شَرَفًا أو شَرَفَين يعنى استبقيت نَفَسى ثمّ إنّى عدوت حتى ألحقه فأصُكّ بين كتفيه بيدى. قلت: سبقتك والله إلى فوزه أو كلمة نَحوَها، قال: فضحك وقال: أنا (١) أظنّ حتى قدمنا المدينة (*).
* * *
سريّة عُكّاشة بن مِحْصَن الأسَدى إلى الغَمْر (٢)
ثمّ سريّة عُكّاشة بن مِحصَن الأسَدى إلى الغَمر غمر مرزوق، وهو ماء لبنى أسد على ليلتين من فَيد طريقَ الأوّل إلى المدينة، وكانت فى شهر ربيع الأوّل سنة ستٍّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ ، قالوا وجّه رسول الله، ﷺ ، عُكّاشة بن مِحصَن إلى الغَمر فى أربعين رجلًا فخرج سريعًا يُغذّ السّيرَ ونَذِرَ (٣) به القوم فهربوا فنزلوا علياءَ بلادهم ووجدوا دارهم خُلُوفًا (٤)، فبعث شُجاع بن وَهْب طَليعةً فرأى أثر النَّعم فتحمّلوا فأصابوا رَبيئةً (٥) لهم، فأمّنوه فدلّهم على نَعَمٍ لبنى عمٍّ له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتى بعير فأرسلوا الرجل وحدروا (٦) النّعمَ إلى المدينة وقدموا على رسول الله، ﷺ ، ولم يلقوا كيدًا (٧).
* * *
سرية محمّد بن مَسْلَمَة إلى ذى القَصّة (٨)
ثمّ سريّة محمّد بن مَسلمة إلى ذى القَصّة فى شهر ربيع الآخر سنة ستّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعثَ رسول الله، ﷺ ، محمّد بن مَسلمة إلى بنى ثَعلبة وبنى عُوال من ثعلبة وهم بذى القَصّة، وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلًا طريقَ الرّبَذَة فى عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلًا فأحدق به القوم، وهم مائة
стр. 562
رجل، فتراموا ساعةً من الليل ثمّ حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم، ووقع محمّد بن مَسلمة جريحًا فضُرب كعبه فلا يتحرّك، وجرّدوهم من الثّياب، ومرّ بمحمّد بن مَسلمة رجلٌ من المسلمين فحمله حتى ورد به المدينة، فبعث رسول الله، ﷺ ، أبا عُبيدة بن الجرّاح فى أربعين رجلًا إلى مَصَارِع القوم فلم يجدوا أحدًا، ووجدوا نَعَمًا وشاءً فَسَاقَه ورجع (١).
* * *
سريّة أَبى عُبيدة بن الجَرّاح إلى ذى القَصّة (٢)
ثمّ سريّة أبى عُبيدة بن الجرّاح إلى ذى القَصّة فى شهر ربيع الآخر سنة ستٍّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: أجدَبت بلاد بنى ثعلبة وأنمار، ووقعت سحابة بالمراض إلى تَغْلَمَين والمراض على ستّة وثلاثين ميلًا من المدينة، فسارَت بنو مُحارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يُغيروا على سَرح المدينة، وهو يرعى بهَيفَا -موضع على سبعة أميال من المدينة- فبعث رسول الله، ﷺ ، أبا عُبيدة بن الجرّاح فى أربعين رجلًا من المسلمين حين صَلُّوا المغرب، فمشوا إليهم حتى وافوا ذا القَصّة مع عَماية (٣) الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هَرَبًا فى الجبال، وأصاب رجلًا واحدًا فأسلم وتركه، فأخذ نَعَمًا من نَعَمهم فاستاقه وَرِثّةً (٤) من متاعهم وقدم بذلك المدينة فخمسه رسول الله، ﷺ ، وقسم ما بقى عليهم (٥).
* * *
стр. 563
سريّة زَيد بن حارثة إلى بنى سُلَيْم بالجَمُوم (١)
ثمّ سريّة زَيد بن حارثة إلى بنى سُليم بالجَمُوم فى شهر ربيع الآخر سنة ستّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، زَيد بن حارثة إلى بنى سُليم فسار حتى وَرَدَ الجَمُوم ناحيةَ بطن نَخل عن يَسارها، وبطن نَخل من المدينة على أربعة بُرُد، فأصابوا عليه امرأةً من مُزَينة يقال لها حليمة، فدلّتهم عن مَحَلّة من محالّ بنى سُليم فأصابوا فى تلك المحلّة نَعمًا وشاءً وأسرى، فكان فيهم زوجُ حَلِيمة المُزَنيّة، فلمّا قَفَلَ زيد بن حارثة بما أصاب وَهَبَ رسول الله، ﷺ ، للمُزَنيّةِ نَفسَها وزوجَها فقال بلال بن الحارث فى ذلك شعرًا:
لَعَمرُكَ! ما أخنى المَسُول ولا وَنَتْ … حَليمَةُ حتى راحَ رَكبُهُما معَا (٢)
* * *
سريّة زَيد بن حارثة إلى العِيص (٣)
ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى العيص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذى المَرْوة ليلة، فى جمادى الأولى سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بَلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ عيرًا لقريش قد أقبلت من الشأم فبعثَ زيدَ بن حارثة فى سبعين ومائة راكب يتعرّض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضّة كثيرة لصَفوان بن أميّة وأسَروا ناسًا ممّن كان فى العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة فاستجارَ أبو العاص بزينب بنت رسول الله، ﷺ ، فأجارَته ونادت فى النّاس حين صلّى رسول الله، ﷺ ، الفجر: إنّى قد أجرتُ أبا العاص! فقال رسول الله، ﷺ : وما علمتُ بشئ من هذا وقد أجرنا من أجَرْتِ، وردّ عليه ما أخذ منه (٤).
стр. 564
سرية زيد بن حارثة إلى الطّرف (١)
ثمّ سرية زيد بن حارثة إلى الطّرَف فى جمادى الآخرة سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، زيد بن حارثة إلى الطّرَف، وهو ماء قريب من المراضِ دون النُّخيل على ستّة وثلاثين ميلًا من المدينة طريقَ البَقَرة على المَحَجّة، فخرج إلى بنى ثعلبة فى خمسةَ عشرَ رجلًا فأصابَ نَعمًا وشَاءً وهربت الأعراب وصبّح زيد بالنَّعَم المدينة، وهى عشرون بَعيرًا. ولم يلقَ كيدًا وغاب أربع ليال وكان شعارهم: أمِتْ أمِتْ! (٢).
* * *
سريّة زيد بن حارثة إلى حِسْمَى (٣)
ثمّ سرية زيد بن حارثة إلى حِسمَى وهى وراء وادى القُرى فى جمادى الآخرة سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، قالوا: أقبل دِحية بن خليفة الكلبى من عند قَيصر وقد أجاره وكَساه، فلقيه الهُنيد بن عارض وابنه عارض بن الهُنيد فى ناس من جُذام بحِسمَى، فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سَمَلَ (٤) ثوبٍ، فسمع بذلك نفرٌ من بنى الضُّبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدِحية متاعَه، وقدم دحية على النبىّ، ﷺ ، فأخبرَه بذلك فبعث زيد بن حارثة فى خمسمائة رجل وردّ معه دِحيةَ، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بنى عُذرة، فأقبل بهم حتى هجمَ بهم مع الصّبح على القوم، فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهُنيد وابنه وأغاروا على ماشيتهم ونَعمهم ونسائهم، فأخذوا من النَّعمِ ألف بعير، ومن الشاء خمسةَ آلاف شاة، ومن السَّبى مائة من النساء والصبيان، فَرَحل زيد بن رِفاعة الجُذامى فى نفر من قومه إلى رسول الله، ﷺ ، فدفع إلى رسول الله، ﷺ ، كتابه الذى كان كتب له ولقومه ليالِىَ قدم عليه، فأسلم وقال:
стр. 565
يا رسول الله لا تُحَرّمْ علينا حلالًا ولا تُحِلّ لنا حرامًا: فقال: كيف أصنع بالقتلَى؟ قال أبو يزيد بن عمرو: أطلِقْ لنا يا رسول الله من كان حيًّا ومن قُتِل فهو تَحتَ قدمَىّ هاتين، فقال رسول الله، ﷺ : صدق أبو يزيد! فبعث معهم عليًّا، رضى الله عنه، إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلّى بينهم وبين حُرمهم وأموالهم، فتوجّه علىّ فلقى رافع بن مَكيث الجُهَنى بشيرَ زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردّها علىّ على القوم، ولقى زيدًا بالفَحلَتَين، وهى بين المدينة وذى المَرْوة، فأبلغه أمر رسول الله، ﷺ ، فردّ إلى النّاس كُلّ ما كان أخذ لهم.
* * *
سريّة زيد بن حارثة إلى وادى القُرَى (١)
ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى وادى القُرى فى رجب سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، زَيدًا أميرًا سنة ستّ.
* * *
سريّة عبد الرحمن بن عَوف إلى دُومة الجَنْدل (٢)
ثمّ سريّة عبد الرّحمن بن عوف إلى دُومة الجندل فى شعبان سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: دَعا رسول الله، ﷺ ، عبد الرحمن بن عَوف فأقعدَه بين يديه وعَمّمه بيده وقال: اغزُ بسم الله وفى سبيل الله فقاتِلْ مَن كَفَر بالله! لا تَغُلّ ولا تغدر ولا تقتل وليدًا! وبعثه إلى كلب بدُومة الجَندل وقال: إن استجابوا لك فتزوّج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتى قدم دُومة الجندل فمكثَ ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصْبَغ بن عَمرو الكلبى، وكان نصرانيًّا وكان رأسهم، وأسلَم معه ناسٌ كثير من قومه وأقامَ من أقام على [دينه على] إعطاء الجزية (٣) وتزوّج عبد الرّحمن تُماضِر بنت الأصْبَغ وقدم بها إلى المدينة، وهى أمّ أبى سلمة بن عبد الرحمن.
стр. 566
سريّة علىّ بن أبى طالب إلى بنى سعد بن بكر بفَدَك (١)
ثمّ سريّة علىّ بن أبى طالب إلى بنى سعد بن بكر بفَدك فى شعبان سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بلَغ رسول الله، ﷺ ، أنّ لهم جَمعًا يريدون أن يُمِدّوا يهودَ خَيبر، فبعث إليهم علىّ بن أبى طالب فى مائة رجل، فسارَ الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الهَمَج (٢) -وهو ماء بين خَيبر وفَدك، وبين فَدك والمدينة ستّ ليال- فوجدوا به رجلًا فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أنّكم تؤمنونى، فآمنوه فدلّهم، فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفَىْ شاة وهربت بنو سعد بالظُّعُن ورأسهم وبَر بن عُليم فعزل علىّ صَفىّ النبىّ، ﷺ ، لَقوحًا تُدعى الحفدة (٣) ثمّ عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم المدينة ولم يَلْقَ كيدًا (٤).
* * *
سريّة زَيد بن حارثة إلى أُمّ قِرْفة بوادى القُرَى (٥)
ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى أُمّ قِرفة بناحية بوادى القُرى، على سبع ليال من المدينة، فى شهر رمضان سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: خرج
стр. 567
زيد بن حارثة فى تجارة إلى الشأم ومعه بضائع لأصحاب النبىّ، ﷺ . فلمّا كان دون وادى القرى لقيه ناس من فزارة من بنى بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم، ثمّ استبلّ (١) زيد وقدم على رسول الله، ﷺ ، فأخبره فبعثه رسول الله، ﷺ ، إليهم.
فكمنوا النهار وساروا الليل، ونَذِرَت (٢) بهم بنو بدر ثمّ صبّحهم زيد وأصحابه فكبّروا وأحاطوا بالحاضر (٣) وأخذوا أمّ قِرْفة، وهى فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وبنتها جارية بنت مالك بن حُذيفة بن بدر، فكان الذى أخذ الجارية مَسلمة ابن الأكْوَع فوهبها لرسول الله، ﷺ ، فوهبها رسول الله بعد ذلك لحَزْن بن أبى وهب، وعمد قيس بن المُحسِّر إلى أمّ قِرفة، وهى عجوز كبيرة، فقتلها قتلًا عنيفًا: رَبَط بين رِجلَيها حَبلًا ثمّ ربطها بين بعيرين ثمّ زجرهما فذهبا فقطّعاها (٤)، وقتل النعمانَ وعُبيدَ الله ابنى مَسعَدة بن حكمة بن مالك بن بدر. وقدِم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع بابَ النبىّ، ﷺ ، فقام إليه عُريانًا يجرّ ثوبه حتى اعتنقه وقبّله وَسَاءَلَهُ (٥) فأخبره بما ظفّره الله به.
