← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأنزلهما وكتَم عليهما حتى مرّت العِير، ثمّ خرجا وخرج معهما كشد خفيرًا حتّى أوردهما ذا المَرْوة، وساحَلت العير وأسرعت، فساروا باللّيل والنّهار فَرَقًا من الطّلب، فَقَدم طلحة وسعيد المدينة ليُخبِرا رسول الله، ﷺ ، خبر العير، فوجداه قد خرج، وكان قد ندب المسلمين للخروج معه وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم لعلّ الله أن يُغنّمَكموها: فأسرع من أسرع إلى ذلك وأبطأ عنه بَشَرٌ كثيرٌ. وكان مَنْ تَخَلَّف لم يُلَمْ لأنَّهم لم يخرجوا على قتال إنَّما خرجوا للعير، فخرج رسول الله، ﷺ ، من المدينة يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من مُهاجَره، وذلك بعدما وجّه طلحةَ بن عُبيد الله وسعيد بن زيد بعشر ليال، وخَرج من خرج معه من المهاجرين، وخرجت معه الأنصار فى هذه الغزاة، ولم يكن غزا بأحد منهم قبل ذلك، وضرب رسول الله، ﷺ ، عسكره ببئر أبى عِنبَة، وهى على ميل من المدينة، فعرض أصحابه وَرَدَّ مَن استصغر، وخرَج فى ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين رجلًا، وسائرهم من الأنصار، وثمانية تخلّفوا لعلّة، ضرب لهم رسول الله، ﷺ ، بسهامهم وأجورهم ثلاثة من المهاجرين: عثمان بن عفّان خلّفه رسول الله، ﷺ ، على امرأته رُقَيَّة بنت رسول الله، ﷺ ، وكانت مريضة فأقامَ عليها حتّى ماتت، وطَلحة بن عُبيد الله وسعيد بن زَيد بعثهما يتحسّسان خبر العير، وخمسة من الأنصار: أبو لُبابة بن عبد المنذر خلّفه على المدينة، وعاصم بن عَدى العَجلانى خلّفه على أهل العالية، والحارث بن حاطب العَمرى ردّه من الرّوحاء إلى بنى عَمرو بن عوف لشئ بلغه عنهم، والحارث بن الصّمّة كُسر بالرّوحاء، وخوّات بن جُبَير كُسر أيضًا، فهؤلاء ثمانية لا اختلاف فيهم عندنا، وكلّهم مستوجب. وكانت الإبل سبعين بعيرًا يَتَعاقَب النَّفر البعير، وكانت الخيل فَرَسَيْن: فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لِمَرْثد بن أبى مَرْثد الغَنَوى (١). وقدّم رسول الله، ﷺ ، أمامَه عَيْنَين له إلى المشركين يأتيانه بخبر عدوّه وهما: بَسْبَس بن عمرو، وعدىّ بن أبى الزَّغْباء، وهما من جُهينة حليفان للأنصار، فانتهيا إلى ماء بدر فعلما الخبر ورجعا إلى رسول الله، ﷺ (٢).

стр. 492

وكان بلغ المشركين بالشأم أن رسول الله، ﷺ ، يرصد انصرافهم فبعثوا ضَمْضَم بن عمرو حين فصلوا من الشأم إلى قريش بمكّة يخبرونهم بما بلغهم عن رسول الله، ﷺ ، ويأمرونهم أن يخرجوا فيمنعوا عيرهم. فخرج المشركون من أهل مكّة سِرَاعًا، ومعهم القيان والدّفوف، وأقبل أبو سفيان بن حرب بالعير، وقد خافوا خوفًا شديدًا حين دَنوا من المدينة، واستبطئوا ضَمْضَمًا والنّفير حتى وَرَد بدرًا، وهو خائف من الرَّصد، فقال لمجدىّ بن عمرو: هل أحسستَ أحدًا من عيون محمّد؟ فإنّه، والله، ما بمكّة من قرشىّ ولا قرشيّة له نشّ (١) فصاعدًا إِلَّا قد بعث به معنا. فقال مَجدىّ: والله ما رأيتُ أحدًا أنكِره إلَّا راكبين أتيا إلى هذا المكان، وأشار له إلى مُناخ عدىّ وبَسْبَس، فجاء أبو سفيان فأخذ أبعارًا من بعيريهما فَفَتَّه، فإذا فيه نوًى فقال: علائف يَثْرب هذه عيون محمّد، فضرَب وجوه العير فساحل بها (٢) وترك بدرًا يسارًا وانطلق سريعًا. وأقبلت قريش من مكّة، فأرسل إليهم أبو سفيان بن حرب قيسَ بن امرئ القيس يخبرهم أنّه قد أحرز العير ويأمرهم بالرّجوع، فأَبت قريش أن ترجع وردّوا القيان من الجحفة، ولحق الرَّسول أبا سفيان بالهَدة، وهى على سبعة أميال من عُسفان إذا رُحتَ من مكّة عن يسار الطريق، وسكّانها بنو ضمرة وناس من خُزَاعة، فأخبره بمضىّ قريش فقال: واقوماه! هذا عَمَلُ عمرو بن هشام: يعني أبا جهل بن هشام، وقال: والله لا نبرح حتى نَرِدَ بدرًا. وكانت بدر موسمًا من مواسم الجاهلية يجتمع بها العرب، بها سوق، وبين بدر والمدينة ثمانية بُرُد وميلان، وكان الطريق الذى سلكه رسول الله، ﷺ ، إلى بدر على الرَّوْحاء وبين الرَّوحاء والمدينة أربعة أيام، ثمّ بريد بالمُنْصَرَف (٣)، ثمّ بريد بذات أجدال (٤)، ثمّ بريد بالمَعلاة، وهى خَيف السلم، ثمّ بريد بالأثيل ثمّ ميلان إلى بدر. وكانت قريش قد أرسلت فرات بن حَيَّان العجلى، وكان مقيمًا بمكّة حين فَصَلت قريش من مكّة، إلى أبى سفيان يخبره بمسيرها وفصولها، فخالَف

стр. 493

أبا سفيان فى الطريق فوافى المشركين بالجُحفة، فمضى معهم فجُرح يوم بدر جِرَاحات وهرب على قَدميه، ورجعت بنو زُهرة من الجحفة، أشار عليهم بذلك الأخْنَس بن شَريق الثقفى، وكان حليفًا لهم، وكان فيهم مطاعًا، وكان اسمه أُبِىّ فلمّا رجع ببنى زُهرة قيل: خَنَس بهم، فسُمّى الأخْنَس. وكان بنو زُهرة يومئذ مائة رجل، وقال بعضهم: بل كانوا ثلاثمائة رجل. وكانت بنو عدىّ بن كعب مع النّفير، فلمّا بلغوا ثنيّة لِفْت (١) عَدَلوا في السَّحَرِ (٢) إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا بنى عدىّ، كيف رَجعتم لا فى العير ولا فى النفير؟ فقالوا: أنت أرسلتَ إلى قريش أن ترجع. ويقال: بل لقيهم بمرّ الظَّهران، فلم يشهد بدرًا من المشركين أحد من بنى زُهرة ولا من بنى عَدىّ. ومضى رسول الله، ﷺ ، حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش، فأخبر به رسول الله، ﷺ ، أصحابه واستشارهم، فقال المِقْداد بن عمرو البَهرانى: والذى بعثك بالحقّ، لو سِرتَ بنا إلى بِرْك الغِمَاد (٣) لَسرنا معك حتى ننتهى إليه. ثمّ قال رسول الله، ﷺ : أشيروا علىّ، وإنما يريد الأنصار. فقام سعد بن مُعاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنّك يا رسول الله تريدنا؟ قال: أجلْ. قال: فامضِ يا نبىّ الله لما أردتَ، فوالذى بَعثك بالحقّ لو استعرَضتَ هذا البحر فخُضتَه لَخُضناه معك ما بقي منّا رجل واحد. فقال رسول الله، ﷺ : سِيروا على بَركة الله، فإنَّ الله قد وَعَدنى إحدى الطّائفتين، فوالله لكأنّى أنظر إلى مَصارع القوم. وعَقَدَ رسول الله، ﷺ ، يومئذ الألوية، وكان لواء رسول الله، ﷺ ، يومئذ الأعظم لِواءُ المهاجرين مع مُصْعَب بن عُمَير، ولواءُ الخَزْرَج مع الحُباب بن المُنْذِر، ولواء الأَوس مع سَعد ابن مُعاذ، وجعل رسول الله، ﷺ ، شِعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بنى عبد الله، وشعار الأوس: يا بنى عُبيد الله، ويقال: بَل كان شعار المسلمين جميعًا يومئذ: يا منصور أَمِتْ. وكان مع المشركين ثلاثة

стр. 494

ألوية: لواء مع أبى عزيز بن عُمير، ولواء مع النَّضْر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبى طلحة، وكلّهم من بنى عبد الدار، ونزل رسول الله، ﷺ ، أدنى بدر عشاء ليلة جمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، فبعث عليًّا والزُّبير وسعد بن أبى وقّاص وبَسبَس بن عمرو يتحسّسون خبر المشركين على الماء، فوجدوا رَوَايا قريش فيها سُقّاؤهم، فأخذوهم. وبَلغ قريشًا خبر رسول الله، ﷺ ، وأنّه قد أخذ سُقّاءهم، فماج العسكر وأُتى بالسُّقّاء إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: أين قريش؟ فقالوا: خلف هذا الكثيب الذي ترى. قال: كم هم؟ قالوا: كثير. قال: كم عددهم؟ قالوا: لا ندرى. قال: كم يَنحرون؟ قالوا: يومًا عشرًا ويومًا تسعًا. فقال، ﷺ : القوم ما بين الألف والتسعمائة. فكانوا تسعمائة وخمسين إنسانًا، وكانت خيلهم مائة فرس. وقال الحُبَاب بن المنذر: يا رسول الله، إنَّ هذا المكان الذى أنت به ليس بمنزل، انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم فإنّى عالم بها وبقُلُبِها، بها قليبٌ قد عرفتُ عُذوبة مائه لا ينزح، ثمّ نبنى عليه حوضًا فنشرب ونقاتل ونُعوّر (١) ما سواه من القُلُب (٢). فنزل جبريل على رسول الله، ﷺ ، فقال: الرَّأىُ ما أشارَ به الحُبَاب. فنهضَ رسول الله، ﷺ ، ففعل ذلك، فكان الوادى دَهْسًا (٣)، فبعثَ الله، ﵎، السماء فلبّدت الوادى ولم يمنع المسلمين من المسير، وأصابَ المشركين من المطر ما لم يقدروا أن يرتحلوا معه، وإنما بينهم قَوْز من الرمل، وأصاب المسلمين تلك اللّيلة النُّعَاس، وبُنى لرسول الله، ﷺ ، عَريش من جَريد فدخله النبى وأبو بكر الصِّدّيق، وقام سعد بن مُعاذ على باب العريش متوشّحًا بالسيف، فلمّا أصبح صفَّ أصحابه قبل أن تنزل قريش، وطلعت قريش ورسول الله، ﷺ ، يصفّف أصحابه ويعدّلهم كأنَّما يقوم بهم القدحَ، ومعه يومئذ قدح يشير به إلى هذا: تقدّم، وإلى هذا: تأخّر، حتى استووا، وجاءت ريح لم يَروا مثلها شِدّةً، ثمّ ذهبت فجاءت ريح أخرى، ثمّ ذهبت فجاءت ريح أخرى، فكانت الأولى جبريل، ﵇، فى ألف من الملائكة مع رسول

