ولكن الغرض من هذا السؤال هو التقريع والتوبيخ.
(و) يسأل (بكيف عن الحال، وبأين عن المكان، وبمتى عن الزمان)
===
مستخبر وغير ذلك مما هو مذكور فى مغنى اللبيب
(قوله: ولكن الغرض من هذا الاستفهام هو التقريع والتوبيخ) أى: على عدم اتباع مقتضى الآيات مع كثرتها وبيانها وحينئذ فالمعنى: قل لهم هذا الكلام، فإذا أجابوك بأننا آتيناهم آيات كثيرة فوبخهم على عدم الاتباع مع كثرة الآيات، وإنما كان الغرض من هذا الاستفهام التقريع والتوبيخ، وليس الغرض به استعلام مقدار عدد الآيات من جهة بنى إسرائيل؛ لأن الله تعالى علام الغيوب، فلو كان المراد مجرد علم مقدار الآيات لأعلم الله نبيه بقدرها وتولى ذلك الإعلام، فتعين أن يكون الغرض به التقريع والتوبيخ، قيل ويصح أن يكون الاستفهام على ظاهره بأن يكون القصد أمر النبى- ﷺ أن يسأل بنى إسرائيل حقيقة ليعلم من جهتهم مقدار الآيات؛ لأنه لم يكن يعلمها بلا إعلام وقد تكون الحكمة إنما هى فى علم مقدارها من جهتهم، وعلى هذا فالمعنى سلهم عما آتيناهم من الآيات فيجيبونك عن عددها فإذا علمت أن كم فى الآية مستعملة فى حقيقتها وهو الاستفهام، وأن الغرض منه التوبيخ كما قال الشارح، لا أنها مستعملة فى التوبيخ سقط ما قيل اعتراضا على المصنف كان المناسب ذكر هذه الآية بعد قوله: ثم إن هذه الكلمات الاستفهامية كثيرا إلخ؛ لأن الكلام هنا فى الاستفهام الحقيقى ولا يصح التمثيل بذلك هنا- تأمل.
(قوله: ويسأل بكيف عن الحال) أى: الصفة التى عليها الشىء كالصحة والمرض والركوب والمشى، فيقال كيف زيد أو كيف وجدت زيدا أى: على أى حال وجدته؟ فيقال صحيح أو مريض ويقال كيف جاء زيد فيقال راكبا أو ماشيا وليست كيف ظرفا، وإن كان يقال فى تفسيرها فى أى حال وجدته؟ لأنه تفسير معنوى كما يقال فى تفسير الحال فى قولنا: جاء زيد راكبا أى جاء فى حالة الركوب، وإنما هى بحسب العوامل ففى قولنا: كيف وجدت زيدا تكون مفعولا أو حالا وفى قولنا: كيف زيد تكون خبرا
(قوله: عن المكان) فيقال: أين جلست بالأمس مثلا، وجوابه أمام الأمير
стр. 1122
ماضيا كان أو مستقبلا (وبأيان عن) الزمان (المستقبل، قيل: وتستعمل فى مواضع التفخيم، مثل: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ...
===
وشبهه ونحو: أين زيد وجوابه فى الدار، أو فى المسجد مثلا
(قوله: ماضيا كان أو مستقبلا) فيقال فى الماضى مثلا متى جئت؟ والجواب سحرا، أو نحوه، ويقال فى المستقبل: متى تأتى؟ فيقال بعد شهر، وكان يمكن الشارح أن يزيد أو حالا؛ لأنه يسأل بمتى عنه أيضا خلافا لما يوهمه اقتصاره.
(قوله: عن الزمان المستقبل) فيقال أيان يثمر هذا الغرس؟ فيقال بعد عشرين سنة مثلا، ويقال أيان تأتى؟ فيقال بعد غد، وظاهر المصنف أن أيان للاستقبال ولو وقع بعدها اسم نحو: أيان مرساها وقال ابن مالك إنها للمستقبل إذا وليها فعل بخلاف ما إذا وقع بعدها اسم كقوله تعالى: أَيَّانَ مُرْساها (١) قال بعضهم: وفيه نظر؛ لأن مرساها مراد به الاستقبال، إذ المراد أيان الزمان الذى ترسى وتستقر فيه هل هو زمان قريب أو بعيد، قيل إن أصل أيان: أىّ أوان فحذفت إحدى الياءين من أى، والهمزة من أوان، فصار أيوان فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى الياء فصار أيان ورد ذلك بأن كسر الهمزة فيه لغة مستعملة وهو يأبى أن يكون أصله ذلك؛ لأنه تثقيل فى مقام التخفيف اللهم إلا أن يقال الكسر عوض عن الياء المحذوفة، والحق أن كون الاسم غير متمكن يأبى التصريف المذكور انتهى فنرى
(قوله: قيل وتستعمل فى مواضع التفخيم) أى: فى المواضع التى يقصد فيها تعظيم المسئول عنه والتهويل بشأنه، ثم إن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه أنها لا تستعمل إلا فى مواضع التفخيم فتكون مختصة بالأمور العظام نحو: أَيَّانَ مُرْساها، وأَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (٢)، وعلى هذا فلا يقال: أيان تنام كما قاله السيد، ويحتمل أن المراد منه أنها تستعمل للتفخيم كما تستعمل فى غيره وهو ظاهر كلام النحويين حيث قالوا: إنها كمتى تستعمل للتفخيم وغيره
(قوله: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) (٣) أى: فقد استعملت أيان مع يوم القيامة للتهويل والتفخيم بشأنه، وجواب هذا
стр. 1123
(وأنى تستعمل تارة بمعنى كيف) ويجب أن يكون بعدها فعل (نحو: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) ...
===
السؤال يومهم على النار يفتنون، فإن قلت: إن الإخبار بأيان عن يوم القيامة مشكل؛ وذلك لأن اسم الزمان لا يخبر به إلا عن الحدث ولا يخبر به عن الجثة ويوم القيامة كالجثة، قلت فى الكلام حذف مضاف والتقدير: أيان وقوع يوم القيامة أى: يوم القيامة يقع فى أى زمان؟ فلم يلزم الإخبار المذكور، فإن قلت: إن السؤال عن زمان وقوع اليوم الذى هو من أسماء الزمان يلزم عليه أن يكون للزمان زمان يقع فيه، قلت: يجوز أن يعتبر الأخص ظرفا للأعم والعكس وما هنا من هذا القبيل؛ وذلك لأن المستقبل أعم من يوم القيامة؛ لأنه من النفخة الثانية إلى دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، واعترض على المصنف والشارح فى تمثيلهما بأيان يوم القيامة وأيان يوم الدين بأنه كلام محكى عن الإنسان الذى يحسب أن لن يجمع الله عظامه وهو لا يقصد تفخيم يوم القيامة؛ لأنه لا يقر به، اللهم إلا أن يقال إن التفخيم قد تحقق باعتبار أن هذا القائل يقول هذا السؤال بناء على اعتقاد المخاطب استهزاء به وإنكارا عليه أو يقال: إن هذه الحكاية عن ذلك الإنسان بالمعنى وعبر فيها بما يقتضى التفخيم إشعارا بعظم اليوم نفسه، وإن كان الجاحد لا يقر به
(قوله: وأنّى) أى: الاستفهامية وقوله تستعمل إلخ يحتمل أن تكون حقيقة فى الاستعمالين فتكون من قبيل المشترك، وأن تكون مجازا فى أحدهما، وسيأتى فى الشارح
(قوله: تارة) أى: مرة بعد مرة كما فى الصحاح فجردت عن بعض معناها
(قوله: ويجب أن يكون بعدها فعل) أى: بخلاف كيف وظاهره أنه لا فرق بين الماضى وغيره وهو كذلك، فالأول كالآية المذكورة، والثانى كقوله تعالى: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها (١)
(قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (٢) قيل: إن أنّى فى هذه الآية غير الاستفهامية، إذ لو كانت كذلك لاكتفت بما بعدها؛ لأن من شرط الاستفهام أن يكتفى بما بعده من فعل نحو: أنى يكون لى ولدا أو اسم نحو: أنى لك هذا بل هى شرطية بمعنى كيف الشرطية وجوابها محذوف أى: أنى شئتم فأتوا وحذف الجواب لدلالة فأتوا
стр. 1124
أى: على أى حال، ومن أى شق أردتم بعد أن يكون المأتى موضع الحرث. ولم يجئ:
أنى زيد؟ ؛ بمعنى: كيف هو؟ (وأخرى بمعنى: من أين؛ نحو: أَنَّى لَكِ هذا (١))
===
عليه، وحينئذ فتمثيل المصنف وغيره لأنى الاستفهامية بالآية فيه نظر، فالأولى التمثيل بأنى يحيى هذه الله بعد موتها وفيه أن جعلها استفهامية على الوجه الذى ذكره الشارح ظاهر، وحينئذ فلا حاجة لتكلف الحذف، وذكر الضحاك أن أنى فى الآية بمعنى متى، وأنه معنى ثالث لها ويرده سبب النزول وهو ما روى أن اليهود كانوا يقولون: من باشر امرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول، فذكر ذلك عند رسول الله ﷺ فنزلت الآية
(قوله: أى على أى حال) تفسير لها بمعنى كيف، والعامل فى أنى هذه فأتوا، وأورد العلامة أبو حيان على ذلك ما حاصله إن أنى إذا كانت شرطية أو استفهامية لها الصدر فلا يعمل فيها ما قبلها- تأمل.
وقوله على أى حال أى: من قيام أو اضطجاع وقوله: ومن أى شق أى: من خلف أو أمام
(قوله: المأتى) بفتح التاء أى مكان الإتيان
(قوله: موضع الحرث) أى: وهو القبل دون الدبر، ومما يؤيد ذلك أن الله تعالى قال فى آية: (٢) فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إذ يفهم منه أن ثم موضعا لم يؤمر بالإتيان منه، وغير الدبر مأمور بالإتيان منه إجماعا، فلم يبق محل لم يؤذن فيه إلا الدبر، وأخذ الشيعة من الآية جواز إتيان المرأة فى دبرها، وتأولوا الآية على أن المراد: فأتوا حرثكم أى: ذات الحرث وهى النساء، فيصدق بالإتيان فى أى موضع ورد عليهم بأن الحرث بمعنى المحروث وهو القبل، فشبه الفرج بالأرض المحروثة والمنى بالبذر والذكر بالمحراث والولد بالنبات
(قوله: ولم يجىء أنى زيد) أى: من غير إيلاء الفعل لها وهذا محترز قوله: ويجب أن يكون بعدها فعل
(قوله: بمعنى كيف هو) أى أصحيح أم سقيم.
(قوله: وأخرى بمعنى من أين) أى: وهذه لا يجب أن يكون بعدها فعل وظاهره أن أنى فى تلك الحالة متضمنة لمعنى الاسم والحرف معا وهما الظرفية والابتدائية، وسيأتى عن بعض النحاة ما يخالف ذلك.
стр. 1125
أى: من أين لك هذا الرزق الآتى كل يوم، وقوله: تستعمل إشارة إلى أنه يحتمل أن يكون مشتركا بين المعنيين، وأن يكون فى أحدهما حقيقة وفى الآخر مجازا، ويحتمل أن يكون معناه: أين إلا أنه فى الاستعمال يكون مع من ظاهرة؛ كما فى قوله: من أين عشرون لنا من أنى أو مقدرة؛ كقوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا (١) أى:
من أنى؛ أى: من أين؛ ...
===
قال فى عروس الأفراح: والفرق بين أنى ومن أين أن أنى سؤال عن المكان الذى دخل فيه الشىء ومن أين سؤال عن المكان الذى برز عنه الشىء. اه.
(قوله: أى من أين لك هذا الرزق إلخ) أى: وليس المراد كيف لك هذا بدليل قولها قالت هو من عند الله
(قوله: الآتى كل يوم) لأنه كان يجد عندها فاكهة الشتاء فى الصيف وفاكهة الصيف فى الشتاء، ثم إنه ليس المراد المكان حقيقة، وإنما يراد به ما يراد من قولهم من أى وجه نلت ما نلت؟
(قوله: وقوله تستعمل) أى: دون أن يقول وضعت
(قوله: إشارة إلى أنه) أى أنى، وقوله مشتركا أى: اشتراكا لفظيا، وقوله: بين المعنيين.
أى: معنيى كيف ومن أين
(قوله: ويحتمل أن يكون إلخ) عطف على يحتمل الأول أى:
وإشارة إلى أنه يحتمل أن يكون معناه إلخ، وحاصل كلام الشارح أن المصنف عبر بتستعمل إما للإشارة إلى أنه أى أنى يحتمل أن يكون مشتركا بين المعنيين وأنه حقيقة فيهما وأن يكون حقيقة فى أحدهما مجازا فى الآخر، وإما للإشارة إلى ما قاله بعض النحاة:
إن أنى إذا لم تكن بمعنى كيف معناه أين دائما، لكن تكون من قبلها إما مقدرة كما فى الآية أو ظاهرة كما فى البيت؛ وذلك لأن قول المصنف إنها تستعمل بمعنى من أين صادق بما إذا كان ذلك على جهة إضمار من أو بدونه، والحاصل أن المصنف إنما عبر بتستعمل دون وضعت إشارة إلى أنه يحتمل احتمالات ثلاثة، وهذا ما يفيده كلام المطول، وسم.
والذى فى الحفيد أن قوله: ويحتمل متعلق بالاستعمال الثانى الذى ذكره المصنف بقوله وأخرى بمعنى: من أين، وأن الأولى للشارح أن يقول وقوله: بمعنى من أين معناه:
أين فيكون نصا فى تعلقه بالاستعمال الثانى.
