← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

سريّة غالب بن عبد الله اللَّيْثى إلى بنى المُلَوِّح بالكَديد (١) ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّيثى، إلى بنى الملوّح بالكَديد فى صفر سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . أخبرنا عبد الله بن عَمرو أبو مَعمَر، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن يَعقوب بن عُتبة عن مُسلم بن عبد الله الجُهَنى عن جُندَب ابن مَكيث الجُهَنى قال: بعثَ رسول الله، ﷺ ، غالب بن عبد الله الليثى ثمّ أحد بنى كَلْب بن عَوف فى سريّة، فكتب فيهم وأمرهم أن يشُنّوا الغارةَ على بنى الملوّح بالكديد، وهم من بنى ليث، قال: فخرجنا حتى إذا كنّا بقُديد لقينا الحارث بن البَرْصاء اللّيثى فأخذناه فقال: إنّما جئت أريد الإسلام إنّما خرجتُ إلى رسول الله، ﷺ ، قلنا: إن تَكُنْ مُسلمًا لم يضررك رباطُنا يومًا وليلةً، وإن تكن على غير ذلك نَسْتَوثق منك. قال: فشددناه وثاقًا وخلّفنا عليه رُويجلًا منّا أسودَ فقلنا: إن نازَعَك فاحتزّ رأسَه! فسرنا حتّى أتينا الكَديد عند غروب الشمس فكمنّا فى ناحية الوادى وبعثنى أصحابى رَبيئةً لهم فخرجت حتّى أتيت تلًّا مشرفًا على الحاضر يُطلعُنى عليهم حتى إذا أسندتُ عليهم فيه علوتُ على رأسه ثمّ اضطجعتُ عليه قال: فإنّى لأنظر إذ خرج رجلٌ منهم من خِباءٍ له فقال لامرأته: إنّى أرى على هذا الجبل سوادًا ما رأيته أوّل من يومى هذا فانظرى إلى أوعِيَتِكِ لا تكون الكلاب جرّت منها شيئًا. قال: فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتى شيئًا. قال: فناولينى قوسى ونبلى، فناولَته قوسَهُ وسهمين معها، فأرسل سهما فوالله ما أخطأ بين عينىّ، قال: فانتزعته وثبَتّ مكانى ثمّ أرسل آخر فوضعه فى منكبى فانتزعته فوضعته وثبتّ مكانى، فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئةً لقد تحرّكت بعد! والله لقد خالَطَهَا سَهمَاىَ لا أبا لَكِ! فإذا أصبحتِ فانظريهما لا تمضغهم الكلاب، قال: ثمّ دخل وراحَت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلمّا احتَلَبوا وعَطَنوا واطمأنّوا فناموا شننّا عليهم الغارةَ واستَقنَا النّعَمَ. قال: فخرج صريخ القوم فى قَومهم فجاء ما لا قبَلَ لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتّى مررنا بابن البَرْصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، فأدركَنا القومُ حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلّا الوادى ونحن موجّهون

стр. 597

في ناحية الوادى إذ جاء الله بالوادى من حيث شاء يملأ جَنبَتَيه ماءٌ، والله ما رأينا يومئذ سحابًا ولا مطرًا فجاء بما لا يستطيع أحدٌ أن يحوزه فلقد رأيتهم وقوفًا ينظرون إلينا وقد أسندناها في المَسيل، هكذا قال، وأمّا في رواية محمّد بن عمر قال: أسندناها في المُشَلّل (١) نحدرها وفُتناهم فَوتًا لا يقدرون فيه على طلبنا، قال: فما أنسى قولَ راجزٍ من المسلمين وهو يقول: أبَى أبُو القاسِمِ أنْ تَعَزّبى … في خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغلَوْلِبِ صُفرٍ أعاليهِ كَلَوْنِ المُذْهَبِ وزاد محمّد بن عمر في روايته: وذَاكَ قوْلُ صادِقٍ لَمْ يَكذِبِ قال: فكانوا بضعة عشر رجلًا. قال عبد الوارث: وحدّثنى هذا الحرفَ رجلٌ عن محمّد بن إسحاق أنه حدّثَهُ رجُلٌ من أسلم أنّهُ كان شعارهم يومئذ: أمِتْ أمِتْ (٢). * * * سريّة غالب بن عبد الله اللَّيْثى أيضًا إلى مُصَاب أصحاب بَشير بن سعد بِفَدَك (٣) ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّيثيّ إلى مُصاب بَشير بن سعد بفَدَكٍ في صفر سنة ثمانٍ من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى عبد الله بن الحارث بن الفُضيل عن أبيه قال: هيّأ رسول الله، ﷺ ، الزّبيرَ بن العوّام وقال له: سِرْ حتى تنتهى إلى مُصاب أصحاب بَشير بن سعد فإن أظْفَرَك الله بهم فلا تُبقِ فيهم. وهيّأ معه (٤) مائتى

стр. 598

رجل وعَقَدَ له لواءً، فقدم غالب بن عبد الله اللّيثيّ من الكَديد من سريّة قد ظفّره الله عليهم، فقال رسول الله، ﷺ ، للزبير: اجلسْ! وبعث غالبَ بن عبد الله في مائتى رجل، وخرج أُسامة بن زَيد فيها حتى انتهى إلى مُصاب أصحاب بَشير وخرَج معه عُلبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نَعَمًا وقَتلوا منهم قَتلَى. أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى أفلح بن سعيد عن بشير بن محمّد بن عبد الله بن زيد قال: خرج مع غالب في هذه السريّة عقبة بن عَمْرو أبو مسعود وكعب بن عُجرة وأسامة بن زيد الحارثى. أخبرنا محمّد بن عمر، حدّقنى شبل بن العَلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حُويّصة عن أبيه قال: بعثنى رسول الله، ﷺ ، في سريّة مع غالب بن عبد الله إلى بنى مُرّة فأغَرْنا عليهم مع الصّبح وقد أوْعَزَ إلينا، أمَرَنَا ألّا نفترِقَ وواخَى بيننا فقال: لا تعصونى فإنّ رسول الله، ﷺ ، قال: من أطاع أميرى فقد أطاعنى ومن عصاه فقد عصانى وإنّكم متى ما تعصونى فإنّكم تعصون نبيّكم، قال: فآخَى بيني وبين أبى سعيد الخدريّ، قال: فأصبنا القومَ. * * * سريّة شُجاع بن وَهْب الأسَدى إلى بني عامر بالسِّيّ (١) ثمّ سريّة شُجاع بن وَهب الأسدي إلى بنى عامر بالسّيّ في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله ﷺ . أخبرنا محمّد بن عمر الأسلَمى، حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَةَ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عن عمر بن الحَكَم قال: بعث رسول الله، ﷺ ، شُجاع بن وَهب في أربعةٍ وعشرين رجلًا إلى جَمْع من هَوازِنَ بالسّيّ ناحيةَ رُكبة من وراء المَعدِن، وهي من المدينة على خمس ليالٍ، وأمره أن يُغيرَ عليهم، وكان يسير اللّيلَ ويكمن النّهار حتَّى صَبّحهم وهم غارّون، فأصابوا نعمًا كثيرًا وشاءً واستاقوا ذلك حتَّى قدموا المدينةَ واقتسموا الغنيمة، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرًا وعدلوا البعيرَ بعشر من الغنم، وغابت السريّة خمس عشرة ليلةً.

стр. 599

سريّة كعب بن عُمير الغِفَارِيّ إلى ذات أطلاح (١) ثمّ سرية كَعب بن عُمير الغفارى إلى ذات أطلاح، وهي من وراء وادى القُرَى، في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ قال: بعث رسول الله، ﷺ ، كَعب بن عُمير الغِفارى في خمسة عشر رجلًا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشأم فوجدوا جَمعًا من جَمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم وَرَشقوهم بالنبل، فلمّا رأى ذلك أصحابُ رسول الله، ﷺ ، قاتَلوهم أشدّ القتال حتَّى قُتلوا وأفلَتَ منهم رجل جريح في القَتلَى، فلمّا برد عليه اللّيلُ تحامل حتَّى أتى رسولَ الله، ﷺ ، فأخبره الخبر فشقّ ذلك عليه وهم بالبعث إليهم فبلغه أنّهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم. * * * سريّة مُؤتَة (٢) ثمّ سريّة مؤتة، وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق، في جمادى الأولى سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، الحارثَ بن عُمير الأزْدي أحد بنى لِهبٍ إلى ملك بُصرَى بكتاب، فلمّا نزل مُؤتَة عرض له شُرَحبيل بن عمرو الغسّانى فقتله ولم يُقتلْ لرسول الله، ﷺ ، رسولٌ غيره، فاشتدّ ذلك عليه وندبَ النّاس فأسرعوا وعسكروا بالجُرف وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، ﷺ أميرُ النّاس زَيد بن حارثة، فإن قُتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فعبد الله بن رَواحة، فإن قُتل فليرتَضِ المسلمون بينهم رجلًا فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول الله، ﷺ ، لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة وأوصاهم رسول الله، ﷺ ، أن يأتوا مقتل الحارث ابن عُمير وأن يدعوا مَن هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلّا استعانوا عليهم بالله وقاتَلوهم، وخرَج مشيّعًا لهم حتى بلغ ثنيّة الوَداع فوقف وودّعهم، فلمّا سارُوا من معسكرهم نادى المسلمون: دَفَع الله عنكم وردّكم صالحين غانمين! فقال ابن رَوَاحة عند ذلك.

стр. 600

لكنّنى أسألُ الرّحمنَ مَغْفرَةً، … وضَربَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقذِفُ الزَّبَدَا (١) قال: فلمّا فصلوا من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شُرَحبيل بن عَمرو فجمع أكثرَ من مائة ألف وقدم الطّلائع أمامَه، وقد نزل المسلمون مُعانَ من أرض الشأء وبلغ النّاسَ أنّ هِرَقلَ قد نزلَ مآبَ من أرض البلقاء في مائة ألف من بَهراء ووائل وبكر ولَخم وجُذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله، ﷺ ، فنخبره الخبر، فشجّعهم عبد الله بن رَواحة على المُضيّ، فمضوا إلى مُؤتَةَ ووافاهم المشركون فجاءَ منهم ما لا قِبَل لأحد به من العدد والسلاح والكُراع والدّيباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء يومئذ على أرجُلهم فأخذ اللواءَ زيد بن حارثة فقاتل، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتَّى قُتل طعنًا بالرّماح ﵀، ثمّ أخذ اللّواءَ جعفرُ بن أبي طالب فنزل عن فرس له شَقراء فعرقبها فكانت أولَ فرسٍ عُرقبت في الإسلام وقاتل حتى قُتِل، ﵁، ضربه رجل من الرّوم فقطعه بنصفين، فوُجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جُرحًا ووُجد فيما قيل من بَدَن جعفر اثنتان وسبعون ضربةً بسيف وطعنةً برمح، ثمّ أخذ اللّواءَ عبدُ الله بن رَواحة فقاتل حتَّى قُتِل ﵀، فاصطلح النّاس على خالد بن الوليد فأخذ اللّواء وانكشف النّاس فكانت الهزيمة، فتبعهم المشركون فقُتِل مَن قُتل من المسلمين ورُفعت الأرض لرسول الله، ﷺ ، حتى نَظر إلى مُعتَرَك القوم. فلمّا أخذ خالد بن الوليد اللّواء قالَ رسول الله، ﷺ : الآنَ حَمِىَ الوَطِيسُ! فلمّا سمع أهلُ المدينة بجيش مُؤتَةَ قادمين تلقّوهم بالجُرْف، فجعل النّاس يَحثُون في وجوههم الترابَ ويقولون: يا فُرّار! أفَررتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله، ﷺ : ليسوا بفُرّار ولكنّهم كُرّار إن شاء الله! أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضى الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلَى عن سالم بن أبي الجَعد عن أبي اليَسَر عن أبي عامر قال: بعثنى رسول الله، ﷺ ، إلى الشأم، فلمّا رجعتُ مررت على أصحابي وهم يُقاتلون المشركين بمُؤتَة، قلت والله لا أبرح اليومَ حتى أنظر إلى ما يصير إليه