стр. 495

الله، ﷺ ، والثانية ميكائيل، ﵇، فى ألف من الملائكة عن مَيْمنة رسول الله، ﷺ ، والثالثة إسرافيل فى ألف من الملائكة عن مَيْسرة رسول الله، ﷺ ، وكان سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضرٌ وصُفر وحُمر من نور، والصوف فى نواصى خيلهم. فقال رسول الله، ﷺ ، لأصحابه: إنَّ الملائكة قد سَوّمت فسَوّموا، فأعلموا بالصوف فى مغافرهم وقلانسهم، وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بُلْق. قال: فلمّا اطمأنّ القوم بعثَ المشركون عُمير بن وَهب الجُمَحى، وكان صاحب قداح، فقالوا احْزُرْ لنا محمَّدًا وأصحابه، فصوَّب فى الوادى وصَعَّد ثمّ رجَع فقال: لا مَدَد لهم ولا كَمين، القومُ ثلاثمائة إن زَادوا زادوا قليلًا، ومعهم سبعونَ بَعيرًا وفرسان، يا معشر قريش، البلايا تحمل المنَايَا، نَواضحُ يثربَ تحمل الموتَ النَّاقعَ، قوم ليست لهم مَنَعَةٌ ولا ملجأ إِلَّا سيوفهم، أما ترونهم خُرْسًا لا يتكلمون، يتلمَّظون تلمّظ الأفاعى؟ والله ما أرى أن نقتل منهم رجلًا حتى يُقتَل منّا رجل، فإذا أصابوا منكم عددهم فما خير فى العيش بعد ذلك، فَرَوْا رأيَكم. فتكلّم حكيم بن حِزام ومشى فى الناس، وأتى شَيبةَ وعُتبةَ وكانا ذوَى تقيّة في قومهما فأشاروا على النَّاس بالانصراف، وقال عتبة: لا تَردّوا نصيحتى ولا تُسَفّهوا رأيى، فحَسَدَه أبو جهل حين سمع كلامه. فأفسد الرأى وحرّش بين النَّاس، وأمر عامر بن الحَضْرَمى أن يُنشد أخاه عمرًا، وكان قُتل بنخلة، فكشَف عامر وَحَثا على اسْته الترابَ وصاحَ: واعمراهْ! يخزى بذلك عُتبة لأنّه حليفه من بين قريش. وجاء عُمير بن وَهب فَنَاوشَ المسلمين فثبت المسلمون على صَفّهم ولم يزولوا، وشدّ عليهم عامر بن الحَضْرمى ونَشبت الحرب، فكان أوَّلَ من خرج من المسلمين مِهْجَع مَولى عُمر بن الخطّاب، فَقَتله عامر بن الحَضْرمى. وكان أوَّلَ قتيل قُتل من الأنصار حارثةُ بن سُراقَة، ويقال: قتله حِبّان بن العَرِقة، ويقال: عُمير بن الحُمام. قَتله خالد بن الأعلم العُقيلى. ثمّ خرج شَيبة وعُتبة ابنا ربيعة والوليد بن عُتبة، فدعوا إلى البراز فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار بنو عَفراء مُعاذ ومُعوّذ وعوف بنو الحارث. فَكَرِه رسول الله، ﷺ ، أن يكون أوَّلَ قتال لقى فيه المسلمون المشركين فى الأنصار، وأحَبّ أن تكون الشَّوكة ببنى عمّه

стр. 496

وقومه، فأمرهم فرَجعوا إلى مَصَافّهم وقال لهم خيرًا، ثمّ نادى المشركون: يا محمد أَخرجْ إلينا الأكْفَاءَ من قَومنا. فقال رسول الله. ﷺ : يا بنى هاشم! قوموا قاتِلوا بحقّكم الذى بعث الله به نبيّكم إذ جاءوا بباطلهم ليُطفئوا نور الله. فقام حمزة بن عبد المطّلب وعلىّ بن أبى طالب وعُبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مَناف فمشوا إليه، فقال عُتبة: تكلّموا نعرفكم، وكان عليهم البَيْض، فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطّلب أسد الله وأسد رسوله. فقال عُتبة: كُفْءٌ كريم، وأنا أسد الحلفاء، مَن هذان معك؟ قال: علىّ بن أبى طالب وعُبيدة بن الحارث، قال: كُفآن كريمان. ثمّ قال لابنه: قُمْ يا وليد، فقام إليه علىّ بن أبى طالب، فاختلفا ضربتين، فقتله علىّ. ثمّ قام عُتبة وقام إليه حمزة، فاختلفا ضربتين، فقتله حمزة، ثمّ قام شيبة وقام إليه عبيدة بن الحارث، وهو يومئذ أسنّ أصحاب رسول الله، ﷺ ، فضرب شَيبة رِجل عُبيدة بذُباب السيف، يعنى طَرَفه، فأصاب عَضَلة ساقه فقطعها، فَكَرّ حمزة وعلىّ على شَيبة فقتلاه وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الحج: ١٩]. ونزلت فيهم سورة الأنفال أو عامّتها ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [سورة الدخان: ١٦]، يعنى يوم بدر، ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [سورة الحج: ٥٥] ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [سورة القمر: ٤٥]، قال: فرأى رسول الله، ﷺ ، فى أثرهم مصلتًا للسيف يتلو هذه الآية وأجاز (١) على جَريحهم وطلب مُدبرهم. واستُشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلًا: ستّة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار فيهم عُبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف، وعُمير بن أبى وقّاص وعاقل ابن أبى البُكَير، ومِهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء، وسعد بن خيثمة، ومبشّر بن عبد المنذر، وحارثة بن سراقة، وعوف ومُعوّذ ابنا عَفراء، وعُمير بن الحُمام، ورافع بن مُعلّى، ويزيد بن الحارث بن فُسحُم. وقُتل من المشركين، يومئذ، سبعون رجلًا، وأسر منهم سبعون رجلًا وكان فيمن قُتل منهم شَيبة وعُتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، والوليد بن عُتبة، والعاص ابن سعيد بن العاص، وأبو جَهل بن هشام، وأبو البَخترى، وحَنْظَلة بن أبى سفيان

стр. 497

ابن حَرب، والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وطُعيمة بن عدىّ، وزَمعة الأسود بن المطّلب، ونوفل بن خُويلد، وهو ابن العَدَويّة. والنَّضْر بن الحارث قَتله صبرًا بالأثيل، وعُقبة بن أبى مُعيط قَتله صبرًا بالصّفراء، والعاص بن هشام بن المغيرة خال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأُمية بن خَلَف، وعلىّ بن أُميّة بن خلف، ومُنَبّه بن الحجاج، ومعبد بن وهب. وكان فى الأسارى نوفل بن الحارث ابن عبد المطّلب، وعَقيل بن أبى طالب، وأبو العاص بن الرّبيع وعدىّ بن الخيار، وأبو عزيز بن عُمير، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وعبد الله بن أُبىّ بن خلف، وأبو عَزّة عمرو بن عبد الله الجُمَحى الشاعر، ووهب بن عُمير بن وهب الجُمحى، وأبو وداعة بن ضُبيرة السهمى، وسهيل بن عمرو العامرى. وكان فداء الأسارى كلّ رجل منهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف إلّا قومًا لا مال لهم، مَنّ عليهم رسول الله، ﷺ ، منهم أبو عَزّة الجُمَحى، وغنم رسول الله، ﷺ ، ما أصاب منهم، واستعمل على الغنائم عبد الله بن كعب المازنى من الأنصار، وقسمها رسول الله بسَيَر شعب بالصفراء (١)، وهى من المدينة على ثلاث ليال قواصد. وتنفَّل رسول الله، ﷺ ، سيفا ذا الفقار، وكان لمنبّه بن الحجاج، فكان صفيّه يومئذ. وسلّم رسول الله، ﷺ ، الغنيمة كلّها للمسلمين الذين حضروا بدرًا وللثمانية النفر الذين تخلّفوا بإذنه، فضرب لهم بسهامهم وأجورهم، وأخذ رسول الله، ﷺ ، سهمه مع المسلمين، وفيه جمل أبى جهل، وكان مهريًّا، فكان يغزو عليه ويضرب فى لقاحه. وبعث رسول الله، ﷺ ، زيد بن حارثة بشيرًا إلى المدينة يخبرهم بسلامة رسول الله، ﷺ ، والمسلمين وخبر بدر وما أظفر الله به رسولَه وغنّمه منهم، وبعث إلى أهل العالية عبد الله بن روَاحة بمثل ذلك، والعالية قُباءُ وخَطمَة ووائل وواقف وبنو أميّة بن زيد وقُريظة والنضير، فقدم زيد بن حارثة المدينةَ حين سُوّى على رُقيّة بنت رسول الله، ﷺ ، التراب بالبقيع. وكان أوّلَ الناس إلى أهل مكة بمُصاب أهل بدر وبهزيمتهم الحَيسُمان بن حابس الخُزاعى، وكانت وقعة بدر صبيحةَ يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ .

стр. 498

أخبرنا وكيع عن سفيان وإسرائيل وأبيه -يعنى أبا وكيع- عن أبى إسحاق عن البراء، وأخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال: كانت عِدّة أصحاب رسول الله، ﷺ ، يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، وكانوا يرون أنّهم على عدّة أصحاب طالوت يوم جَالوت الذين جازوا النهر. قال: وما جاز معه النهر يومئذ إلا مؤمن. أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن ثابت بن عُمارة عن غُنيم بن قيس عن أبى موسى قال: كان عِدّة أصحاب رسول الله، ﷺ ، يوم بدر على عدّة أصحاب طالوت يوم جالوت. أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدى، أخبرنا مِسْعَر عن أبى إسحاق عن البَراء قال: كان عدّة أهلِ بدر عدّة أصحاب طالوت. أخبرنا عفّان بن مسلم وأبو الوليد الطيالسى ووهب بن جرير بن حازم قالوا: أخبرنا شُعبة عن أبى إسحاق عن البَراء قال: كان المهاجرون يوم بدر نَيّفًا على ستّين وكانت الأنصار نيّفًا على أربعين ومائتين. أخبرنا الحسن بن موسى الأشْيَب، أخبرنا زُهير عن أبى إسحاق عن البراء قال: حدّثنى أصحاب محمد من شهد بدرًا أنهم كانوا عدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة: قال البراء: ولا والله ما جاز معه النهر إلّا مؤمن. أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصارى، أخبرنا هشام بن حسّان حدّثنى محمد ابن سيرين، حدّثنى عُبيدة قال: كان عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر، سبعون ومائتان من الأنصار، وبقيّتهم من سائر الناس. أخبرنا نصر بن باب الخراسانى عن الحجّاج عن الحَكَم عن مِقسَم عن ابن عبّاس أنّه قال: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، كان المهاجرون منهم ستّةً وسبعين، وكانت هزيمة أهل بدر يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب حدّثنى حُيَىّ عن أبى عبد الرّحمن عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله، ﷺ ، يوم بدر بثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة، كما خرج طالوت، فدعا لهم رسول الله، ﷺ ، حين خرجوا فقال: اللهمّ إنّهم حُفاة فَاحملهم، اللهمّ إنّهم عُراة فاكسُهُمْ، اللهمّ إنهم

стр. 499

جياع فأشبعهمْ. ففتح الله يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا، وما فيهم رجل إلا قد رجع بحِمل أو حِملَين واكتسوا وشبعوا. أخبرنا الحَكَم بن موسى، أخبرنا ضَمرة عن ابن شوْذَب عن مطر قال: شهد بدرًا من الموالى بضعة عشر رجلًا. فقال مَطر: لقد ضُربوا فيهم بضربة صالحة. أخبرنا عفّان بن مُسلم وسعيد بن سليمان قالا: أخبرنا خالد بن عبد الله، أخبرنى عمرو بن يحيَى عن عامر بن عبد الله بن الزّبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة، البدرى قال: كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا عُمر بن شَبّة عن الزهرىّ قال: سألتُ أبا بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن ليلة بدر فقال: ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت بدر لسبع عشرة من رمضان يوم الجمعة. قال محمد بن سعد: وهذا الثبت أنه يوم الجمعة، وحديث يوم الاثنين شاذ. أخبرنا قُتيبة بن سعيد، أخبرنا ابن لَهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن مَعْمَر بن أبى حبيبة عن ابن المسيّب أنه سأله عن الصّوم فى السَّفر، فحدّثه أنّ عمر بن الخطّاب قال: غزونا مع رسول الله، ﷺ ، فى رمضان غزوتين: يوم بدر، ويوم الفتح، فأفطرنا فيهما. أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى بن عُبيدة عن عبد الله بن عُبيدة: أنّ رسول الله، ﷺ ، غَزا غزوة بدر فى شهر رمضان فلم يَصُمْ يومًا حتى رجع إلى أهله. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا عَمرو بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب: سمعتُ موسى بن طلحة يقول: سُئل أبو أيّوب عن يوم بدر فقال: إمّا لسبع عشرة خَلَت، أو لثلاث عشرة بقيت، أو لإحدى عشرة بقيت، أو لتسع عشرة خلت. أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا حمّاد بن سلَمَة عن عاصم عن زِرّ عن ابن مسعود قال: كنّا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، وكان أبو لُبابة وعلىّ زميلى

