← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

(والتهديد) أى: التخويف وهو أعم من الإنذار لأنه إبلاغ مع التخويف، === فأبيح له مجالستهما وتفارق الإباحة التخيير الذى قد تستعمل فيه صيغة الأمر أيضا، ويمثلون له بنحو هذا التركيب بأنه لا يجوز الجمع بين الأمرين فى التخيير دون الإباحة، ثم إن ظاهر المصنف كالأصوليين أن مفيد الإباحة هو الصيغة وأو على هذا قرينة على ذلك وعند النحويين أن مفيد الإباحة أو، ولكن التحقيق أن المستفاد من الصيغة مطلق الإذن، والمستفاد من أو الإذن فى أحد الشيئين أو الأشياء، وما وراء ذلك من جواز الجمع بينهما وامتناعه إنما هو بالقرائن (قوله: والتهديد) وذلك إذا استعملت صيغة الأمر فى مقام عدم الرضا بالمأمور به والعلاقة بين الطلب والتهديد الموجبة لاستعمال لفظه فيه ما بينهما من شبه التضاد باعتبار المتعلق؛ وذلك لأن المأمور به إما واجب، أو مندوب، والمهدد عليه إما حرام، أو مكروه، ولهذا يقال التهديد لا يصدق إلا مع المحرم والمكروه، وقرر بعضهم: أن العلاقة بينهما السببية؛ لأن إيجاب الشىء يتسبب عنه التخويف على مخالفته أو المشابهة بجامع ترتب العذاب على كل من الأمر والتهديد عند الترك، ولا يخفى تقرير الاستعارة (قوله: أى التخويف) يعنى مطلقا سواء كان بمصاحبة وعيد مبين أو مجمل، فالأول كأن يقول السيد لعبده: دم على عصيانك، فالعصا أمامك، والثانى كما فى قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (١) أى: فسترون منا ما هو أمامكم، فهذا يتضمن وعيدا مجملا، وإنما كان هذا تهديدا لظهور أنه ليس المراد أمرهم بكل عمل شاءوا؛ ولأن قرائن الأحوال دالة على أن المراد الوعيد لا الإهمال (قوله: وهو أعم من الإنذار) أى: فيكون الإنذار داخلا فى التهديد، فلذا لم ينص عليه (قوله: لأنه إبلاغ إلخ) أى: لأن الإنذار إبلاغ مصحوب بالتخويف وكان الأوضح؛ لأنه تخويف مع إبلاغ، وذلك كما قيل فى قوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٢) فصيغة تمتعوا مع ما بعدها تخويف بأمر مع إبلاغه عن الغير، والتهديد هو التخويف مطلقا سواء كان مصحوبا بإبلاغ أو لا بأن كان من عند نفسه فيكون أعم من الإنذار؛ لأنه تخويف مقيد والمقيد

стр. 1157

وفى الصحاح: الإنذار تخويف مع دعوة (نحو: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (١)) لظهور أن ليس المراد الأمر بكل عمل شاءوا (والتعجيز، نحو: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٢)) إذ ليس المراد طلب إتيانهم بسورة من مثله لكونه محالا، والظرف؛ أعنى: قوله: مِنْ مِثْلِهِ متعلق ب فَأْتُوا ... === أخص من المطلق (قوله: وفى الصحاح إلخ) حاصله أن التهديد أعم من الإنذار؛ لأن الإنذار تخويف مع دعوة لما ينجى من المخوف، وأما التهديد: فهو تخويف مطلقا، فالإنذار أخص من التهديد على ما فى الصحاح، وكذا على ما قبله، لكن الفرق بين ما فى الصحاح وما قبله من جهة أن الإنذار على ما فى الصحاح لا يكون إلا من الرسول لكونه اعتبر فى مفهوم الدعوة، والإنذار على ما قبله يكون من الرسول ومن غيره؛ لأنه اعتبر فى مفهومه الإبلاغ وهو أعم من الدعوة؛ لأنه يكون من الرسول ومن غيره؛ لأنه يقال لمن أعلم قوما بأن جيشا يصحبهم إنه أنذرهم ولو لم يرسل بذلك (قوله: والتعجيز) أى: أن صيغة الأمر قد تستعمل للتعجيز وذلك فى مقام إظهار عجز من يدعى أن فى وسعه وطاقته أن يفعل مثل الأمر الفلانى؛ لأنه إذا حاول فعله بعد سماع صيغة الأمر، ولم يمكنه فعله ظهر عجزه حينئذ. (قوله: لكونه محال) أى: لكون الإتيان بسورة من مثله محالا من جهة أن ذلك خارج عن وسعهم وطاقتهم، فإذا حاولوا بعد سماع الصيغة ذلك الإتيان ولم يمكنهم ظهر عجزهم، فإن قلت لم لا يكون المراد هنا من الصيغة الطلب، وغايته أنه من التكليف بالمحال لاستحالة وجود الإتيان من المثل والتكليف بالمحال جائز أو واقع قلت القرائن هنا تعين إرادة التعجيز لإقامة الحجة عليهم فى تلك الآيات، والعلاقة بين الطلب والتعجيز ما بينهما من شبه التضاد فى متعلقهما، فإن التعجيز فى المستحيلات والطلب فى الممكنات أو السببية؛ لأن إيجاب شىء لا قدرة عليه يلزم التعجيز عنه (قوله: متعلق بفأتوا) أى: فهو ظرف لغو والضمير لعبدنا أى: تعيينا، والمعنى حينئذ: وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا من شخص مماثل لعبدنا فى كونه أميا لا يكتب بسورة،

стр. 1158

والضمير لعبدنا، أو صفة لسورة والضمير لما نزلنا أو لعبدنا، فإن قلت: لم لا يجوز على الأول أن يكون الضمير لما نزلنا- قلت لأنه يقتضى ثبوت مثل القرآن فى البلاغة وعلو الطبقة بشهادة الذوق؛ ... === فالمأتى منه موجود والمأتى به معجوز عنه ومن على هذا ابتدائية (قوله: أو صفة إلخ) عطف على قوله متعلق بفأتوا أى أو متعلق بمحذوف صفة لسورة فيكون الظرف مستقرا (قوله: والضمير) أى: من مثله لما نزلنا أو لعبدنا أى: فيكون المعنى على الأول: فأتوا بسورة من وصفها أنها من مثل ما نزلنا فى حسن النظم وغرابة البيان أى: من جنسه فتكون من تبعيضية مشوبة ببيان، وعلى الثانى: فأتوا بسورة كائنة من مثل عبدنا فمن على هذا ابتدائية، ويراد على هذا الوجه بمثل عبدنا مثله فى مطلق البشرية من غير شرط الأمية لعجز الكل- كذا فى ابن يعقوب، فالمعجوز عنه على كلا الوجهين هو السورة الموصوفة بصفة هى كونها من جنس المترل، أو من مثل عبدنا ومعلوم أن الذى يفهم من مثل هذا الكلام عند امتناع الإتيان بالمأمور أن الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه، كما يقال ائتنى بثوب ملبوس للأمير فملبوس الأمير موجود، وامتنعت القدرة عليه، أو لعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه، فيلزم امتناع الإتيان به بذلك القيد، كما يقال ائتنى بثوب قدره أربعون ذراعا، والفرض أنه لا ثوب موصوف بهذا الوصف، وإنما كان المفهوم من مثل هذا الكلام عند امتناع الإتيان بالمأمور أن الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه ولعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه؛ لأن الوصف واقع فى حيز المأمور به فيفهم أن الامتناع لامتناع الوصف أو لامتناع تناول الموصوف لعدم القدرة عليه (قوله: على الأول) على الاحتمال الأول وهو جعل الظرف لغوا متعلقا بفأتوا (قوله: قلت لأنه) أى: كون الضمير راجعا لما نزلنا مع جعل الظرف لغوا متعلقا بفأتوا يقتضى إلخ؛ وذلك لأن المعنى عليه فأتوا مما هو مماثل لما نزلناه من الكلام البليغ بسورة، ولا شك أن هذا يقتضى ثبوت مثل للقرآن فى البلاغة وعلو الطبقة، وهذا غير صحيح؛ لأن القرآن لا مثل له. (قوله: بشهادة الذوق) متعلق بيقتضى أى أن ذلك الاقتضاء المذكور هو المفهوم من هذا الكلام عرفا كما يشهد بذلك الذوق السليم، فإنك إذا قلت: ائتنى ببيت

