ودعا رسول الله، ﷺ ، بلوائه وهو معقودٌ لم يُحَلّ فدفعه إلى علىّ بن أبى طالب، ويقال إلى أبى بكر الصّدّيق، رضى الله عنهما، وخرج وهو مجروح فى وجهه ومَشْجوج فى جَبهته ورَباعيتُه قد شَظِيَتْ وشَفتُه السُّفلى قد كُلِمَت فى باطنها، وهو متوهّنٌ منكبَه الأيمَنَ من ضربة ابن قَمِيئة ورُكْبتاه مَجحوشتان، وحشَد أهل العوالى (١) ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله، ﷺ ، فرسَه وخَرَجَ النّاس معه فبعث ثلاثة نفر من أسلَم طليعة فى آثار القوم، فَلحق اثنان منهم القومَ بحمراء الأسد وهى من المدينة على عشرة أميال طريقَ العقيق متياسرةً عن ذى الحُلَيفة إذا أخذتَها فى الوادى، وللقوم زَجَلٌ وهم يأتمرون بالرّجوع وصَفْوان بن أُميّة ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرّجلين فَعَطَفوا عليهما فَعَلَوْهُما ومَضوا ومضى رسول الله، ﷺ ، بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، فدفن الرجلين فى قبر واحد، وهما القرينان، وكان المسلمون يوقدون، تلك الليالى، خمسمائة نار حتى تُرى من المكان البعيد، وذهب صوتُ مُعسكَرهم ونيرانهم فى كلّ وجه، فَكَبَتَ الله، ﵎، بذلك عدوّهم. فانصرف رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وقد غابَ خمس ليال، وكان استخلف على المدينة عبدَ الله بن أُمّ مكتوم (٢).
* * *
سريّة أبى سلمة بن عبد الأسَد المخزومى (٣)
ثمّ سريّة أبى سَلَمَة بن عبد الأسد المخزومى إلى قَطَن -وهو جبل بناحية فَيد به ماءٌ لبنى أسَد بن خُزيمة- فى هلال المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . وذلك أنّه بلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ طُليحة وسَلمة ابنى خُويلد قد سارا فى قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله، ﷺ . فدعا رسول الله، ﷺ ، أبا سَلَمة وعَقَد له لواءً وبعث معه مائة وخمسين رجلًا من
стр. 527
المهاجرين والأنصار وقال: سِرْ حتى تنزل أرضَ بنى أسد فَأَغِرْ عليهم قبل أن تَلاقى عليك جموعهم، فخرَج فأغَذّ السَّير ونكَّبَ عن سَنَن الطريق وسبق الأخبارَ وانتهى إلى أدنَى قَطَن، فأغارَ على سَرْح لهم فضَمّوه وأخَذوا رِعاءً لهم مماليك ثلاثةً، وأفلت سائرُهم فجاءوا جَمعَهم فحذّروهم فتفرّقوا فى كلّ ناحية، ففرّق أبو سلمة أصحابه ثلاثَ فِرَقٍ فى طلب النّعَم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلًا وشاءً ولم يلقوا أحدًا، فانحدر أبو سلمة بذلك كلّه إلى المدينة.
* * *
سريّة عبد الله بن أُنيس (١)
ثمّ سريّة عبد الله بن أُنيس إلى سُفيان بن خالد بن نُبيح الهُذَلى بعُرَنَة (٢). خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، وذلك أنّه بلَغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ سفيان بن خالد الهُذَلى ثم اللّحيانى وكان ينزل عُرَنَةَ وما وَالَاها فى ناس من قومه وغيرهم، قد جَمَعَ الجمُوع لرسول الله، ﷺ ، فبعث رسول الله، ﷺ ، عبد الله بن أنيس ليقتله فقال: صِفْهُ لى يا رسول الله، قال: إذا رأيتَه هِبتَه وفَرِقْتَ منه وذكرتَ الشيطان، قال: وكنتُ لا أهابُ الرجال، واستأذنتُ رسول الله، ﷺ ، أن أقُول فَأَذِنَ لى فأخذتُ سَيفى وخرجتُ أعتزى إلى خُزاعة حتى إذا كنت ببطن عُرَنَة لقيته يمشى ووراءه الأحابيش ومن ضَوى إليه، فعرفته بِنَعْتِ رسول الله، ﷺ ، وهِبته فرأيتنى أقطُر فقلتُ: صَدَق الله ورسوله، فقال: مَن الرّجل؟ فقلتُ: رجلٌ من خُزَاعة سمعتُ بجمعك لمحمّد فجئتك لأكون معك. قال: أجَلْ إنّى لأجمعُ له، فمشيتُ معه وحدَّثته واستحلَى حديثى حتى انتهى إلى خَبائه وتفرَّق عنه أصحابه حتّى إذا هَدَأَ النّاسُ وناموا اغتررتُه فقتلتُه وأخذتُ رأسه ثمّ دخلتُ غَارًا فى الجبل وضربَتِ العنكبوتُ علىّ، وجاء الطّلبُ فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين. ثمّ
стр. 528
خرجت فكنت أَسيرُ اللّيلَ وأتوارى بالنّهارِ حتى قَدِمْتُ المدينة فوجدتُ رسول الله، ﷺ ، فى المسجد فلمّا رآنى قال: أفلَحَ الوجهُ! قلت: أفلَحَ وجهُك يا رسول الله! فوضعتُ رأسه بين يديه وأخبرته خبرى فدفَع إلىّ عصًا وقالَ: تخصّرْ بهذه فى الجنّة! فكانت عنده، فلمّا حضرته الوفاةُ أوصى أهلَه أن يُدرجوها فى كَفَنِهِ ففعلوا، وكانت غَيبته ثمانى عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقينَ من المحرّم.
* * *
سريّة المنذر بن عَمرو (١)
ثمّ سريّة المنذر بن عَمرو الساعدى إلى بئر مَعُونة فى صَفَر على رأس ستّة وثلاثين شهرًا من مُهاجَرِ رسول الله، ﷺ . قالوا: وقَدِمَ عامر بن مالك بن جعفر أبو بَراء مُلاعِب الأسِنّة (٢) الكِلابىّ على رسول الله، ﷺ فأهدى له فلم يقبل منه وعرض عليه الإسلام فلم يُسلِم ولم يُبعد وقال: لو بعثتَ معى نفرًا من أصحابك إلى قومى لَرجوتُ أن يجيبوا دعوتَك ويتبعوا أمرك، فقال: إنّى أخافُ عليهم أهل نَجدٍ. فقال: أنا لهم جَارٌ إن يعرض لهم أحدٌ. فبعثَ معه رسول الله، ﷺ ، سبعين رجلًا من الأنصار شَبَبَةً (٣) يُسمّونَ القُرّاء (٤)، وأمّر عليهم المنذِر بن عَمرو الساعدى، فلمّا نزلوا ببئر مَعونة، وهو ماء من مياه بنى سُليم وهو بين أرض بنى عامر وأرض بنى سُليم، كلا البَلَدَين يُعدّ منه وهو بناحية المعدن، نزلوا عليها
стр. 529
وعسكروا بها وسرحوا ظَهرَهم وقدّموا حَرامَ بن مِلحان بكتاب رسول الله، ﷺ ، إلى عامر بن الطُّفيل فوَثَب على حرام فقتله واستصرخَ عليهم بنى عامر فأبوا وقالوا: لا يُخْفَر جوار أبى بَراء، فاستصرخ عليهم قبائل من سُلَيم عُصَيّة ورِعْلًا وَذَكْوان فنفَروا معه ورأسوه.
واستبطأ المسلمون حرامًا فأقبلوا فى أثَره فَلَقِيَهُم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم فتقاتلوا فقتِل أصحاب رسول الله، ﷺ ، وفيهم سليم بن ملحان والحكم بن كَيْسَان فى سبعين رجلًا، فلمّا أُحيط بهم قالوا: اللَّهُمَّ إنّا لا نجد مَن يُبلِغ رسولك منّا السلامَ غيرَك فأقرِئه منّا السلامَ. فأخبره جبرائيلُ، ﷺ ، بذلك فقال: وعليهم السلام: وبقى المنذر بن عمرو فقالوا: إن شئتَ آمنّاك، فأبَى وأتى مَصرَعَ حرام فقاتَلهم حتى قُتِل فقال رسول الله، ﷺ : أعنَقَ ليموت، يعنى أنّه تقدَّم على الموت وهو يعرفه، وكان معهم عَمرو بن أُميّة الضَّمرى فَقُتِلوا جميعًا غيرَه، فقال عامر بن الطّفيل: قد كان على أُمّى نَسَمةٌ فأنت حُرّ عنها، وجَزَّ ناصيتَه. وفَقَدَ عمرو بن أُميّة عامرَ بن فُهَيرَة من بين القتلى فسأل عنه عامَر بن الطّفيل فقال: قتله رجل من بنى كلاب يُقال له جبّار بن سُلمَى، لمّا طَعنه قال: فزتُ والله! وَرَفَعَ إلى السماء عُلُوًّا. فأسلم جبّار بن سُلمى لما رأى مِن قتل عامر بن فُهيرة وَرَفعِهِ وقال رسول الله، ﷺ : إنّ الملائكة وَارَتْ جُثّتَهُ وأُنزل عِلِّيينَ.
وجاء رسول الله، ﷺ ، خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضًا مُصاب خُبيب بن عَدىّ ومَرْثد بن أبى مَرْثد وبعثَ محمّد بن مَسلمةَ فقال رسول الله، ﷺ : هذا عملُ أبى براء، قد كنت لهذا كارهًا. ودعا رسول الله، ﷺ ، على قَتَلَتهم بعد الركعة من الصبح فقال: اللَّهُمَّ اشدُدْ وطأتَك على مُضَر! اللَّهُمَّ سِنِينَ كسِنى يُوسُف! اللَّهُمَّ عليك ببنى لحِيان وعَضَلَ والقَارة وَزِعْب (١) ورِعل وذَكَوان وعُصَيّة فإنّهُم عصوا الله ورسوله (٢).
ولم يجد رسول الله، ﷺ ، على قَتلَى ما وجد على قَتْلَى بئر مَعُونة، وأنزلَ الله فيهم قرآنًا حتى نُسِخَ بعدُ: بَلّغوا قَوْمَنَا عَنّا أنّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِىَ عنّا ورَضِينَا عنْهُ. وقال
стр. 530
رسول الله، ﷺ : اللَّهُمَّ اهدِ بنى عامر واطلبْ خُفرتى من عامر بن الطّفيل. وأقبل عمرو بن أُميّة سار أربعًا على رجليه، فلمّا كان بصدور قَناة (١) لقى رجلين من بنى كلاب قد كان لهما من رسول الله، ﷺ ، أَمانٌ، فقتلهما وهو لا يعلم ذلك ثمّ قَدِم على رسول الله، ﷺ ، فأخبرَه بمقتل أصحاب بئر معونة، فقال رسول الله، ﷺ : أُبتَ من بينهم. وأخبر النبىّ، ﷺ ، بقتل العامريّين فقال: بئسَ ما صنعتَ! قد كان لهما منّى أمانٌ وجوار، لأدِيَنّهما، فبعث بدِيَتهِما إلى قومهما.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى، أخبرنا سعيد بن أبى عَرُوبَة عن قَتادة عن أنس بن مالك: أنّ رِعْلًا وذَكْوان وعُصَيّة وبنى لِحيان أتوا رسول الله، ﷺ ، فاستمدّوه على قومهم فأمدّهم سبعين رجلًا من الأنصار، وكانوا يُدْعون فينا القُرّاء، كانوا يحطبون بالنهار ويصلّون باللّيل، فلمّا بلغوا بئرَ مَعونةٍ غَدروا بهم فقتلوهم، فبلغَ ذلك نبىّ الله، ﷺ ، فَقَنَتَ شهرًا فى صلاة الصُّبح يدعو على رِعل وذكوان وعُصَيّة وبنى لحيان قال: فقرأنا بهم قرآنًا زمانًا ثمّ إنّ ذلك رُفع أو نُسى: بَلّغُوا عنّا قَوْمَنَا أنّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضىَ عَنّا وَأرْضَانَا.
