← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن محمّد بن الحنفيّة أنَّه قال وهو في الشعب: لو أنّ أبى عليًّا أدرك هذا الأمر لكان هذا موضع رحله. أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا أبو شهاب، عن ليث، عن محمّد الأزدى عن ابن الحنفيّة قال: أهل بيتين من العرب يتّخْذهما النَّاس أنْدادًا من دون الله، نحن وبنو عمّنا هؤلاء، يعنى بنى أميّة. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عَبْثَر أبو زُبيد، عن سالم بن أبي حفصة، عن منذر أبي يَعْلى، عن محمّد بن الحنفيّة قال: نحن أهل بيتين من قُريش نُتّخذ من دونِ الله أنْدادًا، نحن وبنو أميّة. حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو عَوانة، عن أبي جَمْرَة (١) قال: كانوا يسلّمون على محمّد بن عليّ: سلام عليك يا مهديّ. فقال: أجل أنا مهدى أهدى إلى الرشد والخير، اسمى اسم نبيّ الله وكنيتى كنية نبيّ الله، فإذا سلّم أحدكم فليقلْ سلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أبا القاسم (٢). أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا أبو العلاء الخفّاف، عن المِنْهال بن عمرو قال: جاء رجل إلى ابن الحنفيّة فسلّم عليه فردّ ﵇ فقال: كيف أنت؟ فحرّك يده فقال: كيف أنتم، أما آن لكم أن تعرفوا كيف نحن؟ إنّما مَثَلُنا في هذه الأمّة مثل بنى إسرائيل في آل فِرْعَون، كان يذبّح أبناءهم ويستحيى نساءهم، وإنّ هؤلاء يذبّحون أبناءنا ويَنكِحُونَ نساءنا بغير أمرنا، فزعمت العرب أنّ لها فضلًا على العجم فقالت العجم: وما ذاك؟ قالوا: كان محمّد عربيّا، قالوا: صدقتم. قالوا: وزعمت قريش أنّ لها فضلًا على العرب فقالت العرب: وبم ذا؟ قالوا: قد كان محمّد قرشيّا، فإن كان القوم صدقوا فلنا فضل على النَّاس (٣).

стр. 2837

قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهدى قال: أخبرنا عمر بن زياد الهُذَلى، عن الأسود بن قيس حدّثه قال: لقيتُ بخراسان رجلًا من عَنَزَة (١)، قال قلتُ للأسود: ما اسمه؟ قال: لا أدرى، قال: ألا أعرضُ عليك خطبة ابن الحنفيّة؟ قال قلتُ: بلى، قال: انتهيتُ إليه وهو في رهط يحدّثهم فقلت: السلام عليك يا مهديّ، قال: وعليك السلام. قال قلتُ: إنّ لى إليك حاجة، قال: أسِرّ هى أم علانية؟ قال قلت: بل سرّ، قال: اجلس، فجلستُ وحدّث القوم ساعة ثمّ قام فقمتُ معه، فلمّا أن دخل دخلتُ معه بيته، قال: قل بحاجتك، قال فحمدتُ الله وأثنيتُ عليه وشهدتُ أن لا إله إِلَّا الله وشهدتُ أنّ محمدًا عبد الله ورسوله ثمّ قلت: أمّا بعد فوالله ما كنتم أقرب قريش إلينا قرابة فنحبّكم على قرابتكم ولكن كنتم أقرب قريش إلى نبيّنا قرابة، فلذلك أحببناكم على قرابتكم من نبيّنا، فمازال بنا السَّنَنُ (٢) في حبّكم حتّى ضُربتْ عليه الأعناق وأُبْطلت الشهادات، وشُرّدنا في البلاد وأوذينا، حتّى لقد هممتُ أن أذهب في الأرض قفرًا فأعبد الله حتّى ألقاه، لولا أن يخفى عليّ أمرُ آل محمّد، وحتى هممتُ أن أخرج مع أقوام شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا فيخرجون فيقاتلون ونقيم فقال عمر: يعنى الخوارج، وقد كانت تبلغنا عنك أحاديث من وراء وراء فأحببتُ أن أشافهك للكلام فلا أسأل عنك أحدًا وكنتَ أوثقَ الناسِ في نفسى وأحبّه إليّ أن أقْتَدِىَ به، فأرى برأيك وكيف ترى المخرج، أقول هذا وأستغفر الله لى ولكم (٣). قال: فحمد الله محمّد بن عليّ وأثنى عليه وشهد أن لا إله إِلَّا الله وشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله ثمّ قال: أمّا بعد فإيّاكم وهذه الأحاديث فإنّها عيب عليكم، وعليكم بكتاب الله ﵎ فإنّه به هدى أوّلكم وبه يُهْدى آخركم، ولعمرى لئن أوذيتم لقد أوذى من كان خيرًا منكم. أمّا قيلك لقد هممتُ أن أذهب في

стр. 2838

الأرض قفرًا فأعبد الله حتّى ألقاه وأجْتنب أمور النَّاس لولا أن يخفى عليّ أمور آل محمّد، فلا تفعل فإنّ تلك البدعةُ الرهبانيّة، ولعمرى لأمْرُ آل محمّد أبْيَنُ من طلوع هذه الشمس، وأمّا قيلك لقد هممتُ أن أخرج مع أقوامٍ شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا فيخرجون فيقاتلون ونقيم، فلا تفعل، لا تفارق الأمّة، اتّقِ هؤلاء القوم بتقيّتهم، قال عمر: يعنى بنى أميّة، ولا تقاتل معهم (١). قال قلت: وما تقيّتهم؟ قال: تُحْضِرُهم وجهك عند دعوتهم فيدفع الله بذلك عنك عن دمك ودينك وتصيب من مال الله الذى أنت أحقّ به منهم. قال قلتُ: أرأيتَ إن أطاف بي قتال ليس لى منه بدّ؟ قال: تبايعُ بإحدى يديك الأخرى لله، وتقاتلُ لله، فإنّ الله سيُدْخِل أقوامًا بسرائرهم الجنّة وسيُدْخِلُ أقوامًا بسرائرهم النار، وإني أذكّرك اللهَ أن تبلّغ عنى ما لم تسمع منى أو أن تقول عليّ ما لم أقل. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم (٢). أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر قال: حدّثنى سفيان، يعنى ابن عُيينة، قال: حدَّثَنِى الأسود بن قيس عن رجل عن محمّد بن الحنفيّة قال: بايعْ بإحدى يديك على الأخرى وقاتلْ على نيتّك. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا قيس عن سعيد بن مسروق عن منذر قال: سمعتُ محمّد بن الحنفيّة يقول: إنّ هذه لصاعقة لا يقوم لها شيء. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا الوليد بن جُميع، عن أبي الطّفيل، عن محمّد بن الحنفيّة أنّه قال له: الزم هذا المكان وكن حمامة من حَمام الحَرَم حتّى يأتى أمرنا فإنّ أمرنا إذا جاء فليس به خفاء، كما ليس بالشمس إذا طلعت خفاء، وما يُدْريك إن قال لك الناس تأتى من المشرق ويأتى الله بها من المغرب، وما يُدريك إن قال لك النَّاس تأتى من المغرب ويأتى الله بها من المشرق، وما يُدريك لعلّنا سنُؤتَى بها كما يُؤتَى بالعروس (٣).

стр. 2839

أخبرنا محمّد بن الصّلْت قال: حدّثنا الربيع بن المنذر الثوريّ عن أبيه قال: قال ابن الحنفيّة: من أحبّنا نفعه الله وإن كان في الدّيْلَم. أخبرنا محمّد بن الصلت قال: أخبرنا الربيع بن المنذر عن أبيه عن ابن الحنفيّة قال: وددتُ لو فديتُ شيعتنا هؤلاء ولو ببعض دمى، قال ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى على المفصل والعروق ثمّ قال: لحديثهم الكَذِبَ وإذاعتهم الشرّ حتّى إنّها لو كانت أمّ أحدهم التى ولدته أغرى بها حتّى تُقْتَل. أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان عن الحارث الأزديّ قال: قال ابن الحنفيّة: رحم الله امرأً أغنى نفسه وكفّ يده وأمسك لسانه وجلس في بيته، له ما احتسب وهو مع من أحبّ، ألا إنّ أعمال بنى أميّة أسرع فيهم من سيوف المسلمين، ألا إنّ لأهل الحقّ دولة يأتى بها الله إذا شاء، فمن أدرك ذلك منكم ومنّا كان عندنا في السنام الأعلى، ومن يمت فما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأبْقَى (١). أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو شهاب عن الحسن بن عمرو عن أبي يَعْلى عن ابن الحنفيّة قال: من أحبّ رجلًا للْه لعَدْلٍ ظهر منه وهو في علم الله من أهل النار آجره الله على حبّه إيّاه كما لو كان أحبّ رجلًا من أهل الجنّة، ومن أبغض رجلًا لله لجورٍ ظهر منه وهو في علم الله من أهل الجنّة آجره الله على بُغْضه إيّاه كما لو كان أبغض رجلًا من أهل النار. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر عن أمّ بكر بنت المِسْوَر قالت: كان المختار بن أبي عبيد مع عبد الله بن الزبير في حصره الأوّل أشدّ الناسِ معه ويريه أنَّه شيعة له، وابن الزبير معجب به ويُحْمَل عليه فلا يسمع عليه كلامًا. وكان المختار يختلف إلى محمّد بن الحنفيّة، وكان محمّد ليس فيه بحَسَنِ الرأى ولا يقبل كثيرًا ممّا يأتى به، فقال المختار: أنا خارج إلى العراق. فقال له محمّد: فاخْرج وهذا عبد الله بن كامل الهَمْدانى يخرج معك، وقال لعبد الله: تحرّزْ منه واعلم أنّه ليس له كبيرُ أمانة. وجاء المختار إلى ابن الزّبير فقال: اعْلم أنّ مكانى من العراق أنفعُ لك من مقامى هاهنا. فأذن له عبد الله بن الزبير

стр. 2840

فخرج هو وابن كامل، وابن الزُّبير لا يشكّ في مناصحته، وهو مصرّ على الغشّ لابن الزبير. فخرجا حتّى لقيا لاقيًا بالعُذيب فقال المختار: أخبرْنا عن النَّاس، فقال: تركتُ النَّاس كالسفينة تجول لا ملّاح لها. فقال المختار: فأنا ملّاحها الذى يقيمها. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: لمّا قدم المختار العراق اختلف إلى عبد الله بن مُطيع، وهو والى الكوفة يومئذٍ لعبد الله بن الزبير، وأظهر مناصحة ابن الزبير وعابه في السرّ، ودعا إلى ابن الحنفيّة وحرّض النَّاس على ابن مطيع، واتّخذ شيعةً، يركب في خيل عظيمة. فلمّا رأى ذلك ابن مطيع خافه فهرب منه إلى عبد الله بن الزبير. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى جعفر بن محمّد بن خالد بن الزبير عن عثمان بن عروة عن أبيه قال: وحدّثنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة وغيرهما قالوا: كان المختار لمّا قدم الكوفة كان أشدّ النَّاس على ابن الزبير وأَعْيَبَه له، وجعل يُلْقى إلى النَّاس أنّ ابن الزبير كان يطلب هذا الأمر لأبي القاسم، يعنى ابن الحنفيّة، ثمّ ظلمه إيّاه، وجعل يذكر ابن الحنفيّة وحاله وورعه وأنّه بعثه إلى الكوفة يدعو له، وأنّه كتب له كتابًا فهو لا يعدوه إلى غيره. ويقرأ ذلك الكتاب على من يثق به، وجعل يدعو النَّاس إلى البيعة لمحمد بن الحنفيّة فيبايعونه له سرًّا، فشكّ قوم ممّن بايعه في أمره وقالوا: أعطينا هذا الرجل عهودنا أن زعم أنّه رسول ابن الحنفيّة، وابن الحنفيّة بمكّة ليس منّا ببعيد ولا مستتر، فلو شخص منّا قوم إليه فسألوه عمّا جاء به هذا الرجل عنه، فإن كان صادقًا نصرناه وأعنّاه على أمره. فشخص منهم قوم فلقوا ابن الحنفيّة بمكّة فأعلموه أمر المختار وما دعاهم إليه فقال: نحن حيث ترون محتسبون وما أحبّ أنّ لى سلطان الدنيا بقتل مؤمنٍ بغير حقّ، ولوددتُ أنّ الله انتصر لنا بمن شاء من خلقه، فاحذروا الكذّابين وانظروا لأنفسكم ودينكم. فانصرفوا على هذا (١). وكتب المختار كتابًا على لسان محمّد بن الحنفيّة إلى إبراهيم بن الأشْتر،