стр. 601

أمرهم، فأخذ اللواءَ جعفر بن أبي طالب ولبس السلاحَ، وقال غيره: أخذ زيد اللّواءَ وكان رأس القوم ثمّ حمل جعفر حتَّى إذا هَمّ أن يخالطَ العدوّ رجع فوحّشَ بالسّلاح ثمّ حمل على العدوّ وطاعن حتَّى قُتل، ثمّ أخذ اللّواءَ زيدُ بن حارثة وطاعن حتَّى قُتل، ثمّ أخذ اللّواءَ عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قُتِل، ثمّ انهزم المسلمون أسوَأ هزيمةٍ رأيتُها قطّ حتَّى لم أرَى اثنين جميعًا، ثمّ أخذَ اللّواءَ رجلٌ من الأنصار ثمّ سعى به حتَّى إذا كان أمامَ النّاس رَكزَه ثمّ قال: إليّ أيّها النّاس! فاجتمع إليه النّاس حتى إذا كثروا مشى باللّواء إلى خالد بن الوليد فقال له خالد: لا آخذه منك أنت أحَقُّ به: فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلّا لك! فأخذ خالد اللّواء ثمّ حمل على القوم فهزمهم الله أَسوا هزيمةٍ رأيتها قطّ حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شَاءُوا وقال: فأتيت رسول الله، ﷺ ، فأخبرته فشقّ ذلك عليه فصَلّى الظّهرَ ثمّ دخل، وكان إذا صلّى الظهر قام فركع ركعتين ثمّ أقبل بوجهه على القوم فشقّ ذلك على النّاس، ثمّ صلّى العصر ففعل مثل ذلك، ثمّ صلّى المغرب ففعل مثل ذلك، ثمّ صلّى العَتَمَة ففعل مثل ذلك، حتى إذا كان صلاة الصّبح دخل المسجد ثمّ تبسّم، وكان تلك السّاعة لا يقوم إليه إنسانٌ من ناحية المسجد حتى يصلّى الغداة، فقال له القوم حين تبسّم: يا نبيّ الله بأنفسنا أنت! ما يعلم إلّا الله ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذي رأينا! قال رسول الله، ﷺ : كان الّذى رأيتم منّى أنّه أحزَنَنى قتل أصحابى حتى رأيتهم في الجنّة إِخوَانًا على سُرُرٍ متقابلين ورأيت في بعضهم إِعْرَاضًا كأنّه كره السيف ورأيت جعفرًا مَلَكًا ذا جنَاحَين مُضَرّجًا بالدّماء مصبوغَ القَوادِمِ. * * * سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل (١) ثمّ سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل وهي وراء وادى القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيّام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .

стр. 602

قالوا: بلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ جمعًا من قُضاعة قد تجمّعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف (١) رسول الله، ﷺ . فدعا رسول الله، ﷺ ، عمرو بن العاص فعقد لهُ لواءً أبيضَ وجعل معه رايةً سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسًا، وأمره أن يستعين بمن يَمُرّ به من بَليّ وعُذْرة وبَلْقَين، فسارَ اللّيلَ وكمن النّهارَ فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعًا كثيرًا فبعث رافعَ بن مَكيث الجُهَنى إلى رسول الله، ﷺ ، يستمدّه فبعث إليه أبا عُبيدة بن الجرّاح في مائتين وعقد له لواءً وبعث معه سرَاة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعًا ولا يختلفا، فلحق بعمرو فأراد أبو عُبيدة أن يَؤمّ النّاسَ فقال عمرو: إنّما قدمتَ عليّ مددًا وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عُبيدة وكان عمرو يصلّى بالنّاس وسار حتى وطئ بلاد بَليّ وَدَوّخَها حتَّى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عُذْرة وبَلقَين، ولقى في آخر ذلك جمعًا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرّقوا، ثمّ قفلَ وبعثَ عوفَ بن مالك الأشجَعى بريدًا إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبرهُ بقُفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم. * * * سريّة الخَبَط (٢) أميرها أبو عُبيدة بن الجرّاح (٣) ثمّ سريّة الخَبَط أميرُها أبو عُبيدة بن الجرّاح وكانت في رجَب سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، أبا عُبيدة بن الجرّاح في ثلاثمائة رجلٍ من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطّاب، إلى حيّ من جُهَينة بالقَبَليّة ممّا يلى

стр. 603

ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوعٌ شديدٌ فأكلوا الخَبَط وابتاع قيس بن سعد جُزُرًا ونحرها لهم، وألقى لهم البحر حُوتًا عظيمًا فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيدًا. * * * سريّة أبى قَتَادة بن رِبْعِيّ الأنصاري إلى خَضِرَة (١) ثُمّ سرِيّة أبى قَتادة بن رِبعيّ الأنصاري إلى خَضِرَة، وهي أرض مُحارِب بنجد في شعبان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، أبا قَتادَة ومعه خمسة عشر رجلًا إلى غَطَفَان وأمره أن يشُنّ عليهم الغارة، فسار اللّيلَ وكمن النهار فَهَجَم على حاضرٍ منهم عظيم فأحاط بهم فصرخ رجلٌ منهم: يا خَضِرَة! وقاتل منهم رجال فقَتلوا من أشرفَ لهم واستاقوا النّعَم، فكانت الإبل مائتى بعير والغَنَم ألفَىْ شاةٍ وسَبَوا سبيًا كثيرًا، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخُمس فعزلوه وقسموا ما بقى على أهْل السّريّة فأصاب كلَّ رجل منهم اثنا عشر بعيرًا فعُدل البعير بعشر من الغَنَم، وصارت في سَهْمِ أبى قَتادَة جاريةٌ وضيئةٌ. فاستوهبها منه رسول الله، ﷺ ، فوهبها له، فوهبها رسول الله، ﷺ ، لمَحْميَةَ بن جَزْء، وغابوا في هذه السريّة خمس عشرة ليلة. * * * سريّة أَبى قتادة بن رِبْعِيّ الأنصاري إلى بطن إضَم (٢) ثمّ سريّة أبى قتادة بن رِبعيّ الأنصاري إلى بطن إضَم في أوّل شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: لمّا هَمّ رسول الله، ﷺ ، بِغَزْوِ أهْلِ مكّة بعث أبا قَتادة بن رِبعيّ في ثمانية نفَر سريّةً إلى بطن إضَم، وهي فيما بين ذى خُشُب وذى المرْوَة، وبينها وبين

стр. 604

المدينة ثلاثة بُرُد، ليظنّ ظانّ أن رسول الله، ﷺ ، توجّه إلى تلك الناحية ولأنْ تَذْهَبَ بذلك الأخبارُ، وكان في السريّة مُحلّم بن جثّامة اللّيثى، فمرّ عامر بن الأضْبَط الأشْجَعى فسلّم بتحيّة الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه مُحَلّم بن جثّامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه وَوَطْبَ لَبَنٍ كان معه: فلمّا لحقوا بالنبيّ، ﷺ ، نزل فيهم القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [سورة النساء: ٩٤] (إلى آخر الآية) فمضوا ولم يلحقوا (١) جمعًا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذى خشُب فبلغهم أنّ رسول الله، ﷺ ، قد توجّه إلى مكّة فأخذوا على يَيْن (٢) حتى لقوا النبيّ، ﷺ ، بالسُّقْيَا. * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، عامَ الفَتْح (٣) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، عامَ الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: لمّا دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرًا من صلح الحُديبية كلّمت بنو نُفاثة، وهم من بنى بكر، أشرافَ قريش أن يُعينوهم على خُزاعة بالرّجال والسّلاح، فوعدوهم ووافوهم بالوتِير متنكّرين متنقبّين، فيهم صفوان بن أُميّة وحُويطب بن عبد العُزّى ومِكرَز بن حَفص بن الأخيَف، فبيّتوا خُزاعةَ ليلًا وهم غارّون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلًا. ثمّ ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أنّ هذا نَقْضٌ للمُدّة والعهد الّذى بينهم وبين رسول الله، ﷺ وخرج عمرو بن سالم الخُزاعى في أربعين راكبًا من خُزاعة فقدموا على رسول الله، ﷺ ، يخبرونه بالّذى أصابهم ويستنصرونه، فقام

стр. 605

وهو يجرّ رِداءَه وهو يقول: لا نُصِرْتُ إن لم أنْصُرْ بنى كعب ممّا أنصر منه نفسى! وقال: إنّ هذا السحاب ليستهلّ بنصر بنى كعب. وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله، ﷺ ، المدينة يسأله أن يجدّد العهد ويزيد في المدّة، فأبَى عليه فقام أبو سفيان فقال: إنّى قد أجَرْتُ بين النّاس، (١) [ولا أظن محمدًا يخفرنى! ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد، ما أظن أن تردّ جوارى!] فقال رسول الله، ﷺ : أنت تقول ذلك يا أبا سفيان! ثمّ انصرف إلى مكّة فتجهّز رسول الله، ﷺ ، وأخفى أمره وأخذ بالأنْقاب (٢) وقال: اللهمّ خُذْ على أبصارهم فلا يرَوْنى إلّا بَغْتَةً! فلمّا أجمع المسيرَ كتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قُريش يُخبرهم بذلك فبعث رسول الله، ﷺ ، عليّ بن أبى طالب والمِقداد بن عمرو فأخذا رسوله وكتابه فجاءا به إلى رسول الله، ﷺ ، وبعث رسول الله، ﷺ ، إلى مَنْ حَوْلَه من العرب فَجُلّهُمْ أسلَمُ وغِفار وَمُزَيْنَة وجُهَينة وأشجَعُ وسُليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم مَن لحقه بالطريق فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف. واستخلف رسول الله، ﷺ ، على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلمّا انتهى إلى الصُّلصُل قدّم أمامه الزُّبيرَ بن العَوّام في مائتين من المسلمين ونادى منادى رسول الله، ﷺ : من أحبّ أن يُفْطِرَ فَلْيُفْطِر ومن أحبّ أن يصومَ فَلْيَصُمْ! ثمّ سار، فلمّا كان بقُديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثمّ نزل مرَّ الظّهْران عِشاءً فأمر أصحابَه فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشًا مَسيرُه وهم مُغتمّون لِما يخافون من غزوِه إيّاهم. فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتحسّب الأخبار وقالوا: إنْ لقِيتَ محمّدًا فخُذْ لنا منه أمَانًا.