* * *
سريّة عبد الله بن عَتيك إلى أَبى رافع (٦)
ثمّ سريّة عبد الله بن عَتيك إلى أبى رافع سَلام بن أبى الحُقيق النَّضَرى بخيبر فى شهر رمضان سنة ستّ من مُهَاجَرِ رسول الله، ﷺ ، قالوا: كان أبو رافع بن أبى الحُقيق قد أجلب فى غطفان ومن حوله من مشركى العرب، وجعل لهم الجُعْلَ (٧) العظيم لحرب رسول الله، ﷺ ، فبعث رسول الله عبدَ الله بن عَتيك
стр. 568
وعبد الله بن أُنيس وأبا قَتَادة والأسود بن خُزاعى ومسعود بن سِنان وأمرهم بقتله، فذهبوا إلى خَيبر فكمنوا، فلمّا هدأت الرِّجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجةً له وقدّموا عبد الله بن عَتيك لأنّه كان يرطن باليهوديّة، فاستفتح وقال: جئتُ أبا رافع بهديّة، ففتحَتْ له امرأته فلمّا رأت السلاح أرادت أن تَصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكَتت، فدخلوا عليه فما عرفوه إلّا ببياضه كأنّه قبطيّة فَعَلَوْهُ بأسيافهم. قال ابن أُنيس: وكنتُ رجُلًا أعشى لا أبصر فأتّكئ بسيفى على بطنه حتى سمعت خَشّه فى الفراش وعرفت أنّه قد قضى، وجعل القوم يضربونه جميعًا، ثمّ نزلوا وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار واختبأ القوم فى بعض مناهر خيبر، وخرج الحارث أبو زَينَب فى ثلاثة آلاف فى آثارهم يطلبونهم بالنيران فلم يروهم، فرجعوا ومكث القوم فى مكانهم يومين حتى سكن الطّلَب ثمّ خرجوا مُقبلين إلى المدينة كلّهم يدّعى قتله، فقدموا على رسول الله، ﷺ ، فقال: أفلَحَت الوجوهُ! فقالوا: أفلَحَ وَجهُك يا رسول الله! وأخبروه خبرهم فأخذ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر الطعام فى ذُباب سيف عبد الله بن أُنيس، فقال: هذا قَتَلَه!
* * *
سريّة عبد الله بن رَواحة إلى أُسير بن زارم (١)
ثمّ سريّة عبد الله بن رَواحة إلى أُسير بن زارم اليهودىّ بخيبرَ فى شوال سنة ستّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: لمّا قُتل أبو رافع سَلام بن أبى الحُقيق أمَّرت يهودُ عليهم أُسيرَ بن زَارم فسار فى غَطَفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله، ﷺ ، وبلغ ذلك رسولَ الله، ﷺ ، فوجّه عبدَ الله بن رَوَاحة فى ثلاثة نَفَر فى شهر رمضان سرًّا فسأل عن خَبره وغِرّته فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله، ﷺ ، فأخبره فندب رسول الله، ﷺ ، النّاسَ فانتدب له ثلاثون رجلًا، فبعثَ عليهم عبد الله بن رَواحه فقدموا على أُسير فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك
стр. 569
ما جئنا له؟ قال: نعم، ولى منكم مثل ذلك؟ وقالوا: نعَمْ: فقلنا: إنّ رسول الله، ﷺ ، بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويُحسِن إليك: فطمع فى ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلًا من اليهود مع كلّ رجل رَديفٌ من المسلمين، حتى إذا كنّا بقَرْقَرَة ثِبار (١) ندم أُسير فقال عبد الله بن أُنيس، وكان فى السريّة: وأهوى بيده إلى سيفى ففطنتُ له ودفعتُ بعيرى وقلت: غدرًا أى عدوّ الله! فعل ذلك مرّتين، فنزلتُ فسُقتُ بالقوم حتى انفرد لى أُسير فضربته بالسيف فأندرتُ (٢) عامّةَ فَخِذِه وساقِه وسقط عن بعيره وبيده مِخْرَش من شَوْحَط فَضَربنى فشجَّنى مأمومةً، ومِلْنا على أصحابه فقتلناهم كلّهم غير رجل واحدٍ أعجَزَنَا شَدّا، ولم يُصَبْ من المسلمين أحدٌ، ثمّ أقبلنا إلى رسول الله، ﷺ ، فحدّثناه الحديث فقال: قد نَجَّاكم الله من القوم الظالمين!
* * *
سريّة كُرْز بن جابر الفِهْرى إلى العُرَنيّين (٣)
ثمّ سريّة كُرْز بن جابر الفِهرى إلى العُرَنيّين فى شوّال سنة ستٍّ من مُهَاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: قَدِمَ نَفَرٌ من عُرَينة ثمانية على رسول الله، ﷺ ، فأسلموا واسْتَوْبَئُوا المدينةَ، فأمر بهم رسول الله، ﷺ ، إلى لقاحة وكانت ترعى بذى الجَدْر ناحيةَ قُباء قريبًا من عَير، على ستّة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحّوا وسمنوا فغدوا على اللّقاح فاستَاقوها فيُدركُهُم يَسارٌ مولى رسول الله، ﷺ ، ومعه نَفَرٌ فقاتلَهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشَّوك فى لسانه وعينيه حتى مات. وبلَغ رسولَ الله، ﷺ ، الخبرُ فبعث فى أثرهم عشرين فارسًا واستعمل عليهم كُرْزَ بن جابر الفِهرى فأدركوهم فأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قَدِموا بهم المدينة. وكان رسول الله، ﷺ ، بالغابة فخرجوا بهم نحوه فلقوه بالزَّغَابَة (٤) بمجتمع السيول، وأمر بهم فقُطعت أيديهم وأرجُلُهم
стр. 570
وسَمَل أعيُنهم فصُلبوا هناك وأُنزل على رسول الله، ﷺ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [سورة المائدة: ٣٣] الآية، فلم يَسمل بعد ذلك عينًا. وكانت اللّقاح خمس عشرة لقحة غِزارًا فردّوها إلى المدينة ففقد رسول الله، ﷺ ، منها لقحةً تُدْعَى الحناء، فسأل عنها فقيل: نحروها.
* * *
سريّة عَمرو بن أُميّة الضَّمْرى (١)
ثمّ سريّة عمرو بن أُميّة الضّمرى وسَلمة بن أسْلَم بن حَريس إلى أبى سفيان بن حرب بمكّة، وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب قال لنفرٍ من قريش: ألا أحدٌ يَغْتَرُّ (٢) محمّدًا فإنّه يمشى فى الأسواق؟ فأتاه رجلٌ من الأعراب فقال: قد وَجَدْتَ أجمَعَ الرّجال قلبًا وأشَدّه بطشًا وأسرعَه شدًّا، فإنْ أنت قوّيتنى خرجتُ إليه حتى أغتاله ومعى خنجَرٌ مثل خافية النّسر فأسُورُه ثمّ آخُذُ فى عيرٍ وأسبق القوم عَدوًا فإنّى هادٍ بالطريق خرّيتٌ! قال: أنت صاحبنا. فأعطاه بعيرًا ونفقة وقال: اطوِ أمرَك، فخرج ليلًا فسار على راحلته خمسًا وصبح ظهر الحرّة صُبحَ سادسةٍ ثمّ أقبل يسأل عن رسول الله، ﷺ ، حتى دُلّ عليه: فَعَقَلَ راحلته ثمّ أقبل إلى رسول الله، ﷺ ، وهو فى مسجد بنى عبد الأَشْهَل، فلمّا رآه رسول الله، ﷺ ، قال: إنّ هذا ليريد غَدْرًا! فذهب ليجنى على رسول الله، ﷺ ، فجذبه أسيد بن الحُضير بداخلة إزاره فإذا الخنجر فسقط فى يديه وقال: دمى! دمى! فأخذ أسيد بلبّته فَذَعَتَهُ (٣)، فقال رسول الله، ﷺ ، اصدُقنى ما أنت؟ قال: وأنا آمنٌ؟ قال: نَعَمْ! فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان، فخلّى عنه رسول الله، ﷺ ، فأسلَم.
وبعثَ رسول الله، ﷺ ، عَمرو بن أميّة وسَلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب وقال: إن أصبتما منه غِرّة فاقتلاه! فدخلا مكّة ومضَى عَمرو بن أُميّة
стр. 571
يطوف بالبيت ليلًا فرآه معاوية بن أبى سفيان فعرفه، فأخبر قريشًا بمكانه فخافوه وطلبوه، وكان فاتِكًا فى الجاهلية، وقالوا: لم يأتِ عمرو لخير: فحشَد له أهل مكة وتجمّعوا وهرَب عمرو وسلمة، فلقى عمرو عبيدَ الله بن مالك بن عبيد الله التّيمى فَقَتله، وقتل آخر من بنى الدّيل سمعه يتغنّى ويقول:
وَلَست بمُسلمٍ ما دُمتُ حَيّا! … وَلستُ أدِينُ دِينَ المُسلمينَا!
ولقى رسولَين لقريش بعثتهما يتحسّبان (١) الخبر فَقَتَل أحدهما وأسرَ الآخر فقدِم به المدينة، فجعل عَمرو يخبر رسول الله، ﷺ ، خبره ورسول الله، ﷺ ، يضحك (٢).
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، الحُديبية (٣)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، الحُديبية. خرَج للعُمرة فى ذى القعدة سنة ستّ من مُهاجَره. قالوا: استنفرَ رسول الله، ﷺ ، أصحابَه إلى العُمرة فأسرعوا وتهيَّئُوا ودخل رسول الله، ﷺ ، بيته فاغتسلَ ولبس ثوبين وركب راحلتَه القَصواءَ وخرج، وذلك يومَ الاثنين لهلال ذى القعدة، واستخلَف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم ولم يُخْرَج معه بسلاح إلا السيوف فى القُرُب وساق بُدْنًا وساق أصحابُه أيضًا بُدْنًا، فصلّى الظهر بذى الحُليفة ثمّ دعا بالبُدن التى ساق فجُلّلت ثمّ أشعرها فى الشقّ الأيمن وقلّدها وأشعر أصحابه أيضًا وهنّ موجّهات إلى القِبلة، وهى سبعون بَدَنة فيها جمل أبى جهل الذى غَنمه يوم بدر، وأحرم ولبّى وقدّم عَبّادَ بن بشر أمامه طَليعةً فى عشرين فرسًا من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج معه من المسلمين ألف وستّمائة، ويقال ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلًا، وأخرج معه زوجته أمّ سَلَمة، رضى الله عنها (٤).
стр. 572
وبلَغ المشركين خروجُه فأجمعَ رأيهم على صدّه عن المسجد الحرام وعسكروا ببَلدَح (١) وقدّموا مائتى فارس إلى كُراع الغَميم (٢)، وعليهم خالد بن الوليد، ويقال عِكْرِمة بن أبى جهل، ودخل بُسر بن سفيان الخزاعى مكّة فسمع كلامهم وعرف رأيهم فرجع إلى رسول الله، ﷺ ، فلقيه بغَدير الأشطاط وراء عُسفان فأخبره بذلك.
ودنا خالد بن الوليد فى خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله، ﷺ ، فأمر رسول الله، ﷺ ، عبّادَ بن بشر فتقدّم فى خيله فأقام بإزائه وصفّ أصحابه وحانت صلاة الظهر وصلّى رسول الله، ﷺ ، بأصحابه صلاة الخوف: فلمّا أمسَى رسول الله، ﷺ ، قال لأصحابه: تيامنوا فى هذا العَصَل (٣) فإنّ عيون قريش بمرّ الظهران وبضَجنان (٤): فسار حتى دنا من الحُديبية، وهى طَرَفَ الحَرَم على تسعة أميال من مكّة، فوقعت يدا راحلته على ثنيّة تَهبُطُه على غائط القوم فَبَركت: فقال المسلمون: حَلْ حَلْ! يزجرونها، فأبت أن تنبعث، فقالوا: خَلأت القصواء: فقال النبىّ، ﷺ : إنّها ما خَلأت ولكنْ حَبَسَها حابسُ الفيل، أما والله لا يسألونى اليوم خُطّةً فيها تعظيم حُرْمَةِ الله إلا أعطيتهم إيّاها، ثم زَجَرها فقامت فولّى راجعًا عوده عَلى بَدْئه حتى نزل بالنّاس على ثَمَدٍ من أثماد الحُديبية ظَنُونٍ قليلِ الماء، فانتزع سهمًا من كنانته فأمر به فغُرز فيها فجاشت لهم بالرّواء حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شَفير البئر. ومطر رسول الله، ﷺ ، بالحُديبية مِرارًا وكرّت المياه.