стр. 2841

وجاء فاستأذن عليه، وقيل المختار أمين آل محمّد ورسوله، فأذن له وحيّاه ورحّب به وأجلسه معه على فراشه، فتكلّم المختار، وكان مفوّهًا، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ، ﷺ ، ثمّ قال: إنّكم أهل بيت قد أكرمكم الله بنصرة آل محمّد، وقد رُكبَ منهم ما قد علمتَ، وحُرموا ومُنعوا حقّهم وصاروا إلى ما رأيتَ، وقد كتب إليك المهدى كتابًا، وهؤلاء الشهود عليه. فقال يزيد بن أنس الأسدى وأحمر بن شُميط البَجَلى وعبد الله بن كامل الشاكرى وأبو عَمْرة كيسان مولى بَجيلة: نشهد أنّ هذا كتابه قد شهدناه حين دفعه إليه. فقبضه إبراهيم وقرأه ثمّ قال: أنا أوّل من يجيب وقد أمرنا بطاعتك ومؤازرتك فقل ما بدا لك وادْعُ إلى ما شئت (١). ثمّ كان إبراهيم يركب إليه في كلّ يوم فزرع ذلك في صدور النَّاس، وورد الخبر على ابن الزبير فتنكّر لمحمّد بن الحنفيّة، وجعل أمر المختار يغلظ في كلّ يوم ويكثر تَبَعُه، وجعل يتتبّع قتلة الحسين ومن أعان عليه فيقتلهم، ثمّ بعثَ إبراهيمَ بن الأشتر في عشرين ألفًا إلى عبيد الله بن زياد فقتله وبعث برأسه إلى المختار فعمد إليه المختار فجعله في جُونة، ثمّ بعث به إلى محمّد بن الحنفيّة وعليّ بن الحسين وسائر بنى هاشم (٢). فلمّا رأى عليّ بن حسين رأس عبيد الله ترحّم على الحسين وقال: أُتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين وهو يتغدّى، وأُتينا برأس عبيد الله ونحن نتغدّى، ولو لم يبقَ من بنى هاشم أحد إِلَّا قام بخطبة في الثناء على المختار والدعاء له وجميل القول فيه (٣). وكان ابن الحنفيّة يكره أمر المختار وما يبلغه عنه ولا يحبّ كثيرًا ممّا يأتى به، وكان ابن عبّاس يقول: أصاب بثأرنا وأدرك وَغْمنا (٤) وآثرنا ووصلنا. فكان يُظْهِر الجميل فيه للعامّة. فلمّا اتّسق الأمر للمختار كتب لمحمّد بن عليّ المهديّ: من المختار بن أبى عبيد الطالب بثأر آل محمّد، أمّا بعد فإنّ الله تبارك

стр. 2842

وتعالى لم ينتقم من قوم حتّى يُعْذِر إليهم، وإنّ الله قد أهلك الفسقة وأشياع الفسقة وقد بقيت بقايا أرجو أن يُلْحِق الله آخرهم بأوّلهم (١). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا ربيعة بن عثمان ومحمّد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير وإسحاق بن يحيَى بن طلحة وهشام بن عمارة عن سعيد بن محمّد بن جُبير بن مُطْعم والحسين بن الحسن بن عطّية العوفى عن أبيه عن جدّه وغيرهم أيضًا قد حدّثنى قالوا: لمّا جاء نعى معاوية بن أبي سفيان إلى المدينة كان بها يومئذٍ الحسين بن عليّ ومحمّد بن الحنفيّة وابن الزبير، وكان ابن عبّاس بمكّة. فخرج الحسين وابن الزبير إلى مكّة، وأقام ابن الحنفيّة بالمدينة حتّى سمع بدنوّ جيش مُسْرِف وأيّام الحرّة فرحل إلى مكّة فأقام مع ابن عبّاس، فلمّا جاء نعى يزيد بن معاوية وبايع ابن الزبير لنفسه ودعا النَّاس إليه دعا ابن عبّاس ومحمّد بن الحنفيّة إلى البيعة له فأبيا يبايعان له وقالا: حتّى يجتمع لك البلاد ويتّسق لك النَّاس. فأقاما على ذلك ما أقاما، فمرّة يكاشرهما ومرّة يلين لهما ومرّة يباديهما، ثمّ غلظ عليهما فوقع بينهم كلام وشرّ، فلم يزل الأمر يغلظ حتّى خافا منه خوفًا شديدًا ومعهما النساء والذرّيّة، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم، وقصد لمحمد بن الحنفيّة فأظهر شتمه وعيّبه وأمره وبنى هاشم أن يلزموا شعبهم بمكّة، وجعل عليهم الرقباء وقال لهم فيما يقول: والله لتُبَايعُنّ أو لأحْرقنّكم بالنار. فخافوا على أنفسهم (٢). قال سُليم أبو عامر: فرأيتُ محمّد بن الحنفيّة محبوسًا في زَمْزَم والناس يُمْنَعون من الدخول عليه فقلتُ: واللْه لأدخلنّ عليه، فدخلتُ فقلتُ: ما بالك وهذا الرجلَ؟ فقال: دعانى إلى البيعة فقلت إنّما أنا من المسلمين فإذا اجتمعوا عليك فأنا كأحدهم، فلم يرضَ بهذا منى، فاذْهب إلى ابن عبّاس فأقْرِئْه منى السلامَ وقل يقول لك ابن عمّك ما ترى؟ (٣). قال سُليم: فدخلتُ على ابن عبّاس وهو ذاهب البَصَر فقال: من أنت؟

стр. 2843

فقلت: أنصاريّ، فقال: رُبّ أنصاريّ هو أشدّ علينا من عدوّنا. فقلت: لا تخف، أنا ممّن لك كلّه. قال: هاتِ. فأخبرتُه بقول ابن الحنفيّة فقال: قل له لا تُطِعْه ولا نعمة عين إِلَّا ما قلتَ: لا تزده عليه. فرجعتُ إلى ابن الحنفيّة فأبلغتُه ما قال ابن عبّاس، فهمّ ابن الحنفيّة أن يقدم إلى الكوفة وبلغ ذلك المختار فثقُل عليه قدومه فقال: إنّ في المهدى علامة يقدم بلدكم هذا فيضربه رجل في السوق بالسيف لا تضرّه ولا تحيك فيه (١). فبلغ ذلك ابن الحنفيّة فأقام فقيل له: لو بعثتَ إلى شيعتك بالكوفة فأعلمتهم ما أنتم فيه. فبعث أبا الطّفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة، فقدم عليهم فقال: إنّا لا نأمن ابن الزبير على هؤلاء القوم. وأخبرهم بما هم فيه من الخوف، فقطع المختار بعثًا إلى مكّة فانتدب منهم أربعة آلاف، فعقد لأبي عبد الله الجَدَلى عليهم وقال له: سِرْ فإن وجدتَ بنى هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضدًا وانْفذ لما أمروك به، وإن وجدتَ ابن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكّة حتّى تصل إلى ابن الزبير ثمّ لا تدع من آل الزُّبير شُفْرًا ولا ظُفْرًا. وقال: يا شرطة الله لقد أكرمكم الله بهذا المسير ولكم بهذا الوجه عشر حِجَج وعشر عُمَر. وسار القوم ومعهم السلاح حتّى أشرفوا على مكّة فجاء المستغيث: اعْجلوا فما أُراكم تدركونهم. فقال النَّاس: لو أنّ أهل القوّة عجّلوا. فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عَطيّة بن سعد بن جُنادة العَوْفى حتّى دخلوا مكّة فكبّروا تكبيرة سمعها ابن الزبير فانطلق هاربًا حتّى دخل دار النَّدْوَه، ويقال بل تعلّق بأستار الكعبة وقال: أنا عائذ الله (٢). قال عطيّة: ثمّ مِلْنا إلى ابن عبّاس وابن الحنفيّة وأصحابهما في دور قد جُمع لهم الحطب فأحيط بهم حتّى بلغ رءوس الجُدُر، لو أنّ نارًا تقع فيه ما رُئى منهم أحد حتّى تقوم الساعة، فأَخَّرْناه عن الأبواب، وعجل علي بن عبد الله بن عبّاس، وهو يومئذٍ رجل، فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه، وأقبل أصحاب

стр. 2844

ابن الزبير فكنّا صفّين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلّا إلى صلاة حتّى أصبحنا. وقدم أبو عبد الله الجَدَلى في النَّاس فقلنا لابن عبّاس وابن الحنفيّة: ذرونا نُرِح الناسَ من ابن الزبير. فقالا: هذا بلد حرّمه الله، ما أحلّه لأحد إِلَّا للنبيّ، ﵇، ساعةً ما أحلّه لأحدٍ قبله ولا يحلّه لأحدٍ بعده، فامنعونا وأجيرونا (١). قال: فتحمّلوا وإن مناديًا لينادى في الجبل: ما غنمتْ سريّة بعد نبيّها ما غنمت هذه السريّة، إنّ السرايا تغنم الذهب والفضة وإنّما غنمتم دماءنا. فخرجوا بهم حتّى أنزلوهم مِنًى فأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا ثمّ خرجوا إلى الطائف فأقاموا ما أقاموا. وتوفّى عبد الله بن عبّاس بالطائف سنة ثمانٍ وستّين وصلّى عليه محمّد بن الحنفيّة، وبقينا مع ابن الحنفيّة. فلمّا كان الحجّ وحجّ ابن الزبير من مكّة فوافى عَرَفة في أصحابه، ووافى محمّد بن الحنفيّة من الطائف في أصحابه، فوقف بعرفة. ووافَى نَجْدة بن عامر الحنفى تلك السنة في أصحابه من الخوارج فوقف ناحيةً. وحجّت بنو أميّة على لواء فوقفوا بعرفة فيمن معهم (٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا شُرَحْبيل بن أبي عَوْن، عن أبيه قال: وقفتْ في هذه السنة أربعة ألوية بعرفة: محمّد بن الحنفيّة في أصحابه على لواء قام عند حَبْل المشاة، وحجّ ابن الزبير في أصحابه معه لواء فقام مقام الإمام اليومَ، ثمّ تقدّم محمّد بن الحنفيّة بأصحابه حتّى وقف حذاء ابن الزبير، ووافى نَجْدة الحرورى في أصحابه ومعه لواء فوقف خلفهما، ووافتْ بنو أميّة ومعهم لواء فوقفوا عن يسارهما. فكان أوّل لواء أنغض لواء محمّد بن الحنفيّة، ثمّ تبعه نجدة، ثمّ لواء بنى أُميّة، ثمّ لواء ابن الزبير واتّبعه النّاس. أخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثنى عبد الله بن نافع، عن أبيه قال: لم يدفع ابن الزبير تلك العشيّة إِلَّا بدفعة ابن عمر، فلمّا أبطأ ابن الزبير، وقد مضى ابن الحنفيّة ونجدة وبنو أميّة، قال ابن عمر: أينتظر ابن الزبير أمر الجاهليّة؟ ثمّ دفع فدفع ابن الزبير على أثره.