стр. 606

فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حِزام وبُديل بن وَرْقَاء، فلمّا رأوا العسكر أفزعهم، وقد استعمل رسول الله، ﷺ ، تلك اللّيلة على الحرس عمرَ بن الخطّاب فسمع العبّاس بن عبد المطّلب صوت أبى سفيان فقال: أبا حنظلة؟ فقال: لبّيك فما وَراءَك؟ فقال هذا رسول الله ﷺ في عشرة آلاف. فأسلِمْ ثكلتك أمّك وعشيرتك! فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله ﷺ . فأسلموا وجعل لأبى سفيان أن من دخل داره فهو آمِنٌ ومن أغلق بابَه فهو آمِنٌ! ثمّ دخل رسول الله، ﷺ ، مكّة في كتيبته الخضراء هو على ناقته القصْواء بين أبي بكر وأسيد بن حُضَير وقد حُبس أبو سفيان فرأى ما لا قِبَلَ له به فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا! فقال العبّاس: ويحك! إنّه ليس بمُلك ولكنها نبوّة! قال: فنَعَمْ. وكانت راية رسول الله، ﷺ ، يومئذ مع سعد بن عُبادة فبلغه عنه في قريش كلامٌ وَتَواعُدٌ لهم. فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد، وأمر رسول الله، ﷺ ، سَعْدَ بن عُبادة أن يدخل من كَداء والزبير من كُدًى (١) وخالد بن الوليد من اللّيط (٢)، ودخل رسول الله، ﷺ ، من أذاخرِ ونهى عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عِكَرمة بن أبي جهل وهبّار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح ومِقْيَس بن صبابة اللّيثي والحُويرث بن نُقيذ وعبد الله بن هلال بن خَطَل الأدْرَمى وهند بنت عُتْبة وسارة مولاة عمرو بن هاشم وفَرْتنا وقَريبة، فقتل منهم ابن خَطَل والحُويرث بن نُقيذ ومِقْيَس بن صبابة، وكلّ الجنود لم يلقوا جَمعًا غير خالد لقيه صَفْوان بن أُميّة وسُهَيْل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل في جمع من قريش بالخَنْدمة (٣)، فمنعوه من الدّخول وشهروا السّلاح ورموا بالنّبل فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين رجلًا من قريش وأربعة نفر من هذيل وانهزموا أقبحَ الانهزام. فلمّا ظهر رسول الله، ﷺ ، على ثنيّة أذاخر رأى البارقة فقال: ألَمْ أَنْهَ عن القتال؟ فقيل: خالد قوتل فقاتل، فقال: قضاءُ الله خيرٌ.

стр. 607

وقُتل من المسلمين رجلان أخطآ الطّريق أحدهما كُرْز بن جابر الفِهْرى و [الآخر] خالد الأشْقر الخُزاعى، وضُربت لرسول الله، ﷺ ، قبّة من أدم بالحَجون فمضى الزّبير بن العوّام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول الله، ﷺ فدخلها فقيل له: ألا تنزل (١) منزلك؟ فقال: وهل ترك عَقِيلٌ لنا منزِلًا؟ ودخل النبيّ، ﷺ ، مكّة عَنوةً فأسلم النّاس طائعين وكارهين، وطاف رسول الله ﷺ ، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنمًا، فجعل كلّما مرّ بصنم منها يُشير إليه بقضيب في يده ويقول: جاءَ الحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إن الْبَاطِلَ كَان زَهُوقًا: فيقع الصّنم لوجهه، وكان أعظمها هُبَل، وهو وِجاهَ الكعبة، ثمّ جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلّى خلفَه ركعتين، ثمّ جلس ناحيةً من المسجد وأرسل بلالًا إلى عثمان بن طلحة أن يأتى بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله، ﷺ ، وفتح الباب ودخل الكعبة فصلّى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضَادتَى الباب والمفتاح معه، وقد لُبط بالنّاس حول الكعبة، فخطب النّاس يومئذ ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بنى أبى طلحة تالدةً خالدةً لا ينزعها منكم أحد إلّا ظالم! ودفع السّقاية إلى العبّاس بن عبد المطّلب وقال: أعطيتُكم ما تَرْزَأكم ولا تَرْزَءونَها! (٢) ثمّ بعث رسول الله، ﷺ ، تَميم بن أسد الخزاعى فجدّد أنصابَ الحَرَم. وحانت الظهر فأذّن بلال فوق ظَهر الكعبة وقال رسول الله، ﷺ : لا تُغْزَى قُريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة! يعني على الكفر. ووقف رسول الله، ﷺ ، بالحَزْوَرَة وقال: إنّك لخيرُ أرض الله وأحبّ أرض الله إليّ، يعني مكّة، ولولا أنّى

стр. 608

أُخرجتُ منك ما خرجت. وبثّ رسولُ الله، ﷺ ، السّرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: العُزّى ومنَاة وسُواع وبُوانة وذو الكفّين. فنادى مناديه بمكّة: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنمًا إلّا كسره. ولمّا كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، ﷺ ، بعد الظهر فقال: إنّ الله قد حَرَّم مكّة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى يوم القيامة ولم تحلّ لي إلّا ساعةً من نهار ثمّ رجعتْ كحرمتها بالأمس فليُبلّغ شاهدُكم غائبَكم، ولا يحلّ لنا من غنائمها شئ. وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله، ﷺ ، خمس عشرة ليلة يصلّى ركعتين، ثمّ خرج إلى حُنين، واستعمل على مكّة عَتّاب بن أسيد يصلّى بهم ومُعاذ بن جَبَل يعلّمهم السّنَن والفقه. وأخبرنا محمّد عُبيد الطّنافسى قال: أخبرنا محمّد بن إسْحاق عن محمّد بن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله، ﷺ في عشر مضين من رمضان عام الفتح من المدينة فصام حتَّى إذا كان بالكَديد أفطر فكانوا يرون أنّه الآخر من أمر رسول الله، ﷺ . أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزُّهْرى عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أنّ عبيد الله بن عبد الله أخبره أنّ ابن عبّاس أخبره أنّ رسول الله. ﷺ ، خرج عام الفتح رمضان فصام حتَّى إذا كان بالكَديد واجتمع النّاس إليه أخذ قَعْبًا فشرب منه ثمّ قال: أيّها النّاس مَن قَبلَ الرّخصة فإن رسول الله، ﷺ ، قد قبلها، ومن صام فإنّ رسول الله، ﷺ ، قد صام: فكانوا يتبعون الأحدثَ فالأحدث من أمره ويرون المُحْكَمَ النّاسخَ.

стр. 609

أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدّثنى ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن ابن عبّاس أنّه أخبره أنّ رسول الله، ﷺ ، خرج عام الفتح في شهر رمضان فصام حتَّى بلغ الكَديد ثمّ أفطر، وكان أصحاب رسول الله، ﷺ ، يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلد أبو عاصم النّبيل عن سعيد بن عبد العزيز التّنُوخى، أخبرنا عَطيّة بن قيس عن قَزَعَة عن أبي سعيد الخُدْرى قال: أذِنَنَا رسول الله، ﷺ ، لليلتين خلتا من شهر رمضان فخرجنا ونَحنُ صُوّام حتَّى إذا بلغنا الكَديد أمرَنا رسول الله، ﷺ ، بالفطر فأصبحنا شَرْجَيْن (١) منّا الصّائم ومنّا المُفْطر حتَّى إذا بلغْنا مَرّ الظّهْران أعْلَمَنا أنّا نَلْقَى العدوّ وأمرَنا بالفطْر. وأخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسي، أخبرنا شعبة وأخبرنا مسلم بن إبراهيم عن هشام الدّستَوائى قالا: أخبرنا قَتادة عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخُدْرى قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، حين فتحنا مكّة لثمانى عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يَعِبْ المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر. أخبرنا هاشم بن القاسم. قال: أخبرنا شعبة عن الحكم عن مِقْسَم عن ابن عبّاس قال: صامَ رسول الله، ﷺ ، يوم فتح مكّة حتَّى أتى قُدَيدًا فأُتى بقَدَح من لبن فأفطر وأمر النّاس أن يفطروا. أخبرنا طَلْق بن غَنّام النّخَعى، أخبرنا عبد الرّحمن بن جريس الجعفرى. حدّثنى حمّاد عن إبراهيم أنّ رسول الله، ﷺ ، افتتح مكّة في عشر من رمضان وهو صائمٌ مسافرٌ مجاهد. أخبرنا يزيد بن هارون عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول الله، ﷺ ، خرج عام الفتح إلى مكّة بثمانية آلاف أو عشرة آلاف وخرج من أهل مكّة بألفين إلى حُنين. أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحَفَرى عن يعقوب القُمّى عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبْزَى قال: دخل النبيّ، ﷺ ، مكّة في عشرة آلاف.

стр. 610

أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه أنّه قال: غزونا مع رسول الله، ﷺ ، عام الفتح ونحن ألف ونيّف، يعني قومه مُزينة، ففتح الله له مكّة وحُنينًا. أخبرنا معن بن عيسى وشبابة بن سوّار وموسى بن داود قالوا: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله، ﷺ ، مكّة عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر ثمّ نزعه، قال معن وموسى بن داود في حديثهما: فجاء رجل فقال: يا رسول الله، ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة! فقال رسول الله، ﷺ : اقتلوه! قال معن في حديثه قال مالك: ولم يكن رسول الله، ﷺ ، يومئذ مُحْرِمًا. أخبرنا إسماعيل بن أبان الورّاق، أخبرنا أبو أويس، حدّثنى الزّهرى أنّ أنس بن مالك حدّثه أنّه رأى رسول الله، ﷺ ، عام الفتح وعلى رأسه المِغفر فلمّا نزعه عن رأسه أتاه رجل فقال: يا رسول الله، هذا ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة! فقال رسول الله، ﷺ : اقتلوه حيث وجدتموه! أخبرنا الفَضْل بن دُكين، أخبرنا سفيان، يعني الثوري، عن ابن جُريج عن رجل عن طاوس قال: لم يدخل رسول الله، ﷺ ، مكّة إلّا مُحْرِمًا إلّا يومَ الفتح دخل بغير إحرام. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شَريك عن عَمّار الدُّهْنى عن أبي الزّبير عن جابر قال: دخل النبيّ، ﷺ ، عام الفتح وعليه عِمامةٌ سوداء. حدّثنا عفّان بن مسلم وكَثير بن هشام قالا: أخبرنا حمّاد بن سَلمة عن أبي الزّبير عن جابر أنّ رسرل الله، ﷺ ، دخل يوم فتح مكّة وعليه عِمامةٌ سوداءُ. أخبرنا عبد الله بن الزّبير الحُميدي، أخبرنا سُفيان بن عُيينة عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، ﷺ ، دخل يوم الفتح من أعلى مكّة وخرج من أسفل مكة. أخبرنا سُويد بن سعِيد قال: أخبرنا حَفْص بن مَيْسَرَة أبو عمر الصّنعانى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، ﷺ ، دخل عام الفتح من كَداء من الثنيّة التي بأعلى مكّة. أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السّكّري، أخبرنا يحيَى بن سُليم

стр. 611

الطائفى عن إسماعيل بن أميّة عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله، ﷺ ، كان يدخل مكّة من الثنيّة العُليا ويخرج من الثنيّة السّفْلى. أخبرنا هشام أبو الوليد الطيّالسى وشبابة بن سَوّار وهاشم بن القاسم (١) وعمرو بن الهَيثَم أبو قَطنَ، قالوا: أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن عُبيد بن عُمير قال: قال رسول الله، ﷺ ، يوم فتح مكّة لأصحابه: إنّ هذا يوم قتال فأفْطرُوا. قال شبابة: قال شعبة لم يسمع عمرو بن دينار من عُبيد بن عُمير إلّا ثلاثة أحاديث. أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العجْلى قال: أخبرنا محمّد بن عمرو عن أبي سَلمة ويحيَى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا: لمّا كان يوم فتح رسول الله، ﷺ ، مكّة كان عبد الله بن أمّ مكتوم بين يديه وبين الصّفا والمرْوة وهو يقول: يَا حَبّذَا مَكّةُ منْ وَادى … أرْضٌ بها أهْلى وعُوّادى أرضٌ بهَا أمشى بلا هَادى … أرْضٌ بهَا تَرْسَخُ أوْتَادى أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب: أنّ رسول الله، ﷺ ، أمر بقتل ابن أبي سَرْح يوم الفتح وفَرْتَنا وابن الزّبَعْرَى وابن خَطَل، فأتاه أبو بَرْزَة وهو متعلّق بأستار الكعبة فبقر بطنه، وكان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سَرْح أن يقتله، فجاء عثمان وكان أخاه من الرّضاعة فشفع له إلى النبيّ، ﷺ ، وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينظر النبيّ متى يومئُ إليه أن يقتله، فشفع له عثمان حتى تركه: ثمّ قال رسول الله، ﷺ ، للأنصارى: هلّا وفيتَ بنذرك؟ فقال: يا رسول الله، وضعت يدى على قائم السيف أنتظر متى تومئ فأقتله! فقال النبيّ، ﷺ : الإيماء خيانةٌ! ليس لنبيّ أن يومئ. أخبرنا أحْمد بن الحَجّاجُ الخُراساني، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا مَعْمَر عن الزهريّ عن بعض آل عمر بن الخطّاب قال: لمّا كان يوم الفتح ورسول الله ﷺ ، بمكّة أرسل إلى صَفْوان بن أُميّة بن خَلفَ وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام قال عمر: قلت قد أمكن الله منهم أعْرَفَهم بما صنعوا حتى قال النبيّ، ﷺ ، مثلى ومثلكم كما قال يوسف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ

стр. 612

الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف: ٩٢]. قال عمر: فانفضحتُ حَياءً من رسول الله، ﷺ ، كراهيةً لما كان منّى، وقد قال لهم رسول الله، ﷺ ، ما قال. أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنْعانى، حدّثنى إبراهيم بن عَقيل بن مَعْقل عن أبيه عن وهْب عن جابر: أنّ النبيّ، ﷺ ، أمر عمر بن الخطّاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتى الكَعبةَ فَيَمْحُوَ كلّ صورةٍ فيها، ولم يدخلها النبيّ، ﷺ ، حتى مُحيَت كل صورة فيها. أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عَبّاس عن الفَضْل: أنّ النبيّ، ﷺ ، دخل البيت فكان يسبّح ويكبّر ويدعو ولا يركع. أخبرنا خالد بن مخلد البَجَلي: أخبرنا سليمان بن بلال، حدّثنى عبد الرّحمن بن الحارث بن عَيَّاش عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه قال: جلس النبيّ، ﷺ ، عام الفتح على درج الكعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال فيما تكلّم به: لا هجرة بعد الفتح. أخبرنا موسى بن داود حدثنا ابن لَهيعة (١) عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان يومَ الفتح بمكة دخانٌ، وهو قول الله ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. [سورة الدخان: ١٠] أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسي، أخبرنا شعبة عن أبي إياس قال: سمعت عبد الله بن المغفّل قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، يوم فتح مكّة على ناقته وهو يسير ويقرأ سورة الفتح ويرجّع ويقول: لولا أن يجتمع النّاس حولى لرجّعت كما رجّع. أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو معشر عن العبّاس بن عبد الله بن مَعْبَد قال: قال رسول الله، ﷺ ، الغَدَ من يوم الفتح: أذْهبوا عنكم عُبّيّة الجاهليّة وفَخْرَها بآبائها، النّاس كلّهم بنو آدم وآدم من تراب! أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانيّ، أخبرنا إبراهيم بن عَقيل بن مَعقل

стр. 613

عن أبيه عن وهب بن مُنبّه، قال: سألت جابر بن عبد الله هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا. أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن عليّ بن زيد بن جُدْعان عن أبي نضْرَة عن عمران بن حُصين قال: شهدت مع النبيّ، ﷺ ، الفتح فأقام بمكّة ثمانى عشرة ليلة لا يصلّى إلّا ركعتين. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سُفيان عن يحيَى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، يَقْصُر حتَّى أتى مكّة وأقمنا بها عشرًا يقصر حتى رجع. أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: أقام رسول الله، ﷺ عام الفتح بمكّة خمس عشرة ليلةً يقصر الصلاة حتى سار إلى حُنين. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا المسعودى عن الحَكَم: أنّ رسول الله، ﷺ ، خرج في رمضان من المدينة لستّ مَضَين فسار سبعًا يصلّى ركعتين حتى قدم مكّة فأقام بها نصف شهر يقصر الصّلاة، ثمّ خرج لليلتين بقيتا من شهر رمضان إلى حُنين. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شَريك عن عبد الرحمن بن الأصبهانى عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أقام النبيّ، ﷺ ، بمكّة بعد الفتح سبعة عشر يومًا يصلّى ركعتين. أخبرنا محمّد بن حرب المكّي، أخبرنا بكر بن مُضر عن جعفر بن ربيعة عن عِراك بن مالك: أنّ النبيّ، ﷺ ، صلّى بمكّة عام الفتح خمس عشرة ليلةً يصلّى ركعتين ركعتين. أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي نَضْرة عن عِمْران بن حصين قال: أقام رسول الله، ﷺ ، زمن الفتح بمكّة ثمانى عشرة يصلّى ركعتين ركعتين. أخبرنا عفّان بن مسلّم، أخبرنا وُهيب، أخبرنا عُمارة بن غَزيّة، أخبرنا الرّبيع بن سَبْرَة الجُهَنى عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، عام الفتح فأقام خمس عشرة من بين يوم وليلة. أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا الفُرات بن سليمان عن عبد الكريم بن مالك

стр. 614

الجَزَرى عن مُجاهد عن مولاةٍ لأمّ هانئٍ: أنّ رسول الله، ﷺ ، حين فتح مكة دعَا بإنَاءٍ فاغتسل ثمّ صلّى أربع ركعات. أخبرنا يحيَى بن عبّاد، أخبرنا فُليح بن سليمان: سمعت سعيد بن أبي سعيد المقبُرى قال: أخبرني أبو مرّة مولى أمّ هانئ أنّ أمّ هانئ أخبرته أنّها دخلت منزل رسول الله، ﷺ ، يوم الفتح تُكلّمه في رجل تستأمن له قالت: فدخل رسول الله، ﷺ ، وقد وقع الغبار على رأسه ولحيته فَسُتِرَ بثوب فاغتسل، ثمّ خالف بين طَرَفَيْ ثوبه فصلّى الضّحى ثمانى ركعات. أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدّثنى يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن أبي هند أنّ أبا مُرّة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنّ أمّ هانئ بنت أبي طالب حدّثته أنّ رسول الله، ﷺ ، لمّا (١) كان عام الفتح فرّ إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما، فدخل عليّ عليها فقال: لأقتلنّهما! قالت: فلمّا سمعته يقول ذلك أتيت رسول الله، ﷺ ، وهو بأعلى مكّة، فلمّا رآنى رسول الله، ﷺ ، رحّب بي وقال: ما جاء بِكِ يا أمّ هانئ؟ قلت: يا نبيّ الله رجلين من أحمائى فأراد عليّ قتلهما، فقال رسول الله، ﷺ : قد أجرنا من أجرْتِ! ثم قام رسول الله، ﷺ إلى غسله فَسَتَرَته فاطمة بثوب ثم أخذ ثوبه فالتحفَ به ثم صلّى ثمانى ركعات سُبْحَةَ الضُّحى. أخبرنا أبو بكر بن محمّد بن أبي مُرّة المكّى، حدّثنى سعيد بن سالم المكّى عن رجل قد سمّاه قال: استعمل رسول الله، ﷺ ، على سوق مكّة حين افتتحها سَعيدَ بن سعيد بن العاص بن أميّة، فلمّا أراد النبيّ، ﷺ ، أن يخرج إلى الطائف خرج معه سعيد بن سعيد فاستُشهد بالطائف. أخبرنا أبو بكر بن محمّد بن أبي مُرّة، حدثني مُسلم بن خالد الزّنجى عن ابن

стр. 615

جُريج قال: لمّا خرج النبيّ، ﷺ ، إلى الطائف في عام الفتح استخلف على مكّة هُبَيرة بن شبْل بن العَجْلان الثّقَفى، فلمّا رجع من الطائف وأراد الخروج إلى المدينة استعمل عَتّاب بن أسيد على مكّة وعلى الحجّ سنةَ ثمان. أخبرنا محمّد بن عُبيد، حدّثنى زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر قال: قال الحارث بن مالك بن بَرْصاء: سمعتُ النبيّ، ﷺ ، يوم الفتح يقول: لا تُغْزَى بعدها إلى يوم القيامة. * * * سريّة خالد بن الوليد إلى العُزّى (١) ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى العُزّى لخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، حين فتح مكّة خالد بن الوليد إلى العُزّى ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارسًا من أصحابه حتَّى انتهوا إليها فهدمها ثمّ رجع إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره فقال: هل رأيتَ شيئًا؟ قال: لا! قال: فإنّك لم تهدمها فارجعْ إليها فاهدمها: فرجع خالد وهو متغيّظ فجرّد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأسِ، فجعل السادن يصيح بها، فضربَها خالد فَجَزَلَها باثنين ورجع إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره فقال: نعمْ تلك العُزّى وقد يئستْ أن تُعْبَد ببلادكم أبدًا! وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظم أصنامهم وكان سَدَنَتها بنو شَيبان من بني سُلَيم. * * * سريّة عَمرو بن العاص إلى سُواع (٢) ثمّ سريّة عمرو بن العاص إلى سُواع في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث النبيّ، ﷺ ، حين فتح مكّة عمرو بن العاص إلى سُواع، صنم

стр. 616

هُذيل، ليهدمه. قال عمرو: فانتهيتُ إليه وعنده السادِن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرنى رسول الله، ﷺ ، أن أهدمه. قال: لا تَقدر على ذلك. قلتُ: لِمَ؟ قال: تُمْنَع! قلت: حتَّى الآن أنت في الباطل! وَيْحَك وهل يَسْمع أو يُبْصر! قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابى فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئًا، ثمّ قلت للسادن: كيف رأيتَ؟ قال: أسلمتُ لله. * * * سريّة سعد بن زيد الأشْهَلى إلى مَناة (١) ثمّ سريّة سعد بن زيد الأشهلى إلى مَناة في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، حين فتح مكّة سعد بن زَيد الأشهلى إلى مَناة، وكانت بالمشُلّل للأوس والخزرج وغسّان. فلمّا كان يوم الفتح بعث رسول الله، ﷺ ، سعد بن زَيد الأشهلى يهدمها فخرج في عشرين فارسًا حتَّى انتهى إليها وعليها سادن. فقال السادن: ما تريد؟ قال: هَدْمَ مَناةَ! قال: أنت وذاك! فأقبلَ سعد يمشى إليها وتخرج إليه امرأة عُريانة سوداء تائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال السادن: مَناة دونَك بَعْضَ غَضَباتك! ويضربها سعد بن زيد الأشهلى وقتلها ويُقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئًا وانصرف راجعًا إلى رسول الله، ﷺ ، وكان ذلك لستّ بقين من شهر رمضان. * * * سريّة خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمَة من كنانة (٢) ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى بني جَذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل مكّة على ليلة ناحيةَ يَلَمْلَم في شوّال سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، وهو يوم الغُمَيصاء. قالوا: لمّا رجع خالد بن الوليد من هَدْم العُزّى ورسول الله، ﷺ ، مقيم بمكّة