أخبرنا يحيَى بن عَبّاد، أخبرنا عُمارة بن زاذان، حدّثنى مكحول قال: قلتُ لأنَس بن مالك: أبا حمزة القرّاء، قال: وَيْحك قُتلوا على عهد رسول الله، ﷺ ، كانوا قومًا يستعذبون لرسول الله، ﷺ ، ويحطبون حتى إذا كان اللّيل قاموا إلى السّوارى للصّلاة.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرىّ عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم: أنّ المنذر بن عمرو الساعدى قُتل يوم بئر معونة، وهو الذى يقال له: أعنَقَ ليموت، وكان عامر بن الطّفيل استنصر لهم بنى سُليم فنفروا معه فَقَتلوهم غيرَ عمرو بن أُمية الضّمرى، أخذه عامر بن الطّفيل فأرسله، فلمّا قَدِمَ على رسول الله، ﷺ ، قال له رسول الله، ﷺ : أُبتَ من بينهم. وكان من أولئك الرَّهط عامر بن فُهَيرة، قال ابن شهاب: فزعم عُروة بن الزّبير أنّه قُتل يومئذ فلما يوجَد جسده حين دُفنوا. قال عُروة: كانوا يرون أنّ الملائكة هى دفنته.
стр. 531
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنسَ بن مالك قال: أُنزل فى الذين قُتلوا ببئر معونة قرآن حتى نُسخ بعد: بَلّغوا قَوْمَنَا أنّا قَدْ لَقِينَا رَبّنَا فَرَضىَ عَنّا وَرَضِينَا عَنْهُ (١). ودعا رسول الله، ﷺ ، على الذين قتلوهم ثلاثين غداة، يدعو على رِعل وذكوان وعُصَيّة عَصَت الله ورسولَه.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سُفيان بن عُيينة عن عاصِم قال: سمعتُ أنس بن مالك قال: ما رأيتُ رسول الله، ﷺ ، وجد (٢) على أحد ما وَجَدَ على أصحاب بئر مَعونة (٣).
* * *
سريّة مَرْثد بن أبى مَرْثد (٤)
ثم سريّة مَرْثد بن أبى مَرْثد الغَنَوى إلى الرّجيع فى صَفَر على رأس ستّة وثلاثين شهرًا من مُهاجَرِ رسول الله، ﷺ .
أخبرنا عبد الله بن إدريس الأوْدى، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عُمر بن قَتَادة بن النعمان الظَّفَرى، وأخبرنا مَعن بن عيسى الأشجَعى، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عُمر بن أسيد بن العلاء بن جارية، وكان من جُلساء أبى هريرة، قال: قَدِم على رسول الله، ﷺ ، رَهط من عَضَل والقَارَة وهم إلى الهُون بن خُزيمة فقالوا: يا رسول الله إنّ فينا إسلامًا فَابعثْ معنا نفرًا من أصحابك يفقّهونا ويُقرئونا القرآن ويُعلّمونا شرائع الإسلام. فبعثَ رسول الله، ﷺ ، معهم عشرة رَهط: عاصم بن ثابت بن أبى الأقْلَح ومَرْثد بن أبى مَرْثد وعبد
стр. 532
الله بن طارق وخُبيب بن عدىّ وزَيد بن الدّثِنَة (١) وخالد بن البُكَيْر (٢) ومعتب بن عُبيد، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمّه وهما من بلىّ حليفان فى بنى ظَفَر، وأَمّرَ عليهم عاصم بن ثابت، وقال قائل: مَرْثد بن أبى مَرْثد، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرّجيع، وهو ماء لهُذَيل بصدور الهَدةِ، والهَدة على سبعة أميالٍ منها، والهَدَة على سبعة أميال من عُسفان، فَغَدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلًا، فخرج إليهم بنو لحيان فلم يَرُعِ القومَ إلّا الرّجال بأيديهم السيوفُ قد غشوهم، فأخذ أصحاب رسول الله، ﷺ ، سيوفَهم فقالوا لهم: إنّا والله ما نريد قتالكم إنّما نُريد أن نصيب بكم ثمنًا من أهل مكة ولكم العهدُ والميثاقُ ألَّا نقتلكم (٣).
فأمّا عاصم بن ثابت ومَرْثد بن أبى مَرْثد وخالد بن أبى البُكَيْر ومُعَتّب بن عُبيد فقالوا: والله لا نقبل من مُشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا، فقاتَلوهم حتى قُتلوا. وأمّا زيد بن الدّثِنة وخُبيب بن عَدِىّ وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم، وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سُلافة بنت سعد بن شُهيد، وكانت نذرت لتشربنّ فى قِحف عاصم الخمرَ، وكان قَتَل بنيها مُسافِعًا وجُلاسًا يوم أُحُد، فَحَمَتهُ الدّبر فقالوا: أَمهِلوه حتى تُمسى، فإنّها لو قد أمسَت ذهبَت عنه. فبعثَ الله الوادى فاحتَمَله وخرَجوا بالنّفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمرّ الظَّهْران انتزعَ عبد الله بن طارق يدَه من القِرَان (٤) وأخذ سيفه واستأخَر عنه القوم فَرَمَوْهُ بالحِجارة حتى قَتَلوه، فقبره بمرّ الظّهران، وقَدموا بخُبيب وزَيد مكّة. فأمّا زَيد فابتاعه صَفْوان بن أُميّة فَقَتله بأبيه، وابتاعَ حُجَير بن أبى إهاب خُبيبَ بن عَدِىّ لابن أُخته عُقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه فحبسوهما حتى خرجت الأشهُر الحرُم ثمّ أخرجوهما إلى التّنعيم (٥) فقتلوهما، وكانا صلّيَا ركعتين ركعتين قبل أن يُقتَلا، فَخُبيب أوّل مَن سَنَّ ركعتين عند القتل.
стр. 533
أخبرنا عبد الله بن إدريس، حدّثنى عمرو بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب مولى الحارث بن عامر قال: قال مَوْهَب قال لى خُبيب وكانوا جعلوه عندى: يا مَوْهَب أطلب إليك ثلاثًا: أن تسقينى العَذبَ وأن تَجْنُبَنى ما ذُبِح على النُّصُب وأن تُؤذِنّى إذَا أرادوا قتلى.
أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قَتادة: أنّ نَفرًا من قريش فيهم أبو سفيان حضروا قَتل زَيد فقال قائل منهم: يا زيد أنشُدك الله، أتُحبُّ أنّكَ الآن فى أهلك وأنّ محمّدًا عندنا مكانَك نضرب عنقه؟ قال: لا والله ما أحبّ أنّ مُحمّدًا يُشاك فى مكانه بشوكة تؤذيه وأنّى جالسٌ فى أهلى: قال: يقول أبو سفيان والله ما رأيتُ من قوم قطّ أشدّ حُبًّا لصاحبهم من أصحاب محمّدٍ له (١).
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، بنى النَّضِير (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، بنى النَّضير فى شهر ربيع الأوّل سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهرًا من مُهاجَره، وكانت منازل بنى النَّضير بناحية الغَرْس وما وَالَاها مقبرةُ بنى خَطمة اليومَ فكانوا حُلفاء لبنى عامر.
قالوا: خَرج رسول الله، ﷺ ، يوم السبت فصلَّى فى مسجد قُباء ومعه نَفَر من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثمّ أتَى بنى النَّضِير فكلَّمهم أن يُعينوه فى دِيَة الكلابيّين اللّذين قتلهما عَمرو بن أُميّة الضَّمرى فقالوا: نَفعل يا أبا القاسم ما أحببت. وخلا بعضهم ببعض وهَمُّوا بالغدْر به. وقال عَمرو بن جِحاش بن كعب بن بَسيل النّضَرى: أنا أظهر على البيت فأطرحُ عليه صخرةً، فقال سلّام بن مِشْكَم: لا تفعلوا والله ليُخْبَرَنّ بما هَممتم به وإنّه لَنقضُ العهدِ الذى بيننا وبينه. وجاء رسول الله، ﷺ ، الخبرُ بما هَمُّوا فنهض سريعًا كأنّه يريد حاجَةً، فتوجّه إلى المدينة ولَحِقَه أصحابه فقالوا: أَقُمتَ ولم نَشعُر؟ قال: همّت يهودُ بالغدر فأخبرنى الله بذلك فقمتُ (٣).
стр. 534
وبعث إليهم رسول الله، ﷺ محمّدَ بن مَسلَمة أن اخرجوا من بلدى فلا تُساكنونى بها وقد هَممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجّلتُكم عشرًا، فمن رُئِىَ بعد ذلك ضَرَبتُ عُنقَه، فمكثوا على ذلك أيّامًا يَتَجَهّزون وأرسلوا إلى ظَهَرٍ لهم بذى الجَدْر وتكارَوا من ناس من أشجَع إبلًا، فأرسلَ إليهم ابن أُبَىّ: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا فى حِصنكم فإنّ معى ألفيْن من قومى وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم وتُمدّكم قُرَيظةُ وحُلفاؤكم من غَطَفَان (١).
فطمع حُيىّ فيما قال ابن أبىّ فأرسلَ إلى رسول الله، ﷺ : إنّا لا نخرج من ديارنا فاصنعْ ما بدا لك. فأظهر رسول الله، ﷺ ، التكبيرَ وكَبّرَ المسلمون لتكبيره وقال: حاربت يهود، فصار إليهم النبىّ، ﷺ ، فى أصحابه فصلَّى العصرَ بفَضاء بنى النضير وعلىّ، رضى الله عنه، يحمل رايتَه، واستخلفَ على المدينة ابن أمّ مكتوم، فلمّا رأوا رسول الله، ﷺ ، قاموا على حصونهم معهم النبلُ والحجارة واعتزلتهم قُرَيظة فلم تُعِنهُمْ، وخَذَلهم ابن أُبَىّ وحلفاؤهم من غَطَفان فأيِسوا من نَصرهم، فحاصَرهم رسول الله، ﷺ ، وقَطَع نَخلهم فقالوا: نحن نخرج عن بلادك، فقال: لا أقبله اليومَ ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلّا الحَلْقَة (٢). فنزلوا يهود على ذلك (٣).
وكان حاصَرهم خمسةَ عشرَ يومًا، فكانوا يُخربون بيوتهم بأيديهم، ثمّ أجلاهم عن المدينة وولّى إخراجهم محمّدَ بن مَسْلمَة، وحملوا النساء والصبيان وتحمّلوا على ستّمائة بَعير، فقال رسول الله، ﷺ : هؤلاء فى قومهم بمنزلة بنى المغيرة فى قريش، فلحقوا بخَيْبَر وحَزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا، وقَبَض رسول الله، ﷺ ، الأموال والحلقة فوجَد من الحلقة خمسين درعًا وخمسين بيضة وثلاثمائة سيف وأربعين سيفًا. وكانت بنو النَّضير صفيًّا (٤) لرسول الله، ﷺ ،
стр. 535
خالصةً له حُبسًا (١) لنوائبه ولم يخمّسها ولم يُسهِم منها لأحد، وقد أعطى ناسًا من أصحابه ووسّع فى النّاس منها، فكان ممّن أعطى ممّن سُمّى لنا من المهاجرين أبو بكر الصّديق بئرَ حجر، وعمر بن الخطّاب بئر جرم، وعبد الرحمن بن عوف سوالة، وصُهيب بن سِنان الضَّرَّاطة، والزُّبير بن العوّام وأبو سَلَمة بن عبد الأسد البُويلة (٢)، وسهل بن حُنيف وأبو دُجانة مالًا يقال له مال ابن خَرَشَة (٣).