стр. 2845

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدَّثنى الضحّاك بن عثمان، عن مَخْرَمة بن سليمان قال: سمعتُ ابن الحنفيّة يقول: دفعتُ من عرفة حين وجبت الشمس وتلك السّنّة فبلغنى أنّ ابن الزبير يقول: عجّل محمدُ عجّل محمدُ، فعمّن أخذ ابنُ الزبير الإغساق؟ أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى هشام بن عُمارة، عن سعيد بن محمّد بن جُبير عن أبيه قال: أقام الحجّ تلك السنة ابن الزبير وحجّ عامئذٍ محمّد بن الحنفيّة في الخَشَبيّة معه، وهم أربعة آلاف نزلوا في الشِّعْب الأيسر من منًى. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى إسرائيل عن ثُوير قال: رأيتُ ابن الحنفيّة في الشِّعْب الأيسر من مِنًى في أصحابه. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى هشام بن عُمارة، عن سعيد بن محمّد بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه قال: خفتُ الفتنة فمشيتُ إليهم جميعًا فجئتُ محمّد بن عليّ في الشِّعب فقلت: يا أبا القاسم اتّقِ الله فإنّا في مشعرٍ حرام وبلدٍ حرام، والناس وَفْدُ الله إلى هذا البيت، فلا تُفْسد عليهم حجّهم. فقال: والله ما أريد ذلك وما أحول بين أحدٍ وبين هذا البيت، ولا يُؤْتَى أحد من الحاجّ من قِبَلى ولكنى رجلٌ أدفع عن نفسى من ابن الزبير وما يريد منى، وما أطلب هذا الأمر إِلَّا أن لا يختلف عليّ فيه اثنان، ولكن ائْتِ ابن الزبير فكلّمه وعليك بنَجْدة فكلّمْه. قال محمّد بن جُبير: فجئتُ ابن الزبير فكلّمتُه بنحوٍ ممّا كلّمت به ابن الحنفيّة فقال: أنا رجل قد اجتُمع عليّ وبايعنى النَّاس، وهؤلاء أهل خلاف. فقلتُ: إنّ خيرًا لك الكفّ، فقال: أفْعَلُ. ثمّ جئتُ نجدة الحرورى، فأجدُه في أصحابه وأجد عِكْرِمة غلام ابن عبّاس عنده، فقلتُ: استأذنْ لى على صاحبك، قال فدخل فلم ينشب أن أذن لى فدخلتُ فعظّمت عليه وكلّمتُه بما كلّمتُ به الرجلين فقال: أمّا أن أبتدئ أحدًا بقتال فلا ولكن منْ بدأنا بقتال قاتلناه. قلت: فإنى رأيت الرجلين لا يريدان قتالك. ثمّ جئتُ شيعة بنى أميّة فكلّمتهم بنحوٍ ممّا كلّمتُ به القوم فقالوا: نحن على لوائنا لا نقاتل أحدًا إِلَّا أن يقاتلنا. فلم أرَ في تلك الألوية أسْكَنَ ولا أسلم دفعةً من أصحاب ابن الحنفيّة (١).

стр. 2846

قال محمّد بن جُبير: وقفتُ تلك العشيّة إلى جنب محمّد بن الحنفيّة فلمّا غابت الشمس التفتَ إليّ فقال: يا أبا سعيد ادْفَع، فدفع ودفعتُ معه فكان أوّل من دفع (١). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا شُرَحْبيل بن أبي عَوْن عن أبيه قال: رأيتُ أصحاب ابن الحنفيّة يلبّون بعرفة ورمقتُ ابن الزبير وأصحابه فإذا هم يلبّون حتّى زاغت الشمس، ثمّ قُطع، وكذلك فعلت بنو أميّة. وأمّا نَجْدة فلبّى حتّى رمى جَمْرة العَقَبة. أخبرنا المعلّى بن أسد قال: حدّثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدّثنا خالد قال: حدّثنى أبو العُرْيان المُجاشعى قال: بعثنا المختار في ألفى فارس إلى محمّد بن الحنفيّة، قال: فكنّا عنده، قال: فكان ابن عبّاس يذكر المختار فيقول: أدرك ثأرنا وقضى ديوننا وأنفق علينا. قال: وكان محمّد بن الحنفيّة لا يقول فيه خيرًا ولا شرًّا، قال: فبلغ محمدًا أنّهم يقولون إنّ عندهم شيئًا، أى من العلم، قال: فقام فينا فقال: إنّا والله ما ورثنا من رسول الله إِلَّا ما بين هذين اللوحين. ثمّ قال: اللهمّ حِلًّا وهذه الصحيفة في ذؤابة سيفى. قال فسألتُ: وما كان في الصحيفة؟ قال: من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا. أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنى الوليد الرمّاح قال: بلغنا أنّ محمّد بن عليّ أخرج من مكّة فنزل شعب عليّ فخرجنا من الكوفة لنأتيه فلقينا ابن عبّاس، وكان ابن عبّاس معه في الشعب فقال لنا: احصوا سلاحكم ولبّوا بعمرة، ثمّ ادْخلوا البيت وطوفوا به وبين الصفا والمروة. أخبرنا هَوْذة بن خليفة قال: حدّثنا عوف عن ميمون عن وردان قال: كنت في العصابة الذين انتدبوا إلى محمّد بن عليّ، قال: وكان ابن الزبير قد منعه أن يدخل مكّة حتّى يبايعه فأبَى أن يبايعه، قال: فانتهينا إليه فأراد أهل الشأم فمنعه عبد الملك أن يدخلها حتّى يبايعه فأبَى عليه، قال: فسرنا معه ما سرنا ولو أمرنا بالقتال لقاتلنا معه، فجمعنا يومًا فقسم فينا شيئًا وهو يسير، ثمّ حمد الله وأثنى

стр. 2847

عليه ثمّ قال: الحقوا برحالكم واتّقوا الله وعليكم بما تعرفون ودعُوا ما تُنْكِرون وعليكم بخاصّة أنفسكم ودعوا أمر العامّة واستقروا عن أمرنا كما استقرت السماء والأرض، فإنّ أمرنا إذا جاء كان كالشمس الضاحية. قالوا: وقُتل المختار بن أبي عبيد في سنة ثمانٍ وستّين، فلمّا دخلت سنة تسعٍ وستيّن أرسل عبد الله بن الزبير عُرْوة بن الزبير إلى محمّد بن الحنفيّة: إنّ أمير المؤمنين يقول لك إنى غير تاركك أبدًا حتّى تبايعنى أو أعيدك في الحبس وقد قتل الله الكذّاب الذى كنتَ تدّعى نصرته، وأجمع عليّ أهلُ العراقين، فبايْع لى وإلّا فهى الحرب بيني وبينك إن امتنعتَ. فقال ابن الحنفيّة لعروة: ما أسرع أخاك إلى قطع الرحم والاستخفاف بالحقّ، وأغفله عن تعجيل عقوبة الله، ما يشكّ أخوك في الخلود وإلّا فقد كان أحمد للمختار ولهديه منى، والله ما بعثتُ المختار داعيًا ولا ناصرًا، وللمختار كان إليه أشدّ انقطاعًا منه إلينا، فإن كان كذّابًا فطالما قرّبه على كذبه، وإن كان على غير ذلك فهو أعلمُ به، وما عندى خلاف، ولو كان خلاف ما أقمتُ في جواره ولخرجتُ إلى من يدعونى فأبيت ذلك عليه، ولكن هاهنا والله لأخيك قرينًا يطلب مثل ما يطلب أخوك، كلاهما يقاتلان على الدنيا: عبد الملك بن مروان. والله لكأنّك بجيوشه قد أحاطت برقبة أخيك وإنى لأحسب أنّ جوار عبد الملك خير لى من جوار أخيك، ولقد كتب إليّ يعرض عليّ ما قِبَله ويدعونى إليه (١). قال عروة: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أستخير الله وذلك أحبّ إلى صاحبك. قال: أذكر ذلك له. فقال بعض أصحاب محمّد بن الحنفيّة: والله لو أطعتَنا لضربنا عنقه. فقال ابن الحنفيّة: وعَلَام أضرب عنقه؟ جاءنا برسالة من أخيه وجاورنا فجرى بيننا وبينه كلام فرددناه إلى أخيه. والذى قلتم غدر وليس في الغدر خير، لو فعلتُ الذى تقولون لكان القتال بمكّة وأنتم تعلمون أنّ رأيى لو اجتمع النَّاس عليّ كلّهم إِلَّا إنسان واحد لمّا قاتلتُه. فانصرف عروة فأخبر ابن الزبير بما قال له محمّد بن الحنفيّة، قال والله ما أرى أن تعرض له، دَعْه فليخرج

стр. 2848

عنك ويغيّب وجهه فعبد الملك أمامه لا يتركه يُحلّ بالشأم حتّى يبايعه، وابن الحنفيّة لا يبايعه أبدًا حتّى يجتمع النَّاس عليه، فإن صار إليه كفاكه إمّا حَبَسَهُ وإمّا قَتَله فتكون أنت قد برئت من ذلك. فأفثأ ابن الزبير عنه (١)؟ فقال أبو الطّفيل: وجاء كتاب من عبد الملك بن مروان ورسول حتّى دخل الشِّعْبَ فقرأ محمّد بن الحنفيّة الكتاب. فقرأ كتابًا لو كتب به عبد الملك إلى بعض إخوته أو ولده ما زاد على ألطافه، وكان فيه: إنّه قد بلغنى أنّ ابن الزبير قد ضيّق عليك وقطع رحمك واستخفّ بحقّك حتّى تبايعه فقد نظرت لنفسك ودينك وأنت أعرف به حيث فعلتَ ما فعلت، وهذا الشأم فأنْزل منه حيث شئتَ فنحن مكرموك وواصلو رحمك وعارفو حقّك. فقال ابن الحنفيّة لأصحابه: هذا وجه نخرج إليه. قال فخرج وخرجنا معه ومعه كُثَيّر عَزّة ينشد شعرًا: أنْتَ إمَامُ الحَقّ لَسْنا نَمْتَرِىْ … أنْتَ الّذى نَرْضَى بهِ ونَرْتَجِىْ أنْتَ ابنُ خَيرِ النّاسِ من بَعد النَّبِيِّ … يا بنَ عليّ سِرْ وَمَنْ مثلُ عَلِىْ حتّى تَحُلّ أرْضَ كَلْبٍ وبلىْ قال أبو الطُّفيل: فسرنا حتّى نزلنا أيْلة فجاورونا بأحسن جوار وجاورناهم بأحسن ذلك وأحبّوا أبا القاسم حبًّا شديدًا وعظّموه وأصحابه، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ولا يُظْلَم أحد من النَّاس قرْبنا ولا بحضرتنا. فبلغ ذلك عبد الملك فشقّ ذلك عليه وذكره لقبيصة بن ذُؤيب ورَوْح بن زِنْباع وكانا خاصّته فقالا: ما نرى أن ندعه يقيم في قُرْبه منك وسيرته سيرته حتّى يبايع لك أو تصرفه إلى الحجاز. فكتب إليه عبد الملك: إنّك قدمت بلادى فنزلت في طرفٍ منها، وهذه الحرب بينى وبين ابن الزبير كما تعلم، وأنت لك ذكر ومكان، وقد رأيتُ أن لا تقيم في سلطانى إِلَّا أن تبايع لى، فإن بايعتنى فخذ السفن التى قدمت علينا من القُلْزُم وهى مائة مركب فهى لك وما فيها، ولك ألفًا ألف درهم أعجّل لك منها خمسمائة ألف وألف ألف وخمسمائة ألف آتِيَتُك مع ما أردتَ من فريضة لك ولولدك ولقرابتك ومواليك ومن معك، وإن أبيتَ فتحوّلْ عن بلدى إلى موضعٍ

