قال: أخبرنا حَفْص بن غِياث النَّخَعِيّ، عن أشعث، عن أَبِي بُرْدَة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة فأتيت عبد الله بن سَلَام، فإذا رجلٌ مُتخشعٌ فجلست إليه فقال: يابن أخي إنك جلست إلينا وقد حان قيامُنا فتأذَن؟
قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَين، قال: حدّثنا حَفْص بن غِيَاث، عن أشعث، عن أَبِي بردة، قال: أتيت المدينة فإذا عبد الله بن سَلَام جالس في حلقة متخشِّعًا عليه سيماء الخير، قال: يا أَخِي جئتَ ونحن نُريد القيام. قال: فأذنتُ له أو قال: أو قلتُ إِذَا شئتَ فقام فاتَّبعتُهُ حتى انتهيت إلى منزله. قال: مَنْ أنت؟ قلت أنا ابن أخيك، أنا أبو بُرْدَة بن أَبِي موسى قال: فرحّب بِي، وَسَأَلَني، وسقاني قدحًا من سويق فشربته. ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تُسالفون الدهاقين، فَيُهدون لكم حُمْلان (١) القَتِّ والدَواخِل (٢)، فلا تقربوها فإنها نارٌ (٣).
قال قالوا: وتوفي عبد الله بن سَلَام بالمدينة سنة ثلاث وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان (٤).
* * *
١٠٠٨ - كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ
قال عبد الله بن محمد بن عُمَارة الأَنْصاري: هو من بَلِيِّ قُضَاعَةً حليفٌ لبني قَوْقَل من بني عوف بن الخزرج. وقال هشام بن محمد السائِب: هو كعب بن
стр. 2172
عُجْرَة بن أُمَيّة بن عَدِيّ بن عُبَيد بن الحارث بن عَمْرو بن عَوْف بن غَنْم بن سُوَاد (١) بن مُرَيّ بن أَرَاشَةَ بن عامر بن عَبِيلة بن قِسْميل بن فَرَان بن بَلِيّ (٢). ثم انتسب كعب في بَنِي عَمْرو بن عوف.
وقال محمد بن عمر: ليس بحليف، ولكنّه من أَنْفُسهم. قال محمد بن سعد: وطلبنا نَسَبَه في كتاب نسب الأنصار فلم نجدْهُ (٣).
قال: أخبرنا أنس بن عياض (٤) اللَّيْثيّ قال: حدّثني سعد بن إسحاق عن أبان بن صالح، قال: أخبرني الحسن بن أبي الحسن في حديث رواهُ عن كعب بن عجرة: أنه كان يكنى أبا محمد.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر عن رجالِهِ من أهل المدينة قالوا: وكان كعب بن عُجرة قد استأخر إسلامُه، وكان له صَنَمٌ في بيته يكرمه ويمسحه من الغُبَار، ويضعُ عليه ثوبًا، وكان يُكَلَّمُ في الإسلام فَيَأْباه. وكان عُبَادَة بن الصَّامِت لهُ خليلًا فقعد لهُ يومًا يرصده فلمّا خرج من بيته دخل عُبَادة ومعه قَدُوم، وزوجته عند أهلها، فجعل يفلذهُ فِلْذَةً فِلذةً وهو يقول:
أَلَا كُلُّ ما يُدْعَى مع الله باطلٌ.
ثم خرج وأغلق الباب، فرجع كعب إلى بيته، فنظر إلى الصنم قد كُسِرَ فقال: هذا عمل عُبادة! فخرج مغضبًا وهو يريد أن يُشاتم عُبادة إلى أن فكّر في نفسه، فقال: ما عند هذا الصنم من طائلِ لو كان عنده طائِلٌ حيث جعله جُذَاذًا لَامْتَنَع. ومضى حتى دقَّ عَلَى عُبادة، فأشفقَ عُبادة أن يقع به، فدخل عليه فقال: قد رأيت أن لو كان عنده طائِلٌ ما تركك تصنع به ما رأيت، وإِنّي أشهد أن لا إله
стр. 2173
إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ﷺ ، قال: ثم شهد كعب بعد ذلك المشاهد مع رسول الله، ﷺ ، وروى عنه أحاديث (١).
قال: أخبرنا أنس بن عياض الليثي، عن سعد بن إسحاق عن لَقِس بن سَلْمَان مولى كعب بن عُجْرَة قال: أشهد لرأيتُ أربعةً أو خمسةً من أصحاب رسول الله، ﷺ ، يَلْبَسُون المُعَصْفَر المُشْبَع، فيهم كعب بن عُجْرَة قال: وقال محمد بن عمر: مات كعب بالمدينة سنة اثنتين وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة وقد انقرض عقبه (٢).
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا مِسْعَر، عن ثابت بن عُبيد، قال: بعثني أَبِي إلى كَعْب بن عُجْرة فأتيت رجلًا أقطع! فأتيت أبي، فقلت: بعثتني إلى رجلٍ أقطع! فقال: إن يده قد دخلت الجنة، وسيتبعها ما بقي من جسده إن شاء الله (٣).
* * *
ومِنْ بَنِي بَيَاضة بن عامر بن زُرَيق بن عَبْد حَارِثة بن مالك بن جُشَم بن الخَزْرَج (٤).
١٠٠٩ - أبو أُمَامة بن سَهْلٍ
أَحَدُ بني بَيَاضة.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُوَيس، قال: حدّثني أَبِي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن مَعْبَد بن كعب السَّلَمِيّ (٥) عن أخيه، أنه قال: سمعت من أَبِي أُمامة صاحب النبي، ﷺ ، يقول: مَنْ اقتطع حق امرئٍ مسلم
стр. 2174
بيمينه فقد أوجَبَ الله له النار وحرَّم عليه الجنّة. فقال رجلٌ: وإن شيء يسير يا رسول الله؟ قال: وإن قَضيبٌ مِنْ أَرَاك.
* * *
١٠١٠ - سَلَمَةُ بنُ صَخْر
ابن سَلْمان بن حارثة بن الحارث بن زَيد مَناة بن حَبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غَضْب بن جُشَم بن الخَزْرَج الأكبر (١)، ودعوتهم في بني بَيَاضَة وهو أحد البَكَّائِين (٢) الذين أَتَوْا رسولَ الله، ﷺ ، وهو يريد الخروج إلى تَبُوك يَسْتَحْمِلُونَه فقال: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُم عليه فَتَوَلَّوْا (٣) وأعينهم تَفِيضُ من الدَّمع حَزَنًا، ونزل فيهم القرآن. وتُوفي سلمةُ وليس لهُ عقبٌ.
* * *
١٠١١ - أبُو هِنْد
مَولى بني بَيَاضة.
أخبرنا عَارِم بن الفَضْل، قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمة، قال: أخبرنا محمد بن عَمْرو، عن أَبِي سَلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هُريرة: أن رسول الله، ﷺ ، قال يا بَني بَيَاضَة، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْد وأَنْكِحُوا إليه (٤).
* * *
стр. 2175
ومن بني زُرَيْق بن عامر بن زُرَيق بن عَبْد حارثة بن مالك بن غَضْب بن جُشَم بن الخَزْرَج (١).
١٠١٢ - مسعود بن سَعْد
ابن قيس بن زيد بن خَلْدَةَ بن عامر بن زُرَيق. أَسْلَمَ وَصَحِبَ النبيَّ، ﷺ ، وأمّه خَوْلَة بنت بِشر بن ثَعْلَبة بن عَبد عَمْرو بن عامر بن زُرَيق.
قُتل بخَيْبر شَهِيدًا، قتله مَرْحَب اليهودي (٢).
* * *
ومن الأنصار مِمّن رُوي لنا عنه الحديثُ ولم نجد اسمَه ونسبَه في كِتَابِ نَسَبِ الأنصار
١٠١٣ - عُوَيْمِرُ بنُ أَشْقَرَ الأنصاري
أَسْلَم وصحب النبي، ﷺ ، وروى عنه حديثًا.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عباد بن تميم الأنصاري، عن عُويمر بن أشقر: أنه ذبح قبل أن يغدو رسول الله، ﷺ ، وأنه ذكر ذلك لرسول الله، ﷺ ، بعدما انصرف فأمره أَنْ يَعُودَ لأضحِيتِهِ (٣).
* * *
١٠١٤ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابن أَبِي قُرَاد (٤) الأنصاري، أسلَم وصحب النبي، ﷺ ، وروى عنه حديثًا.
стр. 2176
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد القَطّان، قال: حدّثنا أبو جعفر عُمَيْر بن يزيد، عن الحارث بن الفُضيل وعُمَارة بن خُزَيمة بن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي قُراد قال: خرجتُ مع رسول الله، ﷺ ، حاجًّا فتبعتُهُ بالإِدَاوَة (١) والقَدح. ثم ذكر حديث الوضوء إلى آخره.
* * *
١٠١٥ - الفَاكِهُ بنُ سَعْدٍ
أَسْلَم وصحب النبي، ﷺ ، وروى عنه حديثًا.
قال: أخبرنا عبد الله بن عمر القَوَارِيرِيّ، قال: حدّثنا يوسف بن خالد، قال: حدّثنا أبو جعفر الخَطْمِيّ، عن عبد الله بن عقبة بن الفَاكِه الأنصاري، عن جدّه الفَاكِه بن سعد - ولهُ صُحبةٌ: أن النبي، ﷺ ، كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عَرَفَة، ويوم الفِطر، ويوم النّحر. وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام.
* * *
١٠١٦ - سُرَاقَةُ بنُ الحَارِثِ الأنصاري
أَسْلم وصحب النبي، ﷺ ، قُتِلَ يوم حُنَين شَهِيدًا.
* * *
١٠١٧ - حَزْمُ بنُ أَبِي كعْب
الأنصاري، أَسْلَم وصحب النبي، ﷺ ، وروى عنه حديثًا.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا طالب بن حبيب، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن جابر، يحدث عن حَزْم بن أَبِي كَعْب: أنه مَرَّ بمعاذٍ وهو
стр. 2177
يصلّي بقوم صلاة المغرب، فَطوّل، فصلى ثم انصرف، فأصبحوا، فَأَتَوا النبيَّ، ﷺ ، فقال: معاذٌ: يا رسول الله لقد ابتدعَ الليلةَ حزمٌ بِدعَةً ما أدري ما هي؟ وجاء حزمٌ فقال: يا رسول الله إنّي مررتُ بمعاذٍ وهو يصلّي بقومٍ صلاة المغرب، فافتتح سورةً طويلةً فصليتُ فأحسنتُ صلاتي ثم انصرفتُ. فقال رسول الله، ﷺ : يا مُعاذ لا تكن فَتّانًا، فإنه يصلي ورَاءك الكبير والضعيف والمسافر وذو الحاجة (١).