أخبرنا محمّد بن حرب المكّى وهاشم بن القاسم الكنانى قالا: أخبرنا اللَّيْث ابن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله، ﷺ ، حرّق نخل النضير، وهى البُوَيرة. فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [سورة الحشر: ٥].
أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن: أنّ النبىّ، ﷺ ، لمّا أجْلَى بنى النَّضير قال: امضوا فإن هذا أوّل الحشر وأنا على الأثَر (٤).
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، بَدرَ الموعِدِ (٥)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، بَدْرَ الموْعد وهى غير بدر القتال وكانت لهلال ذى القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرًا من مُهَاجَره.
قالوا: لمّا أراد أبو سُفيان بن حرب أن ينصرف يوم أُحُد نادى: الوعدُ بيننا وبينكم بَدرُ الصّفراء رأس الحول نلتقى بها فنقتتل. فقال رسول الله، ﷺ ، لعمر
стр. 536
ابن الخطّاب: قُلْ نَعَمْ إن شاء الله، فافترق النّاس على ذلك ثمّ رجعَت قريش فخبّروا مَن قبَلَهم بالموعد وتَهَيّئُوا للخروج.
فلمّا دَنَا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدِم نُعيم بن مسعود الأشْجَعى مكّةَ فقال له أبو سفيان: إنّى قد واعدتُ محمّدًا وأصحابه أن نلتقى ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عَامٌ جَدْبٌ وإنّما يُصلحنا عامٌ خِصْبٌ غَيدَاق (١) وأَكره أن يخرج محمّد ولا أخرج فيجترئ علينا فنجعل لك عشرين فريضةً يضمَنها لك سُهيل بن عمرو على أن تقدم المدينةَ فتُخَذّل أصحابَ محمّد، قال: نعم. ففعلوا وحملوه على بعير فأسرعَ السّيرَ فقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبى سفيان لهم وما معه من العُدّة والسّلاح. فقال رسول الله، ﷺ : والذى نفسى بيده لأخرجنّ وإنْ لم يخرج معى أحدٌ! فنَصَر الله المسلمين وأذْهبَ عنهم الرُّعبَ. فاستخلَفَ رسول الله، ﷺ ، على المدينة عبد الله بن رَواحة وحمل لواءه علىّ بن أبى طالب وسار فى المسلمين، وهم ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم وتجارات، وكانت بدر الصفراء مجتمَعًا يجتمع فيه العرب وسُوقًا تقوم لهلال ذى القعدة إلى ثمانٍ تخلو منه ثمّ يتفرّق النّاس إلى بلادهم (٢).
فانتهوا إلى بدرٍ ليلةَ هلال ذى القعدة وقامت السوق صبيحةَ الهلال فأقاموا بها ثمانية أيّام وباعوا ما خَرجوا به من التجارات فربحوا للدرهم درهمًا وانصرفوا، وقد سمع النّاس بسيرهم، وخَرج أبو سفيان بن حرب من مكّة فى قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فَرَسًا حتى انتهوا إلى مَجَنّة، وهى مَرّ الظهران، ثمّ قال: ارجعوا فإنّه لا يُصلحنا إلّا عامٌ خصْبٌ غَيداقٌ نرعى فيه الشجرَ ونشرب فيه اللبنَ، وإنّ عامكم هذا عامٌ جَدبٌ فإنّى راجع فارجعوا. فسمّى أهل مكّة ذلك الجيش جيشَ السّويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. وقدم مَعبَد بن أبى معبد الخُزاعى مكّة بخبر رسول الله، ﷺ ، وموافاته بدرًا فى أصحابه فقال صَفوان بن أُميّة لأبى سفيان: قد نهيتك يومئذٍ أن تَعدّ القومَ وقد اجترءوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم ثمّ أخذوا فى الكيد والنّفَقة والتّهيّؤ لغزوة الخندق (٣).
стр. 537
أخبرنا حجّاج بن محمّد عن ابن جُريج عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]، قال هذا أبو سفيان، قال يوم أحُد: يا محمّد موعدُكم بدرٌ حيث قتلتم أصحابنا! فقال محمّد، ﷺ : عسى! فانطلق النبىّ، ﷺ ، لموعده حتى نزلوا بدرًا فوافقوا السوقَ، فذلك قول الله تبارك تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٤]. والفضل ما أصابوا من التجارةَ، وهى غزوة بدر الصغرى.
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، ذات الرّقاع (١)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، ذات الرّقاع فى المحرّم على رأس سبعة وأربعين شهرًا من مُهاجَره، قالوا: قدم قادمٌ المدينةَ بجلَبٍ (٢) له فأخبر أصحابَ رسول الله، ﷺ ، أن أنمارًا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموعَ: فبلَغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فاستخلف على المدينة عثمان بن عفّان وخرجَ ليلةَ السبت لعشرٍ خَلَون من المحرّم فى أربعمائة من أصحابه، ويقال سبعمائة. فمضى حتى أتى محالّهم بذات الرّقاع، وهو جبل فيه بُقَعُ حُمْرَةٍ وسَوادٍ وبَيَاضٍ قريبٌ من النخيل بين السّعد والشّقرة، فلم يجد فى محالّهم أحدًا إلّا نسوة فأخذهنّ وفيهنّ جارية وَضِيئة، وهرَبت الأعراب إلى رءوس الجبال، وحضرت الصّلاةُ فخاف المسلمون أن يُغيروا عليهم فصلّى رسول الله، ﷺ ، صلاةَ الخوف فكان ذلك أوّلَ ما صلَّاها (٣).
وانصرفَ رسول الله، ﷺ ، راجعًا إلى المدينة فابتاعَ من جابر بن عبد الله فى
стр. 538
سَفَره ذلك جَمَلَهُ بأوقيّة وشرط له ظَهرَه إلى المدينة وسأله عن دَيْن أبيه وأخبرَه به، فاستغفرَ له رسول الله، ﷺ ، فى تلك اللّيلة خمسًا وعشرينَ مرّةً وبعث رسول الله، ﷺ ، جُعَال بن سُرَاقة بشيرًا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم صرارًا يوم الأحد لخمس ليالٍ بقين من المحرّم، وصرار على ثلاثة أميال من المدينة، وهى بئر جاهليّةٌ على طريق العراق، وغاب خمسَ عشرة ليلة.
أخبرنا عفّان بن مُسلم، أخبرنا أبان بن يزيد وحدّثنى يحيَى بن أبى كَثير عن أبى سَلمَة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله، ﷺ ، حتى إذا كُنّا بذات الرّقاع كنّا إذا أتينا على شجرةٍ ظَليلةٍ تركناها لرسول الله، ﷺ ، قال: فجاء رجلٌ من المشركين وسيف رسول الله، ﷺ ، مُعَلّق بشجرة فأخذه فاختَرَطه وقال لرسول الله، ﷺ : أتخافنى؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك منّى؟ قال: الله يمنعنى منك! قال: فتهدّده أصحاب رسول الله، ﷺ ، فأغمدَ السيفَ وعلّقه. قال: فنُودى بالصّلاة. قال: فصلَّى بطائفة ركعتين ثمّ تأخّروا. وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله، ﷺ ، أربع ركعات وللقوم ركعتان.
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، دُومةَ الجَنْدَل (١)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، دُومَةَ الجندَل فى شهر ربيع الأوّل على رأس تسعة وأربعين شهرًا من مُهَاجَره. قالوا: بلَغ رسولَ الله ﷺ ، أنّ بدومة الجَندل جمعًا كثيرًا وأنّهُم يظلمون من مَرَّ بهم من الضّافطة (٢) وأنّهم يريدون أن يدنوا من المدينة، وهى طَرَف من أفواه الشأم بينها وبين دمشق خمس ليالٍ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ستّ عشرة ليلةً، فندب رسول الله، ﷺ ، النّاسَ
стр. 539
واستخلف على المدينة سباعَ بن عُرْفُطة الغِفَارى وخرج لخمس ليالٍ بقين من شهر ربيع الأوّل فى ألف من المسلمين فكان يَسير اللّيل ويكمن النّهار، ومعه دليلٌ له من بنى عُذرة يُقال له مذكور، فلمّا دَنَا منهم إذا هم مُغَرّبون، وإذا آثار النَّعم (١) والشاء فهجم على ماشيتهم ورُعاتهم فأصاب من أصاب وهرب مَن هَرب فى كلّ وجه، وجاء الخبرُ أهلَ دُومة فتفرَّقوا ونزل رسول الله، ﷺ ، بسَاحتهم فلم يجد بها أحدًا فأقام بها أيّامًا وبثَّ السرايا وفرَّقها فرجعت ولم تُصِبْ منهم أحدًا، وأُخذَ منهم رجل فسأله رسول الله، ﷺ ، عنهم فقال: هربوا حيث سمعوا أنّك أخذتَ نَعَمهم، فعرَض عليه الإسلام فأسلَم ورجَعَ رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة ولم يلق كيدًا لعشرِ ليالٍ بقين من شهر ربيع الآخر. وفى هذه الغزاة وَادَع رسول الله، ﷺ ، عُيَينة بن حصن أن يرعى بتَغلَمَين وما والاه إلى المَرَاض، وكان ما هناكَ قد أخصبَ وبلاد عُيينة قد أجدبت، وتغلمين من المَرَاضِ على ميلين، والمراض على ستّة وثلاثين ميلًا من المدينة على طريق الرّبذة.
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، المُرَيْسِيع (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، المريسيع فى شعبان سنة خمس من مُهَاجَره.
قالوا: إنّ بَلمُصْطَلِق من خُزاعة، وهم من حُلفاء بنى مُدْلج وكانوا ينزلون على بئر لهم يُقال لها المُرَيْسِيع، بينها وبين الفُرْع نحو من يوم، وبين الفُرْع والمدينة ثمانية بُرُد، وكان رأسهم وسيّدهم الحارث بن أبى ضرار فسار فى قومه ومَن قَدَر عليه من العرب فدَعَاهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، فأجابوه وتَهَيَّئُوا للمَسِير معه إليه، فبلَغ ذلك رسولَ الله، ﷺ ، فبعثَ بُريدةَ بن الحُصيب الأسْلَمى يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقى الحارث بن أبى ضرار وكلّمه ورَجَع إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره خبرهم فندب رسول الله، ﷺ ، الناسَ إليهم فأسرعوا الخروج وقادوا
стр. 540
الخيول وهى ثلاثون فرسًا، فى المهاجرين منها عشرة، وفى الأنصار عشرون وخرج معه بَشَرٌ كَثيرٌ من المنافقين لم يخرجوا فى غزاة قطّ مثلها، واستخلف على المدينة زيدَ بن حارثة (١).