وجاءه بُديل بن ورْقاء ورَكبٌ من خُزاعة فسلّموا عليه، وقال بُديل: جئناك من عند قومك كعب بن لُؤىّ وعامر بن لؤىّ قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم معهم العُوذ والمَطافيل والنساء والصّبيان يُقسِمون بالله لا يخلّون بينك وبين البيت حتى تَبيدَ خضراؤهم: فقال رسول الله، ﷺ : لم نأتِ لقتال أحد، إنّما
стр. 573
جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدّنا عنه قاتلناه! فرجع بُديل فأخبر بذلك قريشًا فبعثوا عروة بن مسعود الثّقَفى فكلّمه رسول الله، ﷺ ، بنحو ممّا كلّم به بُديلًا فانصرف إلى قريش فأخبرهم، فقالوا: نَرُدّه عن البيت فى عامنا هذا ويرجع من قابل فيدخل مكّة ويطوف بالبيت. ثم جاء مِكرَز بن حَفص بن الأخيَف فكلّمه بنحو ممّا كلّم به صاحِبَيْه فرجعَ إلى قريش فأخبرهم، فبعثوا الحُليس بن علقمة، وهو يومئذ سيّد الأحابيش وكان يتألّه، فلمّا رأى الهَدْىَ عليه القلائدُ قد أكلَ أوباره من طول الحَبس رجع ولم يَصِلْ إلى رسول الله، ﷺ ، إعظامًا لما رأى، فقال لقريش: والله لَتُخَلُّنّ بينه وبين ما جاء له أو لأنفِرَنّ بالأحابيش! قالوا: فاكفُف عنّا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
وكان أوّل من بعث رسول الله، ﷺ ، إلى قريش خِراش بن أميّة الكَعبى ليُخبرهم ما جاء له، فعقروا به وأرادوا قتله فمنعه مَن هناك من قومه، فأرسل عثمانَ بن عفّان فقال: اذهبْ إلى قريشٍ فأخبرْهم أنّا لم نأتِ لِقتال أحد وإنّما جئنا زُوّارًا لهذا البيت معظّمين لحرمته، معنا الهَدْىُ ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم فقالوا: لا كان هذا أبدًا ولا يدخلها علينا العامَ!
وبلغ رسولَ الله، ﷺ ، أن عثمان قد قتل، فذلك حيث دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وبايع لعثمان، رضى الله عنه، فضرب بشماله على يمينه لعثمان، رضى الله عنه، وقال: إنّه ذهب فى حاجة الله وحاجة رسوله.
وجعلت الرّسل تختلف بين رسول الله، ﷺ ، وبين قريش فأجمعوا على الصّلح والمُوادعة فبعثوا سُهَيلَ بن عَمرو فى عدّة من رجالهم فصَالَحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صَالَح عليه محمّد بن عبد الله وسُهيل بن عمرو، واصطلحا على وَضع الحَرْبِ عشرَ سِنين يأمَن فيها النّاس ويَكُفّ بعضُهم عن بعضٍ، على أنّه لا إسلالَ ولا إغلالَ، وأنّ بيننا عيبةً مَكفوفةً، وأنّه مَن أحبّ أن يدخل فى عهد محمّد وعَقده فعل، وأنّه مَن أحَبَّ أن يدخل فى عهد قريش وعَقدها فعل، وأنّه مَن أتى محمّدًا منهم بغيرِ إذنِ وليّه ردّه إليه، وأنّه من أتى قريشًا من أصحاب محمّد لم يردّوه، وأنّ محمّدًا يرجع عنّا عامَه هذا بأصحابه ويدخل علينا قابلًا فى أصحابه فيُقيم بها ثلاثًا، لا يدخل علينا بسلاح إلّا سلاح المُسافر السيوفُ فى
стр. 574
القُرُب. شهد أبو بكر بن أبى قُحافة وعمر بن الخطّاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقّاص وعثمان بن عفّان وأبو عُبيدة بن الجرّاح ومحمّد بن مَسلمَة وحُوَيطب بن عبد العُزَّى ومِكرَز بن حَفص بن الأخيف.
وكتب علىّ صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، ﷺ ، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو. وخرَج أبو جندل بن سُهيل بن عَمرو من مكّة إلى رسول الله، ﷺ ، يَرْسُفُ فى الحديد فقال سُهيل: هذا أوّل مَن أقاضيك عليه، فردّه إليه رسول الله، ﷺ ، وقال: يا أبا جَندل، قد تَمّ الصُّلح بيننا وبين القوم. فاصبرْ حتى يجعل الله لك فَرَجًا ومَخْرَجًا. ووثَبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمّد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش فى عهدها وعقدها: فلمّا فرغوا من الكتاب انطلق سُهيل وأصحابه ونَحَرَ رسول الله، ﷺ ، هَدْيَه وحُلِقَ، حَلَقَهُ خِراش بن أميّة الكَعبىّ ونَحَر أصحابه وحُلّق عامّتهم وقصّر الآخرون. فقال رسول الله، ﷺ : رَحِمَ الله المحلّقين! قالها ثلاثًا! قيل: يا رسول الله والمقصّرين؟ قال: والمقصّرين. وأقام رسول الله، ﷺ ، بالحُديبية بضعة عشر يومًا، ويقال عشرين يومًا، ثمّ انصرف رسول الله، ﷺ ، فلمّا كانوا بضَجنان نزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [سورة الفتح: ١]: فقال جبريل، ﵇: يهنّئك يا رسول الله، وهنَّأه (١) المسلمون.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شَريك عن أبى إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كنّا يوم الحُدَيبية ألفًا وأربعمائة.
أخبرنا سليمان بن داود أبو داود الطّيالسى، أخبرنا شُعبة، أخبرنى عمرو ابن مُرّة سمعتُ عبد الله بن أبى أوْفَى صاحب رسول الله، ﷺ ، وكان قد شهد بيعة الرّضوان قال: كنّا يومئذ ألفًا وثلاثمائة وكانت أسْلَمُ يومئذ ثُمُن المهاجرين.
أخبرنا سليمان بن داود الطّيالسى قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مُرّة سمعت سالم بن أبى الجعد قال: سألتُ جابر بن عبد الله: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال:
стр. 575
كنّا ألفًا وخمسمائة، وذكر عطشًا أصابهم قال: فأتى رسول الله، ﷺ ، بماء فى تَوْر فوضع يَدَه فيه فجعلَ الماءُ يخرج من بين أصابعه كأنها العيون. قال: فشربنا ووسعَنا وكفانا. قال: قلتُ كم كنتم؟ قال: لو كنّا مائة ألف لَكَفَانا! كنّا ألفًا وخمسمائة!
وأخبرنا موسى بن مسعود أبو حُذيفة النّهدى، أخبرنا عكرمة بن عَمّار عن إياس بن سَلمة عن أبيه قال: قدمنا الحُديبية مع رسول الله، ﷺ ، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاةً ما تُرويها، قال: فقعد رسول الله، ﷺ ، على جَبَاها فإمّا دعا وإمّا بَزَق، قال: فجاشت، قال: فسقَينا واستَقَينا.
أخبرنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن طارق قال: انطلقتُ حاجًّا فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبىّ، ﷺ ، بيعة الرّضوان: فأتيتُ سعيد بن المسيّب فأخبرته فقال: حدّثنى أبى أنّه كان فيمن بايعَ رسول الله، ﷺ ، تحت الشجرة، قال: فلمّا خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إنْ كان أصحاب محمّد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلمُ.
أخبرنا قَبيصة بن عُقبة ومحمّد بن عبد الله الأسدى قالا: أخبرنا سفيان عن طارق بن عبد الرحمن قال: كنتُ عند سعيد بن المسيّب فتذاكروا الشجرة فضحك ثمّ قال: حدّثنى أبى أنّه كان ذلك العام معهم وأنّه قد شهدها فنسوها من العام المقبل.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العجلىّ عن زياد بن الجصّاص عن الحسن عن عبد الله بن مغفّل قال عبد الوهّاب: وأخبرنى سعيد عن قتادة عن عبد الله بن مغَفّل قال: كان رسول الله، ﷺ ، تحت الشجرة يبايع النّاسَ وأبى رافعٌ أغصانها عن رأسه.
أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب وأحمد بن إسحاق الحَضرمى قالا: أخبرنا يزيد بن بزيع عن خالد الحذّاء عن الحَكَم بن عبد الله الأعرج عن مَعقل بن يَسار قال: كنتُ مع رسول الله، ﷺ ، عام الحُديبية وكان يُبايع النّاس وأنا أرفعُ بيدى غُصنًا من أغصان الشجرة عن رأس رسول الله، ﷺ ، فبايعهم على أن لا يفرّوا
стр. 576
ولم يبايعهم على الموت، فقلنا لمَعقل: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة رجل.
أخبرنا المعلّى بن أسد، أخبرنا وُهَيب عن خالد الحذّاء عن الحَكَم بن الأعرج عن مَعقل بن يَسار: أنّ النبىّ، ﷺ ، كان يبايع النّاسَ عامَ الحُدَيبية تحت الشجرة ومَعقل بن يَسار رافعٌ غُصْنًا من أغْصان الشجرة بيده عن رأسه، فبايعهم يومئذ على أن لا يفرّوا، قال: قلنا كم كنتم؟ قال: ألفًا وأربعمائة.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء، أخبرنا عبد الله بن عَوْن عن نافع قال: كان النّاس يأتون الشجرة التى يقال لها شجرة الرضوان فيصلُّون عندها: قال: فبلغ ذلك عمرَ بن الخطّاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقُطعت.
أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير عن إسماعيل بن أبى خالد عن عامر قال: إنّ أوّل مَن بايع النبىّ، ﷺ ، بيعةَ الرّضوان أبو سنان الأسدى.
قال محمّد بن سعد: فذكرتُ هذا الحديث لمحمّد بن عمر فقال: هذا وَهْلٌ، أبو سنان الأسدى قُتل فى حصار بنى قُريظة قبل الحُديبية، والّذى بايعه يوم الحُديبية سنان بن سنان الأسدى.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانى، حدّثنى إبراهيم بن عَقيل بن مَعقل عن أبيه عن وَهْب بن مُنبّه قال. سألتُ جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحُديبية؟ قال: كنّا أربع عشرة مائة فبايعناه تحت الشجرة، وهى سَمُرة، وعمر آخذٌ بيده غيرَ جَدّ بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره، وسألته: كيف بايعوه؟ قال بايعناه على أن لا نَفِرّ ولم نبايعه على الموت، وسألته: هل بايع النبىّ، ﷺ ، بذى الحُلَيفة، فقال: لا ولكن صلّى بها ولم يبايَع عند الشجرة إلا الشجرة التى بالحُديبية، ودعا النبىّ، ﷺ ، على بئر الحُديبية وأنّهم نَحروا سبعينَ بَدَنة، بين كلّ سبعة منهم بَدَنَة.
قال جابر: وأخبرتنى أمّ مبشّر أنّها سمعت النبىّ، ﷺ ، يقول عند حَفصة: لا يدخل النارَ، إن شاء الله، أصحابُ الشجرة الذين بايعوا تحتها. قالت حفصة: بَلَى يا رسول الله، فانتهَرَها، فقالت حَفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [سورة مريم: ٧١]: فقال النبىّ، ﷺ : قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [سورة مريم: ٧٢].
стр. 577
وأخبرنا موسى بن مسعود النّهدى، أخبرنا سفيان عن أبى إسحاق عن البَرَاء ابن عازب قال: صالحَ النبىّ، ﷺ ، المشركين يوم الحُدَيبية على ثلاثة أشياء: على أن مَن أتاه من المشركين يُرَدّ إليهم، ومَن أتاهم من المسلمين لم يَرُدّوه إليهم، وعلى أن يدخلَها من قابِلٍ فيقيم بها ثلاثة أيّام ولا يدخلها إلّا بجُلُبّان السلاح السيف والقوس ونحوه، فجاء أبو جَنْدل يَحجُلُ فى قيده فردَّه إليهم.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زَيد عن أيّوب عن عِكْرِمة قال: لمّا كتَب النبىّ، ﷺ ، الكتاب الذى بينه وبين أهل مكّة يوم الحُدَيبية قال: اكتبوا بسم الله الرّحمن الرّحيم: قالوا: أمّا الله فَنَعرِفهُ وأمّا الرّحمنُ الرّحيمُ فلا نعرفه: قال: فكتبوا باسمك اللهمّ: قال: وكتب رسول الله، ﷺ ، فى أسفل الكتاب: ولنا عليكم مثل الذى لكم علينا.