стр. 500

رسول الله، ﷺ ، فكان إذا كانت عُقبة النبىّ قالا: اركبْ حتى نمشى عنك: فيقول: ما أنتما بأقوى على المشى منى وما أنا أغنى عن الأجرِ منكما. أخبرنا عُبيد الله بن موسى عن شَيبان عن أبى إسحاق عن أبى عُبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: لمّا أسرنا القومَ يوم بدر قلنا: كم كنتم؟ قالوا: كنّا ألفًا. أخبرنا عُبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن أبيه قال: أخذنا رجلًا منهم، يعنى من المشركين، يوم بدر فسألناه عن عدّتهم فقال: كنّا ألفًا. أخبرنا هُشيم بن بشير، أخبرنا مُجالد عن الشعبى قال: كان فداء أسارى بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك، فمن لم يكن عنده شئ أُمر أن يُعَلّمَ غِلمان الأنصار الكتابة. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: أَسَر رسول الله، ﷺ ، يوم بدر سبعين أسيرًا، وكان يفادى بهم على قدر أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء دُفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلّمهم، فإذا حذقوا فهو فداؤه. أخبرنا محمد بن الصّبّاح، أخبرنا شريك عن قريش عن عامر قال: كان فداء أهل بدر أربعين أوقيّة أربعين أوقيّة، فمن لم يكن عنده علّم عشرة من المسلمين الكتابة، فكان زَيد بن ثابت ممّن عُلِّم. أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصارى، أخبرنا هشام بن حسّان، أخبرنا محمد ابن سِيرين عن عبيدة: أنّ جبريل نزل على النبىّ، ﷺ ، فى أسارى بدر فقال: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم أخذتم منهم الفداء واستُشهد قابلٌ منكم سبعون: قال: فنادى النبىّ، ﷺ ، فى أصحابه فجاءوا أو مَن جاء منهم فقال: هذا جبريل يخيّركم بين أن تقدّموهم فتقتلوهم وبين أن تُفادوهم واستُشهِد قابلٌ منكم بعدّتهم فقالوا: بل نفاديهم فنتقوّى به عليهم ويدخل قابل منّا الجنّة سبعون، ففادَوْهم. أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا سِماك بن حرب قال: سمعتُ عِكْرِمة يقول: قيل لرسول الله، ﷺ ، لمّا فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس

стр. 501

دونها شئ: قال: فناداه العبّاس أنّه لا يصلح ذلك لك: قال: لِمَ؟ قال: لأنّ الله تعالى وَعَدَك إحدى الطائفتين فقد أعطاك ما وَعَدك. أخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرنا يونس بن أبى إسحاق عن العَيزار بن حُريث قال: أمر رسول الله، ﷺ ، فنادى يوم بدر ألا إنّه ليس لأحد من القوم عندى مِنّةٌ إلا لأبى البَختَرى، فمن كان أخذه فليُخَلّ سبيله: وكان رسول الله قد آمنه قال: فوُجد قد قُتل. أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: استقبل رسول الله، ﷺ ، البيت فدعا على نَفَر من قريش سبعة، فيهم أبو جهل وأُميّة بن خَلَف وعُتبة بن ربيعة وشَيبة بن ربيعة وعُقبة بن أبى مُعَيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم صَرْعى على بدر قد غَيّرَتهم الشمسُ، وكان يومًا حارًّا. أخبرنا خَلَف بن الوليد الأزدى، أخبرنا إسرائيل عن أَبى إسحاق عن حارثة عن علىّ قال: لمّا كان يوم بدر وحضر البأس اتقينا برسول الله، ﷺ ، وكان من أشدّ الناس بأسًا يومئذٍ، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه. أخبرنا خَلَف بن الوليد الأزدى، أخبرنا يحيَى بن زكريّاء بن أبى زائدة، حدَّثنى إِسماعيل بن أبى خالد عن البهىّ قال: لما كان يوم بدر برز عُتبة وشَيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فخرج إليهم حمزة بن عبد المطّلب وعلىّ بن أبى طالب وعُبيدة بن الحارث، فَبَرَز شيبة لحمزة فقال له شيبة: مَن أنت؟ فقال: أنا أسد الله وأسد رسوله! قال: كُفْءٌ كريم، فاختلفا ضربتين فقتله حمزة، ثمّ برز الوليد لعلىّ فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله: فقتله علىّ، ثمّ برز عُتبة لعُبيدة بن الحارث فقال عُتبة: مَن أنت؟ قال: أنا الذى فى الحلف، قال: كفءٌ كريم: فاختلفا ضربتين أوهنَ كلّ منهما صاحبه فأجاز (١) حمزة وعلىّ على عُتبة. قال أبو عبد الله محمد بن سعد: والثبت على الحديث الأوّل أنّ حمزة قتل عُتبة، وأنّ عليًّا قَتل الوليد، وأنّ عُبيدة بارزَ شيبة. أخبرنا حُجين بن المثُنّى وقُتيبة بن سعيد قالا: أخبرنا الليث بن سعد عن خالد ابن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن يزيد بن رومان: أنّ رسول الله، ﷺ ، لم

стр. 502

يكن معه يوم بدر إلا فرسان، فرس عليه المِقداد بن عمرو حليف الأسوَد خال رسول الله، ﷺ ، وفرس لِمَرْثَد بن أبى مَرْثَد الغَنَوى حليف حمزة بن عبد المطلب، وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس. قال قُتيبة فى حديثه: كانت ثلاثة أفراس فرس عليه الزّبير بن العوّام. أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيوب عن عكرمة: أنّ النبىّ، ﷺ . بعث عدِىّ بن أبى الزّغباء وبَسبَسَ بن عمرو طلِيعَة، يوم بدر، فأتيا الماء فسألا عن أَبى سُفيان فأُخبرا بمكانه. فرجعا إلى رسول الله، ﷺ . فقالا: يا رسول الله نزل ماء كذا يوم كذا، وننزل نحن ماء كذا يوم كذا. وينزل هو ماء كذا يوم كذا، وننزل نحن ماء كذا يوم كذا حتى نلتقى نحن وهو على الماء، قال: فجاء أبو سفيان حتّى نزل ذلك الماء فسأل القوم: هل رأيتم من أحد؟ قالوا: لا إلّا رجلين، قال: أرُونى مُناخَ رِكابهما، قال: فأرَوْه، قال: فأخذ البَعْر ففتّه فإذا فيه النّوَى فقال: نواضح يثرب والله! قال: فأخذ ساحل البحر وكتب إلى أهل مكّة يُخبرهم بمسير النبىّ، ﷺ . أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن عِكرمة قال: استشار رسول الله، ﷺ ، يومئذ الناس، فقال سعد بن عُبادة أو سعد بن مُعاذ: يا رسول الله سِرْ إذا شئتَ وانزلْ حيث شئتَ وحاربْ مَن شئتَ وسالِمْ مَن شئتَ، فوالذى بعثك بالحقّ لو ضربتَ أكبادها حتّى تبلغ بَرْك الغُماد من ذى يَمَن تبعناك ما تخلّف عنك منّا أحد! قال: وقال لهم يومئذ عُتبة بن ربيعة: ارجعوا بوجوهكم هذه التى كأنها المصابيح عن هؤلاء الذين كأنّ وجوههم الحيّات، فوالله لا تقتلونهم حتّى يقتلوا منكم مثلَهم فما خيركم بعد هذا؟ قال: وكانوا يأكلون يومئذ تمرًا، فقال رسول الله، ﷺ : ابتدروا جنّة عرضُها السموات والأرض، قال: وعُمير بن الحُمام فى ناحية بيده تمرٌ يأكله فقال: بَخْ بَخْ! فقال له النبىّ، ﷺ : مَهْ! قال: لن تعجزَ عنّى، ثمّ قال: لا أزيد عليكنّ حتى ألحق بالله، فجعل يأكل ثمّ قال: هِيهِ حبستنى! ثمّ قذَفَ ما فى يده وقام إلى سيفه وهو معلّق مَلفوف بِخِرَقٍ، فأخذه ثمّ تقدّم فقاتل حتّى قُتِل، وكانوا يومئذ يميدون من النّعاس ونزلوا على كَثيب أهْيلَ، قال: فمطرت السماء فصار مثل الصفا يَسْعونَ عليه سَعيًا،

стр. 503

وأنزل الله، جلّ ثناؤه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [سورة الأنفال: ١١]. قال: وقال عمر لمّا نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [سورة القمر: ٤٥] قال: قلت وأىّ جمع يهزم ومن يُغلب؟ فلمّا كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله، ﷺ ، يثب فى الدّرع وَثبًا وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [سورة القمر: ٤٥]، فعلمت أنّ الله، ﵎، سيهزمهم. أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنفال: ٢٦] قال: نزلت فى يوم بدر. قال: ونزلت هذه الآية: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [سورة الأنفال: ١٥]: قال: نزلت فى يوم بدر. قال: ونزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [سورة الأنفال: ١] يوم بدر. أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد، أخبرنا أيّوب ويزيد بن حازم: أنهما سمعا عكرمة يقرأ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة الأنفال: ١٢] قال حمّاد: وزاد أيوب قال: قال عكرمة: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [سورة الأنفال: ١٢] قال: كان يومئذٍ يَندُر رأس الرجل لا يُدْرى من ضربه وتندر يد الرجل لا يُدرى من ضربه. أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن عِكرمة قال: قال رسول الله، ﷺ ، يومئذ: اطلبوا أبا جَهل، فطلبوه فلم يوجد فقال: اطلبوه فإنّ عهدى به وركبتهُ مَحُوزةٌ، فطلبوه فوجدوه وركبته مَحُوزة. قال: وبلَغ فِداء أهل بدر يومئذ أربعةَ آلاف فما دون ذلك، حتى إن كان الرّجل يُحسنُ الخطّ ففُودىَ على أن يُعَلّمَ الخط. أخبرنا عُبيد الله بن عبد المجيد الحنفى قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن ابن مَوْهَب، حدّثنى إسماعيل بن عَوْن بن عبيد الله بن أبى رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علىّ بن أبى طالب عن أبيه محمد بن عمر عن علىّ بن أبى طالب قال: لمّا كان يوم بدر قاتلتُ شيئًا من قتال ثمّ جئتُ مُسرعًا إلى النبىّ،

стр. 504

- ﷺ ، لأنظر ما فعل، فإذا هو ساجد يقول: يا حَىّ يا قيّوم! يا حَىّ يا قيّوم! لا يزيد عليهما، ثمّ رجعت إلى القتال، ثمّ جئت وهو ساجد يقول ذلك، ثمّ ذهبت إلى القتال، ثمّ رجعت وهو ساجد يقول ذلك، ففتح الله عليه. أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا عبد الرحمن بن أبى الزّناد عن أبيه عن عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: تنفّل رسول الله، ﷺ ، سيفه ذا الفقار يوم بدر. أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارَك، أخبرنا هشام بن عروة عن عبّاد بن حمزة بن الزبير قال: نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم صُفرٌ وكان على الزبير يوم بدر ريطة (١) صفراءُ قد اعتجَرَ بها. أخبرنا عتّاب بن زياد بن المبارك، أخبرنا أبو بكر بن أبى مريم الغَسّانى عن عطيّة بن قيس قال: لمّا فرغ النبىّ، ﷺ ، من قتال أهل بدر أتاه جبريل على فرس أنثى حمراء عاقدًا ناصيتَه، يعنى جبريل عليه درعه ومعه رُمحه قد عَصَم ثنيّته الغبارُ، فقال: يا محمد إن الله، ﵎، بعثنى إليك وأَمَرَنى أن لا أفارقك حتى تَرضَى، هل رضيت؟ قال: نعم رضيتُ، فانصرف. أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن زيد قال: سمعتُ أيّوب عن عكرمة: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ [سورة الأنفال: ٤٢] قال: وكان هؤلاء على شفير الوادى وهؤلاء على الشّفير الآخر، قال: وهكذا قرأه عفّان بالعُدْوة. أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زهير، أخبرنا جابر عن عامر قال: خرج رسول الله، ﷺ ، إلى بدر فاستخلف على المدينة عَمرو بن أُمّ مكتوم. أخبرنا أبو المنذر البزّاز، أخبرنا سفيان عن الزّبير بن عَدىّ عن عطاء بن أبى رَباح: أنّ رسول الله، ﷺ ، صلَّى على قَتلى بدر. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا زكريّاء بن أبى زائدة عن عامر قال: سمعته يقول إنّ بدرًا إّنما كانت لرجل يدعى بدرًا، قال: يعْنى مَيرًا.

