← Тараджим

Тараджим · id 146

الطبقات الكبرى - ط الخانجي

ابن سعد

Полный текст (4 889 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

إلى أن قُتل ﵀. واجتمع النّاس بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين، وحضرها سعد بن أبي وقّاص وابن عمر وغيرُهما من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقدّم عمرو أبا موسى فتكلّم فخلع عليًّا، وتكلّم عمرو فأقَرّ معاوية وبايع له، فتفرّق النّاس على هذا. * * * ذكر عبد الرّحمن بن مُلْجَم المرادى وبيعة عليّ ورَدِّه إياه وقوله: لتُخْضَبَنَّ هذه من هذه، وتَمَثُّله بالشعر وقَتْله عليًّا، ﵇، وكيف قتله عبد الله بن جعفر والحسين بن عليّ ومحمّد بن الحنفيّة أخبرنا الفضل بن دُكين أبو نُعيم، أخبرنا فِطر بن خليفة قال: حدّثني أبو الطّفيل قال: دعا عليّ النّاسَ إلى البيعة، فجاءَ عبد الرّحمن بن ملجم المرادى فردّه مرّتين، ثمّ أتاه فقال: ما يَحْبِسُ أشقاها، لَتُخْضَبَنّ أو لَتُصَبغنَّ هذه من هذا، يعني لحيته من رأسه، ثمّ تمثّل بهذين البيتين: اُشْدُدْ (١) حَيازيمَكَ (٢) للمَوتِ … فَإنّ المَوتَ لاقِيكا ولا تَجْزَعْ من القَتْلِ … إذا حَلّ بوادِيكا (٣)

стр. 842

قال محمّد بن سعد: وزادنى غير أبى نعيم في هذا الحديث بهذا الإسناد عن عليّ بن أبي طالب والله إنّه لَعَهْدُ النّبيّ الأمّيّ، ﷺ ، إلَيّ. أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة عن يزيد بن إبراهيم عن محمّد بن سيرين، قال عليّ بن أبي طالب للمُراديّ: أريدُ حباءهُ ويُريدُ قَتْلى … عَذيرَكَ من خليلك من مُرادِ أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُلية عن عُمارة بن أبي حفصة عن أبي مِجْلَز قال: جاء رجل من مراد إلى عليّ وهو يصلّى في المسجد فقال: احْتَرِسْ فإنّ ناسًا من مراد يريدون قتلك، فقال: إنّ مع كلّ رجل مَلَكَين يحفظانه ممّا لم يُقَدّرْ فإذا جاء القَدَر خلّيَا بينه وبينه، وإنّ الأجل جُنّة حصينة. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسّان عن محمّد عن عُبيدة قال: قال عليّ: ما يَحْبِسُ أشقاكم أنْ يَجئَ فَيَقْتُلَنى؟ اللّهمّ قد سَئِمْتُهُمْ وسَئِمُونى فأرِحْهُمْ منى وأرحنى منهم. قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح، قال أخبرنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليًّا يقول: لَتُخْضَبَنّ هذه من هذه فما يُنْتَظَرُ بالأشْقَى، قالوا: يا أمير المؤمنين فأخبرْنَا به نُبيرُ عِتْرَتَه، فقال: إذًا واللهِ تَقْتُلُون بي غيرَ قاتلى، قالوا: فاسْتَخْلِفْ علينا، فقال: لا ولكنْ أتْرُكُكُمْ إلى ما تركَكُمْ إليه رسول الله، ﷺ ، قالوا: فما تقول لربّك إذا أتَيْتَهُ؟ قال: أقول اللهمّ تَرَكْتُكَ فيهم فإن شِئْتَ أصْلَحْتَهُمْ وإن شِئْتَ أفْسَدْتَهُم. قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن سنان بن حبيب عن نُبَلَ بنت بدر عن زوجها قال: سمعتُ عليًّا يقول لَتُخْضَبَنّ هَذِهِ مِنْ هذا، يعني لحيته من رأسه. قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى، قال أخبرنا موسى بن عُبيدة عن أبي بكر بن عُبيد الله بن أنس أو أيّوب بن خالد أو كليهما، أخبرنا عُبيد الله أنّ النّبيّ، ﷺ ، قال لعليّ: يا عليّ من أشْقَى الأوّلِين والآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أشْقَى الأوّلين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الّذى يطعُنُك يا عليّ، وأشار إلى حيثُ يُطْعَنُ.

стр. 843

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سليمان بن القاسم الثقفيّ قال: حدّثتنى أمّى عن أمّ جعفر سُرّيّة عليّ قالت: إنى لأصُبّ على يديه الماءَ إذ رفع رأسه فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال: واهًا لَكِ لَتُخْضَبِنّ بدم! قالت فأُصيبَ يومَ الجمعة. قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد ومحمّد بن الصلت قالا: أخبرنا الربيع بن المُنذر عن أبيه عن ابن الحنفيّة قال: دَخَلَ علينا ابنُ مُلْجَم الحَمّامَ وأنا وحسن وحسين جلوس في الحمّام، فلمّا دخل كأنّهما اشمأزّا منه وقالا: ما أجْرَأكَ تدخل علينا! فقلت لهما: دَعاه عنكما فَلَعَمرى ما يريد بكما أحْشَمُ من هذا. فلمّا كان يومَ أُتِىَ به أسيرًا قال ابن الحنفيّة: ما أنا اليوم بأعْرَفَ به منّى يومَ دَخَلَ علينا الحمّام، فقال عليّ: إنه أسير فأحْسِنُوا نُزُلَه وأكْرِموا مَثْواه فإنْ بَقيتُ قَتَلْتُ أو عفوتُ وإن متّ فَاقْتُلُوهُ قِتْلَتى ولا تَعْتَدُوا إن الله لا يُحِبّ المعتدين. قال: أخبرنا جَرير عن مغيرة عن قُثَم مَولَى لابن عبّاس قال: كَتَبَ عليّ في وصيّته إلى أكبر ولدى غير طاعن عليه في بطن ولا فرج. قالوا: (*) انتدب ثلاثةُ نَفَر من الخوارج: عبد الرّحمن بن مُلْجم المراديّ، وهو من حِمْيَر، وعِداده في مُرادٍ، وهو حَليفُ بنى جَبلة من كِندة، والبُرَك بن عبد الله التميميّ، وعمرو بن بُكَير التميميّ، فاجتمعوا بمكّة وتَعاهدوا وتَعَاقدوا لَيَقْتُلُنّ هؤلاء الثلاثةَ: عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعَمرو بن العاص ويريحوا العِباد منهم، فقال عبد الرّحمن بن مُلجم: أنا لكم بعَليّ بن أبي طالب، وقال البُرَكُ: وأنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بُكيَر: أنا أكْفِيكُمْ عمرو بن العاص. فتَعاهدوا على ذلك وتَعاقدوا وتَواثَقوا لا يَنْكُصُ رجلٌ منهم عن صاحبه الذي سَمَّى (١) ويتوجّه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فاتّعدوا بينهم ليلة سبعَ

стр. 844

عشرةَ من شهر رمضان، ثمّ توجّه كلّ رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقَدِمَ عبدُ الرّحمن بن ملجم الكوفة فلقى أصحابه من الخوارج فكاتَمَهُم ما يريد، وكان يزورهم ويزورونه، فزارَ يومًا نفرًا من تيم الرباب فرأى امرأة منهم يقال لها قَطامِ بنت شِجْنة بن عديّ بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب - وكان عَليّ قَتَلَ أباها وأخاها يومَ نهروان فأعجبته فخطبها، فقالت: لا أتزوّجُك حتَّى تُسْنِى لي المهرَ (١)، فقال: لا تَسْألينَنى شَيْئًا إلّا أعطيتُكِ،

стр. 845

فقالت: ثلاثة آلاف وقتلَ عليّ بن أبي طالب، فقال: والله ما جاءَ بي إلى هذا المصر إلّا قتلُ عليّ بن أبي طالب وقد آتيتُكِ ما سألْتِ. ولقى عبدُ الرّحمن بن مُلجم شبيبَ بن بَجَرَة الأشجعى فأعلمه ما يريد ودعاه إلى أن يكون معه فأجابه إلى ذلك، وبات عبد الرّحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليًّا في صبيحتها يناجى الأشعث بن قيس الكنديَّ في مسجده حتَّى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضَحَك الصّبحُ فقُمْ، فقام عبد الرّحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثمّ جاءا حتى جلسا مقابل السّدّة التي يخرج منها عليّ. قال الحسن بن عليّ: وأتيته سحَرًا فجلست إليه فقال: إنى بِتّ اللّيلةَ أوقظ أهلى فَمَلَكَتنى عيناى وأنا جالس فسنَحَ لي رسول الله فقلت: يا رسول الله ما لقيتُ من أُمّتِكَ من الأوَد واللَّدَد (١)، فقال لي: ادْعُ الله عليهم، فقلت اللهمّ أبْدِلْنى بهم خيرًا لي منهم وأبدلهم شرًّا لهم منى. ودخل ابن النّبّاح المؤذّنُ على ذلك فقال: الصّلاة، فأخذت بيده فقام يمشى وابن النّبّاح بين يديه وأنا خلفه، فلمّا خرج من الباب نادى: أيّها النّاسُ الصّلاةَ الصّلاةَ، كذلك كان يفعل في كلّ يوم يخرج ومعه درّتُهُ يوقِظُ النّاسَ، فاعترضه الرّجلان، فقال بعض من حضر ذلك: فرأيت بريق السيف وسمعتُ قائلًا يقول: لله الحُكْمُ يا عليّ لا لَكَ! ثمّ رأيتُ سيفًا ثانيًا فضربا جميعًا فأمّا سيف عبد الرّحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قَرْنه ووصل إلى دماغه، وأمّا سيف شبيب فوقع في الطّاق، وسمعتُ عليًّا يقول: لا يفوتنّكم الرجلُ، وشدّ الناّسُ عليهما من كلّ جانب. فأمّا شبيب فأفلت، وأُخِذَ عبدُ الرّحمن بن ملجم فأُدخل على عليّ، فقال: أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فإن أعِشْ فأنا وَلِيُّ دَمِى، عفوٌ أو قصاص (٢) وإنْ أمُتْ فألحِقُوه بي أُخاصمه عند ربّ العالمين. فقالت أمّ كلثوم بنت عليّ: يا عدوّ الله