أخبرنا موسى بن مسعود النّهدى، أخبرنا عِكرمة بن عَمّار عن أبى زُميل عن ابن عبّاس قال: قال عُمر بن الخطّاب: لقد صالحَ رسول الله، ﷺ ، أهلَ مكّة على صُلحٍ وأعطاهم شيئًا لو أنّ نبىّ الله أمَّرَ علىّ أميرًا فصنع الذى صنع نبىّ الله ما سمعتُ له ولا أطعْتُ، وكان الذى جعل لهم أن مَنْ لحق مِنَ الكفّار بالمسلمين يردّوه ومن لحق بالكُفّار لم يردّوه.
أخبرنا أبو سهل نَصر بن باب عن الحجّاج عن أبى إسحاق عن البَراء بن عازب أنّه قال: اشترط أهل مكّة على رسول الله، ﷺ ، من الحُديبية ألّا يدخُلَ أحدٌ من أصحابه مكّة بسلاحٍ إلّا سلاحًا فى قِراب.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا شَريك عن أبى إسحاق عن البَراء ابن عازب قال: اشترطَ المشركون على رسول الله، ﷺ ، عامَ الحُديبية ألّا يدخلَها بسلاح، فقال رسول الله، ﷺ : إلّا جُلُبّان السّلاح: قال: وهو القِراب وما فيه السيف والقوس.
وأخبرنا محمّد بن حُمَيد العَبدى عن مَعمَر عن قَتادة قال: لمّا كان سَفَرُ الحُدَيبية صدّ المشركون النبىّ، ﷺ ، وأصحابَه عن البيت فقاضوا المشركين يومئذ قضيّة أن لهم أنْ يعتمروا العامَ المُقبِلَ فى هذا الشهر الذى صدّوهم فيه، فجعل الله لهم شهرًا حرامًا يعتمرون فيه مكان شهرهم الذى صُدّوا فيه، فذلك قوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [سورة البقرة: ١٩٤].
стр. 578
أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسى، أخبرنا أبو عَوانة عن حُصين عن عُبيد الله ابن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: أنّ أبا سفيان بن حرب قال: حين قدم رسول الله، ﷺ ، مكّةَ عامَ الحُديبية كان بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، عهد أن لا يَلِجَ علينا بسِلاح ولا يقيم بمكّة إلّا ثلاثَ ليالٍ، ومَن خرج منّا إليكم رددتموه علينا ومَن أتانا منكم رددناه إليكم.
أخبرنا أبو معاوية الضّرير ومحمّد بن عُبيد قالا: أخبرنا الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال: نحَر النبىّ، ﷺ ، سبعين بَدَنَةً عامَ الحُديبية، البَدَنة عن سبعة، وزاد محمّد بن عُبيد فى حديثه: وكنّا يومئذ ألفًا وأربعمائة ومن لم يُضَحّ يومئذ أكثر ممّن ضَحّى.
أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عُبيدة عن إياس بن سَلمة بن الأكْوَع عن أبيه قال: خَرجنا مع رسول الله، ﷺ ، غزوة الحُديبية فنَحرنا مائة بَدَنَة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عُدّةُ السلاح والرجال والخيل، وكان فى بُدُنِهِ جَمَلُ أبى جَهل فَنَزَل بالحُدَيبية فصالحَته قريش على أنّ هذا الهَدْىَ مَحَلّه حيث حَبَسْنَاه.
أخبرنا إسحاق بن عيسى، أخبرنى مالك بن أنس عن أبى الزّبير عن جابر بن عبد الله قال: نَحرنا مع رسول الله، ﷺ ، عامَ الحُديبية، البَدَنة عن سَبعة والبقرة عن سبعة.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبى عَرُوبَة عن قَتَادة عن جابر ابن عبد الله قال: نَحَر أصحاب النبىّ، ﷺ ، يومَ الحُديبية سبعينَ بَدَنَة عن سبعة سبعة.
أخبرنا عفّان بن مُسلم. أخبرنا أبو عَوانَة عن أبى بشر بن سليمان بن قيس عن جابر بن عبد الله قال: نَحرنا مع رسول الله، ﷺ ، يوم الحُديبية سبعين بَدَنة، البَدنة عن سبعة.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسدى، أخبرنا سفيان الثّوْرى عن أبى الزّبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحُديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، وقال لنا رسول الله، ﷺ : ليشترك منكم النفرُ الهَدْىَ.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى، أخبرنا سعيد بن أبى عَرُوبة عن قَتَادة عن أنس بن مالك: أنّهم نَحروا يوم الحُديبية سبعين بدنة، عن كلّ سبعةٍ بدنةً.
стр. 579
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبى عَرُوبة عن قتادة قال: ذُكِرَ لنا أنّ نبىّ الله، ﷺ ، خرج يوم الحُدَيبية فرأى رجالًا من أصحابه قد قصّروا فقال: يغفر الله للمُحَلّقين: قالوا: يا رسول الله وللمقصّرين؟ قال ذلك ثلاثًا وأجابوه بمثل ذلك، فقال عند الرابعة: وللمقصّرين.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا هشام الدَّسْتَوائى عن يحيَى بن أبى كثير عن أبى إبراهيم عن أبى سعيد الخُدْرى أنّ رسول الله، ﷺ ، رأى أصحابه حَلقوا رءوسهم عامَ الحُديبية غَيرَ عثمان بن عفّان وأبى قتادة الأنصارى، فاستغفرَ رسول الله، ﷺ ، للمُحَلّقين ثلاث مرّات وللمقصّرين مرّة.
أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا أوس بن عبيد الله النصرىّ، أخبرنا بُريد بن أبى مريم عن أبيه مالك بن ربيعة: أنه سمع النبىّ، ﷺ ، يقول: اللهمّ اغفرْ للمُحَلّقين: فقال رجلٌ: وللمقَصِّرين؟ فقال فى الثالثة أو فى الرابعة: وللمقصّرين قال: وأنا محلوقٌ، يومئذ فما سَرّنى حُمْرُ النَّعَمِ أو خَطَرٌ عَظيمٌ.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس عن مُجمّع بن يعقوب عن أبيه أنّه قال: لمّا صدر رسول الله، ﷺ ، وأصحابه وَحَلَقُوا بالحُديبية ونَحروا بعثَ الله ريحًا عاصفًا فاحتملت أشْعَارهم فألقتها فى الحرم.
حدّثنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شَريك عن لَيْث عن مُجاهد: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [سورة الفتح: ١]: قال: نزلت عام الحُديبية.
أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عُيينة عن ابن جُريج عن مُجاهد: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: إنّا قَضينا لك قضاءً مُبينًا، فنحر النبىّ، ﷺ ، بالحُديبية وحلق رأسه.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكنانى، أخبرنا شعبة عن قتادة سمعت أنس بن مالك يقول: نزلت هذه الآية حين رجع النبىّ، ﷺ ، من الحُديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: ١، ٢].
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثورى عن داود الشعبى قال: الهجرة ما بين الحُديبية إلى الفتح والحُديبية هى الفتح.
أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا مُجمّع بن يعقوب، حدّثنى أبى عن
стр. 580
عمّه عبد الرحمن بن يزيد عن مُجمّع بن جارية قال: شهدتُ الحُديبية مع رسول الله، ﷺ ، فلمّا انصرفنا عنها إذا النّاس يُوجفون الأباعرَ، قال: فقال النّاس بعضهم لبعض ما للنّاس؟ قالوا: أوحى إلى رسول الله، ﷺ ، قال: فخرجنا نُوجف مع النّاس حتّى وجدنا رسول الله، ﷺ ، واقفًا عند كُراع الغَميم، فلمّا اجتمع إليه بعض ما يريد من النّاس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: قال: قال رجلٌ من أصحاب محمّد يا رسول الله أوَ فَتحٌ هو؟ قال: إى والذى نفسى بيده إنّه لفَتحٌ! قال قُسمت خَيبَر على أهل الحُديبية على ثمانية عشر سهمًا وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وكان للفارس سهمان.
أخبرنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا زُهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: قال البراء: أمّا نحن فنسمّى الذى (١) يسمّون فتح مكّة يوم الحُديبية بيعة الرّضْوان.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن جُويرية بن أسماء عن نافع قال: خرج قومٌ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك بأعوامٍ فما عرف أحد منهما الشجرة واختلفوا فيها: قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.
أخبرنا عبد الله بن عبد الوهّاب بن عطاء العجلى قال: أخبرنا خالد الحَذَّاء، أخبرنى أبو المَلِيح عن أبيه قال: أصبنا يوم الحُديبية مَطَرٌ لم يَبلّ أسافلَ نِعَالنَا فنادى منادى رسول الله، ﷺ ، أنّ صَلُّوا فى رِحالكم.
* * *
غزوة رسول الله، ﷺ ، خَيْبَر (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، خيبر فى جُمادى الأولى سنة سبع من مُهاجَره، وهى على ثمانية بُرُد من المدينة قالوا: أمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه بالتهيّؤ لغزوة خَيبر وأَجْلَبَ (٣) من حوله يغزون معه فقال: لا يخرجنّ معنا إلّا راغبٌ فى
стр. 581
الجهاد، وشقّ ذلك على من بقى بالمدينة من اليهود فخرج، واستخلف على المدينة سِباع بن عُرْفُطَة الغِفارى وأخرَج معه أمّ سَلَمة زوجته، فلمّا نزل بساحتهم لم يتحرّكوا تلك الليلة، ولم يَصِحْ لهم ديكٌ حتى طَلَعت الشمس، وأصبحوا وأفئِدَتُهم تَخْفِق وفتَحوا حصونهم وغَدوا إلى أعمالهم معهم المسَاحِى والكَرازين والمَكَاتِل (١)، فلمّا نظروا إلى رسول الله، ﷺ ، قالوا: مُحمّد والخَميس! يعنون بالخميس الجيش، فولّوا هاربين إلى حصونهم وجعل رسول الله، ﷺ ، يقول: الله أكبر خَرِبت خَيبر! إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فسَاءَ صَباحُ المُنذَرِين! ووعظ رسول الله، ﷺ ، النّاس وفرّق فيهم الرايات ولم يكن الرايات إلا يومَ خَيبر إنّما كانت الألوية فكانت راية النبىّ، ﷺ ، السوداء من بُرْد لعائشة تُدْعَى العُقابَ ولواؤه أبيض ودفعه إلى علىّ بن أبى طالب، وراية إلى الحبُاب بن المنذر، وراية إلى سعد ابن عُبادة، وكان شعارهم: يا مَنصُورُ أمِتْ! فقاتَل رسول الله، ﷺ ، المشرِكين، قاتَلوه أشدّ القتال وقَتَلوا من أصحابه عِدّةً وقُتل منهم جماعة كثيرة.
وفتحها حصنًا حصنًا، وهى حصون ذوات عدد منها النّطاة ومنها حصن الصّعب بن مُعاذ وحصن ناعِم وحصن قلعة الزبير والشقّ، وبه حصون منها حصن أبىّ وحصن النّزار، وحصون الكتيبة منها القَموص والوَطيح وسُلالِم، وهو حصن بنى أبى الحُقَيق، وأخذ كنزَ آل أبى الحُقَيق الذى كان فى مَسْك الجَمَل، وكانوا قد غَيّبوه فى خَرِبَةٍ فدلّ اللهُ رسولَه عليه فاستخرجه وقَتَلَ منهم ثلاثةً وتسعين رجلًا من يهود، منهم الحارث أبو زينب ومَرْحَب وأُسَير وياسر وعامر وكِنانة بن أبى الحُقَيق وآخوه، وإنّما ذكرنا هؤلاء وسَمّيناهم لشَرَفهم، واستُشْهِد من أصحاب النبىّ، ﷺ ، بخَيبر ربيعة بن أكثَم وثَقْف بن عمرو بن سُميط ورِفاعة بن مَسروح، وعبد الله بن أُميّة بن وهب حليف لبنى أسد ابن عبد العُزَّى، ومحمود بن مسلمة، وأبو ضيّاح بن النعمان من أهل بدر، والحارث بن حاطب من أهل بدر، وعَدِىّ ابن مُرّة بن سُراقة وأوس بن حبيب وأنيف بن وائل ومسعود بن سعد بن قيس،
стр. 582
وبشر بن البَراء بن معرور مات من الشاة المسمومة، وفُضيل بن النعمان، وعامر بن الأكْوَع أصابَ نفسه فدفن هو ومحمود بن مسلمة فى غار واحد بالرجيع بخيبر، وعُمارة بن عُقبة بن عَبّاد بن مُلَيل، ويَسار العبد الأسود ورجلٌ من أشْجَع، فجميعهم خمسةَ عشرَ رجلًا.
