طرق المدينة، وحزّبوا عليهم، فأدركوا سَعد بن عُبَادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنِسْعَةٍ (١) وجعلوا يضربونه ويجرّون شَعره، وكان ذا جُمّة، حتى أدخلوه مكّة، فجاءه مُطعم بن عديّ والحارث بن أُميّة بن عبد شمس فخلّصاه من بين أيديهم، وأتْمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عُبادة أن يكُرّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرَحَل القوم جميعًا إلى المدينة (*). * * * ذكر مقام رسول الله، ﷺ ، بمكّة من حين تنبأ إلى الهجرة أخبرنا أنسَ بن عِياض ويزيد بن هارون وعبد الله بن نُمير قالوا: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أن رسول الله، ﷺ ، نزل عليه القرآن وهو ابن ثلاثٍ وأربعين سنة وأقام بمكّة عشر سنين.

стр. 236

أخبرنا أنس بن عِياض عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ ، أقام بمكّة عشر سنين. أخبرنا عُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا سفيان عن يحيَى بن أبي كثير عن أبي سَلمة قال: حدّثتني عائشة، ﵂، وابن عبّاس أن رسول الله، ﷺ ، مكث بمكّة عشر سنين يُنْزَلُ عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين. أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا ابن لَهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن النبيّ، ﷺ ، أقام بمكّة عشرًا، وخرَج منها في صَفَر، وقَدِمَ المدينة في شهر ربيع الأوّل. أخبرنا يحيَى بن عبَّاد وعفَّان بن مُسلم قالا: أخبرنا حمّاد بن سَلَمة، أخبرنا عمّار بن أبي عمّار مولى بني هاشمِ عن ابن عبّاس قال: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكّة خمس عشرةَ سنة، سبع سنين يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثماني سنين يُوحَى إليه. زاد عفّان في حديثه: وأقام بالمدينة عشر سنين. أخبرنا عبد الله بن نُمير، أخبرنا العلاء بن صالح عن المِنْهال بن عمرو عن سعيد بن جُبَير أن رجلًا أتى ابن عبّاس فقال: أُنزل على رسول الله، ﷺ ، عشرًا بمكّة وعشرًا بالمدينة، فقال: من يقول ذاك؟ لقد أنزل عليه بمكّة عشرًا وخمسًا، يعني سنين أو أكثر (١). أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن وقرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ١٠٦]: قال: كان الله ينزل بها (٢) القرآن بعضه قبل بعض لِمَا علم أنّه سيكون في النّاس ويحدّث، لقد بلغنا أنّه كان بين أوّله وآخره ثماني عشرة سنة، أُنزل عليه ثماني سنين بمكّة قبل أن يهاجر إلى المدينة وعشر سنين بالمدينة. أخبرنا رَوْح بن عبادة، أخبرنا هشام بن حَسّان عن عِكرمة عن ابن عبّاس قال: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكّة بعد أن بُعث ثلاثَ عشرةَ سنة يوحَى إليه ثمّ أُمر (٣) بالهجرة.