* * *
١٠١٨ - عبد الله بن عُثمان
مِن بَني أَسد بن خُزَيمة، حليف لبني عَوف بن الخَزْرج. أسلَم وصَحِبَ النبيّ، ﷺ ، قُتِل يومَ اليمامةَ شهيدًا سنة اثنتي عشرة.
* * *
١٠١٩ - أبو سَعْد بن أَبِي فَضَالَةَ
قال محمد بن عمر: أراهُ من الأنصار، كانت له صُحبةٌ، وَرَوَى عن رسول الله، ﷺ ، أحاديث.
قال: أخبرنا يحيى بن مَعِين، قال: حدّثنا محمد بن بكر البُرْسَانِي (٢)، قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني أَبِي، عن زياد بن مِيناء، عن أَبِي سَعد بن أَبِي فَضَالة الأنصاري وكان من الصحابة، قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: إذا جَمَعَ الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليومٍ لا ريبَ فيه، نادى مُنادٍ: مَن كان أشرك (٣).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه،
стр. 2178
عن زياد بن مِينَاء الأشجعي، عن أَبِي سعد بن أَبِي فَضَالَة، قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: إذا كان يوم القيامة نادى مُنادٍ: من عَمِلَ عَمَلًا لغير الله فليطلب ثوابه ممَّن عَمِلَهُ له.
* * *
١٠٢٠ - جُلَيْبِيْب (١)
أخبرنا: عَارِم بن الفَضل، قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمة، قال: حدّثنا ثابت، عن كِنَانَة بن نُعيم العَدَوِيّ، عن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ أن جُلَيْبِيبًا كَانَ امرءًا من الأنصار وكان يدخل على النساء ويتحدّث إليهن. قال أبو برزة: فقلت لامرأتي: اتقوا لا يدخل عليكنّ جُلَيْبِيب. قال وكان أصحاب النبي، ﷺ ، إذا كان لِأَحَدِهِم أَيِّمٌ لم يُزوجها حتى يعلم أَلِرَسُول ﷺ فيها حاجةٌ أَمْ لا؟ فقال رسول الله، ﷺ ، ذات يومٍ لرجلٍ من الأنصار: يا فلان، زوِّجني بنتك. قال: نعم. ونُعْمة (٢) عين قال: إنِّي لست أريدها لنفسي. قال: فَلِمَنْ؟ قال: لجُلَيْبِيب. قال: يا رسول الله حتى أستأمِر أُمَّها، فأتاها فقال: إن رسول الله، ﷺ ، يخطب ابنتك. قالت: نعم، ونُعْمَة عين. زَوِّج رسولَ الله، ﷺ ، قال: إنه ليس لنفسه يريدها، قالت: فَلِمَنْ؟ قال: لجُليبيب. قالت: حلقا! أَلِجُلَيْبِيب؟ أُبْنَة (٣)! لا، لَعَمْرُ الله لا أزوج جُلَيْبيبًا.
فلما قام أبوها ليأتي النبي، ﷺ ، قالت الفتاة مِنْ خِدْرها لأبويها: مَنْ خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله، ﷺ ، قالت: أَفَتَرُدّون على رسول الله، ﷺ ، أَمرَهُ؟!
ادفعوني إلى رسول الله، ﷺ ، فإنه لن يُضَيِّعَنِي، فذهب أبوها إلى النبي، ﷺ ، فقال: شأنك بها فزوجها جُلَيبيبًا.
стр. 2179
قال إسحاق بن عبد الله بن أَبِي طلحة لثابت: أتدري ما دَعَا لها بهِ النبي، ﷺ ؟ قال: وما دَعَا لها به؟ قال: اللهمّ صُبَّ عليها الخير صَبًّا صَبًّا، ولا تجعل عيشها كَدًّا كَدًّا. قال ثابت: فزوجها إياه، فبينما رسول الله، ﷺ ، في مغزى له فأفاءَ الله عليه، قال: هل تفقدون مِن أَحَدٍ؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا ونفقد فلانًا. ثم قال: هل تفقدون [أَحَدًا]؟ قالوا نفقد فلانًا ونفقد فلانًا. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جُلَيْبِيبًا، فاطلبوه في القتلى، فنظروا فوجدوه إلى جَنْب سبعة قد قَتَلَهم ثم قَتلوه فقال له رسول الله، ﷺ : هذا منّي وأنا منه. أقتلَ سبعة ثم قتلوه؟! هذا مني وأنا منه فوضعه رسول الله، ﷺ ، على سَاعِدَيه ثم حفروا له، ما لَهُ سريرٌ إلا ساعِدَىْ رسول الله، ﷺ ، حتى وضعه في قبره (١).
قال ثابت فما رأيت في الأنصار أَيِّمًا أنفق منها. قال ابن سعد: وقد سمعت من يذكر أن جُلَيْبِيبًا كان رجلًا من بني ثعلبة حليفًا في الأنصار، والمرأة التي زوّجها رسول الله، ﷺ ، إيّاه من بَنِي الحارث بن الخَزْرَج.
* * *
وممن أسلم من بني النَّضِير وقُرَيظة وهم حلفاء الأنصار
١٠٢١ - أبُو سَعْدِ بنُ وَهْبٍ
النَّضْرِي، نزل إلى النبي، ﷺ ، يوم بني قُرَيْظة فأسلم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدّثني بكر بن عبد الله النَّضري، عن حُسين بن عبد الرحمن، عن أسامة بن أبي سعد بن وَهْب، عن أبيه قال: شهدتُ رسول الله، ﷺ ، يقضي في سيل مَهزُور (٢): أن يحبس الأعلى على الأسفل حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل.
стр. 2180
١٠٢٢ - رِفَاعَةُ بنُ سِمْوال (١)
القُرَظي، وهو الذي ذَكَره الزُّهْري عن عُروة عن عائشة: أنه طلّق امرأتَهُ فتزوجها عبد الرحمن بن الزَّبِير (٢) بن بَاطَا.
* * *
١٠٢٣، ١٠٢٤ - ثعْلَبَةُ وأَسِيْدُ (٣)
ابنا سَعْيَةَ القُرَظِيَّان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني صالح بن جعفر، عن محمد بن عقبة، عن ثعلبة بن أبي مالك قال: قال ثعلبة وأَسِيد ابنا سَعْيَة وأَسَدُ بن عُبَيد بن عَمِّهِم: يا معشر بني قُرَيْظَةَ، والله إنكم لَتَعلمون أَنّه رسول الله وأَنَّ (٤) صفتَه عندنا، حدثنا بها علماؤنا [وعلماءُ] بنو النَّضِير. هذا أَوّلهم - يعني حُيَيّ بن أَخْطَب - مع خَبَر ابن الهَيّبان أصدق الناس عندنا، هو خَبَّرنا بصفته عند موته. قالوا: لا نفارق التوراة، فلما رأى هؤلاء النفر آباءهم نزلوا في الليلة التي في صُبْحها نَزَلَتْ بنو قُريظة فأسلَموا وأمنوا على أنفسهم وأهلهم وأموالهم (٥).
* * *
стр. 2181
١٠٢٥ - أسَدُ بنُ عُبَيْدِ القُرَظِيّ
وهو ابن عم ثعلبة وأَسِيد ابنَي سَعْيَة. وقصته مثل قصتهما في إسلامه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أَبِي حَبِيبة، عن داود بن الحُصَين، عن أَبِي سفيان مَوْلَى ابن أَبِي أحمد: أن ثَعْلَبة وأَسِيد ابنَي سَعْيَةَ وأَسَدَ بن عُبَيد ابن عمّهم، كانوا فتيانًا شبابًا، فلما كان في الليلة التي في صُبْحِها فُتِحت قُرَيْظةُ نزلوا فأسلموا، وأَبَى قَوْمُهم أَنْ يُسْلِمُوا.
* * *
١٠٢٦ - عَمْرُو بن سُعْدَى
من بني قُرَيْظَة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني الضّحّاك بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حِبَّان، قال: قال عَمْرو بن سُعْدَى، وهو رجل من بني قُرَيْظة! يا معشر يهود، إِنكم قد حالَفتم محمدًا على ما حالفتموه عليه، أَلَّا تَنصروا عليه أحدًا من عَدُوّه، وأن تنصروه ممن دَهَمَهُ، فنقضتم ذلك العهد الذي كان بينكم وبينهُ، فلم أَدخل فيه ولم أَشرَكْكم في غدركم، فإن أَبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجِزْيَة، فوالله ما أدري يقبلها أم لا. قالوا: نحن لا نُقرّ للعرب بخَرْجٍ في رِقابنا يأخذونا به، القتلُ خيرٌ من ذلك! قال: فإني بَرِيءٌ منكم. وَخَرَج في تلك الليلة مع ابنَي سَعْيَة فَمَرّ بحرس النبي، ﷺ ، وعليهم محمد بن مَسْلَمة، فقال محمد [بن مسلمة:] مَنْ هذا؟ [فقال:] عَمرو بن سُعْدى. قال محمد: مُرّ! اللهمّ لا تحرْمني إقالَة عَثَرَات الكِرام. فَخَلَّى سبيلهُ فخرج حتى أتى مَسجد رسول الله، ﷺ ، فبات فيه حتى أصبح، فلما أصبح غدا فلم يُدرَ أين هو حتى الساعة، فسُئِل رسولُ الله، ﷺ ، عنه فقال: ذاك رجلٌ نجَّاه الله بوفائه (١).
стр. 2182
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: مَرَّ عَمْرو بن سُعْدَى على الحرس فناداه محمد بن مَسْلمة، مَنْ هذا؟ قال: عَمْرو بن سُعْدى. قال: ابن سُعْدى! قال محمد: فذعر فقام، ثم قال محمد: اللهمّ لا تحرمني إقالةَ عَثَراتِ الكِرام (١).
* * *
стр. 2183
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبقة الرابعة
ممن أسْلَم عند فتح مكّة وما بعد ذلك (١) من بني عَبْد شَمس بن عَبْد مَنَاف بن قُصَيّ
١٠٢٧ - أبو سُفيان بن حَرْب
ابن أُمَيَّة بن عَبْد شَمْس بن عَبْد مَنَاف بن قُصَيّ واسم أَبِي سُفيان صَخْر، وأمه صَفِيّة بنت حَزْن بن بُجَيْر بن الهُزَم بن رُوَيْبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة بن قَيْس عَيْلان (٢).
فَوَلدَ أبو سفيان بن حرب: حَنْظَلَة، قُتِل يوم بدر كافرًا وَلَا عَقِبَ له.