стр. 505

قال محمد بن سعد: قال محمّد بن عمر: وأصحابنا من أهل المدينة ومن روى السيرة يقولون: اسم الموضع بدر. * * * سريّة عُمير بن عدى (١) ثمّ سريّة عُمير بن عدىّ بن خرشةَ الخَطمى إلى عَصماء بنت مروان من بنى أميّة بن زيد لخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من مُهاجَرِ رسول الله، ﷺ ، وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حِصن الخطمى، وكانت تَعيب الإسلام وتُؤْذى النبىّ وتُحرِّض عليه وتقول الشعر، فجاءها عمير بن عدىّ فى جوف اللّيل حتّى دَخَل عليها بيتها، وحولها نفرٌ من وَلَدها نِيام منهم من تُرْضِعُه فى صدرها، فَجَسّها بيده، وكان ضريرَ البصر، ونَحّى الصبىّ عنها ووضع سيفه على صَدرها حتّى أنفذه من ظهرها، ثمّ صلّى الصّبح مع النبىّ، ﷺ ، بالمدينة فقال له رسول الله، ﷺ : أقتلتَ ابنة مروان؟ قال: نعم، فهل علىّ فى ذلك من شئ؟ فقال: لا ينتطح فيها عَنزانِ (٢)! فكانت هذه الكلمة أوّلَ ما سُمعت من رسول الله، ﷺ ، وسماه رسول الله، ﷺ ، عُميرًا البصير. * * * سريّة سالم بن عُمَير (٣) ثمّ سريّة سالم بن عُمير العَمرى إلى أبى عَفَك اليهودى فى شوّال على رأس عشرين شهرًا من مُهاجَرِ رسول الله، ﷺ ، وكان أبو عفك من بنى عَمرو بن عوف شيخًا كبيرًا قد بلَغَ عشرين ومائة سنة، وكان يهوديًّا، وكان يحرّض على رسول الله، ﷺ ، ويقول الشعر، فقال سالم بن عُمير، وهو أحد البكّائين وقد

стр. 506

شَهد بدرًا: علىّ نَذْرٌ أنْ أقتلَ أبا عفكٍ أو أموتَ دونه: فأمهَلَ يطلب له غِرّة حتّى كانت ليلةٌ صائفةٌ، فنام أبو عفك بالفِناء وعلم به سالم بن عُمير، فأقبل فوضع السيف على كَبده ثمّ اعتمدَ عليه حتى خشّ فى الفراش، وصاح عدوّ الله، فثاب إليه ناسٌ ممن هُمْ على قوله فأدخلوه منزله وقبروه. * * * غزوة بنى قَينُقَاع (١) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، بنى قينقاع يوم السبت للنصف من شوّال على رأس عشرين شهرًا من مهُاجَره، وكانوا قومًا من يهود حُلفاء لعبد الله بن أُبىّ بن سَلول، وكانوا أشجعَ يهودَ، وكانوا صاغَة فوادعوا النبىّ، ﷺ ، فلمّا كانت وقعة بدر أظهروا البَغى والحَسَدَ ونَبذوا العَهدَ والمُدَّة (٢)؟ فأنزل الله، ﵎، على نبيّه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾. [سورة الأنفال: ٥٨]، فقال رسول الله، ﷺ : أنا أخاف بنى قَيْنُقَاع، فسار إليهم بهذه الآية. وكان الذى حَمل لواءه يومئذ حمزة بن عبد المطّلب، وكان لواء رسول الله، ﷺ ، أبيض ولم تكن الرايات يومئذ، واستخلف على المدينة أبا لُبابة بن عبد المنذر العَمرى ثمّ سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذى القعدة، فكانوا أوّلَ من غَدَر من اليهود وحاربوا وتحصّنوا فى حصنهم، فحاصرهم أشدّ الحصار حتى قذف الله فى قلوبهم الرّعبَ، فنزلوا على حكم رسول الله، ﷺ ، أن لرسول الله، ﷺ ، أموالهم وأنّ لهم النساء والذّرّيّة، فأمر بهم فكُتِّفُوا، واستعمل رسول الله، ﷺ ، على كتافهم المنذر بن قُدامة السَّلَمى (٣) من بنى السلم، رهط سعد بن خَيْثَمَة، فكلم فيهم عبدُ الله بن أُبىّ رسولَ الله، ﷺ ، وألحّ عليه فقال: خلّوهم لعنهم الله ولعنه معهم! وتركهم من القتل وأمر بهم أن يُجلَوا من المدينة، وولّى إخراجهم منها عُبادة بن الصامت

стр. 507

فلحقوا بأذرعات (١) فما كان أقلّ بقاءَهم بها، وأخذ رسول الله، ﷺ ، من سلاحهم ثلاث قسىّ: قوسًا تُدعى الكَتُوم كُسرت بأُحُد، وقوسًا تُدعى الرّوْحاء، وقوْسًا تُدعى البيضاء، وأخذ درعين من سلاحهم: درعًا يقال لها الصغديّة وأخرى فضّة، وثلاثة أسياف سيفٌ قَلَعىّ (٢) وسيف يقال له بتّار وسيف آخر، وثلاثة أرماح، ووجدوا فى حصنهم سلاحًا كثيرًا وآلة الصّياغة فأخذ رسول الله، ﷺ ، صَفيّه (٣) والخُمس وفَضّ أربعة أخماس على أصحابه (٤)، فكان أوّلَ خُمس خُمّس بعد بدر، وكان الذى ولى قبض أموالهم محمّد بن مَسلمة. * * * غزوة السَّويق (٥) ثمّ غزوة النبىّ، ﷺ ، التى تُدعَى غزوة السويق. خرج رسول الله، ﷺ ، يوم الأحد لخمس خلون من ذى الحجّة على رأس اثنين وعشرين شهرًا من مُهاجَره، واستخلف على المدينة أبا لُبابَة بن عبد المنذر العمرى، وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرم الدّهن حتى يثّئِرَ (٦) من محمّد وأصحابه، فخرج فى مائتى راكب، فى حديث الزهرىّ، وفى حديث ابن كعب فى أربعين راكبًا، فسلكوا النجديّة فجاءوا بنى النّضير ليلًا فطرقُوا حُيىّ ابن أخْطَب ليستخبروه من أخبار رسول الله، ﷺ ، وأصحابه، فأبَى أن يفتح لهم، وطرقوا سَلّام بن مِشكَم ففتح لهم وقراهم وسقاهم خمرًا وأخبرهم من أخبار رسول الله، ﷺ : فلمّا كان بالسحَر خرج أبو سفيان بن حرب فمرّ بالعُريض (٧)، وبينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال، فقتل به رجلًا من الأنصار وأجيرًا له وحرّق أبياتًا هناك وتِبنًا، ورأى أن يمينه قد حلّت ثمّ ولّى هاربًا، فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فندب أصحابه وخرج فى مائتى رجل من المهاجرين والأنصار فى أثرهم

стр. 508

يطلبهم، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخفّفون فيُلقون جُرُبَ السويق (١) وهى عامّة أزوادهم، فجعل المسلمون يأخذونها فَسُمّيت غزوة السويق ولم يلحقوهم، وانصرف رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة وكان غاب خمسة أيام. * * * غزوة قَرْقرة الكُدْر (٢) ويُقال: قَرارة الكُدر. ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، قرقرة الكُدْر، ويُقال قرارة الكُدْر، للنصف من المحرّم على رأس ثلاثة وعشرين شهرًا من مُهاجَره، وهى بناحية معدن بنى سُليم قريب من الأرْحَضِيّة وَراء سُدّ مَعُونَة، وبين المعدن وبين المدينة ثمانية بُرُد، وكان الذى حمل لواءه، ﷺ ، علىّ بن أبى طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، فكان بلغه أن بهذا الموضع جمعًا من سُليم وغَطفان، فسار إليهم فلم يجد فى المجال أحدًا، وأرسل نفرًا من أصحابه فى أعلى الوادى واستقبلهم رسول الله، ﷺ ، فى بطن الوادى فوجد رُعاءً فيهم غلام يقال له يَسار، فسأله عن النّاس فقال: لا علم لى بهم إنما أُورِدُ لِخِمْسٍ وهذا يومٌ رِبعىّ والنّاس قد ارتفعوا إلى المياه ونحن عُزّاب (٣) فى النعم. فانصرف رسول الله، ﷺ ، وقد ظَفَر بالنَّعَم فانحدر به إلى المدينة فاقتسموا غنائمهم بصِرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النَّعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسَه وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران، وكانوا مائتى رجل، وصار يَسار فى سهم النبىّ، ﷺ ، فأعتقه: وذلك أنّه رآه يصلّى وغاب رسول الله، ﷺ ، خمس عشرة ليلة. * * * سريّة قتل كعب بن الأشرَف (٤) ثمّ سريّة قتل كعب بن الأشرَف اليهودىّ، وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من

стр. 509

شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، وكان سبب قتله أنه كان رجلًا شاعرًا يهجو النبىّ، ﷺ ، وأصحابَه ويُحرّض عليهم ويؤذيهم، فلمّا كانت وقعة بدر كُبِتَ وذلّ وقال: بطن الأرض خيرٌ من ظهرها اليوم، فخرج حتى قدم مكة فبكّى قتلى قريش وحرّضهم بالشعر، ثمَّ قدم المدينة فقال رسول الله، ﷺ : اللهمّ اكفِنى ابن الأشرف بما شئتَ فى إعلانه الشرّ وقوله الأشعار، وقال أيضًا: مَن لى بابن الأشرف فقد آذانى؟ فقال محمّد بن مَسلمة: أنا به يا رسول الله وأنا أقتله، فقال: افعلْ وشاوِرْ سعْد بن مُعاذ فى أمره. واجتمع محمّد بن مَسلمة ونفر من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو نائلة سِلكان بن سلامة والحارث بن أوس بن مُعاذ وأبو عبس بن جبر فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله فَأذنْ لنا فَلنَقُلْ: فقال: قولوا. وكان أبو نائلة أخا كعب بن الأشرف من الرّضاعة فخرج إليه، فأنكره كعب وذعر منه فقال: أنا أبو نائلة إنّما جئت أخبرك أنّ قدوم هذا الرّجل كان علينا من البلاء، حاربتنا العرب ورمَتنا عن قوس واحدة ونحن نريد التنحّى منه، ومعى رجال من قومى على مثل رأيى وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعامًا وتمرًا ونَرهنك ما يكون لك فيه ثقةٌ، فسكن إلى قوله وقال: جِئْ بهم متى شئت. فخرج من عنده على ميعاد فأتى أصحابه فأخبرهم، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى، ثمّ أتوا رسول الله، ﷺ ، فأخبروه فمشى معهم حتى أتى البقيع ثمّ وجّههم وقال: امضوا على بركة الله وعونه: قال: وفى ليلة مقمرة، فمضوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف له أبو نائلة فوثب، فأخذت امرأته بمِلحفَته وقالت: أين تذهب؟ إنّك رجل محارب! وكان حديثَ عهدٍ بعُرْسٍ، قال: ميعادٌ علىّ وإنما هو أخى أبو نائلة، وضرب بيده الملحفة وقال: لو دُعِى الفتى لطعنةٍ أجاب، ثم نزل إليهم فحادثوه ساعة حتى انبسط إليهم وأنس بهم، ثم أدخل أبو نائلة يده فى شعره وأخذ بقُرون رأسه وقال لأصحابه: اقتلوا عدوّ الله! فضربوه بأسيافهم فالتفّت عليه فلم تُغنِ شيئًا ورد بعضها بعضًا ولصق بأبى نائلة. قال محمّد بن مَسلمة: فذكرتُ مِغولًا (١) كان فى سيفى فانتزعته فوضعته