стр. 1126
على ما ذكره بعض النحاة (ثم إن هذه الكلمات) الاستفهامية (كثيرا ما تستعمل فى غير الاستفهام) مما يناسب المقام بحسب معونة القرائن (كالاستبطاء؛ نحو: كم دعوتك، والتعجب؛ نحو: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ (١) ...
===
(قوله: ويحتمل أن يكون معناه) أى: معنى أنى وقوله: أين أى لا مجموع من أين وقوله: إلا أنه أى أنى
(قوله: من أين إلخ) خبر مقدم، وعشرون: مبتدأ مؤخر، ولنا:
صفة له وقوله من أنى الظاهر أنه خبر حذف مبتدؤه وصفته بدليل ما قبله أى: من أنى عشرون لنا والجملة مؤكدة لما قبلها، ويحتمل أن يكون تأكيدا، فالمراد من أين وجود الفصل. اه يس.
(قوله: على ما ذكره إلخ) متعلق بقوله أن يكون معناه إلخ
(قوله: ثم إن هذه الكلمات إلخ) إنما عبر بالكلمات ليشمل الاسم منها والحرف
(قوله: كثيرا ما تستعمل فى غير الاستفهام) أى: الذى هو أصلها فيكون استعمالها فى ذلك الغير مجازا لمناسبة بين المعنى الأصلى وذلك الغير مع وجود القرينة الصارفة عن إرادة ذلك المعنى الأصلى الذى هو الاستفهام وما ذكرناه من أن استعمال تلك الكلمات الاستفهامية فى تلك المعانى المغايرة للاستفهام مجاز هو ما يفيده كلام الشارح فى المطول، والظاهر أنه مجاز مرسل كما يأتى بيانه
(قوله: بحسب معونة) أى إعانة القرائن الدالة على تعيين ما يناسب المقام وهو متعلق بتستعمل أو بمحذوف أى وتعيين ذلك الغير
(قوله: كالاستبطاء) أى:
تأخر الجواب
(قوله: نحوكم دعوتك) أى: نحو قولك لمخاطب دعوته فأبطأ فى الجواب كم دعوتك فليس المراد استفهام المتكلم عن عدد الدعوة لجهله به، إذ لا يتعلق به غرض فقرينة الابطاء مع عدم تعلق الغرض بالاستفهام ومع جهل المخاطب بالعدد دالة على قصد الاستبطاء والعلاقة السببية، وبيان ذلك أن السؤال عن عدد الدعوة الذى هو مدلول اللفظ مسبب عن الجهل بذلك العدد والجهل به مسبب عن كثرته عادة، إذ يبعد جهل القليل وكثرته مسببة عن الاستبطاء، فأطلق اسم المسبب وأراد السبب ولو بوسائط، والأولى إسقاط الوسائط التى لا حاجة لها، وذلك بأن تقول الاستفهام عن عدد
стр. 1127
لأنه كان لا يغيب عن سليمان ﵊ إلا بإذنه فلما لم يبصره مكانه تعجب من حال نفسه فى عدم إبصاره إياه، ولا يخفى أنه لا معنى لاستفهام العاقل عن حال نفسه، وقول صاحب الكشاف: نظر سليمان إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال: مالى لا أرى؟ ؛ على معنى أنه لا يراه ...
===
الدعاء مسبب عن تكرير الدعوة وتكريرها مسبب عن الاستبطاء فهو من باب استعمال اسم المسبب فى السبب، ومثل ما قيل هنا يقال فيما مثل به أيضا من قوله تعالى مَتى نَصْرُ اللَّهِ (١) فالاستفهام عن زمان النصر يستلزم الجهل بذلك الزمن والجهل به يستلزم استبعاده عادة أو ادعاء، إذ لو كان قريبا كان معلوما بنفسه أو بأماراته الدالة عليه واستبعاده يستلزم استبطاءه
(قوله: لأنه) أى: الهدهد كان لا يغيب إلخ وهذا علة لمحذوف أى: وإنما كان الغرض من هذا التركيب التعجب؛ لأنه إلخ
(قوله: فى عدم إبصاره) أى: وهو عدم إبصاره له، ففى بمعنى من البيانية، أو أنه من ظرفية المطلق فى القيد أى: تعجب من حال نفسه المتحقق فى عدم إبصاره إياه كذا ذكر بعضهم، وهذا مبنى على أن المستفهم عنه عدم إبصاره، وليس كذلك، إذ معنى العبارة أى شىء ثبت لى فى حال كونى لا أرى الهدهد أى: أى حالة حصلت لى منعتنى رؤيته، فالأولى أن يقال المعنى تعجب من حال نفسه فى وقت عدم إبصاره، فالمراد بحال نفسه هنا الحالة التى قامت به وقت عدم رؤية الهدهد مع حضوره بحسب ظنه أولا فكانت سببا لعدم الرؤية، وتلك الحالة إما غفلة بصره، أو مرض عينيه، أو نحو ذلك
(قوله: ولا يخفى إلخ) علة لمحذوف عطف على قوله تعجب من حال نفسه أى: لأنه استفهم عنها، إذ لا يخفى أنه لا معنى لاستفهام العاقل: كسليمان عن حال نفسه؛ لأن العاقل أدرى بحال نفسه من غيره فكيف يستفهم عنها من الغير، ولما امتنع حمل الكلام على ظاهره من السؤال عن حال نفسه عند عدم الرؤية حمل على التعجب مجازا؛ لأن السؤال عن الحال وهو السبب فى عدم الرؤية يستلزم الجهل بذلك السبب والجهل بسبب عدم الرؤية يستلزم التعجب وقوعا أو ادعاء، إذ التعجب معنى قائم بالنفس يحصل من إدراك الأمور القليلة الوقوع
стр. 1128
وهو حاضر لساتر ستره، ...
===
المجهولة السبب، فاستعمال لفظ الاستفهام فى التعجب مجاز مرسل من استعمال اسم الملزوم فى اللازم وما ذكره الشارح من أن العاقل لا يستفهم عن حال نفسه من الغير لا يرد عليه أن المريض يسأل الطبيب عن حاله؛ لأن المريض إنما يسأله عن سبب مرضه أو عما ينفعه لا عن كونه مريضا، ثم إن ما ذكره الشارح من أنه لا معنى لاستفهام العاقل عن حال نفسه ظاهر بالنسبة للأحوال التى لا تخفى على صاحبها كقيامه وقعوده وجوعه وعطشه، فلا يقال ما حالى أى: أنا نائم أو قاعد أو أنا جائع أو لا، وأما الأحوال المنفصلة، أو ما فى حكمها مما تخفى عليه فيجوز أن يستفهم الإنسان عنها كأن يقال ما بالى أوذى دون سائر المسلمين أى: ما السبب الذى صار متعلقا بى وحالا من أحوالى فأوجب أذيتى، ومن المعلوم أن السبب فى عدم رؤيته للهدهد حال منفصلة عنه، وحينئذ فلا يتم ما ذكره الشارح من التعليل، ولما أمكن حمل السؤال فى الآية على الحال المنفصلة التى يمكن السؤال عنها أجرى الاستفهام الواقع فيها على الاستفهام الحقيقى عند الزمخشرى، وإليه أشار الشارح بقوله وقول صاحب الكشاف إلخ، وهو مبتدأ خبر يدل إلخ
(قوله: وهو حاضر) أى: والهدهد حاضر وهذه الجملة حالية، وقوله لسائر متعلق بقوله لا يراه، وحاصله أن سليمان جازم بعدم رؤيته مع حضوره ومتردد فى السبب المانع له من الرؤية مع حضوره هل هو ساتر ستره عنه، أو غير ذلك ككونه خلفه أو على يمينه أو يساره، فسأل الحاضرين عن ذلك السبب الذى منعه فقال لهم:
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ (١) أى: ما السبب فى عدم رؤيتى له والحال أنه حاضر هل هو ساتر ستره عنى أو غير ذلك ككونه خلفى كذا قرر شيخنا العدوى، ويوافقه ما فى، سم، وفى ابن يعقوب فى بيان كلام الزمخشرى: المذكور هنا ما محصله أن سليمان لما نظر لمكان الهدهد فلم يبصره تردد فى السبب المانع له من الرؤية هل هو ساتر تعلق به فمنعه من الرؤية مع كونه حاضرا، أو ليس هو ساترا مع كونه حاضرا، بل غيبته فلما تردد فى ذلك السبب سأل الحاضرين عن ذلك السبب الذى أوجب له منع الرؤية من
стр. 1129
أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له؛ يدل أن الاستفهام على حقيقته (والتنبيه على الضلال؛ ...
===
كونه ساترا أو غيبته عنه بلا إذن، فقال لهم: مالى لا أرى الهدهد أى: ما السبب فى عدم رؤيتى له هل هو ساتر ستره عنى مع كونه حاضرا أو غيبته بلا إذن. اه.
وربما كان التقرير الأول أقرب لكلام شارحنا، وعلى كل من التقريرين فالمسئول عنه ليس حالا من أحوال نفسه- فلذا صح السؤال عنه
(قوله: وهو حاضر) لظنه حضوره.
(قوله: أو غير ذلك) أى: ككونه خلفه
(قوله: ثم لاح) أى ظهر له لا على وجه الجزم بدليل قوله بعد ذلك كأنه يسأل إلخ
(قوله: فأضرب عن ذلك) أى: عما ذكر من الجزم بحضوره المشار له بقوله وهو حاضر، والمراد أضرب السؤال الذى كان على وجه الاحتمال وتساوى الأمرين والاحتمال الأول هنا يناسب الاحتمال الأول المذكور سابقا، والثانى هنا يناسب الثانى فيما مر وقوله فأضرب عن ذلك أى: حال كونه مستفهما بقوله أم كان من الغائبين أى: بل أكان من الغائبين فأم منقطعة لا متصلة؛ لأن شرطها وقوع الهمزة قبلها
(قوله: كأنه يسأل عن صحة ما لاح له) أى:
هل ما لاح له من كونه غائبا صحيح أم لا وضمير كأنه لسليمان
(قوله: يدل على أن الاستفهام على حقيقته) كذا فى بعض النسخ من غير زيادة لا قبل يدل وهى ظاهرة ويوافقها ما قاله العلامة السيد فى شرح المفتاح ونصه الذى يظهر مما ذكره صاحب الكشاف حمل مالى على حقيقة الاستفهام، فيكون المعنى أى أمر ثبت لى وتلبس بى فى حال عدم رؤيتى الهدهد أهناك ساتر أو مانع آخر. اه.
وفى بعض النسخ لا يدل على أن الاستفهام على حقيقته بإدخال لا على يدل وهذه النسخة مشكلة، فإن قوله على معنى أنه لا يراه لساتر أو غير ذلك والحال أنه حاضر صريح فى أنه استفهام حقيقى عن السبب الذى أوجب منع الرؤية ما هو؟
وأجيب عن هذه النسخة بأن مراد الشارح عدم الدلالة قطعا لاحتمال إرادة التعجب وهذا لا ينافى ظهوره فى حقيقة الاستفهام كما قال السيد فلا مخالفة بين كلام الشارح
стр. 1130
نحو: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (١) والوعيد؛ كقولك لمن يسىء الأدب: ألم أؤدب فلانا ...
===
حتى على هذه النسخة وبين كلام السيد وحاصل ما فى المقام أن عدم الرؤية قد يكون لحائل فى جانب الرائى، وقد يكون لحائل فى جانب المرئى فقوله: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ إن كان استفهاما عن حائل فى جانب الرائى يوجب عدم الرؤية فلا يمكن حمل الاستفهام على حقيقته، إذ لا معنى للاستفهام عن حال نفسه فهو مجاز عن التعجب، وإن كان استفهاما عن حائل فى جانب المرئى يوجب عدم الرؤية كالساتر، فيجوز أن يكون الاستفهام على حقيقته، فإن قصد به التعجب وجهل إرادة المعنى الحقيقى بمجرد الانتقال كان كناية وإن قصد به المعنى الحقيقى مع التعجب كان من مستتبعات الكلام، وبهذا ظهر الجمع بين كون الاستفهام على حقيقته وكونه للتعجب وظهر الجمع بين كلام الشارح من أن كلام صاحب الكشاف لا يدل على أن الاستفهام على حقيقته على النسخة الثانية وبين كلام السيد فى شرح المفتاح القائل أن كلام صاحب الكشاف ظاهر فى أن الاستفهام على حقيقته لما علمت أن مراد الشارح عدم الدلالة قطعا ومراد السيد ظهوره فى حقيقة الاستفهام. اه عبد الحكيم.
(قوله: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) أى: فليس القصد الاستفهام عن مذهبهم، بل التنبيه على ضلالهم وأنهم لا مذهب لهم ينجون به والعلاقة بين الاستفهام المدلول لذلك اللفظ وبين التنبيه المذكور اللزوم وبيان ذلك أن الاستفهام عن الشىء: كالطريق فى هذا المثال يستلزم تنبيه المخاطب عليه، وتوجيه ذهنه إليه، فإذا سلك طريقا واضح الضلالة كان ذلك غفلة منه عن الالتفات لتلك الطريق، فإذا نبه عليه ووجه ذهنه إليه كان تنبيها له على ضلاله، فالاستفهام عن ذلك يستلزم توجيه ذهنه إليه المستلزم للتنبيه على كونه ضلالا.
قال السيد: فاستعمال صيغة الاستفهام فى التنبيه المذكور من استعمال اسم الملزوم فى اللازم، قال عبد الحكيم: ولك أن تجعل اللفظ مستعملا فى الاستفهام ليتوصل
стр. 1131
إذا علم) المخاطب (ذلك) وهو أنك أدبت فلانا؛ فيفهم معنى الوعيد والتخويف فلا يحمله على السؤال.