стр. 1159

إذ التعجيز إنما يكون عن المأتى به، فكأن مثل القرآن ثابت لكنهم عجزوا عن أن يأتوا منه بسورة، بخلاف ما إذا كان وصفا للسورة فإن المعجوز عنه هو السورة الموصوفة باعتبار انتفاء الوصف، ... === من الحماسة: وهى ديوان الشعر المتعلق بالشجاعة أفاد وجود الحماسة عرفا بشهادة الذوق، وحمله على مثل معنى ائتنى برجل أو جناح من العنقاء على معنى أن العنقاء لم توجد فلا يوجد رجلها ولا جناحها: احتمال عقلى لا يرتكب فى تراكيب البلغاء بشهادة الذوق والاستعمال، فلهذا تعين أن يكون الضمير على تقدير كون الظرف لغوا عائدا لعبدنا لا لما نزلنا ولا يخفى أن هذا إنما يتم بناء على أن إعجاز القرآن لكونه خارجا عن طوق البشر، وأما إن قلنا إنه فى طوقهم وصرفوا عنه لم يفتقر لهذا (قوله: إذ التعجيز) أى: على هذا الاحتمال إنما يكون عن المأتى به أى: وهو السورة أى: عن الإتيان بها مع وجود المأتى منه وهو المثل وهذا علة للاقتضاء (قوله: أن يأتوا منه) أى: من المثل الذى فرض موجودا (قوله: بخلاف ما إذا كان) أى: الظرف (قوله: فإن المعجوز عنه هو السورة الموصوفة) أى: فيكون الوصف فى حيز المأتى به فيكون معجوزا عنه (قوله: باعتبار انتفاء الوصف) متعلق بالمعجوز أى: أن السورة الموصوفة معجوز عنها باعتبار انتفاء وصفها وعدم وجوده، فإن وصفها هو كونها من مثل المترل والمترل لا مثل له، وإذا انتفى الوصف انتفى الموصوف من حيث هو موصوف، والحاصل أن المعنى عند جعل الظرف صفة لسورة أنهم عاجزون عن الإتيان بسورة متصفة بكونها من مثل القرآن لكون هذا الوصف غير ثابت لسورة ما فى الواقع، وانتفاء ذلك الوصف فى الواقع لانتفاء المثل، وحينئذ فليس ذلك العجز إلا لانتفاء المثل من أصله، إذ لو ثبت لثبت الوصف لسورة منه، وقد يقال: إن العجز عن الإتيان بالسورة الموصوفة صادق بأن يكون لعدم قدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه وصادق بما إذا كان لعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه، وحينئذ فلا وجه لاقتصار الشارح على كون العجز باعتبار انتفاء الوصف، اللهم إلا أن يقال اقتصار الشارح على ذلك؛ لأنه الواقع، لا لأن العجز منحصر فيه، والحاصل أنه إذا كان المعنى: فأتوا من مثل ما نزلنا بسورة

стр. 1160

فإن قلت: فليكن التعجيز باعتبار انتفاء المأتى به منه قلنا احتمال عقلى لا يسبق إلى الفهم، ولا يوجد له مساغ فى اعتبارات البلغاء واستعمالاتهم؛ فلا اعتداد به، ولبعضهم هنا كلام طويل لا طائل تحته (والتسخير، ... === لزم وجود المثل للقرآن لوقوع المثل فى حيز المأتى منه، والعرف قاض بذلك الاستعمال، وإن كان المعنى فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا فلا يقتضى وجود المثل للقرآن لوقوع المثل فى حيز المأتى به المعجوز عنه، فإذا قلت ائتنى من مثل العنقاء بجناح اقتضى ذلك ثبوت مثلها بخلاف لو قلت: ائتنى بجناح من مثل العنقاء، فإنه لا يقتضى ثبوته والذوق السليم شاهد صدق بذلك (قوله: فإن قلت فليكن إلخ) أى: فإن قلت عند جعل الظرف لغوا متعلقا بفأتوا، وترجيع الضمير لما نزلنا لا يجعل التعجيز باعتبار المأتى به حتى يلزم ثبوت المثل للقرآن، بل يجعل التعجيز باعتبار انتفاء المأتى منه وهو المثل بأن يكون لهم قدرة على الإتيان بسورة من مثله، إلا أن المثل منتف فهم قادرون على الإتيان بسورة، إلا أنه لا مثل له حتى يأتوا منه بسورة، وحينئذ فلا يقتضى ثبوت المثل ولا ينتفى عجزهم باعتبار المأتى به، وحاصل الجواب أن الاستقراء دل على أن مثل هذا التركيب يفهم منه الذوق أن التعجيز باعتبار المأتى به لا باعتبار المأتى منه، وحينئذ فيفيد ثبوت المثل فقوله قلنا احتمال إلخ أى: قلنا جعل التعجيز باعتبار المأتى منه احتمال عقلى بخلاف كون التعجيز باعتبار انتفاء الوصف فإنه شائع؛ لأن القيود محط القصد (قوله: ولبعضهم إلخ) أراد به الطيبى فى حواشى الكشاف. (قوله: والتسخير) أى: جعل الشىء مسخرا منقادا لما أمر به يعنى أن صيغة الأمر تستعمل للتسخير، وذلك فى مقام يكون المأمور به منقادا للأمر والعلاقة بين الطلب وبينه السببية؛ وذلك لأن إيجاب شىء لا قدرة للمخاطب عليه بحيث يحصل بسرعة من غير توقف يتسبب عنه تسخيره لذلك أى: جعله مسخرا منقادا لما أمر به، وما ذكرناه فى معنى التسخير- هو ما ذكره عبد الحكيم، وذكر العلامة اليعقوبى: أن التسخير هو تبديل الشىء من حالة إلى حالة أخرى فيها مهانة ومذلة وقد كان موجودا، وذكر أيضا أن الفرق بينه وبين التكوين أن التسخير تبديل من حالة إلى حالة

стр. 1161

نحو: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١) والإهانة، ... === أخرى أخس من الأولى، والتكوين: الإنشاء من العدم إلى الوجود، ويوجد استعمال صيغة الأمر فيه كقوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ (٢) والتعبير عن الإيجاد بكن إيماء إلى أنه يكون فى أسرع لحظة، وأنه طائع لما يراد، فكأنه إذا أمر ائتمر ويحتمل أن يكون التكوين أعم بأن يراد به مطلق التبديل إلى حالة لم تكن ويراد بالتسخير ما تقدم أى: التبديل من حالة إلى أخرى فيها مهانة ومذلة. اه كلامه. وعلى هذا فالعلاقة بين الطلب والتسخير المشابهة فى مطلق الإلزام، فإن الوجوب إلزام المأمور والتسخير إلزام الذل والهوان (قوله: خاسِئِينَ) أى: صاغرين مطرودين عن ساحة القرب والعز ووصف القردة به لتأكيد ما تضمنه معناه، ويصح أن يكون خاسئين خبرا بعد خبر لكان أى: كونوا جامعين بين القردة، والخسء أى: الصغار والطرود، ولا يرد على هذا أن المبتدأ لا يقتضى أكثر من خبر واحد من غير عطف إلا بشرط أن يكون الخبران فى معنى خبر واحد نحو: هذا حلو حامض، وقردة خاسئين: ليس من هذا؛ لأن كل واحد منهما مستقل بإفادة الصغار والذل، فالذى يفهم من مجموعهما يفهم من كل واحد منهما؛ لأنا نقول الحق أن الأخبار المتعددة إذا لم تكن فى معنى الخبر الواحد يجوز فيها العطف وعدمه ومنه وهو الغفور الودود الآية، ويصح أن يكون خاسئين حالا من اسم كان، ولا يراد على هذا أن كان لا تعمل إلا فى المبتدأ والخبر؛ لأن عدم عمل كان فى الحال مبنى على عدم دلالتها على الحدث، والصحيح دلالتها عليه، واعلم أن صيغة الأمر إذا استعملت فى التسخير أو فى الإهانة الآتية يحتمل أن تكون إنشاء أى: إظهار لمعناها وهو الذلة والحقارة، ويحتمل أن تكون إخبارا بالحقارة والمذلة فكأنه قيل على هذا هم بحيث يقال فيهم إنهم أذلاء محتقرون ممسوخون وكونها للإخبار فى الإهانة أظهر منه فى التسخير (قوله: والإهانة) وهى إظهار ما فيه تصغير المهان وقلة المبالاة به، وحاصله أن صيغة الأمر ترد للإهانة وذلك إذا استعملت فى مقام عدم الاعتداد بشأن المأمور على أى وجه كان والعلاقة بين الأمر