وفى هذه الغزاة سمَّت زينب بنت الحارث امرأة سَلّام بن مِشْكَم رسولَ الله، ﷺ ، أهدَت له شاةً مسمومةً فأكلَ منها رسول الله، ﷺ ، وناسٌ من أصحابه فيهم بشر بن البَراء بن مَعرور فمات منها، فيقال إن رسول الله، ﷺ ، قَتَلها وهو الثبت عندنا، وأمر رسول الله، ﷺ ، بالغنائم فجُمعت واستعمل عليها فَرْوَةَ بن عمرو البَياضى ثمّ أمر بذلك فَجُزِئ خمسة أجزاءٍ وكُتب فى سهمٍ منها لِلَّهِ وسائرِ السهمان أغفال، وكان أوّل ما خرج سهم النبىّ، ﷺ ، لم يتخيّر فى الأخماس فأمر بِبَيع الأربعةِ الأخماس فى من يزيد فباعها فَرْوة وقسم ذلك بين أصحابه.
وكان الّذى وَلِىَ إحصاء الناسِ زَيد بن ثابت فأحصَاهم ألفًا وأربعمائة والخيل مائتى فرس، وكانت السهمان على ثمانية عشر سهمًا لكلّ مائة رأس وللخيل أربعمائة سهمٍ، وكان الخُمس الذى صار إلى رسول الله، ﷺ ، يُعطى منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة، وأعطى منه أهل بيته ورجالًا من بنى عبد المطلب ونساءً واليتيم والسائل، وأطعم من الكتيبة نساءه وبنى عبد المطّلب وغيرهم، وقدم الدَّوْسِيُون فيهم أبو هُريرة وقدم الطّفيل بن عَمرو وقدم الأشْعَريّون ورسول الله، ﷺ ، بخَيبر فَلَحِقوه بها فكلّم رسول الله، ﷺ ، أصحابه فيهم أن يُشْرِكوهم فى الغنيمة ففعلوا، وقدم جعفر بن أبى طالب وأهل السفينتين من عند النّجاشى بعد أن فُتحت خيبر فقال رسول الله، ﷺ : ما أدرى بأيّهِما أنا أُسَرّ بقدوم جعفر أو بفتح خَيبر؟ وكانت صَفيّة بنت حُيَىّ ممّن سَبى رسول الله، ﷺ ، بخَيبر فأعتقها وتَزَوّجها.
وقدم الحجّاج بن عِلاط السّلَمى على قريش بمكّة فأخبرهم أنّ محمّدًا قد أسَرَته يهود وتفرّق أصحابه وقُتلوا، وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحَجّاج دينَه وخرج سريعًا فلقيه العبّاس بن عبد المطّلب فأخبَره خبر رسول الله، ﷺ ، على حقّه وسأله أن يكتُم عليه حتى يخرج، ففعل العبّاس، فلمّا خرَج الحجّاج أعلن
стр. 583
بذلك العبّاسُ وأظهَرَ السّرُورَ وأعتقَ غلامًا يُقال له أبو زَبِيبَة (١).
أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا هشام الدَّستَوائى عن قَتادة عن أبى نَضرة عن أبى سعيد الخُدْرى قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى خَيبر لثمانى عشرة مَضَت من شهر رمضان، فصامَ طوائف من النّاس وأفطَر آخرون، فلم يُعَبْ على الصّائم صَومُه ولا على المُفْطِر فِطرُهُ.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى، أخبرنا حُميد الطويل عن أنَس قال: انتهينا إلى خَيبر ليلًا، فلمّا أصبحنا وصلّى رسول الله، ﷺ ، الغَداةَ رَكِبَ وركب المسلمون معه فخرَج وخَرج أهل خَيبر حين أصبحوا بمَساحيهم ومكَاتِلهم كما كانوا فى أرَضِيهم، فلمّا رأوا رسول الله، ﷺ ، قالوا: محمّد والله! محمّد والجيش! ثمّ رجعوا هُرّابًا إلى مدينتهم، فقال النبىّ، ﷺ : الله أكبر خَرِبت خَيبر! إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المُنذَرين! قال أنَس: وأنا رَديف أبى طلحة وإنّ قَدَمى لَتَمَسّ قَدَم رسول الله، ﷺ .
أخبرنا رَوْح بن عُبادة، أخبرنا سعيد بن أبى عَروبة عن قتادة عن أنَس بن مالك عن أبى طلحة قال: لمّا صبّح رسول الله، ﷺ ، خَيبرَ وقد أخذوا مَسَاحيَهم وغَدَوا إلى حُروثهم وأرَضِيهم، فلمّا رَأوا نبىّ الله، ﷺ ، ومعه الجيش نَكَصوا مُدْبِرين فقال نبىّ الله، ﷺ : الله أكبر الله أكبر! إنّا إذا نَزَلْنَا بساحةِ قَومٍ فساء صباح المنذَرِين!
أخبرنا هَوْذَة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحَسن قال: لمّا نَزَلَ رسول الله، ﷺ ، بحَضرة خَيبر فَزع أهل خيبر وقالوا جاء محمّد وأهل يَثْرِب، قال: فقال رسول الله، ﷺ ، حين رأى فَزَعهم: إنّا إذا نزلنا بساحَةِ قومٍ فساءَ صَبَاح المُنْذَرِين!
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سَلمة، أخبرنا ثابت عن أنَس قال: كنتُ رَديفَ أبى طلحة يومَ خَيبر وقَدَمى تَمسّ قَدَمَ رسول الله، ﷺ ، قال: فأتيناهم حين بَزَغَت الشمس وقد أَخرَجوا مواشيهم وخَرجوا بفئوسهم ومَكَاتِلهم
стр. 584
ومرورهم وقالوا: محمّد والخَميس (١)! قال: وقال رسول الله، ﷺ : الله أكبر الله أكبر! إنّا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فسَاءَ صباحُ المُنذَرين! قال: فَهَزَمهم الله.
أخبرنا سليمان بن حَرْب، أخبرنا حمّاد بن زَيد عن ثابت عن أنَس أنّ النبىّ، ﷺ ، صلَّى الصُّبحَ بغَلَس وهو قريب من خَيبر ثمّ أغار عليهم فقال: الله أكبر خَرِبت خَيبر! إنّا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساءَ صباح المنذَرين! فدخل عليهم فخرَجوا يَسعون فى السِّكَك ويقولون: محمّد والخَميس! محمّد والخَميس! قال: فَقَتَل المقاتلة وسَبَى الذّرّيّةَ.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا عُبيد الله بن عُمر قال: وأظنّه عن نافع عن ابن عمر، قال: أتى رسولَ الله، ﵇، أهلُ خَيبر عند الفجر فقاتَلهم حتّى ألجأهم إلى قَصرهم وغَلَبهم على الأرض والنخل، فصالحَهم على أن يَحقُن دماءهم ولهم ما حملت رِكابهم وللنبىّ، ﷺ ، الصَّفراءُ والبيضاءُ والحلقة، وهو السلاح، ويُخْرِجُهم، وشرطوا للنبىّ، ﷺ ، أن لا يكتموه شيئًا، فإنْ فعلوا فلا ذِمّةَ لهم ولا عَهدَ، فلمّا وجدَ المالَ الذى غَيَّبوه فى مَسْك الجَمَل سَبَى نساءهم وغلب على الأرض والنخل ودفعها إليهم على الشطر، فكان ابن رَواحة يَخرُصها عليهم ويضمنهم الشّطرَ.
أخبرنا عبد الله بن نُمير، أخبرنا يحيَى بن سعيد عن صالح بن كيسان قال: كان مع النبىّ، ﷺ ، يوم خَيبر مائتا فرس.
أخبرنا عفّان بن مُسلم، أخبرنا وُهَيْب، أخبرنا سُهيل عن أبيه عن أبى هُريرة قال: قال رسول الله، ﷺ ، يوم خَيبر: لأدفعنّ الراية إلى رجلٍ يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ويفتح عليه، قال: قال عمر فما أحببت الإمارة قبل يومئذ فتطاوَلتُ لها واستشرفتُ رجاء أن يدفعها إلىّ: فلمّا كان الغَد دعا عليًّا فدفَعَها إليه فقال: قاتلْ ولا تَلتَفتْ حتى يَفتح الله عليك فسارَ قريبًا ثمّ نادى: يا رسولَ الله عَلَامَ أُقاتل؟ قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منّى دماءَهم وأموالهم إلّا بحقّها وحسابهم على الله.
стр. 585
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عِكْرمة بن عَمّار، أخبرنى إياس بن سَلمة بن الأكْوَع قال: أخبرنى أبى قال: بارز عمّى يوم خَيبر مَرْحَبًا اليهودىّ فقال مرحب:
قدْ عَلمَتْ خَيبَرُ أنّى مَرْحَبُ … شاكى السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذا الحُرُوبُ أقبَلَتْ تَلَهّبُ (١)
فقال عمّى عامر:
قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنّى عامِرُ … شَاكِى السّلاح بَطَلٌ مُغَامِرُ
فاختلفا ضربتين فوقع سَيف مَرحب فى تُرس عامر وذهب عامر يسفل له، فرجع السيف على ساقه فقَطَع أكْحُلَه فكانت فيها نَفسُهُ، قال سَلمة بن الأكْوع: فلقيتُ ناسًا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقالوا: بَطَلَ عَمَلُ عامِر قَتَل نَفسَه! قال سلمة: فجئتُ إلى رسول الله، ﷺ ، أبكى فقلتُ: يا رسول الله أبَطَلَ عَمَلُ عامرٍ؟ قال: ومَن قال ذاك؟ قلت: أناسٌ من أصحابك! قال رسول الله، ﷺ : كَذب من قال ذاك (٢)! بل لَهُ أجرُه مرّتين، إنّه حين خرَج إلى خَيبر جَعل يرجز بأصحاب رسول اللهُ، ﷺ ، وفيهم النبىّ يسوق الرّكابَ وهو يقول:
تَاللهِ، لوْلا اللهُ ما اهتَدَينا … وما تَصَدَّقنا وما صَلَّينا
إنَّ الّذينَ كَفَرُوا عَلَيْنَا … إذا أرادوا فِتنَةً أبَيْنَا
ونَحْنُ عن فَضْلِكَ ما استَغْنَيْنَا … فَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لاقَيْنَا
وأَنزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا (٣)
فقال رسول الله، ﷺ : مَن هذا؟ قالوا: عامر يا رسول الله! قال: غَفَر لك ربّك! قال: وما استغفَرَ لإنسانٍ قطّ يَخُصّه إلّا استُشْهِد، فلمّا سَمع ذلك عمر بن الخطّاب قال: يا رسول الله لَوْمَا مَتّعْتَنا بعامر، فتقدّم فاستُشهد. قال سَلمة: ثمّ إنّ
стр. 586
نبىّ الله، ﷺ ، أرسلنى إلى علىّ فقال لأُعطينّ الرايةَ اليومَ رَجُلًا يُحِبّ الله ورسولَه ويُحبّهُ الله ورسوله: قال: فجئت به أقودُه أرْمَدَ فبَصق رسول الله، ﷺ ، فى عَينيه ثمّ أعطاهُ الرايةَ فخرَج مَرْحَب يخطر بسيفه فقال:
قدْ عَلِمَتْ خيْبَرُ أنّى مَرْحَبُ … شَاكِى السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذا الحُرُوبُ أقبلتْ تَلَهّبُ
فقال علىّ، صلوات الله عليه وبركاته:
أنَا الّذى سَمّتْنى أمّى حَيدَرَهْ … كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَريهِ المنْظَرَهْ
أَكِيلُهُمْ بالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ! (١)
فَفَلَقَ رأسَ مَرحب بالسيف، وكان الفتحُ على يديه.