стр. 2849

لا يكون لى فيه سلطان. قال فكتب إليه محمّد بن عليّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمّد بن عليّ إلى عبد الملك بن مروان، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إِلَّا هو، أمّا بعد فقد عرفتَ رأيى في هذا الأمر قديمًا، وإنى لستُ أسفهُه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمّة عليّ إِلَّا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدًا ولا اعتزلتهم حتّى يجتمعوا. نزلت مكّة فرارًا ممّا كان بالمدينة فجاورتُ ابن الزبير فأساء جوارى وأراد منى أن أبايعه فأبيتُ ذلك حتّى يجتمع النَّاس عليك أو عليه، ثمّ أدخُل فيما دخل فيه النَّاس فأكون كرجلٍ منهم، ثمّ كتبتَ إليّ تدعونى إلى ما قِبلَك فأقبلتُ سائرًا فنزلتُ في طرف من أطرافك، والله ما عندى خلاف ومعى أصحابي فقلنا بلاد رخيصة الأسعار وندنو من جوارك ونتعرّض صلتك. فكتبتَ بما كتبت به ونحن منصرفون عنك إن شاء الله. أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو عَوانة، عن أبي جَمْرَة (١) قال: كنتُ مع محمّد بن عليّ فسرنا من الطائف إلى أيْلة بعد موت ابن عبّاس بزيادة على أربعين ليلة. قال وكان عبد الملك قد كتب لمحمد عهدًا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتّى يصطلح النَّاس على رجل، فإذا اصطلحوا على رجل بعهد من الله وميثاق كتبه عبد الملك. فلمّا قدم محمّد الشأم بعث إليه عبد الملك: إمّا أن تبايعنى وإمّا أن تخرج من أرضى -ونحن يومئذٍ معه سبعة آلاف- فبعث إليه محمّد بن عليّ: على أن تُؤَمِّن أصحابي، ففعل، فقام محمّد فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: الله وليّ الأمور كلّها وحاكمها، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كلّ ما هو آتٍ قريب، عجلتم بالأمر قبل نزوله، والذى نفسى بيده إنّ في أصلابكم لمن يقاتل مع آل محمّد ما يخفى على أهل الشرك أمرُ آل محمّد وأمر آل محمّد مستأخر. والذى نفس محمّد بيده ليعودنّ فيكم كما بدأ. الحمد الله الذى حقن دماءكم وأحرز دينكم! من أحبّ منكم أن يأتى مأمنه إلى بلده آمنا محفوظًا فليفعل. فبقى معه تسعمائة رجلٍ فأحرم بعمرة وقلّد هديًا فعمدنا إلى البيت فلمّا أردنا أن ندخل الحرم تلقّتْنا خيل ابن الزبير فمنعتنا أن ندخل، فأرسل إليه محمّد: لقد خرجتُ وما أريد أن أقاتلك ورجعتُ وما أريد أن أقاتلك، دَعْنا

стр. 2850

فلندخل ولنَقْضِ نسكنا ثمّ لنخرج عنك. فأبَى، ومعنا البُدُن قد قلّدناها، فرجعنا إلى المدينة فكنّا بها حتّى قدم الحجّاج فقتل ابن الزبير ثمّ سار إلى البصرة والكوفة، فلمّا سار مضينا فقضينا نسكنا. وقد رأيتُ القمل يتناثر من محمّد بن عليّ. فلمّا قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة فمكث ثلاثة أشهر ثمّ توفّى (١). أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسماعيل بن مسلم الطائى عن أبيه قال: كتب عبد الملك بن مروان: من عبد الملك أمير المؤمنين إلى محمّد بن عليّ. فلمّا نظر إلى عنوان الصحيفة قال: إنّا لِلَّه وَإنّا إلَيهِ راجعُونَ، الطُّلَقاء ولُعنَاء رسول الله، ﷺ ، على منابر النَّاس، والذى نفسى بيده إنّها لأمور لم يقرّ قرارها. قال أبو الطّفيل: فانصرفنا راجعين فأذن للموالى ولمن كان معه من أهل الكوفة والبصرة فرجعوا من مَدْيَن، ومضينا إلى مكّة حتّى نزلنا معه الشّعْب بمنى، فما مكثنا إِلَّا ليلتين أو ثلاثًا حتّى أرسل إليه ابن الزبير أن اشخص من هذا المنزل ولا تجاورنا فيه. قال ابن الحنفيّة: اصْبر وما صبرك إِلَّا بالله وما هو بعظيم من لا يصبر على ما لا يجد من الصبر عليه بُدًّا حتّى يجعل الله له منه مخرجًا، والله ما أردتُ السيف ولو كنتُ أريده ما تعبّث بي ابن الزبير ولو كنتُ أنا وحدى ومعه جموعه التي معه، ولكن والله ما أردتُ هذا وأرى ابن الزبير غير مُقْصِر عن سوء جوارى فسأتحوّل عنه. ثمّ خرج إلى الطائف فلم يزل بها مقيمًا حتّى قدم الحجّاج لقتال ابن الزبير لهلال ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين، فحاصر ابن الزبير حتّى قتله يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة. وحجّ ابن الحنفيّة تلك السنة من الطائف ثمّ رجع إلى شعبه فنزله. أخبرنا محمّد بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي الموال، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحنفيّة عن أبيه قال: لمّا صار محمّد بن عليّ إلى الشعب سنة اثنتين وسبعين وابن الزبير لم يُقْتل والحجّاج محاصره أرسل إليه أن يبايع لعبد الملك، فقال ابن الحنفيّة: قد عرفتَ مقامى بمكّة وشخوصى إلى الطائف وإلى الشأم، كلّ هذا إباء منى أن أبايع ابن الزبير أو عبد الملك حتّى يجتمع النَّاس على

стр. 2851

أحدهما، وأنا رجل ليس عندى خلاف، لمّا رأيتُ النَّاس اختلفوا اعتزلتهم حتّى يجتمعوا، فأويتُ إلى أعظم بلاد الله حرمة يأمن فيه الطير فأساء ابن الزبير جوارى، فتحوّلتُ إلى الشأم فكره عبد الملك قُرْبى، فتحوّلت إلى الحرم فإن يُقتْل ابن الزبير ويجتمع النَّاس على عبد الملك أبايعك. فأبَى الحجّاج أن يرضى بذلك منه حتّى يبايع لعبد الملك، فأبَى ذلك ابن الحنفيّة وأبَى الحجّاج أن يُقِرّه على ذلك. فلم يزل محمّد يدافعه حتّى قُتل ابن الزبير. أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسدى قالا: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدّثنى سهل بن عُبيد بن عمرو الحارثى قال: لمّا بعث عبد الملك الحجّاج إلى مكّة والمدينة قال له: إنّه ليس لك على محمّد بن الحنفيّة سلطان. قال فلمّا قدم الحجّاج أرسل إليه الحجّاج يتوعّده ثمّ قال: إنى لأرجو أن يمكّن الله منك يومًا من الدهر ويجعل لى عليك سلطانا فأفعلُ وأفعلُ. قال: كذبتَ يا عدوّ نفسه! هل شعرتَ أنْ لله في كلّ يومٍ ستّون وثلاثمائة لحظة أو نفحة؟ فأرجو أن يرزقنى الله بعض لحظاته أو نفحاته فلا يجعل لك على سلطانًا. قال فكتب بها الحجّاج إلى عبد الملك فكتب بها عبد الملك إلى صاحب الروم فكتب إليه صاحب الروم: إنّ هذه والله ما هى من كنزك ولا كنز أهل بيتك ولكنّها من كنز أهل بيت نبوّة. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر عن صالح بن كَيْسان، عن الحسن بن محمّد بن عليّ قال: لم يبايع أبي الحجّاج، لمّا قُتل ابن الزبير بعث الحجّاج إليه فجاء فقال: قد قتل الله عدوّ الله، فقال ابن الحنفيّة: إذا بايع النَّاس بايعتُ. قال: والله لأقتلنّك! قال: أو لا تدرى أنْ لله في كلّ يومٍ ثلاثمائة وستّون لحظة في كلّ لحظة ثلائمائة وستّون قضيّة؟ فلعلّه يكفيناك في قضيّة من قضاياه (١). قال فكتب بذلك الحجّاج إلى عبد الملك فأتاه كتابه فأعجبه، وكتب به إلى صاحب الروم، وذلك أنّ صاحب الروم كتب إليه يهدّده أنَّه قد جمع له جموعًا كثيرة، فكتب عبد الملك بذلك الكلام إلى صاحب الروم، وكتب: قد عرفنا أنّ

стр. 2852

محمدًا ليس عنده خلاف وهو يأتيك ويبايعك فارْفق به. فلمّا اجتمع النَّاس على عبد الملك وبايع ابن عمر قال ابن عمر لابن الحنفيّة: ما بقى شيء فبايعْ. فكتب ابن الحنفيّة إلى عبد الملك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من محمّد بن عليّ، أمّا بعد فإنِّي لمّا رأيتُ الأمّة قد اختلفت اعتزلتهم، فلمّا أفضى هذا الأمر إليك وبايعك النَّاس كنت كرجلٍ منهم أدخل في صالح ما دخلوا فيه، فقد بايعتُك وبايعتُ الحجّاج لك وبعثتُ إليك ببيعتى، ورأيتُ النَّاس قد اجتمعوا عليك، ونحن نحبّ أن تُؤمننا وتُعطينا ميثاقًا على الوفاء فإنّ الغدر لا خير فيه، فإن أبيتَ فإنّ أَرْضَ الله واسعَةٌ (١). فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب قال قَبيصة بن ذُؤيب ورَوْح بن زِنْباع: ما لك عليه سبيل، ولو أراد فتقًا لقدر عليه، ولقد سلم وبايع فنرى أن تكتب إليه بالعهد والميثاق بالأمان له والعهد لأصحابه. ففعل فكتب إليه عبد الملك: إنّك عندنا محمود، أنت أحبّ وأقربُ بنا رحمًا من ابن الزبير، فلك العهد والميثاق وذمّة الله وذمّة رسوله أن لا تُهاج ولا أحد من أصحابك بشيء تكرهه، ارْجع إلى بلدك واذْهَب حيث شئت، ولستُ أدعُ صلتك وعونك ما حييتُ. وكتب إلى الحجّاج يأمره بحسن جواره وإكرامه، فرجع ابن الحنفيّة إلى المدينة (٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: لمّا صار محمّد بن عليّ إلى المدينة وبنى داره بالبقيع كتب إلى عبد الملك يستأذنه في الوفود عليه، فكتب إليه عبد الملك يأذن له في أن يقدم عليه، فوفد عليه سنة ثمانٍ وسبعين وهى السنة التى مات فيها جابر بن عبد الله، فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له بمنزل قريب منه، وأمر أن يُجرى عليه نُزْل يكفيه ويكفى من معه. وكان يدخل على عبد الملك في إذْن العامّة، إذا أذن عبد الملك بدأ بأهل بيته ثمّ أذن له فسلّم، فمرَّة يجلس ومرَّة ينصرف. فلمّا مضى من ذلك شهر أو قريب منه كلّم عبد الملك خاليًا فذكر قرابته ورحمه وذكر دَيْنًا عليه فوعده عبد الملك أن يقضى دينه وأن يصل رحمه