стр. 846

قتلت أمير المؤمنين! قال: ما قتلتُ إلّا أباكِ، قالت: فوالله إنّى لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأسٌ، قال: فلِمَ تَبكينَ إذًا؟ ثمّ قال: والله لقد سممتُه شهرًا، يعني سيفَه، فإنْ أخْلَفَنى فأبْعَدَهُ الله وأسحقه. وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضُربَ عليّ، ﵇، فقال: أىْ بُنيّ انظر كيف أصبح أمير المؤمنين. فذهب فنظر إليه ثمّ رجع فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عَيْنَىْ دَميغ (١) وربّ الكعْبة، قال ومكث عليّ يومَ الجمعة وليلة السبت وتُوفى، رحمة الله عليه وبركاته، ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين، وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص (*). قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن يحيَى بن مسلم أبى الضّحّاك عن عاصم بن كُليب عن أبيه قال: وأخبرنا عبد الله بن نُمَير عن عبد السّلام رجل من بَنى مُسيلمة عن بَيان عن عامر الشعبيّ قال: وأخبرنا عبد الله بن نمير عن سفيان عن أبى رَوْق عن رجلٍ قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين قال أخبرنا خالد بن إلياس عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال وأخبرنا شبَابة بن سَوّار الفزارى قال: أخبرنا قيس بن الربيع عن بيان عن الشعبيّ أنّ الحسن بن عليّ صلّى على عليّ بن أبى طالب فكبّر عليه أربع تكبيرات، ودُفن عليّ بالكوفة عند مسجد الجماعة في الرحبة ممّا يلى أبوابَ كِنْدَة قبل أن ينصرفَ النّاسُ من صلاة الفجر، ثمّ انصرف الحسن بن عليّ من دفنه فدعا النّاس إلى بيعته فبايعوه. وكانت خلافة عليّ أربع سنين وتسعة أشهر. قال: أخبرنا الفضل بن دُكين عن شريك عن أبي إسحاق قال: توفّى عليّ وهو يومئذ ابن ثلاث وستين سنة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال أخبرنا عليّ بن عمر وأبو بكر بن أبي سَبْرة

стр. 847

عن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال: سمعت محمّد بن الحنفيّة يقول سنة الجُحاف حين دخلت إحدى وثمانون: هذه لي خمسٌ وستّون سنة وقد جاوزتُ سنّ أبى، قلت: وكم كانت سنّه يومَ قُتِلَ، يرحمه الله؟ قال: ثلاثًا وستّين سنة، قال محمّد بن عمر: وهو الثبتُ عندنا. قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابى عن طَلْق الأعمى عن جدّته قالت: كنت أنوح أنا وأمّ كلثوم بنت عليّ على عليّ، ﵇. قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير وعُبيد الله بن موسى قالا أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن هُبيرة بن يَريمَ قال: سمعت الحسن بن عليّ قام يخطُبُ النّاس فقال: يا أيّها الناس لقد فارَقَكُمْ أمْس رجلٌ ما سبقه الأوّلون ولا يُدْركه الآخرون، لقد كان رسول الله، ﷺ ، يبعثه المبعث فيعطيه الراية فما يُرَدّ حتَّى يَفْتَحَ اللهُ عليه، إنّ جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ما ترك صفراءَ ولا بيضاءَ، إلّا سبعمائة درهم فَضَلَتْ من عَطائه أراد أن يشترى بها خادمًا. قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن الأجلح عن أبي إسحاق عن هُبيرة بن يَريمَ قال: لمّا توفّى عليّ بن أبي طالب قام الحسن بن عليّ فصعد المنبر فقال: أيها النّاس، قد قُبِض الليلةَ رجلٌ لم يَسبِقْه الأوّلون ولا يدركه الآخرون، قد كان رسول الله، ﷺ ، يبعثه المبعث فيكتنِفُه جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله فلا ينثنى حتَّى يفتح الله له، وما ترك إلا سبعمائة درهم أراد أن يشترى بها خادمًا، ولقد قُبض في اللّيلة التي عُرجَ فيها بروح عيسى بن مريم ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان. قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن حجّاج عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصمّ قال: قيل للحسن بن عليّ إنّ ناسًا من شيعة أبى الحسن عليّ، ﵇، يزعمون أنّه دابّة الأرض وأنّه سَيُبْعَثُ قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا ليس أولئك شيعتَه، أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه. قال ابن سعد: هكذا قال عن عمرو بن الأصمّ. قال: أخبرنا أسْباط بن محمّد عن مُطَرّف عن أبي اسحاق عن عمرو بن الأصمّ قال: دخلتُ على الحسن بن عليّ وهو في دار عمرو بن حُرَيْث فقلتُ له: إنّ ناسًا يزعمون أنّ عليًّا يرجع قبل يوم القيامة، فضحك وقال: سبحان الله! لو علمنا ذلك ما

стр. 848

زوّجنا نساءه ولا ساهمنا ميراثه. قالوا وكان عبد الرّحمن بن ملجم في السجن، فلمّا مات عليّ، رضوان الله عليه ورحمته وبركاته، ودُفِنَ بعث الحسن بن عليّ إلى عبد الرّحمن بن ملجم فأخرجه من السجن ليقتله، فاجتمع النّاس وجاءُوه بالنفط والبواريّ والنّار فقالوا نحرقه، فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن عليّ ومحمّد بن الحنفيّة: دَعُونا حتَّى نَشْفِىَ أنفسنا منه، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يَجْزَعْ ولم يتكلّم، فكحَل عينيه بمسمار مُحْمًى فلم يجزع وجعل يقول: إنّكَ لَتَكْحُلُ عَيْنَىْ عَمّكَ بمُلْمُول مَضٍّ، وجعل يقول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [سورة العلق ١، ٢]، حتَّى أتى على آخر السورة كلّها وإنّ عينيه لَتَسِيلان، ثمّ أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه فجَزَعَ، فقيل له: قَطَعْنَا يديك ورجليك وسَمَلْنا عَينيكَ يا عدوّ الله فلم تَجْزَعْ فلمّا صِرْنا إِلى لسانك جزعت؟ فقال: ما ذاك منّى من جزع إلا أنى أكره أن أكون في الدّنيا فُواقًا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه ثمّ جعلوه في قَوْصرة وأحرقوه بالنّار، والعبّاس بن عليّ يومئذ صغير فلم يُسْتَأنَ به بلوغه، وكان عبد الرّحمن بن ملجم رجلًا أسمرَ حسنَ الوجه أفلجَ شعره مع شحمة أذنيه، في جبهته أثَرُ السجود. قالوا وذَهَبَ بقتل عليّ، ﵇، إلى الحجاز سفيانُ بن أميّة بن أبي سفيان بن أُميّة بن عبد شمس فبلغ ذلك عائشة فقالت: فألقت عصاها وَاستقرّتْ بها النّوى … كما قَرّ عينًا بالإياب المسافرُ * * * ٢٦ - ذكر زيدٍ الْحِبِّ زيدٌ الحِبّ بن حارثة بن شَرَاحيل بن عبد العُزّى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وُدّ - وسمّاهُ أبوه بُضْمة: بن عوف بن كنانة بن عوف بن عُذْرة بن زيد اللاّت بن رُفيدة بن ثور بن كلب بن وبَرَة بن تَغْلِب بن حُلْوان بن عِمْران بن الحاف بن قضاعة (١)، واسمه عمرو وإنّما سُمّىَ قُضاعَة لأنّه انقضع عن

стр. 849

قومه، ابن مالك بن عمرو بن مرّة بن مالك بن حِمْيَر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قَحطان، وإلى قحطان جماع اليمن. وأُمّ زَيد بن حارثة سُعْدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلتَ بن سِلسِلَة من بَنى مَعْن من طَيِّئ (١)، فزارت سُعدى أمّ زيد بن حارثة قومَها وزيد معها، فأغارت خيلٌ لبنى القَيْن بن جَسْر في الجاهليّة فمرّوا على أبيات بنى مَعْن رَهْط أمّ زيد، فاحتملوا زيدًا إذ هو يومئذ غلام يَفَعَة قد أوْصَفَ، فَوافوا به سوق عُكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منهم حَكيم بن حِزام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ لعمّته خَديجة بنت خُويلد بأربعمائة درهم، فلمّا تزوجها رسول الله، ﷺ ، وهبته له فقبضه رسولُ الله، ﷺ ، وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده وقال: بَكَيْتُ على زَيْدٍ ولم أدْرِ ما فَعَلْ … أحَيٌّ فيُرْجَى أمْ أتى دونَه الأجلْ فوالله ما أدرى وَإنْ كنتُ سائِلًا … أغالك سهل الأرض أم غالك الجبلْ فيا ليتَ شعرى هل لك الدهرَ رَجعةٌ … فحَسْبى من الدنيا رُجوعك لي بجلْ تُذكّرُنيه الشمسُ عند طلوعِها … وَتَعْرِضُ ذكراهُ إذا قارَبَ الطّفَلْ وإنْ هَبّت الأرْوَاحُ هيّجْنَ ذكرَه … فيا طولَ ما حزْنى عليه ويا وَجَلْ! سَأُعْمِل (٢) نصّ العيس في الأرض جاهدًا … ولا أسْأم التطوافَ أو تسأمَ الإبلْ حَياتىَ أوْ تأتى عَلَيّ مَنِيّتى … وكلّ امْرئٍ فانٍ وَإن غرّه الأملْ وأُوصى به قيسًا وعَمرًا كِليْهِما … وأُوصى يزيدًا ثمّ من بعدهم جبلْ يعني جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زيد، ويعنى يزيد أخا زيد لأمّه، وهو يزيد بن كَعب بن شَراحيل، قال فَحَجّ ناسٌ من كلْب فرأوا زَيدًا فعرفهم وعرفوه فقال: بلّغوا أهلى هذه الأبيات فإنّى أعلم أنهم قد جزعوا عليّ، وقال: ألِكْنى إلى قَوْمى وإن كنتُ نائيًا … بأنّى قطينُ البيْت عند المشاعرِ

стр. 850

فَكُفّوا من الوَجد الّذى قد شجاكمُ … ولا تُعْمِلُوا (١) في الأرض نَصّ الأَباعر فإنّى بحمد الله في خَيْر أسْرَةٍ … كِرامِ مَعَدٍّ كابرًا بعْدَ كابِر (٢) قال فانطلق الكلبيّون وأعلموا أباه فقال: ابْنى وربّ الكعبة! ووصفوا له موضعه وعند مَن هو فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفِدائه، وقَدِما مكّة فسألا عن النّبيّ، ﷺ ، فقيل هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يابن عبد الله، يابن عبد المطّلب، يابن هاشم، يابن سيّد قومه، أنتم أهلُ الحَرَم وجيرانُه وعند بيته تَفُكّون العانىَ وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنُنْ علينا وأحْسِن إلينا في فدائه فإنّا سنرفع لك في الفداء. قال: مَن هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله، ﷺ : فهلّا غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: دَعُوه فخيّروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداءٍ، وإن اختارني فوالله ما أنا بالّذى أختار على مَن اختارني أحدًا، قالا: قد زدتنا على النَّصَفِ (٣) وأحسنتَ، قال فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم. قال: مَن هما؟ قال: هذا أبى وهذا عَمّى، قال: فأنا مَنْ قد علمتَ ورأيتَ صُحْبَتى لك فاخْترْنى أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالّذى أختار عليك أحدًا، أنت منّى بمكان الأب والأم، فقالا: ويْحك يا زيد أتَخْتَار العبوديّة على الحرّيّة وعلى أبيك وعمّك وأهل بيتك؟ قال؟ نعم، إنى قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالّذى أخْتار عليه أحدًا أبدًا. فلمّا رأى رسول الله، ﷺ ، ذلك أخرَجه إلى الحِجْر فقال: يا من حَضَرَ، اشهدوا أنّ زَيْدًا ابنى أرثُهُ ويرثنى، فلمّا رأى ذلك أبوه وعمّه طابت أنفسهما وانصرفا.