وأُمَّ حَبِيبَة تزوجها عبيد الله (٣) بن جَحْش بن رِئَاب الأَسدي حليف بني عَبْد شَمْس، فولدت له حبيبة، ثم توفى عبيد الله مرتدًا بأرض الحبشة، فتزوج رسول الله، ﷺ ، أُمَّ حبيبة وهي بأرض الحبشة زوجها إياه النَّجَاشِيّ.
وأُمَيْمَة وهي أُمّ حبيب بنت أَبِي سُفيان، تزوجها حُوَيْطِب بن عَبد العُزَّى بن أبي قيس من بني عامر بن لُؤَي، فولدت له أبا سفيان بن حُوَيْطِب.
ثم خلف عليها صَفْوان بن أُمَيّة فولدت له عبد الرحمن بن صَفْوان. وأمُّهم جميعًا صَفِيَّة (٤) بنت أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس.
ومعاويَة وعتبةَ، وجُوَيْرِيَةَ تزوجها السّائِب بن أَبِي حُبَيْش بن المُطَّلب بن أَسَد بن عَبْد العُزَّى بن قُصَيّ. ثم خلف عليها عبد الرحمن بن الحارث بن أُمَيّة الأصغر بن عَبْد شَمْس بن عبد مَنَاف.
стр. 2184
وأمَّ الحَكَم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن الحارث بن حَبِيب بن الحارث بن مالك بن حُطَيط بن جُشَم (١) من ثقيف فولدت له عبد الرحمن الذي يدعى ابن أم الحكم. وأمهم جميعًا هند بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.
ويزيدَ بن أبي سُفيان وأمُّه زينب بنت نَوفل بن خَلَف بن قَوَّالَةَ بن جَذِيمَةَ (٢) بن عَلْقَمة بن فِرَاس بن غَنْم بن مالك بن كِنانة.
ومُحمدًا وعَنْبَسَةَ وأُمهما عاتكة بنت أبي أُزَيْهِر بن أُنَيْس بن الخَيْسَق (٣) بن كَعْب بن الحارث بن عبد الله بن الحارث بن الغِطْرِيف مِن الأَزْد (٤).
وَعَمْرًا أُسِر يوم بدر، وعُمَرَ.
وصَخْرَةَ تزوجها سعيد بن الأخْنَس بن شَرِيق الثَّقَفِيّ فولدت له.
وهندًا تزوجها الحارث بن نَوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عبد الله بن الحارث، الذي اصطلح عليه أهل البصرة أيام عبد الله بن الزبير. وأمهم جميعًا صفية بنت أبي عَمرو بن أمية بن عبد شمس.
وميمونةَ، تزوجها عُروة بن مسعود بن مُعَتِّب الثَّقَفِي، فولدت له. ثم خلف عليها المغيرة بن شُعْبة الثقفي، وأمها لُبابةَ بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.
وَرَمْلَةَ تزوجها سعيد بن عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أمية، فولدت له محمدًا، ثم خلف عليها عَمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس فقتل عنها، وأمها أُمَامَةُ بنت سفيان بن وهب بن الأَشيم من بني الحارث بن عبد مَنَاة.
قال: ويقولون: وزيادًا وأمه سُمية.
стр. 2185
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النَّهْدِيّ قال: حدثنا حِبَّانُ بن علي العَنَزِيّ عن مُجَالِد بن سعيد عن عامر الشعبي قال: أول مَن كتبَ بالعربية حَرب بن أمية بن عبد شمس أبو أبي سفيان، قال: قيل له: ممن تَعَلَّم؟ قال: مِن أهل الحيرة. قيل له: ممن تعلم أهل الحيرة؟ قال: من أهل الأنبار.
قال: قال محمد بن عمر: ولم يزل أبو سفيان بن حرب على الشِّرك حتى أسلم يوم فتح مكة، وهو كان في عير قريش التي أقبلت مِن الشام وخرج رسول الله، ﷺ ، يعترض لها حتى ورد بدرًا، وَسَاحَلَ (١) أبو سفيان بالعير وبعث إلى قريش بمكة يخبرهم أن رسول الله، ﷺ ، قد خرج يَعْتَرِض لِعِيرِهم ويأمرهم أن ينفروا إليه، فنفروا وخرجوا حتى لقوا رسول الله، ﷺ ، ببدر، ونجا أبو سفيان بالعير، ولم يخرج مع قريش أحد مِن بني زُهْرَة ولا مِن بني عَدِيّ بن كَعْب. فقال لهم أبو سفيان: لا في العير ولا في النفير. فهو أوّل مَن قال هذه الكلمة (٢)، وهو كان على رأس المشركين يوم أُحُد، وهو كان رأس الأحزاب يوم الخَنْدَق، وقبل ذلك ما وَاعَدَ رسول الله، ﷺ ، يوم أُحد أن يلتقوا ببدر الموعد على رأس الحول!! فوافى رسول الله، ﷺ ، في المسلمين، ولم يُوَافِ أبو سفيان ولا أحد مِن المشركين ولم يزل أبو سفيان بعد انصرافه عن الخندق بمكة لم يلق رسول الله، ﷺ ، في جمع إلى أن فتح رسول الله، ﷺ ، مكة فأسلم أبو سفيان، وقد كان رسول الله، ﷺ ، بعث إليه قبل أن يُسلم بمال يقسمه في قريش لما بلغ رسول الله، ﷺ ، مِن حاجتهم.
قال: أخبرنا إسحاق بن يونس الأزرق وَوَكيع بن الجَرّاح عن سفيان عن يونس بن عُبيد عن عِكْرِمَةَ أن النبي، ﷺ ، بعث إلى أبي سفيان بن حرب وأناس مِن قريش مِن المشركين بشيء فَقَبِلَ بعضهم وَرَدَّ بعض، فقال أبو سفيان: أنا أقبل ممن رَدَّ. قال: ثم بعثَ أبو سفيان إلى رسول الله، ﷺ ، بسلاح وأشياء فَقَبِلَ منه.
стр. 2186
قال: أخبرنا حُمَيد بن عبد الرحمن الرُّؤاسِيّ ووهب بن جرير ووكيع بن الجراح وسليمان بن حرب عن جرير عن يَعْلَى بن حكيم عن عِكْرِمَة مولى ابن عباس أن النبي، ﷺ ، أهدى إلى أبي سفيان بن حرب تَمرَ عجوة وكتب إليه يستهديه أدما (١).
قال وهب بن جرير في حديثه عن أبيه مع عَمرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ قال: فقدم عَمرو بن أُمية فنزل على إحدى امرأَتَي أبي سفيان، فلما أصبحت قريش عَدَوا عليه فأخذوه، فقال: يا فلانة أؤخذ مِن بيتك ودارك؟! أما والله لو كنتُ نزلتُ على فلانة لمنعتني؟!، فَأَحْفَظَهَا. فقامت دونه وقالت لأبي سفيان: لتمنعن ضيفي. فَمَنَعه. وقَبِلَ أبو سفيان هَدِية رسول الله، ﷺ ، وأهدَى إليه أدما.
قال: أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحَفَرِيّ عن يعقوب بن عبد الله عن جعفر عن سعيد، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٣٦] قال: نزلت في أبي سفيان.
قال: أخبرنا عمر بن سعد عن يعقوب عن جعفر عن ابن أَبْزَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣].
قال أبو سفيان: قال القوم: إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروه أنا قد جمعنا لهم جُموعًا. فأخبروهم، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣].
(* قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر، قال: سمعتُ يعقوب بن عُتْبَة يُخْبِر عن عِكْرِمَةَ عن ابن عباس قال: لما نزل رسول الله، ﷺ ، مرّ الظَّهْرَان (٢)، قال العباس بن عبد المطلب: وَاصَبَاحَ قريش إنْ دَخَلَها رسول الله، ﷺ ، عَنْوَةً، قال العباس: فأخذتُ بغلة رسول الله، ﷺ ، الشَّهْبَاء فركبتها، وقلتُ ألتمس حَطَّابًا أو إنسانًا أبعثه إلى قريش. قال: فوالله إني في الأَرَاك إذا أنا بأبي سفيان بن حرب فقلت: أبا حَنْظَلَة؟ قال: يا لبيك،
стр. 2187
أبا الفضل!! وعرف صوتى، فقال: ما لك؟ فداك أبي وأمى، قلت: ويلك هذا رسول الله، ﷺ ، في عشرة آلاف، فقال: بأبي وأمى مَا تَأْمُرُنى. هل مِن حيلة؟ قلت: نعم، تركب عَجُزَ هذه البغلة فأَذهبُ بك إلى رسول الله، ﷺ ، فإنه إنْ ظُفِر بك دونه قُتِلْتَ، قال: وأنا والله أرى ذلك. ثمّ ركب خلفى وتوجهتُ به إلى رسول الله، ﷺ ، ورآه عمر بن الخطّاب فعرفه وأراد قتله، وقال يا رسول الله، أبو سفيان أخذ بلا عهد ولا عقد، قال: فقلت: إنى قد أَجَرْتُه. وجرى بين العبَّاس بن عبد المطّلب وعمر بن الخطّاب في ذلك كلام، قال: فقال رسول الله، ﷺ : ويْحك يا أبا سفيان ألم يَأْنِ لكَ أن تعلم أن لا إله إِلَّا الله؟! قال: بأبي أنت وأمى ما أحْلَمك وأكرمك وأعظم عَفوك! قد كاد يقع في نفسى أن لو كان مع الله إله لقد أغنى شيئًا بعد.
قال: يا أبا سفيان ألم يَأْنِ لكَ أن تعلم أنى رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمى ما أحْلَمك وأكرمك وأعظم عَفوك، أما هذه فوالله إن في النَّفْس منها لَشيئًا بعد، فقال العبَّاس: ويحك اشهد أن لا إله إِلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، ﷺ ، قبل والله أن تقتل. قال: فشهد شهادة الحق فقال: أشهدُ أن لا إله إِلَّا الله وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله. فقال العبَّاس: يا نبى الله قد عرفتَ أبا سفيان وحُبه الشرف والفَخر فاجعل له شيئًا. قال نَعم: مَن دَخَلَ دار أبي سفيان فهو آمن ومَن أغَلَقَ داره فهو آمن *).
قال: أخبرنا عفّان بن مُسلم ويزيد بن هارون قالا: أخبرنا حَمّاد بن سَلَمَة عن ثابت البُنَانى عن عبد الله بن رَباح عن أبي هريرة أن النبيّ، ﷺ ، قال يوم فتح مكّة: مَن أغلقَ بابه فهو آمن، ومَن دَخل دار أبي سفيان فهو آمن، قال عفّان في حديثه: ومَن ألقى السلاح فهو آمن.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حَمّاد بن سَلَمَة عن هشام بن عُروة عن أبيه أن رسول الله، ﷺ ، قال يوم فتح مكّة: مَن دَخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن دَخل دار حكيم بن حِزام فهو آمن، ومَن دَخل دار بُدَيْل بن وَرْقَاء فهو آمن، ومَن أغلق بابه فهو آمن.