стр. 2853

وأمره أن يرفع حوائجه. فرفع محمّد دينه وحوائجه وفرائضَ لولده ولغيرهم من حامّته (١) ومواليه فأجابه عبد الملك إلى ذلك كلّه وتعسّر عليه في الموالى أن يفرض لهم وألحّ عليه محمّد ففرض لهم فقصّر بهم فكلّمه فرفع في فرائضهم، فلم يبقَ له حاجة إلَّا قضاها، واستأذنه في الانصراف فأذن له. أخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال ابن الحنفيّة: وفدتُ على عبد الملك فقضى حوائجى وودّعته، فلمّا كدتُ أن أتوارى من عينيه نادانى: أبا القاسم أبا القاسم! فكررتُ فقال لى: أما تعلم أنّ الله يعلم أنّك يوم تصنع بالشيخ ما تصنع ظالم له؟ يعنى حين أخذ ابن الحنفيّة مروان بن الحكم يوم الدار فدعثه بردائه. قال عبد الملك: وأنا أنظر إليه ولى يومئذٍ ذؤابة. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدَّثَنِى موسى بن عُبيدة، عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب قال: وفدتُ مع أبان بن عثمان على عبد الملك بن مروان وعنده ابن الحنفيّة، فدعا عبد الملك بسيف النبيّ، ﷺ ، فأُتى به ودعا بصيقل (٢) فنظر إليه فقال: ما رأيتُ حديدة قطّ أجود منها. قال عبد الملك: ولا والله ما أرى النَّاس مثل صاحبها. يا محمّد هَبْ لى هذا السيف. فقال محمّد: أيّنا رأيت أحقّ به فليأخذه. قال عبد الملك: إن كان لك قرابة فلكلٍّ قرابةٌ وحقّ. قال فأعطاه محمّد عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا -يعنى الحجاج وهو عنده- قد آذانى واستخفّ بحقّى، ولو كانت خمسة دراهم أرسل إليَّ فيها. فقال عبد الملك: لا إمرة لك عليه (٣). فلمّا ولّى محمّد قال عبد الملك للحجّاج: أدركْه فسُلّ سَخِيمَتَهُ فأدركه فقال: إن أمير المؤمنين أرسلنى إليكَ لأَسُلَّ سخيمتك ولا مرحبًا بشيء ساءك. فقال محمّد: ويحك يا حجّاج اتّقِ الله واحذر الله، ما من صباح يصبحه العباد إِلَّا لله في كلّ عبد من عباده ثلاثمائة وستّون لحظة، إن أخذ، أخذ بمقدرة، وإن عفا، عفا بحلم، فاحْذر الله. فقال له الحجّاج: لا تسألنى شيئًا إلّا أعطيتُكه. فقال له محمّد:

стр. 2854

وتفعل؟ قال له الحجّاج: نعم. قال: فإنّى أسألك صَرْم الدهر. قال فذكر الحجّاج ذلك لعبد الملك، فأرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت فذكر له الذى قال محمّد وقال: إنّ رجلًا منّا ذكر حديثًا ما سمعناه إِلَّا منه. وأخبره بقول محمّد، فقال رأس الجالوت: ما خرجت هذه الكلمة إلّا من بيت نبوّة (١). أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنّ الحجّاج أراد أن يضع رجله على المقام فزجره ابن الحنفيّة ونهاه (٢). أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: حدّثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجَعْد قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة دخل الكعبة فصلّى في كلّ زاوية ركعتين، ثمانى ركعات. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان قال: قال محمّد بن الحنفيّة: لا تذهب الدنيا حتّى تكون خصومات النَّاس في ربّهم. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يرمى الجمار على برذون أشهب (٣). قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد قال: حدّثنى سفيان التمّار قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة موسعًا رأسه بالحنّاء والكتم يوم التروية وهو محرم (٤). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل قال: حدّثنى ثُوير قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة يخضب بالحناء والكتم. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى مروان بن معاوية عن سفيان التمّار قال: رأيتُ ابن الحنفيّة أشعر بُدُنه في الشقّ الأيمن. أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: حدّثنا سفيان عن سليمان الشيباني قال: رأيتُ على محمّد بن الحنفيّة مِطْرَف خزّ أصفر بعرفة (٥).

стр. 2855

أخبرنا أبو معاوية الضرير عن أبي إسحاق الشيباني قال: رأيتُ على ابن الحنفيّة مطرف خزّ بعرفات. أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن رِشْدين قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة يعتمّ بعمامةٍ سوداء حَرَقانيّة ويُرْخيها شِبرًا أو أقل من شبر (١). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيتُ على محمّد بن الحنفيّة عمامة سوداء. أخبرنا القاسم بن مالك المُزَنى عن نصر بن أوس قال: رأيتُ على محمّد بن على بن الحنفيّة ملحفة صفراء وسخة. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: قال لى محمّد بن الحنفيّة: ما منعك أن تلبس الخزّ فإنّه لا بأس به؟ قلت: إنّه يُجْعل فيه الحرير. أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: حدّثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يخضب بالحنّاء والكتم فقلتُ له: أكان عليّ يخضب؟ قال: لا، قلت: فما لك؟ قال: أتشبّب به للنساء (٢). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدثّنا أبو نُعيم الخزّاز قال: سمعتُ صالح بن ميسم قال: رأيتُ في يد محمّد بن عليّ بن الحنفيّة أثر الحنّاء فقلتُ له: ما هذا؟ فقال: كنتُ أخضب أمّي. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسَديّ وقَبيصة بن عُقْبة قالا: حدّثنا سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن أبي يَعْلى عن محمّد بن الحنفيّة أنّه كان يذوّب أمّه ويمشطها. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة مخضوبًا بالحنّاء، ورأيته مكحول العينين، ورأيتُ عليه عمامة سوداء.

стр. 2856

أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: أرسلنى أبي إلى محمّد بن الحنفيّة فدخلتُ عليه وهو مكحّل العينين مصبوغ اللحية بحمرة فرجعتُ إلى أبي فقلت: أرسلتني إلى شيخ مخنّث! فقال: يا ابن اللخناء ذاك محمّد بن عليّ. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا فِطْر بن خليفة عن منذر الثورى عن ابن الحنفيّة أنّه كان يشرب نبيذ الدّنّ. أخبرنا محمّد بن الصّلْت قال: حدّثنا ربيع بن المنذر عن أبيه قال: كنّا مع ابن الحنفيّة، فأراد أن يتوضّأ وعليه خفّان، فنزع خُفَّيْه، ومسح على قدميه (١). أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابي عن إسماعيل الأزرق عن أبى عمر أنّ ابن الحنفيّة كان يغتسل في العيدين وفي الجمعة وفي الشعب. قال وكان يغسل أثر المحاجم. أخبرنا يَعْلى بن عُبيد قال: أخبرنا رِشْدِين بن كُريب قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يتختّم في يساره. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا عليّ بن عمر بن عليّ بن حسين عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل قال: سمعتُ ابن الحنفيّة سنة إحدى وثمانين يقول: هذه لى خمس وستّون سنة قد جاوزتُ سنّ أبي، توفّى وهو ابن ثلاث وستّين سنة. ومات ابن الحنفيّة في تلك السنة، سنة إحدى وثمانين. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا زيد بن السائب قال: سألتُ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة: أين دُفن أبوك؟ فقال: بالبقيع. قلت: أيّ سنة؟ قال: سنة إحدى وثمانين في أوّلها، وهو يومئذٍ ابن خمسٍ وستّين سنة لا يستكملها (٢). قال محمّد بن سعد: ولا نعلمه روى عن عمر شيئًا. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى زيد بن السائب قال: سمعتُ أبا هاشم

стр. 2857

عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة يقول وأشار إلى ناحية من البقيع فقال: هذا قبر أبي القاسم، يعنى أباه، مات في المحرّم في سنة إحدى وثمانين، وهى سنة الجُحاف، سَيْلٌ أصاب أهل مكّة جَحَفَ الحاجّ. قال: فلمّا وضعناه في البقيع جاء أبان بن عثمان بن عفّان وهو الوالى يومئذٍ على المدينة لعبد الملك بن مروان ليصلّى عليه فقال: أخى ما ترى؟ فقلتُ: لا يصلّى عليه أبان إِلَّا أن يطلب ذلك إلينا. فقال أبان: أنتم أوْلى بجنازتكم، من شئتم فقدّموا من يصلّى عليه. فقلنا: تقدّمْ فصلّ. فتقدّم فصلّى عليه. قال محمّد بن عمر: فحدّثتُ زيد بن السائب فقلتُ إنّ عبد الملك بن وهب أخبرنى عن سليمان بن عبد الله عن عُوَيْمِر الأسلمى أنّ أبا هاشم قال يومئذٍ: نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذلك ما قدّمناك. فقال زيد بن السائب: هكذا سمعتُ أبا هاشم يقول، فتقدّم فصلّى عليه. * * * ١٥٠٦ - عمر الأكبر بن عليّ ابن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ، وأمّه الصّهْباء وهى أمّ حبيب بنت ربيعة بن بُجير بن العبد بن عَلْقَمة بن الحارث بن عُتْبة بن سعد بن زُهير بن جُشَم بن بكر بن حبيّب بن عمرو بن غَنْم بن تَغْلِب بن وائل. وكانت سبيّة أصابها خالد بن الوليد حيث أغار على بنى تَغْلِب بناحية عين التّمْر. فولد عمر بن عليّ: محمّدًا وأمّ موسى وأمّ حبيب وأمّهم أسماء بنت عَقيل بن أبي طالب، وقد روى عمر الحديث وكان في ولده عدة يحدّث عنهم فذكرناهم في مواضعهم وطبقتهم.

стр. 2858

١٥٠٧ - عبيد الله بن عليّ ابن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ. وأمّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن رِبْعَيّ بن سَلْمى بن جَنْدَل بن نَهْشَل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكان عبيد الله بن عليّ قدم من الحجاز على المختار بالكوفة وسأله فلم يعطه وقال: أقَدِمْتَ بكتاب من المهديّ؟ قال: لا، فحبسه أيّامًا ثمَّ خلّى سبيله وقال: اخْرجْ عنّا. فخرج إلى مُصْعَب بن الزبير بالبصرة هاربًا من المختار فنزل على خاله نُعيم بن مسعود التميمي ثمَّ النهشلي وأمر له مُصْعَب بمائة ألف درهم، ثمّ أمر مصعب بن الزبير النَّاس بالتهيؤ لعدوّهم ووقّت للمسير وقتًا، ثمّ عسكر ثمّ انقلع من معسكره ذلك واستخلف على البصرة عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر، فلمّا سار مصعب تخلّف عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب في أخواله وسار خالُه نُعيم بن مسعود مع مصعب. فلمّا فصل مصعب من البصرة، جاءت بنو سعد بن زيد مناة بن تميم إلى عبيد الله بن عليّ فقالوا: نحن أيضًا أخوالك ولنا فيك نصيب فتحوّلْ إلينا فإنّا نحبّ كرامتك. قال: نعم. فتحوّل إليهم فأنزلوه وسطهم وبايعوا له بالخلافة وهو كاره يقول: يا قوم لا تعجلوا ولا تفعلوا هذا الأمر. فأبوا فبلغ ذلك مصعبًا فكتب إلى عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر يعجّزه ويخبره غفلته عن عبيد الله بن على وعمّا أحدثّوا من البيعة له، ثمّ دعا مصعب خاله نُعيم بن مسعود فقال: لقد كنت مكرمًا لك محسنًا فيما بينى وبينك فما حملك على ما فعلت في ابن أختك وتخلّفه بالبصرة يؤلّب الناسَ ويخدعهم؟ فحلف بالله ما فعل وما علم من قصّته هذه بحرف واحد. فقبل منه مصعب وصدّقه، وقال مصعب: قد كتبتُ إلى عبيد الله ألومه في غفلته عن هذا. فقال نُعيم بن مسعود: فلا يهيّجه أحد أنا أكفيك أمره وأقدم به عليك.