стр. 1162

نحو: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (١)) إذ ليس الغرض أن يطلب منهم كونهم قردة أو حجارة لعدم قدرتهم على ذلك، لكن فى التسخير يحصل الفعل؛ أعنى: صيرورتهم قردة، وفى الإهانة لا يحصل؛ إذ المقصود قلة المبالاة بهم. === والإهانة اللزوم؛ لأن طلب الشىء من غير قصد حصوله لعدم القدرة عليه مع كونه من الأحوال الخسيسة يستلزم الإهانة أو العلاقة المشابهة فى مطلق الإلزام؛ لأن الوجوب إلزام المأمور والإهانة إلزام الذل والهوان- تأمل. (قوله: نحو كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً) أى: ونحو: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٢) لأنه ليس المراد الأمر بذوقه العذاب؛ لأن الكافر حال الخطاب بالصيغة فى غصص المذوق ومحنه. (قوله: إذ ليس إلخ) علة لمحذوف أى: فالغرض من الأمرين التسخير والإهانة، لا الطلب إذ ليس إلخ (قوله: لكن فى التسخير) لما أفاد اشتراك التسخير والإهانة فى عدم القدرة فربما يتوهم عدم الفرق بينهما، وحينئذ فلا وجه لكون الأمر فى المثال الأول للتسخير، وفى الثانى: للإهانة، فاستدرك على ذلك ببيان الفرق، وحاصل ما ذكره من الفرق بين التسخير والإهانة اللذين دلت على إرادتهما القرائن فى الأمرين أن التسخير يحصل فيه الفعل حال إيجاد الصيغة، فإن كونهم قردة أى: مسخهم وتبديلهم بحال القردة واقع حال إيجاد الصيغة والإهانة لا يحصل فيها الفعل أصلا؛ لأن المقصود فيها تحقير المخاطبين وقلة المبالاة بهم لا حصول الفعل فقول الشارح، لكن فى التسخير يحصل الفعل أى: حال إيجاد الصيغة وقوله وفى الإهانة لا يحصل أى: الفعل أصلا وقوله، إذ المقصود أى: من الإهانة قلة المبالاة بهم أى: لا حصول الفعل، واعلم أن التحقير قريب من الإهانة وقد استعملت صيغة الأمر فيه فى قوله تعالى حكاية عن موسى ألقوا ما أنتم ملقون أى: إن ما جئتم به من السحر حقير بالنسبة للمعجزة، وإنما قلنا: إنه قريب منها؛ لأن كل محتقر فى الاعتقاد، أو فى الظاهر فهو مهان فى ذلك الاعتقاد، أو الظاهر وإن كانت الإهانة إنما تكون بالقول أو بالفعل والاحتقار كثيرا ما يقع فى الاعتقاد، والحاصل

стр. 1163

(والتسوية نحو: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا (١)) ففى الإباحة كأن المخاطب توهم أن الفعل محظور عليه فأذن له فى الفعل مع عدم الحرج فى الترك، وفى التسوية كأنه توهم أن أحد الطرفين من الفعل والترك أنفع له وأرجح بالنسبة إليه فدفع ذلك وسوى بينهما. === أنه إن شرط فى الإهانة وهى التصغير إظهار ذلك قولا أو فعلا كما قلنا كانت أخص من مطلق التحقير، وإن لم يشترط فيها ذلك كانا شيئا واحدا (قوله: والتسوية) يعنى صيغة الأمر تستعمل للتسوية بين شيئين وذلك فى مقام توهم أن أحدهما أرجح من الآخر، كقوله تعالى أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ (٢) فإنه ربما يتوهم أن الإنفاق طوعا مقبول دون الإكراه فسوى بينهما فى عدم القبول وكقوله تعالى: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا فإنه ربما يتوهم أن الصبر نافع، فدفع ذلك بالتسوية بين الصبر وعدمه، فليس المراد بالصيغة فى المحلين الأمر بالإنفاق ولا الأمر بالصبر، بل المراد كما دلت عليه القرائن التسوية بين الأمرين كما قلنا، والعلاقة بينها وبين الأمر التضاد؛ لأن التسوية بين الفعل والترك تضاد إيجاب أحدهما هذا، واعترض بعضهم كون صيغة الأمر تستعمل للتسوية بأن التسوية قد تستفاد من التركيب الذى فيه النهى كما فى الآية الثانية، فيلزم أن يكون النهى للتسوية، ولم يقل بذلك أحد، فالظاهر أن التسوية لأو لا لصيغة الأمر ورد ذلك بأنهم صرحوا بأن النهى يكون للتسوية أيضا وجعلوا منه قوله تعالى أو لا تصبروا، وبأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، فلا دلالة لها على التسوية- تأمل. اه غنيمى. (قوله: ففى الاباحة إلخ) هذا شروع فى الفرق بين الإباحة المتقدمة والتسوية المذكورة هنا، وكأن سائلا سأله وقال له أحدهما لازم للآخر فما الفرق، وحاصل الفرق بينهما أن الإباحة يخاطب بها من هو بصدد أن يتوهم المنع من الفعل فيخاطب، بالإذن فى الفعل مع عدم الحرج فى الترك كما فى قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا (٣) والتسوية

стр. 1164

(والتمنى، نحو: ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى) ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل (١) إذ ليس الغرض طلب الانجلاء من الليل؛ إذ ليس ذلك ... === يخاطب بها من هو بصدد أن يتوهم أن أحد الطرفين المذكورين فى محلهما من الفعل ومقابله أرجح من الآخر وأنفع منه، فيدفع ذلك ويسوى بينهما، والأقرب كما قال العلامة اليعقوبى أن الصيغة فى التسوية إخبار دون الإباحة، ويحتمل أنها لإنشاء التسوية والإخبار بالإباحة على بعد (قوله: والتمنى) أى: تستعمل صيغة الأمر فى التمنى وهو طلب الأمر المحبوب الذى لا طماعية فيه، والعلاقة بين الأمر وبينه الإطلاق والتقييد؛ لأن الأمر طلب على وجه الاستعلاء فأطلق عن قيده، ثم قيد بالمحبوب الذى لا طماعية فيه أو السببية؛ لأن طلب وجود الشىء الذى لا إمكان له سبب فى تمنيه (قوله: نحو ألا أيها إلخ) هذا البيت من معلقة امرئ القيس المشهورة التى أولها قفا نبك إلخ، وقبل البيت المذكور: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكل مغار الفتل شدّت بيذبل. (قوله: ألا انجلى) الياء فيه ثابتة لإشباع الكسرة، لا أنها من أصل الكلمة كقوله: ألم يأتيك والأنباء تنمى. كذا ذكر بعضهم، وفى الأطول: لا يبعد أن يقال الياء ترد لما هو أصل، إذ الضرورة ترد الكلمة إلى أصلها وليست للإشباع، وإلا لما رسمت، وقال بعض الأفاضل: الياء فى انجلى ثابتة فى كل النسخ لكن ليست للإشباع، بل ياء الفاعلة، وحينئذ، فالمراد من الليل الليلة ولو كانت للإشباع ما رسمت وربما كان فى قول الشارح ولاستطالته تلك

стр. 1165

فى وسعه، لكنه يتمنى ذلك تخلصا عما عرض له فى الليل من تباريح الجوى ولاستطالته تلك الليلة كأنه لا طماعية له فى انجلائها؛ فلهذا يحمل على التمنى دون الترجى. (والدعاء) أى: الطلب على سبيل التضرع (نحو: رَبِّ اغْفِرْ لِي (١)، === الليلة إشارة إليه، والمراد بالانجلاء: الانكشاف، وبالإصباح: ظهور ضوء الصبح وهو الفجر وأول النهار، فكأنه يقول: انكشف أيها الليل الطويل طولا لا يرجى معه الانكشاف، وقوله: وما الإصباح منك بأمثل أى: بأفضل كلام تقديرى، كأنه يقول هذا الليل لا طماعية فى زواله لطوله طولا لا يرجى معه الانكشاف وعلى تقدير الانكشاف، فالإصباح لا يكون أفضل منه عندى لمقاساتى الهموم والأحزان فيه كما أقاسيها فى الليل، فالليل قد شارك النهار فى مقاساة الهموم لاشتراكهما فى علتها وهى فراق الحبيب فطلب النهار ليس لخلوه عنها، بل لأن بعض الشر أهون من بعض (قوله: فى وسعه) أى: وسع الليل وقد يقال: إنه يجوز التكليف بما ليس فى الوسع؛ لأن التكليف بالمحال جائز فيمكن أن يكون هذا منه، فالأحسن فى التعليل أن يقول؛ لأن الليل ليس مما يؤمر ويخاطب؛ لأنه ينبغى أن يكون المكلف عاقلا يفهم الخطاب (قوله: يتمنى ذلك) أى: الانجلاء فكأنه يقول ليتك تنجلى (قوله: من تباريح الجوى) التباريح بالحاء المهملة الشدائد جمع تبريح بمعنى الشدة والجوى بالجيم الحرقة وشدة الوجد من حزن أو عشق (قوله: ولاستطالته إلخ) علة مقدمة على المعلول وهو قوله كأنه لا طماعية أى: وكأنه لا طماعية له فى انجلاء تلك الليلة لاستطالتها أى: لعدها طويلة جدا وهو عطف على طوله إذ ليس فى وسعه فهو دليل آخر على أنه ليس الغرض طلب الانجلاء فكان للتعليل (قوله: فلهذا) أى: فلأجل عدم الطماعية فى الانجلاء والانكشاف حمل الأمر على التمنى ليناسب حال التشكى من الأحزان والهموم وشدتها؛ لأنه لا يناسبها إلا عدم الطماعية فى انجلاء الليل؛ وذلك لأنها لكثرتها ولزومها لليل يعد الليل معها مما لا يزول، ولذا جرت العادة بأن من وقع فى ورطة وشدة يتسارع بالإياس ويتشكى منها مظهرا لبعد النجاة وما لو كانت مرجوة الانكشاف لم تستحق التشكى من ليلها الملازمة له (قوله: والدعاء) هو كما قال الشارح الطلب