стр. 851

فدُعىَ زيد: ابنُ محمّد حتَّى جاء الله بالإسلام (١). هذا كلّه حدّثنا به هشام بن محمّد بن السائب الكلبى عن أبيه وعن جميل بن مَرْثَد الطائى وغيرهما، وقد ذكر بعض هذا الحديث عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس وقال في إسناده عن ابن عبّاس: فزوّجه رسول الله، ﷺ ، زينب بنت جَحش بن رِيَاب (٢) الأسديّة، وأمّها أمَيمة بنت عبد المطّلب بن هاشم، فطلّقها زيدٌ بعد ذلك فتزوّجها رسول الله، ﷺ ، فتكلّم المنافقون في ذلك وطعنوا فيه، وقالوا: محمّد يُحَرّمُ نساء الولد وقد تزوّج امرأة ابنه زيد، فأنزل الله ﷻ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠]، إلى آخر الآية، وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٥] فدُعى يومئذ زيد بن حارثة ودعى الأدعياء إلى آبائهم، فدعى المقداد إلى عمرو وكان يقال له قبل ذلك المقداد بن الأسود، وكان الأسود بن عبد يغوث الزّهريّ قد تبنّاه. قال: أخبرنا حجّاج بن محمّد قال: أخبرنا ابن جُريج: أخبرني موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنّه حدّثه عن عبد الله بن عمر أنّه قال فى زيد بن حارثة: ما كنّا ندعوه إلا زيد بن محمّد حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [سورة: الأحزاب: ٥]. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب بن خالد قال: وأخبرنى المعلّى بن أسد عن عبد العزيز بن المختار قالا جميعًا: أخبرنا موسى بن عقبة قال: حدّثني سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن زيد بن حارثة الكلبيّ مولى رسول الله، ﷺ ، أنّ عبد الله بن عمر قال: ما كنّا ندعوه إلا زيد بن محمّد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: أخبرنا أبو داود عن سفيان عن نُسَيْر عن عليّ بن حسين، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠]، قال: نزلت في زيد.

стр. 852

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال، أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت قال: كان يقال زيد بن محمّد. قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هُبَيرَة وهانئ بن هانئ عن عليّ وعن أبي إسحاق عن البَراء بن عَازب أن رسول الله، ﷺ ، قال لزيد بن حارثة في حديث ابنة حمزة: أنْتَ أخونا ومولانا. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السّكّريّ الرّقي قال: أخبرنا محمّد بن سَلَمَة عن محمّد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط عن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه أسامة بن زيد قال: قال رسول الله، ﷺ ، لزيد بن حارثة: يا زيد أنتَ مولاىَ ومنى وإليّ وأحَبّ القَوْم إليّ. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان بين رسول الله، ﷺ ، وبين زيد بن حارثة عشر سنين، رسول الله، ﷺ ، أكبر منه، وكان زيد رجلًا قصيرًا آدَمَ شديدَ الأدمة، في أنفه فَطَسٌ، وكان يكنى أبا أُسامة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني ابن مَوْهَب عن نافع بن جُبير قال: وحدّثنى محمّد بن الحسن بن أُسامة عن حسن المازنى عن يزيد عن عبد الله بن قُسيط عن محمّد بن أُسامة بن زيد قال: وحدّثنى ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبى أنس قال: وحدّثنا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود عن سليمان بن يَسَار قال: وحدّثنا ابن أبي ذئب عن الزّهريّ قالوا: أوّلُ مَن أسلَم زيد بن حارثة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عمران بن مَنّاح قال: لما هاجر زَيد بن حارثة إلى المدينة نزل على كُلثوم بن الهِدْم، قال محمّد بن صالح، وأما عاصم بن عمر بن قَتادة فقال نزل على سعد بن خَيْثَمَة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون وسعد بن إبراهيم، قال: وحدّثنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر قالوا: آخَى رسول الله، ﷺ ، بين زَيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطّلب، وآخَى رسول الله، ﷺ ، بين زيد بن حارثة وأُسيد بن حُضَير.

стр. 853

قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ عن أبيه وعن شَرْقيّ بن قطاميٍّ وغيرهما قالوا: أقبلت أمّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وأمّها أرْوَى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمّها أمّ حَكيم وهي البيضاء بنت عبد المطّلب بن هاشم، مهاجرةً إلى النّبيّ، ﷺ ، بالمدينة فخطبها الزّبير بن العوّام وزيد بن حارثة وعبدُ الرّحمن بن عوف وعمرو بن العاص، فاستشارتْ أخاها لأمّها عثمان بن عفّان فأشار عليها أن تأتى النّبيّ، ﷺ ، فأتته فأشار عليها بزيد بن حارثة فتزوّجته فولدت له زيد بن زيد ورُقَيّةَ، فهلك زيد وهو صغير، وماتت رُقيّة في حجر عثمان، وطَلّق زيدُ بن حارثة أمّ كلثوم وتزوّج دُرّة بنت أبي لهب ثمّ طلّقها وتزوّج هند بنت العوّام أخت الزّبيرَ بن العوام، ثمّ زوّجه رسولُ الله، ﷺ ، أمّ أيْمَنَ حاضنة رسول الله، ﷺ ، ومولاته وجعل له الجنّة، فولدت له أسامة فكان يُكنى به. وشهد زيد بدرًا وأُحُدًا واستخلفه رسول الله ﷺ ، على المدينة حين خرج النّبيّ، ﷺ ، إلى المريسيع، وشَهِدَ الخَندقَ والحديبية وخيبر، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله، ﷺ . قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن الحسن بن أسامة عن أبي الحُوَيْرث قال: خرج زيد بن حارثة أميرَ سبع سرايا أوّلها القَرَدَةُ، فاعترض للعير فأصابوها وأفلت أبو سفيان بن حرب وأعيان القوم، وأُسر فُرات بن حَيّان العِجْلى يومئذ، وقدم بالعِير على النبيّ، ﷺ ، فَخَمّسَها. قال: أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم قال: أخبرنا يزيد بن أبي عُبيد عن سَلَمَة بن الأكْوَع قال: غَزَوْتُ مع رسول الله، ﷺ ، سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع (١) غزوات يُؤمّرُهُ رسولُ الله، ﷺ ، علينا. قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد قال: حدّثني وائل بن داود قال: سَمعتُ البَهيّ يحدّث أن عائشة قالت: ما بعث رسول الله، ﷺ ، زيدَ بن حارثة في جيش قطّ إلا أمّرَهُ عليهم ولو بقى بعده استخلفه.

стр. 854

قال، قال محمّد بن عمر: أوّل سريّة خرج فيها زيدٌ سريّته إلى القَرَدَة، ثمّ سريّته إلى الجَموم، ثمّ سريّته إلى العِيص، ثمّ سريّته إلى الطَّرَف، ثمّ سَريّته إلى حِسْمى، ثمّ سريّته إلى أُمّ قِرْفَة، ثمّ عقد له رسول الله، ﷺ ، على النّاس في غزوة مُؤتَةَ وقَدَّمَهُ على الأمراء، فلمّا التقى المسلمون والمشركون كان الأمراء يقاتلون على أرجلهم فأخذ زيد بن حارثة اللّواء فقاتل وقاتل الناسُ معه، والمسلمون على صفوفهم، فقُتل زيد طعنًا بالرماح شهيدًا فصلّى عليه رسول الله، ﷺ ، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنّة وهو يسعى. وكانت مُؤتَةُ في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقُتل زيد يومئذ وهو ابن خمس وخمسين سنة. قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير ويزيد بن هارون ومحمّد بن عُبيد الطّنافسى قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: لمّا بلغ رسولَ الله، ﷺ ، قتلُ زيد بن حارثة وجعفرٍ وابن رَواحة قام نبيّ الله، ﷺ ، فذكر شأنهم فبَدَأ بزيد فقال: اللهمّ اغفر لزيد، اللهمّ اغفر لزيد، اللهمّ اغفر لزيد، اللهمّ اغفر لجعفر ولعبد الله بن رَواحة. أخبرنا الفضل بن دُكين وعبد الملك بن عمرو وأبو أُسامة وسليمان بن حرب قالوا: أخبرنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سُمَيْر (١) عن عبد الله بن رَبَاح الأنصاريّ، سمعه يقول أخبرنا أبو قتادة الأنصاريّ فارسُ رسول الله، ﷺ ، قال: بعث رسولُ الله، ﷺ ، جيشَ الأمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة فإن أُصيب زيدٌ فجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رَواحة، قال فوثب جعفر فقال: يا رسول الله ما كنْتُ أرْهَبُ أن تستعمل عليّ زيدًا، فقال: أمْضه فإنّك لا تدرى أيّ ذلك خير. قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن خالد بن سُمَيْر قال: لما أُصيب زيد بن حارثة أتاهم النّبيّ، ﷺ ، قال فَجَهَشَتْ بنت زيد في وجه رسول الله، ﷺ ، فبكى رسول الله، ﷺ ، حتى انتحب فقال له سعد بن عُبادة: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: هذا شوق الحبيب إلى حبيبه. * * *