стр. 2859

فسار نُعيم حتّى أتَى البصرة فاجتمعت بنو حنظلة وبنو عمرو بن تميم فسار بهم حتّى أتَى بنى سعد فقال: والله ما كان لكم في هذا الأمر الذى صنعتم خير وما أردتم إِلَّا هلاك تميم كلّها فادْفعوا إليّ ابن أختى. فتلاوموا ساعة ثمّ دفعوه إليه فخرج حتّى قدم به على مصعب فقال: يا أخى ما حملك على الذى صنعت؟ فحلف عبيد الله بالله ما أراد ذلك ولا كان له به علم حتّى فعلوه، ولقد كرهت ذلك وأبيته. فصدّقه مصعب وقبل منه. وأمر مصعب بن الزبير صاحب مقدّمته عبّادًا الحَبَطى أن يسير إلى جمع المختار فسار فتقدّم وتقدّم معه عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب فنزلوا المَذار، وتقدّم جيش المختار فنزلوا بإزائهم فبيّتهم أصحاب مصعب بن الزبير فقتلوا ذلك الجيش فلم يفلت منهم إِلَّا الشريد. وقُتل عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب تلك الليلة. * * * ١٥٠٨ - سعيد بن المُسَيَّب ابن حَزْن بن أبي وَهْب بن عَمْرو بن عائذ بن عِمْران بن مَخْزوم بن يَقَظة. وأمّه أمّ سعيد بنت حكيم بن أميّة بن حارِثة بن الأوقص السُّلَمى. فولد سعيدُ بن المسيّب: محمدًا، وسعيدًا، وإلياسَ، وأمّ عثمان، وأمَّ عمرو، وفاختة وأمّهم أمّ حبيب بنت أبي كريم بن عامر بن عبد ذى الشّرى بن عتّاب بن أبي صَعْب بن فَهْم بن ثعلبة بن سُليم بن غانم بن دَوْس، ومريمَ وأُمُّها أمّ ولد. قال: أخبرنا المعلّى بن أسد قال: حدّثنا عبد العزيز بن المختار، عن عليّ بن زيد قال: حدّثنى سعيد بن المُسَيَّب بن حَزْن أنّ جدّه حَزْنًا أتَى النبيّ، ﷺ ، فقال: ما اسمك؟ قال: أنا حَزْن. قال: بل أنت سهل. قال: يا رسول الله اسم سمّانى به أبواى فعُرفت به في النَّاس. قال فسكت عنه النبيّ، ﵇. قال فقال سعيد بن المسيّب: مازلنا نَعْرِفُ الحُزونَة فينا أهلَ البيت.

стр. 2860

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير عن على بن زيد قال: وُلد سعيد بن المسيّب بعد أن استُخلف عمر بأربع سنين ومات وهو ابن أربع وثمانين سنة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى طلحة بن محمّد بن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال: وُلد سعيد قبل موت عمر بسنتين ومات ابن اثنتين وسبعين سنة. قال محمّد بن عمر: والذى رأيتُ عليه النَّاس في مولد سعيد بن المسيّب أنّه وُلد لسنتين خلتا من خلافة عمر، ويُرْوَى أنَّه سمع من عمر، ولم أرَ أهل العلم يصحّحون ذلك وإن كانوا قد رووه. قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا سفيان عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: وُلدتُ لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطّاب، وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر. قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة، عن إبراهيم بن طريف، عن حُميد بن يعقوب، سمع سعيد بن المسيّب قال: سمعتُ من عمر كلمة ما بقى أحد حَيٌّ سمعها غيرى. كان عمر حيت رأى الكعبة قال: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام (١). قال: أخبرنا أسباط بن محمّد بن أبي إسحاق الشيبانى، عن بُكير بن أخْنَس، عن سعيد بن المسيّب قال: سمعتُ عمر على المنبر وهو يقول: لا أجد أحدًا جامَعَ فلم يغتسل أنزل أو لم يُنْزِلْ إِلَّا عاقَبْتُه (٢). قال: وقال الحسن بن موسى عن ابن لَهيعة قال: حدّثنا بُكير بن الأشجّ قال: سُئل سعيد بن المسيّب هل أدركت عمر بن الخطّاب؟ فقال: لا. قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى قال: حدّثنا مالك أنّه بلغه أنّ سعيد بن المُسَيَّب قال: إن كنتُ لأسير الليالى والأيّام في طلب الحديث الواحد (٣).

стр. 2861

قال: أخبرنا يزيد بن هارون، والفضل بن دُكين، ومحمّد بن عبد الله الأسدى قالوا: حدّثنا مِسْعَر، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيّب قال: ما بقى أحد أعلم بكلّ قضاء قضاه رسول الله، ﷺ ، ولا أبو بكر وعمر منى (١). قال يزيد: قال مِسْعَر: وأحسبُه قال وعثمان ومعاوية. قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأُويسى من بنى عامر بن لُؤيّ قال: حدّثنى إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال: ما بقى أحد أعلم بكلّ قضاء قضاه رسول الله، ﷺ ، وكلّ قضاء قضاه أبو بكر وكلّ قضاء قضاه عمر، قال أبي: وأحسب أنّه قال وكلّ قضاء قضاه عثمان، منّى. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى هشام بن سعد قال: سمعتُ الزّهْريّ يقول، وسأله سائل عمّن أخذ سعيد بن المسيّب علمه؟ فقال: عن زيد بن ثابت، وجالس سعد بن أبي وقاص، وابن عبّاس، وابن عمر، ودخل على أزواج النبيّ عائشة وأمّ سلَمة، وكان قد سمع من عثمان بن عفّان، وعليّ، وصُهيب، ومحمّد بن مَسْلَمَة، وجُلّ روايته المُسْنَدة عن أبي هريرة، وكان زوجَ ابنته، وسمع من أصحاب عُمر وعثمان، وكان يقال ليس أحد أعلم بكلّ ما قضى به عمر وعثمان منه (٢). قال: وأُخبِرت عن ليث بن سعد ومالك بن أنَس عن يحيَى بن سعيد قال: كان يقال ابن المسيّب راوية عمر. قال ليث: لأنَّه كان أحفظ النَّاس لأحكامه وأقضيته. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا قُدامة بن موسى الجمَحى قال: كان سعيد بن المسيّب يُفتى وأصحاب رسول الله، ﷺ ، أحياء. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا جارية بن أبي عمران أنَّه سمع محمّد بن يحيَى بن حَبّان يقول: كان رأسُ مَنْ بالمدينة في دهره المقدَّم عليهم في الفتوى سعيد بن المُسَيَّب، ويقال فقيه الفقهاء (٣).

стр. 2862

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا ثَوْر بن يزيد عن مكحول قال: سعيد بن المُسَيَّب عالم العلماء. قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة عن إسماعيل بن أميّة قال: قال مكحول: ما حدَّثتُكم به فهو عن سعيد بن المسيّب والشّعْبى. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى ابن أبى ذئب عن ابن أبي الحُوَيْرِث أنه شهد محمّد بن جُبير بن مُطْعِم يستفتى سعيد بن المسيّب. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى أبو مروان عن أبي جعفر قال: سمعتُ أبي على بن حسين يقول: سعيد بن المسيّب أعلم النَّاس بما تقدّمه من الآثار وأفقههم في رأيه (١). قال: أخبرنا الفضل بن دُكَيْن قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان قال: أخبرنى ميمون بن مِهْران قال: أتيتُ المدينة فسألت عن أفْقَهِ أهلها فدُفعت إلى سعيد بن المسيّب فسألته (٢). قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمر بن الوليد الشَّنِّى عن شهاب بن عبّاد العَصَرِى قال: حججتُ فأتينا المدينة فسألنا عن أعلم أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيّب (٣). قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى عن مالك بن أنَس قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يقضى بقضاءٍ حتّى يسأل سعيد بن المسيّب، فأرسل إليه إنسانًا يسأله فدعاه فجاءه حتّى دخل فقال عمر: أخطأ الرسول، إنّما أرسلناه يسألك في مجلسك (٤). قال: أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إِلَّا يأتينى بعلمه، وَأُوتَى بما عند سعيد بن المسيّب (٥). قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي عن سَلَّام بن مِسْكين قال: حدّثنى

стр. 2863

عمران بن عبد الله الخُزاعى قال: سألنى سعيد بن المسيّب فانتسبتُ له فقال: لقد جلس أبوك إليّ في خلافة معاوية فسألنى عن كذا وكذا فقلت له كذا وكذا (١). قال سلّام يقول عمران: والله ما أراه مرّ على أذنه شيء قطّ إِلَّا وعاه قلبه، يعنى سعيد بن المسيّب. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا: استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزّهْرى على المدينة فدعا النَّاس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المُسَيَّب: لا، حتّى يجتمع النَّاس. فضربه ستّين سوطًا، فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دَعْهُ. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: سمعتُ عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال: كان جابر بن الأسود وهو عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوّج الخامسة قبل أن تنقضى عدّة الرابعة. فلمّا ضرب سعيد بن المسيّب صاح به سعيد والسياط تأخذه: والله مَا ربَّعْت على كتاب الله، يقول الله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة النساء: ٣]، وإنّك تزوّجت الخامسة قبل انقضاء عدّة الرابعة. وما هى إِلَّا ليالٍ فاصنْع ما بدا لك فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إِلَّا يسيرًا حتّى قُتل ابن الزبير (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا موسى بن يعقوب عن الوليد بن عمرو بن مسافع العامرى عن عمر بن حبيب بن قُليع قال: كنتُ جالسًا عند سعيد بن المسيّب يومًا وقد ضاقت عليّ الأشياء ورهقنى دَيْن، فجلست إلى ابن المسيّب ما أدرى أين أذهب، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمّد إنى رأيتُ رؤيا، قال: ما هى؟ رأيتُ كأنى أخذتُ عبد الملك بن مروان فأضجعتُه إلى الأرض ثمّ بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد. قال: ما أنت رأيتها، قال: بلى أنا رأيتها،

стр. 2864

قال: لا أخبرك أو تخبرنى، قال: ابن الزبير رآها وهو بعثنى إليك. قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك بن مروان وخرج من صُلْب عبد الملك أربعة كلّهم يكون خليفة. قال فدخلتُ إلى عبد الملك بن مروان بالشأم فأخبرته بذلك عن سعيد بن المسيّب فسرّه وسألنى عن سعيد وعن حاله فأخبرته، وأمر لى بقضاء دينى وأصبتُ منه خيرًا (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى الحكم بن القاسم عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: قال رجل رأيتُ كأنّ عبد الملك بن مروان يبول في قبلة مسجد النبيّ أربع مرارٍ، فذكرتُ ذلك لسعيد بن المسيّب فقال: إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء (٢). قال محمّد بن عمر: وكان سعيد بن المسيّب من أعْبرِ النَّاس للرؤيا وكان أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر وأخذته أسماء عن أبيها أبي بكر. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد السلام بن حفص عن شَريك بن أبي نَمِر قال: قلتُ لابن المسيّب رأيتُ في النوم كأنّ أسنانى سقطت في يدى ثمّ دفنتها. فقال ابن المسيّب: إن صدقت رؤياك دفنتَ أسنانك من أهل بيتك. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني ابن أبي ذئب، عن مسلم الخياط قال: قال رجل لابن المُسَيَّب إنى أراني أبول في يدي، فقال: اتّقِ الله فإنّ تحتك ذات محرم. فنظر فإذا امرأة بينها وبينه رضاع. وجاءه آخر فقال: يا أبا محمّد إنى أرى كأنى أبول في أصل زيتونة. قال: انْظر مَنْ تحتك، تحتك ذات محرم. فنظر فإذا امرأة لا يحلّ له نكاحها. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا ابن أبي ذئب عن مسلم الخيّاط عن ابن المسيّب قال: قال له رجل إنى رأيتُ حمامة وقعت على المنارة -منارة المسجد- فقال: يتزوّج الحجَّاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٣).