قال: أخبرنا عَمرو بن عاصم الكِلَابي قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: حدّثنا ثابت البُنَانى قال: إنما قال رسول الله، ﷺ ، مَن دَخل دار أبي سفيان فهو
стр. 2188
آمن لأن رسول الله ﷺ كان إذا أوذى وهو بمكّة فدخل دار أبي سفيان أمن. فقال النبيّ، ﷺ ، يوم فتح مكّة: مَن دَخل دار أبي سفيان فقد أمن.
قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد قال: حدَّثَنَا إسماعيل بن أَبِي خالد عن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكّة كان جالسًا فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعًا، قال: إنه لَيُحَدِّث نَفْسَه إذ ضَرَبَ النبيّ، ﷺ ، بين كتفيه وقال: إذًا أخزاك الله، قال: فرفع رأسه فإذا النبيّ، ﷺ ، قائم على رأسه فقال: ما أيقنت أنك نبى حتَّى الساعة إن كنتُ لأحدث نفسى بذلك.
قال: أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْن أبو نُعَيم ومحمّد بن عبد الله الأسدى قالا: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي السَّفَر قال: لمّا رأى أبو سفيان [النَّاس]. يطئون عَقِبَى رسول الله، ﷺ ، حسده، فقال بينه وبين نفسه لو عاودت هذا الرجل، فجاء رسول الله، ﷺ ، حتَّى ضرب بيده في صدره ثمّ قال: إذًا يُخْزِيك الله، إذًا يُخْزِيك الله! فقال: أتوب إلى الله وأستغفره، والله ما تفوهت به، ما هو إلا شيء حدثت به نفسى (١).
قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأَزْرَقِى المكى، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الرِّجال عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم قال: خرج النبيّ، ﷺ ملتحفًا بثوب مِن بعض بيوت نسائه وأبو سفيان جالس في المسجد، فقال أبو سفيان: ما أدرى بم يَغْلِبنا محمّد؟ فأتى النبيّ، ﷺ ، حتَّى ضَرَبَ في ظَهْرِه وقال: بالله يغلبك. قال أبو سفيان: أشهدُ أنك رسول (٢) الله.
قال: قال محمّد بن عمر: وشَهِدَ أبو سفيان الطائف مع رسول الله، ﷺ ، ورمى يومئذ فذهبت إحدى عينيه، وشَهِدَ يوم حنين، وأعطاه رسول الله، ﷺ ، مِن غنائم حنين مائة مِن الإبل وأربعين أوقيّة وَزَنَها له بلال، فلمّا أعطاه وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية، قال له أبو سفيان: والله إنك لَكِريم فداك أبي وأمى، لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثمّ سالمتك فَنِعْمَ المسالم أنت، فجزَاكَ الله خيرًا (٣).
стр. 2189
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: سمعتُ عمر بن عبد العزيز في خلافته يقول: توفى رسول الله، ﷺ ، وأبو سُفيان بن حرب عامله على نَجْرَان (١).
قال محمّد بن عمر: وأصحابنا ينكرون هذا ويقولون: كان أبو سفيان حين توفى رسول الله، ﷺ ، حاضرًا بمكّة، وكان عامل رسول الله، ﷺ ، على نجران عَمرو بن حَزْم.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمَة قال: أخبرنا عَطَاء الخُراسانى وحُميد عن الحسن أن أبا سفيان قال: يا رسول الله إن امرأتى تعطى مِن مالى بغير إذنى، قال: أنتما شريكان في الأجر، قال: فإن أبيت وكرهت، قال: فإن لها ما احتسبت ولك ما بخلت به.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمَة، قال: أخبرنا ثابت البُنَانى عن معاوية بن قُرَّة عن عائذ بن عَمرو أن سَلْمان وصُهَيبًا وبلالًا كانوا قعودًا فمرّ عليهم أبو سفيان فقالوا: ما أخذت سيوف الله مِن عُنق عدو الله مأخذها بعد. فقال أبو بكر الصّدّيق: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها!
قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطَّيَالسي، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المُسَيِّب عن أبيه قال: خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم، إِلَّا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، يا نَصر الله اقترب، فرفعتُ رأسى أنظر فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه - يزيد بن أبي سفيان.
قال محمّد بن سعد: وزادنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيسى المدنى مِن بنى عامر بن لُؤَى عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد، قال: وكان يزيد بن أبي سفيان على ربع، وأبو عُبَيدة بن الجرّاح على ربع، وعَمرو بن العاص على ربع، وشرحبيل بن حَسَنة على ربع، ولم يكن عليهم أمير يومئذ (٢).
стр. 2190
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه عن ابن المسيِّب عن جُبَيْر بن الحُوَيْرِث بن نُقَيْد قال: حضرتُ يوم اليَرموك المعركة فلا أسمع للناس كلمة ولا صوتًا إِلَّا نَقْفَ (١) الحديد بعضه بعضًا، إِلَّا أنى قد سمعتُ صائحًا يقول: يا معشر المسلمين، يومٌ مِن أيام الله أبلوا فيه بلاءً حسنًا، وإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان (٢).
قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأَزْرَقِى قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حسن عن أبيه عن عَلْقَمة بن نَضْلَة أن أبا سفيان بن حَرب قام على ردم الحذّائين ثمّ ضرَب برجله وقال: سَنام الأرض إن لها سَنامًا، يزعم ابن فَرْقدَ أنى لا أعرفُ (٣) حقى مِن حقه! لي بياض المروة وله سوادها، ولى ما بين مقامى هذا إلى تُجْنَى ساحة الطائف فَبَلَغَ [ذلك] عمر بن الخطّاب فقال: إن أبا سفيان لَقديم الظلم، ليس لأحدٍ حق مِن الأرض إِلَّا ما أحاطت عليه جدرانه (٤).
قال محمّد بن سعد: وقال غير أحمد بن محمّد بن الوليد الأزْرَقى: وقَدم عمر بن الخطّاب مكّة فوقف على الرّدم، فقال له أهل مكّة: إن أبا سفيان قد سَدَّ علينا مجرى السَّيْل بأحجارٍ وضعها هناك فقال: عليّ بأبي سفيان، فجاء، فقال: لا أبرح حتَّى تنقل هذه الحجارة حَجَرًا حجرًا بنفسك، فجعل ينقلها. فلمّا رأى عمر ذلك قال: الحمدُ لله الذي جَعَلَ عُمر يأمر أبا سفيان ببطن مكّة فيطيعه (٥).
стр. 2191
قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأَزْرَقِى، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حسن عن أبيه أن زَمْعَة أو ابن زَمْعَة قال لعمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين أَقْطِعنى خَيفَ الأرين أَملأْه عَجوة! قال: [نعم] فبلغ ذلك أبا سفيان فقال: دَعُوه فَلْيَمْلأه عجوة ثمّ لينظر أينا يأكل جَناه قال: فلمّا سمع ذلك تركه حتَّى كان معاوية فهو الذي ملأه عجوة وجعل له عَينًا. قال عبد الرحمن: أدركتُ أنا العَجْوةَ فيه (١).
(قال): أخبرنا عفّان بن مُسلم قال: حدَّثَنَا حَمَّاد بن سَلَمَة قال: أخبرنا هشام بن زَيد بن أنس عن أنَس بن مالك أن أبا سفيان بن حرب دَخل على عثمان بن عفّان بعد ما عمى وغلامه يقوده.
قال محمّد بن عمر: نزل أبو سفيان المدينة في آخر عمره ومات بها سنة اثنتين وثلاثين في آخر خلافة عثمان بن عفّان وهو يوم مات ابن ثمانٍ وثمانين سنة.
* * *
١٠٢٨ - يزيد بن أبي سُفيان
ابن حَرب بن أُمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قُصَيّ، وأمّه زينب بنت نَوفل ابن خلف بن قَوَّالة بن جَذِيمَة بن عَلْقَمَة بن فِراس بن غَنْم بن مالك بن كنانة، وليس له عقب.
وأسلَم يوم فتح مكّة، وشَهِدَ مع رسول الله، ﷺ ، حنينًا وأعطاه رسول الله ﷺ مِن غنائم حُنين مائة مِن الإبل وأربعين أوقيّة وَزَنَها له بلال، ولم يزل يذكر بخير، وعقد له أبو بكر مع أمراء الجيوش إلى الشام (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن أَبِي سَبْرَةَ، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عوف بن الحارث عن ابن عمر قال: لمّا عَقَدَ أبو بكر للأمراء على الشأم كنتُ في جيش خالد بن سعيد بن العاص فصلَّى بنا
стр. 2192
الصُّبح بذى المَرْوَة (١) وهو على الجيوش كلّها، فوالله أنا لَعِنْدَه إذ أتاه آتٍ فقال: قدم يَزِيد بن أبي سفيان، فقال خالد بن سعيد: هذا عمل عمر بن الخطّاب، كلّم أبا بكر في عزلى وولى يزيد بن أبي سفيان، فقال ابن عمر: فأردتُ أن أتكلم ثمّ عُزِمَ لي عَلَى الصَّمت، قال: فتحولنا إلى يزيد بن أبي سفيان وصار خالد كرجل منهم. قال محمّد بن عمر: هذا أثبت عندنا مما روى في عزل خالد وهو بالمدينة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدَّثَنِى عبد الله بن الحارث بن الفُضَيْل عن أبيه قال: لمّا عَقَدَ أبو بكر ليزيد بن أبي سفيان دعاه، فقال له: يا يزيد: إنك شاب تذكر بخير قد رُئِيَ منك، وذلك شئ خَلوت به في نفسك، وقد أردتُ أن أبلوك وأستخرجك من أهلك، فأنظر كيف أنت وكيف ولايتك وأخبرك، فإن أحسنتَ زدتك، وإن أسأتَ عزلتك، وقد وليتك عمل خالد بن سعيد ثمّ أوصاه بما أوصاه بما يعمل به في وجهه وقال له: أوصيك بأبي عُبَيْدة بن الجَرّاح خيرًا فقد عرفت مَكَانَه مِن الإسلام، وأن رسول الله، ﷺ ، قال: لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عُبيدة بن الجراح فاعرف له فَضْلَه وسابِقَتَه، وانظر مُعَاذَ بن جبل فقد عَرَفْتَ مَشَاهِدَه مع رسول الله، ﷺ ، وأن رسول الله، ﷺ قال: يأتى أمام العلماء يوم القيامة بِرَتْوَةٍ (٢) فلا تقطع أمرًا دونهما فإنهما لن يَأْلُوَانك خيرًا، فقال يزيد: يا خليفة رسول الله، ﷺ ، أوصهما بي كما أوصيتنى بهما فأنا إليهما أحوج منهما إليّ. قال أبو بكر: لن أدع أن أوصيهما بك. فقال يزيد: يرحمك الله وجزاك عن الإسلام خيرًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن عبد الحكيم بن صُهَيب عن جعفر بن عبد الله بن الحَكَم (٣) قال: لمّا بعث أبو بكر أمراءه إلى الشأم: يزيد بن أبي سفيان، وعَمرو بن العاص، وشُرَحْبِيل بن حَسَنَةَ. ويزيد بن
стр. 2193
أبي سفيان على النَّاس، وكان يصلّى بهم في معسكرهم بالجُرْفِ. وقال: إن اجتمعتم في كيد فيزيد على النَّاس وإن تفرقتم فمن كانت الوقعة مما يلى معسكره فهو على أصحابه (١).
قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَيْن قال: حدّثنا ابن عُيَيْنَةَ عن يحيى بن سعد أن أبا بكر شَيَّع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشأم قال محمّد بن عمر: توفى أبو بكر والشام على أربعة أمراء: عَمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد، وشُرَحْبِيل بن حَسَنَة، فلمّا ولى عمر عزل خالد بن الوليد وولى أبا عُبيدة بن الجراح، وعزل شُرحبيل بن حَسَنة وتفرّق جنده في الأجناد، وولى يزيد بن أبي سفيان دمشق، فلم يزل واليًا حتَّى مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثمانى عشرة.
* * *
١٠٢٩ - معاوية بن أبي سفيان
ابن حَرب بن أُمَيّة بن عَبْد شَمْس بن عبد مَنَاف بن قُصَيّ، وأمّه هند بنت عُتْبَة بن رَبِيعة بن عَبْد شَمْس بن عَبْد مَنَاف بن قُصَيّ، ويكنى أبا عبد الرحمن.
فولد معاويةُ: يزيدَ وأمّه مَيْسُون بنت بَحْدَل بن أُنَيْف بن دَلْجَة بن قُنَافَة بن عَدِيّ بن زُهير بن حارثة بن جَنَاب بن ذُهل بن عبد الله بن كِنَانة بن بكر بن عوف بن عُذْرَة بن زيد اللَّات بن رُفَيْدَةَ بن ثور بن كلب (٢)، وعبد الله وهو مبقث دَرَجَ (٣).
стр. 2194
وعبدَ الرحمن. وهندًا تزوجها عبد الله بن عامر بن كُرَيْز بن ربيعة بن حبيب بن عَبْد شمس، وأُمهم فاختة بنت قَرَظَةَ بن عَبْد عَمْرو بن نَوْفَل بن عبد مَنَاف بن قُصَيّ (١).
ورملةَ تزوجها عَمرو بن عثمان بن عفّان، فولدت له خالدًا وعثمان، وأمها كنود بنت قَرَظَةَ بن عبد عَمرو، وصَفيةَ تزوجها محمّد بن زياد بن أبي سفيان، وأمها أم ولد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدَّثَنِى أبو بكر بن عبد الله بن أَبِي سَبْرَةَ عن عُمر بن عبد الله العَنْسِيّ قال: قال معاوية بن أبي سفيان: لمّا كان عام الحديبية وصدّت قريش رسولَ الله، ﷺ ، عن البيت ودافعوه بالراح، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبى، فذكرتُ ذلك لأُمى هند بنت عُتبة فقالت: إياك أن تخالف أباك أو أن تقطع أمرًا دونه فيقطع عنك القوت، فكان أبي يومئذ غائبًا في سوق حُبَاشَة (٢)، قال: فأسلمتُ وأخفيتُ إسلامى، فوالله لقد رَحَلَ (٣) رسول الله، ﷺ ، مِن الحديبية وإنى مصدِّق به وأنا على ذلك أكتمه مِن أبي سفيان، ودخَل رسول الله، ﷺ ، مكّة عام عُمرة القضية وأنا مسلم مصدق به وعلم أبو سفيان بإِسلامى فقال لي يومًا: لكن أخوك خَير منك فهو على دينى، قلت: لم آل نفسى خيرًا، قال: فدخل رسول الله، ﷺ ، مكة عام الفتح فأظهرتُ إسلامى ولقيته فرحّب بي وكتبتُ له (٤).
قال محمّد بن عمر: وشَهِدَ معاوية بن أبي سفيان مع رسول الله، ﷺ ، حُنينًا وأعطاه رسول الله، ﷺ ، مِن غنائم حنين مائة مِن الإبل وأربعين أوقيّة وَزَنَها له بلال.
стр. 2195
قال: أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأَغَر المكى قال: حدّثنا عَمرو بن يحيى بن سعيد الأموى عن جَدِّه قال: كانت إداوة يحملها أبو هريرة مع رسول الله، ﷺ ، فاشتكى أبو هريرة فحملها معاوية، فبينما هو يوضئ رسول الله، ﷺ ، رفع رأسه فقال: يا معاوية: إن وليتَ مِن أمور المؤمنين شيئًا فاتّق الله واعدل، فما زلت أظن أنى مُبتلى حتَّى وليت لقول رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا سليمان بن حرب والحسَن بن موسى قالا: حدّثنا أبو هلال محمّد بن سُليم قال: حدّثنا جَبلة بن عطية عن مَسْلَمَة بن مُخَلّد قال الحسن بن موسى الأشْيَب قال أبو هلال أو عن رجل عن مَسْلَمَة بن مُخَلَّد، وقال سليمان بن حرب أو حدثه مسلمة عن رجل: أنه رأى معاوية يأكل فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك هذا لَمِخْضَد (١)، ثمّ قال: أما إنى أقول هذا (٢) وقد سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: اللهم علّمه الكتاب ومكّن له في البلاد وقِهِ العذاب (٣).
قال: أخبرنا المُعَلَّى بن أسد قال: حدَّثَنَا وُهَيْب عن عَمرو بن يحيى عن عيسى بن عمر (٤) عن عبد الله بن عَلْقمة بن وقّاص الليْثى عن أبيه قال: كنتُ عند معاوية، فسمع المؤذن يؤذن فقال مثل قوله حتَّى بلغ حيّ على الصلاة، فقال: لا حولَ ولا قوة إِلَّا بالله، ثمّ قال: هكذا سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول.
قال: أخبرنا يحيى بن حمّاد قال: أخبرني شُعبة عن سعد بن إبراهيم عن مَعْبَد الجُهَنِيّ قال: كان معاوية لا يكاد يحدث عن النبيّ، ﷺ ، شيئًا، قال: وكان لا يكاد يدع هؤلاء الكلمات أن يقولهن يوم الجمعة على المنبر عن النبيّ، ﷺ ، أن الله إذا أرادَ بعبد خيرًا يفقّهه في الدين، وأن هذا المال حُلو خضر، مَن يأخذ بحقه يبارك له فيه وإياكم والتمادح فإنه الذبح.
стр. 2196
قال: أخبرنا يحيى بن حمَّاد قال: أخبرنا شُعبة عن رجل مِن بنى تميم يقال له جراد عن رجاء بن حَيْوَة عن معاوية بن أبي سفيان أن النبيّ، ﷺ ، قال: مَنْ يُرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين.
قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَلِيّ قال: حدّثنا سليمان بن بلال قال: حدَّثَنِى عَلْقمة بن أبي عَلْقمة عن أمه قالت: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة فأرسل إلى عائشة أن أرسلى إليَّ بأَنْبِجَانِيَّة (١) رسول الله، ﷺ ، وشَعره، فأرسلت به معي أحمله حتَّى دَخلتُ به عليه فأخذ الأنبجانية فلبسها، وأخذ شعره فدعا بماء فغسله فشَربه وأفاضَ على جلده (٢).
قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأَزْرَقِيّ والوليد بن عطاء بن الأغر المكِّيان قالا: حدّثنا عَمرو بن يحيى بن سعيد الأموى عن جَدّه قال: دَخَل معاوية على عمر بن الخطّاب وعليه حُلة خضراء، فنظر إليها أصحاب رسول الله، ﷺ ، فلمّا رأى ذلك عمر وثَب إليه ومعه الدّرّة فجعل ضربًا لمعاوية، ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين! فيم! فيم؟! قال: فلم يكلمه حتَّى رَجَع فجلَس في مجلسه، فقال له القوم: لم ضربتَ الفَتَى يا أمير المؤمنين؟ ما في قومك مثله! فقال: والله ما رأيت إِلَّا خيرًا وما بلغنى إِلَّا خير ولكنى رأيته -وأشار بيده- فأحببت أن أضع منه (٣).
قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقى والوليد بن عطاء بن الأغر قالا: حدّثنا عَمرو بن يحيى بن سعيد الأموى عن جَده: أن أبا سفيان دَخل على عمر بن الخطاب فعزَّاه عمر بابنه يزيد بن أبي سفيان. قال: آجرك الله في ابنك يا أبا سفيان، فقال: أيّ بَنِيَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: يزيد بن أبي سفيان، قال: فمن بعثت على عمله؟ قال: معاوية أخاه، وقال عمر: إنه لا يحل لنا أن نَنْزِعَ مُصْلِحًا.
стр. 2197
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدّثنا حماد بن زيد عن مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ أن معاوية عمل سنتين ما يحزم عمل عمر، ثمّ إنه بَعُد.
قال: أخبرنا وَكيع بن الجَرّاح وأبو معاوية الضَّرِير قالا: حدّثنا الأَعْمَش عن أبي صالح قال: كان الحادي يحدو بعثمان وهو يقول:
إِنَّ الأميرَ بعده عَلِيُّ … وفى الزُّبير خَلَفٌ رَضِيُّ
قال: فقال كعب: لا بل هو صاحب البغلة الشهباء، قال: يعني معاوية، قال: فأُتِيَ معاوية. فقيل له: إن كَعبًا يقول كذا وكذا، فأتى كعبًا فقال: يا أبا إسحاق: وأنَّى يكون هذا وها هنا أصحاب محمّد: عليّ والزبير! قال: أنت صاحبها (١).
قال: أخبرنا محمّد بن مُصعب القَرْقَسَانِيّ قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ثابت مولى سفيان قال: سمعتُ معاوية يقول: إنى والله لستُ بخيركم، وإن فيكم مَن هو خير منى، عبد الله بن عمر وعبد الله بن عَمرو بن العاص وغيرهما مِن الأفاضل، ولكنى عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم وأنعتكم لكم ولاية وأحسنكم خلقًا (٢).