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضى الكوفة، حدّثنى عيسى بن المُختار بن عبد الله بن أبى ليلَى الأنصارى عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبى ليلَى الأنصارى عن الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عبّاس قال: لمّا ظَهَرَ النبىّ، ﷺ ، على خيبر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم ليس لهم بَيضاء ولا صَفراء، فأتَى بكِنَانة والربيع، وكان كنانة زَوجَ صفَيّة والربيع أخوه وابن عمّه، فقال لهما رسول الله، ﷺ : أين آنيتكما التى كنتما تُعيرانها أهل مكّة؟ قالا: هَربنا فلم تزل تَضَعُنا أرْضٌ وتَرْفَعُنَا أخرى فذهبنا فأنفقنا كلّ شئ: فقال لهما: إنّكما إن كتمتمانى شيئًا فاطلعتُ عليه استحللتُ به دماءَكما وذراريّكما: فقالا: نَعَمْ! فدعا رجلًا من الأنصار فقال: اذهَبْ إلى قرَاح كذا وكذا ثمّ ائتِ النّخلَ فانظُرْ نَخلَةً عن يمينك أو عن يَسارك فانظرْ نَخلَةً مرفوعة فأْتنى بما فيها. قال: فانطلقَ فجاءه بالآنية والأموال فضَرَب أعناقَهما وسَبَى أهليهما، وأرسلَ رجلًا فجاء بصفيّة فمرّ بها على مَصرَعهما فقال له نبىّ الله، ﷺ : لمَ فعلتَ؟ فقال: أحببتُ يا رسول الله أن أغيظها. قال: فَدَفعها إلى بِلال وإلى رجل من الأنصار فكانت عنده.
أخبرنا هاشم بن القاسم. أخبرنا عِكْرِمة بن عَمّار عن يحيَى بن أبى كثير عن
стр. 587
أبى سَلمة بن عبد الرّحمن عن جابر بن عبد الله قال: لمّا كانَ يوم خَيبر أصاب النّاسَ مجاعةٌ، فأخذوا الحُمُرَ الإنسيّة فَذَبحوها وملئوا منها القُدورَ فبلَغ ذلك نبىّ الله، صلوات الله عليه: قال جابر: فأمَرَنا رسولُ الله، ﷺ ، فَكَفَأْنَا القُدورَ وهى تَغلى، فحَرّمَ رسول الله، ﷺ ، الحُمُرَ الإنسيّة ولُحُوم البِغال وكلّ ذى نابٍ من السِّباع وكلّ ذى مخلَب من الطّير وحَرّم المُجَثَّمَةَ والخُلسَة والنُّهبَةَ.
أخبرنا عفّان بن مُسلم، أخبرنا حمّاد بن زَيد، أخبرنا عَمرو بن دينار عن محمّد بن علىّ عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله، ﷺ ، نَهى يومَ خَيبر عن لُحوم الحُمُر وأذن فى لُحوم الخيل.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى، أخبرنا هِشام بن حَسّان، أخبرنا محمّد، أخبرنا أنسَ بن مالك قال: أتى آتٍ رسولَ الله، ﷺ ، يوم خيبر فقال: يا رسول الله أكلتُ الحُمُر! ثمّ أتاه آتٍ فقال: يا رسول الله أفنيت الحُمُر! فأمر أبا طلحة فنادى: إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لُحوم الحُمُر فإنّها رِجسٌ، فأُكْفِئَت القُدور.
أخبرنا عفّان بن مسلم وهاشم بن القاسم قالا: أخبرنا شُعبة عن أبى إسحاق عن البَراء بن عازِب قال: أصبنا حُمُرًا يوم خَيبر، قال: فنادى منادى رسول الله، ﷺ ، أن أَكْفِئُوا القُدُور (١).
أخبرنا عبد الله بن محمّد بن أبى شَيبة، أخبرنا عبد الله بن نُمير عن محمّد بن إسحاق عن عبد الله بن عَمرو بن ضَمرة الفَزارى عن عبد الله بن أبى سليط عن أبيه أبى سَليط، وكان بدريًّا، قال: أتانا نَهىُ رسول الله، ﷺ ، عن لحوم الحُمُر يوم خيبر وإنّا جياعٌ فكفأناها.
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيَى بن سعيد عن بُشير بن يَسار: أنّ رسول الله، ﷺ ، لما أفاء الله عليه خَيبر قسمها على ستّة وثلاثين سهمًا، جَمَعَ كلّ سهم مائة سهم، وجعل نِصفها لنوائبه وما ينزل به، وعَزَل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين وسَهم النبىّ، ﷺ ، فيما قسم بين المسلمين الشّقّ ونَطاة (٢) وما حيز
стр. 588
معهما، وكان فيما وَقَفَ الوطيحةُ والكتيبة وسُلالم (١) وما حيز معهنّ، فلمّا صارت الأموال فى يد النبىّ، ﷺ ، وأصحابه لم يكن لهم من العمّال ما يَكْفُون عَمَلَ الأرض فَدَفعها النبىّ، ﷺ ، إلى اليهود يعملونها على نصف ما يخرج منها، فلم يزالوا على ذلك حتى كان عمر بن الخطّاب وكثر فى يَدَى المسُلمين العُمّال وقَووا على عمل الأرض، فَأَجْلَى عمر اليهودَ إلى الشأم وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم.
أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حمّاد بن زَيد عن يحيَى بن سعيد عن بُشير بن يَسار قال: لمّا افتتح النبىّ، ﷺ ، خَيبر أخذها عُنوةً فقسمها على ستّة وثلاثين سهمًا، فأخَذ لنفسه ثمانيةَ عشر سهمًا وقسم بين النّاس ثمانية عشر سهمًا، وشهدها مائة فَرَس وجعل للفَرس سهمين.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا محمّد بن راشد عن مكحول: أنّ رسول الله، ﷺ ، أسهَمَ يومَ خَيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمانِ لفرسه وسهم له.
أخبرنا عتَّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن لَهِيعة عن محمّد بن زيد أخبرنى عُمير مولى آبى اللّحم قال: غزوتُ مع سيّدى يوم خيبر فشهدتُ فتحَها مع رسول الله، ﷺ ، فسألته أن يَقسِمَ لى معهم فأعطانى من خُرْثىّ (٢) المتاع ولم يَقسِم لى.
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن لَهِيعة، حدّثنى الحارث بن يزيد الحَضْرَمى عن ثابت بن الحارث الأنصارى قال: قسم رسول الله، ﷺ ، عامَ خَيبر لسَهلة بنت عاصم بن عدىّ ولابنة لها ولدت.
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن فلان الجَيشانى أو قال عن أبى مرزوق مولى تُجيب عن حَنَش قال: شهدتُ فتح جَرْبة (٣) مع رُوَيفع بن ثابت البَلَوى قال
стр. 589
فَخَطَبنا فقال: شهدتُ فتح خَيبر مع رسول الله، ﷺ ، فسمعته يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَسْقِ مَاءَه زَرْعَ غيره، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقضِ على امرأةٍ من السَّبى حتّى يَسْتَبرئها، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبع مَغْنَمًا حتى يُقسَم، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابّة من فَئ المسلمين حتّى إذا أعْجَفَها ردَّها فى فَىْء المسلمين، أو يلبس ثوبًا حتى إذا أخْلَقَه ردّه فى فَئ المسلمين.
أخبرنا عفّان بن مُسلم وهاشم بن القاسم قالا: أخبرنا شُعبة قال: قال الحَكَم: أخبرنى عبد الرّحمن بن أبى لَيلى فى قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [سورة الفتح: ١٨]: قال: خيبر. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾ [سورة الفتح: ٢١]: قال: فارس والروم.
أخبرنا موسى بن داود قال: أخبرنا لَيْث بن سعد إن شاء الله عن سَعيد بن أبى سعيد المَقْبُرى عن أبى هريرة أنّه قال: لمّا فُتِحت خَيبر أُهدِيت لرسول الله، ﷺ ، شَاةٌ فيها سَمّ فقال النبىّ، ﷺ : اجمعوا من كان هاهنا من اليهود، فجَمعوا له فقال رسول الله، ﷺ : إنّى سائِلكم عن شئ فهل أنتم صادقىّ عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم: فقال لهم رسول الله، ﷺ : مَن أبوكُم؟ قالوا: أبونا فلان: فقال رسول الله، ﷺ : كَذَبتم! أبوكم فلان: قالوا: صدقتَ وبَرِرْتَ: فقال: هل أنتم صادقىّ عن شئ إن سألتكم؟ قالوا: نَعَمْ يا أبا القاسم، فإنْ كَذَبناك عرفتَ كِذبَنا كما عرفتَه فى أبينا: فقال لهم رسول الله، ﷺ : مَن أهل النّار! فقالوا: نكون فيها يَسيرًا ثمّ تخلفونا فيها: فقال رسول الله، ﷺ : اخْسَئوا فيها ولا نخلفكم فيها أبدًا: ثمّ قال لهم: هل أنتم صادقىّ عن شئ إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم: قال لهم: هل جَعلتم فى هذه الشاة سمًّا؟ قالوا: نعم: قال: ما حَمَلَكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنتَ كاذبًا استرحنا منكَ وإن كنت نبيًّا لم يَضرُرْك.
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضى أهل الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبى لَيلى عن الحَكَم عن مِقسَم عن ابن عبّاس قال: لمّا أراد رسول الله، ﷺ ، أن يخرج من خيبر قال القوم: الآن نعلم أسُريّةٌ صَفيّة أم امرأة، فإن كانت امرأةً فإنّه سيحجبها، وإلّا فهى سُرّيّة: فلمّا خرَج أمر بسِترٍ فَسُتِر
стр. 590
دونها فعرَف النّاس أنّها امرأة، فلمّا أرادت أن تركب أدنَى فَخِذَه منها لتركب عليها فأبَت ووضعت ركبتها على فَخِذه ثمّ حَمَلها، فلمّا كان اللّيل نزل فدخل الفُسطاط ودخلت معه، وجاء أبو أيّوب فبات عند الفُسطاط معه السيف واضعٌ رأسَه على الفُسطاط. فلمّا أصبح رسول الله، ﷺ ، سَمع الحركة فقال: مَن هذا؟ فقال: أنا أبو أيّوب! فقال: ما شأنك؟ قال: يا رسول الله جارية شابّة حديثةُ عهدٍ بِعُرْسٍ، وقد صنعتَ بزوجها ما صنعت، فلم آمنها، قلتُ إن تحرّكتْ كنتُ قريبًا منك. فقال رسول الله، ﷺ : رحمك الله يا أبا أيّوب! مرتين (١).
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس قال: وقعت صفيّة فى سهم دِحية، وكانت جارية جميلة، فاشتراها رسول الله، ﷺ ، بسبعة أرؤس ودفعها إلى أمّ سُليم تصنعها وتُهيّئها. وجعل رسول الله، ﷺ ، وَليمتَها التمرَ والأقِط والسمنَ، قال: ففُحِصت الأرضُ أفاحِيصَ وجِئ بالأنطاع فوُضعت فيها ثمّ جئ بالأقط والسمن والتمر فشبع النّاس: قال: وقال النّاس ما ندرى أتزوّجها أم اتّخذها أمّ وَلَدٍ؟ قال فقالوا: إن حَجَبها فهى امرأته وإنْ لم يحجبها فهى أمّ ولد: قال: فلمّا أراد أن يركب حَجَبها حتى قَعدَت على عَجُزِ البعير، قال: فعرفوا أنّه قد تزوّجها.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كان فى ذلك السّبى صَفيّة بنت حُيَىّ فصارت إلى دِحية الكلبى ثمّ صارت بَعدُ إلى النبىّ، ﷺ ، فأعتقها ثمّ تزوّجها وجَعل عِتقَها صَدَاقها. قال حمّاد: قال عبد العزيز لثابت يا أبا محمّد أنتَ قلتَ لأنس ما أصْدَقها؟ قال: أصدَقَها نفسهَا: قال: فحرّك ثابت رأسه كأنّه صدّقه.
* * *
سريّة عمر بن الخطّاب، ﵀، إلى تُرَبَة (٢)
ثمّ سريّة عمر بن الخطّاب، رضى الله عنه، إلى تُرَبَة فى شعبان سنة سبع من مُهَاجَرِ رسول الله، ﷺ ، قالوا: بعثَ رسول الله، ﷺ ، عمرَ بن الخطّاب فى
стр. 591
ثلاثين رجلًا إلى عَجُز هَوَازن بتُربَة، وهى بناحية العبلاء على أربع ليال من مكّة طَريقَ صَنعاء ونَجْران، فخرَج وخرج معه دليل من بنى هلال، فكان يسير الليلَ ويكمن النهارَ، فأتى الخبر هوازنَ فهربوا، وجاء عمر بن الخطّاب محالّهم فلم يَلْقَ منهم أحدًا فانصرفَ راجعًا إلى المدينة.