(والتقرير) أى: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه ...
===
به إلى التنبيه على طريق الكناية أو يجعل اللفظ مستعملا فى الاستفهام مع التنبيه على أنه من مستتبعات الكلام، وكذا يقال فيما سيجىء بعد، واعلم أن استعمال أداة الاستفهام فى التنبيه المذكور دون التوبيخ بكونه طريق ضلال يتضمن معنى لطيفا وهو الإشارة إلى أن كون ذلك الأمر ضلالا أمر واضح يكفى فى العلم به مجرد الالتفات وإيهام أن المخاطب أعلم بتلك الطريق من المتكلم من حيث إتيانه له بالاستفهام الذى من شأنه أنه إنما يوجه لمن هو أعلم بالمستفهم عنه، وكثيرا ما يؤكد استعمال الاستفهام فى التنبيه على الضلال بالتصريح بالضلال، فيقال لمن ضل عن طريق الصواب: يا هذا إلى أين تذهب قد ضللت فارجع؟ وبهذا تعلم أن التنبيه على الضلال لا يخلو عن الإنكار والنفى
(قوله: إذا علم المخاطب ذلك) هذا ظرف لمحذوف أى: وإنما يكون هذا وعيد إذا علم المخاطب المسىء للأدب ذلك التأديب الحاصل منك لفلان أى: وأنت تعلم أنه يعلم ذلك فلا يحمل كلامك حينئذ على الاستفهام الحقيقى؛ لأنه يستدعى الجهل وهو عالم أنك عالم بتأديب فلان، بل يحمله على مقصودك من الوعيد بقرينة كراهيتك للإساءة المقتضية للزجر بالوعيد، والعلاقة بين الاستفهام والوعيد اللزوم، فإن الاستفهام ينبه المخاطب على جزاء إساءة الأدب، وهذا يستلزم وعيده لاتصافه بإساءة الأدب فهو مجاز مرسل من استعمال اسم الملزوم فى اللازم، ولك أن تجعل الكلام من قبيل الكناية بأن تجعل اللفظ مستعملا فى الاستفهام لينتقل منه إلى الوعيد أو مستعملا فيهما على أن يكون الوعيد من مستتبعات الكلام.
(قوله: والتقرير) أى: الاعتراض بالشىء واستعمال صيغة الاستفهام فى ذلك مجاز مرسل علاقته الإطلاق والتقييد، كما يأتى بيانه
(قوله: أى حمل المخاطب) من إضافة المصدر للمفعول أى: حمل المتكلم المخاطب على الاعتراف بالأمر الذى استقر عنده من ثبوت شىء أو نفيه كما يأتى فى نحو: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (١) وأَ أَنْتَ
стр. 1132
وإلجاؤه إليه (بإيلاء المقرر به الهمزة) أى: بشرط أن يذكر بعد الهمزة ما حمل المخاطب على الإقرار به (كما مر) فى حقيقة الاستفهام من إيلاء المسئول عنه الهمزة؛ تقول: أضربت زيدا؟ ...
===
قُلْتَ لِلنَّاسِ (٢) الآية
(قوله: وإلجائه إليه) أى: إلى الإقرار، والإلجاء قوة الطلب، وهذا تفسير لما قبله وإلجاء المخاطب للاعتراف بالأمر يكون لغرض من الأغراض كأن يكون السامع منكرا لوقوع ذلك الفعل من المخاطب فتريد أن يسمعه منه من غير قصد لحقيقة الاستفهام المستلزم للجهل، أو يكون فى السماع منه تلذذ بسبب المراجعة فى الخطاب
(قوله: بإيلاء إلخ) متعلق بمحذوف حال أى حال كونه ملتبسا بإيلاء المقرر به وهو ما يعرفه المخاطب للهمزة والحال تفهم الشرطية، ولذا قال الشارح أى: بشرط أن يذكر إلخ
(قوله: ما حمل المخاطب إلخ) أى: لفظ حمل المخاطب بقرينة قوله يذكر (وقوله:
على الإقرار به) أى: بمدلوله
(قوله: من إيلاء المسئول عنه الهمزة) أى: فإذا صرف الاستفهام للتقرير كان الوالى للهمزة هو المقرر به؛ لأن التقرير أى: حمل المخاطب على الإقرار تابع للاستفهام؛ لأن الجواب فى الاستفهام إقرار فالاستفهام مستلزم لحمله على الإقرار فى الجملة فيعتبر فى التقرير ما يعتبر فى أصله، والكاف فى قول المصنف كما مر للتشبيه أى: إيلاء مثل الإيلاء الذى مر فى حقيقة الاستفهام، وتوضيحه أن الهمزة قد سبق أنها تأتى للاستفهام، وقد تأتى للتقرير وللإنكار فإذا أتت لهما وليها المقر به والمنكر كما يليها المستفهم عنه فى حال كونها للاستفهام، وحينئذ فيأتى فى حالة كونها للتقرير، والإنكار التفصيل الذى مر فى الاستفهام من كون المقرر به أو المنكر إما الفعل أو الفاعل أو المفعول أو الحال أو غيرها من الفضلات، فمتى كان المقرر به أو المنكر واحدا من هذه كان واليا للهمزة كما أن المستفهم عنه إما أن يكون هو الفعل أو الفاعل أو المفعول أو الحال أو غيرها من الفضلات فمتى كان المستفهم عنه واحدا من هذه كان واليا للهمزة.
стр. 1133
فى تقريره بالفعل، وأأنت ضربت؟ فى تقريره بالفاعل، وأزيدا ضربت؟ فى تقريره بالمفعول؛ وعلى هذا القياس. وقد يقال: التقرير بمعنى التحقيق والتثبيت؛ فيقال:
أضربت زيدا؟ ...
===
(قوله: فى تقريره) أى: المخاطب بالفعل أى: إذا أردت أن تحمله على الإقرار بالفعل فأنت عالم بأنه ضربه ولكن قصدت تقريره بالفعل لغرض من الأغراض التى مرت ونحوها
(قوله: وأأنت ضربت فى تقريره بالفاعل) أى: المعنوى لا الاصطلاحى لأن أنت مبتدأ ومثله قوله تعالى حكاية أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (١) إذ ليس مراد الكفار حمله على الإقرار بأن كسر الأصنام قد كان، بل حمله على الإقرار بأن الكسر لم يكن إلا منه، ويدل لهذا إشارتهم للفعل فى قوله تعالى أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا فإنها تقتضى أن المطلوب الإقرار بالفاعل لا بالفعل وقول إبراهيم لهم بل فعله كبيرهم هذا ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أو لم أفعل
(قوله: وعلى هذا القياس) أى: قياس بقية الفضلات فتقول: أفى الدار زيد فى تقريره بالمجرور، وأراكبا جئت فى تقريره بالحال.
(قوله: وقد يقال التقرير بمعنى التحقيق والتثبيت) أى: كما يقال بمعنى حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه أى: أنه يطلق بإطلاقين بطريق الاشتراك والذى قصده المصنف من المعنيين هو المعنى الأول أعنى: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، ولذا اقتصر الشارح عليه فى حل المتن والدليل على أن المصنف قصد ذلك المعنى لفظ به فى قوله بعد إيلاء المقرر به، إذ لو قصد المعنى الآخر لقال بإيلاء المقرر وحذف قوله به، وعطف التثبيت على التحقيق فى كلام الشارح للتفسير، فالمراد بالتحقيق تحقيق النسبة وتثبيتها، واعلم أن استعمال الاستفهام فى كل من معنيى التقرير مجاز مرسل والعلاقة فى الأول الإطلاق والتقييد؛ وذلك لأن الاستفهام طلب الإقرار بالجواب مع سبق جهل المستفهم، فاستعمل لفظه فى مطلق طلب الإقرار، ثم فى طلب الإقرار من غير سبق جهل، وقول بعضهم العلاقة اللزوم؛ لأن الاستفهام عن أمر معلوم للمخاطب يستلزم حمله
стр. 1134
بمعنى أنك ضربته البته (والإنكار كذلك؛ نحو: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ (١) أى: ...
===
على إقراره لكونه معلوما له فيه أن اللزوم لا يكفى فى بيان العلاقة لوجوده فى جميع العلاقات، والعلاقة فى الثانى قيل الإطلاق والتقييد؛ لأن الاستفهام عن الشىء يستلزم تحقيقه وتثبيته بالجواب، فاستعمل اللفظ فى مطلق التحقيق والتثبيت، وفيه أن هذا ليس هو الإطلاق والتقييد المعتبر علاقة كما هو ظاهر، وقيل إن العلاقة اللزوم؛ لأن الاستفهام يلزمه التحقيق والتثبيت وفيه ما مر من البحث، فلعل الأولى أن استعمال الاستفهام فى التحقيق على طريق الكناية أو أنه من مستتبعات الكلام كما مر
(قوله: بمعنى أنك ضربته البته) قال سم: ينبغى أن يكون المراد أنه إن كان ضرب المخاطب مجهولا لنفسه فالمقصود إخباره به على وجه التثبيت، وإن كان معلوما له فالمقصود تثبيت إعلامه بكونه معلوما كأنه يقول: هذا معلوم قطعا فلا تطمع فى إنكاره- فتأمل.
(قوله: والإنكار) بالجر عطف على الاستبطاء وقوله كذلك حال من الإنكار والمشار إليه التقرير أى: حال كون الإنكار مماثلا للتقرير فى إيلاء المنكر الهمزة فقول الشارح بإيلاء إلخ بيان للمراد من التشبيه، وانظر لم فصل الشارح بين المفسر والمفسر بالمثال وذكر مثالا لما يكون المنكر فيه المفعول مع أن مثال المصنف وهو قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ مثال له فلو ذكر التفسير قبل المثال، ووطّأ لمثال المصنف بقوله: والمفعول كان أحسن وفى بعض النسخ إسقاط المثال بعد قوله كذلك، وعليه فلا إشكال، والعلاقة بين الاستفهام والإنكار أن المستفهم عنه مجهول، والمجهول منكر أى: ينفى عنه العلم، فاستعمل لفظ الاستفهام فى الإنكار لهذه الملابسة المصححة للمجاز الإرسالى بمعرفة القرائن الحالية- قاله ابن يعقوب، وذكر غيره أن إنكار الشىء بمعنى كراهته والنفرة عن وقوعه يستلزم عدم توجه الذهن إليه وهو يستلزم الجهل به، والجهل يقتضى الاستفهام، والأحسن أن يقال: إن استعمال الاستفهام فى الإنكار إما كناية، أو أنه من مستتبعات الكلام كما مر
(قوله: أغير الله تدعون) فالدعاء مسلم، والمنكر كون المدعو
стр. 1135
بإيلاء المنكر الهمزة كالفعل فى قوله:
أتقتلنى والمشرفىّ مضاجعى
والفاعل فى قوله تعالى أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ (١) والمفعول فى قوله تعالى أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا (٢) ...
===
غير الله
(قوله: بإيلاء إلخ) وذلك لأن مآل الإنكار إلى النفى، فكما أن أداة النفى تدخل على ما أريد نفيه، كذلك تدخل أيضا على ما أريد إنكاره من الفعل وما بعده
(قوله: أتقتلنى إلخ) (٣) تمامه:
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
قال الشارح فى أول بحث التشبيه أى: أيقتنلى ذلك الرجل الذى توعدنى، والحال إن مضاجعى سيف منسوب إلى مشارف اليمن وسهام محدودة النصال صافية مجلوة. اه.
وهذا يقتضى أن قوله: أتقتلنى بالياء التحتية لا بصيغة الخطاب، وإنما لم يكن هذا من إنكار الفاعل أعنى: كون ذلك الرجل بخصوصه قاتلا، وإنما يقتله غيره؛ لأن الشاعر ذكر ما هو مانع من الفعل حيث قال: والمشرفى إلخ، فإنه مانع من قتل ذلك الرجل ومن غيره؛ لأنه معه لكل أحد لا لهذا الرجل فقط، وحينئذ فلا يكون الإنكار متوجها للفاعل لعجزه بوجود المانع فتعين أن يكون الإنكار متوجها إلى نفس الفعل
(قوله: والفاعل) أى: اللغوى لا الاصطلاحى كما مر
(قوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ إلخ) أى:
فالمنكر كونهم هم القاسمين لا نفس القسمة للرحمة؛ لأن القاسم لها هو الله تعالى
(قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) فالمنكر كون المتخذ غير الله وأما أصل الاتخاذ فلا يتعلق به إنكار، وهذا بخلاف قوله تعالى: أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً (٤) فإن الاتخاذ منكر وغير مسلم
стр. 1136
وأما غير الهمزة فيجىء للتقرير والإنكار، لكن لا يجرى فيه هذه التفاصيل، ولا يكثر كثرة الهمزة؛ فلذا لم يبحث عنه (ومنه) أى: من مجىء الهمزة للإنكار (: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (١) أى: الله بكاف له) لأن إنكار النفى نفى له ...