стр. 617

بعثه إلى بني جَذيمة داعيًا إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلًا، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار وبنى سُليم، فانتهى إليهم خالد فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلّينا وصدّقنا بمحمّد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذّنّا فيها! قال: فما بالُ السلاح عليكم؟ فقالوا: إنّ بيننا وبين قوم من العرب عداوةً فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح! قال: فضَعُوا السلاحَ! قال: فوضعوه، فقال لهم: استأسروا، فاستأسر القوم، فأمر بعضَهم فكتف بعضًا وفرّقهم في أصحابه، فلمّا كان في السّحَر نادى خالد: من كان معه أسيرٌ فَلْيُدفّه! والمُدافّة الإجْهاز عليه بالسيف، فأمّا بنو سُليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأمّا المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبيَّ، ﷺ ، ما صنع خالد فقال: اللهمّ إنّى أبرأ إليك ممّا صنع خالد! وبعث عليّ بن أبي طالب فوَدَى لهم قَتْلاهم وما ذهب منهم ثمّ انصرف إلى رسول الله فأخبره. أخبرنا العبّاس بن الفضل الأزرق البصرى، أخبرنا خالد بن يزيد الجَوْني، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن ابن أبي حَدْرَد عن أبيه قال: كنت في الخيل التي أغارت مع خالد بن الوليد علي بني جَذيمة يوم الغُميصاء، فلحقنا رجلًا منهم معه نسوةٌ فجعل يقاتلنا عنهنّ ويقول (١): رَخِّينَ أذْيالَ الحِقَاء وارْبَعَنْ … مَشْىَ حُيَيّاتٍ كَأنْ لَمْ تُفْزَعَنْ إنْ يمنَعِ القَوْمَ ثَلاثٌ تُمنَعَنْ قال: فقاتل ثلاثًا عنهنّ حتَّى أصعدهنّ الجبل. قال: إذ لحقنا آخَرَ معه نسوة قال فجعل يقاتل عنهنّ ويقول (٢): قَدْ عَلمَتْ بَيْضاءُ حَمْراء الإطِلْ … يَحُوزُها ذُو ثَلّةٍ وَذُو إبِلْ لأُغْنِيَنَّ اليَوْمَ مما أغْنَى رَجُلْ فقاتل عنهنّ حتَّى أصعدهنّ الجبل. قال: إذ لحقنا آخَرَ معه نسوة فجعل يقاتل عنهنّ ويقول:

стр. 618

قَدْ عَلمَتْ بَيْضاءُ تُلْهى العِرْسَا … لا تملأ اللجين منْهَا نَهْسَا لأضْرِبَنّ اليَوْمَ ضَرْبًا وَعْسَا … ضَرْبَ المُذِيدِينَ المخَاضَ القُعْسا فقاتل عنهنّ حتَّى أصعدهنّ الجبل فقال خالد: لا تتبعوهم. أخبرنا العباس بن الفضل، أخبرنا سفيان بن عُيينة، حدّثنى عبد الملك بن نَوْفَل بن مُساحق القرشى عن عبد الله بن عصام المُزَنى عن أبيه قال: بعثَنا رسول الله، ﷺ ، يوم بطن نخلة فقال: اقتلوا ما لم تسمعوا مؤذّنًا أو تَروا مسجدًا، إذ لحقنا رجلًا فقلنا له: كافرٌ أو مسلم؟ فقال: إن كنتُ كافرًا فَمَهْ! قلنا له: إن كنت كافرًا قتلناك! قال: دَعُونى أقضِ إلى النسوان حاجةً! قال: إذ دنا إلى امرأة منهنّ فقال لها: اسلَمى حُبَيْش عَلى نَفَد العيش! أرَيْتَكِ (١) إذْ طالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكم … بحَلْيَةَ أوْ أدْرَكْتُكُمْ بالخَوانقِ أما كانَ أهْلًا أنْ يُنَوَّلَ عاشقٌ … تَكَلّفَ إدْلاجَ السُّرَى والوَدائقِ؟ فَلا ذَنْبَ لي قَدْ قُلتُ إذْ نحنُ جيرَةٌ … أَثِيبى بِوُدٍّ قَبْلَ إحْدى الصّفائقِ! أَثِيبى بوُدٍّ قَبلَ أن تَشحَطَ النّوَى، … وَيَنْأى أميرى بالحبيبِ المُفارِقِ فقالت: نعم حُيّيتَ عشرًا وسبعًا وِتْرا وثمانيًا تَتْرَى! قال: فقربناه فضربنا عنقه: قال: فجاءت فجعلت ترشفه حتى ماتت عليه! وقال سفيان: وإذا امرأة كثيرة النّحض، يعني اللحم. * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، إلى حُنين (٢) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، إلى حُنين وهي غزوة هَوازن فى شوّال سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله ﷺ ، وحُنين وادٍ بينه وبين مكّة ثلاث ليال. قالوا: لمّا فتح رسول الله، ﷺ ، مكّة مشت أشراف هَوازن وثقيف بعضها إلى بعض وحَشدوا وبَغوا، وجمع أمرَهم مالك بن عوف النّصرى، وهو يومئذ ابن

стр. 619

ثلاثين سنة، وأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوْطاس (١)، وجعلت الأمداد تأتيهم فأجمعوا المسير إلى رسول الله، ﷺ ، فخرج إليهم رسول الله، ﷺ ، من مكّة يوم السبت لستّ ليال خلون من شوّال في اثنى عشر ألفًا من المسلمين: عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكّة. فقال أبو بكر: لا نُغْلَب اليومَ من قِلَّةٍ! وخرج مع رسول الله، ﷺ ، ناسٌ من المشركين كثير، منهم صَفْوان بن أميّة، وكان رسول الله، ﷺ ، استعار منه مائةَ درع بأداتها، فانتهى إلى حُنين مَساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوّال، فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب رسول الله، ﷺ ، فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالهم من الرّعب. ووجّه رسول الله، ﷺ ، عبدَ الله بن أبي حَدْرَد الأسْلَمى فدخل عسكرَهم فطاف به وجاء بخبرهم، فلمّا كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبّأهم في وادى حنين فأوعز إليهم أن يحملوا على محمّد وأصحابه حملةً واحدةً، وعبّأ رسول الله، ﷺ ، أصحابَه في السّحَر وصفّهم صفوفًا ووضع الألوية والرايات في أهلها، مع المهاجرين لواء يحمله عليّ بن أبي طالب وراية يحملها سعد بن أبي وقّاص وراية يحملها عمر بن الخطّاب، ولواء الخزرج يحمله حُباب بن المنذر، ويقال لواء الخزرح الآخر مع سعد بن عُبادة ولواء الأوس مع أسيد بن حُضير، وفى كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية يحملها رجل منهم مُسَمّى، وقبائل العرب فيهم الألوية والرايات يحملها قومٌ منهم مسمّون. وكان رسول الله، ﷺ ، قد قدّم سُليمًا من يوم خرج من مكّة واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدّمته حتى ورد الجعرانةَ، وانحدر رسول الله، ﷺ ، في وادى الحُنين على تعبئة وركب بغلتَه البيضاء دُلْدُل ولبس دِرْعَين والمغفر والبيضة، فاستقبلهم من هَوازن شئ لم يَروا مثله قط من السّواد والكثرة، وذلك في غَبَش الصُّبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادى وشعبه فحملوا حملةً واحدةً وانكشفت الخيل خيل بني سُليم مولّيةً وتبعهم أهل مكّة وتبعهم النّاس

стр. 620

منهزمين، فجعل رسول الله، ﷺ ، يقول: يا أنصارَ الله وأنصارَ رسوله أنا عبد الله ورسوله! ورجع رسول الله، ﷺ إلى العسكر وثَابَ إليه مَن انهزم وثبت معه يومئذ العبّاس بن عبد المطّلب وعليّ بن أبي طالب والفضل بن عبّاس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد في أُناس من أهل بيته وأصحابه، وجعل يقول للعبّاس: نادِ يا معشر الأنصار يا أصحاب السّمُرة (١) يا أصحاب سُورة البَقَرة! فنادى، وكان صَيّتًا، فأقبلوا كأنّهم الإبل إذا حنّت على أولادها يقولون: يا لَبّيْك يا لَبّيْك! فحملوا على المشركين فَأَشْرَفَ رسول الله، ﷺ ، فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حَمىَ الوَطيسُ! أنَا النّبى لا كَذِبْ … أنَا ابنُ عَبْد المُطّلبْ (٢) ثمّ قال للعبّاس بن عبد المطّلب: ناوِلْنى حَصَياتٍ، فناولتُه حصيات من الأرض ثمّ قال: شاهَتِ الوجوه! ورمى بها وجوه المشركين وقال: انهزموا وربّ الكعبة! وقذَف الله في قلوبهم الرُّعب، وانهزموا لا يلوى أحد منهم على أحد، فأمر رسول الله، ﷺ ، أن يُقْتَل مَن قُدِرَ عليه، فحَنقَ المسلمون عليهم يقتلونهم حتى قتلوا الذّرّيّة، فبلَغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فنهَى عن قتل الذّرّيّة، وكان سيماءَ الملائكة، يومَ حُنين، عَمائمُ حُمْرٌ قد أرخوها بين أكتافهم. وقال رسول الله، ﷺ : مَن قَتل قتيلًا له عليه بيّنةٌ فله سَلَبُه. وأمر رسول الله، ﷺ ، بطلب العدوّ فانتهى بعضهم إلى الطائف وبعضهم نحو نخلة وتوجّه قوم منهم إلى أوْطاس، فَعَقَد رسول الله، ﷺ ، لأبى عامر الأشعرى لواءً ووجّهه في طلبهم. وكان معه سَلمة بن الأكْوَع، فانتهى إلى عسكرهم فإذا هم ممتنعون فقتل منهم أبو عامر تسعةً مُبارَزَةً ثمّ بَرَزَ له العاشر مُعْلمًا بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله، واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعرى فقاتَلهم حتى فتح الله عليه وقتل قاتل أبي عامر، فقال رسول الله، ﷺ : اللَّهُمَّ اغفر لأبى عامر واجْعله من أعْلَى أُمّتى في الجنّة! ودَعَا لأبى موسى أيضًا. وقُتِلَ من المسلمين أيضًا أيْمنَ بن عُبيد بن زَيد الخزرجى. وهو ابن أمّ أيمن أخو

стр. 621

أُسامة بن زيد لأمّه، وسُراقة بن الحارث ورُقيم بن ثعلبة بن زيد بن لَوْذان، واستحرّ القتال في بني نَصْر بن معاوية ثمّ فى بني رِباب فقال عبد الله بن قيس وكان مسلمًا: هلكت بنو رباب! وقال رسول الله، ﷺ : اللَّهُمَّ اجبرْ مصيبتهم! ووقف مالك بن عوف على ثنيّة من الثنايا حتى مضى ضُعفاء أصحابه وتتامّ آخرهم ثمّ هرب فتحصّن في قصر بلِيّة، ويقال دخل حصن ثقيف، وأمر رسول الله، ﷺ ، بالسبى والغنائم تُجْمَع، فجُمع ذلك كلّه وحدروه إلى الجِعرانة فوُقف بها إلى أن انصرف رسول الله، ﷺ ، من الطائف وهم في حظائرهم يستظلّون بها من الشمس، وكان السَّبى ستّة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقيّة فضّة، فاستأنى رسول الله، ﷺ بالسَّبى أن يقدم عليه وفْدُهم وبدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلّفةَ قلوبهم أوّلَ النّاس فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقيّة ومائة من الإبل: قال: ابنى يزيد: قال: أعطوه أربعين أوقيّة ومائة من الإبل: قال: ابنى معاوية: قال: أعطوه أربعين أوقيّة ومائة من الإبل. وأعطى حَكيم بن حزام مائة من الإبل ثمّ سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، وأعطى النضر بن الحارث بن كَلَدة مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثّقَفى مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفى خمسين بعيرًا، وأعطى مَخْرَمة بن نَوْفل خمسين بعيرًا وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى صَفْوانَ بن أميّة مائة من الإبل، وأعطى قيس بن عديّ مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وَهْب خمسين من الإبل، وأعطى سُهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حُوَيْطب بن عبد العُزّى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو العامرى خمسين من الإبل، وأعطى الأقْرَع بن حابس التّميمى مائة من الإبل، وأعطى عُيينة بن حصْن مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى العبّاس بن مرْداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعرًا فأعطاه مائة من الإبل، ويقال خمسين، وأعطى ذلك كله من الخُمس وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثمّ أمر زيد بن ثابت بإحصاء النّاس والغنائم ثمّ فضّها على النّاس فكانت سهامهم لكلّ رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، فإن كان فارسًا أخذ اثنى عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فَرس لم يسهم له. وقدم وَفْدُ هوازن على النّبيّ، ﷺ ، وهم أربعة عشر رجلًا ورأسهم زهير بن