стр. 855

٢٧ - ذكر أبى مَرثَدٍ الغَنَويّ أبو مَرثَد الغَنَويّ حليف حمزة بن عبد المطّلب، واسم أبى مرثد: كَنّاز بن الحُصين بن يَرْبُوع بن طَرِيف بن خَرَشَة بن عُبيد بن سعد بن عوف بن كَعْب بن جِلّان بن غَنْم بن يحيَى بن يَعْصُر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر (١): وكان تِرْبًا لحمزة بن عبد المطّلب، وكان رجُلًا طُوالًا كثير شعر الرأس، وآخى رسول الله، ﷺ ، بين أبي مرثد وعُبادة بن الصامت في رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر. قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن صالح عن عمران بن مَنّاح قال: لما هاجر أبو مرثد الغَنَويّ وابنه مرثد بن أبي مرثد إلى المدينة نزلا على كلثوم بن الهِدْم، قال محمّد بن صالح، وأمّا عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزلا على سعد بن خَيْثَمَةَ. قال محمّد بن عمر: شهد أبو مرثد بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، ومات بالمدينة قديمًا في خلافة أبي بكر سنة اثنتى عشرة وهو يومئذ ابن ستٍّ وستّين سنة. * * * ٢٨ - ذكر مَرْثَد بن أبي مرثد الغَنَوى حليف حمزة بن عبد المطلّب، آخى رسول الله، ﷺ ، بينه وبين أوس بن الصامت أخى عُبادة بن الصامت. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا سعد بن مالك الغنويّ عن آبائه قال: شهد مرثد بن أبي مرثد الغنويّ يوم بدر على فرس يُقال له السّبَلُ. قال محمّد بن عمر: وشهد أُحُدًا وقُتل يوم الرّجيع شهيدًا، وكان أميرًا في هذه السريّة وذلك في صفر، على رأس ستّةٍ وثلاثين شهرًا من مهاجَر رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة. * * *

стр. 856

٢٩ - ذكر أنَسَةَ مولى رسول الله، ﷺ - قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن صالح بن دينار التمّار عن عمران بن مَنّاح مولى بنى عامر بن لؤيّ قال: لما هاجر أنَسة مولى رسول الله، ﷺ ، نزل على كلثوم بن الهِدْم، قال محمّد بن صالح. وأمّا عاصم بن عمر فقال نزل على سعد بن خَيْثَمة. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قُتل أنسة مولى رسول الله، ﷺ ، يوم بدر. قال محمّد بن عمر: وليس ذلك عندنا بثبت، ورأيتُ أهل العلم يُثبتون أنّه لم يُقتَل ببدر وقد شهد أُحُدًا وبقى بعد ذلك زمانًا (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرّحمن بن أبي الزناد عن محمّد بن يوسف قال: مات أنسة بعد النّبيّ، ﷺ ، في ولاية أبي بكر الصدّيق وكان من مُوَلّدى السَّراة، وكان يكنى أبا مُسَرّح، قال فحدّثنى مَنْ سمع يونس بن يزيد الأيْليّ يخبر عن الزّهريّ أنّ رسول الله، ﷺ ، كان يأذن بعد الظهر وهي السُّنّة ويَأذَن عليه أنسة مولاه (٢). * * * ٣٠ - أبو كَبْشَة مولى رسول الله، ﷺ ، واسمه سُليم من مُولّدى أرض دَوْسٍ. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن صالح عن عمران بن مَنّاح قال: لمّا هاجر أبو كَبْشَة مولى رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهِدْم، قال محمّد بن صالح، وأمّا عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزل على سعد

стр. 857

ابن خيثمة. قال محمّد بن عمر: شهد أبو كبشة مع رسول الله، ﷺ ، بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلّها، وتوفّى أوّل يوم اسْتُخْلفَ عمر بن الخطّاب وذلك يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. * * * ٣١ - ذكر صالح شُقْرانَ غلام رسول الله، ﷺ ، وكان لعبد الرّحمن بن عوف فأعْجَبَ رسولَ الله، ﷺ ، فأخذه منه بالثمن، وكان عبدًا حبشيًّا وهو صالح بن عديّ، شهد بدرًا وهو مملوك فاستعمله رسول الله، ﷺ ، على الأسرى ولم يُسْهِمْ له، فجزاه كلّ رجل له أسيرٌ فأصاب أكثر ممّا أصاب رجلٌ من القوم من المقُسَّم. وحضر بدرًا أيضًا ثلاثة أعبُد مماليك: غلامٌ لعبد الرّحمن بن عوف، وغلام لحاطب بن أبي بَلْتَعَة، وغلامٌ لسعد بن معاذ، فجزاهم رسول الله، ﷺ ، ولم يُسهِمْ لهم. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن أبى بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم العَدَويّ قال: استعمل رسولُ الله، ﷺ ، شُقْران مولاه على جميع ما وُجِدَ في رِحَالِ (١) أهل المريسيع من رِثّة المتاع والسلاح والنّعَم والشاء وَجَمْع (٢) الذَّرّيّة ناحيةً، وأوصى له رسول الله، ﷺ ، عند وفاته، وكان فيمن حضر غُسْلَ رسول الله، ﷺ ، مع أهل بيته، وكانوا ثمانيةً سِوَى شقران. * * *

стр. 858

ومن بنى المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ ٣٢ - عُبَيْدَةُ بن الحارث ابن المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ، وأمّه سُخيلةُ بنت خُزاعى بن الحُويرث بن حُبَيِّب بن الحارث بن مالك (١) بن حُطَيْط بن جُشَم بن قَسيّ، وهو ثقيف (٢)، وكان لعُبيدة من الولد معاوية وعون ومُنقِذ والحارث ومحمّد وإبراهيم ورَيْطَة وخَديجة وسُخيلة وصَفيّة لأمّهات أولاد شتّى، وكان عُبيدة أسنّ من رسول الله، ﷺ ، بعشر سنين، وكان يكنى أبا الحارث أيضًا، وكان مربوعًا أسمر حسن الوجه. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: أسلم عُبيدة بن الحارث قبل دخول رسول الله، ﷺ ، دار الأرقم بن أبي الأرقم وقبل أن يدعو فيها. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا حَكيم بن محمّد عن أبيه قال: خرج عُبيدة والطّفيل والحُصين بنو الحارث بن المطّلب ومِسْطَحُ بن أُثاثة بن المطّلب من مكّة للهجرة فاتّعدوا بطن يَأجَجِ (٣)، فتخلّف مسطح لأنه لُدغَ، فلمّا أصبحوا جاءهم الخبر فانطلقوا إليه فوجدوه بالحصحاص (٤) فحملوه فقدموا المدينة فنزلوا على عبد الرّحمن بن سَلَمَة العَجْلاني.

стр. 859

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: أقطع رسول الله، ﷺ ، لعُبيدة بن الحارث والطّفيل وأخوَيْه موضعَ خِطَّتِهِم (١) اليوم بالمدينة فيما بين بقيع الزّبير وبنى مازن. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين عُبيدة بن الحارث وبلال، وآخى بين عُبيدة بن الحارث وعُمير بن الحُمام الأنصاريّ، وقُتلا جميعًا يوم بدر. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاذ بن محمّد الأنصاريّ عن عبد الله بن عبد الله بن أبي صعصعة قال: كان أوّل لواء عقده رسول الله، ﷺ ، بعد أن قدم المدينة لحمزة بن عبد المطّلب، ثمّ عقد بعده لواء لعبيدة (٢) بن الحارث بن المطّلب وبعثه في ستّين راكبًا فلقوا أبا سفيان بن حرب بن أُميّة وهو في مائتين على ماءٍ يقال له أحْياءُ من بطن رابغ، فلم يكن بينهم يومئذٍ إلّا الرّمْيُ لم يَسُلّوا سيفًا ولم يَدْنُ بعضهم من بعض، وكان أوّلُ من رمى يومئذٍ سعد بن أبي وقّاص. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني يونس بن محمّد الظّفَريّ عن أبيه قال: قَتَلَ عُبيدةَ بن الحارث شَيْبَةُ بن ربيعة يوم بدر فدفنه رسولُ الله، ﷺ ، بالصفراء، قال يونس: أرانى أبى قبرَ عُبيدةَ بن الحارث بذات أجْدال بالمضيق أسفل من عين الجَدْوَل وذلك من الصفراء، وكان عُبيدة يومَ قُتل ابن ثلاثٍ وستّين سنة. * * * ٣٣ - ذكر الطُّفَيلِ بن الحارث الطّفيل بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ، وأمّه سُخيلة بنت خُزاعى الثّقَفيّة وهي أُمّ عُبيدة بن الحارث، وكان للطّفيل من الولد عامرُ بن

стр. 860

الطّفيل. وآخى رسول الله، ﷺ ، بين الطّفيل بن الحارث والمنذر بن محمّد بن عُقبة بن أُحيحة بن الجُلاح، هذا في رواية محمّد بن عمر، وأمّا في رواية محمّد بن إسحاق فإنّه آخى بين الطّفيْل بن الحارث وسفيان بن نَسْر بن عمرو بن الحارث بن كعب بن زيد بن الحارث الأنصاريّ. قال محمّد بن عمر: وشهد الطّفيل بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، وتوفى في سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن سبعين سنة. * * * ٣٤ - ذكر الحُصَيْنِ بن الحارث الحصين بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ، وأُمّه سُخيلة بنت خُزاعى الثّقَفيّة، وهي أُمّ عُبيدة والطّفيل ابنى الحارث، وكان للحصين من الولد عبد الله الشاعر وأمّه أمّ عبد الله بنت عديّ بن خُويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وآخى رسول الله، ﷺ ، بين الحُصين بن الحارث ورافع بن عَنْجَدَة، هذا في رواية محمّد بن عمر، وأمّا في رواية محمّد بن إسحاق فإنّه آخى بين الحُصين وعبد الله بن جُبير أخى خَوّات بن جبير. قال محمّد بن عمر: وشهد الحُصين بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، وتوفى بعد الطّفيل بن الحارث بأشْهُرٍ في سنة اثنتين وثلاثين. * * * ٣٥ - ذكر مِسْطَحِ بن أُثاثةَ مسطح بن أُثاثة بن عبّاس بن المطّلب بن عبد مناف بن قُصيّ، ويكنى أبا عَبّاد، وأمّه أمّ مسطح بنت أبى رُهْم بن المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ، وكانت من المبايعات، وآخى رسول الله، ﷺ ، بين مسطح بن أُثاثة وزيد بن المُزيَّن (١)، هذا في رواية محمّد بن إسحاق. قال محمّد بن عمر: وشهد مسطح