стр. 237

أخبرنا رَوْح بن عبادة، أخبرنا زكريّاء بن إسحاق عن عَمرو بن دينار عن ابن عبّاس قال: مكث رسول الله، ﷺ ، بمكّة ثلاث عشرة سنة. أخبرنا كثير بن هشام وموسى بن داود وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبي جَمْرة (١) قال: سمعتُ ابن عبّاس يقول: أقام رسول الله، ﷺ . بمكّة ثلاثَ عشرةَ سنة يوحَى إليه. * * * ذكر إذن رسول الله، ﷺ ، للمسلمين في الهجرة إلى المدينة أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني مَعمر بن رَاشِد عن الزهريّ عن أبي أمامة بن سَهل بن حُنيف وعن عُروة عن عائشة قالا: لما صَدَر السبعون من عند رسول الله، ﷺ ، طابَت نفسه وقد جعل الله له مَنعَةً وقومًا أهل حرب وعُدّة ونجدة، وجعل البلاء يشتدّ على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج فضيَّقوا على أصحَابه وتَعَبَّثوا بهم ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله، ﷺ ، واستأذنوه في الهجرة، فقال: قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُم، أُرِيتُ سَبْخَةً ذَات نخلٍ بَينَ لابَتَينِ، وهما الحرّتان، وَلَوْ كَانَتِ السّرَاةُ أرْضَ نَخْلٍ وَسِبَاخٍ لَقُلْتُ هِيَ هِيَ، ثمّ مكث أيّامًا ثمّ خرج إلى أصحابه مسرورًا فقال: قَدْ أُخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهيَ يَثْرِبُ، فَمَنْ أرَادَ الخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إلَيْهَا: فجعل القوم يتجهّزون ويتوافقون ويتواسَون ويخرجون ويُخْفون ذلك، فكان أوّل مَن قَدِم المدينة من أصحاب رسول الله، ﷺ ، أبو سَلَمة بن عبد الأسد (٢). ثمّ قَدِم بعده عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، فهي أوّل ظعينة

стр. 238

قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله، ﷺ ، أرْسَالًا فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم ونَصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حُذَيفة يؤمّ المهاجرين بقُباء قبل أن يَقْدَم رسول الله، ﷺ (١). فلمّا خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة كلِبت قريش عليهم وحَرِبوا واغتاظوا على مَن خرج من فتيانهم. وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله، ﷺ ، في العقبة الآخرة ثمّ رجعوا إلى المدينة، فلمّا قدم أوّل من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله، ﷺ ، بمكّة حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون، وهم: ذكوان بن عبد قيس، وعُقبة بن وهب بن كَلَدة، والعبّاس بن عُبادة بن نَضْلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعًا إلى المدينة، فلم يبقَ بمكّة منهم إلا رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر، وعليّ، أو مفتونٌ محبوس، أو مريض، أو ضعيف عن الخروج (٢). * * * ذكر خروج رسول الله، ﷺ ، وأبي بكر إلى المدينة للهجرة أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمر عن الزهريّ عن عُروة عن عائشة قال: وحدّثني ابن أبى حبيبة عن داود بن الحُصين بن أبي غطفان عن ابن عبّاس قال: وحدّثني قُدامة بن موسى عن عائشة بنت قدامة قال: وحدّثني عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبى طالب عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن عليّ قال: وحدّثني مَعْمَر عن الزهريّ عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْثم عن سُراقة بن جعثم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله، ﷺ ، قد حملوا الذَّرَاري والأطفال إلى الأوس والخزرج عرفوا أنّها دار مَنَعة وقوم أهل حَلْقة وبأس، فخافوا خروج رسول الله، ﷺ ، فاجتمعوا في دار

стр. 239

النَّدوة، ولم يتخلَّف أحد من أهل الرأي والحِجَى منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصّمّاء في بَتّ (١)، فتذاكروا أمر رسول الله، ﷺ ، فأشار كلّ رجل منهم برأي، كلّ ذلك يردّه إبليس عليهم ولا يَرضَاه لهم، إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كلّ قبيلة من قريش غلامًا نهدًا جليدًا، ثمّ نعطه سيفًا صارمًا فيضربونه ضربةَ رجل واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تَصنع، قال: فقال النجدي: لله دَر الفتى! هذا والله الرأي وإلّا فلا، فتفرَّقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وأتى جبريل رسول الله، ﷺ ، فأخبره الخَبر وأمره أن لا يَنام في مَضْجعه تلك الليلة (٢). وجاء رسول الله، ﷺ ، إلى أبي بكر فقال: إنّ اللهَ، ، قَدْ أذِنَ ليَ في الخُرُوجِ، فقال أبو بكر: الصحْبَة (٣) يا رسول الله؟ فقال رسول الله، ﷺ : نَعَمْ، قال أبو بكر: فخُذْ بأبي أنت وأمي إحدى رَاحِلَتَيّ هاتين، فقال رسول الله، ﷺ : بالثّمَنِ، وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم من نَعَم بني قُشير، فأخذ إحداهما وهي القَصْواء، وأمرَ عليًا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات فيه عليّ وَتَغَشَّى بُرْدًا أحمر حضْرميًا كان رسول الله، ﷺ ، ينام فيه (٤). واجتمع أولئك النَّفَر من قريش يتطّلعون من صِير (٥) الباب ويرصدونه يريدون ثيابه ويأتمرون أيّهم يحمل على المضطجع صاحب الفراش، فخرج رسول الله، ﷺ ، عليهم وهم جلوس على الباب، فأخذ حَفنة من البطحاء فجعلَ يذرّها على رءوسهم ويتلو: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [سورة يس: ١ - ٢]: حتى بلغ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يس: ١٠]: ومضى