стр. 622

صُرَد، وفيهم أبو بُرْقان عمّ رسول الله، ﷺ ، من الرضاعة فسألوه أن يَمُنّ عليهم بالسّبى فقال: أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟ قالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئًا. فقال: أمّا ما لي ولبنى عبد المطّلب فهو لكم وسأسألُ لكم النّاس: فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله، ﷺ : فقال الأقرع بن حابس: أمّا أنا وبنو تَميم فلا! وقال عُيينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فَزارة فلا! وقال العبّاس بن مرْداس: أمّا أنا وبنو سُليم فلا! وقالت بنو سُليم: ما كان لنا فهو لرسول الله، ﷺ ، فقال العبّاس بن مرْداس: وهَّنتمونى! وقال رسول الله، ﷺ ، إنّ هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بسبيهم وقد خيّرْتُهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئًا، فمن كان عنده منهما شئ فطابت نفسه أن يردّه فسبيل ذلك، ومن أبَى فليردّ عليهم وليكن ذلك قَرْضًا علينا ستّ فرائض من أوّل ما يُفئ الله علينا. قالوا: رضينا وسلّمنا، فردّوا عليهم نساءَهم وأبناءَهم ولم يختلف منهم أحدٌ غير عُيينة بن حصن، فإنّه أبَى أن يردّ عجوزًا صارت في يده منهم ثمّ ردّها بعد ذلك. وكان رسول الله، ﷺ قد كسا السّبىَ قُبْطيّةً قبطيّة (١). قالوا: فلمّا رأت الأنصار ما أعطى رسول الله، ﷺ ، في قريش والعرب تكلّموا في ذلك فقال رسول الله، ﷺ : يا معشر الأنصار أما تَرضون أن يرجع النّاس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رِحَالكم؟ قالوا: رضينا يا رسول الله بك حَظًّا وقسْمًا! فقال رسول الله، ﷺ : اللَّهُمَّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار! وانصرف رسول الله، ﷺ ، وتفرّقوا. وكان رسول الله، ﷺ ، انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليالٍ خَلَون من ذى القعدة فأقام بها ثلاث عشر ليلة، فلمّا أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ليلًا، فأحرم بعُمرة ودخل مكّة فطاف وسعى وحلق رأسه ورجع إلى الجعرانة من ليلته كبائتٍ، ثمّ غَدَا يوم الخميس فانصرف إلى المدينة

стр. 623

فسلك في وادى الجعرانة حتى خرج على سَرِف ثمّ أخذ الطريق إلى مَرّ الظّهْران ثمّ إلى المدينة، ﷺ . أخبرنا الضحّاك بن مَخْلَد الشيبانى أبو عاصم النّبيل قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يَعْلَى بن كعب الثّقفى وأخبرنى عبد الله بن عبّاس عن أبيه: أنّ رسول الله، ﷺ ، أتى هوازن في اثنا عشر ألفًا، فقتل منهم مثل ما قتَل من قريش يوم بدر وأخذ رسول الله ﷺ ، ترابًا من البطحاء فرمى به وجوهنا فانهزمنا. أخبرنا محمّد بن حميد العَبْدى عن معمر عن الزهريّ عن كثير بن عبّاس بن عبد المطّلب عن أبيه قال: لمّا كان يوم حُنين التقى المسلمون والمشركون فولّى المسلمون يومئذ، فلقد رأيتُ رسول الله وما معه أحدٌ إلّا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب أخذ بغَرْز النبيّ، ﷺ ، والنبيّ ما يألو ما أسرع نحو المشركين، قال: فأتيته حتى أخذت بلجامه وهو على بَغْلَة له شَهْباء فقال: يا عبّاس نادِ يا أصحاب السّمُرة! قال: وكنت رجلًا صَيّتًا فناديتُ بصوتى الأعلى أين أصحاب السّمُرة؟ فأقبلوا كأنّهم الإبل إذا حَنَّت إلى أولادها: يا لبّيك، يا لبّيك، يا لبّيك! وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون. ونادت الأنصار: يا معشر الأنصار! مرّتين، ثمّ قصرت الدعوى فى بني الحارث بن الخزرج فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبيّ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمى الوطيس، ثمّ أخذ بيده من الحَصَى فرماهم بها ثمّ قال: انهزموا وربّ الكعبة! قال: فوالله ما زال أمرهم مُدْبِرًا وحَدّهم كَليلًا حتى هَزمهم الله فكأنّى أنظر إلى النبي، ﷺ ، يركض خلفهم على بغلة له. قال الزهريّ: وأخبرنى ابن المسيب أنّهم أصابوا يومئذ ستّة آلاف من السَّبى فجاءوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا نبيّ الله أنت خير النّاس وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا! فقال: إن عندي مَن تَرَون وإن خير القولِ أصدقُه فاختاروا منى إمّا ذَرَارِيّكم ونساءكم وإمّا أموالكم: قالوا: ما كنّا لنعدل بالأحساب شيئًا. فقام النبيّ، ﷺ ، خطيبًا فقال: إنّ هؤلاء قد جاءوا مسلمين وإنّا قد خيّرناهم بين، الذّرَارى والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا فمن كان عنده منهم شئ فطابت نفسه أن يردّه فسبيل ذلك، ومن لا فليُعطنا وَلْيَكنْ قرْضًا علينا حتَّى نُصيب شيئًا

стр. 624

فنعطيه مكانه: قالوا: يا نبيّ الله قد رضينا وسلّمنا: قال: إنّى لا أدرى لعلّ فيكم مَن لا يرضى فمروا عُرفاءكم يرفعون ذلك إلينا: فرفعت إليه العُرَفاء أن قد رضوا وسلّموا. أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا يَعْلى بن عطاء عن أبي همّام عن أبي عبد الرحمن الفهرى قال: كنّا مع رسول الله، ﷺ ، في غزوة حُنين فسرنا في يوم قائظ شديدِ الحرّ فنزلنا تحت ظِلال الشجر، فلمّا زالت الشمس لبستُ لأمتى وركبت فرسى فانطلقتُ إلى رسول الله، ﷺ ، وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله! حان الرّواح؟ فقال: أجَلْ، ثمّ قال: يا بلال! فثار من تحت سَمُرة كأنّ ظلّه ظلّ طائر فقال: لبّيك وسَعْدَيْك وأنا فداؤك! قال: أسْرِجْ لي فرسى، فأخرج سرجًا دفّتاهُ من لِيف ليس فيهما أشَر ولا بَطَر. قال: فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيّتنا وليلتنا فتشامّت الخيلان فولّى المسلمون مدبرين كما قال الله، فقال رسول الله، ﷺ ، يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثمّ قال: يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله، قال: ثمّ اقتحم رسول الله، ﷺ ، عن فرسه فأخذ كفًّا من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه منّى أنّه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه! فهزمهم الله. قال يَعْلى بن عطاء: فحدّثنى أبناؤهم عن آبائهم أنّهم قالوا: لم يبقَ منّا أحدٌ إلّا امتلأت عيناه وفُوه ترابًا، وسمعنا صَلْصَلة بين السماء والأرض كإمرار الحَديد على الطّست الجديد. أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكِلابى قال: أخبرنا همّام، أخبرنا قتادة عن الحسن عن سَمُرة: أنّ يوم حُنين كان يومًا مطيرًا، قال: فأمر رسول الله، ﷺ ، مناديًا فنادى: إنّ الصلاة في الرحال. أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا همّام، أخبرنا قَتادة وأخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شعبة قال قتادة أخبرني عن أبي المَليح عن أبيه قال: أصابنا مطرٌ بحُنين فأمر رسول الله، ﷺ ، مناديه فنادى: إنّ الصلاة في الرحال. وأخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرني عبد الرحمن المسعودى عن القاسم عن عبد الله بن مسعود قالوا: نودى في النّاس يوم حُنين يا أصحاب سورة البقرة! فأقبلوا بسيوفهم كأنّها الشُّهُب فهزم الله المشركين.

стр. 625

سريّة الطُّفيل بن عَمرو الدَّوْسى إلى ذى الكَفَّين (١) ثمّ سريّة الطفيل بن عمرو الدَّوْسى إلى ذى الكَفّين: صنم عمرو بن حُمَمَة الدّوْسى في شوّال سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: لمّا أراد رسول الله، ﷺ ، السير إلى الطائف بعث الطّفيل بن عمرو إلى ذى الكَفّين، صنم عمرو بن حُمَمة الدّوْسى، يهدمه وأمره أن يستمدّ قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعًا إلى قومه فهدم ذا الكَفينّ وجعل يحشّ النار في وجهه ويحرقه ويقول: يَا ذَا الكَفَيْنِ لَسْتُ من عُبّادِكا … ميلادُنَا أقْدمُ منْ ميلادِكَا إنِّي حَشَشْتُ النّارَ في فُؤادِكَا قال: وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعًا فوافوا النّبيّ، ﷺ ، بالطائف بعد مَقْدَمه بأربعة أيّام، وقدم بدَبّابة ومَنْجَنيق وقال: يا معشر الأزد مَن يحمل رايتكم؟ فقال الطفيل: مَن كان يحملها في الجاهليّة النعمان بن بازية اللِّهْبى: قال: أصبتم. * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، الطائف (٢) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، الطائف في شوّال سنة ثمان من مُهاجَره. قالوا: خرج رسول الله، ﷺ ، من حُنين يريد الطائف وقدّم خالد بن الوليد على مقدّمته، وقد كانت ثقيف رَمّوا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، فلمّا انهزموا من أوْطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيَّئُوا للقتال، وسار رسول الله، ﷺ ، فنزل قريبًا من حصن الطائف وعَسْكَر هناك فرموا المسلمين بالنبل رَمْيًا شديدًا كأنّه رِجل جَراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقُتل منهم اثنا عشر رجلًا، فيهم عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة وسعيد بن العاص، ورُمى