стр. 861

بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، وأطعمهُ رسولُ الله، ﷺ ، وابنَ إلْياس بخيبر خمسين وسقًا، وتوفى سنة أربع وثلاثين وهو يومئذٍ ابن ستٍّ وخمسين سنة. * * * ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ ٣٦ - عُثْمانُ بن عَفَّانَ، ﵀ ابن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وأمّه أرْوَى بنت كُرَيْز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وأمّها أمّ حَكِيم (١)، وهي البيضاء بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، وكان عثمان في الجاهليّة يكنى أبا عمرو، فلمّا كان الإسلام وُلد له من رُقيّة بنت رسول الله، ﷺ ، غلامٌ سمّاه عبد الله واكتنى به فكنّاه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ستّ سنين فنقره ديكٌ على عينه (٢) فمرض فمات في جمادى الأولى سنةَ أربع من الهجرة، فصلّى عليه رسول الله، ﷺ ، ونزل في حُفرته عثمان بن عفّان. وكان لعثمان، ﵁، من الولد، سِوى عبد الله بن رُقيّة، عبدُ الله الأصغرُ دَرَجَ، وأمّهُ فاختةُ بنت غَزْوان بن جابر بن نُسَيْب بن وُهيب بن زيد بن مالك بن عبد بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عِكْرمَة بن خَصَفَةَ بن قيس بن عيلان، وعمرٌو، وخالدٌ، وأبان، وعمر، ومريم، وأمّهم أمّ عمرو بنت جُنْدب بن عمرو بن حُمَمَةَ بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبة بن لُؤيّ بن عامر بن غَنْم بن دُهْمان بن مُنْهِب بن دَوْسٍ من الأزْد، والوليد بن عثمانَ، وسعيد،

стр. 862

وأمّ سعيد، وأمّهم فاطمة بنت الوَليد بن عبد شمس بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعبدُ الملك بن عثمان دَرَجَ، وأمّه أمّ البنين بنت عُيينةَ بن حِصْن بن حُذَيْفة بن بدر الفَزاريّ، وعائشة بنت عثمان، وأمّ أبان، وأمّ عمرو وأمّهنّ رَمْلَةُ بنت شَيْبَة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، ومريمُ بنت عثمان، وأمّها نائلة بنت الفرَافِصَة بن الأحْوَص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصْن بن ضَمْضَم بن عديّ بن جَنابٍ من كلب، وأمّ البنين بنت عثمان، وأمّها أمّ ولد وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان (١). * * * ذكر إسلام عثمان بن عفّان، ﵁ قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: خرج عثمان بن عفّان وطلحة بن عُبيد الله على أثر الزّبير بن العوّام فدخلا على رسول الله، ﷺ ، فعَرَض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله، فآمنَا وصدّقا فقال عثمان: يا رسول الله قدمتُ حديثًا من الشأم فلمّا كنّا بين مُعانَ والزّرقاء فنحن كالنيام إذا منادٍ ينادينا أيّها النيام هبّوا فإنّ أحمد قد خرج بمكّة، فقدمنا فسمعنا بك. وكان إسلام عثمان قديمًا قبل دخول رسول الله، ﷺ ، دار الأرقم (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن حارث التيميّ عن أبيه قال: لمّا أسلم عثمان بن عفّان أخذه عمّه الحكَم بن أبي العاص بن أميّة فأوثقه رباطًا وقال: أتَرْغَبُ عن ملّة آبائك إلى دينٍ مُحْدَثٍ؟ والله لا أحُلّكَ أبدًا حتى تَدَعَ ما أنت عليه من هذا الدّين. فقال عثمان: والله لا أدَعُهُ أبدًا ولا أفارقُه. فلمّا رأى الحكَمُ صَلابته في دينه تركه (٣). قالوا: فكان عثمان ممّن هاجر من مكّة إلى أرض الحبشة الهجرةَ الأولى والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعًا امرأته رُقيّة بنت رسول الله، ﷺ ، وقال رسول الله، ﷺ : إنّهما لأوّل من هاجر إلى الله بعد لوط.

стр. 863

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الجبّار بن عُمارة قال: سمعتُ عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، قال محمّد بن عمر وأخبرنا موسى بن يعقوب الزّمْعيّ عن محمّد بن جعفر بن الزّبير قالا: لمّا هاجر عثمان من مكّة إلى المدينة نزل على أوْس بن ثابت أخى حَسّان بن ثابت في بنى النجّار. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتْبة قال: لمّا أقطع رسول الله، ﷺ ، الدّورَ بالمدينة خَطّ لعثمان بن عفّان دارَه اليومَ، ويقال إنّ الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجَاهَ باب النّبيّ الذي كان رسول الله، ﷺ ، يخرج منه إذا دخل بيت عثمان. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين عثمان بن عفّان وعبد الرّحمن بن عوف، وآخى بين عثمان وأوْس بن ثابت أبى شدّاد بن أوْس، ويُقال أبى عُبادة سعد بن عثمان الزُّرَقيّ. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن المِسْوَر بن رفاعة عن عبد الله بن مُكْنِف بن حارثة الأنصاريّ قال: لمّا خرج رسول الله، ﷺ ، إلى بدر خَلّفَ عثمان على ابنته رُقيّة، وكانت مريضة فماتت، ﵂، يومَ قَدِمَ زيدُ بن حارثة المدينة بشيرًا بما فتح الله على رسول الله، ﷺ ، ببدر. وضرب رسول الله، ﷺ ، لعثمان بسهمه وأجره في بدر فكان كَمَنْ شَهِدها. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: وقال غيرُ ابن أبي سَبرة: وَزَوّجَ رسولُ الله، ﷺ ، عثمان بن عفّان بعد رُقَيّة أم كلثوم بنت رسول الله، ﷺ ، فماتت عنده، فقال رسول الله، ﷺ : لو كان عندي ثالثةٌ زَوّجتُها عثمانَ. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عائذ بن يحيَى عن أبي الحُويرث قال: استخلف رسول الله، ﷺ ، على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع عثمان بن عفّان، واستخلفه رسول الله، ﷺ ، أيضًا على المدينة في غزوته إلى غَطَفان بذى أمَرّ بنجد. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن موسى بن سعد مولى أسد بن عبد العُزّى عن يحيَى بن عبد الرّحمن بن حاطب عن أبيه قال سمعته يقول: ما رأيت أحدًا من أصحاب رسولِ الله، ﷺ ، كان إذا

стр. 864

حدّث أتَمّ حديثًا ولا أحسنَ من عثمان بن عفّان، إلّا أنّه كان رجلًا يهاب الحديث. * * * ذكر لباس عثمان قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عُتبة بن جَبيرة عن الحُصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لَبيد: أنّه رأى عثمان بن عفّان على بغلة له، عليه ثوبان أصفران، له غديرتان. قال: أخبرنا يزيد بن هارون ومحمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب (١) عن عبد الرّحمن بن سعد مولى الأسود بن سفيان قال: رأيتُ عثمان بن عفّان وهو يبنى الزّوْراء، على بغلة شهباءَ مصَفِّرًا (٢) لحيته. لم يَقُل ابن أبى فُدَيك على بغلة شهباء وقاله يزيد. قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد قال: حدّثني الحكم بن الصّلْت قال حدّثني أبى قال: رأيت عثمان بن عفّان يخطب وعليه خميصة سوداء وهو مخضوب بحنّاء. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شريك بن عبد الله قال: حدّثني شيخ من الحاطبيّين عن أبيه قال: رأيتُ على عثمان قميصًا قوهيًّا على المنبر. قال: أخبرنا هُشَيم بن بشير عن حصين عن عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال: رأيتُ على عثمان بن عفّان مُلاءَة صَفْراء. قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد قال: أخبرنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة عن موسى بن طلحة قال: رأيتُ عثمان بن عفّان وعليه ثوبان مُمَصّرَان (٣). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد عن ثابت بن عجلان عن سليم أبى عامر قال: رأيت على عثمان بن عفّان بردًا يمانيًّا ثمنَ مائة درهم.

стр. 865

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا ابن أبي سَبْرة عن مروان بن أبي سعيد بن المُعَلّى قال: حدّثني الأعرج عن محمّد بن ربيعة بن الحارث قال: كان أصحاب رسول الله، ﷺ ، يُوسعون على نسائهم في اللّباس الذي يُصانُ ويُتَجَمّلُ به، ثمّ يقول: رأيتُ على عثمان مطْرَفَ خَزٍّ ثمنَ مائتى درهم، فقال هذا لنائلة كَسَوْتُها إيّاهُ فأنا ألبَسُه أَسُرُّها به. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: سألت عمرو بن عبد الله بن عنبسة، وعروَةَ بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرّحمن بن أبي الزناد عن صفَة عثمان فلم أرَ بينهم اختلافًا قالوا: كان رجلًا ليس بالقصير ولا بالطويل، حَسَنَ الوجه، رقيقَ البَشَرَة، كبير اللّحية عظيمها، أسمَرَ اللّون، عظيمَ الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يُصَفِّرُ (١) لحيَتَه. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا واقد بن أبي ياسر أن عثمان كان يَشُدّ أسنانَهُ بالذّهب. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا واقد بن أبي ياسر عن عُبيد الله بن دارة: أن عثمان كان قد سَلِسَ بَوْلُه عليه فداواه ثمّ أرسله، فكان يتوضأ لكل صلاة. قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى قال: أخبرنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمّد عن أبيه أن عثمان تَخَتّمَ في اليسار. قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن عمر بن سعيد قال: كان عثمان بن عفّان إذا وُلد له ولدٌ دعا به وهو في خِرْقَة فيَشَمُّه (٢)، فقيل له: لِمَ تَفْعَلُ هذا؟ فقال: إنّى أُحِبّ إنْ أصابه شئٌ أنْ يكون قد وقع له في قلبى شئٌ، يعني الحُبّ.

стр. 866

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا إسحاق بن يحيَى عن عمّه موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يخرج يومَ الجمعة عليه ثوبان أصفران فيجلس على المنبر فيؤذّنُ المؤذّنُ وهو يتحدّث يسأل الناسَ عن أسعارهم وعن قُدّامهم وعن مَرْضاهم، ثمّ إذا سكت المؤذّنُ قام يتوكّأ على عَصًا عَقْفاء (١) فيخطبُ وهي في يده، ثم يجلس جلسة فيبتدئ كلام النّاس فيسائلهم كمسألته الأولى، ثم يقوم فيخطب، ثمّ ينزل ويقيم المؤذّنُ. قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ قال: أخبرنا هُشيم قال: أخبرني محمّد بن قيس عن موسى بن طلحة بن عُبيد الله قال: رأيت عثمان بن عفّان والمؤذّن يؤذّن وهو يُحَدّث النّاسَ، يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار. قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة عن أُمّ غُراب عن بُنانة قالت: كان عثمان يَتَنَشّفُ بعد الوضوء. قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة عن أُمّ غُراب عن بُنانة أنّ عثمان كان يَتَمَطّر. قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة عن أُمّ غراب عن بُنانة قالت: كان عثمان إذا اغتسل جئته بثيابه فيقول لي: لا تنظرى إلى فإنّه لا يحلّ لك، قالت وكنتُ امرأته. قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة عن أُمّ غراب عن بُنانة أن عثمان كان أبيض اللّحية. قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة عن عليّ بن مَسْعَدَة عن عبد الله الرومى قال: كان عثمان يَلى وضوءَ اللّيل بنفسه، قال فقيل له: لو أمَرْتَ بعضَ الخَدَم فَكَفَوْكَ، فقال: لا، اللّيلُ لهم يستريحون فيه. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب بن خالد قال: أخبرنا خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عن النّبيّ، ﷺ ، قال: أصْدَقُ أُمّتى حَياءً عثمانُ.