стр. 510

فى سُرّته ثمّ تحاملت عليه فقططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح عدوّ الله صَيحة ما بقى أطمٌ من آطام يهود إلّا أوقدت عليه نار: ثمّ حزّوا رأسه وحملوه معهم، فلمّا بلغوا بقيع الغَرْقد كبّروا وقد قام رسول الله، ﷺ ، تلك اللّيلة يصلى، فلمّا سمع تكبيرهم كبّر وعرف أن قد قتلوه، ثمّ انتهوا إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: أفلَحَتِ الوجوهُ! فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، فلمّا أصبح قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه! فخافت اليهود فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا وخافوا أن يُبَيَّتوا كما بُيّتَ ابن الأشرف. أخبرنا محمّد بن حُميد العبدى عن مَعمر بن راشد عن الزّهرى، فى قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [سورة آل عمران: ١٨٦]، قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرّض المشركين على رسول الله، ﷺ ، وأصحابه يعنى فى شعره، يهجو النبىّ، ﷺ ، وأصحابه. فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار فيهم محمّد بن مَسلَمة ورجل آخر يقال له أبو عَبس، فأتوه وهو فى مجلس قومه بالعوالى، فلمّا رآهم ذُعِرَ منهم وأنكرَ شأنهم، قالوا: جئناك فى حاجةٍ، قال: فَلْيَدْنُ إلىّ بعضكم فَليُخْبِرنى بحاجته، فجاءه رجل منهم فقالوا: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنَستنفِق بها، فقال: والله لئن فعلتم لقد جُهِدتم مذ نزل بكم هذا الرجل. فواعدوه أن يأتوه عشاء حين تهدّأ عنهم الناس، فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرَقَك هؤلاء ساعتَهم هذه لشئ ممّا تُحبّ! قال: إنّهم حدّثونى بحديثهم وشأنهم. أخبرنا محمّد بن حُميد عن معمر عن أيّوب عن عِكرمة أنّه أشرف عليهم فكلّموه وقال: ما تَرهنون عندى؟ أترهنونى أبناءكم؟ وأراد أن يُسلِفهم تمرًا، قالوا: إنّا نستحى أن يُعيّرَ أبناؤنا فيقال هذا رهينةُ وسقٍ وهذا رهينة وسقين! قال: فترهنونى نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل النّاس ولا نأمَنك، وأىّ امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنّا نرهنك سِلاحنا وقد علمتَ حاجتنا إلى السلاح اليوم! قال: نعم ائتونى بسلاحكم واحتملوا ما شئتم، قالوا: فانزلْ إلينا نأخُذْ عليك وتأخُذْ علينا، فذهب ينزل، فتعلّقت به امرأته وقالت: أرسلْ إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك، قال: لو وجدنى هؤلاء نائمًا ما أيقظونى، قالت: فكلّمهم من فوق

стр. 511

البيت، فأبى عليها فنزل إليهم تفوح ريحه فقالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: عطر أمّ فلان لامرأته، فدنا بعضهم يشمّ رأسه ثمّ اعتنقه وقال: اقتلوا عدوّ الله! فطعنه أبو عَبس فى خاصرته وعلاه محمّد بن مَسلمة بالسيف فقتلوه. ثمّ رجعوا فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا النبىّ، ﷺ ، فقالوا: قُتِل سيدنا غِيلةً! فذكّرهم النبىّ، ﷺ ، صنيعَه وما كان يحضّ عليهم ويحرّض فى قتالهم ويؤذيهم، ثمّ دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحًا أحسبُه. قال: وكان ذلك الكتاب مع علىّ، رضى الله عنه، بَعدُ. * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، غَطَفان (١) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، غَطَفان إلى نجد، وهى ذو أمَرّ، ناحيةَ النُّخيل، فى شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مُهاجَره، وذلك أنّه بلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ جمعًا من بنى ثعلبة ومحارب بذى أمَرّ قد تجمّعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله، ﷺ . جَمَعَهُم رجل منهم يقال له دُعثور بن الحارث من بنى محارب. فندب رسول الله، ﷺ ، المسلمين وخرج لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل فى أربعمائة وخمسين رجلًا، ومعهم أفراس. واستخلف على المدينة عثمان بن عفّان، فأصابوا رجلًا منهم بذِى القَصّة يقال له جبّار من بنى ثعلبة، فأُدخل على رسول الله، ﷺ ، فأخبره من خبرهم وقال: لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك هربوا فى رءوس الجبال وأنا سائرٌ معك. فدعاه رسول الله، ﷺ إلى الإسلام فأسلَم. وضمّه رسول الله، ﷺ ، إلى بِلال ولم يلاقِ رسول الله، ﷺ ، أحدًا إلا أنّه ينظر إليهم فى رءوس الجبال. وأصابَ رسولَ الله وأصحابه مَطرٌ، فنزع رسول الله، ﷺ ، ثوبَيه ونَشرهما ليَجِفّا وألقاهما على شجرة واضطجعَ، فجاء رجلٌ من العدوّ يقال له دُعْثُور بن الحارث ومعه سَيف حتى قام على رأس رسول الله، ﷺ ، ثمّ قال: مَن يمنعك منّى اليوم؟ قال رسول الله، ﷺ : اللهُ! ودفع جبريل فى صدره فوقَع السيف من يده، فأخذه رسول

стр. 512

الله، ﷺ ، وقال له: من يمنعك منّى؟ قال: لا أحد! أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله! ثمّ أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام ونزلت هذه الآية فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ (الآية) [سورة المائدة: ١١] ثمّ أقبل رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة ولم يلقَ كيدًا وكانت غَيبته إحدى عشرة ليلة. * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، بنى سُليم (١) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، بنى سُلَيم ببُحران لستٍّ خَلَون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرًا من مُهاجَره، وبُحران بناحية الفُرُع وبين الفُرُع والمدينة ثمانية بُرُد، وذلك أنّه بلغه أنّ بها جَمعًا من بنى سُلَيم كثيرًا، فخرج فى ثلاثمائة رجل من أصحابه واستخلف على المدينة ابن أمّ المكتوم، وأَغَذَّ السَّيْرَ حتّى ورد بُحرانَ فوجدهم قد تفرّقوا فى مِياهِهم، فرجع ولم يلقَ كيدًا. وكانت غَيبته عشر ليال. * * * سريّة زَيد بن حارثة (٢) ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى القَرَدَة (٣)، وكانت لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، وهى أوّل سريّة خرج

стр. 513

فيها زيد أميرًا، والقَرَدَة من أرض نجد بين الرّبَذَة والغَمرة ناحيَةَ ذات عِرْق، بعثه رسول الله، ﷺ ، يعترض لعير قريش، فيها صَفوان بن أُميّة وحُويطب بن عبد العُزّى وعبد الله بن أبى رَبيعة، ومعه مالٌ كثيرٌ نُقَرٌ وآنية فضّةٍ وزن ثلاثين ألف درهم. وكان دليلهم فُرات بن حَيّان العِجلى. فخرج بهم على ذاتِ عِرْق طريقَ العراق، فبلغ رسول الله، ﷺ ، أمرهم فوجّه زيدَ بن حارثة فى مائة راكب فاعترضوا لها، فأصابوا العير وأفلتَ أعيانُ القوم، وقَدِموا بالعير على رسول الله، ﷺ ، فخمّسها فبلغ الخمسُ فيه عشرين ألف درهم، وقسم ما بقى على أهل السريّة، وأُسِرَ فُرات بن حيّان فأتى به النبىّ، ﷺ ، فقيل له: إن تُسلمْ تُتْرَكْ! فأسلم فتركه رسول الله، ﷺ ، من القتل. * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، أحُدًا (١) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، أُحُدًا يوم السبت لسبعِ ليالٍ خلونَ من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من مُهاجَره. قالوا: لمّا رجع مَن حضر بدرًا من المشركين إلى مكّة وجَدوا العِيرَ التى قدم بها أبو سفيان بن حرب موْقُوفَةً فى دار النّدْوة، فمشَت أشراف قريش إلى أبى سفيان فقالوا: نحن طيّبُو أنفُسٍ إن تُجَهّزوا برِبح هذه العير جيشًا إلى محمّد، فقال أبو سفيان: وأنا أوّل من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معى: فباعوها فصارت ذهبًا فكانت ألفَ بعير والمال خمسين ألف دينار، فسلّم إلى أهل العير رءوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يَرْبَحُون فى تجارتهم للدينار دينارًا، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٣٦] وبعثوا رُسُلَهُم يسيرون فى العرب يدعونهم إلى نصرهم، فأوعبوا وتألّب من كان معهم من العرب وحضروا، فأجمعوا على إخراج الظُّعن، يعنى النساء، معهم ليذكّرنَهم قَتلَى بدر فيُحفِظنَهُم فيكونَ أحدّ لهم فى القِتال. وكتب العبّاس بن عبد المطّلب بخبرهم كلّه إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبر رسول الله، ﷺ ، سعدَ بن الرّبيع بكتاب العبّاس، وأَرْجَفَ (٢) المنافقون واليهود

стр. 514

بالمدينة، وخرجت قريش من مكّة ومعهم أبو عامر الفاسق، وكان يسمّى قبل ذلك الرّاهب، فى خمسين رجلًا من قومه، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، والظُّعن خمسَ عشرةَ امرأة، وشاع خبرهم ومَسِيرهم فى النّاس حتى نزلوا ذا الحُليفة، فبعثَ رسول الله، ﷺ ، عينَينِ له أنَسًا ومُؤنِسًا ابنى فَضَالة الظّفَريّين، ليلة الخميس لخمس ليالٍ مضينَ من شوّال، فأتيا رسولَ الله، ﷺ ، بخبرهم وأنّهم قد خلّوا إبلهم وخيلهم فى الزرع الذى بالعُريض حتى تركوه ليس به خضراءُ (١). ثمّ بعث الحُبابَ بن المنذر بن الجَموح إليهم أيضًا فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن مُعاذ وأسيد بن حُضير وسعد بن عُبادة، فى عِدّةٍ ليلة الجمعة، عليهم السّلاحُ فى المسجد بباب رسول الله، ﷺ ، وحُرست المدينة حتى أصبحوا. ورأى رسول الله، ﷺ ، تلك الليلة كأنّه فى درع حصينة، وكأنّ سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظُبَته، وكأنّ بقرًا تُذَبّح، وكأنّه مُرْدِفٌ كبشًا، فأخبر بها أصحابَه وأوّلَها، فقال: أمّا الدّرْع الحصينة فالمدينة، وأمّا انفصامُ سيفى فمُصيبةٌ فى نفسى، وأمّا البقر المذبّح فقتْلٌ فى أصحابى، وأمّا مردفٌ كبشًا فكبشُ الكتيبة يقتله الله إن شاء الله (٢). فكان رأى رسول الله، ﷺ ، أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحبّ أن يوافَق على مثل رأيه فاستشار أصحابَه فى الخروج فأشار عليه عبد الله بن أُبىّ بن سَلول أن لا يخرج، وكان ذلك رأى الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله، ﷺ : امكثوا فى المدينة واجعلوا النساء والذّرارىّ فى الآطام (٣). فقال فتيانٌ أحداثٌ لم يشهدوا بدرًا فطلبوا من رسول الله، ﷺ ، الخروج إلى عدوّهم ورغبوا فى الشهادة: اخرجْ بنا إلى عدوّنا! فَغَلَبَ على الأمر الذين يريدون الخروج، فصلّى رسول الله، ﷺ ، الجمعة بالنّاس ثمّ وعظهم وأمرهم

стр. 515

بالجدّ والجِهاد وأخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيّؤ لعدوّهم ففرح النّاس بالشّخوص ثمّ صلّى بالنّاس العصر وقد حشدوا وحضر أهل العوالى (١)، ثمّ دخل رسول الله ﷺ ، بيتَه ومعه أبو بكر وعمر فعمّماه وأَلْبَساه (٢) وصفّ (٣) النّاس له ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد بن مُعاذ وأسيد بن حُضير استكرهتم رسولَ الله، ﷺ ، على الخروج والأمرُ ينزل عليه من السماء فرُدّوا الأمرَ إليه (٤). فخرج رسول الله، ﷺ ، قد لبس لأمته (٥) وأظهر الدرع وحزم وسطَها بمِنطَقَةٍ من أَدَم من حمائل السيف، واعتمّ وتقلّد السيف وألقى الترس فى ظهره، فندموا جميعًا على ما صنعوا وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنعْ ما بدا لك، فقال رسول الله، ﷺ : لا ينبغى لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما أمرتُكم به فافعلوه وامضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم (٦). ثمّ دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حُضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحبُاب بن المنذر، ويُقال إلى سعد بن عُبادة، ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، ويُقال إلى مُصعب بن عُمَير، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ثمّ ركب رسول الله، ﷺ ، فرسه وتنكّب (٧) القوسَ وأخذ قناةً بيده والمسلمون عليهم السّلاحُ قد أظهروا الدّروع فيهم مائة دارع، وخرج السّعدانِ أمامَه يعدُوَانِ: سعد بن مُعاذ وسعد بن عُبادة، وكلّ واحد منهما دارعٌ والنّاس عن يمينه وشماله. فمضى حتّى إذا كان