стр. 1166

والالتماس؛ كقولك لمن يساويك رتبة: افعل؛ بدون الاستعلاء) والتضرع، فإن قيل: أى حاجة إلى قوله: بدون الاستعلاء مع قولك: لمن يساويك رتبة قلت: قد سبق أن الاستعلاء لا يستلزم العلو ... === على سبيل التضرع أى: التذلل والخضوع، سواء كان الطالب أدنى أو أعلى أو مساويا فى الرتبة، وعلى هذا لو قال العبد لسيده على وجه الغلظة: أعتقنى كان أمرا، ولذلك يعد الأمر من العبد سوء أدب؛ لأن الأمر لا يكون إلا مع استعلاء كما تقدم، والعلاقة بينه وبين الأمر: الإطلاق والتقييد، وكذا يقال فى الالتماس الآتى (قوله: والالتماس) ويقال له السؤال (قوله: لمن يساويك رتبة) أى: فى الرتبة وانظر هل المراد المساواة فى نفس الأمر، أو ولو بحسب زعم المتكلم، ولعل الثانى هو الظاهر (قوله: بدون الاستعلاء) أى: حال كون ذلك القول كائنا بدون الاستعلاء أى: إظهار العلو المعتبر فى الأمر أى: وبدون التضرع المعتبر فى الدعاء فقوله بدون الاستعلاء قيد فى الالتماس، ولا يتأتى فى الدعاء، ثم إن ظاهر ما تقرر أن مناط الأمرية فى الطلب هو الاستعلاء ولو من الأدنى ومناط الدعاء فى الطلب التضرع والخضوع ولو من الأعلى كالسيد مع عبده، ومناط الالتماس فى الطلب هو التساوى مع نفى التضرع والاستعلاء، وعلى هذا إذا صدر الطلب من الأعلى للأدنى فى الرتبة: كالسيد مع عبده، أو صدر من الأدنى للأعلى رتبة من غير استعلاء ولا تخضع لم يسم بواحد من هذه الثلاثة وهو بعيد، والظاهر أنه التماس، وحينئذ فالمدار فيه على نفى الاستعلاء والتضرع، سواء صدر من الأعلى أو من الأدنى رتبة أو من الشخص لمساويه، وحينئذ فلا مفهوم لقول المصنف لمن يساويك كما هو المستفاد من كلامهم، ولعل المصنف إنما خص المساوى بالذكر نظرا للشأن؛ لأن الطلب بدون استعلاء وتخضّع شأنه أن يكون من المساوى- كذا قرر شيخنا العدوى. (قوله: أى حاجة إلى قوله بدون الاستعلاء مع قوله لمن يساويك رتبة) مع أن المساواة تستلزم عدم الاستعلاء (قوله: قد سبق أن الاستعلاء لا يستلزم العلو) أى: لا يكون لازما للعلو، بل قد يوجد العلو بدون استعلاء، وقد يوجد الاستعلاء بدون علو؛ لأن الاستعلاء كما مر عد الآمر نفسه عاليا بأن يكون الطلب الصادر منه على وجه

стр. 1167

فيجوز أن يتحقق من المساوى، بل من الأدنى أيضا. (ثم الأمر قال السكاكى: حقه الفور لأنه الظاهر من الطلب) عند الإنصاف كما فى الاستفهام والنداء (ولتبادر الفهم ... === الغلظة، وهذا المعنى أى: جعل الآمر نفسه عاليا فى أمره يصح من المساوى فى نفس الأمر ومن الأدنى، لأن دعاوى النفس أكثر من أن تحصى، وحينئذ فيحتاج لقوله بدون استعلاء مع قوله لمن يساويك لإخراج الأمر (قوله: فيجوز أن يتحقق) أى الاستعلاء من المساوى؛ لأن المنافى للمساواة إنما هو العلو لا الاستعلاء. (قوله: ثم الأمر) أى: صيغته (قوله: قال السكاكى حقه الفور) أى: حقه أن يدل على وجوب حصول الفعل المأمور به عقيب ورود الأمر فى أول أوقات الإمكان وجواز التراخى مفوض إلى القرينة وهذا مذهب بعض الأصوليين أيضا فإذا قيل افعل معناه: افعل فورا، ولا يدل على التراخى إلا بالقرينة، ومتى انتفت انصرف للفور ومن جملة ما رد به على ذلك القول أنه لو كان مدلول الأمر الفور لغة لاحتيج لزيادة الفور فى حده ومقابل هذا القول يقول: إن صيغة الأمر مدلولها طلب ماهية الفعل مطلقا لا بقيد المرة أو التكرار ولا بقيد الفورية أو التراخى فيكون المأمور ممتثلا للأمر بالإتيان بالفعل المأمور به على سبيل الفور أو التراخى ولا يتعين أحدهما فى مدلولها إلا بقرينة (قوله: لأنه الظاهر من الطلب) أى: إنما كانت صيغة الأمر حقها الفور؛ لأن كون الفعل المطلوب بها مطلوبا على الفور هو الظاهر من الطلب؛ لأن مقتضى الطبع فى كون الشىء مطلوبا أنه لا يطلب حتى يحتاج لوقوعه فى الحين، كما إذا قلت اسقنى فالمراد طلب السقى حينئذ، وهذا شأن الطلب فى الجملة عند الإنصاف وكل ما يعرض من غير هذا فليس من مقتضى الطلب، ولا يخفى أن بيان كون الفور والظاهر بما ذكر مشتمل على إثبات اللغة بالعقل، مع أنها لا تثبت إلا بالنقل، وأيضا استفادة فور السقى إنما هى لقرينة العطش (قوله: عند الإنصاف) أى: عند إنصاف النفس لا عند الحمية والجدال (قوله: كما فى الاستفهام والنداء) فإنه لا خفاء أنهما يقتضيان الفور، فالأول: يقتضى فورية الجواب عن المستفهم عنه، والثانى: يقتضى فورية إقبال المنادى ولا يظهر لاقتضائهما

стр. 1168

عند الأمر بشىء بعد الأمر بخلافه إلى تغيير) الأمر (الأول دون الجمع) بين الأمرين (وإرادة التراخى) فإن المولى إذا قال لعبده قم، ثم قال له قبل أن يقوم: اضطجع حتى المساء يتبادر الفهم إلى أنه غير الأمر بالقيام إلى الأمر بالاضطجاع، ولم يرد الجمع بين القيام والاضطجاع ... === الفورية سبب سوى كونهما للطلب مع اشتراط إمكان المطلوب والأمر كذلك، فيشاركهما فى اقتضاء الفورية، ولا يقال: إن هذا قياس فى اللغة، واللغة لا تثبت بالقياس على التحقيق؛ لأنا نقول ليس المراد القياس به، بل المراد أن هذا قرينة مقوية على أن حقه الفور- كذا ذكره الشيخ يس، واعترضه العلامة اليعقوبى: بأن الأمر إن لم يكن مقيسا عليهما. فلا معنى لدلالتهما على أن الأمر يعتبر فيه ما يعتبر فيهما. (قوله: عند الأمر بشىء) أى: بفعل من الأفعال (قوله: بخلافه) أى: بضده كما يظهر من تمثيل الشارح، وقوله بعد الأمر بخلافه أى: وقبل فعل ذلك الخلاف (قوله: إلى تغيير الأمر الأول) متعلق بتبادر أى: يتبادر الفهم فيما ذكر إلى تغيير المتكلم بالصيغة الأمر الأول بالأمر الثانى (قوله: دون الجمع وإرادة التراخى) أى: من غير أن يتبادر أن المتكلم أراد الجمع بين الفعلين المأمور بهما ومن غير أن يتبادر أن المتكلم أراد جواز التراخى فى أحد الأمرين حتى يمكن الجمع بينهما، وبهذا تعلم أن الجمع والتراخى متقاربان؛ لأنه متى جاز التراخى أمكن الجمع؛ لأن أحد الأمرين أو كلاهما على التراخى، ويلزم من تغيير الأول كونه على الفور حيث غيره بما يعقبه فيثبت به المطلوب من كونه على الفور- كذا قرر ابن يعقوب، ومقتضى كلام الشارح أن المعنى من غير أن يتبادر أن المتكلم أراد الجمع بين الأمرين مع إرادة تراخى أحدهما (قوله: حتى المساء) أى: إلى المساء فهى غاية والغاية لا بد لها من مبدأ والمناسب هنا أن مبدأها عقب ورود الصيغة أى: اضطجع زمانا طويلا من هذا الوقت إلى المساء، وإنما قيد بذلك ليتحقق التراخى، فإنه إذا قال: قم، ثم قال: اضطجع، وفعل العبد كليهما على التعاقب يكون ممتثلا على الفور، بخلاف ما إذا أمره بعد الأمر بالقيام بالاضطجاع زمانا، فإنه يفهم منه أنه غير الأمر الأول بالأمر الثانى، ويلزم من تغيير الأول أنه على الفور حيث غيره بما ينفيه.