стр. 240

رسول الله، ﷺ . فقال قائل لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّدًا: قال: خبتم وخسرتم، قد والله مرّ بكم وذرّ على رءوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، وهم: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي مُعَيط، والنضر بن الحارث، وأميّة بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عديّ، وأبو لهب، وأُبيّ بن خلف، ونُبيه ومنبه ابنا الحجّاج، فلمّا أصبحوا قام عليّ عن الفراش فسألوه عن رسول الله، ﷺ ، فقال: لا علم لي به (١). وصار رسول الله، ﷺ ، إلى منزل أبي بكر، فكان فيه إلى الليل، ثمّ خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبت قريش رسول الله، ﷺ ، أشدّ الطلب حتى انتهوا إلى باب الغار، فقال بعضهم: إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمّد، فانصرفوا (٢). أخبرنا مُسلم بن إبراهيم، أخبرنا عَون بن عمرو القيسي أخو رِياح القَيسي، أخبرنا أبو مُصعب المكيّ قال: أدركتُ زَيد بن أرقم، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شُعبة فسمعتهم يتحدّثون أن النبيّ، ﷺ ، ليلة الغار أمرَ الله شجرة فنبتت في وجه النبيّ، ﷺ ، فسَتَرته، وأمرَ الله العنكبوت فنسجَت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فَوَقَعَتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش، من كلّ بطن رجل، بأسيافهم وعِصِيّهم وهِرَاواتهم حتى إذا كانوا من النبي ﷺ ، قدر أربعين ذراعًا، نظرَ أوّلهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: مالك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيّتين (٣) بفم الغار فَعَرَفت أن ليس فيه أحد، قال: فسمع النبيّ، ﷺ ، قوله فَعَرَف أن الله قَد دَرَأَ عنه بهما، فَسَمّتَ النبيّ، ﷺ ، عليهن وفرض جزاءهن وانحدرن في حرم الله (٤).

стр. 241

رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: وكانت لأبي بكر منيحة غنم يرعاها عامر بن فُهَيرة، وكان يأتيهم بها ليلًا فيحتلبون فإذا كان سَحَرٌ سرح مع الناس. قالت عائشة: وجهّزناهما أحبّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفْرة في جِراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فَأوْكَت به الجراب، وقَطَعت أُخرى فصيّرته عِصامًا لفم القِرْبة، فبذلك سُمِّيَت ذات النطاقين. ومكثَ رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، واستأجر أبو بكر رجلًا من بني الدِّيل هاديًا خِرِّيتًا (١) يقال له عبد الله بن أرَيْقط، وهو على دين الكفر. ولكنّهما أمناه، فارتحلا ومعهما عامر بن فُهيرة، فأخذ بهم ابن أريقط يَدَ بَحْرٍ (٢)، فما شعرت قريش أين وَجّه رسول الله، ﷺ . حتى سمعوا صوتًا من جنّيّ من أسفل مكّة، ولا يُرى شخصُه: جَزَى اللهُ رب النّاس خيرَ جَزَائِهِ … رَفيقينِ قالا خَيْمَتَيْ أمّ مَعْبدِ هُمَا نَزَلا بالبِرّ وَارْتَحَلا بِهِ … فقد فازَ مَنْ أمْسى رَفيقَ محَمّد (*) أخبرنا الحارث قال: حدّثني غير واحد من أصحابنا، منهم محمّد بن المثنّى البزّاز وغيره قالوا: أخبرنا محمّد بن بشر بن محمّد الواسطي، ويكنى أبا أحمد السكري، أخبرنا عبد الملك بن وهب المذحجي عن الحُرّ بن الصيّاح عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله، ﷺ ، لما هاجر من مكّة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أُريقط الليثي، فمروا بخَيْمَتَى