وكان معه فَرَسان لِزاز والظّرِب. وخرَج يوم الاثنين لليلتين خَلَتا من شعبان. وبلغ الحارث بن أبى ضرَار ومَن معه مَسِير رسول الله، ﷺ ، وأنّه قد قَتَلَ عَينَه الذى كان وجّهه ليأتيه بخبر رسول الله، ﷺ ، فسئ بذلك الحارث ومَن معه وخافوا خوفًا شديدًا وتفرَّق عنهم مَن كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله، ﷺ ، إلى المُريسيع وهو الماء فنزل به وضرب قُبَّتَه (٢)، ومعه عائشة وأمّ سَلَمة، فتهيئوا للقتال وصفّ رسول الله، ﷺ ، أصحابه ودَفَع راية المهاجربن إلى أبى بكر الصّدّيق، وراية الأنصار إلى سعدَ بن عبادة، فرموا بالنبل ساعةً ثم أمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه فحَمَلُوا حَمْلَةَ رجلٍ واحدٍ، فما أفلَتَ منهم إنسانٌ وقُتل عشرة منهم وأُسر سائرهم وسبَى رسول الله، ﷺ ، الرجالَ والنساء والذرّيّة والنَّعَم والشاءَ ولم يُقتَلْ منَ المسلمين إلّا رجلٌ واحدٌ، وكان ابن عمر يحدّث أن النبىّ، ﷺ ، أغارَ عليهم وهم غارّون ونَعَمُهم تُسقَى على الماء فَقَتل مُقَاتلتَهم وسَبَى ذراريّهم، والأوّل أثبت، وأَمر بالأسارى فكُتفوا واستعمل عليهم بُريدة بن الحُصيب وأمر بالغنائم فجُمِعَت واستعمل عليها شُقرانَ مولاه، وجمع الذّريّة ناحيةً واستعمل على مقسم الخُمس وسُهمان المسلمين مَحميَةَ بن جزْء، واقتُسم السبىُ وفُرّق وصار فى أيدى الرجال، وقسم النعم والشاء فعُدلت الجَزُور بعشر من الغَنم وبيعت الرِّثّة (٣) من يزيد (٤)، وأُسهم للفَرَسِ سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم، وكانت الإبل ألفىْ بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان السبى مائتى أهل بيت وصارت جُويرية بنت الحارث بن أبى ضرار فى سهم ثابت بن قيس بن
стр. 541
شمّاس وابن عمّ له فكاتباها على تسع أواقٍ ذهبٍ فسألت رسول الله، ﷺ ، فى كتابتها وأدّاها عنها وتزوّجها (١).
وكانت جارية حلوة، ويقال: جعل صَداقَها عتقَ كلّ أَسير من بنى المصطَلق، ويقال: جعل صداقها عتقَ أربعين من قومها، وكان السّبى منهما مَن مَنّ عليه رسول الله، ﷺ ، بغير فداء، ومنهم مَن افتُدِى فافتُديَت المرأة والذّريّة بستّ فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبى فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم فلم تبق امرأة من بنى المصطلق إلّا رجعت إلى قومها، وهو الثبت عندنا، وتنازع سنان بن وبَر الجُهَنى حليف بنى سالم من الأنصار وجَهجاه بن سعيد الغفارى على الماء فضرب جهجاه سنانًا بيده فنادى سنان: يا لَلأنصار! ونادى جهجاه: يا لَقُرَيش يا لَكنانة! فأقبلت قريش سراعًا وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح، فتكلّم فى ذلك ناسٌ من المهاجرين والأنصار حتى ترك سنان حقّه وعَفَا عنه واصطلحوا، فقال عبد الله بن أُبىّ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [سورة المنافقون: ٨]: ثمّ أقبل على مَن حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم: وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبىّ، ﷺ ، قولَه فأمر بالرحيل وخرَج من ساعته وتبعه النّاس، فقدَم عبد الله بن عبد الله بن أُبىّ النّاس حتى وقفَ لأبيه على الطريق، فلمّا رآه أناخَ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنّك الذّليل ومحمّد العزيز، فمرّ به رسول الله، ﷺ ، فقال: دَعه فَلَعمرى لنُحسننّ صُحبته ما دام بين أظهُرنا! وفى هذه الغزاة سقط عِقدٌ لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمّم فقال أسيد بن الحُضير: ما هى بأوّلِ بَركتكم يا آل أبى بكر. وفى هذه الغَزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها. قال: وأَنَزَل الله، ﵎، بَرَاءتها. وغابَ رسول الله، ﷺ ، فى غَزَاته هذه ثمانية وعشرين يومًا وقدم المدينة لهلال شهر رمضان.
* * *
стр. 542
غزوة رسول الله، ﷺ ، الخندَق وهى غَزاة الأحزاب (١)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، الخندق، وهى غزوة الأحزاب فى ذى القعدة سنة خمسٍ من مُهاجَره.
قالوا: لمّا أجْلَى رسول الله، ﷺ ، بنى النَّضِير ساروا إلى خَيْبَر، فخرَج نَفَرٌ من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألّبوا قريشًا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله، ﷺ ، وعاهَدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعدًا، ثمّ خرجوا من عندهم فأتوا غَطَفانَ وسُليمًا فَفَارَقوهم على مِثل ذلك، وتجهّزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومَن تَبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف، وعَقَدوا اللّواء فى دار النّدوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فَرَس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أُميّة وَوَافتهم بنو سُليم بمرّ الظهران، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أُميّة، وهو أبو أبى الأعوَر السّلَمى الذى كان مع معاوية بصفّين، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خُوَيلد الأسدى، وخرجت فَزارة فأوعبت، وهم ألف بعير يقودهم عُيينة بن حصْن، وخرجت أشجَع وهم أربعمائة يقودهم مَسعود بن رُخيلة، وخرجت بنو مُرّة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرَج معهم غيرهم (٢).
وقد روى الزهرى أن الحارث بن عوف رَجَع ببنى مُرّة فلم يشهد الخندق منهم أحدٌ، وكذلك رَوَت بنو مُرة، والأوّل أثبت أنّهم قد شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف، وهَجَاه حسّان بن ثابت فكان جميع القوم الذين وافوا الخندقَ ممّن ذُكر من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر وعناجُ الأمر إلى أبى سفيان بنِ حرب: فلمّا بلغ رسولَ الله، ﷺ ، فصولُهم (٣) من مكّة نَدَبَ النّاسَ
стр. 543
وأخبرهم خبَر عدوّهم وشاوَرَهم فى أمرهم، فأشار عليه سَلمان الفارسى بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وعَسْكَر بهم رسول الله، ﷺ ، إلى سَفح سَلْع (١) وجعل سَلعًا خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، واستخلَف على المدينة عبدَ الله بن أمّ مكتوم ثمّ خَنْدَقَ على المدينة، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرونَ قدومَ عدوّهم عليهم وعمل رسول الله، ﷺ ، معهم بيده لينشّط المسلمين، ووكّل بكلّ جانب منه قومًا فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذُباب (٢)، وكانت الأنصار يحفرون من ذُباب إلى جبل بنى عُبيد، وكان سائر المدينة مشبّكًا بالبنيان فهى كالحصن، وخَنْدَقَت بنو عبد الأشْهَل عليها ممّا يلى راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخَنْدَقَت بنو دينار من عند جُرْبَا إلى موضع دار ابن أبى الجنوب اليومَ، وفَرغوا من حفره فى ستّة أيام ورفع المسلمون النساء والصبيان فى الآطام.
وخرج رسول الله، ﷺ ، يوم الاثنين لثمانى ليالٍ مضين من ذى القعدة، وكان يحمل لواءه لواء المهاجرين زَيدُ بن حارثة، وكانَ يحمل لواء الأنصار سَعدُ ابن عُبَادة، ودسّ أبو سُفيان بن حرب حُيىّ بن أخْطَب إلى بنى قُريظة يسألهم أن ينقضوا العهدَ الذى بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، ويكونوا معهم عليه، فامتنعوا من ذلك ثمّ أجابوا إليه، وبلغ ذلك النبىّ، ﷺ ، فقال: حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ! قال: ونَجم النّفاقُ وفشل النّاس وعظُم البلاءُ واشتدّ الخوفُ وخِيفَ على الذّرارىّ والنساء، وكانوا كما قال الله، ﵎: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [سورة الأحزاب: ١٠]. ورسول الله، ﷺ ، والمسلمون وِجَاه العدوّ لا يزولون غير أنّهم يعتقبون خندقهم ويحرسونه.
وكان رسول الله، ﷺ ، يبعث سَلمة بن أسْلَم فى مائتى رجل وزيد بن حارثة فى ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير، وذلك أنّه كان يخاف
стр. 544
على الذرارىّ من بنى قُرَيظة، كان عبّاد بن بشر على حرس قُبّة رسول الله، ﷺ ، مع غيره من الأنصار يحرسونه كلّ ليلة: فكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب فى أصحابه يومًا ويغدو خالد بن الوليد يومًا ويغدو عمرو بن العاص يومًا ويغدو هُبَيرة بن أبى وَهب يومًا ويغدو ضِرار بن الخطّاب الفهرى يومًا، فلا يزالون يُجيلون خَيلَهم ويتفرّقون مرّةً ويجتمعون أخرى ويناوشونَ أصحابَ رسول الله، ﷺ ، ويقدّمون رُماتَهم فيرمون: فرَمَى حبّان بن العَرِقَة سعدَ ابن مُعاذ بسهم فأصاب أكْحَلَه فقال: خُذْها وأنا ابن العَرِقَة! فقال رسول الله، ﷺ : عرّقَ الله وجهكَ فى النّار! ويقال: الذى رماه أبو أُسامة الجُشَمى.
ثمّ أجمع رؤساؤهم أن يغدوا يومًا فغدوا جميعًا ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطلبوا مضيقًا من الخندق يُقحمون منه خيلَهم إلى النبىّ، ﷺ ، وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها: فقيل لهم: إنّ معه رجلًا فارسيًّا أشار عليه بذلك. قالوا: فمنْ هناك إذًا! فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فَعَبَر عِكْرِمة بن أبى جَهل ونَوْفَل بن عبد الله وضرار بن الخطّاب وهُبيرة بن أبى وهب وعمرو بن عبد وُدّ، فجعل عَمرو بن عبد وُدّ يدعو إلى البراز ويقول:
وَلَقَدْ بَحِحْتُ منَ النّدا … ء لجمعهم (١): هلْ منْ مُبَارِزْ؟
وهو ابن تسعين سنة، فقال علىّ بن أبى طالب: أنا أبارزُه يا رسول الله. فأعطاه رسول الله، ﷺ ، سيفَه وعَمَّمه وقال: اللهمّ أعنهُ عليه: ثم بَرَزَ له ودنا أحدهما من صاحبه وثارت بينهما غَبَرَةٌ وضرَبَه علىّ فَقَتَلَه وكبَّر، فعلمنا أنّه قد قَتَله وولّى أصحابه هاربين وظفرت بهم خيولهم. وحمل الزُّبير بن العوّام على نَوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقّه باثنين، ثمّ اتّعدوا أن يغدوا من الغد فباتوا يعبّئون أصحابهم وفرَّقوا كتائبهم ونحَوا إلى رسول الله، ﷺ ، كتيبة غليظةً فيها خالد بن الوليد فقاتلوهم يومَهم ذلك إلى هُوِىّ من اللّيل ما يَقدرون أن يزولوا من موضعهم
стр. 545
ولا صَلَّى رسول الله، ﷺ ، ولا أصحابه ظُهرًا ولا عَصرًا ولا مَغْربًا ولا عِشاءً حتى كشَفَهم الله فرجعوا متفرّقين إلى منازلهم وعَسْكرِهم وانصرف المسلمون إلى قُبّة رسول الله، ﷺ .