стр. 1169

مع تراخى أحدهما؛ (وفيه نظر) لأنا لا نسلم ذلك عند خلو المقام عن القرائن. (ومنها) أى: من أنواع الطلب (النهى) وهو طلب الكف عن الفعل استعلاء === (قوله: مع تراخى أحدهما) أى: القيام والاضطجاع أى: أحد كان وإرادة القيام فقط وهم ويرد هذا الدليل الذى ذكره المصنف بأن تغيير الأمر الأول بالثانى، واقتضاء الفورية إنما نشأ من القرينة وهى قوله: إلى المساء فى المثال؛ لأن العادة جارية بأن مطلق القيام لا يراد به التأخير إلى الليل ولما أمره بالاضطجاع المبدوء بوقت ورود الصيغة إلى المساء فهم تغيير الأول فلو خلا الكلام عن القرينة كما قال له: قم، ثم قال له: اضطجع من غير أن يزيد إلى المساء لم يتبادر التغيير (قوله: وفيه نظر) أى: فيما قاله السكاكى من اقتضاء الأمر الفورية نظر والنظر فيه راجع للنظر فى دليله، ويحتمل أن المراد وفيه أى: فى كل من دليليه نظر (قوله: لأنا لا نسلم ذلك) أى: ما ذكر من الدليلين أعنى: التبادر والظهور. (قوله: عند خلو المقام من القرائن) أى: وأما المثال المذكور ففيه قرينة على الفورية وهو قوله: حتى المساء المقتضى مبدأ وهو عقب ورود الصيغة أعنى: قول السيد اضطجع، والحاصل أن الفورية والتراخى إنما يستفادان من القرائن، فإن انتفت تعين أن يكون المراد طلب الماهية مطلقا (قوله: وهو طلب الكف) أى: الطلب اللفظى المفيد للكف عن الفعل؛ لأن المراد النهى اللفظى؛ لأنه هو الذى من أقسام الإنشاء لا النهى النفسى. [ومن أنواع الطلب: النهي]: (قوله: طلب الكف عن الفعل) أى: من حيث إنه كف عن فعل فلا ينتقض بكف؛ لأنه ليس طلبا للكف عن الفعل من حيث إنه كف عن فعل؛ لأنه لما اقتصر عليه صار المقصود منه نفس الكف من حيث إنه فعل لا من حيث إنه كف عن فعل آخر وإن كان لازما، ولا يخرج عن التعريف لا تترك الفعل؛ لأنه طلب كف عن فعل آخر هو الترك، وقوله: طلب الكف عن الفعل أى: الانتهاء عنه بالاشتغال بضده أى: أو طلب ترك الفعل على الخلاف الآتى، ولعل الشارح اقتصر على الأول ولم يتعرض للثانى هنا إشارة إلى أرجحية القول الأول (قوله: استعلاء) أى: على طريق طلب العلو وقد

стр. 1170

(وله حرف واحد وهو لا الجازمة فى قولك: لا تفعل، وهو كالأمر فى الاستعلاء) لأنه المتبادر إلى الفهم ... === تقدم ما فيه فى الأمر (قوله: وله حرف واحد) أى: لا حرفان، ولو قال: وله صيغة واحدة كان أحسن؛ ليفيد أنه ليس له صيغة أخرى، كما أنه ليس له حرف آخر (قوله: لا الجازمة فى قولك لا تفعل) أى: فى قولك ابتداء لا تفعل، واحترز بذلك عن لا النافية التى تجزم إذا صلح قبلها كى نحو: جئته لا يكن له علىّ حجة، وربطت الفرس لا تنفلت، وأوثقت العبد لا يفر، فليست من حروفه خلافا لمن قال: إنها من حروفه، بناء على أنها من جنس حرف الجزم، وإن كان معناها النفى، وإلى الجزم بها فى تلك الحالة ذهب ابن مالك وولده، ووجهه الفراء بأن الجزم على تأويل إن لم أوثقه يفر، وإن لم أربطها تنفلت، وخالف الخليل وسيبويه وسائر البصريين فى ذلك، وقالوا: بوجوب الرفع، وقول المصنف: لا الجازمة أى: لفظا أو محلا نحو: لا تفعلن يا زيد، ولا تضربن يا هندات (قوله: وهو كالأمر فى الاستعلاء) أى: فكما أن صيغة الأمر موضوعة لطلب الفعل استعلاء، كذلك صيغة النهى موضوعة لطلب الترك استعلاء، وقول الشارح: لأنه أى: الاستعلاء المتبادر للفهم أى: والتبادر أمارة الحقيقة؛ لأنه ناشىء عن كثرة الاستعمال، فإذا كان بلا قرينة دل على الحقيقة، واعلم أن صيغة النهى اختلافا كالاختلاف فى صيغة الأمر من كونها موضوعة لطلب الترك الجازم وهو الحرمة، أو الغير الجازم وهو الكراهة، أو القدر المشترك بينهما: وهو طلب الترك استعلاء فيشمل التحريم والكراهة، والأول: هو قول الجمهور، والأخير: هو قول المصنف وهو كالأمر فى الاستعلاء، وأما لفظ نهى فمدلول الصيغة التى تستعمل للتحريم والكراهة اتفاقا، وقيد المصنف التشبيه بالأمر بالاستعلاء ليفيد أنه ليس فيه ما قيل فى الأمر بالنسبة إلى الفور والتكرار، فإن النهى للفور والتكرار جزما؛ لأنه لدفع المفسدة، فعلى هذا إذا قيل: لا تشرب الخمر لا يعد ممتثلا للنهى إلا إذا كف فى الحال، فلو شرب بعد النهى، ثم كف لا يكون ممتثلا لعدم الفور الذى اقتضاه النهى، والمراد بتكرار الكف دوامه، فإذا عاد بعد الكف لا يكون ممتثلا، وقال السكاكى: الأشبه أن النهى والأمر إن وردا لقطع الواقع

стр. 1171

(وقد يستعمل فى غير طلب الكف) عن الفعل؛ كما هو مذهب البعض (أو) طلب (الترك) كما هو مذهب البعض، فإنهم اختلفوا فى أن مقتضى النهى كف النفس عن الفعل ... === كأن يقال للمتحرك: أسكن، أو لا تتحرك كان مدلولهما المرة، وإن وردا لاتصاله فمدلولهما الاستمرار كأن يقال للمتحرك: تحرك، أو لا تسكن، ومحصله أن كلا من الأمر والنهى المطلق لا دلالة له على شىء من التكرار وعدمه، بل كل منهما مفوض إلى القرينة، فإن كان المراد منهما معا قطع الفعل الواقع فى الحال كانا للمرة، وإن كان المراد منهما اتصال الفعل الواقع كانا للاستمرار والدوام فى جميع الأزمنة التى يقدر المكلف عليها، وما قاله خلاف التحقيق، والتحقيق عندهم الأول (قوله: وقد يستعمل) أى: النهى بمعنى صيغته، وحاصله أن صيغة النهى قد تستعمل فى غير ما وضعت له على جهة المجاز: كالتهديد والدعاء والالتماس، واختلف فيما وضعت له فقيل: إنها وضعت لطلب كف النفس بالاشتغال بأحد أضداده، وقيل: إنها وضعت لطلب ترك الفعل أى: لطلب عدمه (قوله: فى غير طلب الكف) الإضافة للعهد أى: الطلب الذى مع الاستعلاء السابق بأن يكون لا طلب أصلا، أو طلب بدون استعلاء، وقوله: كما هو أى: طلب الكف عن الفعل مذهب البعض أى: كما هو معناه الأصلى على مذهب البعض: وهم الأشاعرة، فإنهم يقولون: إن مدلول النهى: طلب الكف عن الفعل استعلاء، فمتعلقه أن المطلوب به فعل هو كف النفس عن الفعل، وكلامه يقتضى أن النهى حقيقة فى الطلب المذكور الأعم من التحريم والكراهة، كما اقتضى كلامه سابقا أن الأمر حقيقة فيما يعم الإيجاب والندب، والجمهور على أن النهى حقيقة فى التحريم، والأمر حقيقة فى الإيجاب (قوله: كما هو) أى: طلب الترك مذهب البعض أى: كما هو المعنى الأصلى للنهى على مذهب البعض: وهو أبو هاشم الجبائى وكثير من المعتزلة، فيقولون: إن مدلول النهى طلب عدم الفعل فمتعلقه أى: المطلوب به هو عدم الفعل المعبر عنه بالترك، واستدل الأولون وهم الأشاعرة بأن عدم الفعل نفى محض وهو غير مقدور للمكلف ولا يكلف إلا بالأفعال لكونها المقدورة للشخص، وبأن عدم الفعل مستمر من الأزل فلا يكون أثرا