===
(قوله: وأما غير الهمزة إلخ) هذا جواب عما يقال إن تقييد المصنف بالهمزة فى قوله بإيلاء المقرر به الهمزة، وقوله بعد والإنكار كذلك يقتضى أن كلا من التقرير والإنكار لا يكون بغير الهمزة، وليس كذلك
(قوله: فيجىء للتقرير والإنكار) هذا جواب أما، وقد حذف جوابها فى المطول، وهو سائغ
(قوله: هذه التفاصيل) أى: من أن التقرير يكون لما وليها من الفعل أو الفاعل أو المفعول أو غيره من الفضلات، ومن أن الإنكار كذلك يكون لما وليها من الفعل أو الفاعل أو المفعول أو غيره من الفضلات ووجه ذلك أن غيرها إنما يكون لشىء مخصوص، فهل مثلا موضوعة لطلب التصديق، فإذا استعملت فى التقرير أو الإنكار كانت لتقرير النسبة الحكمية أو إنكارها فقط، كما يقال: هل زيد عاجز عن أذيتى عند ظهور عجزه وغير هل من أدوات الاستفهام يعنى ما عدا الهمزة إنما يكون للتقرير بما يطلب تصوره بها وهو مدلو؛ لأنها أو لإنكاره من العدد والزمان والمكان والحال والعاقل وغيره ككم أعنتك، ومن ذا ضربت، وماذا صنعت معكم عند قيام القرينة فى الكل على أن المراد التقرير أو الإنكار، وحينئذ فلا يتأتى فى غير الهمزة أن يكون لتقرير أو إنكار كل ما وليها من فعل أو فاعل أو مفعول أو غيره من الفضلات
(قوله: ومنه أَلَيْسَ اللَّهُ إلخ) إنما فصله؛ لأن فيه الاعتبارين إنكار النفى وتقرير الإثبات أو لما فى هذا المثال من الخلاف كما يأتى بيانه
(قوله: للإنكار) أى: الإبطالى كما فى المغنى.
(قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) أى: فليس المراد به الاستفهام، بل المراد إنكار ما دخلت عليه الهمزة وهو عدم الكفاية فيكون المراد الإثبات، فلذا قال المصنف أى: الله كاف له فإنكار النفى ليس مقصودا بالذات، بل وسيلة للإثبات على أبلغ وجه وهذا الكلام رد على من يتوهم من الكفرة أن الله تعالى ليس بكاف عبده
(قوله: لأن إنكار النفى نفى له) أى: للنفى وهذه مقدمة صغرى والكبرى المذكورة فى المتن ومجموعهما
стр. 1137
(ونفى النفى إثبات وهذا) المعنى (مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير) أى:
لحمل المخاطب على الإقرار (بما دخله النفى) وهو: " الله كاف" (لا بالنفى) وهو:
ليس الله كاف، فالتقرير لا يجب أن يكون بالحكم الذى دخلت عليه الهمزة، بل بما يعرف المخاطب ...
===
دليل على ما ذكر من أن المراد من الآية الإثبات
(قوله: ونفى النفى إثبات) أى: للمنفى وإنما كان كذلك؛ لأنه لا واسطة بينهما، فحيث انتفى أحدهما ثبت الآخر قال سم وإذا تأملت أمثلة الإنكار وجدت معنى النفى فى جميعها، لكن تارة يكون لنفس المذكور وتارة يكون للياقته وانبعاثه كما فى أعصيت ربك الآتى، وبهذا تعلم صحة إطلاق أن الاستفهام الإنكارى فى معنى النفى
(قوله: وهذا المعنى) أى: تحقيق أن الله تعالى كاف عبده
(قوله: إن الهمزة فيه) أى: فى هذا التركيب وهو أليس الله بكاف عبده
(قوله: للتقرير بما دخله النفى) وعلى هذا فيصح أن يقال: إن الهمزة فيه للتقرير كما يصح أن يقال: إنها للإنكار، ومثل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ قوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وأَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً (٢) فقد يقال: إن الهمزة للإنكار وقد يقال: إنها للتقرير وكلاهما حسن فعلم أن التقرير ليس يجب أن يكون بما دخلت عليه الهمزة، بل بما يعرفه المخاطب من الكلام الذى دخلت عليه الهمزة من إثبات كما فى آية أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ أو نفى كما فى آية أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ (٣) إلخ ومن هذا تعلم أن شرط المصنف فيما سبق إيلاء المقرر به الهمزة ليس كليا- كذا ذكر الفنرى، وفى الغنيمى: إن قلت: إن جعل الهمزة فيما ذكر للتقرير لا يناسب ما مر للمصنف من أن المقرر به يجب أن يلى الهمزة والوالى للهمزة هنا النفى والهمزة ليست لتقريره، بل لتقرير المنفى قلت ما سبق محمول على ما إذا أريد التقرير بمفرد من فعل أو فاعل أو مفعول أو غيرها فمتى أريد التقرير بواحد منها وجب أن يلى الهمزة وما هنا محمول على ما إذا أريد التقرير بالحكم، فإذا أريد ذلك فلا يكون بما دخلت عليه الهمزة، بل بما يعرف المخاطب من ذلك الحكم الذى اشتمل عليه الكلام الذى فيه الهمزة، وإن لم يكن واليا لها كما ذكره الشارح. اه.
стр. 1138
من ذلك الحكم إثباتا أو نفيا؛ وعليه قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (١) فإن الهمزة فيه للتقرير؛ أى: بما يعرفه عيسى ﵊ من هذا الحكم، لا بأنه قد قال ذلك؛ فافهم. وقوله: والإنكار كذلك- دل على أن صورة إنكار الفعل أن يلى الفعل الهمزة، ...
===
وهو موافق لما ذكره الفنرى من أن اشتراط المصنف فيما سبق إيلاء المقرر به الهمزة ليس كليا، وذكر العلامة يس: أن قول الشارح فالتقرير لا يجب إلخ أى: عند القائل: إن الهمزة فى الآية المذكورة ونحوها للتقرير: كالزمخشرى فى بعض المحال لا عند المصنف؛ لأن الهمزة فى هذا عنده للإنكار لا للتقرير، وإن قول من قال: إن قول المصنف سابقا والتقرير بإيلاء المقرر به الهمزة لا يصح كليا فيه نظر؛ لأن المصنف لا يوافق هذا القائل فى جعل الهمزة للتقرير فى هذا، بل جعلها للإنكار، ولا شك أن المنكر ولى فيها الهمزة ولما فى هذا المثال من الخلاف فصله بقوله ومنه، وحينئذ فكلام المصنف يصح كليا على مختاره.
(قوله: من ذلك الحكم) أى: مما يتعلق بذلك الحكم الداخلة عليه الهمزة مثلا:
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ إلخ الحكم فيه ثبوت قوله للناس اتخذونى فى إلخ، والذى يتعلق به عدم القول لهم ذلك
(قوله: إثباتا أو نفيا) تعميم فيما يعرفه المخاطب من الحكم الذى اشتمل عليه الكلام الذى فيه الهمزة أى: كان ما يعرفه المخاطب إثباتا أو نفيا أى: ذا إثبات أو نفى أو مثبتا أو منفيّا
(قوله: وعليه) أى: وقد ورد عليه أى: على النفى
(قوله: بما يعرفه عيسى من هذا الحكم) أى: مما يتعلق بهذا الحكم وهو أنه لم يقل اتخذونى وأمى ألهين من دون الله، فإذا أقر عيسى بما يعلم وهو أنه لم يقل ذلك انقطعت أوهام الذين ينسبون إليه ادعاءه الألوهية وكذبهم إقراره وإقامة الحجة عليهم
(قوله: لا بأنه قد قال ذلك) أى: لا التقرير بأنه قد قال ذلك، إذ قول هذا مستحيل فى حقه ﵇، ثم إن ظاهره أنه لو كان التقرير على ظاهره كان بالفعل مع أن الذى ولى الهمزة الفاعل فعلى مقتضاه كان الظاهر أن يقول لا بأنه قد قال ذلك دون غيره
(قوله: وقوله) مبتدأ
стр. 1139
ولما كان له صورة أخرى لا يلى فيها الفعل الهمزة- أشار إليها بقوله: (ولإنكار الفعل صورة أخرى وهى نحو: أزيدا ضربت أم عمرا؟ لمن يردد الضرب بينهما) من غير أن يعتقد تعلقه، فإذا أنكرت تعلقه بهما فقد نفيته عن أصله ...
===
وجملة الإنكار كذلك مقول القول وقوله دل خبر قوله يعنى أن قول المصنف والإنكار كذلك دل بعمومه على ما قاله الشارح كما هو ظاهر، إذ هو ليس مقصورا على إنكار غير الفعل، بل معناه أن المنكر سواء كان فعلا أو اسما فاعلا أو مفعولا أو غيرهما من المتعلقات يجب أن يلى الهمزة كالمقرر به
(قوله: ولما كان له) أى: لإنكار الفعل صورة أخرى إلخ وضابطها أن يلى الهمزة معمول الفعل المنكر، ثم يعطف على ذلك المعمول بأم أو بغيرها وسواء كان معمول الفعل الوالى للهمزة مفعولا كما فى مثال المصنف- قال فى المطول: أو كان فاعلا نحو: أزيد ضربك أم عمرو لمن يردد الضرب بينهما، وهو مبنى على مذهب من يجيز تقديم الفاعل على عامله أو كان ظرفا زمانيا أو مكانيا نحو:
أفى الليل كان هذا أم فى النهار لمن يردد الكون فيهما أو فى السوق كان هذا أم فى المسجد لمن يردد الكون فيهما إلى غير ذلك من المعمولات، هذا ولم لا يكون لإنكار غير الفعل صورة أخرى كاسم الفاعل مثلا أزيد ضاربك أم عمرو ولعين الدليل الذى ذكره الشارح والماتن، فإن ثبت هذا أمكن حمل الفعل فى المتن على معناه اللغوى
(قوله: لمن يردد إلخ) أى: حالة كونه مقولا لمن يردد الضرب بينهما إلخ
(قوله: من غير أن يعتقد إلخ) بيان لترديد المخاطب الضرب بينهما، وكان الأولى أن يقول بأن يعتقد عدم تعلقه بغيرهما، وإلا فما ذكره الشارح لا يصح؛ لأنه يصدق بما إذا كان المخاطب خالى الذهن عن تعلقه بثالث فى نفس الأمر بخلاف ما إذا اعتقد عدم تعلقه بغيرهما، فإن النفى حينئذ يكون للفعل من أصله، والحاصل أن المراد بترديده الضرب بينهما أن يعتقد الحاضر تعلقه فى نفس الأمر بأحدهما من غير تعيين له
(قوله: فإذا أنكرت تعلقه بهما) فيه إشارة إلى أن المنكر ابتداء هو المفعولان من حيث كونهما متعلق الفعل، فإن إنكارهما من هذه الحيثية يستلزم إنكار الفعل؛ لأنهما محله ونفى المحل يستلزم نفى الحال فإنكارهما من هذه الحيثية للتوسل للمقصود بالذات وهو إنكار الفعل- كذا فى سم.
стр. 1140
لأنه لا بد له من محل يتعلق به.
===
(قوله: لأنه لا بد له من محل يتعلق به) وقد انحصر ذلك المحل فى زيد وعمرو على الترديد باعتبار اعتقاد المخاطب، وقد نفى المتكلم ذلك المحل فيلزم انتفاء الفعل من أصله، وحاصله أن المخاطب إذا ادعى حصول الضرب بانحصاره فى زيد وعمرو على الترديد كان هذا حصرا لمحله فى أحدهما، فإذا قلت له: أزيد أضربت أم عمرا بإدخال همزة الإنكار على أحد الأمرين وإدخال أم على الآخر كنت منكرا أن يكون محله أحدهما وإنكار محل الضرب إنكار للازمه وإنكار اللازم مستلزم لإنكار الملزوم وبهذا الاعتبار صار إنكار التعلق بأحدهما كناية عن إنكار أصل الفعل، فالهمزة هنا استعملت استعمال الكنايات؛ لأنها موضوعة لإنكار ما يليها- كذا قرر شيخنا العدوى، قال العلامة اليعقوبى وهاهنا شىء وهو أنه إن أريد أن موالة الهمزة للفعل فى الإنكار تدل على نفى أصل الفعل ولو ذكر له مفعول وموالاتها المفعول تدل على نفيه عن المفعول المذكور خاصة إلا فى صورة الترديد كما هو ظاهر عبارة المصنف لم يصح؛ لأنه متى ذكر المفعول تقدم أو تأخر لم يدل إلا على نفى الفعل حال كونه متعلقا بذلك المفعول، وإن أريد أن الموالاة تدل بشرط أن لا يذكر له معمول سوى الفاعل لم يتجه قوله ولإنكار الفعل صورة أخرى؛ لأن هذا الحصر أعنى حصر الضرب مثلا فى مفعولين أو أكثر يوجب إنكار أصل الفعل ولو فى حال موالة الفعل حال كونه متعلقا بالمفعول، وإذا لم يكن حصر فالإنكار للفعل المتعلق بذلك المفعول تقدم ذلك المفعول أو تأخر لا لأصل الفعل فكيف يجعل التأخير دائما لإنكار أصل الفعل والتقديم للإنكار بشرط الحصر، فالتقديم والتأخير حينئذ متساويان، فكيف يخص التقديم بكونه صورة أخرى مع الحصر والفرض أن الصورة مع التأخير أيضا بشرط الحصر، والحاصل أن حصر التعلق لا بد منه ولى الفعل أم لا عطف عليه بأم وشبهها أم لا حيث أريد نفى أصل الفعل، وإن لم يكن حصر لم يفد نفى أصل الفعل تقدم المعمول أو تأخر، نعم إذا قيل مثلا أزيدا ضربت احتمل أن يراد ما ضربت زيدا، بل غيره بأرجحية وأن يراد ما ضربت زيدا من غير تعرض لما سواه، وإذا قيل أضربت زيدا احتمل على وجه التساوى نفى ضرب زيد فقط مع ضرب الغير- تأمل- انتهى.
стр. 1141
(والإنكار إما للتوبيخ؛ أى: ما كان ينبغى أن يكون) ذلك الأمر الذى كان (نحو: أعصيت ربك؟ ! ) فإن العصيان واقع لكنه منكر، وما يقال إنه للتقرير فمعناه التحقيق والتثبيت (أو لا ينبغى أن يكون نحو: أتعصى ربك؟ ! ...