قال: أخبرنا يَعْلَى بن عُبيد، قال: حدّثنا الأعمش عن عَمرو بن مُرّة عن سعيد بن سُوَيد قال: خَطَبنا معاوية بالنُّخَيْلَة فقال: يا أهل العراق أترون أنى إنما قاتلتكم لأنكم لا تُصلون؟ والله إنى لأعلم أنكم تُصلون! أو أنكم لا تغتسلون من الجنابة؟! ولكن إنما قاتلتكم لاتأمّر عليكم، فقد أمّرنى الله عليكم (٣).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمَة عن علي بن زيد عن زُرَارةَ بن أَوْفَى: أن معاوية خطَب النَّاس فقال: يا أيّها النَّاس إنا نحن أحق بهذا الأمر، نحن شجرة رسول الله، ﷺ ، وبَيضته التي انفلقَت عنه، ونحن ونحن، فقال صَعْصَعة: فأين بنو هاشم منكم؟ قال: نحن أسوس منهم وهم خير منا، قال: أمرنا بالطاعة، الطاعة. وقال فيها: أنا لكم جُنَّة، قال: فقال صَعْصَعة:
стр. 2198
فإذا احترقت الجُنَّة فكيف نصنع؟ قال يا أيّها النَّاس: ها، إِنّ هذا تُرَابى. فقال: إِنِّي ترابى، خُلِقْتُ مِن التراب وإلى التراب أَصِير.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قِلَابَة قال: قال كَعْب: لن يملك أحد مِن هذه الأمة ما مَلَك معاوية.
قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة عن مجالد عن عامر عن الحارث قال: لما رَجَع علىّ مِن صِفِّين علم أنه لا يملك، فتكلم بأشياء لم يكن يتكلم بها قبل ذاك، وقال أشياء لم يكن يقولها قبل ذاك، فقال: أيّها النَّاس لا تكرهوا إمارة معاوية فوالله لو قد فقدتموه لقد رأيتم الرءوس تندر (١) مِن كواهلها كالحَنْظَل (٢).
قال: أخبرنا الفضل بن دُكَين قال: حدّثنا موسى بن قيس الحَضْرَمِيّ عن قيس بن رُمانة عن أَبِي بُرْدَة قال: قال معاوية بن أبي سفيان: إن كان يقاتل على الأمر إِلَّا من أجل دم عثمان.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن مَعْمَر عن ابن مُنَبِّه قال: سمعتُ ابن عبّاس يقول: ما رأيتُ رجلًا كان أخلق للملك مِن معاوية، إن كان النَّاس لَيَرِدُون منه على أرجاء وادٍ رَحْبٍ، ولم يكن بالضيق (٣) الحصر العُصْعُص المُتَغَضِّب (٤) - يعني ابن الزبير.
قال: أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْن قال: حدّثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن أبي إسحاق قال: كان معاوية وكان وكان وما رأينا بعد مثله. قال أبو بكر: ما ذكر عمر بن عبد العزيز.
стр. 2199
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزُّهرى عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شِهَاب قال: حدّثني عُرْوَة بن الزُّبَير، أن المِسْوَر بن مَخْرَمة أخبره أنه: قدم وافدًا على معاوية أمير المؤمنين فقضى حاجته، ثمّ دعاه فقال: يَا مِسْوَر! ما فعل طَعْنُك على الأَئِمَّة (١)؟ قال المِسْوَر: دَعْنَا مِن هذا وأحسِن فيما قدمنا له. قال معاوية: لا أدعك حتَّى تكلم بذات نفسك والذى تعيبُ عَلَيَّ. قال المِسْوَر: فلم أدع شيئًا أعيبه عليه إِلَّا بَيَّنتْه. فقال معاوية: لا أبرأ مِن الذنب فهل تَعُدُّ لنا يا مِسْوَر ممّا نلى مِن الإصلاح في أمر النَّاس شيئًا؟ فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان! قال المِسْور: لا والله ما نذكر إِلَّا ما نرى مِن هذه الذنوب قال معاوية: فإنا نعترف بكل ذنب أذنبناه فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أنْ تهلكك إن لم يغفرها الله لك! قال المِسْوَر: نعم. قال معاوية: فما يجعلك بأحقّ برجاء المغفرة منى؟! فوالله لما ألي مِن الإصلاح أكثر مما تَلِى، ولكنى والله لا أخيّر بين أمرين بين (٢) الله وغيره إِلَّا اخترتُ الله على ما سواه، وإنِّي لَعَلَى دين يُقْبَلُ فيه العمل وَيُجْزَى فيه بالحسنات ويُجْزَى فيه بالذنوب إِلَّا أن يعفو الله عنها، وإنى لأَحْتَسِبُ كلَّ حَسنةٍ عملتها بأضعافها مِن الأجر، وإنى لألي أمُورًا عِظَامًا لا أحصيها، ولا يحصيها مَن عمل لله بها في الدنيا: إقامة الصلوات للمسلمين، والجهاد في سبيل الله، والحكم بما أنزل الله. والأمور التي لستُ أحصيها وإن عددتها فتكفر في ذلك. قال المِسْور: فعرفت أن معاوية قد خَصَمنى حين ذكر ما قال. [قال عروة] فلم أسمع المِسْوَر بعد يذكر معاويةَ إِلَّا صَلّى عليه (٣).
قال: أخبرنا عَمرو بن عاصم الكِلَابِيّ قال: حدّثنا نافع بن عمر عن عبد الله بن أَبِي مُلَيْكَة قال: أُتى ابن عبّاس، فقيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ أوتر قبل بركعة. فقال: أحسن، إنه فقيه.
стр. 2200
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدّثنا حَمَّاد بن زيد عن أيوب قال: قيل لابن عبّاس، إن معاوية لم يوتر حتَّى أصبح فأوتر بركعة فقال: إن أمير المؤمنين عالم.
قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَين عن ابن عُيَيْنَة عن عبد الله بن أَبي يَزِيد عن كُرَيب قال: رأيت معاوية صلى العشاء، ثمّ صلى بعدها ركعة. فذكرت ذلك لابن عبّاس فقال: أصاب.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: حدّثنا فَرج بن فَضَالة عن خالد بن يزيد عن ابن حَلْبَس (١) قال: خَطَبنا معاوية بدمشق فقال يا أيّها النَّاس: اعقلوا عنى، فإنكم لا تَجدون بعدى أحدًا أعلم بأمر الدنيا والآخرة منى، أقيموا وجوهكم وصُفُوفكم في الصلاة قبل أن يُخَالفَ الله بين قلوبكم، وخُذوا على أيدى سُفهائكم قبل أن يُسَلّطهم الله عليكم فَيَسُومُونَكم سُوء العذاب، وتَصَدَّقوا، ولا يقولن أحدكم إِنّى مُقِلّ، فإن صَدَقة المقل أفضل من صدقة الغنى، وإياكم وإياى ورمى المحصنات، فوالله لو رَمَى رجل مُحصنة كانت في زمن نوح لسأله الله (٢) عنها، ولا يقولن أحدكم سمعتُ وبلغنى.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور ومحمّد بن معاوية النَّيْسَابُورِيّ قالا: حدّثنا عبد الرحمن بن أَبِي الزِّناد عن أبيه عن خارجة بن زيد أن زَيد بن ثابت كتَب إلى معاوية فبدأ به، وكتَب: لعبد الله معاوية.
قال: أخبرنا أبو أُسامة عن هشام بن عُرْوَة عن أبيه قال: سمعتُ معاوية يقول على المنبر: لا حلم إِلَّا التجربة.
قال: أخبرنا أبو أُسامة عن إسماعيل بن أَبِي خالد عن قيس بن أَبِي حازم قال: مَرض معاوية مرضًا شديدًا فحَسَر عن ذراعيه كأنهما عسيبا نخل فقال: ما الدنيا إِلَّا كما قد ذُقنا وجربنا، والله لوَدِدتُ أنى لا أعبر فيكم فوق ثلاث ليال حتَّى ألحق بالله تعالى، فقال جلساؤه: بِرَحْمَةِ الله يا أمير المؤمنين، فقال: ما شاء الله أن يقضى لأمير المؤمنين قضاء أنه قد علم أنى لم آلُو، وما كَرِه الله غَيْرَه.
стр. 2201
قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَين قال: حدّثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أَبِي فَرْوَة قال: خَطبنا معاوية وعليه بُرد أخضر.
قال: أخبرنا علي بن محمّد بن عبد الله بن أبي سيف قال: نَظَرَ أبو سفيان يومًا إلى معاوية وهو غلام، فقال لهند: إن ابنى هذا لعظيم الرأس، وإنه لَخَلِيق أن يسود قومه! فقالت هند: قومه فقط؟! ثَكِلْتُهُ! إنْ لم يَسُد العرب قاطبة! وكانت هند تحمل معاوية وهو صغير وتقول:
إنّ بُنَيَّ مُعرقٌ كريم … مُحَبَّب في أهله حَلِيمُ
ليس بفَحَّاش ولا لَئِيم … ولا بِطحرور ولا شَئوم
صخرُ بَني فِهر به زَعيم … لا يخلف الظن ولا يخيم
قال: فلمّا ولى عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان ما ولّاه مِن الشأم خرج إليه معاوية فقال أبو سفيان لهند: كيف رأيت؟ صار ابنك تابعًا لابنى!، فقالت: إن اضطربَ حبل العرب فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابنى.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمَر عن الزُّهْرى قال: توفى يزيد بن أبي سفيان بدمشق، فَكُتِبَ إلى عمر بن الخطّاب بنَعِيه، فجاء عمر بن الخطاب إلى أبي سفيان، فإذا هند بنت عُتبة امرأته تهنى أهبة (١) لها في المَنِيئَة فقال: أين أبو سفيان؟ فقالت هند: ها هو ذا - وكان ناحية مِن البيت - فقال: احتسبا واصبرا. قالا: مَنْ يا أمير المؤمنين؟ قال: يزيد بن أبي سفيان. فقالا: مَن استعملت على عمله؟ قال: معاوية بن أبي سفيان. قالا: وَصَلَتْكَ رَحِم، وإنا لله وإنا إليه راجعون (٢).
قال الزهرى: إنما ولّاه عمل يزيد ولم يفرد له الشأم، حتَّى كان عثمان فأفردَ له الشأم.
قال محمّد بن عمر: هذا الأمر المجتمع عليه عندنا لا اختلاف فيه.
قال محمّد بن عمر: وقد روى لنا ابن أبي سَبْرَة عن إسماعيل بن أُميّة: أن
стр. 2202
عمر أفرد معاوية بالشام ورزقه ثمانين دينارًا في كل شهر. قال محمّد بن عمر: والأول أثبت.