* * *
سريّة أبى بكر الصدّيق، رضى الله عنه، إلى بنى كِلاب بنَجْد (١)
ثمّ سريّة أبى بكر الصّدّيق إلى بنى كلاب بنجد ناحية ضَريّة فى شعبان سنة سبع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا هاشم بن القاسم الكِنانى، أخبرنا عِكْرمة بن عمّار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكْوَع عن أبيه قال: غَزوتُ مع أبى بكر إذ بعثه النبىّ، ﷺ ، علينا فَسَبى ناسًا من المشركين فَقَتَلْنَاهم، فكان شِعارنا: أمِتْ أمت! قال: فقتلتُ بيدى سبعة أهل أبيات من المشركين.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عِكْرِمة بن عَمّار، أخبرنا إياس بن سَلَمة بن الأكْوَع عن أبيه قال: بعثَ رسول الله ﷺ ، أبا بكر إلى فَزارة وخرجتُ معه حتى إذا ما دَنونا من الماء عرّس أبو بكر، حتى إذا ما صَلّينا الصُّبح أمَرَنا فشنَنّا الغارة فَوَردنا الماءَ. فَقَتل أبو بكر مَن قَتَل ونحن معه، قال سَلمة: فرأيت عُنُقًا من النّاس فيهم الذَّرَارىّ فخشيت أن يسبقونى إلى الجبل فأدركتهم فرميت بسهم بينهم وبين الجبَل، فلمّا رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فَزَارة فيهم عليها قَشْعٌ من أدَم، معها ابنتها مِن أحسن العرب، فجئتُ أسُوقهم إلى أبى بكر فنفَّلنى أبو بكر ابنتها فلم أَكشِف لها ثوبًا حتى قَدِمت المدينة، ثمّ باتت عندى فلم أكشِفْ لها ثوبًا حتى لَقينى رسول الله، ﷺ ، فى السوق فقال: يا سَلَمة هَبْ لى المرأة! فقلت: يا نبىّ الله! والله لقد أعْجَبتنى وما كشفتُ لها ثوبًا! فسكتَ حتى إذا كان من الغد لَقينى رسول الله، ﷺ ، فى السوق ولم أكشَف لها ثوبًا فقال: يا سَلَمة هَبْ لى المرأة لله أبوك! قال: فقلتُ هى لك يا رسول الله! قال: فبعثَ بها
стр. 592
رسول الله، ﷺ ، إلى أهل مكّة ففدى بها أسرَى من المسلمين كانوا فى أيدى المشركين.
* * *
سريّة بَشِير بن سَعد الأنصارى إلى فَدَك (١)
ثمّ سريّة بَشير بن سَعد إلى فَدَك فى شعبان سنة سبع من مُهَاجَرِ رسول الله، ﷺ ، قالوا: بَعثَ رسول الله، ﷺ بَشِير بن سعد فى ثلاثين رجلًا إلى بنى مُرّة بفَدَك، فخرج يلقَى رِعاء الشاءِ، فسأل عن النّاس فقِيل فى بَواديهم، فاستَاقَ النَّعمَ والشّاءَ وانحدَرَ إلى المدينة، فخرج الصَّريخ فأخبرهم فأدركه الدّهمُ منهم عند الليل، فأتوا يرامونهم بالنبل حتى فَنيَتْ نَبْلُ أصحاب بَشير وأصبحوا، فحمل المُرّيّون عليهم فأصابوا أصحابَ بَشِير وقاتَل بشير حتى ارتُثّ وضُرِب كَعبُه فقيل قد مات، ورجعوا بنَعَمهم وشائهم. وقَدم عُلبة بن زَيد الحارثى بخبرهم على رسول الله، ﷺ ، ثمّ قدم من بعده بَشير بن سَعد.
* * *
سريّة غالب بن عبد الله الليثى إلى المَيْفَعَة (٢)
ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّيثىّ إلى الميْفَعَة فى شهر رمضان سنة سبع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعَثَ رسول الله، ﷺ ، غالبَ بن عبد الله إلى بنى عُوال وبنى عَبد بن ثعلبة، وهم بالمَيْفَعَة، وهى وراء بطن نخل إلى النّقرة قليلًا بناحية نَجد، وبينها وبين المدينة ثمانية بُرُد، بعثه فى مائة وثلاثين رجلًا ودليلهم يَسار مَولَى رسول الله، ﷺ ، فهَجموا عليهم جميعًا ووقعوا وسط محالّهم، فَقَتلوا من أشرف لهم واستاقوا نَعَمًا وشاءً فحَدَروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدًا، وفى هذه السريّة قَتَل أُسامة بن زَيد الرجل الذى قال لا إله إلّا الله، فقال النبىّ، ﷺ : ألا شَققتَ قَلبَه فَتَعلَمَ صادقٌ هو أم كاذب؟ فقال أسامة: لا أُقاتِلُ أحدًا يشهد أن لا إله إلّا الله.
стр. 593
سريّة بشير بن سعد الأنصارى إلى يَمْن وجَبار (١)
ثمّ سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى يَمْن وجَبَار فى شوّال سنة سبع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ جمعًا من غَطَفَان بالجناب قد واعدهم عُيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله، ﷺ ، فدعا رسول الله، ﷺ ، بَشير بن سعد فعقد له لواءً وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا اللّيلَ وكمنوا النّهار حتى أتوا إلى يَمن وجَبار وهى نحو الجناب، والجناب يُعارضُ سَلاح وخَيبَر ووادى القُرى، فنزلوا بسلاح ثمّ دنوا من القوم فأصابوا لهم نعمًا كثيرًا وتفرّق الرّعاء، فحذّروا الجمع فتفرّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد فى أصحابه حتى أتى محالّهم فيجدها وليس فيها أحدٌ،؟ فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله، ﷺ ، فأسلما فأرسلهما.
* * *
عمرة رسول الله، ﷺ ، القَضيّة (٢)
ثمّ عُمرة رسول الله، ﷺ ، القَضِيّة فى ذى القعدة سنة سبع من مُهاجَره. قالوا: لمّا دخل هلال ذى القعدة أمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه أن يعتمروا قَضاءً لعمرتهم التى صدّهم المشركون عنها بالحُديبية، وأن لا يتخلّف أحدٌ ممّن شهد الحُديبية. فلم يتخلّف منهم أحدٌ إلّا رجالٌ استُشهدوا منهم بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله، ﷺ ، قومٌ من المسلمين عُمّارًا فكانوا فى عُمرة القضيّة ألفين، واستخلف على المدينة أبا رُهمٍ الغفارىّ وساق رسول الله، ﷺ ، ستّين بَدَنَةً وجعل على هَدْيهِ ناجيَةَ بن جُندَب الأسلمى، وحمل رسول الله، ﷺ ، السّلاح البَيضَ والدّروع والرّماح وقاد مائةَ فَرس، فلمّا انتهى إلى ذى الحُليفة قدّم الخيلَ أمامَه عليها محمّد بن مَسلمة، وقدّم السّلاِحَ واستعمل عليه بَشير بن سعد، وأحرم رسول الله، ﷺ ، من باب المسجد ولبّى والمسلمون معه يلبّون، ومضى محمّد بن مسلمة فى الخيل إلى مَرّ الظّهران فوجد بها نفرًا من قريش فسألوه فقال: هذا رسول الله، ﷺ ، يُصبح هذا المنزلَ غدًا إن شاء الله: فأتوا قريشًا فأخبروهم
стр. 594
فَفَزِعوا ونَزَل رسول الله، ﷺ ، بمَرّ الظّهران وقَدّم السّلاح إلى بَطن يَأجَج حيث يُنظَر إلى أنصاب الحَرَم، وخلّفَ عليه أوسَ بن خَوْلىّ الأنصارى فى مائة رجل، وخرجت قريش من مكّة إلى رءوس الجبال وخلّوا مكّة، فقدّم رسول الله، ﷺ ، الهَدْىَ أمامَه فحُبس بذى طُوًى، وخرج رسول الله، ﷺ ، على رَاحِلته القَصْواء والمسلمون متوشّحون السيوف مُحدِقون برسول الله، ﷺ ، يلبّون فدخل من الثّنيّة التى تُطلعه على الحَجُون وعبد الله بن رَواحة آخذٌ بزمام راحلته، فلم يزل رسول الله، ﷺ ، يُلَبّى حتى استَلَم الرّكنَ بمحجَنهِ مضطبعًا (١) بثوبه، وطافَ على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول:
خلّوا بَنى الكُفّارِ عن سبيلهْ … خلّوا فكلّ الخيرِ مَعْ رَسولِهْ
نحنُ ضَرَبْناكُمْ على تأوِيلهْ … كمّا ضَرَبْنَاكُمْ على تَنْزِيلِهْ
ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقيلهْ … ويُذْهلُ الخليلَ عَنْ خَليلِهْ
يا ربّ إنّى مُؤمنُ بقيلهْ (٢)
فقال عمر: يا بن رَواحة إيهًا! فقال رسول الله، ﷺ : يا عُمر إنّى أسمعُ! فأسكتَ عمرَ وقال رسول الله، ﷺ : إيهًا يابن رَواحة! قال: قُلْ لا إله إلّا الله وحدَه نَصَرَ عَبده وأعزّ جُندَه وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه: قال فقالها ابن رَواحة فقالها النّاس كما قال. ثمّ طاف رسول الله، ﷺ ، عن الصّفا والمَرْوة على راحلته، فلمّا كان الطّواف السابع عند فراغه وقد وقف الهَدْىُ عند المَرْوَة قال: هذا المَنحَرُ وكلّ فجاجِ مكّة مَنحَرٌ: فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر رسول الله، ﷺ ، ناسًا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يَأجَج فيقيموا على السّلاح ويأتى الآخرون فيقضوا نُسُكَهم ففعلوا، ثمّ دخل رسول الله، ﷺ ، الكعبةَ فلم يزل فيها إلى الظّهر ثمّ أمر بلالًا فأذّن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله، ﷺ ، بمكّة ثلاثًا وتَزَوّج مَيمونَةَ بنت الحارث الهلاليّة، فلمّا كان عند ظُهر من اليوم الرابع أتاه سُهيل بن عمرو وحُويطب بن عبد العُزّى فقالا: قد انقضى أجَلُك فاخْرُجْ عنّا! وكان رسول الله، ﷺ ، لم ينزل بيتًا بل ضُربَتْ له قُبّةٌ من أدَم
стр. 595
بالأبطَح، فكان هناك حتى خرجَ منها وأمر أبا رافع فنادى بالرّحيل وقال: لا يُمسينّ بها أحدٌ من المسلمين. وأخرج عُمارة بنت حمزة بن عبد المطّلب من مكّة وأمّ عُمارة سَلمَى بنت عميس. وهى أمّ عبد الله بن شدّاد بن الهاد، فاختصم فيها علىّ وجعفر وزيد بن حارثة أيّهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، ﷺ ، لجعفر من أجل أنّ خالتها عنده أسماءُ بنت عُميس، وركب رسول الله، ﷺ ، حتى نزل سرِف وتَتَامّ النّاس إليه. وأقام أبو رافع بمكّة حتى أمسَى فحمل إليه ميمونَةَ بنت الحارت فَبَنَى عليها رسول الله، ﷺ ، بِسَرِف ثمّ أدلَجَ فسار حتى قدم المدينة.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد وأخبرنا يحيَى بن عبّاد، أخبرنا حمّاد بن سَلمة جميعًا عن أيّوب عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس أن النبىّ، ﷺ ، وأصحابه قَدِموا مكّة يعنى فى القضية، فقال المشركون من قريش: إنّه يقدم عليكم قوم قد وَهَنَتْهم حُمّى يَثرِبَ. قال: وقعدوا ممّا يلى الحجر فأمر النبىّ، ﷺ ، أصحابه أن يَرْمُلُوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قُوّتَهم، وأن يمشوا ما بين الرّكنَين.
قال ابن عبّاس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يَرْمُلوا الأشواطَ كلّها إلّا إبقاءٌ عليهم، فلمّا رملوا قالت قريش: ما وهنتهم.
* * *
سريّة ابن أبى العَوْجاء السُّلَمى إلى بنى سُليم (١)
ثمّ سريّة ابن أبى العَوجاء إلى بنى سُليم فى ذى الحجّة سنة سبع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، ابن أبى العَوْجاء السُّلَمى فى خمسين رجلًا إلى بنى سُليم، فخرَج إليهم وتقدّمه عينٌ لهم كان معه فحذّرهم فجمّعوا فأتاهم ابن أبى العَوْجاء، وهم مُعِدّون له، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجةَ لنا إلى ما دعوتنا، فَتَراموا بالنبل ساعة وجعلتِ الأمداد تأتى حتى أحدَقوا بهم من كلّ ناحية، فقاتَل القوم قتالًا شديدًا حتى قُتل عامّتهم وأُصيبَ ابن أبى العَوْجاء جريحًا مع القتلى ثمَّ تحامَلَ حتى بلغ رسول الله، ﷺ ، فَقَدِموا المدينة في أول يوم من صَفر سنة ثمان.