وأقام أسيد بن الحُضَير على الخندق فى مائتين من المسلمين وكَرَّ خالد بن الوليد فى خَيل من المشركين يطلبون غرّةً من المسلمين، فَنَاوشوهم ساعة ومع المشركين وَحْشِىّ، فَزَرَق الطُّفيلَ بن النُّعمان من بَنى سَلمَة بمزرَاقِه فَقَتله وانكشفوا وصار رسول الله، ﷺ ، إلى قُبّته فأمر بلالًا فأذّنَ وأقام الظّهر فصلّى، ثمّ أقام بعد كلّ صلاةٍ إقامة إقامةً وصلَّى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات وقال: شَغَلونا عن الصّلاة الوُسطى، يعنى العصر، مَلأَ الله أجوافَهم وقُبورهم نارًا! ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعًا حتى انصرفوا إلّا أنهم لا يدَعون يبعثون الطّلائع بالليل يطمعون فى الغارة. وحُصِرَ رسول الله، ﷺ ، وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كلّ امرئ منهم الكَرْبُ، فأراد رسول الله، ﷺ ، أن يصالح غَطَفانَ على أن يعطيهم ثُلُثَ الثمرة ويخذّلوا بين النّاس وينصرفوا عنه، فأبت ذلك الأنصار فترك ما كان أراد من ذلك.
وكان نُعيم بن مسعود الأشْجَعى قد أسلَم فحسُن إسلامه فمشى بين قُريش وقُرَيْظة وغَطَفان وأبلَغ هؤلاء عن هؤلاء كلامًا وهؤلاء عن هؤلاء كلامًا يُرى كلّ حزبٍ منهم أنّه ينصح له، فَقَبِلوا قوله وخَذّله عن رسول الله، ﷺ ، واستوحش كلّ حزبٍ من صاحبه، وطلبت قُريظة من قريش الرهنَ حتى يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأَبَت ذلك قريش واتّهموهم واعتلّت قُريظة عليهم بالسّبت وقالوا: لا نُقاتل فيه لأنّ قومًا منّا عدوا فى السبت فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنَازيرَ. فقال أبو سفيان بن حرب: ألا أرانى أستعين بإخوة القِرَدَةِ والخنازير. وبعث الله الرّيحَ ليلةَ السبت ففعلت بالمشركين وتركت لا تُقِرّ لهم بناءً ولا قِدْرًا.
وبعث رسول الله، ﷺ ، حُذيفة بن اليَمَان إليهم ليأتيه بخبرهم، وقام رسول الله، ﷺ ، يصلّى تلك الليلة، فقال أبو سفيان بن حرب: يا معشر قريش إنّكم لستم بدار مُقامٍ، لقد هلك الخُفّ والحافر وأجدب الجناب وأخلفتنا بنو قُريظة ولقد
стр. 546
لقينا من الرّيح ما ترون فارتحلوا فإنّى مرتحل: وقام فَجلس على بعيره وهو معقول، ثم ضربه فَوَثَب على ثلاثِ قوائم فما أطلق عِقاله إلّا بعدما قام.
وجعل النّاس يرحلون وأبو سفيان قائم حتى خفّ العسكر، فأقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فى مائتى فارس ساقَةً للعسكر ورِدْءًا لهم مخافةَ الطلب، فرجَع حُذَيفة إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره بذلك كلّه وأصبح رسول الله، ﷺ ، وليس بحضرته أحدٌ من العساكر قد انقشعوا إلى بلادهم فأذن النبىّ، ﷺ ، للمسلمين فى الانصراف إلى منازلهم فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك، وكان فيمن قُتِل أيضًا فى أيام الخندق أنَس بن أوس بن عتيك من بنى عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد، وعبد الله بن سَهل الأشهَلىّ وثعلبة بن غَنَمَة (١) بن عدىّ بن نابئ قتله هُبيرة بن أبى وهب، وكَعْب بن زيد من بنى دينار قتله ضِرار بن الخطّاب، وقُتل أيضًا من المشركين عثمان بن مُنبّه بن عُبيد بن السبّاق من بنى عبد الدّار بن قُصىّ، وحاصرهم المشركون خَمس عشرة ليلة وانصرف رسول الله، ﷺ ، يوم الأربعاء لسبع ليالٍ بقين من ذى القعدة سنة خمس.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: خرَج المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق فى غداة باردة فجعل رسول الله، ﷺ ، يقول:
اللَّهُمَّ إنّ الخيرَ خيرُ الآخرهْ … فاغفرْ للأنصار والمهاجرهْ
فأجابوه:
نحن الذين بايعوا محمّدَا … على الجهاد ما بقينا أبدَا (٢)
أخبرنا عفّان بن مسلّم، أخبرنا حَمّاد بن سَلمَة قال: أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك: أنّ أصحاب النبىّ، ﷺ ، كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق.
стр. 547
نحن الذين بايعوا محمّدَا … على الجهاد ما بقينا أَبَدَا
والنبىّ، ﷺ ، يقول:
اللَّهم إنّ الخيرَ خيرُ الآخرةْ … فاغفرْ للأنصار والمهاجرهْ
وأتى رسول الله، ﷺ ، بخبزِ شعيرٍ عليه إهالةٌ سَنِخة (١) فأكلوا منها وقال النبىّ، ﷺ : إنما الخير خير الآخرة.
أخبرنا عبد الله بن مَسلمَة بن قعنَب، أخبرنا عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه عن سَهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله، ﷺ ، ونحن نحفر الخندق وننقل الترابَ على أكتافنا فقال رسول الله، ﷺ : لا عيشَ إلَّا عيش الآخرهْ، فاغفرْ للأنصار والمهاجرهْ.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شُعبة عن أبى إسحاق الهَمدانى عن البَراء بن عازب قال: كان رسول الله، ﷺ ، يوم الأحزاب ينقل معنا التراب وقد وارى الترابُ بياضَ بطنه ويقول:
لاهُمّ (٢) لوْلا أنتْ مَا اهتَدَيْنا، … وَلا تَصَدّقْنا ولا صَلَّينَا
فأنزِلَنْ سَكينَةً عَلَيْنَا … وَثَبّتِ الأقدَامَ، إنْ لاقَيْنَا
إنّ الأولى لَقَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، … إذا أرادوا فتنَةً أبَيْنَا (٣)
أبَينَا يرفع بها صوته، ﷺ .
أخبرنا أبو الوليد الطّيالسىّ، أخبرنا أبو عَوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جُبير قال: كان يوم الخندق بالمدينة، قال: فجاء أبو سفيان بن حرب ومَن معه من قريش ومَن تبعه من كنانة، وعُيينة بن حصن ومَن تبعه مِن غَطَفَان، وطُليحة ومَن
стр. 548
تبعه من بنى أسد، وأبو الأعْور ومَن تبعه من بنى سُليم وقُريظة كان بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، عهدٌ فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٢٦] فأتى جبريل، ﵇، ومعه الريح فقال حين رأى جبريلَ: أَلا أبشروا، ثلاثًا، فأرسلَ الله عليهم الرّيح فَهَتَكت القبابَ وكَفَأَت القُدُور ودفنَت الرحال وقَطَعت الأوتاد فانطلقوا لا يَلوِى أحد على أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [سورة الأحزاب: ٩]. فرجع رسول الله، ﷺ .
قال أبو بشر: وبلغنى أن رسول الله، ﷺ ، لمّا رجع إلى منزله غسل جانب رأسه الأيمن وبقى الأيسر، قال: فقال له، يعنى جبريل، ﷺ : ألا أراك تغسل رأسك فوالله ما نزلنا بعدُ، انهضْ: فأمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه أن ينهضوا إلى بنى قُريظة.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى حدّثنى هشام بن حسّان، أخبرنا محمّد ابن سيرين، أخبرنا عُبيدة، أخبرنا علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، أنّ النبىّ، ﷺ ، قال يوم الخندق: مَلأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما حَبَسونا عن الصّلاة الوُسطى حتى غابت الشمس.
أخبرنا عَمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا هَمّام بن يحيَى عن قَتادة عن أبى حسّان عن عُبيدة عن علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، أنّهم لم يصلّوا يوم الأحزاب العصر حتى غَربت الشمس، أو قال: آبت الشمس، فقال النبىّ، ﷺ : اللهمّ املأ بيوتهم نارًا كما حَبَسونا عن الصّلاة الوسطى حتى غابت الشمس، أو قال: آبت الشمس، قال: فعرفنا أنّ صلاة الوسطى هى العصر.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن زَيد عن عاصم عن زِرّ بن حُبَيش عن علىّ قال: قال رسول الله، ﷺ ، يوم الخندق: ما لهم ملأ الله قبورهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى، وهى العصر.
أخبرنا محمّد بن معاوية النيسابورى، أخبرنا ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن محمّد بن عبد الله بن عوف عن أبى جُمعة وقد أدرك النبىّ، ﷺ ، أنّ النبىّ،
стр. 549
- ﷺ ، عام الأحزاب صلّى المغرب فلمّا فرغ قال: هل عَلِمَ أحدٌ منكم أنّى صلّيتُ العصر؟ قالوا: يا رسول الله، صلّى الله عليك، ما صلّيناها، فأمرَ المؤذّن فأقام الصلاة فصلَّى العصر ثمّ أعاد المغرب.
أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زُهير، أخبرنا أبو إسحاق عن المهلّب بن أبى صُفرة قال: قال رسول الله، ﷺ حين حفر الخندق وخاف أن يُبَيّتَه أبو سفيان فقال: إنْ بُيّتّم فإنّ دعواكم حم لا يُنْصَرون.
حدّثنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شريك عن أبى إسحاق عن المهلّب بن أبى صُفرة قال: حدّثنى رجلٌ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال: قال النبىّ، ﷺ ، ليلة الخندق: وإنّى لا أرى القوم إلّا مُبَيّتيكم الليلة. كان شعاركم حم لا يُنْصَرون.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيَى بن سعيد قال: قال سعيد بن المسيّب: حاصَر النبىَّ، ﷺ ، المشركون فى الخندق أربعًا وعشرين ليلة.
أخبرنا محمّد بن حُميد العَبدى عن معمَر عن الزُّهرىّ عن أبى المسيّب قال: لمّا كان يوم الأحزاب حُصر النبىّ، ﷺ ، وأصحابه بضع عشرة ليلةً حتى خلص إلى كل أمرئ منهم الكَرْب وحتى قال النبىّ، ﷺ : اللَّهُمَّ إنّى أنشُدُك عهدَك ووعدَك، اللَّهُمَّ إنّك إن تشأ لا تُعبَد: فبينا هم على ذلك أرسل النبىُّ، ﷺ ، إلى عُيينة بن حِصن بن بدر: أرأيتَ إن جعلتُ لكم ثُلُثَ ثَمَرِ الأنصار أتَرجعُ بمن معك من غَطَفان وتخذّل بين الأحزاب؟ فأرسَلَ إليه عُيينة: إن جعلتَ لى الشّطرَ فعلت. فأرسَلَ النبىّ، ﷺ ، إلى سعد بن عُبادة وسعد بن مُعاذ فأخبرهما بذلك فقالا: إن كنتَ أُمرْتَ بشئ فامضِ لأمرِ الله. قال: لو كنت أُمرْتُ بشئ ما أستأمرُ بكما ولكنّ هذا رأىٌ أعرِضُه عليكما: قالا: فإنّا نرى أن لا نعطيهم إلّا السيف.
قال محمّد بن حُميد، قال مَعمر عن ابن أبى نَجيح: فبينا هم على ذلك إذ جاء نُعيم بن مسعود الأشجَعى، وكان يأمنه الفريقان جميعًا، فخذّل بين النّاس فانطلقَ الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [سورة الأحزاب: ٢٥].
стр. 550
أخبرنا عُبيد الله بن عبد المجيد الحنَفى البصرى، أخبرنا كثير بن زيد قال: سمعت عبد الرحمن بن كَعب بن مالك قال: سمعتُ جابر بن عبد الله قال: دَعا رسول الله، ﷺ ، فى مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستُجيب له يومَ الأربعاء بين الصّلاتيْن الظهر والعصر فعرفنا البِشْر فى وجهه، قال جابر: فلم ينزل بى أمر مهمّ غائظ إلّا توخّيتُ تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوتُ الله فأعرفُ الإجابةَ.