стр. 1172

بالاشتغال بأحد أضداده، أو ترك الفعل؛ ... === للقدرة الحادثة، فتعين أن يكون متعلق النهى الكف المذكور، إذ هو فعل يحصل بشغل النفس بضد المنهى عنه، وأجاب أبو هاشم: بأن دوام عدم الفعل واستمراره مقدور باعتبار أن الشخص قادر أن يفعل ذلك الفعل فيزول استمرار عدمه فعدم الفعل من هذه الجهة يكون مقدورا وصالحا؛ لأن يكون أثرا للقدرة الحادثة، واستدل أبو هاشم لما قال: بأن الناس يمدحون من دعى إلى الزنى وتركه، وإن لم يخطر ببالهم أنه فعل الضد، ورد عليه بأنا لا نسلم أنهم يمدحونه على عدم الفعل، بل يمدحونه على فعل الضد وهو كف النفس عن الزنى بالاشتغال بغيره، فتحصل من هذا أن الأشاعرة يقولون: المطلوب بالنهى الكف، والمعتزلة يقولون: المطلوب به الترك، فعلى الأول لا يحصل الامتثال بالترك لا عن قصد: كأن ترك ذاهلا أو ناسيا؛ لأن الكف يستدعى تقدم الشعور بالمكفوف عنه، ويحصل الامتثال بالترك المذكور على الثانى؛ لأن عدم الفعل لا يستدعى الشعور به، فإن قلت يلزم على الأول إثم من ترك شرب الخمر مثلا ذهولا أو نسيانا لعدم امتثاله ولا قائل بذلك- قلت: الامتثال شرط الثواب، وأما انتفاء الإثم فيكفى فيه عدم الفعل، وعلى القول الثانى: وهو أن المكلف به عدم الفعل يكون من لم يفعل المنهى آتيا بمقتضى النهى كما قلنا، لكن لا بد فى الثواب من نية الترك المستلزمة للشعور، ثم إن قولهم إن كف دواعى النفس يحصل بشغلها بالضد يبطل بمن لا داعية له: كالأنبياء، وأيضا حاصل كف الدواعى عدم العمل بمقتضاها بسبب التلبس بالضد، وذلك هو حاصل القول الأخير، فقد عاد الأمر إلى أنه لا قدرة على المنهى بسبب التلبس بالضد مطلقا، والإثم ساقط بعدم التلبس بالفعل المنهى عنه ولو بلا شعور، والثواب لا بد فيه من النية على كلا القولين، ولذا قيل: إن القول الأول قريب من الثانى، وإن الخلف بينهما لا تظهر له ثمرة بينة. اه يعقوبى. (قوله: بالاشتغال إلخ) متعلق بمحذوف أى: ويتحقق كف النفس عن الفعل بالاشتغال إلخ، وليس متعلقا بكف لاقتضائه أن مدلول النهى الكف مع الاشتغال مع أن مدلوله الكف فقط- كذا قرر شيخنا العدوى.

стр. 1173

وهو نفس أن لا تفعل (كالتهديد؛ كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمرى) وكالدعاء والالتماس؛ وهو ظاهر ... === (قوله: وهو نفس أن لا تفعل) أى: نفس عدم الفعل وفسره بذلك؛ لأن الترك يطلق على انصراف القلب عن الفعل وكف النفس عنه وعلى فعل الضد وعلى عدم فعل المقدور قصدا على ما فى المواقف، وهذه المعانى ليس شىء منها بمراد هنا، وإنما المراد عدم فعل المقدور مطلقا- كذا فى عبد الحكيم، وإذا علمت أن الترك يطلق على ما ذكر، فلا اعتراض على الشارح فى تفسيره الترك بعدم الفعل (قوله: كالتهديد) أى: كالتخويف والتوعد، وهذا مثال لغير الطلب الذى تستعمل فيه صيغة النهى مجازا (قوله: لا تمتثل أمرى) أى: اترك أمرى، وإنما كان هذا تهديدا للعلم الضرورى بأن السيد لا يأمر عبده بترك امتثال أمره؛ لأن المطلوب من العبد الامتثال لا عدمه ودل على التوعد استحقاقه العقوبة بعدم الامتثال والتهديد خبر فى المعنى، إذ كأنه قال له: سترى ما يلزمك على ترك الأمر، والعلاقة بين النهى والتهديد السببية؛ لأن النهى عن الشىء يتسبب عنه التخويف على مخالفته. (قوله: وكالدعاء والالتماس) عطف على قوله كالتهديد، وأورد عليه أنه لا يصح التمثيل بهما لاستعمال صيغة النهى فى غير طلب الكف أو الترك؛ لأن كلا منهما طلب كف على القول الأول، وطلب ترك على القول الثانى لا على سبيل الاستعلاء، وقد يجاب بأن فى كلام المصنف حذفا، والتقدير وقد تستعمل فى غير طلب الكف استعلاء وهذا صادق بغير الطلب أصلا كالتهديد وبالطلب لا على وجه الاستعلاء كالدعاء والالتماس كما ترشد إليه إعادة الكاف، أو أن إضافة طلب للكف للعهد أى: فى غير طلب الكف المعهود وهو ما كان على جهة الاستعلاء كما أشرنا إلى ذلك سابقا، وحاصل ما ذكره الشارح أن صيغة النهى قد تستعمل فى الدعاء مجازا، وذلك إذا كانت على وجه التخضع والتذلل كقولنا: ربنا لا تؤاخذنا، وقد تستعمل للالتماس وذلك إذا كانت من المساوى بدون استعلاء وتخضع كقولك لا تعص ربك أيها الأخ، والعلاقة بين النهى وبينهما الإطلاق؛ لأن النهى موضوع لطلب الكف استعلاء فاستعمل

стр. 1174

(وهذه الأربعة) يعنى: التمنى والاستفهام والأمر والنهى (يجوز تقدير الشرط بعدها) وإيراد الجزاء عقيبها مجزوما بإن المضمرة مع الشرط؛ (كقولك) فى التمنى: (ليت لى مالا أنفقه) ... === فى مطلق طلب الكف على جهة المجاز المرسل (قوله: وهذه الأربعة) أى: ما صدقاتها لا مفهوماتها (قوله: يجوز تقدير الشرط إلخ) اعلم أن ظاهر المتن أن الأمر والنهى إذا خليا عن الاستعلاء كما فى الدعاء والالتماس لا يجوز تقدير الشرط بعدهما إلا لقرينة لدخولهما فى قوله ويجوز فى غيرها لقرينة، مع أن النحاة جعلوا التقدير فى جواب الأمر والنهى وهما يشملانهما، والمراد: يجوز تقدير الشرط بعدها إذا كان ما بعدها يصلح أن يكون جزءا لذلك الشرط كما يؤخذ من الأمثلة، وإلا فلا نحو قولك: أين بيتك أضرب زيدا فى السوق، إذ لا معنى لقولنا إن تعرفنى بيتك أضرب زيدا فى السوق، فكلام المصنف مجمل لا يفهم منه المراد صريحا أوجبه الاختصار والاتكال على الموقف، وقد أشار الشارح فى حله لبيان المراد، ثم إن مراد المصنف بالجواز الجواز فى الجملة، وإلا فإذا قصدت السببية وجب الجزم، وإن لم تقصد وجب الرفع على الصفة أو الحال أو الاستئناف على حسب المعنى المراد، فعبر بيجوز نظرا لجواز رفع ما بعدهما على الاستئناف ولوضوح كونه جوابا، ثم إن ظاهر المصنف أن صيغة الأمر والنهى والتمنى إذا استعملت فى غير معانيها الحقيقية لا يجوز تقدير الشرط بعدها يعنى مع أداته ولا بد من هذا؛ لأن تقدير الشرط قد ينفك عن تقدير أداته نحو الناس مجزيون بأعمالهم إن خير فخير، ولو قال: تقدير حرف الشرط لكان مستلزما لتقدير الشرط، إذ لا يكون تقدير حرف الشرط بدون تقدير، واعلم أن هذه الأربعة قرائن للحذف، فإطلاق جواز التقدير معها وتقييدها مع غيرها بوجود القرينة فى قوله بعد وفى غيرها لقرينة ليس للاستغناء عن القرينة، بل لأن الحذف معها لا ينفك عن القرينة؛ لأنها نفسها قرائن، ثم لا يخفى أن حذف الشرط من مباحث الإيجاز وليس له تعلق بهذا المقام، فالبحث عنه هنا من فضول الكلام (قوله: مجزوما بأن المضمرة مع الشرط) أى: مع إضمار الشرط وفيه إطلاق الشرط على نفس الفعل وهو صحيح كما يطلق على نفس إن وعلى التعليق