قال ابن أَبِي سَبْرة: وقد أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عَمرو بن حَزْم: أن عمر استعمل معاوية بن أبي سفيان على عمل أخيه، وكتب إليه: إنى قد وَلَّيْتُك عملَ يزيد بن أبي سفيان الذي كان يلى -في كتاب طويل أمره فيه- بتقوى الله وما يعمل به في عمله. فكتَب إليه معاوية جواب كتابه. فلم يزل معاوية واليًا لعمر حتَّى قُتل عمر واستخلف عثمان بن عفّان، فأقره على عمله وأفرده بولاية الشام جميعًا، فاستقضى فضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاري.
وشخص أبو سفيان بن حرب إلى معاوية بالشام ومعه ابناه عُتبة وعَنبسة، فكتبت هند إلى معاوية، قد قدم عليك أبوك وأخواك، فاحمل أباك على فرس وأعطه أربعة آلاف درهم، واحمل عُتبة على بغل وأعطه ألفى درهم، واحمل عنبسة على حمار وأعطه ألف درهم، ففعل معاوية ذلك، فقال أبو سفيان: أشهد بالله أَنَّ هذا لَعَنْ رأى هند (١).
فلمّا قُتل عثمان كتبت نَائِلَةُ بنت الفُرَافِصَة إلى معاوية كتابًا تصف فيه كيف دُخِلَ على عثمان وكيف قُتِل، وبعثت إليه بقميصه الذي قتل وهو عليه فيه دمه. فقرأ معاوية الكتاب على أهل الشأم، وأمر بقميص عثمان فَطِيفَ به في أجناد الشأم، ونَعَى إليهم عثمان، وأخبرهم بما أتى واستحل مِن حرمته، وحرضهم على الطلب بدم عثمان، فبايعوه على الطلب بدم عثمان (٢).
وبويع عليّ بن أبي طالب بالمدينة فقال له عبد الله بن العبَّاس والحسن بن على: اكتب إلى معاوية، فَأَقِرّه على عمله ولا تحركه، وأَطْمِعه فإنه سيطمع ويكفيك نَفْسَه وناحيته، فإذا بايع الناس لك أَقْرَرْتَه أَوْ عَزَلْتَه، قال: فإنه لا يرضى حتَّى أعطيه عهد الله وميثاقه أن لا أعزله، فقالا: لَا نُعْطِه عَهْدًا ولا ميثاقًا. فبلغ ذلك معاوية فقال: والله لَا أَلِي له شيئًا أبدًا ولا أُبايعه ولا أقدم عليه، وأظهر بالشام أن الزبير بن العوام قادم عليهم وأنه يبايع له (٣).
стр. 2203
فلمّا بلغه خروج الزبير وطَلْحة إلى الجَمَل أمسك عن ذكره، فلمّا بلغه قتل الزبير قال: يرحم الله أبا عبد الله، أما أنه لو قدم علينا لبايعنا له وكان أهلًا أن نقدمه لها.
فلمّا انصرف عَلِيٌّ من البصرة أرسل جرير بن عبد الله البَجَلى إلى معاوية، فكلّمه، وعظم عليه أمر عليّ وسابقته في الإسلام ومكانه مِن رسول الله، ﷺ ، واجتماع النَّاس عليه. وأراده على الدخول في طاعته والبيعة له، فأبى، وجرى بينه وبين جرير كلام كثير، فانصرف جرير إلى علي بن أبي طالب فأخبره بذلك، فذلك حين أجمع عَلِيٌّ عَلَى (١) الخروج إلى صِفِّين (٢).
وبعثَ معاوية أبا مُسلم الخولانى إلى على بأشياء يطلبها منه، ويسأله أن يدفع إليه قَتَلة عثمان حتَّى يقتلهم به، فإنه إن لم يفعل ذلك أنهج للقوم -يعني أهل الشأم- بصائرهم لقتاله فَأَبَى عَلِيٌّ أن يفعل، فرجع أبو مسلم إلى معاوية فأخبره بما رأى مِن عليّ وأصحابه، وجرت بين على ومعاوية كتب ورسائل كثيرة (٣).
ثمّ أجمعَ عليّ على الخروج مِن الكوفة يريد معاوية بالشام، وبلغ ذلك معاوية فخرج في أهل [الشأم] (٤) يريد عليًّا، فالتقوا بصفين لسبع ليال بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين، فلمّا كان هلال صفر نشبت الحرب بينهم فاقتتلوا أيام صفين قتالًا شديدًا حتَّى هرّ النَّاس القتال (٥) وكرهوا الحرب، فرفع أهل الشام المصاحف، وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه وكان ذلك مكيدة من عَمرو بن العاص، فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتابًا على أن يوافوا رأس الحول أَذْرُح (٦)، ويحكّموا حَكَمَين ينظران في أمر [النَّاس]، فيرضون بحُكمها، فَحَكَّم عَلِيٌّ أبا موسى الأشعرى، وحَكَّم معاويةُ عَمْرَو بن العاص (٧).
وتفرق النَّاس، فرجع على إلى الكوفة بالاختلاف والدَّغَلَ (٨)، واختلف عليه
стр. 2204
أصحابه، فخرج عليه الخوارج مِن أصحابه ومَن كان معه وأنكروا تَحْكِيمَه وقالوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لله. ورجع معاوية إلى الشام بالألفة واجتماع الكلمة عليه (١).
ووافى الحَكَمان بعد الحول بأذْرُح، في شعبان سنة ثمانٍ وثلاثين، واجتمع النَّاس إليهما، فكان بينهما كلام، اجتمعا عليه في السر ثمّ خالفه عَمرو بن العاص في العلانية، فَقَدّم أبا موسى فتكلم وخلع عليًّا ومعاوية، ثمّ تكلم عَمرو بن العاص فخلع عليًّا وأقر معاوية، فتفرق الحكمان ومَن كان اجتمع إليهما، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة في ذى القعدة سنة ثمان وثلاثين (٢).
وبعث معاوية على الحج -سنة تسع وثلاثين- يزيدَ بن شَجَرَة الرَّهَاوِيّ، وبعث علي بن أبي طالب في هذه السنة على الموسم عُبَيْدَ الله بن العبَّاس، فاجتمعا بمكّة وسأل كل واحد منهما صاحبه أن يسلم إليه، فأبيا جميعًا واصطلحا على أن يصلى بالناس ويحج بهم تلك السنة شَيْبةُ بن عثمان العَبْدَرِيّ، فحج بالناس تلك السنة (٣).
وكان معاوية يبعث الغارات فيقتلون مَنْ كان في طاعة عليّ، وَمَن أعان على قتل عثمان، فبعث بُسْرَ بن أَرْطَاة العامرى إلى المدينة ومكّة واليمن يستعرض النَّاس، فقتل باليمن عبد الرحمن وقُثم ابنى عُبيد الله بن العبَّاس (٤).
ثمّ قُتل عليّ بن أبي طالب ﵇ في شهر رمضان سنة أربعين، فحج بالناس تلك السنة المُغِيرَةُ بن شُعْبَة بكتاب افتعله من معاوية بن أبي سفيان، وصالح الحسنُ بن علي معاوية بن أبي سفيان، وسلّم له الأمر، وبايعه النَّاس جميعًا فسمى عام الجماعة (٥).
واستعمل معاويةُ المغيرةَ بن شعبة تلك السنة على الكوفة على صلاتها وحربها، واستعمل عَلَى الخراج عبدَ الله بن دَرَّاج (٦) مولاه، واستعمل على
стр. 2205
البصرة عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، واستعمل على المدينة أخاه عُتبة بن أبي سفيان ثمّ عزله، واستعمل مروان بن الحَكَم سنة اثنتين وأربعين، واستعمل عَمرو بن العاص على مصر، وَأَقَرَّ فَضَالَةَ بن عُبَيد على قضائه (١) بالشام.
وكان يولى الحج كل سنة رجلًا من أهل بيته، ويولى المصائف والمشاتى بأرض الروم كل سنة رجلًا. وحجّ معاوية بالناس سنة خمسين ومرّ بالمدينة، وولى يزيد بن معاوية الموسم فحج بالناس سنة إحدى وخمسين (٢).
ثمّ اعتمر معاوية في رجب سنة ست وخمسين، وقدم المدينة، فكان بينه وبين الحسين بن عليّ وعبد الله بن عُمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير ما كان من الكلام في البيعة ليزيد بن معاوية، وقال: إنى أتكلم بكلام فلا تردوا عليّ شيئًا فأقتلكم. فَخَطَب النَّاس فأظهرَ أنهم قد بايعوا، وسكتَ القوم فلم يقروا ولم ينكروا خوفًا منه، وَرَحَل معاوية من المدينة على هذا، وادَّعى معاويةُ زِيَادَ بن أبي سفيان، فولّاه الكوفة بعد المغيرة بن شُعبة، فكتب إليه في حُجْرِ بن عَدِيّ الكندى وأصحابه، وحملهم إليه فَقَتَلَهم معاوية بالشام بمرج عَذْرَاء (٣)، ثمّ ضَمّ معاوية البصرةَ إلى زِيَاد، ثمّ مات زياد، فولّى معاويةُ الكوفةَ والبصرة ابنه عُبيد الله بن زِياد (٤).
قال: أخبرنا علي بن محمّد عن مَسلمة بن مُحارب قال: مرض معاوية فأرجفَ به مَصقلة بن هُبيرة وساعده قومٌ على ذلك، ثمّ تماثلَ معاوية وهم يرجفون به، فحمل زياد مَصقلة إلى معاوية، وكتب إليه: إن مصقلة كان يجمع مُرّاقَ أهل العراق فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليك ليرى عافية الله إياك. فقدم مَصْقَلَةُ وجلس معاوية للناس، فلمّا دَخل مصقلة قال له معاوية: ادنُ. فدنا فأخذ بيده وجبذه فسقط مصقلة فقال معاوية:
أبقَى (٥) الحوادثُ مِنْ خليـ … ــلك مثلَ جَنْدلة المُرَاجِمْ
стр. 2206
قَدْ رَامَنِى الأقوامُ قَبْـ … ـلَك فامتنعتُ مِنَ المظالِمْ
فقال مصقلة: يا أمير المؤمنين قد أبقى الله منك ما هو أعظم مِن ذلك، حلمًا وكلأ ومَرعى لأوليائك، وسُما ناقعًا لعدوك فمن يَرومك؟ كانت الجاهليّة وأبوك سيد المشركين، وأصبحَ النَّاس مسلمين وأنت أمير المؤمنين. وأقام مصقلة فوصله معاوية وأذن له في الانصراف إلى الكوفة فقيل له: كيف تركتَ معاوية؟ قال: زعمتم أنه لما بِهِ، والله لَغَمَزَ يَدِى غَمْزة كَادَ يَحْطِمُهَا (١) وَجَبذَنِي جَبْذَة كاد يَكْسِر منِّى عضوًا (٢).