стр. 596
سريّة غالب بن عبد الله اللَّيْثى إلى بنى المُلَوِّح بالكَديد (١)
ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّيثى، إلى بنى الملوّح بالكَديد فى صفر سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا عبد الله بن عَمرو أبو مَعمَر، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن يَعقوب بن عُتبة عن مُسلم بن عبد الله الجُهَنى عن جُندَب ابن مَكيث الجُهَنى قال: بعثَ رسول الله، ﷺ ، غالب بن عبد الله الليثى ثمّ أحد بنى كَلْب بن عَوف فى سريّة، فكتب فيهم وأمرهم أن يشُنّوا الغارةَ على بنى الملوّح بالكديد، وهم من بنى ليث، قال: فخرجنا حتى إذا كنّا بقُديد لقينا الحارث بن البَرْصاء اللّيثى فأخذناه فقال: إنّما جئت أريد الإسلام إنّما خرجتُ إلى رسول الله، ﷺ ، قلنا: إن تَكُنْ مُسلمًا لم يضررك رباطُنا يومًا وليلةً، وإن تكن على غير ذلك نَسْتَوثق منك. قال: فشددناه وثاقًا وخلّفنا عليه رُويجلًا منّا أسودَ فقلنا: إن نازَعَك فاحتزّ رأسَه! فسرنا حتّى أتينا الكَديد عند غروب الشمس فكمنّا فى ناحية الوادى وبعثنى أصحابى رَبيئةً لهم فخرجت حتّى أتيت تلًّا مشرفًا على الحاضر يُطلعُنى عليهم حتى إذا أسندتُ عليهم فيه علوتُ على رأسه ثمّ اضطجعتُ عليه قال: فإنّى لأنظر إذ خرج رجلٌ منهم من خِباءٍ له فقال لامرأته: إنّى أرى على هذا الجبل سوادًا ما رأيته أوّل من يومى هذا فانظرى إلى أوعِيَتِكِ لا تكون الكلاب جرّت منها شيئًا. قال: فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتى شيئًا. قال: فناولينى قوسى ونبلى، فناولَته قوسَهُ وسهمين معها، فأرسل سهما فوالله ما أخطأ بين عينىّ، قال: فانتزعته وثبَتّ مكانى ثمّ أرسل آخر فوضعه فى منكبى فانتزعته فوضعته وثبتّ مكانى، فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئةً لقد تحرّكت بعد! والله لقد خالَطَهَا سَهمَاىَ لا أبا لَكِ! فإذا أصبحتِ فانظريهما لا تمضغهم الكلاب، قال: ثمّ دخل وراحَت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلمّا احتَلَبوا وعَطَنوا واطمأنّوا فناموا شننّا عليهم الغارةَ واستَقنَا النّعَمَ. قال: فخرج صريخ القوم فى قَومهم فجاء ما لا قبَلَ لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتّى مررنا بابن البَرْصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، فأدركَنا القومُ حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلّا الوادى ونحن موجّهون
стр. 597
في ناحية الوادى إذ جاء الله بالوادى من حيث شاء يملأ جَنبَتَيه ماءٌ، والله ما رأينا يومئذ سحابًا ولا مطرًا فجاء بما لا يستطيع أحدٌ أن يحوزه فلقد رأيتهم وقوفًا ينظرون إلينا وقد أسندناها في المَسيل، هكذا قال، وأمّا في رواية محمّد بن عمر قال: أسندناها في المُشَلّل (١) نحدرها وفُتناهم فَوتًا لا يقدرون فيه على طلبنا، قال: فما أنسى قولَ راجزٍ من المسلمين وهو يقول:
أبَى أبُو القاسِمِ أنْ تَعَزّبى … في خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغلَوْلِبِ
صُفرٍ أعاليهِ كَلَوْنِ المُذْهَبِ
وزاد محمّد بن عمر في روايته:
وذَاكَ قوْلُ صادِقٍ لَمْ يَكذِبِ
قال: فكانوا بضعة عشر رجلًا. قال عبد الوارث: وحدّثنى هذا الحرفَ رجلٌ عن محمّد بن إسحاق أنه حدّثَهُ رجُلٌ من أسلم أنّهُ كان شعارهم يومئذ: أمِتْ أمِتْ (٢).
* * *
سريّة غالب بن عبد الله اللَّيْثى أيضًا إلى مُصَاب أصحاب بَشير بن سعد بِفَدَك (٣)
ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّيثيّ إلى مُصاب بَشير بن سعد بفَدَكٍ في صفر سنة ثمانٍ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى عبد الله بن الحارث بن الفُضيل عن أبيه قال: هيّأ رسول الله، ﷺ ، الزّبيرَ بن العوّام وقال له: سِرْ حتى تنتهى إلى مُصاب أصحاب بَشير بن سعد فإن أظْفَرَك الله بهم فلا تُبقِ فيهم. وهيّأ معه (٤) مائتى
стр. 598
رجل وعَقَدَ له لواءً، فقدم غالب بن عبد الله اللّيثيّ من الكَديد من سريّة قد ظفّره الله عليهم، فقال رسول الله، ﷺ ، للزبير: اجلسْ! وبعث غالبَ بن عبد الله في مائتى رجل، وخرج أُسامة بن زَيد فيها حتى انتهى إلى مُصاب أصحاب بَشير وخرَج معه عُلبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نَعَمًا وقَتلوا منهم قَتلَى.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى أفلح بن سعيد عن بشير بن محمّد بن عبد الله بن زيد قال: خرج مع غالب في هذه السريّة عقبة بن عَمْرو أبو مسعود وكعب بن عُجرة وأسامة بن زيد الحارثى.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّقنى شبل بن العَلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حُويّصة عن أبيه قال: بعثنى رسول الله، ﷺ ، في سريّة مع غالب بن عبد الله إلى بنى مُرّة فأغَرْنا عليهم مع الصّبح وقد أوْعَزَ إلينا، أمَرَنَا ألّا نفترِقَ وواخَى بيننا فقال: لا تعصونى فإنّ رسول الله، ﷺ ، قال: من أطاع أميرى فقد أطاعنى ومن عصاه فقد عصانى وإنّكم متى ما تعصونى فإنّكم تعصون نبيّكم، قال: فآخَى بيني وبين أبى سعيد الخدريّ، قال: فأصبنا القومَ.
* * *
سريّة شُجاع بن وَهْب الأسَدى إلى بني عامر بالسِّيّ (١)
ثمّ سريّة شُجاع بن وَهب الأسدي إلى بنى عامر بالسّيّ في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله ﷺ .
أخبرنا محمّد بن عمر الأسلَمى، حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَةَ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عن عمر بن الحَكَم قال: بعث رسول الله، ﷺ ، شُجاع بن وَهب في أربعةٍ وعشرين رجلًا إلى جَمْع من هَوازِنَ بالسّيّ ناحيةَ رُكبة من وراء المَعدِن، وهي من المدينة على خمس ليالٍ، وأمره أن يُغيرَ عليهم، وكان يسير اللّيلَ ويكمن النّهار حتَّى صَبّحهم وهم غارّون، فأصابوا نعمًا كثيرًا وشاءً واستاقوا ذلك حتَّى قدموا المدينةَ واقتسموا الغنيمة، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرًا وعدلوا البعيرَ بعشر من الغنم، وغابت السريّة خمس عشرة ليلةً.
стр. 599
سريّة كعب بن عُمير الغِفَارِيّ إلى ذات أطلاح (١)
ثمّ سرية كَعب بن عُمير الغفارى إلى ذات أطلاح، وهي من وراء وادى القُرَى، في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ قال: بعث رسول الله، ﷺ ، كَعب بن عُمير الغِفارى في خمسة عشر رجلًا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشأم فوجدوا جَمعًا من جَمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم وَرَشقوهم بالنبل، فلمّا رأى ذلك أصحابُ رسول الله، ﷺ ، قاتَلوهم أشدّ القتال حتَّى قُتلوا وأفلَتَ منهم رجل جريح في القَتلَى، فلمّا برد عليه اللّيلُ تحامل حتَّى أتى رسولَ الله، ﷺ ، فأخبره الخبر فشقّ ذلك عليه وهم بالبعث إليهم فبلغه أنّهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
* * *
سريّة مُؤتَة (٢)
ثمّ سريّة مؤتة، وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق، في جمادى الأولى سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .
قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، الحارثَ بن عُمير الأزْدي أحد بنى لِهبٍ إلى ملك بُصرَى بكتاب، فلمّا نزل مُؤتَة عرض له شُرَحبيل بن عمرو الغسّانى فقتله ولم يُقتلْ لرسول الله، ﷺ ، رسولٌ غيره، فاشتدّ ذلك عليه وندبَ النّاس فأسرعوا وعسكروا بالجُرف وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، ﷺ أميرُ النّاس زَيد بن حارثة، فإن قُتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فعبد الله بن رَواحة، فإن قُتل فليرتَضِ المسلمون بينهم رجلًا فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول الله، ﷺ ، لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة وأوصاهم رسول الله، ﷺ ، أن يأتوا مقتل الحارث ابن عُمير وأن يدعوا مَن هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلّا استعانوا عليهم بالله وقاتَلوهم، وخرَج مشيّعًا لهم حتى بلغ ثنيّة الوَداع فوقف وودّعهم، فلمّا سارُوا من معسكرهم نادى المسلمون: دَفَع الله عنكم وردّكم صالحين غانمين! فقال ابن رَوَاحة عند ذلك.
стр. 600
لكنّنى أسألُ الرّحمنَ مَغْفرَةً، … وضَربَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقذِفُ الزَّبَدَا (١)
قال: فلمّا فصلوا من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شُرَحبيل بن عَمرو فجمع أكثرَ من مائة ألف وقدم الطّلائع أمامَه، وقد نزل المسلمون مُعانَ من أرض الشأء وبلغ النّاسَ أنّ هِرَقلَ قد نزلَ مآبَ من أرض البلقاء في مائة ألف من بَهراء ووائل وبكر ولَخم وجُذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله، ﷺ ، فنخبره الخبر، فشجّعهم عبد الله بن رَواحة على المُضيّ، فمضوا إلى مُؤتَةَ ووافاهم المشركون فجاءَ منهم ما لا قِبَل لأحد به من العدد والسلاح والكُراع والدّيباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء يومئذ على أرجُلهم فأخذ اللواءَ زيد بن حارثة فقاتل، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتَّى قُتل طعنًا بالرّماح ﵀، ثمّ أخذ اللّواءَ جعفرُ بن أبي طالب فنزل عن فرس له شَقراء فعرقبها فكانت أولَ فرسٍ عُرقبت في الإسلام وقاتل حتى قُتِل، ﵁، ضربه رجل من الرّوم فقطعه بنصفين، فوُجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جُرحًا ووُجد فيما قيل من بَدَن جعفر اثنتان وسبعون ضربةً بسيف وطعنةً برمح، ثمّ أخذ اللّواءَ عبدُ الله بن رَواحة فقاتل حتَّى قُتِل ﵀، فاصطلح النّاس على خالد بن الوليد فأخذ اللّواء وانكشف النّاس فكانت الهزيمة، فتبعهم المشركون فقُتِل مَن قُتل من المسلمين ورُفعت الأرض لرسول الله، ﷺ ، حتى نَظر إلى مُعتَرَك القوم. فلمّا أخذ خالد بن الوليد اللّواء قالَ رسول الله، ﷺ : الآنَ حَمِىَ الوَطِيسُ! فلمّا سمع أهلُ المدينة بجيش مُؤتَةَ قادمين تلقّوهم بالجُرْف، فجعل النّاس يَحثُون في وجوههم الترابَ ويقولون: يا فُرّار! أفَررتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله، ﷺ : ليسوا بفُرّار ولكنّهم كُرّار إن شاء الله!
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضى الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلَى عن سالم بن أبي الجَعد عن أبي اليَسَر عن أبي عامر قال: بعثنى رسول الله، ﷺ ، إلى الشأم، فلمّا رجعتُ مررت على أصحابي وهم يُقاتلون المشركين بمُؤتَة، قلت والله لا أبرح اليومَ حتى أنظر إلى ما يصير إليه