===
(قوله: والإنكار) أى: الاستفهام الإنكارى وهو من أنكر عليه إذا نهاه
(قوله: إما للتوبيخ) ظاهره أن الإنكار لا يخرج عن هذه الأقسام فتكون الأمثلة السابقة داخلة فى هذه الأقسام كقوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ (١) فيجوز أن يكون للتوبيخ أى: لا ينبغى أن يكون ونحو قوله (٢) أيقتلنى إلخ للتكذيب فى المستقبل أى: لا يكون هذا، وهكذا قاله سم، وقوله إما للتوبيخ أى: التعبير والتقريع على أمر قد وقع فى الماضى أو على أمر خيف وقوعه فى المستقبل بأن كان المخاطب بصدد أن يوقعه ففى القسم الأول يفسر التوبيخ بما يقتضى الوقوع أى: ما كان ينبغى أن يكون ذلك الأمر الذى كان؛ لأن العرف أنك إنما تقول ما كان ينبغى لك هذا يا فلان إذا صدر منه، وفى القسم الثانى يفسر بما لا يقتضى الوقوع أى: لا ينبغى أن يكون هذا الأمر الذى أنت أيها المخاطب بصدد عمله وقصده، فالغرض من التوبيخ الندم على ماض والارتداع عن مستقبل
(قوله: أى ما كان ينبغى إلخ) هذا إذا كان التوبيخ على أمر واقع فى الماضى؛ لأن المنفى إنما هو الانبغاء وأما الفعل فهو واقع
(قوله: نحو أعصيت ربك) أى: نحو قولك لمن صدر منه عصيان أعصيت ربك أى: ما كان ينبغى لك أن تعصيه
(قوله: فإن العصيان واقع) أى: فلا يكون الإنكار فيه للتكذيب
(قوله: وما يقال إلخ) حاصله أن الإنكار التوبيخى إذا كان لما وقع فى الماضى لتضمنه للوقوع والتقرر يقال فى الاستفهام فى أمثلته أنه للتقرير بمعنى التحقيق والتثبيت أى: تحقيق ما يعرفه المخاطب من الحكم فى هذه الجملة لما سبق من أن التقرير يقال بهذا المعنى.
(قوله: أو لا ينبغى أن يكون) هذا إذا كان الإنكار للتوبيخ على أمر خيف وقوعه فى المستقبل
(قوله: نحو أتعصى ربك) أى: نحو قولك: لمن هم بالعصيان ولم يقع
стр. 1142
أو للتكذيب) فى الماضى (أى: لم يكن نحو: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ (١)) أى:
لم يفعل ذلك (أو) فى المستقبل؛ أى: (لا يكون، ...
===
منه أتعصى ربك؟ ! أى: أن هذا العصيان الذى أنت بصدد عمله لا ينبغى أن يصدر منك فى الاستقبال وهذا التوبيخ لا يقتضى وقوع الموبخ عليه بالفعل كما هو ظاهر، وإنما يقتضى كون المخاطب بصدد الفعل- كذا ذكر العلامة اليعقوبى، وفى عبد الحكيم، ويس: أن تفسير الإنكار التوبيخى بلا ينبغى أن يكون بصيغة المستقبل إذا كان الموبخ عليه واقعا فى الحال أو بصدد الوقوع فى المستقبل، فيصح أن يقال لمن تلبس بالعصيان أتعصى ربك أى: لا ينبغى أن يتحقق ويحدث منك هذا العصيان الذى تلبست به كما يصح أن يقال ذلك لمن هم به ولم يقع منه ولا ينافى ما قاله الشيخان ذكر أن فى التفسير بقوله لا ينبغى أن يكون؛ لأن أن وإن خلصت المضارع للاستقبال لا تخلص يكون له، بل هى محتملة للحال معها
(قوله: أو للتكذيب) عطف على قوله للتوبيخ ويسمى الإنكار التكذيبى بالإنكار الإبطالى أيضا وقوله فى الماضى أى فيكون بمعنى لم يكن وحاصله أن المخاطب إذا ادعى وقوع شىء فيما مضى أو نزل منزلة المدعى له أتى بالاستفهام الإنكارى تكذيبا له فى مدعاه
(قوله: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ إلخ) أى: خصكم وهذا خطاب لمن اعتقد أن الملائكة بنات الله وأن المولى خصنا بالذكور وخص نفسه بالبنات أى: لم يكن الله خصكم بالأفضل الذى هو الأولاد الذكور واتخذ لنفسه أولادا دونهم وهم البنات، بل أنتم كاذبون فى هذه الدعوى لتعاليه سبحانه عن الولد مطلقا فليس المراد توبيخهم، بل تكذيبهم فيما قالوا؛ لأن التوبيخ بصيغة الماضى على فعل حصل من المخاطب
(قوله: أو فى المستقبل) أى: فيكون بمعنى لا يكون، قال سم:
سكت عن الحال لعدم تأتيه، إذ العاقل لا يدعى التلبس بما ليس ملتبسا به حتى يكذب نعم يتأتى فيه نفى الانبغاء واللياقة- ا. هـ كلامه، وفى ابن يعقوب، والأطول أن الإنكار الإبطالى إذا كان بمعنى لا يكون يكون للحال وللاستقبال، وكأن المصنف سكت عن الحال؛
стр. 1143
نحو: أَنُلْزِمُكُمُوها (١)) أى: أنلزمكم تلك الهداية والحجة؟ ؛ بمعنى أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الإسلام ...
===
لأنه أجزاء من الماضى والمستقبل وتأمله
(قوله: أَنُلْزِمُكُمُوها) الهمزة للاستفهام، ونلزم: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والكاف: مفعول به، والميم: علامة الجمع، والواو:
للإشباع وضم الميم واجب حيث وليها ضمير متصل كما هنا عند ابن مالك راجح مع جواز السكون عند سيبويه ويونس، وقد قرئ: أنلزمكموها بالسكون- كذا فى يس.
(قوله: تلك الهداية) تفسير للضمير المنصوب وهو الهاء والهداية فى الأصل الدلالة الموصلة للمطلوب أريد بها هنا ما يترتب عليها بحسب الشأن من اتباع الشرع الذى قامت عليه الأدلة والعمل به أو أن المراد بالهداية هنا الاهتداء وعليه فالإلزام به من حيث الإكراه على ما هو سبب فى حصوله من اتباع الشرع والعمل به
(قوله: أو الحجة) أى: التى قامت على العمل بالشرع والإكراه عليها من حيث إلزام قبولها فيترتب على ذلك العمل بالشرع أى لا نكرهكم على قبول تلك الحجة المترتب على قبولها العمل بالشرع
(قوله: بمعنى أنكرهكم على قبولها) أى: الحجة، إذ هى التى يناسبها القبول فهو راجع للاحتمال الثانى، (وقوله: ونقسركم) أى: نقهركم ونكرهكم على الإسلام وهذا مناسب للتفسير الأول أعنى: الهداية فهو راجع له على طريق اللف والنشر المشوش- كذا قرر شيخنا العدوى، وقوله ونقسركم من القسر وهو القهر يقال قسره على الأمر قسرا من باب ضرب قهره فهو مرادف لنكرهكم، لكن تفنن فى التعبير، واعلم أن مثل هذا الخطاب يذكر لإسقاط إثارة العداوة الموجبة لنفرة الكافرين أو لإظهار عدم حاجة الناصح إلى قتال المنصوح؛ لأن المنفعة للمنصوح فإنك إذا نصحت رجلا، ثم أحسست منه بالإباية فقلت له: لست أقهرك على قبول نصحى ولا أقاتلك على تركه، وإنما علىّ البلاغ والنصح كان ذلك أدعى للقبول لما فيه من ترك الاقتصار على عدم السماع والقبول- فأفهم لئلا يقال: إن مثل هذا الخطاب يفهم الترخيص فى التكليف وترك المبالغة فى الغرض- كذا ذكر اليعقوبى.
стр. 1144
والحال أنكم لها كارهون؟ يعنى: لا يكون هذا الإلزام.
(والتهكم) عطف على الاستبطاء، أو على الإنكار؛ وذلك أنهم اختلفوا فى أنه إذا ذكر معطوفات كثيرة أن الجميع معطوف على الأول، أو كل واحد عطف على ما قبله (نحو: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا (١)) وذلك أن شعيبا- ﵊ كان كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلى تضاحكوا، فقصدوا بقولهم: أصلاتك تأمرك ...
===
(قوله: والحال أنكم لها كارهون) الظاهر أن هذه الحال مؤكدة لما استلزمه العامل أعنى نلزمكم؛ لأن الإلزام بالشىء يقتضى كراهته
(قوله: يعنى لا يكون هذا الإلزام) أى: لا يكون منى إلزام الأمة الهداية ولا قبول الحجة الدالة على العمل بالشرع؛ لأن هذا لا يكون إلا من الله فالذى على الإبلاغ لا الإكراه وهذا الكلام من نوح لقومه الذين اعتقدوا أنه يقهر أمته على الإسلام، ولا يقال: إن هذا الكلام يقتضى عدم الأمر بالجهاد مع أنه مأمور به قطعا؛ لأنا نقول لم يرسل بالجهاد أحد من الأنبياء إلا نبينا محمد- ﷺ كذا قرر شيخنا العدوى.
وقد تبين بما تقرر أن التوبيخ يشارك التكذيب فى النفى، ويختلفان فى أن النفى فى التوبيخ متوجه لغير مدخول الهمزة وهو الانبغاء ومدخولها واقع أو كالواقع، وفى التكذيب يتوجه لنفس مدخولها فمدخولها غير واقع فافهم
(قوله: التهكم) أى:
الاستهزاء والسخرية
(قوله: اختلفوا فى أنه إلخ) أى: فى جواب أنه إلخ؛ لأن الاختلاف إنما هو فى جواب هذا الاستفهام لا فيه
(قوله: أو كل واحد إلخ) ظاهره كان العطف بحرف مرتب كالفاء. وثم وحتى، أو كان غير مرتب كالواو وأو وأم، ونقل بعضهم عن الكمال ابن الهمام أن محل هذا الخلاف ما لم يكن العطف بحرف مرتب وإلا كان كل واحد معطوفا على ما قبله اتفاقا، واعلم أن ثمرة الخلاف الذى ذكره الشارح تظهر فيما إذا كان المعطوف عليه أولا ضميرا مجرورا فعلى القول بأن الجميع معطوف على الأول لا بد من إعادة الخافض مع الجميع عند غير ابن مالك، وعلى القول بأن كل
стр. 1145
الهزؤ والسخرية، لا حقيقة الاستفهام. (والتحقير، نحو: من هذا؟ ) استحقارا بشأنه مع أنك تعرفه (والتهويل، كقراءة ابن عباس: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ. مِنْ فِرْعَوْنَ (١) ...
===
واحد معطوف على ما قبله فلا يحتاج لإعادته إلا مع الأول كما فى مررت بك وبزيد وعمرو.
(قوله: الهزؤ والسخرية) أى: بشعيب وصلاته فكأنهم لعنة الله عليهم يقولون لا قربة لك توجب اختصاصك بأمرنا ونهينا إلا هذه الصلاة التى تلازمها وليست هى ولا أنت بشىء، وبهذا الاعتبار صارت الصلاة مما يشك فى كونه سببا للأمر فنسب لها مجازا عقليا من الإسناد للسبب فى الجملة وهذا غير المجاز اللغوى الذى فى هذا التركيب باعتبار أداة الاستفهام، وذلك أن الاستفهام عن الشىء يقتضى الجهل به، والجهل به يقتضى الجهل بفائدته، والجهل بفائدته يقتضى الاستخفاف به وهو ينشأ عنه الهزؤ فهو مجاز مرسل علاقته اللزوم- كذا قيل- والأحسن أن يكون استعمال أداة الاستفهام فى التهكم من باب الكناية أو يجعل التهكم من مستتبعات الكلام كما مر نظيره
(قوله: لا حقيقة الاستفهام) أعنى السؤال عن كون الصلاة آمرة بما ذكر
(قوله: والتحقير) العلاقة بينه وبين الاستفهام اللزوم؛ وذلك لأن الاستفهام عن الشىء يقتضى الجهل به وهو يقتضى عدم الاعتناء به؛ لأن الشىء المجهول غير ملتفت إليه وعدم الاعتناء بالشىء يقتضى استحقاره، فاستعمال الاستفهام فى التحقير إما مجاز مرسل على ما قيل أو أنه كناية وهو أولى أو أنه من مستتبعات الكلام؛ وذلك لأنك إذا كنت عارفا بالمسئول عنه، وقلت: فى مقام الاحتقار من هذا فكأنك تفرضه شيئا آخر غير المشاهد المعلوم وتسأل عنه ولم ترض بحاله فيتولد التحقير وصرت كأنك قلت هذا شخص مستخف به حقير- كذا قرر شيخنا العدوى، واعلم أن التحقير عد الشىء حقيرا والاستهزاء عدم المبالاة به وإن كان كبيرا عظيما فى نفسه، وربما اتحد محلهما وإن اختلفا مفهوما لما بينهما من الارتباط فى الجملة لصحة نشأة أحدهما من الآخر
(قوله: مع أنك تعرفه) أى: تعرف هذا المشار إليه
(قوله: والتهويل)
стр. 1146
بلفظ الاستفهام) أى: مِنْ بفتح الميم (ورفع فِرْعَوْنَ) على أنه مبتدأ، و" من" الاستفهامية خبره، أو بالعكس؛ على اختلاف الرأيين، فإنه لا معنى لحقيقة الاستفهام فيها؛ وهو ظاهر، بل المراد: أنه لما وصف الله العذاب بالشدة والفظاعة زادهم تهويلا بقوله: مِنْ فِرْعَوْنَ أى: هل تعرفون من هو فى فرط عتوه وشدة شكيمته، فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله ...