стр. 242

أم معبد الخزاعيّة، وكانت امرأة جَلْدَةً، بَرْزَة، تحتبي وتقعد بفناء الخيمة، ثمّ تسقى وتُطْعِم، فسألوها تمرًا أو لحمًا يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مُرْمِلُون مُسْنِتُون (١)، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوَزَكُم القِرَى، فنظر رسول الله، ﷺ ، إِلى شاةٍ في كِسْر الخيمة فقال: مَا هَذِهِ الشّاةُ يَا أمّ مَعْبَد؟ قالت: هذه شاة خلَفها الجَهْد عن الغنم، فقال: هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتَأذَنِينَ لي أنْ أحْلُبَهَا؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمّي، إن رأيت بها حَلَبًا! فدعا رسول الله، ﷺ ، بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال: اللّهم بَارِكْ لَهَا في شَاتِهَا! قال: فَتَفَاجَّت (٢) ودَرّتْ واجترّتْ، فدعا بإناء لها يُرْبِض الرهط فحلب فيه ثجًّا حتى غلبه الثُّمَالُ فسقاها فشربت حتى رَوِيت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب، ﷺ ، آخِرَهم وقال: سَاقى القَوْمِ آخِرُهُمْ، فشربوا جميعًا عَللًا بعد نَهَلٍ حتى أراضوا، ثمّ حلب فيه ثانيًا عَودًا على بَدء فغادَره عندها ثمّ ارتحلوا عنها، فقلّ ما لبثت أن جاء زوجها أبو مَعبد يسوق أعنزًا حُيّلًا عجافًا هَزْلَى ما تَساوَقُ، مُخّهن قليل لا نِقْى بهنّ، فلمّا رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله إلّا أنّه مَرّ بنا رجلٌ مبارَك كان من حديثه كَيْتَ وكَيْتَ، قال: والله إني لأراه صاحب قريش الذي يُطلب، صِفيه لي يا أمّ معبد، قالت: رأيتُ رجلًا ظاهر الوَضَاءة، متبلج الوجه، حسن الخُلق، لم تعبه ثُجْلَة (٣) ولم تُزْرِ به صَعْلَة (٤)، وسيم قسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَفٌ (٥)، وفي صوته صَحَل (٦)، أحور أكحل أزَجّ

стр. 243

أقْرَن، شديد سواد الشعر، في عُنقه سَطَع (١)، وفي لحيته كَثَافة، إذا صَمَت فعليه الوقار، وإذا تكلّم سَما وعَلاه البَهاء وكأن مَنطقه خرزات نَظْم يَتَحَدَّرْن، حُلو المنطق، فَصْل، لا نَزْر ولا هَذر، أجهرَ النّاس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، رَبْعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قِصَر، غُصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة مَنظرًا، وأحسنهم قَدْرًا، له رُفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تَبَادروا إلى أمره، مَحفود مَحشود، لا عابس ولا مُفَنّد (٢): قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر، ولو كنت وافقته يا أمّ معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، وأصبح صوت بمكّة عاليًا بين السماء والأرض يسمعونه ولا يَرون من يقول، وهو يقول: جزى الله ربُّ النّاس خير جزائه … رفيقين حلّا خيمتَيْ أمّ مَعْبَدِ هما نزلا بالبِرّ وارتحلا به … فأفلح مَن أمسى رفيق محمّد فيالَ قُصَيّ ما زوى اللهُ عنكمُ … به من فَعالٍ لا يُجازَى وسُودَدِ سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنّكمُ إن تسألوا الشاة تشهدِ دعاها بشاة حائل فَتَحَلّبَتْ … له بصريحٍ ضَرّةُ الشّاةِ مُزْبِدِ فغادره رهنًا لديها لحالب … تدرّ بها في مصدر ثمّ مَوْردِ (*) وأصبح القوم قد فقدوا نبيهم، وأخذوا على خيمتى أم معبد حتى لحقوا النبيّ، ﷺ ، قال: فأجابه حسَّان بن ثابت فقال: لقد خَابَ قومٌ غابَ عنهم نبيّهم … وقُدّس من يسرى إليهم ويغتدى تَرَحّلَ عن قومٍ فزالت عقولهم … وحلّ على قوم بنور مجدّدِ وَهَلْ يستوي ضُلّال قوم تسكعوا (٣) … عمًى وَهُدَاةٌ يَهْتدُونَ بِمُهْتَدِ؟