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبى خالد أنّه سمع عبد الله بن أبى أوْفَى يقول: دعا رسول الله، ﷺ ، يوم الأحزاب على المشركين فقال: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتاب سَىريعَ الحِسابِ اهزم الأحزابَ! اللَّهُمَّ اهزمهم وزَلزِلهُم!
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، إلى بنى قُريظة (١)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، بنى قُريظة فى ذى القعدة سنة خمس من مُهَاجَره. قالوا: لمّا انصرَفَ المشركون عن الخندق ورجع رسول الله، ﷺ ، فدخل بيت عائشة أتاه جبريل فوقفَ عند موضع الجنائز فقال: عَذِيرَك من مُحارِب! فخرَج إليه رسول الله، ﷺ ، فَزِعًا فقال: إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بنى قُريظة فإنّى عامدٌ إليهم فمزلزلٌ بهم حُصونهم. فدعا رسول الله، ﷺ ، عَلِيًّا، رضى الله عنه، فَدَفَع إليه لواءه وبعث بلالًا فنادى فى النّاس: إِنّ رسول الله، ﷺ ، يأمركم ألَّا تُصلوا العصر إلّا فى بنى قُريظة (٢).
واستخلف رسول الله، ﷺ ، على المدينة عبد الله بن أُمّ مكتوم ثمّ سار إليهم فى المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستّة وثلاثون فرسًا، وذلك يومَ الأربعاء لسبعٍ
стр. 551
بقين من ذى القعدة، فحاصَرهم خمسةَ عشرَ يومًا أشدّ الحصار ورموا بالنبل فانجحروا فلم يطلع منهم أحد، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله، ﷺ : أَرْسِلْ إلينا أبا لُبابة بن عبد المُنْذِر. فأرسَلَه إليهم فشاوَروه فى أمرهم فأشار إليهم بيده أنّه الذّبح ثمّ ندم فاسترجع وقال: خُنتُ اللهَ ورسولَه! فانصرفَ فارتبط فى المسجد ولم يأتِ رسولَ الله، ﷺ ، حتى أنزلَ الله توبته.
ثمّ نزلوا على حكم رسول الله، ﷺ ، فأمر بهم رسولُ الله، ﷺ ، محمد ابن مسلمة فكُتفوا ونُحّوا ناحيةً وأُخرج النساء والذرّيّة فكانوا ناحيةً، واستعمل عليهم عبدَ الله بن سَلام وجَمَعَ أمتعَتَهُم وما وجد فى حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوُجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحَجَفة (١) وخمرٌ وجرَارُ سَكَرٍ فأهرِيق ذلك كلّه ولم يُخَمَّس، ووجدوا جمالًا نواضحَ وماشيةً كثيرة (٢).
وكلّمت الأوس رسول الله، ﷺ ، أن يهبهم لهم. وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله، ﷺ ، الحكم فيهم إلى سعد بن مُعاذ فحكم فيهم أن يُقتَل كلّ من جَرَت عليه المَواسى وتُسبَى النساء والذريّة وتُقسَم الأموال. فقال رسول الله، ﷺ : لقد حَكَمتَ بحكم الله من فوق سبعة أرْقعة. وانصرف رسول الله، ﷺ ، يوم الخميس لسبع ليالٍ خَلَون من ذى الحجّة ثمّ أمر بهم فأدْخلوا المدينة وحفر لهم أخدودًا فى السوق وجلَس رسول الله، ﷺ ، ومعه أصحابه وأُخرجوا إليه رَسْلًا رَسْلًا (٣) فضُرِبت أعناقهم فكانوا ما بين ستّمائة إلى سبعمائة. وأصطَفى رسول الله، ﷺ ، رَيحانة بنت عَمرو لنفسه وأمرَ بالغنائم فجُمعت فأخرج الخمس من المتاع والسبى، ثمّ أمر بالباقى فبيع فى مَن يزيد وقسمه بين المسلمين، فكانت السّهمان على ثلاثةِ آلاف واثنين وسبعين سهمًا، للفَرس سهمان ولصاحبه سهمٌ، وصار الخمس إلى مَحميَة بن جَزْء الزّبَيدى فكان رسول الله، ﷺ ، يُعتقُ منه ويهب منه ويُخدم منه مَن أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرِّثّة.
стр. 552
أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا جعفر بن بُرْقان، أخبرنا يزيد، يعنى ابن الأصمّ، قال: لمّا كشَفَ اللهُ الأحزاب ورجع النبىّ، ﷺ ، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل، ﵇، فقال: عَفَا الله عنك! وضعتَ السّلاحَ ولم تَضَعه ملائكَةُ الله، ائتنا عند حصن بنى قُريظة: فنادى رسول الله، ﷺ ، فى النّاس أن ائتُوا حصنَ بنى قُريظة. ثمّ اغتسل رَسول الله، ﷺ . فأتاهم عند الحصن.
أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهدى، أخبرنا جُويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أنّ الأحزاب لمّا انصرفوا نادى فيهم، يعنى النبىّ، ﷺ : لا يصلين أحدٌ الظُّهر إلّا فى بنى قُريظة: فتخوّف ناسٌ فَوْتَ الصّلاةِ فصَلُّوا وقال آخرون: لا نُصلّى إلّا حيث أمرنا رسول الله، ﷺ ، وإن فاتَ الوقت، قال: فما عنف رسول الله، ﷺ ، واحدًا من الفريقين.
أخبرنا شهاب بن عَبّاد العَبدى، أخبرنا إبراهيم بن حُميد الرّؤاسىّ عن إسماعيل بن أبى خالد عن البَهىّ (١) وغيره أن النبىّ، ﷺ ، لمّا أتى قُريظة ركب على حمار عُرْىٍ والنّاس يمشون.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم عن حُميد عن أنس بن مالك قال: كأنّى أنظر إلى الغُبار ساطعًا فى زُقاق بنى غَنم موكب جبريل، ﵇، حين سار رسول الله، ﷺ ، إلى بنى قُريظة.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا عبد العزيز بن أبى سَلمة أخبرنى عمّى الماجشُون قال: جاء جبريل، ﵇، إلى رسول ﷺ ، يوم الأحزاب على فرس عليه عمامةٌ سوداء قد أرخاها بين كتفيه، على ثناياه الغُبارُ وتحته قطيفةٌ حمراء، فقال: أوَضَعْتَ السّلاحَ قبل أن نضَعه؟ إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بنى قُريظة.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيَى بن سعيد عن سعيد ابن المسيّب قال: حاصَر نبىّ الله، ﷺ ، بنى قُريظة أربع عشرة ليلة.
стр. 553
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سفيان وأخبرنا عمرو بن الهَيْثم عن شعبة جميعًا عن عبد الملك بن عُمير، أخبرنا عطيّة القُرَظى قال: كنتُ فيمن أُخذ يوم قُريظة فكانوا يقتلون من أنبتَ ويتركون مَن لم يُنبِت فكنتُ فيمن لم يُنبِت.
أَخبرنا عَمرو بن عاصم، أخبرنا سليمان بن المُغيرة عن حُميد بن هلال قال: كان بين النبىّ، ﷺ ، وبين قُريظة وَلْث (١) من عهد، فلمّا جاءت الأحزاب بما جاءوا به من الجنود -نقضوا العهد وظاهَروا المشركين على رسول الله، ﷺ بعثَ الله الجنود والريح فانطلقوا هاربين وبقى الآخرون فى حصنهم، قال: فوضع رسول الله، ﷺ ، وأصحابه السلاح فجاء جبريل، ﷺ ، إلى النبىّ، ﷺ ، فخرج إليه، فنزل رسول الله، ﷺ ، وهو مُتساند إلى لبَان الفرس قال: يقول جبريل ما وضعنا السلاح بعدُ وإنّ الغُبارَ لَعَاصِبٌ على حاجبه، انهَدْ إلى بنى قُريظة: قال: فقال رسول الله، ﷺ : إنّ فى أصحابى جهدًا فلو أنظرتَهم أيامًا: قال: يقول جبريل، ﵇، انهدْ إليهم، لأدخلنّ فَرسى هذا عليهم فى حصونهم ثمّ لأضعضعنّها: قال: فأدبر جبريل، ﵇، ومن معه من الملائكة حتى سَطَع الغُبار فى زُقاق بنى غَنم من الأنصار وخرج رسول الله، ﷺ ، فاستقبله رجلٌ من أصحابه فقال: يا رسول الله اجلسْ فلنكفِك! قال: وما ذاك؟ قال: سمعتهم ينالون منك. قال: قد أُوذِىَ موسى بأكثر من هذا. قال: وانتهى إليهم فقال: يا إخوة القِرَدَة والخنازير، إيّاى إيّاى! قال: فقال بعضهم لبعض: هذا أبو القاسم ما عهدناه فحّاشًا. قال: وقد كان رُمى أكحلُ سعد بن مُعاذ فَرَقَأَ الجرح وأجلب ودعا الله أن لا يميتَه حتى يشفى صدره من بنى قُريظة. قال: فأخذهم من الغَمّ فى حصنهم ما أخذهم فنزلوا على حُكم سعد بن مُعاذ من بين الخلق. قال: فحكم فيهم أن تُقتَل مُقَاتِلتُهم وتُسبَى ذَراريّهم. قال حُميد: قال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار. قال: فقالت الأنصار إخوتُنا كنّا معهم: فقال: إنّى أحببتُ أن يستغنوا عنكم. قال: فلمّا فرغَ منهم وحكم فيهم بما حكم مرّت عليه عَنَزٌ وهو مُضْطجع، فأصابت الجرح بظلفها، فما رَقَأَ حتى
стр. 554
مات. وبعثَ صاحب دُومة الجَنْدَل إلى رسول الله، ﷺ ، ببغلة وجُبّة من سُنْدُس فجعل أصحاب رسول الله، ﷺ ، يعجبون من حُسن الجبّة، فقال رسول الله، ﷺ : لَمناديل سعد بن مُعاذ فى الجنّة أحسنُ، يعنى من هذا.
* * *
سريّة محمّد بن مسلمة إلى القُرَطاء (١)
ثمّ سريّة محمّد بن مسلمة إلى القُرَطاء، خرج لِعَشرِ ليالٍ خلون من المحرّم على رأس تسعة وخمسين شهرًا من مُهَاجَر رسول الله ﷺ ، بعثه فى ثلاثين راكبًا إلى القُرَطاء، وهم بطن من بنى بكر من كِلاب وكانوا ينزلون البَكَرات بناحية ضَرِيّة، وبين ضَريّة والمدينة سبع ليال، وأمره أن يَشُنّ عليهم الغارة، فسارَ الليل وكمنَ النهار وأغارَ عليهم فقتل نَفَرًا منهم وهرب سائرهم واستَاقَ نَعمًا وشَاءً ولم يعرض للظُّعُن (٢)، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله ﷺ ، ما جاء بهِ وفضّ على أصحابه ما بَقِى فعدّلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرًا والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرّم.