стр. 1175

أى: إن أرزقه أنفقه (و) فى الاستفهام: (أين بيتك أزرك؟ ) أى: إن تعرفنيه أزرك (و) فى الأمر: (أكرمنى أكرمك) أى: إن تكرمنى أكرمك (و) فى النهى: (لا تشتمنى يكن خيرا لك) أى: إن لا تشتمنى يكن خيرا لك؛ وذلك لأن الحامل للمتكلم ... === الحاصل بين الجملتين فهو مشترك، وما ذكره المصنف والشارح من أن الجزم بالأداة المقدرة مع فعل الشرط. أحد أقوال فى المسألة وقيل: إن الجازم نفس تلك الأمور الأربعة من غير حاجة إلى تقدير شرط أصلا؛ وذلك لتضمنها فعل الشرط وأداته، وقيل: الجزم بهذه الأمور لنيابتها عن فعل الشرط وأداته من غير تضمين، وهذان القولان متقاربان، وقيل: إن الجازم لام مقدرة (قوله: أى إن أرزقه إلخ) اعلم أن الشرط المقدر إما نفس مضمون الطلب المذكور إن كان صالحا، وإما لازمه وقد مثل المصنف لما قدر فيه اللازم فى التمنى بقوله كقولك إلخ: فالمتمنى وهو أن يكون له مال هو الذى يقدر شرطا لكن لما كان وجود المال بالرزق عبر عنه به، ولما كان المراد من الاستفهام تعريف المسئول عنه وهو مكان البيت حتى كأنه يقول: عرفنى مكان بيتك قدر الشرط من معنى التعريف (قوله: أى إن تعرفينه إلخ) الأظهر إن أعرفه، لأن السبب هو المعرفة سواء كانت بتعريف المخاطب أو بدونه (قوله: إن لا تشتمنى) يفهم من تقدير المصنف الشرط فى الأمثلة المذكورة أن الشرط يقدر من جنس ما قبله من إثبات أو نفى ففى لا تشتم يقدر إن لا تشتم كما قال المصنف، لا أن تشتم، وفى أكرمنى يقدر إن تكرمنى، لا إن لم تكرمنى؛ لأن الطلب لا يشعر بذلك، وشتم من باب ضرب ونصر- كما فى القاموس. (قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: بيان تقدير الشرط بعد الأربعة المذكورة، وحاصله أن هذه الأربعة للطلب والمتكلم بالكلام الطلبى إما أن يكون مقصوده المطلوب لذاته وهو نادر، وإما أن يكون مقصوده المطلوب لغيره بحيث يتوقف ذلك الغير على المطلوب، فإذا ذكر بعد الكلام الطلبى ما يصلح توقفه على المطلوب ظن المخاطب أن المطلوب مقصود لأجل ما ذكر بعد الطلب لا لنفسه، فيكون معنى الشرط ظاهرا فى

стр. 1176

على الكلام الطلبى كون المطلوب مقصودا للمتكلم؛ إما لذاته، أو لغيره لتوقف ذلك الغير على حصوله؛ وهذا معنى الشرط، فإذا ذكرت الطلب وذكرت بعده ما يصلح توقفه على المطلوب- غلب على ظن المخاطب كون المطلوب مقصودا لذلك المذكور بعده ... === الكلام الطلبى المصاحب لذلك الشىء الذى يصلح توقفه على المطلوب، فناسب تقدير الشرط لوجود معناه فى الكلام. (قوله: على الكلام الطلبى) أى: بخلاف الكلام الخبرى، فإن الحامل عليه إفادة المخاطب لمضمونه أو لازم مضمونه (قوله: إما لذاته) أى: وهذا نادر (قوله: أو لغيره) أى: أو مقصود الغير ذاته بحيث يتوقف ذلك الغير على حصول ذلك المطلوب وهذا هو المناسب، فقول الشارح على حصوله أى: حصول المطلوب، وقوله وهذا أى: توقف ذلك الغير على حصول المطلوب هو معنى الشرط، فإذا ورد جزء عقب الأمر نحو: أكرمنى أكرمك- كان المطلوب مقصودا لغيره، فإكرام المخاطب للمتكلم مقصودا؛ لأجل إكرام المتكلم للمخاطب، وإذا اقتصر على ذلك الأمر نحو: أكرمنى بلا زيادة كان محتملا؛ لأن يكون مقصودا لذاته ولا يكون مقصودا لغيره، فإذا كان المطلوب مقصودا لذاته فلا يقدر الشرط بخلاف ما إذا قصد لغيره (قوله: لتوقف إلخ) علة لقوله أو لغيره أى: أو مقصودا للمتكلم لغيره لتوقف إلخ (قوله: وهذا معنى الشرط) أى: لازم له، إذا الشرط هو التعليق ويلزمه التوقف (قوله: فإذا ذكرت الطلب) أى: الكلام الطلبى، وقوله: بعده أى: بعد ذلك الطلب، وقوله: ما أى شيئا، وقوله: يصلح توقفه أى: توقف ذلك الشىء نحو: أكرمك بعد أكرمنى، بأن قلت مثلا: أكرمنى أكرمك، فقد ذكرت الطلب وهو أكرمنى وذكرت بعده ما يصلح توقفه على المطلوب الذى هو الإكرام المتعلق بالمخاطب بخلاف: أين بيتك أضرب زيدا فى السوق فإن ضرب زيد فى السوق لا يصلح أن يتوقف على معرفة البيت- اللهم إلا أن يكون المراد أضرب زيدا فى السوق أمام بيتك (قوله: غلب إلخ) جواب إذا وكون فاعل غلب والمطلوب مثل إكرام المتكلم فى المثال السابق (قوله: لذلك) أى: لأجل ذلك المذكور بعده وهو ما يصلح توقفه على

стр. 1177

لا لنفسه؛ فيكون إذا معنى الشرط فى الطلب مع ذكر ذلك الشىء ظاهرا، ولما جعل النحاة الأشياء التى يضمر الشرط بعدها خمسة- أشار المصنف الى ذلك بقوله: === المطلوب (قوله: لا لنفسه) أى: لا لنفس ذلك المطلوب (قوله: فيكون إذا) أى: إذا ذكر بعده ما يصلح توقفه على المطلوب وغلب إلخ (قوله: معنى الشرط) وهو توقف الشىء على الشىء (قوله: فى الطلب) أى: فى الكلام الطلبى وهو متعلق بظاهرا الذى هو خبر يكون، وقوله: مع ذلك الشىء أى: الذى يصلح توقفه على المطلوب وهو الجزاء وهو متعلق بالمطلوب أى: فيكون معنى الشرط ظاهرا فى الكلام الطلبى المصاحب لذكر ذلك الجزاء أى: وحينئذ فناسب تقدير الشرط لوجود معناه فى الكلام، وقد يقال: الكلام مستغن عن تقديره لتضمن الكلام الطلبى له- فتأمل. (قوله: ولما جعل إلخ) هذا جواب عما يقال: إن المصنف قد ذكر أن الأمور التى يقدر الشرط بعدها أربعة مع أن النحاة عدوها خمسة بزيادة العرض، فما وجه مخالفة المصنف لهم؟ وحاصل الجواب أن العرض لما كان مولدا من الاستفهام وليس مستقلا كان داخلا فيه، فذكر الاستفهام مغن عنه، والنحاة نظروا إلى التفصيل فعدوها خمسة، وإن كانت ترجع لأربعة على جهة الإجمال. (قوله: خمسة) أى: والحال أن المصنف ذكر أنها أربعة فربما يتوهم أن المصنف أغفل ذكر جزم الجواب بعد العرض الذى هو الخامس فى كلامهم ولا وجه له أشار إلخ، واعترض على الشارح بأن النحاة جعلوا الأشياء التى يضمر الشرط بعدها أكثر من خمسة؛ لأن ظاهر عباراتهم تشمل الدعاء والالتماس والتحضيض، بل والترجى عند بعضهم، وكذلك الخبر الذى بمعنى الطلب نحو: اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه، إلا أن يقال: كلام الشارح مبنى على قول من جعل الدعاء والالتماس داخلين فى الأمر بناء على أنه طلب فعل غير كف فقط، وعلى قول من يقول: لا جزاء للترجى ولا جزم بعده، أو أنه رأى دخول الترجى فى التمنى والتحضيض فى العرض- كذا قيل، وفيه أن هذا الجواب لم يتم بالنظر لورود الخبر الذى بمعنى الطلب (قوله: أشار المصنف إلى ذلك) أى: إلى رد ذلك أى: إلى رد جعلها خمسة وأنه كان عليهم أن يجعلوها أربعة؛ لأن