стр. 516

بالشّيخين، وهما أُطُمان -كان يهودى ويهودية يقومان عليه يتحدثان، فلذلك سميا بالشيخين، وهما فى طرف المدينة- (١) التفت فنظر إلى كتيبة خشناء (٢) لها زَجَلٌ (٣) فقال: ما هذه؟ قالوا: حُلفاء ابن أُبىّ من يهود: فقال رسول الله، ﷺ : لا تستنصروا بأهل الشّرك على أهل الشرك. وعَرض من عرض بالشيخين فردّ مَن ردّ وأجاز مَن أجاز (٤). وغابت الشمس وأذّن بلال المغرب فصلّى النبىّ، ﷺ ، بأصحابه وبات بالشيخين وكان نازلًا فى بنى النجّار، واستعمل على الحَرَس تلك الليلة محمّدَ بن مَسلمة فى خمسين رجلًا يُطيفون بالعسكر. وكان المشركون قد رأوا رسول الله، ﷺ . حيث رَاحَ ونَزَل. فاجتمعوا واستعملوا على حَرَسهم عِكْرمة بن أبى جهل فى خيل من المشركين، وأدلج رسول الله، ﷺ ، فى السَّحَر ودليله أبو حَثْمة (٥)

стр. 517

الحارثى فانتهى إلى أُحُد إلى موضع القنطرة اليوم فحانَت الصلاة، وهو يرى المشركين، فأمر بلالًا وأذّن وأقام فصلّى بأصحابه الصبح صفوفًا (١). وانخزل ابن أُبىّ من ذلك المكان فى كتيبة كأنّه هَيْقٌ (٢) يقادمهم وهو يقول: عصانى وأطاع الوِلدَانَ ومَن لا رأىَ له، وانخزلَ معه ثلاثمائة، فبقى رسول الله، ﷺ ، فى سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبى بُرْدَةَ بن نِيار، وأقبل يصفّ أصحابه ويسوّى الصّفوف على رجليه، وجعل ميمنةً وميسرةً وعليه درعان ومِغْفَر وبَيْضة، وجعل أُحُدًا خلف ظهره واستقبل المدينة، وجعل عَينَينِ (٣) جبلًا بقَناة عن يساره وجعل عليه خمسين من الرّماة، واستعمل عليهم عبد الله بن جُبَير وأوعز إليهم فقال: قوموا على مصافّكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشرَكونا، وإن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا (٤). وأقبل المشركون قد صفّوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل، ولهم مُجنِّبتان (٥) مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صَفوان بن أميّة، ويقال عمرو بن العاص، وعلى الرّماة عبد الله بن أبى ربيعة، وكانوا مائة رامٍ، ودفعوا اللّواء إلى طلحة بن أبى طلحة، واسم أبى طلحة عبد الله بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصىّ. وسأل رسول الله، ﷺ : من يحمل لواء المشركين؟ قيل: عبد الدار، قال: نحن أحقّ بالوفاء منهم، أين مُصعَب بن عُمير؟ قال: هَأنَذا، قال: خُذ اللّواء، فأخذه مصعب بن عُمير فتقدّم به بين يدى رسول الله، ﷺ (٦).

стр. 518

فكان أوّلَ من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق، طلع فى خمسين من قومه فنادى: أنا أبو عامر، فقال المسلمون: لا مرحبًا بك ولا أهلًا، يا فاسق! قال: لقد أصاب قومى بعدى شرّ، ومعه عَبيدُ قريش، فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى ولّى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالأكبار والدّفوف والغرابيل (١) ويحرّضن ويذكّرنهم قَتلَى بدر ويقلن: نَحنُ بنَاتُ طارِقْ … نَمشى عَلى النّمَارِقْ إنْ تُقبِلُوا نُعانِقْ … أوْ تُدْبِروا نُفارِقْ فِرَاقَ غَيرِ وامِقْ (٢) قال: ودنا القوم بعضهم من بعض والرّماة يَرْشُقون خيل المشركين بالنبل فَتُوَلِّى هوارب (٣)، فصاح طلحة بن أبى طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، فالتقيا بين الصفّين فبدره علىّ فضربه على رأسه حتّى فلق هامتَه فوقع، وهو كبش الكتيبة، فسُرّ رسول الله، ﷺ ، بذلك وأظهر التكبير، وكبّر المسلمون وشدّوا على كتائب المشركين يضربونهم حتّى نَغَضَت (٤) صفوفُهم، ثم حمل لواءَهم عثمان بن أبى طلحة أبو شيبة وهو أمَامَ النسوة يرتجز ويقول: إنّ عَلَى أهلِ اللّواءِ حقّا … أنْ تُخضَبَ الصّعدَةُ أوْ تَنْدَقَّا (٥) وحمل عليه حمزة بن عبد المطّلب، فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكَتِفَه حتى انتهى إلى مُؤتَزَرِهِ وبدا سَحرُه (٦)، ثمّ رجع وهو يقول: أنا ابن ساقى الحَجِيج، ثمّ حمله أبو سعد بن أبى طلحة فرماه سعد بن أبى وقّاص فأصاب حَنجَرَتَه فأدلع (٧) لسانَه إدْلاعَ الكلب فقتله، ثمّ حمله مُسافِع بن طلحة بن أبى

стр. 519

طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبى الأقْلَح فقتله، ثمّ حمله الحارث بن طلحة بن أبى طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثم حمله كلاب بن طلحة بن أبى طلحة فقتله الزُّبير بن العوّام، ثمّ حمله الجُلاس بن طلحة بن أبى طلحة فقتله طلحة بن عُبيد الله، ثم حمله أرطاة بن شُرَحبِيل فقتله على بن أبى طالب، ثمّ حَمله شريح ابن قارظ فلسنا ندرى مَن قتله، ثمّ حمله صُؤاب غلامهم وقال قائل: قتله سعد ابن أبى وقّاص، وقال قائل: قَتَله علىّ بن أبى طالب، وقال قائل: قَتَله قُزْمان، وهو أثبتُ القول (١). فلمّا قُتل أصحاب اللواء انكشَفَ المشركون منهزمين لا يلوون على شئ، ونساؤهم يدعون بالويل، وتَبِعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم، وتكلّم الرّماة الّذين على عَينَين واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبد الله بن جُبير فى نَفَر يسير دون العَشَرة مكانهم، وقال: لا أجاوز أمرَ رسول الله، ﷺ ، ووعظَ أصحابَه وذكّرهم أمرَ رسول الله، ﷺ ، فقالوا: لم يُرِدْ رسول الله، ﷺ ، هذا، قد انهزم المُشركون فما مُقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم وخلّوا الجبل، ونظرَ خالد بن الوليد إلى خَلاء الجبل وقلّة أهله فكرّ بالخيل وتبعه عِكْرِمة بن أبى جهل فحملوا على مَن بقى مِن الرّماة فقتلوهم، وقُتل أميرهم عبد الله بن جُبير، ﵀. وانتقضت صفوف المسلمين واستدارَت رَحاهم وحالتِ الرّيح فصارت دَبُورًا، وكانت قبل ذلك صبًا (٢). ونادى إبليس لعنه الله: إنّ مُحمّدًا قد قُتِل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضًا ما يشعرون به من العَجَلَة والدّهَش، وقُتل مُصعَب بن عُمير فأخذ اللواءَ مَلَكٌ فى صورة مُصعَب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تُقاتل، ونادى المُشركون بِشعارهم: يا للعُزّى! يا لَهُبَل! وأوجعوا فى المسلمين قَتلًا ذريعًا، وولّى مَن ولّى منهم يومئذ وثَبتَ رسول الله، ﷺ ، ما يزول

стр. 520

يرمى عن قوسه حتى صارت شظايا ويرمى بالحجر، وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلًا: سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصّدّيق، رضى الله عنه، وسبعة من الأنصار، حتى تحاجزوا ونالوا من رسول الله، ﷺ ، فى وجهه ما نالوا، أُصيبَت رَبَاعِيته وكُلِم فى وجنتيه وجبهته وعلاه ابن قَمِيئة بالسيف فضرَبه على شقّه الأيمن، واتّقاه طلحة بن عُبيد الله بيده فشلّت إصبعه، وادّعى ابن قَمِيئة أنّه قد قتله، وكان ذلك ممّا رعّب المسلمين وكسرهم (١). * * * مَن قُتل من المسلمين يوم أحُد (٢) وقُتل يومئذ حمزة بن عبد المطلب، ﵀، قَتَله وحَشىّ، وعبد الله بن جحش، قتله أبو الحكَم بن الأخنس بن شَريق، ومُصعَب بن عُمَير. قتله ابن قَميئة، وشمّاس بن عُثمان بن الشّريد المخزومى، قتله أُبى بن خلف الجُمَحى، وعبد الله وعبد الرّحمن ابنا الهُبيب بن سعد بن ليث، ووهب بن قابوس المُزَنى، وابن أخيه الحارث بن عُقبة بن قابوس. وقُتل من الأنصار سبعون رجلًا، فيهم عمرو بن معاذ أخو سعد بن مُعاذ، واليمان أبو حُذيفة، قَتله المسلمون خطأً، وحَنْظَلة بن أبى عامر الراهب، وخَيْثَمة أبو سعد بن خَيْثَمة، وخارِجة بن زَيد بن أبى زهير صِهر أبى بكر، وسعد بن الربيع ومالك بن سِنان أبو أبى سعيد الخُدْرى، والعبّاس بن عُبادة بن نَضْلة، والمُجَذَّر بن ذِياد، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجَمُوح فى ناس كثير من أشرافهم. وقُتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلًا، فيهم حَمَلةَ اللواء وعبد الله بن حُميد بن زُهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزى، وأبو عزيز بن عُمير، وأبو الحَكَم بن الأخنس بن شَريق الثَّقَفِى، قتله علىّ بن أبى طالب، وسِباع بن عبد العُزّى الخزاعى، وهو ابن أمّ أنمار قتله حمزة بن عبد المطلب، رضى الله عنه،

стр. 521

وهشام بن أبى أميّة بن المغيرة، والوليد بن العاص بن هشام، وأُميّة بن أبى حُذيفة ابن المُغيرة، وخالد بن الأعلم العُقيلى، وأُبىّ بن خَلف الجُمَحى قتله رسول الله، ﷺ ، بيده، وأبو عَزّة الجُمَحى واسمه عمرو بن عبد الله بن عُمَيْر بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، وقد كان أُسِر يوم بدر فمَنّ عليه رسول الله، ﷺ . فقال لا أكثِر عليك جمعًا، ثمّ خرج مع المشركين يوم أحُد فأخذه رسول الله ﷺ ، أسيرًا ولم يأخذ أسيرًا غيره فقال: مُنّ علىّ يا محمّد! فقال رسول الله، ﷺ : إنّ المُؤمن لا يُلدَغُ من جُحر مرّتين، لا ترجع إلى مكّة تمسح عارضَيك تقول: سَخِرْتُ بمحمد مرّتين، ثمّ أمر به عاصم بن ثابت بن أبى الأقْلَح فضرَب عنقه. فلمّا انصرف المُشركون عن أحُد أقبلَ المسلمون على أمواتهم وأُتى رسول الله، ﷺ ، بحمزة بن عبد المطّلب فلم يغسله ولم يغسل الشهداء وقال: لُفّوهم بدمائهم وجراحهم، أنا الشَّهيد على هؤلاء، ضَعوهم، فكان حمزة أوّلَ من كبّر عليه رسول الله، ﷺ ، أربعًا ثمّ جُمع إليه الشهداء، فكان كلّما أُتى بشهيد وُضع إلى جنب حمزة فصلّى عليه وعلى الشهيد حتى صلّى عليه سبعين مرّة، وقد سمعنا من يقول: لم يصلّ رسول الله، ﷺ ، على قَتلَى أُحُد. وقال رسول الله، ﷺ : احفروا وأعمِقوا وأوسِعوا وقَدّموا أكثرَهم قرآنا. فكان ممّن نعرف أنّه دُفن فى قبر واحد عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجَمُوح فى قبر، وخارجة بن زيد وسعد بن الرّبيع فى قبر، والنعمان بن مالك وعَبدة بن الحَسحاس فى قبر واحد، فكان النّاس أو عامّتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم فى نواحيها. فنادى منادى رسول الله، ﷺ : رُدّوا القتلى إلى مَضاجعهم. فأدرك المنادى رجلًا واحدًا لم يكن دُفن فَرُدّ، وهو شَمّاس بن عُثمان المخزومى. ثمّ انصرف رسول الله، ﷺ ، يومئذ فصلّى المغرب بالمدينة وشمِتَ ابن أُبىّ والمنُافقون بما نيل من رسول الله، ﷺ ، فى نفسه وأصحابه، فقال رسول الله، ﷺ : لن ينالوا منّا مثل هذا اليوم حتى نستلم الرّكن، وبَكَت الأنصار على قتلاهم فسمع ذلك رسول الله، ﷺ ، فقال: لكنّ حمزة لا بوَاكىَ له. فجاء نساء الأنصار إلى باب رسول الله، ﷺ ، فبكَيْن على حمزة فدعا لهنّ رسول الله، ﷺ ، وأمرهنّ بالانصراف: فهنّ إلى اليوم إذا مات الميّت من الأنصار بدأ النساء فبكيْن على حَمزة ثمّ بكيْن على ميّتهنّ.