стр. 867

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا سُليم بن أخضر قال: حدّثني ابن عون عن محمّد قال: كان أعلمهم بالمناسك ابن عفّان، وبعده ابن عمر. قال: أخبرنا رَوْح بن عبادة وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا حَمّاد بن سَلَمَةَ قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن إبراهيم عن عكرمة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النحل: ٧٦]، قال: عثمان بن عفّان. قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا وهيب بن خالد عن يونس بن عُبيد عن الحسن قال: رأيت عثمان ينام في المسجد متوسّدًا رداءَه. قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقيّ قال: أخبرنا مسلم بن خالد الزّنجى قال: حدّثني عبد الرّحيم عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ عثمان بن عفّان لم يَتَشَهّد في وصيّته. [قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمرو بن عثمان بن هانئ عن عُبيد الله بن دارة قال: كان عثمان رجلًا تاجرًا في الجاهليّة والإسلام وكان يدفع ماله قراضًا. قال: أخبرنا محمّد بن عمر وشِبْل بن العَلاء عن العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه أن عثمان دفع إليه مالًا مضاربةً على النصف] (*). * * * ذكر الشُّورى وما كان من أَمرهم قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني شُرَحْبِيلُ بن أبي عون عن أبيه عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة قال: كان عمر بن الخطّاب وهو صحيح يُسْألُ أن يَسْتَخْلفَ فَيَأبَى، فصعِدَ يوْمًا المنبر فتكلّم بكلماتٍ وقال: إنْ مِتّ فأمْرُكُم إلى هؤلاء الستّة الذين فارقوا رسول الله، ﷺ ، وهو عنهم راضٍ: عليّ بن أبي طالب، ونظيره الزّبير بن العوّام، وعبد الرّحمن بن عوف، ونظيره عثمان بن عفّان، وطلحة بن

стр. 868

عُبيد الله، ونظيره سعد بن مالك. ألَا وإنّى أوصيكم بتَقْوَى الله في الحُكْم والعدل في القَسْم (١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الأزهريّ عن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطّاب لأصحاب الشورى: تشاوروا في أمركم فإن كان اثنان واثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعةٌ واثنان فخذوا صنْفَ الأكثر. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا هشام بن سعد وعبد الله بن زيد بن أسلم عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: وإن اجتمع رَأىُ ثلاثةٍ وثلاثة فاتبعوا صنْفَ عبد الرّحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني الضّحاك عن (٢) عثمان بن عبد الملك بن عُبيد عن عبد الرّحمن بن سعيد بن يربوع أن عمر حين طُعن قال: لِيُصَلّ لكُم صُهَيْبٌ ثلاثًا وتَشاوَروا في أمركم والأمر إلى هؤلاء الستّة، فمن بَعَلَ أمرَكم فاضربوا عنقه، يعني مَن خالفكم. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن موسى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: أرسل عمر بن الخطّاب إلى أبى طلحة قبل أن يموت بساعةٍ فقال: يا أبا طلحة كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى [فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت أحدهم، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدًا يدخل عليهم] ولا (٣) تَتْرُكْهُمْ يَمْضى اليوم الثالث حتى يُؤمّروا أحَدَهم، اللهمّ أنت خليفتى عليهم (٤). * * * ذكر بَيْعَةِ عثمان بن عفّان، ﵀ قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مالك بن أبي الرجال قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: وافى أبو طلحة في أصحابه ساعة قَبْر عُمَرَ

стр. 869

فَلَزمَ أصحابَ الشورى، فلمّا جعلوا أمرهم إلى عبد الرّحمن بن عوف يختار لهم منهم لَزمَ أبو طلحة بابَ عبد الرّحمن بن عوف بأصحابه حتى بايع عثمان. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني سعيد المُكْتِب عن سَلَمَةَ بن أبي سلَمَةَ بن عبد الرّحمن عن أبيه قال: أوّلُ من بايع لعثمان عبدُ الرّحمن ثمّ عليّ بن أبى طالب. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عمر بن عَميرة بن هُنَيٍّ مولى عمر بن الخطّاب عن أبيه عن جدّه قال: أنا رأيتُ عليًّا بايع عثمان أوّلَ النّاس ثم تَتَابَعَ النّاسُ فبايعوا. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لمّا بويع خَرَجَ إلى النّاس فخَطَبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاسُ إنّ أوّلَ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وإنّ بعدَ اليوم أيّامًا، وإنْ أعِشْ تَأتِكُمُ الخطبةُ على وَجْهِها، وما كُنّا خُطباء وسَيُعَلّمُنا الله. قال: أخبرنا أبو معاوية قال: أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن سنان الأسديّ قال: قال عبد الله حين استُخلف عثمان: ما ألَوْنَا عَنْ أعْلَى ذى فُوقٍ. قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير وعُبيد الله بن موسى وأبو نُعيم الفضل بن دُكين قالوا: أخبرنا مِسعر عن عبد الملك بن مَيْسَرَة عن النزّال بن سَبْرَة قال: قال عبد الله حين استُخلفَ عثمان: استخلفنا خير من بَقِىَ ولم نألُه. قال: أخبرنا حَجّاج بن محمّد عن شُعبة عن عبد الملك بن مَيْسرة عن النزّال بن سَبْرَة قال: شهدتُ عبدَ الله بن مسعود في هذا المسجد ما خَطَبَ خُطْبَةً إلا قال أمّرْنا خَيْرَ مَنْ بَقىَ ولم نألُ. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة قال: أخبرنا عاصم بن بَهْدَلَة عن أبي وائل أنّ عبد الله بن مسعود سار من المدينة إلى الكوفة ثمانيًا حين استُخلف عثمان بن عفّان فحمد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أما بعد فإنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ماتَ فلم نرَ يومًا أكثر نشِيجًا من يومئذ، وإنّا اجتمعنا أصحابَ محمّد فلم نَألُ عن خيرنا ذى فُوقٍ، فبايعنا أميرَ المؤمنين عثمان فبايعوه.

стр. 870

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص عن عثمان بن محمّد الأخنسى قال: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبْرة عن يعقوب بن زيد عن أبيه قالا: بُويع عثمان بن عفّان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذى الحِجّة سنة ثلاثٍ وعشرين، فاستقبل بخلافته المحرّم سنة أربع عشرين (١). قال محمّد بن عمر: قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة في حديثه: فَوَجّهَ عثمانُ على الحجّ تلك السنةَ عبد الرّحمن بن عَوف فحجّ بالنّاس سنة أربع وعشرين، ثمّ حَجّ عثمان في خلافته كلّها بالنّاس عشر سنين ولاءً إلّا السنةَ التي حوصرَ فيها فوجّهَ عبدَ الله بن عبّاس على الحجّ بالنّاس، وهي سنة خمسٍ وثلاثين (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أسامة بن زيد اللّيثى عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّ عثمان بن عفّان استعمله على الحجّ في السنة التي قُتل فيها سنة خمسٍ وثلاثين، فخرج فحجّ بالنّاس بأمر عثمان. قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ قال: لمّا ولِىَ عثمان عاش اثنتى عشرة سنة أميرًا يَعْمَلُ ستّ سنين لا ينْقمُ النّاس عليه شيئًا، وإنّه لأحبّ إلى قريش من عمر بن الخطّاب لأن عمر كان شديدًا عليهم، فلمّا وليَهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثمّ توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الستّ الأواخر، وكتب لمَرْوَانَ بخُمْس مصر، وأعطى أقرباءه المال، وتأوّلَ في ذلك الصّلَة التي أمر الله بها، واتخذ الأموال، واستسلف من بيت المال وقال: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإنى أخذتُه فقسمتُه في أقربائى، فأنكر النّاسُ عليه ذلك. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن أمّ بكر بنت المِسْوَر عن أبيها قال: سمعتُ عثمان يقول: أيّها النّاسُ إن أبا بكر وعمر كانا يتأوّلان في هذا المال ظَلْفَ أنفسهما وذوى أرحامهما وأنى تأوّلْتُ فيه صلَةَ رَحمى. * * *

стр. 871

ذكر المِصْريِّينَ وحصْر عثمانَ، ﵁ قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن جعفر عن أُمّ الربيع بنت عبد الرّحمن بن محمّد بن مَسْلَمَة عن أبيها قال: وأخبرنا محمّد بن عُمر قال: حدّثني يحيَى بن عبد العزيز عن جعفر بن محمود، عن محمّد بن مسلمة قال: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ابن جُرَيج وداود بن عبد الرّحمن العطّار عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أنّ المصريّين لمّا أقبلوا من مصر يريدون عثمان ونزلوا بذى خُشُب دعا عثمان محمّد بن مسلمة فقال: اذْهَبْ إليهم فارْدُدْهُمْ عنى وأعطِهم الرضى وأخبرهم أنى فاعلٌ بالأمور التي طلبوا ونازعٌ عن كذا بالأمور التي تكلّموا فيها. فركب محمّد بن مَسْلَمَة إليهم إلى ذى خُشُب، قال جابر وأرسل معه عثمان خمسين راكبًا من الأنصار أنا فيهم، وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرّحمن بن عُدَيس البَلَويّ، وسودان بن حُمْران المرادى، وابن البَيّاع، وعمرو بن الحَمِق الخُزاعى، لقد كان الاسم غلب حتى يقال: جيش عمرو بن الحمق. فأتاهم محمّد بن مسلمة فقال: إنّ أمير المؤمنين يقول كذا ويقول كذا، وأخْبرهم بقوله فلم يزل بهم حتَّى رجعوا، فلمّا كانوا بالبُويب، (١) رَأوا جملًا عليه ميسمُ الصدقة فأخذوه فإذا غلامٌ لعثمان فأخذوا متاعَه ففتشوه فوجدوا فيه قَصَبَةً من رَصاص (٢) فيها كتاب في جوف الإدَاوَة (٣) فى الماء: إلى عبد الله بن سعد أن افْعَلْ بفُلان كذا وبفلان كذا من القوم الذين شرعوا في عثمان (٤)، فَرَجَعَ القومُ ثانيةً حتى نزلوا بذى خُشُب فأرسل عثمان إلى محمّد بن مسلمة فقال: اخْرجْ فارْدُدْهم عنى، فقال: لا أفعلُ، قال فقدموا فحصروا عثمان (٥).