стр. 626

عبد الله بن أبي بكر الصدّيق يومئذ فاندمل الجرح ثمّ انتقض به بعد ذلك فمات منه فارتفع رسول الله، ﷺ ، إلى موضع مسجد الطائف اليومَ وكان معه من نسائه أمّ سلمة وزينب، فضرب لهما قبّتين، وكان يصلّى بين القبّتين حصارَ الطائف كلّه فحاصرهم ثمانية عشر يومًا، ونصب عليهم المنجنيق ونثر الحَسَك سقبَين من عيدان حول الحصن، فرمتهم ثقيف بالنبل فقُتل منهم رجال، فأمر رسول الله، ﷺ ، بقطع أعنابهم وتحريقها فقطع المسلمون قَطْعًا ذريعًا ثمّ سألوه أن يَدَعَها لله وللرّحِم، فقال رسول الله، ﷺ : فإنّي أدَعُها لله وللرّحِم! ونادى منادى رسول الله، ﷺ : أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حُرّ! فخرج منهم بضعة عشر رجلًا منهم أبو بَكْرةَ نزل في بَكْرة فقيل أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله، ﷺ ، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يَمُونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقّة شديدة ولم يؤذن لرسول الله، ﷺ ، في فتح الطائف. واستشار رسول الله، ﷺ ، نَوْفَل بن مُعاويه الدِّيلي فقال: ما ترى؟ فقال: ثعلبٌ في جُحْر إن أقمتَ عليه أخذتَه وإن تركته لم يضرّك! فأمرَ رسول الله، ﷺ ، عمر بن الخطّاب فأذّن في النّاس بالرحيل فضجّ النّاس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يُفْتَح علينا الطائف؟ فقال رسول الله، ﷺ : فاغدوا على القتال: فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله، ﷺ : إنّا قافلون إن شاء الله: فسُرّوا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله، ﷺ ، يضحك. وقال لهم رسول الله، ﷺ : قُولوا لا إله إلّا الله وَحْدَه صَدَقَ وعْدَه ونَصَر عَبْده وهزَم الأحزابَ وحده. فلمّا ارتحلوا واستقلّوا قال: قولوا آئبون تَائبونَ عابدون لربنا حامدون! وقيل: يا رسول الله ادعُ الله على ثقيف، فقال: اللَّهُمَّ اهدِ ثقيفًا وأتِ بهم. أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا أبو الأشهب، أخبرنا الحسن قال: حاصرَ رسول الله، ﷺ ، أهل الطائف قال فرُمى رجل من فوق سورها فقُتل، فأتى عمر فقال: يا نبيّ الله ادع على ثقيف! قال: إنّ الله لم يأذن في ثقيف، قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم؟ قال: فارتحلوا، فارتحلوا. أخبرنا قَبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن مَكْحُول: أنّ النّبيّ، ﷺ ، نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا.

стр. 627

أخبرنا نَصْر بن باب عن الحجّاج -يعني ابن أرْطَاة- عن الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله، ﷺ ، يوم الطائف: مَن خرج إلينا من العبيد فهو حرّ! فخرج عَبِيدٌ من عبيدهم فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله، ﷺ . ثمّ بعث رسول الله، ﷺ ، المصدّقين. (١) قالوا: لمّا رأى رسول الله، ﷺ ، هلال المحرّم سنة تسع من مُهاجَره بعث المصدّقين يصدّقون العرب فبعث عُيينة بن حِصْن إلى بني تَميم يصدّقهم وبعث بُريدة بن الحُصيب إلى أسْلَم وغِفار يصدّقهم، ويقال كعب بن مالك، وبعث عبّاد بن بشر الأشهلى إلى سُليم ومُزينة. وبعث رافع بن مَكيث إلى جُهينة. وبعث عمرو بن العاص إلى بني فزارة، وبعث الضحّاك بن سفيان الكلابى إلى بني كلاب. وبعث بُسر بن سفيان الكَعْبى إلى بني كعب. وبعث ابن اللُّتْبيّة الأزدى إلى بني ذُبيان. وَبعث رجلًا من سعد هُذيم على صدقاتهم وأمر رسول الله، ﷺ ، مصدّقيه أن يأخذوا العفو منهم ويتوقّوا كرائمَ أموالهم. * * * سريّة عُيينة بن حِصن الفَزارى إلى بني تميم (٢) ثمّ سريّة عُيينة بن حِصْن الفَزارى إلى بني تميم، وكانوا فيما بين السّقيا وأرض بتى تَميم، وذلك في المحرّم سنة تسع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، عُيينة بن حِصْن الفَزارى إلى بني تميم في خمسين فارسًا من العرب ليس فيهم مُهاجريّ ولا أنصاري، فكان يسير اللّيل ويكمن النّهار فهجم عليهم في صحراء فدخلوا وسرحوا مواشيهم، فلمّا رأوا الجمع ولّوا وأخذ منهم أحدَ عشر رجلًا، ووجدوا في المحلّة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًّا فجلبهم إلى المدينة فأمر بهم رسول الله، ﷺ ، فحُبسوا في دار رَمْلَة بنت الحدث فقدم فيهم عدّة من رؤسائهم عُطارد بن حاجب والزّبْرِقان بن بدر وقيس بن عاصم والأقرع بن حابس وقيس بن الحارث ونُعيم بن سعد وعمرو بن الأهْتَم ورباح بن الحارث بن مُجاشع، فلمّا رأوهم بكى إليهم النساء والذّراريّ فعجلوا

стр. 628

فجاءوا إلى باب النّبيّ، ﷺ ، فنادوا: يا محمّد، اخرجْ إلينا! فخرج رسول الله، ﷺ ، وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله، ﷺ ، يكلّمونه فوقف معهم ثم مضى فصلّى الظهر ثمّ جلسَ في صَحْن المسجد فقدّموا عُطارد بن حاجب فتكلّم وخطب: فأمر رسول الله، ﷺ ، ثابت بن قيس بن شمّاس فأجابهم، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحجرات: ٤]. فردّ عليهم رسول الله الأسْرَى وَالسّبْىَ ثمَّ بعث رسول الله، ﷺ الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط إلى بَلْمُصْطَلِق من خُزاعة يُصَدّقهم، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجدَ، فلمّا سمعوا بدُنُوّ الوليد خرج منهم عشرون رجلًا يتلقّونه بالجَزور والغنم فَرَحًا به، فلمّا رآهم ولّى راجعًا إلى المدينة فأخبر النّبيّ، ﷺ ، أنّهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصّدقة. فهَمّ رسول الله، ﷺ ، أن يبعث إليهم مَن يغزوهم، وبلغ ذلك القومَ فقدم عليه الرّكبُ الذين لقوا الوليد فأخبروا النّبيّ الخبر على وجهه، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [سورة الحجرات: ٦] (إلى آخر الآية) فقرأ عليهم رسول الله، ﷺ ، القرآن وبعث معهم عَبّاد بن بشر يأخد صدقات أموالهم ويعلّمهم شرائع الإسلام ويقرئهم القرآن، فلم يَعْدُ ما أمره رسول الله، ﷺ ، ولم يضيّع حقًّا، وأقام عندهم عشرًا ثمّ انصرف إلى رسول الله، ﷺ ، راضيًا. * * * سريّة قُطْبة بن عامر بن حَديدة إلى خَثْعَم (١) ثمّ سريّة قُطبة بن عامر بن حديدة إلى خَثْعَم بناحية بيشة قريبًا من تُرَبَة فى صفر سنة تسع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، قُطبة بن عامر بن حديدة فى عشرين رجلًا إلى حيّ من خَثْعَم بناحية تَبالَة (٢) وأمره أن يشنّ الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها فأخذوا رجلًا فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضر ويحذّرهم فضربوا عُنُقَه ثمّ أمهَلوا حتى نام الحاضر فشنّوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثر الجَرْحَى في الفريقين جميعًا، وقتل قطبة بن عامر مَن قَتل وساقوا النّعَم والشّاء والنساء إلى المدينة، وجاء

стр. 629

سيل أتِيّ فَحَالَ بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلًا، وكانت سهمانهم أربعة أبعِرَة أربعة أبعِرَة، والبعير يُعْدَل بعشر من الغنم، بعد أن أخرج الخمس. * * * سريّة الضحّاك بن سفيان الكلابى إلى بني كِلاب (١) ثمّ سريّة الضحّاك بن سفيان الكِلابي إلى بني كِلاب في شهر ربيع الأوّل سنة تسع من مهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، جيشًا إلى القُرَطاء عليهم الضّحّاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكِلابى، ومعه الأصْيَد بن سَلمة بن قرط، فلقوهم بالزُّجّ زجّ لاوَة فَدعوهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتَلوهم فهزموهم فلحق الأصْيَد أباه سَلمة، وسلمة على فَرَسٍ له في غدير بالزّج، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسَبَّه وسَبَّ دينه، فضرَب الأصْيد عُرْقوبَى فرس أبيه، فلمّا وقَع الفرس على عُرْقُوبَيه ارتكزَ سَلمة على رُمحه في الماء ثمّ استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه. * * * سريّة عَلْقمة بن مُجَزِّز المُدْلجِى إلى الحَبَشة (٢) ثمّ سريّة علقمة بن مُجَزّز المدلجى إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بلَغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ ناسًا من الحبشة تراآهم أهلُ جُدّة فبعثَ إليهم علقمة بن مُجَزّز في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاضَ إليهم البحر فهربوا منه، فلمّا رجع تعجّل بعض القوم إلى أهلهم فأذِن لهم فتعجّل عبد الله بن حُذافة السّهْمى فيهم فأمَّره على مَن تعجّل، وكانت فيه دُعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقَدوا نارًا يصْطَلون عليها ويصطنعون فقال: عزمتُ عليكم إلّا تَوَاثبتم في هذه النار! فقام بعض القوم فاحتجَزوا حتى ظنّ أنّهم واثبون فيها فقال: اجلسوا إنّما كنت أضحك معكم! فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ ، فقال: مَن أمركم بمعصية فلا تطيعوه.

стр. 630

سريّة عليّ بن أبي طالب إلى الفُلْس صَنم طَيِّئ ليهدمه (١) ثمّ سريّة عليّ بن أبي طالب، ﵁، إلى الفُلْس صَنم طَيّء ليهدمه في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، عليّ بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفُلْس ليهدمه، فشنّوا الغارة على محلّة آل حاتم مع الفجر فهدموا الفُلْسَ وخرّبوه وملأوا أيديهم من السَّبى والنَّعم والشَّاء، وفى السّبى أخت عديّ بن حاتم، وهربَ عَدِيّ إلى الشأم ووُجد في خزانة الفُلس ثلاثة أسياف: رَسُوب والمِخْذَم وسيف يُقال له اليماني، وثلاثة أدراع. واستعمل رسول الله، ﷺ ، على السَّبى أبا قَتادة واستعمل على الماشية والرِّثّة عبد الله بن عَتيك، فلمّا نزلوا رَككَ اقتسموا الغنائم وعَزَل للنبيّ، ﷺ ، صَفيًّا رسوبًا والمِخْذَم ثمّ صار له بعدُ السيف الآخر، وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. * * * سريّةُ عُكّاشة بن مِحْصَن الأسدي إلى الجِناب أرض عُذْرة وَبليّ (٢) ثمّ سريّة عكّاشة بن محصن الأسدى إلى الجِناب، أرض عُذْرة وبليّ، في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مُهاجر رسول الله، ﷺ . * * * غزوة رسول الله، ﷺ ، تبوك (٣) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ ، تَبوك في رجب سنة تسع من مُهاجَره. قالوا: بَلغ رسولَ الله، ﷺ ، أنّ الرّوم قد جمعت جموعًا كثيرة بالشأم وأنّ هِرَقْل قد رزق أصحابه لسَنَةٍ، وأجلبت معه لَخْم وجُذام وعاملة وغسّان وقدّموا