===
أى التفظيع والتفخيم لشأن المستفهم عنه لينشأ عنه غرض من الأغراض وهو فى الآية تأكيد شدة العذاب الذى نجا منه بنو إسرائيل، واستعمال أداة الاستفهام فى التهويل مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأنه أطلق اسم المسبب وأريد السبب؛ لأن الاستفهام عن الشىء مسبب عن الجهل به، والجهل مسبب عن كونه هائلا؛ لأن الأمر الهائل من شأنه عدم الإدراك حقيقة أو ادعاء.
(قوله: بلفظ الاستفهام) أى: والجملة استئنافية لتهويل أمر فرعون المفيد لتأكيد شدة العذاب بسبب أنه كان متمردا معاندا لا يكف عتوه
(قوله: على اختلاف الرأيين) أى: فى الاسم الواقع بعد من الاستفهامية، فالأخفش يقول: إن الاسم مبتدأ مؤخر ومن الاستفهامية خبر مقدم وسيبويه يقول بعكس ذلك
(قوله: وهو ظاهر) أى: لأن الله لا يخفى عليه شىء حتى يستفهم عنه
(قوله: بل المراد أنه) أى المولى سبحانه وقوله العذاب أى: عذاب فرعون لبنى إسرائيل
(قوله: بالشدة) أى: بما يدل على شدته وفظاعة أمره أى:
شناعته وقباحته حيث قال سبحانه من العذاب المهين، ولا شك أن وصف العذاب بكونه مهينا لمن عذب به يدل على شدته وشناعته
(قوله: زادهم) أى: زاد المخاطبين تهويلا وأصل التهويل حصل من قوله المهين
(قوله: أى هل تعرفون من هو إلخ) أى: هل تعرفون الذى هو فى ذلك غاية فخبر هو محذوف أى: هل تعرفون فرعون الذى هو غاية فى عتوه المفرط أى: طغيانه الشديد وشكيمته الشديدة أى: تكبره وتجبره الشديدين فقوله فى فرط عتوه وشدة شكيمته من إضافة الصفة للموصوف، والشكيمة فى الأصل:
جلد يجعل على أنف الفرس، كنى به هنا عن التكبر والتجبر والظلم
(قوله: فما ظنكم بعذاب إلخ) أى: فهو أخوف وأشد وقد نجيتكم منه فلتشكرونى
(قوله: يكون المعذب به)
стр. 1147
(ولهذا قال: إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (١)) زيادة لتعريف حاله وتهويل عذابه.
(والاستبعاد، نحو: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى (٢)) فإنه لا يجوز حمله على حقيقة الاستفهام؛ ...
===
بكسر الذال على صيغة اسم الفاعل ويدل على ذلك قوله بعد زيادة لتعريف حاله وتهويل عذابه، فإن الهاء فى حاله وعذابه لفرعون كما هو ظاهر والضمير فى مثله يرجع لمن هو ملتبس بفرط العتو وشدة الشكيمة وتوضيح ما فى المقام أن تقول: إن المراد بهذا الاستفهام تفظيع أمر فرعون والتهويل بشأنه وهو مناسب هنا؛ لأنه لما وصف عذابه بالشدة زيادة فى الامتنان على بنى إسرائيل بالإنجاء منه هوّل بشأن فرعون وبيّن فظاعة أمره ليعلم بذلك أن العذاب المنجى منه غاية فى الشدة حيث صدر ممن هو شديد الشكيمة عظيم العتو فكأنه قيل نجيناهم من عذاب من هو غاية فى العتو والتجبر، وناهيك بعذاب من هو مثله، وحينئذ فاللائق إنكم تشكرونى فكيف تكفرونى.
(قوله: ولهذا) أى: ولأجل التهويل بشأن فرعون
(قوله: إِنَّهُ كانَ عالِياً) أى: فى ظلمه من المسرفين فى عتوه، فكيف حال العذاب الذى يصدر من مثله
(قوله: زيادة إلخ) تعليل للمقول المذكور بعد تعليله بقوله: ولهذا فالعلة الأولى علة له مطلقا، والعلة الثانية: علة له مقيدا بالعلة الأولى
(قوله: لتعريف) أى: فى تعريف حاله
(قوله: وتهويل عذابه) أشار بهذا إلى أن تعريف حاله من حيث تهويل عذابه لا من حيثية أخرى
(قوله: والاستبعاد) السين والتاء زائدتان وهو عد الشىء بعيدا والفرق بينه وبين الاستبطاء أن الاستبعاد متعلقه غير متوقع، والاستبطاء متعلقه متوقع غير أنه بطىء فى زمن انتظاره ولا تنحصر المعانى المجازية فيما ذكره المصنف، فإن منها ما لم يذكره كالأمر نحو: فهل أنتم مسلمون أى: أسلموا والزجر نحو: أتفعل هذا أى: انزجر والعرض نحو ألا تنزل عندنا- كما فى سم.
стр. 1148
وهو ظاهر، بل المراد استبعاد أن يكون لهم الذكرى بقرينة قوله: وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ (١)) أى: كيف يذكرون ويتعظون ويوفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل فى وجوب الأذكار من كشف الدخان ...
===
(قوله: وهو ظاهر) أى: لاستحالة حقيقة الاستفهام من العالم بخفيات الأمور وظواهرها مع منافاته للجملة الحالية؛ لأن الجملة الحالية تنافى الحمل على الاستفهام الحقيقى، وإذ امتنع حمل الاستفهام هنا على حقيقته طلب له معنى يناسب المقام فيحمل عليه، والمناسب هنا هو استبعاد تذكرهم بدليل قوله: وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، وأيضا مثل هذا الكلام عرفا إنما يراد به الاستبعاد، فكأنه قيل من أين لهم التذكر والرجوع للحق، والحال أنه جاءهم رسول يعلمون أمانته فتولوا وأعرضوا عنه بمعنى أن الذكرى بعيدة من حالهم وغاية البعد النفى لذلك، وتوجيه العلاقة بين الاستفهام والاستبعاد أن الاستفهام مسبب عن استبعاد الوقوع؛ لأن بعد الشىء يقتضى الجهل به، والجهل به يقتضى الاستفهام عنه- انتهى من تقرير شيخنا العدوى.
(قوله: أى كيف يذكرون) هذا حل معنى مفيد للنفى والإنكار فليست كيف مستفهما بها عن الحال فلا يرد أن مقتضاه أن أن هنا بمعنى كيف مع أنه يجب حينئذ أن يليها فعل ولم يلها هنا فعل، بل هى بمعنى من أين فلو عبر به كان أحسن
(قوله: وأدخل) أى وأشد دخولا
(قوله: فى وجوب الإذكار) أى فى ثبوت التذكر
(قوله: من كشف الدخان) تنازعه أعظم وأدخل وأعمل الثانى قيل: إن هذا الدخان علامة من علامات يوم القيامة وهو ما ذهب إليه ابن عباس (٢) لقوله- ﵊ أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر وروى أن حذيفة قال: يا رسول الله وما الدخان فتلا- ﵇ هذه الآية فَارْتَقِبْ
стр. 1149
وهو ما ظهر على يد رسول الله ﷺ من الآيات والبينات من الكتاب المعجز، وغيره فلم يذكروا وأعرضوا عنه.
(ومنها) أى: من أنواع الطلب (الأمر) ...
===
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١)، ثم قال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره، والذى ذهب إليه ابن مسعود أن المراد بالدخان فى الآية ما يرى فى السماء عند الجوع كهيئة الدخان قال: لأنه ﵇ لما دعا قريشا فكذبوه واستعصوا عليه قال اللهم أعنّى عليهم بسبع كسبع يوسف، وفى رواية: اللهم أجعل عليهم سنينا كسنى يوسف، فأخذتهم سنة حصت كل شىء أكلوا فيها الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فينظر كهيئة الدخان، وفى رواية: كان إذا كلم أحد آخر فلا يراه، فقام أبو سفيان فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم فأنزل الله- فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ إلى قوله: إِنَّكُمْ عائِدُونَ
(قوله: وهو) أى: ذلك الأعظم والأدخل
(قوله: وأعرضوا عنه) أى: وحينئذ فالذكرى بعيدة جدا.
[ومن أنواع الطلب: الأمر]:
(قوله: الأمر) اعلم أنه إذا أريد به النوع من الكلام كما هنا جمع على أوامر، وإذا أريد به الفعل جمع على أمور ومن إرادة الفعل به قوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (٢) أى: فى الفعل الذى تعزم عليه وهو حقيقة فى القول المخصوص مجاز فى الفعل، وقيل مشترك لفظى فيهما، وقيل معنوى وأنه موضوع للقدر المشترك بينهما، والمناسب أن يراد بالأمر هنا الأمر اللفظى؛ لأن الكلام فى الإنشاء وهو لفظى لا الأمر النفسى على ما عند الأصوليين، ولا ينافى هذا قول المصنف بعد وصيغته؛ لأن الإضافة بيانية- كذا قرر شيخنا العدوى.
стр. 1150
وهو طلب فعل غير كف ...
===
(قوله: وهو طلب فعل إلخ) طلب مصدر مضاف إلى مفعوله، وهذا تعريف للأمر النفسى وليس الكلام فيه؛ لأن الكلام فى أنواع الطلب اللفظى فلو قال: طلب فعل بالقول كان أولى، ولعل الحامل على هذا التفسير قول المتن الآنى أو الأزهر أن صيغته إلخ- تأمل- كذا فى يس، وقد يقال: إن التعريف صالح لكل من الأمرين النفسى واللفظى فالمراد بالطلب ما هو أعم من اللفظى والنفسى، أو أنه للفظى فقط وهو المناسب لما الكلام فيه؛ لأن الكلام فى أنواع الطلب اللفظى، وقوله: بعد وصيغته إضافته بيانية، واعلم أن كلا من القول والأمر مشترك بين اللفظى والنفسى، وممن صرح بالاشتراك العلامة القرافى فى المحصول، وقوله: طلب كالجنس يشمل الدعاء والنهى والالتماس، وخرج عنه الخبر والإنشاء غير الطلب، وخرج بإضافة الطلب للفعل النهى بناء على أنه طلب ترك وقيل هو طلب كف فزاد غير كف لأجل أن يخرجه، فالنهى خارج من التعريف على كلا القولين، وقوله على جهة الاستعلاء أى: على طريق طلب العلو سواء كان عاليا حقيقة كقول السيد لعبده: افعل كذا أو لا كقول العبد لسيده:
افعل كذا. حال كونه طالبا للعلو مخرج للدعاء والالتماس لأن الأول من الأدنى، والثانى من المساوى بخلاف الأمر، فإنه يشترط فيه طلب الآمر العلو، وقد علمت أن المراد بطلبه العلو أن يعد نفسه عاليا بإظهار حاله العالى، وذلك بأن يكون كلامه على جهة الغلظة والقوة لا على وجه التواضع والانخفاض، فسمى ميله فى كلامه إلى العلو طلبا له سواء كان عاليا فى نفسه أو لا، وبقولنا: يشترط فى الأمر طلب الآمر العلو يندفع ما يقال: إن تعريف الأمر المذكور يصدق بالتمنى والعرض والاستفهام حيث كان كل لطلب الفعل استعلاء ووجه الدفع أنه لا يشترط الاستعلاء فيها وإن وجد فى نفس الأمر، وإنما يشترط فى الأمر وأورد على التعريف أنه غير مانع لصدقه بأمرتك بفعل كذا، فإنه ليس بأمر مع صدق الحد عليه، ولك أن تقول: إن كان التعريف حدا للأمر النفسى فلا إيراد لصدقه عليه، وإن كان التعريف للأمر اللفظى فلا ورود؛ لأن هذا غير داخل تحت الجنس وهو الطلب اللفظى وأنه غير جامع؛ لأنه يخرج عنه نحو: اكفف عن
стр. 1151
على جهة الاستعلاء، وصيغته تستعمل ...
===
القتل، فإن هذا أمر وهذا خارج بقوله غير كف؛ لأن هذا طلب كف وأجيب بأن المراد غير كف عن الفعل المأخوذ منه الصيغة فدخل نحو: كف عن القتل؛ لأنه كف عن غير الفعل المأخوذ منه الصيغة بالتعريف وهذا صادق بما إذا كان طلب الفعل غير كف أو طلبا لفعل هو كف عن غير الفعل المأخوذ منه الصيغة، فالأول نحو: قم، والثانى نحو:
كف عن القيام، فإنه طلب لفعل هو كف عن غير الفعل المأخوذ منه الصيغة، وأورد على هذا الجواب أنه يقتضى أن يخرج عن التعريف كف عن الكف عن القتل؛ لأنه طلب فعل هو كف عن الفعل المأخوذ منه الصيغة مع أن هذا أمر، وأجيب بأن كف مأخوذ من الكف مطلقا، وهو إنما تعلق بالكف عن خصوص القتل والمطلق والمقيد متغايران
(قوله: على جهة الاستعلاء) المتبادر تعلقه بقوله: طلب أى: الطلب على طريق الاستعلاء، ويحتمل أن يكون حالا من فعل؛ لأنه وصف بقوله غير كف والمعنى طلب فعل غير كف حال كونه على جهة الاستعلاء فى طلبه، وإنما قيد بذلك ليكون التعريف المذكور للأمر لا نزاع فيه، وإلا فالمختار عند الأشعرى وأتباعه عدم اشتراط الاستعلاء والعلو فى الأمر، وإن كان الجمهور على اعتبار الاستعلاء فى حقيقة الأمر، والحاصل أن فى الأمر مذاهب قيل يشترط فيه كل من الاستعلاء والعلو وقيل لا يشترط فيه شىء منهما، وقيل يشترط فيه العلو دون الاستعلاء، وقيل بالعكس وهو ما مشى عليه الشارح ودليل كل من هذه الأقوال مذكور فى كتب الأصول، وأورد على اشتراط الاستعلاء فى مسمى الأمر قوله تعالى حكاية عن فرعون ماذا تأمرون، فقد استعمل الأمر فى طلب ليس فيه استعلاء؛ لأن فرعون لا يرى استعلاء فى الطلب المتعلق به من غيره لادعائه الألوهية لنفسه، فلو كان الاستعلاء معتبرا فى مفهوم الأمر لما قال ماذا تأمرون، وأجيب بأن المراد ماذا تشيرون من المؤامرة بمعنى المشاورة، وبأنه احتقر نفسه بعد رؤية معجزة موسى، ولا يخفى أن كلا من الجوابين خلاف الظاهر، فلذا كان الصحيح أن الاستعلاء ليس بشرط فى الأمر.