стр. 2865

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا ابن أَبِي ذِئْب، عن مسلم الخيّاط (١) قال: جاء رجل إلى ابن المسيّب فقال إنى أرى أنّ تيسًا أقبل يشتدّ من الثنيّة. فقال: اذْبح اذْبح، قال: ذبحتُ، قال: مات ابن أمّ صِلاء. فما برح حتّى جاءه الخبر أنّه قد مات. قال محمّد بن عمر: وكان ابن أمّ صِلاء رجلًا من موالى أهل المدينة يسعى بالناس. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب رجل من القارة قال: قال رجل من فَهْم لابن المسيّب إنّه يرى في النوم كأنه يخوض النار. فقال: إن صدقت رؤياك لا تموت حتى تركب البحر وتموت قتلًا. قال فركب البحر فأشفى على الهلكة وقُتل يوم قُدَيد بالسيف (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن يعقوب عن الحُصين بن عبيد الله بن نوفل من بنى نوفل بن عديّ بن خويلد بن أسد بن عبد العُزّى قال: طلبتُ الولد فلم يولَد لى فقلتُ لابن المسيّب إنى أرى أنّه طُرح في حجرى بَيْض. فقال ابن المسيّب: الدجاج عجمى فاطْلب سببًا إلى العجم. قال فتسرّيتُ فوُلد لى وكان لا يولَد لى. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عُثيم بن نَسطاس قال: سمعتُ سعيد بن المسيّب يقول للرجل إذا رأى الرؤيا وقصّها عليه يقول: خيرًا رأيتَ. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا عبد السلام بن حفص عن شَريك بن أبي نَمِر عن ابن المسيّب قال: التمر في النوم رزق على كلّ حال والرُّطَب في زمانه رزق. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا صالح بن خوّات عن ابن المسيّب قال: آخر الرؤيا أربعون سنة، يعنى في تأويلها.

стр. 2866

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا ابن أبي ذئب عن مسلم الخيّاط عن ابن المسيّب قال: الكَبْل في النوم ثبات في الدين. قال: وقال له رجل: يا أبا محمد إنى رأيتُ كأنى جالس في الظلّ فقمتُ إلى الشمس. فقال ابن المسيّب: والله لئن صدقت رؤياك لتخرجنّ من الإسلام. قال: يا أبا محمّد إنى أرانى أُخْرجت حتّى أُدخلت في الشمس فَجَلَسْتُ. قال: تُكْره على الكفر. قال فخرج في زمان عبد الملك بن مروان فأُسر فأُكْره على الكفر فرجع ثمّ قدم المدينة وكان يخبر بهذا. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أنّ عبد العزيز بن مروان توفّى بمصر في جمادى سنة أربعٍ وثمانين فعقد عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان بالعهد وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، وعامله يومئذٍ على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومى، فدعا النَّاس إلى البيعة لهما، فبايع النَّاس، ودعا سعيد بن المسيّب أن يبايع لهما فأبَى وقال: حتّى أنظر. فضربه هشام بن إسماعيل ستّين سوطًا وطاف به في تُبّان من شعر حتّى بلغ به رأس الثنيّة، فلمّا كرّوا به قال: أين تكرّون لى؟ قالوا: إلى السجن، قال: والله لولا أنى ظننت أنَّه الصّلْبُ ما لبست هذا التّبّان أبدًا. فردّوه إلى السجن وحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه وما كان من أمره، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رَحِمه من أن تضربه، وإنّا لنعلم ما عند سعيد شقاق ولا خلاف (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرَة عن المِسْوَر بن رفاعة قال: دخل قَبيصة بن ذُؤيب على عبد الملك بن مروان بكتاب هشام بن إسماعيل يذكر أنَّه ضرب سعيدًا وطاف به. قال قبيصة: يا أمير المؤمنين يفتات عليك هشام بمثل هذا، يضرب ابن المُسَيَّب ويطوف به. والله لا يكون سعيد أبدًا أمحل ولا ألجّ منه حين يُضْرب، سعيد لو لم يبايع ما كان يكون منه، ما سعيد ممّن يُخاف فتقه ولا غوائله على الإسلام وأهله، وإنّه لَمِنْ

стр. 2867

أهل الجماعة والسنّة. وقال قَبيصة: اكْتب إليه يا أمير المؤمنين في ذلك. فقال عبد الملك: اكْتب أنت إليه عنك تخبره برأيى فيه وما خالفنى من ضرب هشام إيّاه. فكتب قَبيصة إلى سعيد بذلك، فقال سعيد حين قرأ الكتاب: الله بينى وبين مَن ظلمنى (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن يزيد الهُذَلى قال: دخلتُ على سعيد بن المسيّب السجن فإذا هو قد ذُبحت له شاة فجعل الإهاب على ظهره ثمّ جعلوا له بعد ذلك قضبًا رطبًا. وكان كلّما نظر إلى عضديه قال: اللهمّ انْصرنى من هشام (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى طلحة بن محمّد عن أبيه قال: دخل على سعيد بن المسيّب السجن أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فجعل يكلّم سعيدًا ويقول له: إنّك خُرقت به. فقال: يا أبا بكر اتّقِ الله وآثِره على ما سواه. قال: فجعل أبو بكر يردد عليه: إنّك خرقت به ولم ترفق. فجعل سعيد يقول: إنّك والله أعمى البصر أعمى القلب. قال فخرج أبو بكر من عنده وأرسل إليه هشامُ بن إسماعيل فقال: هل لَانَ سعيد بن المسيّب منذ ضربناه؟ فقال أبو بكر: والله ما كان أشدّ لسانا منه منذ فعلتَ به ما فعلتَ فاكْفف عن الرجل. وجاء هشامَ بن إسماعيل كتابٌ من عبد الملك بن مروان يلومه في ضربه سعيد بن المسيّب ويقول: ما ضرّك لو تركتَ سعيدًا ووطئتَ ما قال؟ وندم هشام بن إسماعيل على ما صنع بسعيد فخلّى سبيله (٣). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى أسلم أبو أميّة مولى بنى مخزوم وكان ثقةً قال: صنعت ابنة سعيد بن المسيّب طعامًا كثيرًا حين حُبس فبعثت به إليه، فلمّا جاء الطعام دعانى سعيد فقال: اذْهب إلى ابنتى فقل لها لا تعودى لمثل هذا أبدًا، فهذه حاجة هشام بن إسماعيل يريد أن يذهب مالى فأحتاج إلى ما في

стр. 2868

أيديهم، وأنا لا أدرى ما أُحْبَسُ، فانظرى إلى القوت الذى كنت آكل في بيتى فابْعثى إليّ به، فكانت تبعث إليه بذلك، وكان يصوم الدهر. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدّثنا سلّام بن مسكين قال: حدّثنا عمران بن عبد الله الخُزاعى قال: إني أرى أنّ نفس سعيد بن المسيّب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذُباب. قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى قال: أخبرنا أبو المليح قال: حدّثنى غير واحد أنّ عبد الملك بن مروان ضرب سعيد بن المسيّب خمسين سوطًا وأقامه بالحرّة وألبسه تُبّان شعر. قال: فقال سعيد: أما والله لو علمتُ أنّهم لا يزيدوننى على الضرب ما لبستُ لهم التبّان، إنّما تخوّفتُ أن يقتلونى فقلت: تبّان أسترُ من غيره (١). قال محمّد بن عمر: معنى هذا الحديث أنّه ضُرب في خلافة عبد الملك بن مروان. قال: أخبرنا قَبيصة بن عقبة قال: حدّثنا سفيان عن رجل من آل عمر قال: قيل لسعيد بن المسيّب ادْعُ على بنى أميّة، فقال: اللهمّ أعِزّ دينك وأظهرْ أولياءك وأخْزِ أعداءك في عافية لأمّة محمّد، ﷺ . قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا على بن زيد قال: قلتُ لسعيد بن المسيّب: يزعم قومك أنّ ما منعك من الحجّ أنّك جعلت لله عليك إذا رأيتَ الكعبة أن تدعو الله على ابن مروان. قال: ما فعلتُ وما أصلّى صلاة إِلَّا دعوتُ الله عليهم، وإنى قد حججتُ واعتمرتُ بضعًا وعشرين سنة، وإنّما كُتِبت عليّ حجّة واحدة وعمرة، وإنى أرى ناسًا من قومك يستدينون فيحجّون ويعتمرون ثمّ يموتون ولا يُقْضى عنهم، ولجمعةٌ أحبّ إليّ من حجّ أو عمرة تطوّعًا. قال عليّ: فأخبرت بذلك الحسن فقال: ما قال شيئًا، لو كان كما قال ما حجّ أصحاب رسول الله، ﷺ ، ولا اعتمروا (٢).

стр. 2869

قال: أخبرنا الضحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النبيل عن أبي يونس القَزّى قال: دخلتُ مسجد المدينة فإذا سعيد جالس وحده فقلت: ما شأنه؟ قال: نُهى أن يجالسه أحد (١). قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثّنا سلّام بن مسكين قال: حدّثنا عمران قال: كان لسعيد بن المسيّب في بيت المال بضعة وثلاثون ألفًا عطاءه، فكان يُدْعى إليها فيأبَى ويقول: لا حاجة لى فيها حتّى يحكم الله بينى وبين بنى مروان. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدَّثَنَا حمّاد بن سلمَة قال: أخبرنا عليّ بن زيد أنّه قيل لسعيد بن المسيّب: ما شأن الحجّاج لا يبعث إليك ولا يحرّكك ولا يؤذيك؟ قال: والله لا أدرى إِلَّا أنَّه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد فصلَّى صلاة فجعل لا يُتِمّ ركوعها ولا سجودها فأخذتُ كفًا من حصى فحصبته بها، زعم أنَّ الحجّاج قال: ما زلتُ بعد ذلك أُحْسِنُ الصلاة (٢). قال: أخبرنا سليمان بن حرب، وعَمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدّثنا سَلَّام بن مِسْكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة بن خلف الخُزاعى قال: حجّ عبد الملك بن مروان فلمّا قدم المدينة فوقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المُسَيَّب رجلًا يدعوه ولا يحرّكه. قال فأتاه الرسول وقال: أمير المؤمنين واقفٌ بالباب يريد أن يكلّمك. فقال: ما لأمير المؤمنين إليّ حاجة وما لى إليه حاجة وإنَّ حاجته إليّ لغَيرُ مقضيّة. قال: فرجع الرسول إليه فأخبره فقال: ارْجع إليه فقل إنَّما أريد أن أكلّمك، ولا تحركه. قال: فرجع إليه فقال له: أجِبْ أمير المؤمنين، فقال له سعيد ما قال له أوّلًا. قال: فقال له الرسول: لولا أنّه تقدّم إليّ فيك ما ذهبتُ إليه إِلَّا برأسك، يرسل إليك أمير المؤمنين يكلّمك تقول مثل هذه المقالة؟ فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيرًا فهو لك وإن كان يريد غير ذلك فلا أحُلّ حُبْوَتى حتّى يقضى ما هو قاضٍ. فأتاه فأخبره فقال: رحم الله أبا محمد، أَبَى إِلَّا صَلابةً (٣).