стр. 522

أخبرنا جَرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن الشعبىّ قال: مكر رسول الله، ﷺ ، يوم أُحُد بالمشركين، وكان ذلك أوّل يوم مكر فيه. أخبرنا هُشيم بن بشير قال: أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك أنّ النبىّ، ﷺ ، كُسرَت رَباعيتهُ يوم أُحُد وشُجّ فى جبهته حتى سال الدم على وجهه، صلوات الله عليه ورضوانه ورحمته وبركاته. فقال: كيف يُفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟ فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨]. أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أسامة عن هِشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة قالت: لمّا كان يوم أُحُد هُزم المشركون فصاح إبليس: أى عباد الله أُخراكم. قال: فرجعت أولاهم فاجتلدت هى وأُخراهم، فنظر حُذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: عبادَ الله، أبى! أبى! قالت: والله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حُذيفة: غَفَرَ الله لكم. قال عُروة: فوالله ما زال فى حُذيفة منه بقيّةُ خيرٍ حتى لحق بالله. أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمة عن أبى الزّبير عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: رأيت كأنّى فى درع حصينة ورأيتُ بقرًا منحّرة فأوّلتُ أنّ الدّرع المدينة والبقر نَفَرٌ، فإن شئتم أقمنا بالمدينة، فإن دخلوا علينا قاتَلناهم فيها. فقالوا: والله ما دخلت (١) علينا فى الجاهليّة فتدخلَ علينا فى الإسلام. قال: فشأنَكم إذًا، فذهبوا فلبس رسول الله، ﷺ ، لأمته. فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله، ﷺ ، رأيَهُ. فجاءوا فقالوا: شأنَك يا رسولَ الله. فقال: الآن ليس لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. حدّثنا محمّد بن حُميد العبدى عن مَعمر عن قَتادة: أنّ رَباعية النبىّ، ﷺ ، أُصيبت يوم أُحُد، أصابها عُتبة بن أبى وقّاص وشَجّه فى جبهته، فكان سالم مولى أبى حُذيفة يغسل عن النبىّ، ﷺ ، الدم والنبىّ، ﷺ ، يقول: كيف يُفلِح قومٌ صنعوا هذا بنبيّهم؟ فأنزل الله، ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].

стр. 523

أخبرنا محمّد بن حُميد عن مَعمر عن الزهرى أن الشيطان صاح يوم أُحُد: إنّ محمّدًا قد قُتِل. قال كعب بن مالك: فكنت أنا أوّل من عرف النبىّ، ﷺ ، عرفتُ عينيه تحت المغفر فناديت بصوتى الأعلى: هذا رسول الله! فأشار إلىّ أن اسْكُتْ فأنزل الله تعالى جدّه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٤]. أخبرنا قُتيبة بن سعيد البلخى، أخبرنا ليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن أُبىّ بن خلف الجُمَحى أُسِر يوم بدر، فلمّا افتدى من رسول الله، ﷺ ، قال لرسول الله، ﷺ : إنّ عندىَ فرسًا أعلِفُها كلّ يومٍ فَرَقَ (١) ذُرَةٍ لعلّى أقتلك عليها، فقال رسول الله، ﷺ : بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله، فلمّا كان يوم أُحُد أقبل أُبىّ بن خلف يركض فرسَه تلك حتى دنا من رسول الله، ﷺ ، فاعتَرض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله، ﷺ : استأخِروا استأخِروا! فقام رسول الله، ﷺ ، بحَرْبَةٍ فى يده فرَمَى بها أُبىّ ابن خلف فكسرت الحربةُ ضلعًا من أضلاعه، فرَجَعَ إلى أصحابه ثقيلًا فاحتملوه حتى ولّوا به وطفقوا يقولون له: لا بأس بك! فقال لهم أبىّ: ألم يقُلْ لى: بل أنا أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه. قال سعيد بن المسيَّب: وفيه أنزل الله ﵎: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: ١٧]. أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سُفيان بن عيينة عن يزيد ابن خُصيفة عن السائب بن يزيد أو غيره قال: كانت على رسول الله، ﷺ ، يوم أُحُد درعان. أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة قال: لقد أصيب مع رسول الله، ﷺ ، يوم أُحُد نحو من ثلاثين كلّهم يجئ حتى يجثو بين يديه، أو قال: يتقدّم بين يديه، ثمّ يقول: وجهى لوجهك الوفاء ونفسى لنفسك الفداء وعليك سلام الله غير مودّع. أخبرنا الحسن بن موسى الأشيَب وعمرو بن خالد المصرى قالا: أخبرنا زُهير

стр. 524

ابن مُعاوية، أخبرنا أبو إسحاق عن البَراء بن عازِب قال: لمّا كان يوم أحُد جعل رسول الله، ﷺ ، على الرماة، وكانوا خمسين رجلًا، عبدَ الله بن جُبَير الأنصارى ووضعهم موضعًا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطّيرُ فلا تبرحوا مكانَكُم حتى أُرسِل إليكم، وإن رأيتمونا قد هَزَمنا القومَ وظهرنا عليهم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال: فهزمهم رسول الله ﷺ ، فأنا والله رأيتُ النساء يشتددن على الجبل قد بدت أسؤقهنّ وخَلاخِلهُنّ رافعاتٍ ثيابهنّ، فقال أصحابُ عبد الله بن جُبير: الغنيمةَ! أىْ قومِ الغنيمةَ! قد ظهر أصحابكم فما تَنْتَظِرُون؟ (١) فقال عبد الله بن جُبير أنَسِيتُم ما قال لكم رسول الله، ﷺ ؟ فقالوا: إنّا والله لنأتينّ الناس فلنُصيبنّ من الغنيمة. قال: فلمّا أتوهم صُرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك إذ يدعوهم الرسول فى أُخراهم فلم يبقَ مع رسول الله، ﷺ ، غير اثنى عشر رجلًا فأصابوا منّا سبعين رجلًا، وكان رسول الله، ﷺ وأصحابه، أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فأقبل أبو سُفيان فقال: أفى القوم محمّد؟ ثلاث مرّات، قال: فَنَهَاهم رسول الله، ﷺ ، أن يجيبوه، ثمّ قال: أفى القوم ابن أبى قُحافة؟ أفى القوم ابن أبى قُحافة؟ أفى القوم ابن أبى قُحافة؟ أفى القوم ابن الخطّاب؟ أفى القوم ابن الخطّاب؟ أفى القوم ابن الخطّاب؟ قال أبو إسحاق: أيّهم (٢)، قال الحسن بن موسى أى ليس فوقهم أحد. ثمّ أقبل أبو سفيان على أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قُتلوا وقد كُفيتموهم، فما ملك عمرُ نفسه أن قال: كذبتَ والله يا عدوّ الله! إنّ الذين عددتَ لأحياءٌ كلّهم وقد بقى لك ما يسوءك. قال: فقال يومٌ بيوم بدر والحربُ سِجالٌ ثمّ إنّكم ستجدون فى القوم مُثْلَةً لم آمُرْ بها ولم تَسُؤنى. ثمّ جعل يرتجز ويقول: أعلُ هُبَل، أعلُ هُبَل!! فقال رسول الله، ﷺ : ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله بماذا نجيبه؟ قال: قولوا اللهُ أعلى وأجلّ. قال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم! فقال رسول الله، ﷺ : ألا تجيبونه؟ قالوا: وبماذا نجيبه يا رسول الله؟ قال: قولوا اللهُ مولانا ولا مَولَى لكم.

стр. 525

أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد العزيز بن أبى حازم، حدّثنى أبى عن سَهل بن سعد قال: كُسِرَت رَباعِيةُ رسول الله، ﷺ ، يومَ أُحُد وجُرح وجهه وكُسِرت البَيضة على رأسه، فكانت فاطمة، ﵍، تغسل جُرْحَه وعلىّ يسكب الماءَ عليها بالمجنّ يعنى الترس، فلمّا رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدمَ إلّا كثرَةً أخذت فاطمة قطعةَ حَصيرٍ فأحرقته فألصقته عليه فاستمسك الدمُ. أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا الفضل بن موسى السينانى عن محمّد بن عَمرو عن سَعد بن المنذر عن أبى حُميد الساعدى: أنّ رسول الله ﷺ ، خرج يوم أُحُد حتى إذا جاوز ثنيّةَ الوَداع إذا هو بكتيبةٍ خَشناءَ فقال: مَن هؤلاء؟ قالوا: هذا عبد الله بن أُبىّ بن سَلُول فى ستّمائة من مواليه من اليهود من أهل قَيْنُقَاع، وهم رهط عبد الله بن سلام. قال: وقد أسلموا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: قولوا لهم فليرجعوا فإنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين. أخبرنا أبو المنذر البزّاز، أخبرنا سفيان الثورى عن حُصين عن أبى مالك: أنّ رسول الله، ﷺ ، صلّى على قَتلَى أُحُد. * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، حَمْراءَ الأسد (١) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، حمراء الأسد يوم الأحد لثمانى ليالٍ خلونَ من شوّال على رأس اثنتين وثلاثين شهرًا من مُهاجَره. قالوا: لمّا انصرف رسول الله، ﷺ ، من أُحُد مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناسٌ من وجوه الأنصار وبات المسلمون يُداوون جراحاتهم، فلمّا صلّى رسول الله، ﷺ ، الصُّبح يوم الأحد أمر بلالًا أن ينادى أنّ رسول الله يأمركم بطلب عدوّكم ولا يخرج معنا إلّا مَن شهِدَ القِتالَ بالأمس، فقال جابر بن عبد الله: إن أبى خلّفنى يومَ أُحُد على أخواتٍ لى فلم أشهَد الحرب فَأذَنْ لى أن أسير معك، فأذن له رسول الله، ﷺ ، فلم يخرج معه أحدٌ لم يشهد القتالَ غَيْرَه (٢).