(قوله: وصيغته تستعمل إلخ) أى: صيغته المعهودة المتداولة كثيرا وهذا توطئة لما سيأتى فى المتن من قوله: والأظهر إلخ، وإضافة صيغة للضمير للبيان؛ لأنه من إضافة الأعم
стр. 1152
فى معان كثيرة فاختلفوا فى حقيقته الموضوعة هى لها اختلافا كثيرا، ولما لم تكن الدلائل مفيدة للقطع بشىء قال المصنف: (والأظهر أن صيغته من المقترنة باللام، نحو: ليحضر زيد، ...
===
للأخص أى: والصيغة التى هى الأمر بناء على أن المراد الأمر اللفظى ولا شك أنه نفس الصيغة وهذا الاحتمال هو الظاهر؛ لأن الكلام فى الأمر اللفظى، أو أن الإضافة حقيقية وهو من إضافة الدال للمدلول بناء على أن المراد بالأمر الأمر النفسى، ويدل لذلك قول الشارح فيما يأتى فالمراد بصيغته إلخ، لكن لا يخفى أن الكلام فى الأمر اللفظى الذى هو من أقسام الإنشاء إلا أن يقال: هذا استطراد لزيادة الفائدة، ثم إنه على هذا الاحتمال ربما يفهم أن الخلاف الآتى فى معنى صيغة الأمر إنما هو عند القائلين بالكلام النفسى، أما عند النافين له: كالمعتزلة فلا يجرى فيها خلاف، وليس كذلك- بينه حواشى جمع الجوامع وغيرهم
(قوله: تستعمل فى معان كثيرة) أى: نحو ستة وعشرين معنى ذكرها أهل الأصول وذكر المصنف فيما يأتى بعضا منها
(قوله: هى) أى: الصيغة وأبرز الضمير لجرى الصفة على غير من هى له وقوله لها أى: الحقيقة
(قوله: اختلافا كثيرا) حاصله أن الأصوليين اختلفوا فى المعنى الذى وضع له صيغة الأمر فقيل وضعت للوجوب فقط وهو مذهب الجمهور وقيل للندب فقط، وقيل للقدر المشترك بينهما وهو مجرد الطلب على جهة الاستعلاء فهى من قبيل المشترك المعنوى وقيل: هى مشتركة بينهما اشتراكا لفظيا بأن وضعت لكل منهما استقلال وقيل: بالتوقف أى: عدم الدراية وهو شامل للتوقف فى كونها للوجوب فقط أو للندب فقط، والتوقف فى كونها للقدر المشترك بينهما اشتراكا لفظيا بمعنى أنا لا نعين شيئا مما ذكر، وقيل مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة، وقيل موضوعة للقدر المشترك بين الثلاثة أى: الإذن فى الفعل، والأكثر على أنها حقيقة فى الوجوب فقط
(قوله: ولما لم تكن الدلائل) أى: الأدلة التى ذكرها أصحاب الأقوال المذكورة
(قوله: بشىء) أى: من الأقوال المذكورة
(قوله: قال المصنف) أى: مشيرا لما هو الأظهر عنده لقوة دليله.
(قوله: من المقترنة) أى: من الصيغة المقترنة باللام فمن لبيان أنواع الصيغة وقضية كلام المصنف هذا أن الصيغة الدالة على الطلب هى الفعل فى قولنا: ليضرب زيد
стр. 1153
وغيرها، نحو: أكرم عمرا، ورويدا بكرا) فالمراد بصيغته ما دل على طلب فعل غير كف استعلاء سواء كان اسما أو فعلا (موضوعة لطلب الفعل استعلاء)
===
مثلا وأن اللام قرينة على إرادة الطلب به، وعلى هذا فالإضافة فى قولهم: لام الأمر لأدنى ملابسة أى: اللام المقترنة بصيغة الأمر، ويحتمل أن يكون المجموع من اللام والفعل هو الدال على الطلب
(قوله: وغيرها) أى: ومن غير المقترنة باللام
(قوله: نحو أكرم عمرا) هذه الصيغة فعل محض
(قوله: ورويد بكرا) رويد هنا اسم فعل مبنى على الفتح بمعنى أمهل وقد تكون مصدرا منصوبا نصب المصادر المأمور بها مصغرا تصغير الترخيم والأصل إرواد مصدر رود فيقال: رويد عمرا أى: أورده أى أمهله، وقد يقع رويدا صفة لمصدر، فيكون رويدا حينئذ بمعنى اسم المفعول نحو: سر سيرا رويدا أى:
مرودا، ويقع حالا نحو سيروا رويدا أى: مرودين، وقال جار الله: هو حال من السير كأنه قيل: سيروا السير رويدا وهذا تفسير سيبويه ويقع مصدرا مضافا للمفعول نحو:
رويد زيد كأنه قيل: إرواد زيد وغير مضاف نحو: رويدا زيدا كضربا زيدا وهو فى هذه الحالات ليس اسم فعل، وإذا اتصل به الكاف نحو: رويدك عمرا فهو اسم فعل لا غير بمعنى: أمهل- كما فى الفنارى واعلم أن جعل رويد مفيدا للطلب مبنى على المذهب الكوفى من أن اسم الفعل يدل على ما يدل عليه الفعل لا على مذهب البصريين من أن مدلوله لفظ الفعل إلا أن يقال: إنه على مذهبهم يدل على الطلب بواسطة دلالته على لفظ الفعل- تأمل.
(قوله: ما دل إلخ) أى: لا خصوص فعل الأمر والمضارع المقرون بلام الأمر على ما اشتهر وقوله: ما دل أى: لفظ دل بمادته ولو بطريق التضمن كما فى الفعل
(قوله: اسما) أى: كرويد، وكالمصدر فى نحو: ضربا زيدا، وقوله: أو فعلا أى: كفعل الأمر والمضارع المقرون بلام الأمر وهو ظاهر فى الأول، وأما الثانى فمحل نظر لاحتمال أن يقال الدال على الطلب مجموع الفعل واللام كما مر
(قوله: موضوعة لطلب الفعل) ظاهره ولو ندبا مع أن الجمهور على أنه حقيقة فى الوجوب ويؤيد كون مراد المصنف هذا الظاهر عدم عده الندب من الأغيار الآتية مع أنه أحق بالعد من غيره، فيكون
стр. 1154
أى: على طريق طلب العلو وعد الآمر نفسه عاليا، سواء كان عاليا فى نفسه أم لا (لتبادر الفهم عند سماعها) أى: سماع الصيغة (إلى ذلك المعنى) أعنى: الطلب باستعلاء، والتبادر إلى الفهم من أقوى أمارات الحقيقة ...
===
الأظهر عند المصنف كون الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب- كذا فى الفنرى.
(قوله: أى على طريق طلب العلو) فيه إشارة إلى أن نصب استعلاء بترع الخافض مع تقديره مضاف، ويحتمل أنه مفعول مطلق على حذف مضاف أى: طلب استعلاء ويحتمل أنه تمييز، ويؤيده قولهم على جهة الاستعلاء، ويحتمل أن يكون حالا من فاعل المصدر المحذوف بالتأويل باسم الفاعل.
قال بعضهم: إذا تأملت فى قولهم صيغة الأمر ما دل على طلب الفعل استعلاء وجدته لا يخلو عن بحث؛ لأنه إن أريد بالطلب الكلام النفسى كان لهذه الصيغة الإنشائية حينئذ معنى خارجى فتكون خبرا، وإن أريد به الطلب اللفظى كان هو نفس الصيغة فيلزم اتحاد الدال والمدلول ورد بأنا نختار الأول، ولا نسلم أن تلك الصيغة تكون خبرا حينئذ؛ لأنها وإن كان لها معنى خارجى، لكنه لم يقصد موافقة اللفظ له وحكايته به بخلاف الخبر، فإنه لا بد فيه من ذلك كما مر
(قوله: طلب العلو) هذا على أن السين والتاء للطلب، وقوله: وعد إلخ إشارة إلى أنها للعد كما تقول استحسنت هذا الأمر أى:
عددته حسنا، ففى كلامه إشارة لجواز الوجهين، وكان الأوضح فى هذه الإشارة العطف بأو كما فى الأطول وعد الآمر نفسه عاليا بإظهار القوة والغلظة فى كلامه دون التواضع والخضوع فدخلت أوامر الله
(قوله: والتبادر إلى الفهم) أى:
تبادر المعنى من اللفظ للفهم
(قوله: من أقوى أمارات الحقيقة) أى: من أقوى أمارات كون اللفظ حقيقة، واعترض هذا الدليل بأن المجاز الراجح يتبادر معناه من اللفظ للفهم، ولا يدل ذلك التبادر على كونه حقيقة؛ لأن التبادر أصله كثرة الاستعمال، وأجيب بأن التبادر فى المجازات افتقر فيه إلى قرينة مصاحبة زيادة على كثرة الاستعمال والتبادر فى الحقيقة لا يفتقر للقرينة، فالمراد بالتبادر فى كلام المصنف الذى لم يفتقر لقرينة بقى شىء
стр. 1155
(وقد تستعمل) صيغة الأمر (لغيره) أى: لغير طلب الفعل استعلاء (كالإباحة، نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين) فيجوز له أن يجالس أحدهما، أو كليهما، وأن لا يجالس أحدا منهما أصلا.
===
آخر، وهو أن تبادر الفهم يتوقف على معرفة الوضع، ففى الاستدلال به على الوضع دور بيان ذلك أن التبادر من غير معرفة الوضع محال فإذا عرف الوضع عرفت الحقيقة من المجاز؛ لأن الأول بلا قرينة والثانى بمصاحبتها، فلا يستدل بالتبادر على الحقيقة؛ لأن معرفتها سابقة على التبادر، وقد يجاب بأن السابق على التبادر مطلق معرفة الوضع، لا الوضع الذى يتضمن الفرق بين الحقيقة والمجاز، ومعرفة مطلق الوضع لا تفيد معرفة الحقيقة لصحة أن يدرك أن هذا اللفظ موضوع لكذا، ولو لم يعلم كون الوضع بالقرينة أو لا، فالتبادر بكثرة الاستعمال يدل على أن هذا الوضع مثلا حقيقة دون ذاك- فتأمل- انتهى- يعقوبى.
(قوله: وقد تستعمل لغيره) أى: لعلاقة بين ذلك الغير وبين معنى الأمر بحسب القرائن، فإن قامت قرينة على منع إرادة معنى الأمر فمجاز وإلا فكناية، ولا يخفى عليك أن مباحث الأمر والاستفهام ليست من فن المعانى وليس منه إلا نكات: العدول من الحقيقة إلى التجوز بالأمر والاستفهام، ولا أثر لها فيما ذكره. اه أطول.
ولم يتعرض الشارح لعلاقة المجاز فى ذلك الغير وتعرض لها أهل الأصول، فلا بأس بذكرها فى مواضعها وقول الشارح أى: لغير طلب الفعل استعلاء صادق بما إذا كان ذلك الغير طلبا من غير استعلاء وبأن لا يكون طلبا أصلا
(قوله: كالإباحة) وذلك إذا استعملت صيغة الأمر فى مقام توهم السامع فيه عدم جواز الجمع بين أمرين والعلاقة بين الطلب والإباحة الموجبة لاستعمال لفظه فيها اشتراكهما فى مطلق الإذن فهو من استعمال اسم الأخص فى الأعم مجازا مرسلا؛ لأن صيغة الأمر موضوعة للمأذون فيه المطلوب طلبا جازما، فاستعملت فى المأذون فيه من غير قيد بطلب، أو أن العلاقة بينهما التضاد؛ لأن إباحة كل من الفعل والترك تضاد إيجاب أحدهما.