* * *
غزوة (٣) رسول الله، ﷺ ، بنى لحيان (٤)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، بنى لِحْيان، وكانوا بناحية عُسفان (٥)، فى شهر ربيع الأوّل سنة ستٍّ من مُهاجَره. قالوا: وَجَدَ رسول الله، ﷺ ، على عاصم بن ثابت وأصحابه وَجْدًا شَديدًا، فأظهرَ أنّه يريد الشأم وعسكر لِغِرّةٍ (٦) هِلالَ شهر
стр. 555
ربيع الأول فى مائتى رجل ومعهم عشرون فرسًا، واستخلَف على المدينة عبد الله ابن أُمّ مكتوم ثمّ أسرعَ السيرَ حتى انتهى إلى بطن غُران وبينها وبين عُسفان خمسة أميال حيث كان مُصاب أصحابه، فترحّم عليهم ودعا لهم فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا فى رءوس الجبال فلم يَقدر منهم على أحد، فأقام يومًا أو يومين فبعث السرايا فى كلّ ناحية فلم يقدروا على أحد، ثمّ خرج حتى أتى عُسفان، فبعث أبا بكر فى عشرة فَوارس لتسمع به قريش فيذعرَهم، فأتوا الغَميم (١) ثمّ رجعوا ولم يلقوا أحدًا، ثمّ انصرف رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة وهو يقول: آئبون تائبون عابدون لربّنا حامدون! وغابَ عن المدينة أربع عشرةَ ليلة.
أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمّد بن إسحاق، حدّثنى عاصم بن عمر وعبد الله بن أبى بكر: أنّ رسول الله، ﷺ ، خرَج فى غزوة بنى لحيان وأظهرَ أنّه يريد الشأم ليصيب منهم غِرّة، فخرج من المدينة فسَلَك على غُرابٍ (٢) ثُمّ على مَخيض (٣) ثمّ على البَتْراء ثمّ صفّق ذات اليسار، فخرج على يَيْن (٤) ثمّ
стр. 556
على صُخيرات الثّمام (١) ثمّ استقام به الطريق على السّيالة فَأَغَذّ السير سريعًا حتى نَزَل على غُران، هكذا قال ابن إدريس، وهى منازل بنى لحيان، فوجدهم قد تمنّعوا فى رءوس الجبال، فلمّا أخطأه من عدوّه ما أراد قالوا: لو أنّا هبطنا عُسفان فنُرى أهلَ مكة أنّا قد جئناها، فخرَج فى مائتى راكب من أصحابه حتى نزل عُسفان ثمّ بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كُراعَ الغَميم ثمّ كرّا وراح قافلًا: فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقول: تائبون آئبون، إن شاء الله، حامدون لربّنا عابدون! أعوذ بالله من وَعْثَاءِ السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر فى الأهل والمال.
أخبرنا رَوْح بن عُبادَة، أخبرنا حسين المعلّم عن يحيَى بن أبى كثير عن أبى سعيد مولى المهدى عن أبى سعيد الخُدْرى قال: بعث رسول الله، ﷺ ، بعثًا إلى بنى لحيان من هذيل وقال: لينبعث من كلّ رجلين أحدُهما والأجر بينهما.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانى، حدّثنى إبراهيم بن عَقِيل بن مَعقِل عن أبيه عن وهب قال: أخبرنى جابر بن عبد الله أنّه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول أوّلَ ما غزا عُسفانَ ثمّ رجع: آئبون تائبون عابدون لربّنا حامدون!
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، الغابة (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، الغابةَ وهى على بريد من المدينة طريق الشأم فى شهر ربيع الأول سنة ستٍّ من مُهَاجَره.
стр. 557
قالوا: كانت لِقاح رسول الله، ﷺ ، وهى عشرون لَقْحَة (١) ترعى بالغابة، وكان أبو ذَرّ فيها، فأغارَ عليهم عُيينة بن حصن ليلةَ الأربعاء فى أربعين فارسًا فاستاقوها وقَتلوا ابن أبى ذَرّ، وجاء الصريخ فنادى: الفَزَعَ الفَزَعَ! فنُودى: يا خَيل الله اركبى، وكانَ أوّلَ ما نُودى بها، ورَكِب رسول الله، ﷺ ، فخَرج غَدَاةَ الأربعاء فى الحديد مقنّعًا فوقف، فكان أوّلَ مَن أقبل إليه المِقداد بن عَمرو وعليه الدرع والمِغْفَر شاهرًا سيفَه، فَعَقَدَ له رسول الله، ﷺ ، لواءً فى رُمحه وقال: امضِ حتى تلحقك الخيول، إنّا على أثَرِك. واستخلَف رسول الله، ﷺ ، على المدينة عبد الله بن أُمّ مكتوم وخلّف سعد بن عُبادة فى ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال المِقداد: فخرجتُ فأدركتُ أُخريات العدوّ، وقد قَتَل أبو قتَادة مَسعَدَةَ فأعطاه رسول الله، ﷺ ، فرسَه وسلاحه، وقتل عكّاشة بن مِحصَن أثار بن عمرو ابن أثار، وقَتَل المقداد بن عمرو حبيبَ بن عُيينة بن حِصْن وقِرْفة بن مالك بن حُذيفة بن بدر، وقُتل من المسلمين مُحرِز بن نَضلة قتله مَسعَدة، وأدرك سَلمة بن الأكْوع القومَ وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول:
خُذْها وأنَا ابن الأكوَعِ … وَاليومُ يومُ الرُّضّعِ! (٢)
حتى انتهى بهم إلى ذى قَرَد، وهى ناحية خَيبر ممّا يلى المُستناخَ. قال سَلمة: فلحقَنا رسول الله، ﷺ ، والنّاسُ والخيولُ عِشاءً فقلت: يا رسول الله إنّ القوم عِطاشٌ فلو بعثتَنى فى مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السّرح (٣) وأخذت بأعناق القوم: فقال النبىّ، ﷺ : مَلَكْتَ فأسْجحْ (٤)، ثمّ قال: إنهم الآن ليُقْرَوْنَ فى غَطَفَان. وذهب الصَّريخ إلى بنى عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله، ﷺ ، بذى قَرَد فاستنقذوا عَشر لقائح وأفلت القوم بما بقى وهى عشرة، وصلّى
стр. 558
رسول الله، ﷺ ، بذى قَرَد صلاة الخوف وأقام به يومًا وليلة يتحسّس الخبر، وقسم فى كلّ مائة من أصحابه جَزورًا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال سبعمائة (١).
وبعث إليه سعد بن عُبادة بأحمالِ تَمرٍ وبعشر جزائر فوافت رسول الله، ﷺ ، بذى قَرَد، والثبت عندنا أن رسول الله، ﷺ ، أمّر على هذه السريّة سعدَ بن زَيد الأشْهَلىّ، ولكَنّ النّاس نسبوها إلى المقداد لقول حسّان بن ثابت:
غدَاةَ فوَارِسِ المِقْدادِ
فعاتبه سعد بن زَيد فقال: اضطرّنى الرَّوىّ إلى المِقداد (٢). ورجع رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليال.
(*) أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عِكرمة بن عمّار العِجلىّ، أخبرنا إياس بن سَلمة بن الأكوَع عن أبيه قال: خرجتُ أنا ورَبَاح غلام النبىّ، ﷺ ، بظهر النبىّ، ﷺ ، وخرجت بفَرس لطلحة بن عُبيد الله كنت أريد أن أندّيه مع الإبل، فلمّا أن كان بغلَس أغار عبد الرحمن بن عُيينة على إبل رسول الله، ﷺ ، فَقَتَل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه فى خيل فقلت: يا رَبَاح اقعدْ على هذا الفرس فألحِقه بطلحة، وأَخْبِرْ رسول الله، ﷺ ، أنّه قد أُغير على سَرْحه. قال: وقمتُ على تلّ فجعلت وجهى من قِبَل المدينة ثمّ ناديت ثلاث مرّات: يا صباحاه! ثمّ اتبعتُ القوْم ومعى سيفى ونبلى فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثُرُ الشجرُ فإذا رجع إلىّ جلست له فى أصل شجرة ثمّ رميت، فلا يُقبِل علىّ فارس إلّا عقرتُ به، فجعلت أرميهم وأقول: أنَا ابنُ الأكوَعِ، واليومُ يومُ الرُّضّعِ!
فألحقُ برَجُلٍ فأرميه وهو على رحلهِ فيقع سهمى فى الرجل حتى انتظمتُ
стр. 559
كَتِفَهُ (١) فقلت:
خذها! وَأَنَا ابنُ الأكوَعِ … واليومُ يومُ الرّضّعِ!
فإذا كنت فى الشجرة أحدقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوتُ الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأنى وشأنهم أتّبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئًا من ظَهر النبىّ ﷺ ، إلّا خلّفتُه وراء ظهرى واستنقذته من أيديهم ثمّ لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا وأكثر من ثلاثين بُرْدةً يستخفون منها ولا يُلقون من ذلك شيئًا إلا جعلتُ عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله، ﷺ ، حتّى إذا امتدّ الضحى أتاهم عُيينة بن بدْر الفَزَارى مَدَدًا لهم. وهم فى ثنيّة ضيّقة. ثمّ علوت الجبلَ فأنا فوقهم. قال عُيينة: ما هذا الذى أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البَرْح (٢) ما فارقَنَا بِسَحَرٍ حتى الآن وأخذ كلّ شئ فى أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عُيينة: لولا أنّ هذا يرى أنّ وراءه طَلَبًا لقد ترككم، ثمّ قال: لِيَقُمْ إليه نَفَرٌ منكم؛ فقام إلىّ نفر منهم أربعة فصعدوا فى الجبل، فلمّا أسمعتهم الصّوتَ قلت لهم: أتعرفوننى؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذى كرم وجه محمد لا يطلبنى رجل منكم فيُدْرِكنى ولا أطلبه فيفوتنى! فقال رجلٌ منهم: إنّ ذا ظنّ.
قال: فما برحتُ مَقعَدى ذلك حتى نظرتُ إلى فَوارس رسول الله، ﷺ ، يتخلّلون الشجر، وإذأ أوّلهم الأخرم الأسدى وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله، ﷺ ، وعلى أثَرِ أبى قَتادة المِقداد، فولّى المشركون مُدبرين وأنزِلُ من الجبل فأعرضُ للأخرم فآخذ عنان فرسه قلتُ: يا أخرمُ أنْذِرِ القومَ! يعنى احذرْهم، فإنى لا آمَنُ أن يقتطعوك فاتّئِد حتّى يلحق رسول الله، ﷺ ، وأصحابه. قال: يا سَلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ فلا تَحُلْ بينى وبين الشهادة! فخلّيتُ عنانَ فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عُيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فَعَقَر الأخرم بعبد الرحمن، فطعَنه عبد الرحمن فقتله،
стр. 560
فتحوّل عبد الرحمن على فَرس الأخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فَعَقَر بأبى قتادة وقتله أبو قتادة، وتحوّل أبو قتادة على فرس الأخرم.
ثمّ إنّى خرجتُ أعدو فى أثر القوم حتى ما أرى من غُبار أصحاب النبىّ، ﷺ ، شيئًا ويعرضون إلى شِعب فيه ماءٌ يقال له ذو قَرَد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصرونى أعدو وراءهم فَعَطفوا عنه وأسندوا فى الثنيّة ثنيّة ذى دبر وغربت الشمس فألحقُ رجلًا فأرميه فقلت:
خُذها! وأنَا ابن الأكوَعِ … واليومُ يومُ الرّضّعِ!