стр. 244

نبيّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ … وَيتْلُو كِتَابَ اللَّهُ فِي كُلّ مَشْهَدِ فَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ … فَتصْدِيقُها فِي ضَحْوَةِ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ لِتَهْنَ أبا بكر سَعَادَةُ جَدّهِ … بِصُحْبَتِه، مَن يُسعِدِ اللهُ يَسعدِ ويَهْنِ بني كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتهم … ومقعدُها للمسلمين بِمَرْصَدِ (١) قال عبد الملك: فبلغنا أن أم معبد هاجرت إلى النبيّ، ﷺ ، وأسلمت، وكان خروج رسول الله، ﷺ ، من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأوّل فقال يوم الثلاثاء بقُديد (٢)، فلمّا راحوا منها عرض لهم سُراقة بن مالك بن جُعشم وهو على فرس له، فدعا عليه رسول الله، ﷺ ، فرسخت قوائم فرسه، فقال: يا محمّد ادعُ الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك وأردّ من ورائي، ففعل، فأطلق ورجع فوجد النّاس يلتمسون رسول الله، ﷺ ، فقال: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ههنا وقد عرفتم بصرى بالأثر، فرجعوا عنه. أخبرنا عثمان بن عمر عن ابن عون عن عُمير بن إسحاق قال: خرج رسول الله ﷺ ، ومعه أبو بكر فعرض لهما سراقة بن جُعْشُم فساخت فرسه، فقال: يا هَذان ادعُوَا ليَ الله ولكما ألّا أعود، فدعوَا الله فعاد فساخت فقال: ادعوَا ليَ الله ولكما ألّا أعود، قال: وعرض عليهما الزاد والحُملان فقالا: اكفِنا نفسَك، فقال: قد كفيتكماها. ثمّ رجع الحديث إلى الأول، قال: وسَلَك رسول الله، ﷺ ، في الخرّار ثمّ جاز ثنيّة المَرَةِ (٣) ثمّ سَلَكَ لَقْفًا (٤) ثمّ أجاز مَدْلَجَةَ لَقْفٍ ثمّ استبطن مدلجَة مِجاج ثمّ سلك مَرْجَحَ مِجاج ثمّ بَطْن مرجح ثمّ بَطْن ذي كَشْر (٥) ثمّ على

стр. 245

الجداجد (١) ثمّ على الأذاخر ثمّ بطن ريغ فصلّى به المغرب ثمّ ذا سَلَمٍ ثمّ أعدا مدلجة ثمّ العُثانية ثمّ جاز بطن القاحة (٢) ثمّ هبط العرَج ثمّ سلك في الخذوَات (٣) ثمّ في الغابر (٤) عن يمين رَكُوبَة ثمّ هبط بطن العقيق حتى انتهى إلى الجَثْجَاثَة (٥) فقال: مَنْ يَدُلّنَا عَلى الطّرِيقِ إلى بَني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ فلا يقرب المدينة؟ فسلك على طريق الظبى حتى خرج على العُصْبة. وكان المهاجرون قد استبطأوا رسول الله، ﷺ ، في القدوم عليهم، فكانوا يغدون مع الأنصار إلى ظهر حرّة العصبة فيتحيّنون قدومه في أوّل النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم. فلمّا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ ، وهو يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل ويقال لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، جلسوا كما كانوا يجلسون، فلمّا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فإذا رجل من اليهود يصيح على أطم بأعلى صوته: يا بني قَيْلة هذا صاحبكم قد جاء. فخرجوا، فإذا رسول الله، ﷺ ، وأصحابه الثلاثة، فسُمِعَتِ الرّجّة في بني عمرو بن عوف والتكبير، وتلبّس المسلمون السلاح، فلمّا انتهى رسول الله ﷺ ، إلى قُباء جلس رسول الله، ﷺ وقام أبو بكر يُذَكّر الناس، وجاء المسلمون يسلّمون على رسول الله، ﷺ ، ونزل رسول الله، ﷺ ، على كلثوم بن الهِدْم، وهو الثبت عندنا، ولكنه كان يتحدّث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمّى منزل العُزّاب، فلذلك قيل نزل على سعد بن خيثمة (٦).