стр. 526

ودعا رسول الله، ﷺ ، بلوائه وهو معقودٌ لم يُحَلّ فدفعه إلى علىّ بن أبى طالب، ويقال إلى أبى بكر الصّدّيق، رضى الله عنهما، وخرج وهو مجروح فى وجهه ومَشْجوج فى جَبهته ورَباعيتُه قد شَظِيَتْ وشَفتُه السُّفلى قد كُلِمَت فى باطنها، وهو متوهّنٌ منكبَه الأيمَنَ من ضربة ابن قَمِيئة ورُكْبتاه مَجحوشتان، وحشَد أهل العوالى (١) ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله، ﷺ ، فرسَه وخَرَجَ النّاس معه فبعث ثلاثة نفر من أسلَم طليعة فى آثار القوم، فَلحق اثنان منهم القومَ بحمراء الأسد وهى من المدينة على عشرة أميال طريقَ العقيق متياسرةً عن ذى الحُلَيفة إذا أخذتَها فى الوادى، وللقوم زَجَلٌ وهم يأتمرون بالرّجوع وصَفْوان بن أُميّة ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرّجلين فَعَطَفوا عليهما فَعَلَوْهُما ومَضوا ومضى رسول الله، ﷺ ، بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، فدفن الرجلين فى قبر واحد، وهما القرينان، وكان المسلمون يوقدون، تلك الليالى، خمسمائة نار حتى تُرى من المكان البعيد، وذهب صوتُ مُعسكَرهم ونيرانهم فى كلّ وجه، فَكَبَتَ الله، ﵎، بذلك عدوّهم. فانصرف رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وقد غابَ خمس ليال، وكان استخلف على المدينة عبدَ الله بن أُمّ مكتوم (٢). * * * سريّة أبى سلمة بن عبد الأسَد المخزومى (٣) ثمّ سريّة أبى سَلَمَة بن عبد الأسد المخزومى إلى قَطَن -وهو جبل بناحية فَيد به ماءٌ لبنى أسَد بن خُزيمة- فى هلال المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . وذلك أنّه بلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ طُليحة وسَلمة ابنى خُويلد قد سارا فى قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله، ﷺ . فدعا رسول الله، ﷺ ، أبا سَلَمة وعَقَد له لواءً وبعث معه مائة وخمسين رجلًا من

стр. 527

المهاجرين والأنصار وقال: سِرْ حتى تنزل أرضَ بنى أسد فَأَغِرْ عليهم قبل أن تَلاقى عليك جموعهم، فخرَج فأغَذّ السَّير ونكَّبَ عن سَنَن الطريق وسبق الأخبارَ وانتهى إلى أدنَى قَطَن، فأغارَ على سَرْح لهم فضَمّوه وأخَذوا رِعاءً لهم مماليك ثلاثةً، وأفلت سائرُهم فجاءوا جَمعَهم فحذّروهم فتفرّقوا فى كلّ ناحية، ففرّق أبو سلمة أصحابه ثلاثَ فِرَقٍ فى طلب النّعَم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلًا وشاءً ولم يلقوا أحدًا، فانحدر أبو سلمة بذلك كلّه إلى المدينة. * * * سريّة عبد الله بن أُنيس (١) ثمّ سريّة عبد الله بن أُنيس إلى سُفيان بن خالد بن نُبيح الهُذَلى بعُرَنَة (٢). خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، وذلك أنّه بلَغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ سفيان بن خالد الهُذَلى ثم اللّحيانى وكان ينزل عُرَنَةَ وما وَالَاها فى ناس من قومه وغيرهم، قد جَمَعَ الجمُوع لرسول الله، ﷺ ، فبعث رسول الله، ﷺ ، عبد الله بن أنيس ليقتله فقال: صِفْهُ لى يا رسول الله، قال: إذا رأيتَه هِبتَه وفَرِقْتَ منه وذكرتَ الشيطان، قال: وكنتُ لا أهابُ الرجال، واستأذنتُ رسول الله، ﷺ ، أن أقُول فَأَذِنَ لى فأخذتُ سَيفى وخرجتُ أعتزى إلى خُزاعة حتى إذا كنت ببطن عُرَنَة لقيته يمشى ووراءه الأحابيش ومن ضَوى إليه، فعرفته بِنَعْتِ رسول الله، ﷺ ، وهِبته فرأيتنى أقطُر فقلتُ: صَدَق الله ورسوله، فقال: مَن الرّجل؟ فقلتُ: رجلٌ من خُزَاعة سمعتُ بجمعك لمحمّد فجئتك لأكون معك. قال: أجَلْ إنّى لأجمعُ له، فمشيتُ معه وحدَّثته واستحلَى حديثى حتى انتهى إلى خَبائه وتفرَّق عنه أصحابه حتّى إذا هَدَأَ النّاسُ وناموا اغتررتُه فقتلتُه وأخذتُ رأسه ثمّ دخلتُ غَارًا فى الجبل وضربَتِ العنكبوتُ علىّ، وجاء الطّلبُ فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين. ثمّ

стр. 528

خرجت فكنت أَسيرُ اللّيلَ وأتوارى بالنّهارِ حتى قَدِمْتُ المدينة فوجدتُ رسول الله، ﷺ ، فى المسجد فلمّا رآنى قال: أفلَحَ الوجهُ! قلت: أفلَحَ وجهُك يا رسول الله! فوضعتُ رأسه بين يديه وأخبرته خبرى فدفَع إلىّ عصًا وقالَ: تخصّرْ بهذه فى الجنّة! فكانت عنده، فلمّا حضرته الوفاةُ أوصى أهلَه أن يُدرجوها فى كَفَنِهِ ففعلوا، وكانت غَيبته ثمانى عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقينَ من المحرّم. * * * سريّة المنذر بن عَمرو (١) ثمّ سريّة المنذر بن عَمرو الساعدى إلى بئر مَعُونة فى صَفَر على رأس ستّة وثلاثين شهرًا من مُهاجَرِ رسول الله، ﷺ . قالوا: وقَدِمَ عامر بن مالك بن جعفر أبو بَراء مُلاعِب الأسِنّة (٢) الكِلابىّ على رسول الله، ﷺ فأهدى له فلم يقبل منه وعرض عليه الإسلام فلم يُسلِم ولم يُبعد وقال: لو بعثتَ معى نفرًا من أصحابك إلى قومى لَرجوتُ أن يجيبوا دعوتَك ويتبعوا أمرك، فقال: إنّى أخافُ عليهم أهل نَجدٍ. فقال: أنا لهم جَارٌ إن يعرض لهم أحدٌ. فبعثَ معه رسول الله، ﷺ ، سبعين رجلًا من الأنصار شَبَبَةً (٣) يُسمّونَ القُرّاء (٤)، وأمّر عليهم المنذِر بن عَمرو الساعدى، فلمّا نزلوا ببئر مَعونة، وهو ماء من مياه بنى سُليم وهو بين أرض بنى عامر وأرض بنى سُليم، كلا البَلَدَين يُعدّ منه وهو بناحية المعدن، نزلوا عليها

стр. 529

وعسكروا بها وسرحوا ظَهرَهم وقدّموا حَرامَ بن مِلحان بكتاب رسول الله، ﷺ ، إلى عامر بن الطُّفيل فوَثَب على حرام فقتله واستصرخَ عليهم بنى عامر فأبوا وقالوا: لا يُخْفَر جوار أبى بَراء، فاستصرخ عليهم قبائل من سُلَيم عُصَيّة ورِعْلًا وَذَكْوان فنفَروا معه ورأسوه. واستبطأ المسلمون حرامًا فأقبلوا فى أثَره فَلَقِيَهُم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم فتقاتلوا فقتِل أصحاب رسول الله، ﷺ ، وفيهم سليم بن ملحان والحكم بن كَيْسَان فى سبعين رجلًا، فلمّا أُحيط بهم قالوا: اللَّهُمَّ إنّا لا نجد مَن يُبلِغ رسولك منّا السلامَ غيرَك فأقرِئه منّا السلامَ. فأخبره جبرائيلُ، ﷺ ، بذلك فقال: وعليهم السلام: وبقى المنذر بن عمرو فقالوا: إن شئتَ آمنّاك، فأبَى وأتى مَصرَعَ حرام فقاتَلهم حتى قُتِل فقال رسول الله، ﷺ : أعنَقَ ليموت، يعنى أنّه تقدَّم على الموت وهو يعرفه، وكان معهم عَمرو بن أُميّة الضَّمرى فَقُتِلوا جميعًا غيرَه، فقال عامر بن الطّفيل: قد كان على أُمّى نَسَمةٌ فأنت حُرّ عنها، وجَزَّ ناصيتَه. وفَقَدَ عمرو بن أُميّة عامرَ بن فُهَيرَة من بين القتلى فسأل عنه عامَر بن الطّفيل فقال: قتله رجل من بنى كلاب يُقال له جبّار بن سُلمَى، لمّا طَعنه قال: فزتُ والله! وَرَفَعَ إلى السماء عُلُوًّا. فأسلم جبّار بن سُلمى لما رأى مِن قتل عامر بن فُهيرة وَرَفعِهِ وقال رسول الله، ﷺ : إنّ الملائكة وَارَتْ جُثّتَهُ وأُنزل عِلِّيينَ. وجاء رسول الله، ﷺ ، خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضًا مُصاب خُبيب بن عَدىّ ومَرْثد بن أبى مَرْثد وبعثَ محمّد بن مَسلمةَ فقال رسول الله، ﷺ : هذا عملُ أبى براء، قد كنت لهذا كارهًا. ودعا رسول الله، ﷺ ، على قَتَلَتهم بعد الركعة من الصبح فقال: اللَّهُمَّ اشدُدْ وطأتَك على مُضَر! اللَّهُمَّ سِنِينَ كسِنى يُوسُف! اللَّهُمَّ عليك ببنى لحِيان وعَضَلَ والقَارة وَزِعْب (١) ورِعل وذَكَوان وعُصَيّة فإنّهُم عصوا الله ورسوله (٢). ولم يجد رسول الله، ﷺ ، على قَتلَى ما وجد على قَتْلَى بئر مَعُونة، وأنزلَ الله فيهم قرآنًا حتى نُسِخَ بعدُ: بَلّغوا قَوْمَنَا عَنّا أنّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِىَ عنّا ورَضِينَا عنْهُ. وقال

стр. 530

رسول الله، ﷺ : اللَّهُمَّ اهدِ بنى عامر واطلبْ خُفرتى من عامر بن الطّفيل. وأقبل عمرو بن أُميّة سار أربعًا على رجليه، فلمّا كان بصدور قَناة (١) لقى رجلين من بنى كلاب قد كان لهما من رسول الله، ﷺ ، أَمانٌ، فقتلهما وهو لا يعلم ذلك ثمّ قَدِم على رسول الله، ﷺ ، فأخبرَه بمقتل أصحاب بئر معونة، فقال رسول الله، ﷺ : أُبتَ من بينهم. وأخبر النبىّ، ﷺ ، بقتل العامريّين فقال: بئسَ ما صنعتَ! قد كان لهما منّى أمانٌ وجوار، لأدِيَنّهما، فبعث بدِيَتهِما إلى قومهما. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى، أخبرنا سعيد بن أبى عَرُوبَة عن قَتادة عن أنس بن مالك: أنّ رِعْلًا وذَكْوان وعُصَيّة وبنى لِحيان أتوا رسول الله، ﷺ ، فاستمدّوه على قومهم فأمدّهم سبعين رجلًا من الأنصار، وكانوا يُدْعون فينا القُرّاء، كانوا يحطبون بالنهار ويصلّون باللّيل، فلمّا بلغوا بئرَ مَعونةٍ غَدروا بهم فقتلوهم، فبلغَ ذلك نبىّ الله، ﷺ ، فَقَنَتَ شهرًا فى صلاة الصُّبح يدعو على رِعل وذكوان وعُصَيّة وبنى لحيان قال: فقرأنا بهم قرآنًا زمانًا ثمّ إنّ ذلك رُفع أو نُسى: بَلّغُوا عنّا قَوْمَنَا أنّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضىَ عَنّا وَأرْضَانَا. أخبرنا يحيَى بن عَبّاد، أخبرنا عُمارة بن زاذان، حدّثنى مكحول قال: قلتُ لأنَس بن مالك: أبا حمزة القرّاء، قال: وَيْحك قُتلوا على عهد رسول الله، ﷺ ، كانوا قومًا يستعذبون لرسول الله، ﷺ ، ويحطبون حتى إذا كان اللّيل قاموا إلى السّوارى للصّلاة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرىّ عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم: أنّ المنذر بن عمرو الساعدى قُتل يوم بئر معونة، وهو الذى يقال له: أعنَقَ ليموت، وكان عامر بن الطّفيل استنصر لهم بنى سُليم فنفروا معه فَقَتلوهم غيرَ عمرو بن أُمية الضّمرى، أخذه عامر بن الطّفيل فأرسله، فلمّا قَدِمَ على رسول الله، ﷺ ، قال له رسول الله، ﷺ : أُبتَ من بينهم. وكان من أولئك الرَّهط عامر بن فُهَيرة، قال ابن شهاب: فزعم عُروة بن الزّبير أنّه قُتل يومئذ فلما يوجَد جسده حين دُفنوا. قال عُروة: كانوا يرون أنّ الملائكة هى دفنته.
следующие страницы →