стр. 872

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن الحارث بن الفُضيل عن أبيه عن سفيان بن أبي العوجاء قال: أنكر عثمان أنْ يكون كتَبَ الكتاب أو أرسل ذلك الرسولَ، وقال: فُعِلَ ذلك دونى (١). قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصمّ قال: كنت فيمن أُرسلوا من جيش ذى خُشُب، قال فقالوا لنا سَلُوا أصحاب رسول الله، ﷺ ، واجعلوا آخر من تسْألون عليًّا، أنَقْدَمُ؟ قال فسألناهم فقالوا: اقْدموا، إلّا عليًّا قال: لا آمُرُكُم فإنْ أبيْتُمْ فَبَيْضٌ فَليُفْرِخُ. * * * ذكر ما قيل لعثمان في الخلْع وما قال لهم قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرني يَعْلَى بن حكيم عن نافع قال: حدّثني عبد الله بن عمر قال: قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به عليّ المغيرة بن الأخنس؟ قال قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إنّ هؤلاء القوم يريدون خلعى فإنْ خَلَعْتُ تَرَكونى وإن لم أخْلَعْ قَتَلونى، قال قلت: أرَأيْتَ إنْ خَلَعْتَ تُتْرَك مُخَلَّدًا في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يَمْلِكُونَ الجنّة والنّار؟ قال: لا، قال فقلت: أرأيتَ إن لم تَخْلَعْ هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا، قلتُ: فلا أرى أن تَسُنَّ (٢) هذه السُّنَّةَ في الإسلام كُلّما سَخطَ قومٌ على أميرهم خلعوه، لا تَخْلَعْ قَميصًا قَمّصَكَهُ الله (٣). قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا عمر بن أبي خليفة قال: حدّثتنى أُم يوسف بن ماهَكَ عن أمّها قالت: كانوا يدخلون على عثمان وهو

стр. 873

محصور فيقولون: اعْتَزِلْنَا (١)، فيقول: لا أنزعُ (٢) سِرْبالًا (٣) سَرْبَلَنِيه الله ولكن أنْزع عمّا تكرهون. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا طَلْحة بن زَيد الجَزَريّ أو الشّآميّ عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن عبد الرّحمن بن جُبير قال: قال رسول الله، ﷺ ، لعثمان: إنّ الله كَساك يومًا سربالًا فإن أرادكَ المنافقون على خلعه فلا تَخْلَعْه لظالم. قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرنا قيس قال: أخبرني أبو سَهْلَة مولى عثمان قال: قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه: وَددْتُ أنّ عندي بعضَ أصحابى، فقالت عائشة: فقلتُ يا رسول الله أدْعو لك أبا بكر، فأسكت فعرفتُ أنّه لا يريده، قلت: أدعو لك عُمَرَ، فأسكت فعرفتُ أنه لا يريده، قلت: أدعو لك عليًّا، فأسكت فعرفت أنّه لا يريده، فقلت: فأدعو لك ابن عفّان، قال: نعم، فلمّا جاء أشار إليّ رسول الله، ﷺ ، أن تباعدى، فجاء عثمان فجلس إلى النّبيّ، ﷺ ، فجعل رسول الله، ﷺ ، يقول له، ولون عثمان يتغيّر، قال قيس فأخبرنى أبو سَهْلَة قال: لمّا كان يوم الدار قيل لعثمان ألا تقاتلُ؟ فقال: إنّ رسول الله، ﷺ ، عَهِدَ إليّ عَهْدًا وإنى صابرٌ عليه، قال أبو سهلة فَيَرَوْنَ أنّه ذلك اليوم. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا حمّاد بن زيد، أخبرنا يحيَى بن سعيد عن أبي أُمامة بن سهل قال: كنتُ مع عثمان في الدار وهو محصور، قال وكنّا ندخل مدخلًا إذا دخلناه سمعنا كلامَ من على البلاط، قال فدخل عثمان يومًا لحاجةٍ فخرج مُنْتَقِعًا لونُه فقال: إنّهم لَيَتَوَعّدُونَنى بالقتل آنفًا، قال قلنا: يَكْفيكَهُمُ الله يا أمير المؤمنين، قال: وَلِمَ يقتلوننى وقد سمعتُ رسول

стр. 874

الله، ﷺ ، يقول لا يَحِلّ دَمُ امرئ مُسلم إلّا في إحدى ثلاث: رجلٍ كَفَرَ بعد إيمانه أو زَنَى بعد إحصانه أو قتل نفسًا بغير نفس، فوالله ما زنيت في جاهليّة ولا في إسلامٍ قطّ، ولا تَمَنّيْتُ أنّ لي بدينى بَدَلًا منذ هَدانى الله، ولا قتلتُ نفسًا، ففيمَ يقتلوننى؟ (١). قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: أخبرنا حفص بن أبي بكر قال: أخبرنا هيّاج بن سريع عن مجاهد قال: أشْرَفَ عثمانُ على الذين حاصروه فقال: يا قوم لا تقتلونى فإنى والٍ وأخٌ مسلمٌ، فوالله إنْ أرَدْتُ إلّا الإصْلاح ما استطعتُ أصَبْتُ أو أخْطَأتُ، وإنكم إنْ تقتلونى لا تصَلّون جميعًا أبدًا ولا تغزون جميعًا أبدًا ولا يُقسَمُ فَيؤكُمْ بينكم، قال فلمّا أبَوْا قال: أنْشِدُكم الله هل دَعَوْتُم عند وفاة أمير المؤمنين بما دعوتُم به، وأمْرُكُمْ جَميعًا لم يَتَفَرّقْ وأنتم أهل دينه وحقّه فتقولون إنّ الله لم يُجبْ دَعْوَتَكُمْ أم تقولون هان الدين على الله، أم تقولون إنى أخذتُ هذا الأمرَ بالسيف والغلبة ولم آخُذْه عن مَشْوَرَةٍ (٢) من المسلمين، أم تقولون إنّ الله لم يَعْلَمْ من أوّل أمرى شيئًا لم يعلم من آخره؟ فلمّا أبوا قال: اللهمّ أحصهم عَدَدًا واقْتلهم بَدَدًا ولا تُبْق منهم أحَدًا. قال مجاهد فقتل الله منهم من قَتَلَ في الفتنة، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفًا فأباحوا المدينة ثلاثًا يصنعون ما شاءُوا لمداهنتهم. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عمرو بن عبد الله بن عَنْبسة بن عمرو بن عثمان قال: حدّثني محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن ابن لبيبة أنّ عثمان بن عفّان لمّا حُصِرَ أشرفَ عليهم من كُوّةٍ في الطَّمار (٣) فقال: أفيكم طَلحة؟ قالوا: نعم، قال: أَنْشُدك الله هل تعلم أنّه لمّا آخى رسولُ الله بين المهاجرين والأنصار آخى بيني وبين نفسه؟ فقال طلحة: اللهمّ نعم، فقيل لطلحة في ذلك فقال: نَشَدَنى، وأمْرٌ رأيْتُهُ ألا أشْهَدُ به؟ (٤). قال: أخبرنا محمّد بن يزيد الواسطيّ ويزيد بن هارون قالا: أخبرنا العَوّام بن حَوْشَب عن حَبيب بن أبي ثابت عن أبي جعفر محمّد بن عليّ قال: بعث عثمان

стр. 875

إلى عليّ يدعوه وهو محصور في الدار فأراد أن يأتيَه، فتعلَّقوا به ومنعوه، قال فحلّ عمامةً سوداءَ على رأسه وقال هذا أو قال: اللهمّ لا أرضى قتله ولا آمر به، والله لا أرضى قتله ولا آمر به. قال: أخبرنا كثير بن هشام عن جعفر بن بُرْقان قال: حدّثني راشد بن كَيْسان أبو فَزارة العبْسيّ أنّ عثمان بعث إلى عليّ وهو محصور في الدار أن ائْتِنى، فقام عليّ ليأتِيَه، فقام بعض أهل عليّ حتَّى حبسه وقال: ألا ترى إلى ما بين يديك من الكتائب؟ لا تَخْلُصُ إليه، وعلى عليّ عمامةٌ سوداءُ فنَقَضَها على رأسه ثمّ رمى بها إلى رسول عثمان وقال: أخْبِرْهُ بالذى قد رأيت. ثمّ خرج عليّ من المسجد حتى انتهى إلى أحجار الزيت (١) في سوق المدينة فأتاه قتله فقال: اللهمّ إنّى أبرأ إليك من دَمِه أن أكون قتلتُ أو مالأتُ على قتله. قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال: أخبرنا ميمون بن مِهران قال: لما حوصر عثمان بن عفّان في الدّار بعث رجلًا فقال: سَلْ وانْظر ما يقول النّاس، قال: سمعتُ بعضهم يقول قد حَلّ دَمُه، فقال عثمان: ما يحلّ دمُ امرئٍ مسلم إلا رجل كَفَرَ بعد إيمانه أو زَنَى بعد إحْصَانه أَو قَتَلَ رجلًا فقُتلَ به، قال وأحْسَبُه قال هو أو غيره: أو سَعَى في الأرض فسادًا. قال: أخبرنا رَوح بن عبادة قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَروبة عن يَعْلَى بن حَكيم عن نافع عن ابن عمر قال: لمّا أرادوا أن يقتلوا عثمان أشرف عليهم فقال: عَلامَ تقتلوننى؟ فإنى سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول لا يَحِلّ قتلُ رجلٍ إلا بإحدى ثلاث: رجل كَفر بعد إسلامه فإنّه يُقتل، ورجل زَنَى بعد إحصانه فإنّه يُرجَمُ، ورجل قَتَل رجلًا متعمّدًا فإنّه يُقْتَل. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن عمرو عن أبيه عن علقمة بن وقّاص قال: قال عمرو بن العاص لعثمان وهو على المنبر: يا عثمان إنّك قد رَكِبْتَ بهذه الأمّة نَهابِيرَ (٢) من الأمر فَتُبْ وَلْيتُوبوا معك، قال فحوّل وجهه

стр. 876

إلى القبلة فرفع يديه فقال: اللهمّ إنّى أستغفِرُك وأتوب إليك: ورفع النّاس أيديهم. قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ من بنى عامر بن لؤيّ قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عمرو بن العاص أنه قال لعثمان: إنّك ركبتَ بنا نَهابيرَ وركبناها معك، فتُب يَتُب النّاسُ معك، فرفع عثمان يديه فقال: اللهمّ إنى أتوب إليك (١). قال: أخبرنا شَبابة بن سَوّار الفزارى قال: وحدّثنى إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جدّه قال: سمعتُ عثمان بن عفّان يقول: إنْ وَجَدْتُم في كتاب الله أن تضعوا رجْلَيّ في قيود فضعوهما. قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: أخبرنا هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين قال: جاء زيدُ بن ثابت إلى عثمان فقال: هذه الأنصار بالباب يقولون إنْ شِئْتَ كنّا أنصارًا لله مرّتين، قال فقال عثمان: أمّا القتال فلا. قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عثمان يوم الدّار: إنّ أعْظَمَكُمْ عَنّى غَناءً رجلٌ كَفّ يَدَه وسلاحه (٢). قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: أخبرنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هُريرة قال: دخلتُ على عثمان يوم الدّار فقلتُ يا أمير المؤمنين طَابَ الضَّرْبُ! (٣) فقال: يا أبا هُريرة أيَسُرّكَ أنْ تَقْتُلَ النّاسَ جميعًا وإيّاىَ؟ قال: قلت لا، قال: فإنّك والله إن قتلتَ رجلًا واحدًا فكأنّما قَتَلْتَ (٤) النّاسَ جميعًا، قال: فرجعتُ ولم أقاتل.