стр. 631

مقدّماتهم إلى البَلْقاء، فنَدب رسول الله، ﷺ ، النّاس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك. وبعثَ إلى مكّة وإلى قبائل العرب يَسْتنفرهم، وذلك في حَرٍّ شديدٍ، وأمرهم بالصّدقة فحَملوا صَدَقات كثيرة وقووا في سبيل الله، وجاء البكّاءُون وهم سبعة يستحملونه فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [سورة التوبة: ٩٢]. وهم: سالم بن عُمير وهَرَمي بن عَمرو وعُلبة بن زيد وأبو ليلَى المازني وعمرو بن عَنَمَة وسلمة بن صَخْر والعِرْباض بن سارية. وفى بعض الرّوايات مَن يقول: إنّ فيهم عبد الله بن المُغفَّل ومَعْقِل بن يَسار. وبعضهم يقولون: البكّاءُون بنو مُقَرِّن السبعة، وهم من مُزَينة. وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله ﷺ ، في التخلّف من غير عِلّة فأذِن لهم وهم بضعة وثمانون رجلًا. وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤْذَن لهم فاعتذروا إليه فلم يعذرهم وهم اثنان وثمانون رجلًا. وكان عبد الله بن أُبيّ بن سَلول قد عَسكر على ثنيّة الوَداع في حلفائه من اليهود والمنافقين فكان يقال ليس عسكره بأقلّ العسكَرَيْن. وكان رسول الله، ﷺ على عسكره أبا بكر الصّديق يصلّى بالنّاس، واستخلَف رسول الله، ﷺ ، على المدينة محمّد بن مَسلمة، وهو أثبت عندنا ممّن قال استخلَف غيره. فلمّا سار رسول الله، ﷺ ، تخلّف عبد الله بن أُبيّ ومن كان معه وتخلّف نَفَرٌ من المسلمين من غير شكّ ولا ارتياب، منهم: كَعْب بن مالك وهلال بن ربيع ومُرارة بن الرّبيع وأبو خَيْثَمَة السالمي وأبو ذَرّ الغفارى. وأمر رسول الله، ﷺ ، كلّ بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتّخذوا لواءً أو رايةً ومضى لوجهه يسير بأصحابه حتى قدم تَبوك في ثلاثين ألفًا من النّاس، والخيل عشرة آلاف فرس، فأقام بها عشرين ليلةً يصلّى بها ركعتين ولحقه بها أبو خَيْثمة السالمي وأبو ذَرّ الغفاري، وهِرَقْل يومئذ بحمْص، فبعث رسول الله، ﷺ ، خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسًا في رجب سنة تسع سريّة إلى أكَيْدر بن عبد الملك بدُومة الجنْدَل، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلةٍ، وكان أُكَيْدر من كِندة قد ملكهم، وكان نصرانيًّا، فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مُقْمرَة

стр. 632

إلى بَقر يُطاردها هو وأخوه حسّان، فشدّت عليه خيل خالد بن الوليد فاستأسر أُكَيْدر وامتنع أخوه حسّان وقاتل حتى قُتِلَ وهرب مَن كان معهما، فدخل الحِصن وأجار خالد أُكَيْدرَ من القتل حتى يأتي به رسولَ الله، ﷺ ، على أن يفتح له دُومةَ الجندل، ففعل وصالحه على ألْفَىْ بَعيرٍ وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رُمح. فعزل للنّبيّ، ﷺ ، صفيًّا خالصًا ثمّ قسم الغنيمة فأخرج الخُمس، وكان للنّبيّ، ﷺ ، ثمّ قسم ما بقى بين أصحابه فصار لكلّ رجل منهم خمس فرائض، ثمّ خرج خالد بن الوليد بأُكَيْدر وبأخيه مَصاد وكان في الحصن وبما صالحَه عليه قافلًا إلى المدينة، فقدم بأُكَيْدر على رسول الله، ﷺ ، فأهدى له هديّة فصالحه على الجزية وحقن دمه ودم أخيه وخلَّى سبيلهما. وكتب له رسول الله، ﷺ ، كتابًا فيه أمانُهم وما صالحَهم عليه وختَمه يومئذ بظُفْرِه. وكان رسول الله، ﷺ ، استعمل على حَرَسه بتَبوك عَبّاد بن بشر فكان يطوف في أصحابه على العسكر ثمّ انصرف رسول الله، ﷺ ، من تَبوك ولم يَلْقَ كيدًا وقدم المدينة في شهر رمضان سنة تسع فقال: الحمد لله على ما رَزَقَنَا فى سفرنا هذا من أجرٍ وحِسْبَةٍ! وجاءه مَن كان تخلّف عنه فحلَفوا له فعذرهم واستغفر لهم وأرْجَأ أمر كَعْب بن مالك وصاحبيه حتَّى نزلت تَوبتُهم بعدُ، وجعل المسلمون يبيعون أسْلِحَتهم ويقولون: قد انقطعَ الجهاد! فبلَغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فَنَهاهم وقال: لا تزال عصابة من أُمّتى يجاهدون على الحق حتَّى يخرج الدجَّال. أخبرنا عتّاب بن زياد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس عن الزهريّ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كَعب بن مالك قال: سمعتُ كعب بن مالك يقول: كان رسول الله، ﷺ ، قلّ ما يريد غزوة يغزوها إلّا ورّى بغيرها حتى كانت غَزوة تبوك فغزاها رسول الله، ﷺ ، في حرّ شديد واستقبل سَفرًا بعيدًا وغَزْوَ عدوّ كثير، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهْبة عدوّهم وأخبرهم بوجهه الذي يريده. أخبرنا محمّد بن حُميد العبدى عن مَعْمَر عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل بن أبي طالب في قوله: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [سورة التوبة: ١١٧]،

стр. 633

قال: خرجوا في غزوة تَبوك الرجلانِ والثلاثة على بَعير وخرجوا في حَرّ شديد فأصابهم يومًا عطشٌ شديد حتَّى جعلوا يَنْحرون إبلهم فيعصرون أكراشَها ويشربون ماءها، فكان ذلك عُسرة من الماء وعسرة من الظَّهْر وعُسرة من النّفَقَة. أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عَمرو العَقَدى، أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حَنْظَلة الغسيل، حدّثنى ابنٌ لعبد الرّحمن بن عبد الله أو ابنٌ لعبد الله بن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن جَدّه أنّ النّبيّ، ﷺ ، خرج إلى غزوة تَبوك يوم الخميس وكانت آخر غزوة غزاها وكان يستحبّ أن يخرج يوم الخميس. أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى، أخبرنا عيسى بن يونس عن الأوْزاعي عن يحيَى بن أبي كثير قال: غزا رسول الله، ﷺ ، تَبوكًا فأقام بها عشرين ليلة يصلّى بها صلاة المسافر. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: رجعنا من غزوة تبوك فلمّا دنونا من المدينة قال رسول الله، ﷺ : إنّ بالمدينة أقوامًا ما سِرتم مَسِيرًا ولا قَطعتم واديًا إلّا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: نَعَمْ حَبَسهم العُذْرُ! أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنْعانى، حدّثنى إبراهيم بن عقيل بن مَعْقِل عن أبيه عن وهب عن جابر قال: سمعتُ النّبيّ، ﷺ ، يقول في غزوة تبوك بعد أن رجعنا إلى المدينة: إنّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم واديًا إلّا كانوا معكم، حبَسَهم المرض. * * * حجّة أبي بكر الصدّيق بالنّاس (١) ثمّ حجّة أبي بكر الصّدّيق بالنّاس في ذى الحجّة سنة تسع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: استعمل رسول الله، ﷺ ، أبا بكر الصّدّيق، ﵁، على

стр. 634

الحجّ فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة وبعث معه رسول الله، ﷺ ، بعشرين بَدنةً قلّدها وأشعرها بيده عليها ناجِيَة بن جُندُب الأسْلَمى، وساق أبو بكر خمس بَدَنَاته، فلمّا كان بالعَرْج لحقه عليّ بن أبي طالب، ﵁، على ناقة رسول الله، ﷺ ، القَصْواء: فقال له أبو بكر: استعملك رسول الله على الحجّ؟ قال: لا ولكن بعثنى أقرأ براءةً على النّاس وأنبذ إلى كلّ ذى عهد عَهْدَه، فمضى أبو بكر فحجّ بالنّاس، وقرأ عليّ بن أبي طالب براءة على النّاس يوم النحر عند الجَمرة ونبذ إِلى كلّ ذى عهد عهده وقال: لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، ثمّ رجعا قافلين إلى المدينة. أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: بعثنى أبو بكر الصّديق في الحجّة التي أمَّره عليها رسول الله، ﷺ ، قبل حجّة الوداع في رهط يؤذنون النّاس يومَ النّحر أن لا يحجّ بعد العام مُشركٌ ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، فكان حُميد يقول: يوم النحرة يوم الحجّ الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. * * * سريّة خالد بن الوليد إلى بني عبد المَدَان بنَجْرَان (١) ثم سريّة خالد بن الوليد إلى بني عبد المَدَان بنَجْرَان في شهر ربيع الأوّل سنة عشر من مُهاجَر النّبيّ، ﷺ . * * * سريّة عليّ بن أبي طالب، ﵀، إلى اليمن: يقال مَرّتين (٢) ثمّ سريّة عليّ بن أبي طالب إلى اليمن: يقال مرّتين، إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مُهاجَر رسول الله، ﷺ . قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، عليًّا إلى اليمن وعقد له لواء وعَمَّمه بيده وقال: امضِ ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتَّى يقاتلوك! فخرَج في ثلاثمائة فارس وكان أوّل خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهي بلاد مَذْحج،

стр. 635

ففرّق أصحابَه فأتوا بنَهْب وغنائم ونساء وأطفال ونَعَم وشَاء وغير ذلك، وجعل عليّ على الغنائم بُريدة بن الحُصيب الأسْلَميّ، فجمع إليه ما أصابوا ثمّ لقى جَمْعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنّبْل والحجارة فصفّ أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السُّلَمي، ثمّ حَمل عليهم عليّ بأصحابه فَقَتل منهم عشرين رجلًا فتفرقوا وانهزموا، فكَفَّ عن طلبهم ثمّ دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا وبايعه نفرٌ من رؤساءهم على الإسلام وقالوا: نحن على مَن وراءنا من قومنا وهذه صَدقاتنا فخُذْ منها حقّ الله. وجمع عليّ الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء فكتَب في سهم لله، وأقرَع عليها فخرج أوّل السهام سهم الخُمْس، وقسم عَليّ على أصحابه بقيّة المَغْنَم ثمّ قَفَل فوافَى النّبيّ، ﷺ ، بمكّة وقد قدمها للحجّ سنة عشر. * * * ذكر عُمْرة النّبيّ، ﷺ - أخبرنا هَوْذة بن خليفة وأحمد بن عبد الله بن يونس وشهاب بن عبّاد العبدى قالوا: أخبرنا داود بن عبد الرحمن العطّار عن عمرو بن دِينار عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: اعتمر رسول الله، ﷺ ، أربع عُمَر: عُمرة الحُديبية وهي عُمرة الحَصْر، وعمرة القَضاء من قابل، وعمرة الجِعِرَّانة، والرّابعة التي مع حجّته. أخبرنا أحمد بن إسحق الحَضرمى، أخبرنا وُهيب، أخبرنا عبد الله بن عمر بن خُثيم عن سعيد بن جُبير: أنّ رسول الله، ﷺ ، اعتَمر عام الحُديبية في ذى القعدة واعتمر عامَ صالَح قريشًا في ذى القعدة واعتمرَ مرجعَه من الطائف في ذى القعدة من الجِعِرَّانَة. أخبرنا حَجّاج بن نُصير، أخبرنا أبو بكر، يعني الهُذلى، عن عكرمة قال: اعتمر رسول الله، ﷺ ، ثلاث عُمَر في ذى القعدة قبل أن يحجّ. أخبرنا موسى بن داود الضبّي قال: أخبرنا عبد الله بن المؤمّل عن ابن أبي مُليكة قال: اعتمر النّبيّ، ﷺ ، أربع عُمَر كلّها في ذى القعدة. أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر قال: لم يعتمر رسول الله، ﷺ ، عُمرةً إلّا في ذى القعدة.
следующие страницы →