قال: أخبرنا علي بن محمّد عن أبي عبيد الله عن عُبَادة بن نُسَيّ قال: خطب معاوية النَّاس فقال: إِنّى مِن زَرْعٍ قد استَحصد، وقد طالت إمْرَتِي عليكم حتَّى مَلَلْتكم ومَلَلَتْمونى، وتمنيتُ فراقكم وتمنيتم فراقى، ولا يأتيكم بعدى خير منى، كما أن مَن كان قبلى خير منى، وقد قيل: مَن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، اللهم أنى قد أحببتُ لقاءك فأحبب لقائى (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري عن حَكيم بن حَكيم بن عباد بن حُنَيْف: أن معاوية حين حُضِرَ، دعا ابنَه يزيدَ فأوصاهُ بتقوى الله، ثمّ قال: إنى قد أحكمتُ هذا الأمرَ فعليك بالجِدِّ في أمرك والرفقِ بالناس، فإنك إذا رفقتَ بهم أخذت ثمرةَ قلوبهم ما لم يكن رفقك ضعفًا تركب فيجترئ عليك.
وقد خلفت بعدى ثلاثة هم أخوف مَن أخاف عليك أن يسفه عليك ما في يديك: حسين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، أحب النَّاس إلى النَّاس، فَصِلْ رَحِمَه وارفُق به يصلح لك أمره، وعبد الله بن الزبير لا هو رطبٌ فَتَعصره ولا يابسًا فَتَكسِره -، فارفق به وَصِلْ رَحِمَه يصلح لك أمره. وعمرو بن
стр. 2207
سعيد بن العاص هو أطوع النَّاس عند أهل الشام، فارفق به وأكرمه يصلح لك أمره. الزم عهدى ووصيتى ولا تلقى هذا الكلام منك بظهر.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أَبِي سَبْرَة عن مروان بن أبي سعيد بن المعلَّى قال: قال معاوية ليزيد وهو يوصيه عند الموت: يا يزيد: اتق الله، فقد وَطَّأْتُ لك هذا الأمر، ووليت من ذلك ما وليتُ، فإنْ يكُ خيرًا فأنا أسعدُ به، وإن كان غيرَ ذلك شقيتُ به، فارفق بالناس (١)، وأغض عما بلغك من قول تؤذى به وتنتقص به، وطَأْ عليه يهنك عيشك وتصلح لك رعيتك.
وإياك والمناقشة وحمل الغضب فإنك تهلك نفسك ورعيتك، وإيّاك وَجَبْهَ أهل الشرف واستهانتهم والتكَبُّر عليهم، لِنْ لهم لِينًا لا يَرون منك ضعفًا ولا خورًا، وأوطئهم فَرْشك وقَرّبهم فإنه يُعلمَ لك حقّك، ولا تَهِنْهُم وتَسْتَخِفّ بحقهم فيهينونك ويستخفّون بحقك ويقولون فيك.
فإذا أردت أمرًا فادع أهل السِّنّ والتجربة مِن أهل صنائعى والانقطاع إليَّ، فشاوِرهم ثمّ لا تخالفهم، وإياك والاستبداد برأيك، فإن الرأى ليس في صدر واحد. أصدق مَن أشار عليك حتَّى يجيبك على ما يعرف، ثم أطعه فيما أشار به، واخزن ذلك عن نسائك وخَدَمك.
وَشَمِّر إِزَارَك، وتعاهدْ جُنْدَك، وأصلح نفسك يصلح لك النَّاس، لا تَدَع لهم فيك مقالًا، فإن النَّاس سِراع إلى الشرّ، واحضر الصلاة، فإنك إذا فعلتَ ما أوصيتك به عُرِفَ لك حقك، وَعُظِّمت مع مملكتك.
وَشَرِّف أهلَ المدينة ومكة، فإنهم أصلُك وعشيرتُك ونسبُك، وَشَرِّف أهلَ الشام، فإنهم أنصارُك وحُمَاتُك وجندُك الذين تصولُ بهم أهل طاعة. واكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعدهم منك المعروفَ، فإن ذلك يبسط آمالَهم، ووفّد عليك من الكُوَر (٢) كلّها، فأحسن إليهم وأكرمهم فإنهم لمن وراءَهم، ولا تسمعن قول قَارِفٍ (٣) وَلَا مَاحِل (٤)، فإنى رأيتهم وزراء سوء.
стр. 2208
قال: أخبرنا يحيى بن مَعِين قال: حدّثنا العبَّاس بن الوليد النَّرْسِيّ، قال: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول: جاء يزيد بن معاوية في مَرَضِ معاوية فوجد عمَّه محمدَ بن أبي سفيان قاعدًا على الباب لم يُؤْذَنْ له، فأخذ بيده فَأَدْخَلَه، قال: فَاطَّلَعَ في وجه معاوية وقد أُغْمِىَ عليه فقال:
لَوْ أَنَّ حَيًّا يَفُوتُ فَاتَ أبو … حَيَّان لا عاجِزٌ وَلَا وَكِلُ
الحُوَّلُ القُلَّب الأَرِيب وهل … يَدْفَعُ وَقْتَ المنية الحِيَلُ
قال: ففتح معاوية عينيه وقال: أي شئ تقول يا يزيد؟ قال: خيرًا يا أمير المؤمنين، أنا مقبل على عمّى أحدثه، فقال معاوية: نعم.
لو أن حَيًّا يفوت فات أبو … حيان لا عاجز ولا وكلُ
الحوّل القلّب الأريب وهل … يدفع وقت المنية الحيلُ
إن أخوف ما أخاف عليَّ شيئًا عملتُه في أمرِك، شهدتُ رسولَ الله، ﷺ ، يومًا قَلَّمَ أظفاره وأخذَ مِن شَعره، فجمعتُ ذلك فهو عندي، فإذا أنا مِتّ فاحشوا به فمى وأنفى فَإِنْ نَفَعَ شئ نَفَعَ أو كما قال (١).
قال: أخبرنا علي بن محمّد عن سليمان بن أيوب عن الأَوْزَاعِيّ، وعلي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه: أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: كنتُ أُوَضِّئُ رسولَ الله، ﷺ ، فقال لي: ألا أكسوك قميصًا؟ قلت: بَلَى، بأبي أنت وأمى. فنزع قميصًا كان عليه فكسانيه فلبسته لبسة ثمّ رفعته، وقَلَّم أَظْفَارَه فأخذتُ القُلَامَةَ فجعلتها في قارورة، فإذا متّ فاجعلوا قميص رسول الله، ﷺ ، يَلى جلدى، وقطعوا تلك القلامة واسحقوها واجعلوها في عينى فَعَسَى (٢).
قال: أخبرنا علي بن محمّد عن أَبِي طَيْبَة الحِمَّانِي (٣) عن شَبّة بن عقال قال:
стр. 2209
أغمى على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقالت ابنته رملة أو امرأة من أهله متمثلة شعرًا للأَشْهَب بن رُمَيْلَة النَّهْشَلِيّ يمدح القُباع وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومى:
إنْ مات مات الجُود وانقطع النَّدَى … من النَّاس إِلَّا من قليل مُصَرَّدِ
وَرُدَّتْ أَكُفُّ السائلين وأمْسَكُوا … من الدِّين والدنيا بخُلْفٍ مُجَدَّدِ (١)
قال: أخبرنا عليّ بن محمّد عن محمّد بن الحكم عمّن حدثه أن معاوية لمّا احتضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كأنه أراد أن يَطِيبَ له، لأن عمر بن الخطّاب قاسَم عُماله (٢).
قال: أخبرنا علي بن محمّد عن سليمان بن المغيرة حُمَيد بن هلال عن أَبِي بُرْدَة بن أبي موسى قال: دَخلتُ عَلَى معاوية حين أصابته قَرْحَتُه فقال: هَلُمَّ ابنَ أَخِى، تَحَوَّل فانظر. فتحولت فنظرت فإذا هي قد سُبِرَتْ (٣).
أخبرنا أبو عُبيد عن أبي يعقوب الثَّقَفِيّ عن عبد الملك بن عمير قال: لمّا ثقل معاوية، وتحدث النَّاس أنه بالموت، قال لأهله: احشوا عينى إثمِدًا، وأوسِعوا رأسى دهنًا. ففعلوا وبَرَّقُوا وجهه بالدّهن، ثمّ مُهِّدَ له فجلس، ثمّ قال: ائذنوا للناس فليسلموا قيامًا ولا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائمًا فيراه مُتَكَحِّلًا مدهنًا فيقول: يقول النَّاس: هو لِمَا (٤) به، وهو أَصَحُّ النَّاس، فلمّا خرجوا مِن عنده قال معاوية:
وَتَجَلُّدِى للشَّامِتِينَ أرِيهم … أَنِّي لِرَيب الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
وَإذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا … أَلْفَيْتَ كُلُّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
стр. 2210
قال: وكان به النَّقَّابة (١) فمات من يومه ذلك (٢).
قال: أخبرنا علي بن محمّد عن سليمان بن أيوب عن عَمرو بن ميمون وعن غيره قالوا: (* لمّا مات معاوية أُخرجت أكفانه فوضعت على المنبر، ثمّ قام الضَّحَّاك بن قَيْس الفِهْرِيّ خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إن أمير المؤمنين معاوية كان [في] جَدّ العرب وَعَوَذ العرب، وَحَدّ [العرب] قطع الله به الفتنة، وملَّكه على العباد وَسَيَّر جنوده في البر والبحر وبسط به الدنيا، وكان عبدًا من عَبِيد الله، دعاه الله فأجابه، فقد قضى نحبه، رحمة الله عليه وهذه أكفانه، فنحن مُدْرِجُوه فيها، ومُدْخلوه قبره، ومُخلوه وعمله، فيما بينه وبين ربه، إن شاء رحمه وإن شاء عذّبه، ثمّ هو الهَرْج إلى يوم القيامة، فمن أراد حضوره بعد الظهر فليحضره، فإنا رائحون به (٣).
وصلى عليه الضَّحّاك بن قَيْس الفِهْرِيّ، قال: وكان يزيد غائبًا -حين مات- بِحُوَّارِين (٤)، فلمّا ثقل معاوية أرسل إليه الضحاك فقدم، وقد مات معاوية ودفن، فلم يأتِ منزله حتَّى أتى قبره، فصلّى عليه ودعا له، ثمّ أتى منزله فقال:
جاء البَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبّ به … فَأَوْجَس القَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِه فَزَعَا
قُلْنَا: لَكَ الوَيْلُ مَاذَا فِي صَحِيفَتِكم؟ … قال الخليفة أمسَى مثبتًا وَجعَا