стр. 2870

قال عمرو بن عاصم في حديثه بهذا الإسناد قال: فلمّا استُخلف الوليد بن عبد الملك قدم المدينة فدخل المسجد فرأى شيخًا قد اجتمع النَّاس عليه فقال: من هذا؟ فقالوا: سعيد بن المسيّب. فلمّا جلس أرسل إليه فأتاه الرسول فقال: أجِبْ أمير المؤمنين. فقال: لعلّك أخطأت باسمى أو لعلّه أرسلك إلى غيرى. قال: فأتاه الرسول فأخبره فغضب وهمّ به. قال: وفى النَّاس يومئذٍ بقيّة فأقبل عليه جلساؤه فقالوا: يا أمير المؤمنين، فقيه أهل المدينة وشيخ قريش وصديق أبيك لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه. قال فما زالوا به حتّى أضرب عنه (١). قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال: أخبرنا ميمون بن مِهْران قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّى قال: أخبرنا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة واستيقظ، فقال لحاجبه: انْظر هل في المسجد أحد من حُدّاثنا من أهل المدينة؟ قال: فخرج فإذا سعيد بن المُسَيَّب في حلقة له، فقام حيث ينظر إليه ثمَّ غمزه وأشار إليه بإصبعه، ثمّ ولّى، فلم يتحرّك سعيد ولم يتبعه فقال: أراه فطن. فجاء فدنا منه ثمّ غمزه وأشار إليه وقال: ألم ترنى أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟ قال: استيقظ أمير المؤمنين فقال انْظر في المسجد أحد من حُدّاثى، فأجبْ أمير المؤمنين، فقال: أرسلك إليّ؟ قال: لا ولكن قال اذْهب فانْظر بعض حدّاثنا من أهل المدينة، فلم أرَ أحدًا أهْيَأ منك. فقال سعيد: اذهب فأعْلِمْه أنى لستُ من حدّاثه. فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إِلَّا مجنونًا. فأتَى عبد الملك فقال له: ما وجدتُ في المسجد إِلَّا شيخًا أشرتُ إليه فلم يقم فقلتُ له إنّ أمير المؤمنين قال انظر هل ترى في المسجد أحدًا من حدّاثى، فقال إنى لستُ من حدّاث أمير المؤمنين، وقال لى أعْلِمْه، فقال عبد الملك: ذاك سعيد بن المُسَيَّب فدَعْه (٢). قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا داود بن عبد الرحمن عن أبى بكر بن عبد الله قال: كان سعيد بن المسيّب إذا سُئل عن هؤلاء القوم قال: أقول فيهم ما قوّلنى ربى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ [سورة الحشر: ١٠]، حتّى يُتِمّ الآية.

стр. 2871

قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدّثنا عثمان بن حكيم قال سمعتُ سعيد بن المسيّب يقول: ما سمعتُ تأذينًا في أهلى منذ ثلاثين سنة. قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضَمْرة الليثى عن عبد الرحمن بن حَرْمَلة عن سعيد بن المسيّب قال: ما لقيتُ النَّاس منصرفين من صلاة منذ أربعين سنة. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: حدّثنا سلّام بن مسكين عن عمران بن عبد الله عن سعيد بن المُسَيَّب قال: ما فاتَتْه صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم. قال عمران: وكان سعيد يُكْثِر الاختلاف إلى السوق. قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى القزّاز قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب قال: قلتُ له لو تبدّيتَ، وذكرتُ له البادية وعيشها والعَتَم، فقال سعيد: كيف بشهود العتمة؟ (١) قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: حدّثنا سلّام بن مسكين عن عمران بن عبد الله قال: قال سعيد بن المسيّب: ما أظلّنى بيت بالمدينة بعد منزلى إِلَّا أنى آتى ابنةً لى فأسلّم عليها أحيانًا. قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنى جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنا ميمون بن مِهْران قال: بلغنى أنّ سعيد بن المسيّب عُمّر أربعين سنة لم يأتِ المسجد فيجد أهله قد استقبلوه خارجين منه قد قضوا صلاتهم. قال: أخبرنا شهاب بن عبّاد العبدى قال: حدّثنا داود بن عبد الرحمن عن بشر بن عاصم قال: قلتُ لسعيد يا عمّى ألا تخرج فتأكل الثوم مع قومك؟ فقال: معاذ الله يا بن أخى أن أدعَ خمسًا وعشرين صلاة خمس صلوات، وقد سمعتُ كعبًا يقول وددتُ أن هذا اللبن عاد قطرانًا يتّبع، أو اتّبعت قريش، شكّ شهاب، أذناب الإبل في هذه الشعاب. إنّ الشيطان مع الشاذّ وهو من الاثنين أبعدُ. قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقى قال: أخبرنا عطّاف بن خالد

стр. 2872

عن ابن حَرْمَلة عن سعيد بن المسيّب أنّه اشتكى عينه فقالوا له: لو خرجتَ يا أبا محمّد إلى العقيق فنظرتَ إلى الخضرة، لوجدت لذلك خِفَّة. قال: فكيف أصنع بشهود العَتمة والصبح (١)؟ قال: أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغرّ المكّى قال: أخبرنا عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم قال: سمعتُ سعيد بن المُسَيَّب يقول: لقد رأيتُنى ليالى الحَرّة وما في المسجد أحد من خلق الله غيرى، وإنّ أهل الشأم ليدخلون زُمَرًا زُمَرًا يقولون: انْظروا إلى هذا الشيخ المجنون، وما يأتى وقت صلاة إِلَّا سمعتُ أذانًا في القبر ثمّ تقدّمتُ فأقمتُ فصلّيتُ وما في المسجد أحد غيرى (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى طلحة بن محمّد بن سعيد، عن أبيه قال: كان سعيد بن المسيّب أيّام الحَرّة في المسجد لم يبايع ولم يبرح، وكان يصلّى معهم الجمعة ويخرج إلى العيد، وكان النَّاس يقتتلون وينتهبون وهو في المسجد لا يبرح إِلَّا ليلًا إلى الليل. قال فكنتُ إذا حانت الصلاة أسمع أذانًا يخرج من قِبَل القبر حتّى أمن النَّاس وما رأيتُ خبرًا من الجماعة (٣). قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقى قال: أخبرنا عطّاف بن خالد، عن ابن حَرْمَلة قال: قلتُ لبُرْد مولى ابن المسيّب: ما صلاة ابن المسيّب في بيته؟ فأمّا صلاته في المسجد فقد عرفناها، فقال: والله ما أدرى، إنّه ليصلّى صلاة كثيرة إِلَّا أنّه يقرأ بـ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [سورة ص: ١]. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا سهل بن حُصين قال: أخبرنا حاتم بن أبي صَغيرة عن عطاء أنّ سعيد بن المسيّب كان إذا دخل المسجد يوم الجمعة لم يتكلّم كلامًا حتّى يفرغ من صلاته وينصرف الإمام ثمّ يصلّى ركعات، ثمّ يقبل على جلسائه ويُسْأل. قال: أخبرنا موسى بن حرب قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن يزيد بن حازم قال: كان سعيد بن المُسَيَّب يسرد الصوم فكان إذا غابت الشمس أُتى بشراب له من منزله إلى المسجد فشربه.

стр. 2873

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم بن العبّاس الأسديّ قال: كان سعيد بن المسيّب يذكّر ويخوّف. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم بن العبّاس قال: سمعتُ ابن المسيّب يقرأ القرآن بالليل على راحلته فيُكْثر. قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدَّثَنَا عاصم قال: سمعتُ سعيد بن المسيّب يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم قال: كان سعيد بن المسيّب يحبّ أن يسمع الشعر ولا ينشده (١). قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم قال: رأيتُ سعيد بن المسيّب يحتفى يمشى بالنهار حافيًا، ورأيت عليه بَتًّا (٢). قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا عاصم قال: رأيتُ سعيد بن المسيّب لا يدع ظفره يطول، ورأيتُ سعيدًا يُحْفى شاربه شبيهًا بالحَلْق، ورأيته يصافح كلّ من لقيه، ورأيتُ سعيدًا يكره كثرة الضحك، ورأيتُ سعيدًا يتوضأ كلّما بال وإذا توضّأ شبّك بين أصابعه (٣). قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله وقَبيصة بن عُقْبة قالا: حدَّثَنَا سفيان عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيّب أنَّه كان لا يستحبّ أن يسمّى ولده بأسماء الأنبياء. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلَمة عن على بن زيد قال: كان سعيد بن المسيّب يصلّى التطوّع في رَحْله. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمَة عن عليّ بن زيد قال: كان سعيد بن المسيّب يلبسُ مُلاءً شرقيّة. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنى سلّام بن مسكين قال: حدّثنى

стр. 2874

عمران قال: ما أحْصى ما رأيت على سعيد بن المسيّب من عدّة قمص الهَرَوى، قال وكان يلبس هذه البرود الغالية البيض، قال وكان يجتلط (١) في العيدين يوم الفطر والنحر. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا سلّام بن مسكين قال: أخبرنا عمران بن عبد الله الخُزاعى قال: كان سعيد بن المسيّب لا يخاصم أحدًا ولو أراد إنسان رداءه رمى به إليه. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا أبان، يعنى ابن يزيد، قال: أخبرنا قتادة قال: سألتُ سعيد بن المسيّب عن الصلاة على الطنفسة فقال: مُحْدَث. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيّب قال: حدّثتنى غُنيمة جارية سعيد قالت: كان سعيد لا يأذن لابنته في اللعب ببنات العاج، وكان يرخّص لها في الكَبَر، يعنى الطبل. قال: أخبرنا عمرو بن الهَيْثَم قال: أخبرنا هشام عن قتادة قال: دعى سعيد بن المسيّب فأجاب، ثمّ دُعى فأجاب، ثمّ دُعى الثالثة فحصب الرسول. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: أخبرنا محمّد بن هلال عن سعيد بن المسيّب أنّه قال: ما من تجارة أحبّ إليّ من البَزّ ما لم تقع فيه الأيمان. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: أخبرنا أبى عن عبد الرحمن بن حَرْملة أنّه سأل سعيد بن المسيّب قال: وجدتُ رجلًا سكران أفتُراه يَسَعُنى ألّا أرفعه إلى السلطان؟ فقال له سعيد: إن استطعتَ أن تستره بثوبك فاسْتُرْه. قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا سلّام بن مسكين قال: أخبرنا عمران بن عبد الله بن طلحة الخُزاعى قال: كان في رمضان يُؤتَى بالأشربة في مسجد النبيّ، ﵇، فليس أحد يطمع أن يأتى سعيد بن المسيّب بشراب فيشربه، فإن أُتى من منزله بشراب شربه وإن لم يُؤتَ من منزله بشيء لم يشرب شيئًا حتّى ينصرف.

стр. 2875

قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان عن بعض المدينييّن عن سعيد بن المسيّب أنّه سُئل عن قَطْع الدراهم فقال: هو من الفَسادِ في الأرْضِ. قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب أنّه كان يصلّى محتبيًا فإذا أراد أن يسجد حلّ حُبْوَته ثمّ عاد فاحتبى. قال: أخبرنا مطرّف بن عبد الله اليَسارى قال: حدّثنا مالك بن أنس قال: قال بُرْد مولى ابن المسيّب لسعيد بن المُسَيَّب: ما رأيتَ أحسنَ ما يصنع هؤلاء! قال سعيد: وما يصنعون؟ قال: يصلّى أحدهم الظهر، ثمّ لا يزال صافًّا رجليه يصلّى حتّى العصر. فقال سعيد: ويحك يا بُرْد! أما والله ما هى بالعبادة، تدرى ما العبادة؟ إنّما العبادة التفكّر في أمر الله والكفّ عن محارم الله (١). قال: أخبرنا سليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل قالا: حدّثنا أبو هلال قال: أخبرنا الحكم بن أبي إسحاق قال: كنتُ جالسًا إلى سعيد بن المسيّب فقال لمولى له: اتّقِ الله لا تكذب على كما كذب مولى ابن عبّاس على ابن عبّاس. فقلتُ لمولاه: ذاك أنى لا أدرى ابن الزبير أحبّ إلى أبي محمّد أو أهل الشأم. قال فسمعها سعيد فقال: يا عراقيّ أيّهما أحبّ إليك؟ قلت: ابن الزبير أحبّ إليّ من أهل الشأم. قال: أفلا أَضْبث بك الآن فأقول هذا زُبيريّ؟ فقلت: سألتَنى فأخبرتُك، فأخْبِرْنى أيّهما أحبّ إليك. قال: كُلًّا لا أحبّ. حدّثنا محمّد بن سعد قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب قالا: حدّثنا حمّاد بن زيد عن يحيَى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيّب يُكْثِر أن يقول اللهمّ سلّمْ سلّمْ. حدَّثَنَا محمّد بن سعد قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعارم بن الفضل قالا: حدَّثَنَا حمّاد بن سلمَة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب أنّه قال: قد بلغتُ ثمانين سنة وما شيء أخوف عندى من النساء. وقد كاد بصره يذهب. حدَّثَنَا محمّد بن سعد قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا سلّام بن
следующие страницы →