стр. 246

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا بكر الصديق كان رديف النبيّ، ﷺ ، بين مكّة والمدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشأم فكان يُعْرَف، وكان النبيّ، ﷺ لا يُعْرَف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر مَن هذا الغلام بين يديك؟ فقال: هذا يهديني السبيل، فلمّا دنَوَا من المدينة نزلا الحرّة، وبعث إلى الأنصار فجاءوا فقالوا: قُومَا آمنين مطمئنين، قال: فشهدته يوم دخل المدينة علينا، فما رأيتُ يومًا قطّ كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت قطّ يومًا كان أقبح ولا أظلم من يوم مات. أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة قال: ركب رسول الله، ﷺ ، وراء أبي بكر ناقته، قال: فكلّما لقيه إنسان قال: من أنت؟ قال: بَاغٍ أبغي، فقال: من هذا وراءك؟ قال: هادٍ، يهديني. أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت البُنَاني عن أنس بن مالك قال: لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله، ﷺ ، المدينة أضاء منها كلّ شيء. أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: جاء النبيّ، ﷺ ، يعني إلى المدينة، في الهجرة فما رأيتُ أشدّ فرحًا منهم بشيء من النبيّ، ﷺ ، حتى سمعتُ النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء قد جاء! أخبرنا يحيَى بن عبّاد وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق قال: سمعتُ البراء يقول: أوّل من قدم علينا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، مُصْعَب بن عُمَير وابن أمّ مكتوم فجعلا يُقرئان الناس القرآن، قال: ثمّ جاء عمّار وبلال وسعد، قال: ثمّ جاء عمر بن الخطّاب في عشرين، قال: ثمّ جاء رسول الله، ﷺ ، قال: فما رأيتُ الناس فرحوا بشيء قطُّ فَرَحهم به حتى رأيت الولائد والصبيانَ يقولون: هذا رسول الله قد جاء! فما قدم حتى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: ١]: وسُوَرًا من المُفَصَّل. أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا عوف عن (١) زُرارة بن