فقال: يا ثَكَلَ أمىّ! أأكوَعى بُكرَةَ (١)؟ قال: قلتُ: نعمْ يا عدوّ نفسه! فكان الذى رَميتهُ بُكرَة فاتّبعته بسهم آخر فعلق فيه سهمان ويخلّفون فرسين فجئت بهما أَسُوقهما إلى رسول الله، ﷺ ، وهو على الماء الذى حلأتُهم عنه ذو قَرَد، فإذا نَبىّ الله فى خمسمائة، وإذا بلال قد نَحَر جزورًا ممّا خلّفتُ فهو يشوى لرسول الله، ﷺ ، من كبدها وسنامها، فأتيتُ رسول الله، ﷺ ، فقلت: يا رسول الله خَلّنى فأنتخب من أصحابك مائة فآخُذَ على الكَفّار بالعَشوة فلا يبقى منهم مُخبر إلّا قتلته: قال: أَكُنتَ فاعلًا ذلك يا سلمة؟ قلت: نعم، والذى أكرَمك! فضحك رسول الله، ﷺ ، حتى رأيتُ نواجذَه فى ضوء النّار ثمّ قال: إنّهم الآن يُقْرَوْنَ بأرض بنى غَطفان، فجاء رجل من غَطَفَان فقال: مرّوا على فلان الغَطَفانى فَنَحَرَ لهم جَزورًا، فلمّا أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرةً فتركوها وخرَجوا هرّابًا.
فلمّا أصبحنا قال رسول الله، ﷺ : خير فُرساننا اليوم أبو قتادة وخير رَجّالتنا اليومَ سَلمة، فأعطانى رسول الله، ﷺ ، سهم الراجل والفارس ثمّ أردفنى وراءه على العَضْباء راجعين إلى المدينة، فلمّا كان بيننا وبينها قريبًا من ضَحوة، وفى القوم رجلٌ من الأنصار كان لا يُسبَق جعل يُنادى: هل من مسابق؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارًا وأنا وراء رسول الله، ﷺ ، مُرْدفى فقلتُ له: ما تُكرمُ كريمًا ولا تهابُ شريفًا؟ قال: لا، إلا رسول الله، ﷺ ، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمّى خَلّنى فلأسابق الرجلَ! فقال: إن شئتَ: فقلت: أذهَبُ إليك. فطفر عن راحلته وثنيتُ رجلى فطفرت عن الناقة ثمّ إنّى ربطت عليه
стр. 561
شَرَفًا أو شَرَفَين يعنى استبقيت نَفَسى ثمّ إنّى عدوت حتى ألحقه فأصُكّ بين كتفيه بيدى. قلت: سبقتك والله إلى فوزه أو كلمة نَحوَها، قال: فضحك وقال: أنا (١) أظنّ حتى قدمنا المدينة (*).
* * *
سريّة عُكّاشة بن مِحْصَن الأسَدى إلى الغَمْر (٢)
ثمّ سريّة عُكّاشة بن مِحصَن الأسَدى إلى الغَمر غمر مرزوق، وهو ماء لبنى أسد على ليلتين من فَيد طريقَ الأوّل إلى المدينة، وكانت فى شهر ربيع الأوّل سنة ستٍّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ ، قالوا وجّه رسول الله، ﷺ ، عُكّاشة بن مِحصَن إلى الغَمر فى أربعين رجلًا فخرج سريعًا يُغذّ السّيرَ ونَذِرَ (٣) به القوم فهربوا فنزلوا علياءَ بلادهم ووجدوا دارهم خُلُوفًا (٤)، فبعث شُجاع بن وَهْب طَليعةً فرأى أثر النَّعم فتحمّلوا فأصابوا رَبيئةً (٥) لهم، فأمّنوه فدلّهم على نَعَمٍ لبنى عمٍّ له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتى بعير فأرسلوا الرجل وحدروا (٦) النّعمَ إلى المدينة وقدموا على رسول الله، ﷺ ، ولم يلقوا كيدًا (٧).
* * *
سرية محمّد بن مَسْلَمَة إلى ذى القَصّة (٨)
ثمّ سريّة محمّد بن مَسلمة إلى ذى القَصّة فى شهر ربيع الآخر سنة ستّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعثَ رسول الله، ﷺ ، محمّد بن مَسلمة إلى بنى ثَعلبة وبنى عُوال من ثعلبة وهم بذى القَصّة، وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلًا طريقَ الرّبَذَة فى عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلًا فأحدق به القوم، وهم مائة
стр. 562
رجل، فتراموا ساعةً من الليل ثمّ حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم، ووقع محمّد بن مَسلمة جريحًا فضُرب كعبه فلا يتحرّك، وجرّدوهم من الثّياب، ومرّ بمحمّد بن مَسلمة رجلٌ من المسلمين فحمله حتى ورد به المدينة، فبعث رسول الله، ﷺ ، أبا عُبيدة بن الجرّاح فى أربعين رجلًا إلى مَصَارِع القوم فلم يجدوا أحدًا، ووجدوا نَعَمًا وشاءً فَسَاقَه ورجع (١).
* * *
سريّة أَبى عُبيدة بن الجَرّاح إلى ذى القَصّة (٢)
ثمّ سريّة أبى عُبيدة بن الجرّاح إلى ذى القَصّة فى شهر ربيع الآخر سنة ستٍّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: أجدَبت بلاد بنى ثعلبة وأنمار، ووقعت سحابة بالمراض إلى تَغْلَمَين والمراض على ستّة وثلاثين ميلًا من المدينة، فسارَت بنو مُحارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يُغيروا على سَرح المدينة، وهو يرعى بهَيفَا -موضع على سبعة أميال من المدينة- فبعث رسول الله، ﷺ ، أبا عُبيدة بن الجرّاح فى أربعين رجلًا من المسلمين حين صَلُّوا المغرب، فمشوا إليهم حتى وافوا ذا القَصّة مع عَماية (٣) الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هَرَبًا فى الجبال، وأصاب رجلًا واحدًا فأسلم وتركه، فأخذ نَعَمًا من نَعَمهم فاستاقه وَرِثّةً (٤) من متاعهم وقدم بذلك المدينة فخمسه رسول الله، ﷺ ، وقسم ما بقى عليهم (٥).
* * *
стр. 563
سريّة زَيد بن حارثة إلى بنى سُلَيْم بالجَمُوم (١)
ثمّ سريّة زَيد بن حارثة إلى بنى سُليم بالجَمُوم فى شهر ربيع الآخر سنة ستّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، زَيد بن حارثة إلى بنى سُليم فسار حتى وَرَدَ الجَمُوم ناحيةَ بطن نَخل عن يَسارها، وبطن نَخل من المدينة على أربعة بُرُد، فأصابوا عليه امرأةً من مُزَينة يقال لها حليمة، فدلّتهم عن مَحَلّة من محالّ بنى سُليم فأصابوا فى تلك المحلّة نَعمًا وشاءً وأسرى، فكان فيهم زوجُ حَلِيمة المُزَنيّة، فلمّا قَفَلَ زيد بن حارثة بما أصاب وَهَبَ رسول الله، ﷺ ، للمُزَنيّةِ نَفسَها وزوجَها فقال بلال بن الحارث فى ذلك شعرًا:
لَعَمرُكَ! ما أخنى المَسُول ولا وَنَتْ … حَليمَةُ حتى راحَ رَكبُهُما معَا (٢)
* * *
سريّة زَيد بن حارثة إلى العِيص (٣)
ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى العيص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذى المَرْوة ليلة، فى جمادى الأولى سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بَلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ عيرًا لقريش قد أقبلت من الشأم فبعثَ زيدَ بن حارثة فى سبعين ومائة راكب يتعرّض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضّة كثيرة لصَفوان بن أميّة وأسَروا ناسًا ممّن كان فى العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة فاستجارَ أبو العاص بزينب بنت رسول الله، ﷺ ، فأجارَته ونادت فى النّاس حين صلّى رسول الله، ﷺ ، الفجر: إنّى قد أجرتُ أبا العاص! فقال رسول الله، ﷺ : وما علمتُ بشئ من هذا وقد أجرنا من أجَرْتِ، وردّ عليه ما أخذ منه (٤).
стр. 564
سرية زيد بن حارثة إلى الطّرف (١)
ثمّ سرية زيد بن حارثة إلى الطّرَف فى جمادى الآخرة سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، زيد بن حارثة إلى الطّرَف، وهو ماء قريب من المراضِ دون النُّخيل على ستّة وثلاثين ميلًا من المدينة طريقَ البَقَرة على المَحَجّة، فخرج إلى بنى ثعلبة فى خمسةَ عشرَ رجلًا فأصابَ نَعمًا وشَاءً وهربت الأعراب وصبّح زيد بالنَّعَم المدينة، وهى عشرون بَعيرًا. ولم يلقَ كيدًا وغاب أربع ليال وكان شعارهم: أمِتْ أمِتْ! (٢).
* * *
سريّة زيد بن حارثة إلى حِسْمَى (٣)
ثمّ سرية زيد بن حارثة إلى حِسمَى وهى وراء وادى القُرى فى جمادى الآخرة سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، قالوا: أقبل دِحية بن خليفة الكلبى من عند قَيصر وقد أجاره وكَساه، فلقيه الهُنيد بن عارض وابنه عارض بن الهُنيد فى ناس من جُذام بحِسمَى، فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سَمَلَ (٤) ثوبٍ، فسمع بذلك نفرٌ من بنى الضُّبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدِحية متاعَه، وقدم دحية على النبىّ، ﷺ ، فأخبرَه بذلك فبعث زيد بن حارثة فى خمسمائة رجل وردّ معه دِحيةَ، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بنى عُذرة، فأقبل بهم حتى هجمَ بهم مع الصّبح على القوم، فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهُنيد وابنه وأغاروا على ماشيتهم ونَعمهم ونسائهم، فأخذوا من النَّعمِ ألف بعير، ومن الشاء خمسةَ آلاف شاة، ومن السَّبى مائة من النساء والصبيان، فَرَحل زيد بن رِفاعة الجُذامى فى نفر من قومه إلى رسول الله، ﷺ ، فدفع إلى رسول الله، ﷺ ، كتابه الذى كان كتب له ولقومه ليالِىَ قدم عليه، فأسلم وقال:
стр. 565
يا رسول الله لا تُحَرّمْ علينا حلالًا ولا تُحِلّ لنا حرامًا: فقال: كيف أصنع بالقتلَى؟ قال أبو يزيد بن عمرو: أطلِقْ لنا يا رسول الله من كان حيًّا ومن قُتِل فهو تَحتَ قدمَىّ هاتين، فقال رسول الله، ﷺ : صدق أبو يزيد! فبعث معهم عليًّا، رضى الله عنه، إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلّى بينهم وبين حُرمهم وأموالهم، فتوجّه علىّ فلقى رافع بن مَكيث الجُهَنى بشيرَ زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردّها علىّ على القوم، ولقى زيدًا بالفَحلَتَين، وهى بين المدينة وذى المَرْوة، فأبلغه أمر رسول الله، ﷺ ، فردّ إلى النّاس كُلّ ما كان أخذ لهم.
* * *
سريّة زيد بن حارثة إلى وادى القُرَى (١)
ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى وادى القُرى فى رجب سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، زَيدًا أميرًا سنة ستّ.
* * *
سريّة عبد الرحمن بن عَوف إلى دُومة الجَنْدل (٢)
ثمّ سريّة عبد الرّحمن بن عوف إلى دُومة الجندل فى شعبان سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: دَعا رسول الله، ﷺ ، عبد الرحمن بن عَوف فأقعدَه بين يديه وعَمّمه بيده وقال: اغزُ بسم الله وفى سبيل الله فقاتِلْ مَن كَفَر بالله! لا تَغُلّ ولا تغدر ولا تقتل وليدًا! وبعثه إلى كلب بدُومة الجَندل وقال: إن استجابوا لك فتزوّج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتى قدم دُومة الجندل فمكثَ ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصْبَغ بن عَمرو الكلبى، وكان نصرانيًّا وكان رأسهم، وأسلَم معه ناسٌ كثير من قومه وأقامَ من أقام على [دينه على] إعطاء الجزية (٣) وتزوّج عبد الرّحمن تُماضِر بنت الأصْبَغ وقدم بها إلى المدينة، وهى أمّ أبى سلمة بن عبد الرحمن.