(قوله: نحو جالس الحسن إلخ) أى: فالمخاطب يوهم عدم جواز مجالستهما لما كان بينهما من سوء المزاج
стр. 1156
(والتهديد) أى: التخويف وهو أعم من الإنذار لأنه إبلاغ مع التخويف،
===
فأبيح له مجالستهما وتفارق الإباحة التخيير الذى قد تستعمل فيه صيغة الأمر أيضا، ويمثلون له بنحو هذا التركيب بأنه لا يجوز الجمع بين الأمرين فى التخيير دون الإباحة، ثم إن ظاهر المصنف كالأصوليين أن مفيد الإباحة هو الصيغة وأو على هذا قرينة على ذلك وعند النحويين أن مفيد الإباحة أو، ولكن التحقيق أن المستفاد من الصيغة مطلق الإذن، والمستفاد من أو الإذن فى أحد الشيئين أو الأشياء، وما وراء ذلك من جواز الجمع بينهما وامتناعه إنما هو بالقرائن
(قوله: والتهديد) وذلك إذا استعملت صيغة الأمر فى مقام عدم الرضا بالمأمور به والعلاقة بين الطلب والتهديد الموجبة لاستعمال لفظه فيه ما بينهما من شبه التضاد باعتبار المتعلق؛ وذلك لأن المأمور به إما واجب، أو مندوب، والمهدد عليه إما حرام، أو مكروه، ولهذا يقال التهديد لا يصدق إلا مع المحرم والمكروه، وقرر بعضهم: أن العلاقة بينهما السببية؛ لأن إيجاب الشىء يتسبب عنه التخويف على مخالفته أو المشابهة بجامع ترتب العذاب على كل من الأمر والتهديد عند الترك، ولا يخفى تقرير الاستعارة
(قوله: أى التخويف) يعنى مطلقا سواء كان بمصاحبة وعيد مبين أو مجمل، فالأول كأن يقول السيد لعبده: دم على عصيانك، فالعصا أمامك، والثانى كما فى قوله تعالى:
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (١) أى: فسترون منا ما هو أمامكم، فهذا يتضمن وعيدا مجملا، وإنما كان هذا تهديدا لظهور أنه ليس المراد أمرهم بكل عمل شاءوا؛ ولأن قرائن الأحوال دالة على أن المراد الوعيد لا الإهمال
(قوله: وهو أعم من الإنذار) أى:
فيكون الإنذار داخلا فى التهديد، فلذا لم ينص عليه
(قوله: لأنه إبلاغ إلخ) أى: لأن الإنذار إبلاغ مصحوب بالتخويف وكان الأوضح؛ لأنه تخويف مع إبلاغ، وذلك كما قيل فى قوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٢) فصيغة تمتعوا مع ما بعدها تخويف بأمر مع إبلاغه عن الغير، والتهديد هو التخويف مطلقا سواء كان مصحوبا بإبلاغ أو لا بأن كان من عند نفسه فيكون أعم من الإنذار؛ لأنه تخويف مقيد والمقيد
стр. 1157
وفى الصحاح: الإنذار تخويف مع دعوة (نحو: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (١)) لظهور أن ليس المراد الأمر بكل عمل شاءوا (والتعجيز، نحو: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٢)) إذ ليس المراد طلب إتيانهم بسورة من مثله لكونه محالا، والظرف؛ أعنى: قوله:
مِنْ مِثْلِهِ متعلق ب فَأْتُوا ...
===
أخص من المطلق
(قوله: وفى الصحاح إلخ) حاصله أن التهديد أعم من الإنذار؛ لأن الإنذار تخويف مع دعوة لما ينجى من المخوف، وأما التهديد: فهو تخويف مطلقا، فالإنذار أخص من التهديد على ما فى الصحاح، وكذا على ما قبله، لكن الفرق بين ما فى الصحاح وما قبله من جهة أن الإنذار على ما فى الصحاح لا يكون إلا من الرسول لكونه اعتبر فى مفهوم الدعوة، والإنذار على ما قبله يكون من الرسول ومن غيره؛ لأنه اعتبر فى مفهومه الإبلاغ وهو أعم من الدعوة؛ لأنه يكون من الرسول ومن غيره؛ لأنه يقال لمن أعلم قوما بأن جيشا يصحبهم إنه أنذرهم ولو لم يرسل بذلك
(قوله: والتعجيز) أى: أن صيغة الأمر قد تستعمل للتعجيز وذلك فى مقام إظهار عجز من يدعى أن فى وسعه وطاقته أن يفعل مثل الأمر الفلانى؛ لأنه إذا حاول فعله بعد سماع صيغة الأمر، ولم يمكنه فعله ظهر عجزه حينئذ.
(قوله: لكونه محال) أى: لكون الإتيان بسورة من مثله محالا من جهة أن ذلك خارج عن وسعهم وطاقتهم، فإذا حاولوا بعد سماع الصيغة ذلك الإتيان ولم يمكنهم ظهر عجزهم، فإن قلت لم لا يكون المراد هنا من الصيغة الطلب، وغايته أنه من التكليف بالمحال لاستحالة وجود الإتيان من المثل والتكليف بالمحال جائز أو واقع قلت القرائن هنا تعين إرادة التعجيز لإقامة الحجة عليهم فى تلك الآيات، والعلاقة بين الطلب والتعجيز ما بينهما من شبه التضاد فى متعلقهما، فإن التعجيز فى المستحيلات والطلب فى الممكنات أو السببية؛ لأن إيجاب شىء لا قدرة عليه يلزم التعجيز عنه
(قوله: متعلق بفأتوا) أى: فهو ظرف لغو والضمير لعبدنا أى: تعيينا، والمعنى حينئذ: وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا من شخص مماثل لعبدنا فى كونه أميا لا يكتب بسورة،
стр. 1158
والضمير لعبدنا، أو صفة لسورة والضمير لما نزلنا أو لعبدنا، فإن قلت: لم لا يجوز على الأول أن يكون الضمير لما نزلنا- قلت لأنه يقتضى ثبوت مثل القرآن فى البلاغة وعلو الطبقة بشهادة الذوق؛ ...
===
فالمأتى منه موجود والمأتى به معجوز عنه ومن على هذا ابتدائية
(قوله: أو صفة إلخ) عطف على قوله متعلق بفأتوا أى أو متعلق بمحذوف صفة لسورة فيكون الظرف مستقرا
(قوله: والضمير) أى: من مثله لما نزلنا أو لعبدنا أى: فيكون المعنى على الأول:
فأتوا بسورة من وصفها أنها من مثل ما نزلنا فى حسن النظم وغرابة البيان أى: من جنسه فتكون من تبعيضية مشوبة ببيان، وعلى الثانى: فأتوا بسورة كائنة من مثل عبدنا فمن على هذا ابتدائية، ويراد على هذا الوجه بمثل عبدنا مثله فى مطلق البشرية من غير شرط الأمية لعجز الكل- كذا فى ابن يعقوب، فالمعجوز عنه على كلا الوجهين هو السورة الموصوفة بصفة هى كونها من جنس المترل، أو من مثل عبدنا ومعلوم أن الذى يفهم من مثل هذا الكلام عند امتناع الإتيان بالمأمور أن الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه، كما يقال ائتنى بثوب ملبوس للأمير فملبوس الأمير موجود، وامتنعت القدرة عليه، أو لعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه، فيلزم امتناع الإتيان به بذلك القيد، كما يقال ائتنى بثوب قدره أربعون ذراعا، والفرض أنه لا ثوب موصوف بهذا الوصف، وإنما كان المفهوم من مثل هذا الكلام عند امتناع الإتيان بالمأمور أن الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه ولعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه؛ لأن الوصف واقع فى حيز المأمور به فيفهم أن الامتناع لامتناع الوصف أو لامتناع تناول الموصوف لعدم القدرة عليه
(قوله: على الأول) على الاحتمال الأول وهو جعل الظرف لغوا متعلقا بفأتوا
(قوله: قلت لأنه) أى: كون الضمير راجعا لما نزلنا مع جعل الظرف لغوا متعلقا بفأتوا يقتضى إلخ؛ وذلك لأن المعنى عليه فأتوا مما هو مماثل لما نزلناه من الكلام البليغ بسورة، ولا شك أن هذا يقتضى ثبوت مثل للقرآن فى البلاغة وعلو الطبقة، وهذا غير صحيح؛ لأن القرآن لا مثل له.
(قوله: بشهادة الذوق) متعلق بيقتضى أى أن ذلك الاقتضاء المذكور هو المفهوم من هذا الكلام عرفا كما يشهد بذلك الذوق السليم، فإنك إذا قلت: ائتنى ببيت
стр. 1159
إذ التعجيز إنما يكون عن المأتى به، فكأن مثل القرآن ثابت لكنهم عجزوا عن أن يأتوا منه بسورة، بخلاف ما إذا كان وصفا للسورة فإن المعجوز عنه هو السورة الموصوفة باعتبار انتفاء الوصف، ...
===
من الحماسة: وهى ديوان الشعر المتعلق بالشجاعة أفاد وجود الحماسة عرفا بشهادة الذوق، وحمله على مثل معنى ائتنى برجل أو جناح من العنقاء على معنى أن العنقاء لم توجد فلا يوجد رجلها ولا جناحها: احتمال عقلى لا يرتكب فى تراكيب البلغاء بشهادة الذوق والاستعمال، فلهذا تعين أن يكون الضمير على تقدير كون الظرف لغوا عائدا لعبدنا لا لما نزلنا ولا يخفى أن هذا إنما يتم بناء على أن إعجاز القرآن لكونه خارجا عن طوق البشر، وأما إن قلنا إنه فى طوقهم وصرفوا عنه لم يفتقر لهذا
(قوله: إذ التعجيز) أى: على هذا الاحتمال إنما يكون عن المأتى به أى: وهو السورة أى: عن الإتيان بها مع وجود المأتى منه وهو المثل وهذا علة للاقتضاء
(قوله: أن يأتوا منه) أى:
من المثل الذى فرض موجودا
(قوله: بخلاف ما إذا كان) أى: الظرف
(قوله: فإن المعجوز عنه هو السورة الموصوفة) أى: فيكون الوصف فى حيز المأتى به فيكون معجوزا عنه
(قوله: باعتبار انتفاء الوصف) متعلق بالمعجوز أى: أن السورة الموصوفة معجوز عنها باعتبار انتفاء وصفها وعدم وجوده، فإن وصفها هو كونها من مثل المترل والمترل لا مثل له، وإذا انتفى الوصف انتفى الموصوف من حيث هو موصوف، والحاصل أن المعنى عند جعل الظرف صفة لسورة أنهم عاجزون عن الإتيان بسورة متصفة بكونها من مثل القرآن لكون هذا الوصف غير ثابت لسورة ما فى الواقع، وانتفاء ذلك الوصف فى الواقع لانتفاء المثل، وحينئذ فليس ذلك العجز إلا لانتفاء المثل من أصله، إذ لو ثبت لثبت الوصف لسورة منه، وقد يقال: إن العجز عن الإتيان بالسورة الموصوفة صادق بأن يكون لعدم قدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه وصادق بما إذا كان لعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه، وحينئذ فلا وجه لاقتصار الشارح على كون العجز باعتبار انتفاء الوصف، اللهم إلا أن يقال اقتصار الشارح على ذلك؛ لأنه الواقع، لا لأن العجز منحصر فيه، والحاصل أنه إذا كان المعنى: فأتوا من مثل ما نزلنا بسورة
стр. 1160
فإن قلت: فليكن التعجيز باعتبار انتفاء المأتى به منه قلنا احتمال عقلى لا يسبق إلى الفهم، ولا يوجد له مساغ فى اعتبارات البلغاء واستعمالاتهم؛ فلا اعتداد به، ولبعضهم هنا كلام طويل لا طائل تحته (والتسخير، ...
===
لزم وجود المثل للقرآن لوقوع المثل فى حيز المأتى منه، والعرف قاض بذلك الاستعمال، وإن كان المعنى فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا فلا يقتضى وجود المثل للقرآن لوقوع المثل فى حيز المأتى به المعجوز عنه، فإذا قلت ائتنى من مثل العنقاء بجناح اقتضى ذلك ثبوت مثلها بخلاف لو قلت: ائتنى بجناح من مثل العنقاء، فإنه لا يقتضى ثبوته والذوق السليم شاهد صدق بذلك
(قوله: فإن قلت فليكن إلخ) أى: فإن قلت عند جعل الظرف لغوا متعلقا بفأتوا، وترجيع الضمير لما نزلنا لا يجعل التعجيز باعتبار المأتى به حتى يلزم ثبوت المثل للقرآن، بل يجعل التعجيز باعتبار انتفاء المأتى منه وهو المثل بأن يكون لهم قدرة على الإتيان بسورة من مثله، إلا أن المثل منتف فهم قادرون على الإتيان بسورة، إلا أنه لا مثل له حتى يأتوا منه بسورة، وحينئذ فلا يقتضى ثبوت المثل ولا ينتفى عجزهم باعتبار المأتى به، وحاصل الجواب أن الاستقراء دل على أن مثل هذا التركيب يفهم منه الذوق أن التعجيز باعتبار المأتى به لا باعتبار المأتى منه، وحينئذ فيفيد ثبوت المثل فقوله قلنا احتمال إلخ أى: قلنا جعل التعجيز باعتبار المأتى منه احتمال عقلى بخلاف كون التعجيز باعتبار انتفاء الوصف فإنه شائع؛ لأن القيود محط القصد
(قوله: ولبعضهم إلخ) أراد به الطيبى فى حواشى الكشاف.
(قوله: والتسخير) أى: جعل الشىء مسخرا منقادا لما أمر به يعنى أن صيغة الأمر تستعمل للتسخير، وذلك فى مقام يكون المأمور به منقادا للأمر والعلاقة بين الطلب وبينه السببية؛ وذلك لأن إيجاب شىء لا قدرة للمخاطب عليه بحيث يحصل بسرعة من غير توقف يتسبب عنه تسخيره لذلك أى: جعله مسخرا منقادا لما أمر به، وما ذكرناه فى معنى التسخير- هو ما ذكره عبد الحكيم، وذكر العلامة اليعقوبى: أن التسخير هو تبديل الشىء من حالة إلى حالة أخرى فيها مهانة ومذلة وقد كان موجودا، وذكر أيضا أن الفرق بينه وبين التكوين أن التسخير تبديل من حالة إلى حالة