стр. 247

أوْفى قال: قال عبد الله بن سلام: لمّا قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة انجفل النّاس إليه، وقيل: قدم رسول الله، ﷺ ، قال: فجئتُ في النّاس لأنظر إليه، قال: فلمّا رأيتُ وجهَ رسول الله، ﷺ ، إذا وجهه ليس بوجه كذّاب، قال: فكان أوّل شيء سمعته يتكلّم به أن قال: يَا أيّهَا النّاس أفْشُوا السّلام وَأطْعِمُوا الطّعَامَ وَصِلُوا الأرْحَامَ وَصَلّوا وَالنّاسُ نيَامٌ وَادْخُلُوا الجَنَّةَ بسَلام. أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا أبو التّيّاح عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله، ﷺ ، فنزل في عُلْوِ المدينة في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملإ من بني النجّار فجاءوه متقلّدين سيوفهم، قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر ردفه، وملأُ بني النجّار حوله حتى أُلقى بفناء أبي أيّوب. أخبرنا أبو مَعمر المِنْقَرى، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا عبد العزيز بن صُهيب عن أنس بن مالك قال: أقبل نبيّ الله، ﷺ ، إلى المدينة وهو مُرْدِفٌ أبا بكر، قال: وأبو بكر شيخ يُعرف ونبيّ الله، ﷺ ، شابّ لا يُعْرَف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسِبُ الحاسِبُ أنَّما يهديه الطريق، وإنّما يعني سبيل الخير، قال: والتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبيّ الله هذا فارسٌ قد لَحِقَ بنا، قال: فالتفت نبيّ الله، ﷺ ، فقال: اللّهم اصْرَعْهُ، قال: فصرعته فَرَسه ثمّ قامت تُحَمْحِم، قال فقال: يا نبي الله مُرْني بما شئت، قال فقال: قِفْ مَكَانَكَ فَلا تَتْرُكَنّ أحَدًا يَلْحَقُ بِنَا، قال: فكان أوّل النهار جاهدًا على رسول الله، ﷺ ، وكان آخر النهار مَسلحةً له، قال: فنزل نبيّ الله، ﷺ ، جانب الحرة وبعث إلى الأنصار، فجاءوا نبيّ الله، ﷺ ، فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنَين! مُطَاعَيْنِ، قال: فركب نبيّ الله، ﷺ ، وأبو بكر وحفّوا حولهما بالسلاح، قال: فقيل في المدينة جاء نبيّ الله! جاء نبيّ الله! فاستشرفوا نبيّ الله ينظرون ويقولون: جاء نبيّ الله، ﷺ ! قال: فأقبل يسيرُ حتى نزل إلى جنب دار أبي أيّوب، قال: فإنّه ليُحدّث أهلَه إذ سمع به عبد الله بن سَلَام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع التي يخترف فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبيّ الله، ﷺ ، ثمّ

стр. 248

رجع إلى أهله، فقال نبيّ الله، ﷺ : أيّ بُيُوتِ أهْلِنَا أقْرَبُ؟ قال فقال أبو أيّوب: يا نبيّ الله هذه داري وهذا بابي، قال فقال: اذْهَبْ فَهَيّئْ لَنَا مَقِيلًا، قال: فذهب فهيّأ لهما مَقِيلًا ثمّ جاء فقال: يا نبيّ الله قد هيأتُ لكما مقيلًا، قوما على بركة الله فقيلا. قال: ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: أقام رسول الله، ﷺ ، ببني عمرو بن عوف يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وخرج يوم الجمعة فجمّع في بني سالم، ويقال: أقام ببني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، فلمّا كان يوم الجمعة ارتفاعَ النهار دعا راحلته وحشد المسلمون وتلبّسوا بالسلاح وركب رسول الله، ﷺ ، ناقته القصواء والنّاس معه عن يمينه وشماله فاعترضته الأنصار لا يمرّ بدار من دورهم إلّا قالوا: هلمّ يا نبيّ الله إلى القوّة والمَنَعَة والثروة، فيقول لهم خيرًا ويدعو لهم ويقول: إنّهَا مَأمُورَةٌ فَخَلّوا سَبِيلَهَا، فلمّا أتى مسجد بني سالم جَمَّعَ بمن كان معه من المسلمين وهم مائة. أخبرنا يحيَى بن محمّد الجاري قال: حدّثني مُجَمِّع بن يعقوب أنّه سمع شُرَحْبِيل بن سعد يقول: لما أراد رسول الله، ﷺ ، أن ينتقل من قُباء اعترضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول الله، وأخذوا بخطام راحلته، هلمّ إلى العَدد والعُدّة والسلاح والمنعة، فقال: خَلّوا سبيلها فإنّهَا مَأمُورَةٌ، ثمّ اعترضت له بنو الحارث بن الخزرج فقالوا له مثل ذلك فقال لهم مثل ذلك، ثمّ اعترضت له بنو عديّ فقالوا له مثل ذلك فقال لهم مثل ذلك، حتى بركت حيثُ أمرها الله. قال: ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل، قال، ثمّ ركب رسول الله، ﷺ ، ناقته وأخذ عن يمين الطريق حتى جاء بَلْحُبْلَى ثمّ مضى حتى انتهى إلى المسجد فبركت عند مسجد رسول الله، ﷺ ، فجعل النّاس يكلّمون رسول الله، ﷺ ، في النزول عليهم، وجاء أبو أيّوب خالد بن زيد بن كليب فحطّ رحله فأدخله منزله، فجعل رسول الله، ﷺ ، يقول: المَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ! وجاء أسعد بن زُرارة فأخذ بزمام راحلة رسول الله، ﷺ ، فكانت عنده، وهذا الثبت. قال زيد بن ثابت: فأوّل هديّة دخلت على رسول الله، ﷺ ، في منزل أبي أيّوب هدية دخلتُ بها إناء قصعة مثرودة فيها خبز وسمن ولبن فقلت: أرسلتْ بهذه القصعة أمّي، فقال:

стр. 249

بارك الله فيك! ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرِم (١) الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عُبادة ثريد وعُراق (٢)، وما كان من ليلة إلّا وعلى باب رسول الله، ﷺ ، الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون ذلك، حتى تحوّل رسول الله، ﷺ ، من منزل أبي أيّوب وكان مقامه فيه سبعة أشهر (٣). وبعث رسول الله، ﷺ ، من منزل أبي أيّوب زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكّة فقدِما عليه بفاطمة وأمّ كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ، وسَوْدة بنت زمعة زوجته وأُسامة بن زيد، وكانت رُقَيّة بنت رسول الله، ﷺ ، قد هاجر بها زوجها عثمان بن عفّان قبل ذلك، وحبس أبو العاص بن الربيع امرأته زينب بنت رسول الله، ﷺ ، وحمل زيد بن حارثة امرأته أمّ أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة فقدموا المدينة فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان (٤). * * * ذكر مؤاخاة رسول الله، ﷺ ، بين المهاجرين والأنصار أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزهريّ قال: وحدّثنا موسى بن محمّد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: وحدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن إبراهيم بن يحيَى بن زيد بن ثابت قال: وحدّثنا موسى بن ضَمْرَة بن سعيد عن أبيه قالوا: لمّا قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحقّ والمؤاساة ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلًا، خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار، ويقال: كانوا مائة، خمسون من

стр. 250

المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل بدر، فلمّا كانت وقعة بدر وأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥] فَنَسخت هذه الآية ما كان قبلها، وانقطعت المؤاخاة في الميراث، ورجع كلّ إنسان إلى نَسَبه وورثه ذَوو رَحِمه (١). أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سَلَمة عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ ، حالف بين المهاجرين والأنصار في دار أنس. * * * ذكر بناء رسول الله، ﷺ ، المسجد بالمدينة (* أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمَر بن راشد عن الزهريّ قال: بَرَكَت ناقة رسول الله، ﷺ ، عند مَوضع مسجد رسول الله، ﷺ ، وهو يومئذ يُصلّي فيه رجال من المسلمين وكان مِرْبَدًا لسهل وسُهيل، غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حِجْرِ أبي أمامة أسعد بن زُرَارة، فدعا رسول الله، ﷺ ، بالغلامين فساومهما بالمِرْبَد ليتّخذه مسجدًا، فقالا: بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله، فَأبَى رسول الله، ﷺ ، حتى ابتاعه منهما، قال محمّد بن عمر وقال غير معمر عن الزهريّ: فابتاعه منهما بعشرة دنانير، قال وقال معمر عن الزهريّ: وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، وكان جدارًا مجدّرًا ليس عليه سقف، وَقِبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زُرارة بناه فكان يصلّي بأصحابه فيه ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مَقْدم رسول الله، ﷺ ، فأمر رسول الله، ﷺ ، بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللَّبِن فضُرب، وكان في المربد قبور جاهليّة فأمر بها رسول الله، ﷺ ، فنبشت، وأمر بالعظام أن تُغَيّب، وكان في المِرْبد ماء مُسْتَنْجل (٢) فسيروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد فجعلوا طوله ممّا يلي
следующие страницы →