стр. 877

قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزّبير قال: قلت لعثمان يوم الدّار: قاتلهم فوالله لقد أحلّ الله لك قتالهم. فقال: لا والله لا أقاتلهم أبدًا. قال فدخلوا عليه وهو صائم، قال وقد كان عثمان أمّرَ عبد الله بن الزّبير على الدّار، وقال عثمان: مَنْ كانت لي عليه طاعَةٌ فَلْيُطِعْ عبد الله بن الزّبير (١). قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى، ابن عُليّةَ عن أيّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عبد الله بن الزّبير قال: قلت لعثمان يا أمير المؤمنين إنّ معك في الدّار عصابة مستنصرةً بنصر الله بأقَلّ منهم لعثمان فأذَنْ لي فَلأقاتلُ، فقال: أَنْشُدُ (٢) الله رَجُلًا، أو قال: أذَكّرُ بالله رَجُلًا أهْراق في دمه، أو قال: أهراق فيّ دمًا (٣). قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان مع عثمان يومئذ في الدّار سبعُمائة، لَوْ يَدَعُهُم لضربوهم إن شاء الله حتَّى يُخْرجوهم من أقطارها، منهم ابن عمر والحسن بن عليّ وعبد الله بن الزّبير. قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: حدّثني أبو ليلى الكِنْدى قال: شَهِدْتُ عثمان وهو محصور فاطّلع من كُوٍّ وهو يقول: يا أيّها النّاس لا تقتلونى وَاسْتَتِيبونى، فوالله لئن قتلتمونى لا تصلّون جميعًا أبدًا ولا تجاهدون عَدوًّا جميعًا أبدًا ولَتَخْتَلِفُنّ حتَّى تصيروا هكذا، وشَبّك بين أصابعه، ثمّ قال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [سورة هود: ٨٩]. وأرسل إلى عبد الله بن سلام فقال: ما ترى؟ فقال: الكفّ الكفّ فإنّه أبلغ لك في الحجّة (٤). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن أبي الزناد عن أبي جعفر القارئ مولى ابن عبّاس المخزوميّ قال: كان المصريّون الذين حصروا عثمان ستّمائة، رأسهم عبد الرّحمن بن عديس البَلَويّ وكنانة بن بِشْر بن عَتّاب الكنديّ

стр. 878

وعمرو بن الحَمِق الخزاعيّ، والذين قدموا من الكوفة مائتين رأسُهم مالك الأشتر النّخَعيّ، والّذين قدموا من البصرة مائة رجل رأسهم حُكَيم بن جَبَلَة العبدى، وكانوا يدًا واحدةً في الشرّ، وكان حُثالة من النّاس قد ضَوَوْا إليهم قد مَرِجَتْ (١) عهودهم وأماناتهم، مفتونون، وكان أصحاب النّبيّ، ﷺ ، الذين خذلوه كرهوا الفتنة وظنّوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فَنَدموا على ما صنعوا في أمره، ولعمرى لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لانصرفوا خاسرين. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني الحكم بن القاسم عن أبي عون مولى المِسْوَر بن مخرمة قال: ما زال المصريّون كافّين عن دمه وعن القتال حتى قدمت أمداد العراق من الكوفة ومن البصرة ومن الشأم، فلمّا جاءوا وشَجُعَ القومُ حين بلغهم أن البعوث قد فَصَلَتْ من العراق من عند ابن عامر، ومن مصر من عند عبد الله بن سعد، فقالوا نُعاجلُه قبل أنْ تَقْدَمَ الأمْدَادُ (٢). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سُهيل عن مالك بن أبي عامر قال: خرج سعد بن أبي وقّاص حتَّى دخل على عثمان، رحمة الله عليه، وهو محصور، ثمّ خرج من عنده فرأى عبد الرّحمن بن عُديس ومالكًا الأشتر وحُكيم بن جَبَلَةَ، فَصَفَّق بيديه إحداهما على الأخرى، ثمّ استرجع، ثمّ أظهر الكلام فقال: والله إنّ أمْرًا هؤلاء رُؤساؤهُ لأمْرُ سَوءٍ. * * * ذكر قتل عثمان بن عفّان، رحمة الله عليه قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون عن الحسن قال: أنبأنى وثّاب، وكان فيمن (٣) أدركَهُ عِتْق أمير المؤمنين عمر، وكان بين يدى عثمان ورأيت

стр. 879

بحلْقه أثر طعنتين كأنهما كَيّتان (١)، طُعِنَهما يومئذ يومَ الدّار دار عثمان، قال: بعثنى عثمان فدعوتُ له الأشتر فجاء، قال ابن عون أظنه قال فطرحتُ لأمير المؤمنين وسادةً وله وسادة فقال: يا أشتر ما يريد النّاس منى؟ قال: ثلاثٌ ليس لك من إحداهنّ بدّ، قال: ما هنّ؟ قال: يُخَيّرُونك بين أن تَخْلَعَ لهم أمرهم فتقول هذا أمركم فاختاروا له مَن شئتم، وبين أن تُقِصّ من نفسك، فإن أبيت هاتين فإنّ القوم قاتِلوك، قال: أما (٢) من إحْداهنّ بُدّ؟ قال: لا ما من إحداهنّ بُدّ، قال: أمّا أن أخلَعَ لهم أمرهم فما كنتُ لأخْلَعَ سرْبالًا سَرْبَلَنِيه الله، قال وقال غيره: والله لأنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقى أحَبّ إليّ من أن أخْلَعَ أمّةَ مُحَمّدٍ بعضَها على بعض، قالوا هذا أشبهُ بكلام عثمان، وأمّا أن أقِصّ من نفسى فوالله لقد علمتُ أن صاحبيّ بين يديّ قد كانا يعاقبان وما يقومُ بَدَنَى للقصاص (٣)، وأمّا أن يقتلونى فوالله لئِنْ قتلونى لا يتحابون بعدى أبدًا ولا يصلّون بعدى جميعًا أبدًا ولا يقاتلون بعدى عدوًّا جميعًا أبدًا، ثمّ قام فانطلق، فمكثنا فقلنا لعلّ النّاس، فجاءَ رُوَيجلٌ كأنّه ذئب فاطّلع من باب ثمّ رجع، فجاء محمّد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلًا حتَّى انتهى إلى عثمان فأخذ بلحيته فقال بها حتَّى سُمِعَ وَقْعُ أضْراسه فقال: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كُتُبُكَ، فقال: أرْسِلْ لي لِحْيَتى يابن أخى، أرسل لي لحيتى يابن أخى، قال: فأنا رأيت استعداءَ رجلٍ من القوم يُعينه فقام إليه بمشْقَصٍ (٤) حتَّى وَجَأ به في رأسه، قال ثمّ قلت: ثُمّ مَهْ (٥)؟ قال: ثمّ تغاووا (٦) والله عليه حتَّى قتلوه، ﵀ (٧).

стр. 880

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرّحمن بن عبد العزيز عن عبد الرّحمن بن محمّد بن عبد أن محمّد بن أبي بكر تَسَوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة بن بِشْر بن عتّاب وسودان بن حُمران وعمرو بن الحَمِق فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة وهو يقرأ في المُصْحَف سورة البقرة، فتَقَدّمهم محمّد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال: قد أخْزاك الله يا نَعْثَلُ، فقال عثمان: لستُ بنعثل ولكن عبدُ الله وأمير المؤمنين، فقال محمّد: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان، فقال عثمان: يابن أخى دع عنك لحيتى فما كان أبوك لِيَقْبِضَ على ما قبضتَ عليه. فقال محمّد: ما أريد بك أشَدّ من قبضى على لحيتك، فقال عثمان: أسْتَنْصِرُ الله عليك وأستعين به. ثمّ طعن جبينه بمِشْقَصٍ في يده، ورفع كنانة بن بشر بن عتّاب مَشاقصَ كانت في يده فوجأ بها في أصل أُذُن عثمان فمضت حتَّى دخلت في حلقه، ثمّ علاه بالسيف حتى قتله (١). قال عبد الرّحمن بن عبد العزيز: فسمعتُ ابن أبي عون يقول ضرب كنانة بن بشر جَبينه ومُقَدّم رأسه بعمود حديدٍ فخرّ لجنبه، وضربه سودان بن حُمران المرادى بعدما خرّ لجنبه فقتله، وأمّا عمرو بن الحَمِق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رَمَقٌ فطعنه تسع طعنات، وقال أمّا ثلاث منهنّ فإنى طعنتهنّ لله، وأمّا ستّ فإنى طعنته إيّاهُنّ لما كان في صدرى عليه (٢). قال: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني الزّبير بن عبد الله عن جدّته قالت: لمّا ضربه بالمشاقِص قال عثمان: بسم الله توكّلتُ على الله، وإذا الدمُ يسيلُ على اللحية يَقْطُر والمُصْحَفُ بين يديه فاتّكأ على شقّه الأيسر وهو يقول: سبحانَ الله العظيم، وهو في ذلك يقرأ المصحف والدّم يسيل على المصحف حتَّى وقف الدّم عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة البقرة: ١٣٧]، وأطبَقَ المصحفَ، وضربوه جميعًا ضَرْبَةً واحدة، فضربوه والله، بأبى هو يُحيى الليلَ في ركعةٍ ويَصلُ الرّحِمَ ويُطْعِمُ الملهوف ويَحْمِلُ الكَلّ، فرحمه الله (٣).
следующие страницы →