стр. 1178

(وأما العرض كقولك: ألا تنزل عندنا تصب خيرا) أى: إن تنزل تصب خيرا (فمولد من الاستفهام) وليس شيئا آخر برأسه لأن الهمزة فيه للاستفهام دخلت على فعل منفى امتنع حمله على حقيقة الاستفهام للعلم بعدم النزول ... === العرض مولد من الاستفهام (قوله: وأما العرض) أى: وهو طلب الشىء طلبا بلا حث وتأكيد أى: وكذا التحضيض وهو طلبه مع تأكيد وحث كقولك: هلا تترل تصب خيرا فهما مولدان من الاستفهام؛ لأنهما لا يكونان إلا مع آلته فيكونان داخلين فيه فذكره مغن عنهما (قوله: فمولد من الاستفهام) أى: الإنكارى؛ لأنه فى معنى النفى، وقد دخل على فعل منفى فيفيد ثبوت الطلب، ولا شك أن الاستفهام الإنكارى أصله الحقيقى حمل على الإنكار لمناسبة المقام المقتضى لإظهار محبة ضد مدخوله، فالعرض مولد من الاستفهام الحقيقى، وإن كان بواسطة، فسقط ما يقال: إن الذى يقدر الشرط بعده الاستفهام الحقيقى والعرض لم يتولد منه، وإنما تولد من الإنكار، وحينئذ فلا يكون ذكر الاستفهام مغنيا عن العرض- كذا قرر شيخنا العدوى، وبما علمت من أن هذا الاستفهام إنكارى، وأن إنكار النفى إثبات ظهر لك صحة تقدير الشرط مثبتا بعده؛ لأن الشرط المقدر بعده هذه الأشياء يجب أن يكون من جنسها أعنى: الإثبات والنفى فلا يجوز تقدير المثبت بعد المنفى وبالعكس، خلافا للكسائى المجوز لذلك تعويلا على القرينة. (قوله: وليس) أى: العرض (قوله: لأن الهمزة فيه) أى: فى المثال المذكور الممثل به للعرض، وحاصله أن الهمزة فى المثال المذكور للاستفهام دخلت على فعل منفى ويمنع حمله على حقيقته وهو الاستفهام عن عدم الترول للعلم به، فحمل على الإنكار لعدم الترول فتولد منه عرض الترول على المخاطب وطلبه منه (قوله: امتنع حمله) أى: حمل الاستفهام فى المثال (قوله: للعلم بعدم النزول) أى: والاستفهام الحقيقى إنما يكون عند الجهل، وقد يقال أن العلم بعدم الترول فى الحال لا يمنع أن يراد حقيقة الاستفهام عن عدم الترول فى المستقبل، كما تقول لمن تعلم عدم سفره الآن أتسافر غدا إلا أن يقال هذا تعليل لعدم إرادة الاستفهام عن عدم الترول فى الحال، وفى الكلام مقدمة مطوية

стр. 1179

مثلا- فتولد عنه بمعونة قرينة الحال عرض النزول على المخاطب وطلبه منه (ويجوز) تقدير الشرط (فى غيرها) أى: فى غير هذه المواضع (لقرينة) تدل عليه (نحو: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (١) ... === وهى ليس المراد الاستفهام عن عدم الترول فى المستقبل، إذ السؤال عنه لا يتعلق به غرض، والاستفهام إنما يكون عن المجهول حالا أو استقبالا مع تعلق الغرض به (قوله: مثلا) راجع للنزول أى: أو للعلم بعدم الحديث (قوله: فتولد عنه) أى: عن امتناع حمل الاستفهام على حقيقته (قوله: قرينة الحال) أى وهو العلم بعدم الترول والإضافة للبيان وقوله فتولد منه أى: بواسطة حمله على الإنكار؛ لأن إنكار النفى يتولد منه طلب ضده ومحبته ففى المثال المذكور إنكار عدم الترول يتضمن طلب الترول وعرضه على المخاطب فيكون اللفظ الموضوع لطلب الفهم مستعملا فى طلب الحصول (قوله: وطلبه منه) تفسير لما قبله (قوله: ويجوز تقدير إلخ) لما ذكر المصنف تقدير الشرط بعد الأمور الأربعة السابقة أشار إلى تفهم الحكم وأنه جائز فى غيرها أيضا تكثيرا للفائدة وتأنيسا بتقديره (قوله: فى غيرها) أى: بعد غيرها (قوله: أى فى غير هذه المواضع) يعنى التى جزم فيها المضارع، فلا يرد أن قوله: أم اتخذوا للاستفهام فيكون داخلا فيما سبق؛ لأن الاستفهام هنا غير حقيقى، بل توبيخى بمعنى لا ينبغى أن يتخذ غير الله وليا والذى مر الاستفهام الحقيقى (قوله: لقرينة تدل عليه) وذلك كالفاء فى الآية الداخلة على الجملة الاسمية، فإنها تدخل فى تلك الحالة على جواب الشرط مع دلالة الاستفهام فى الجملة قبلها على إنكار اتخاذ سواه تعالى وليا (قوله: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) هذه الجملة دليل لجواب الشرط المحذوف أى: إن أرادوا أولياء بحق فليتخذوا الله وحده؛ لأنه هو الولى لا نفس الجواب؛ وذلك لأن ولايته وجوبها ثابت مطلقا أى: سواء أرادوا اتخاذ ولى أم لم يريدوه، وحينئذ فإرادة الولى لا تكون سببا فى كون الله تعالى هو الولى، فلا معنى لتعليقه على ذلك الشرط، ثم إن تعريف المسند وضمير الفصل لقصر الأفراد كما يشير له قول الشارح: فالله هو الذى يجب أن يتولى وحده؛ لأن الآية

стр. 1180

أى: إن أرادوا أولياء بحق) فالله هو الذى يجب أن يتولى وحده ويعتقد أنه المولى والسيد، وقيل: لا شك أن قوله: أَمِ اتَّخَذُوا إنكار توبيخ بمعنى أنه لا ينبغى أن يتخذ من دونه أولياء، وحينئذ يترتب عليه قوله تعالى: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ من غير تقدير شرط؛ === نزلت فى حق المشركين القائلين بشركة الغير مع الله فى كونه وليّا معبودا بالحق، وليس لقصر القلب على ما وهمه بعضهم، وهذا الوهم نشأ له من قوله تعالى أم اتخذوا من دونه، ورد عليه بأن لفظ دون تستعمل للأفراد أيضا (قوله: أى إن أرادوا أولياء بحق) أى: بلا فساد ولا خلل وصفا وذاتا لا حالا ومآلا. (قوله: أن يتولى) بضم الياء أى: يتخذ وليا، وقوله: ويعتقد إلخ تفسيره لما قبله (قوله: وقيل إلخ) وجه مقابلة هذا لما قاله المصنف أن المصنف يجعل الفاء فى الآية رابطة لجواب شرط مقدر، وهذا القيل يجعل الفاء للتعليل وليست عاطفة لجملة على جملة أخرى ولا حاجة إلى تقدير الشرط، وحاصل هذا القيل أن الاستفهام هنا إنكارى بمعنى النفى والنفى هنا يصح أن يترتب عليه ما بعد الفاء ترتب العلة على المعلول والسبب على المسبب، إذ لا شك أنه لو قيل لا ينبغى أن يتخذ غير الله وليا بسبب أن الله هو الولى بحق كان المعنى صحيحا، وحينئذ فلا داعى لتقدير الشرط لعدم الحاجة إليه، وحينئذ فالفاء للسببية عطفت جملة السبب على المسبب (قوله: إنكار توبيخ) كذا فى بعض النسخ، وفى بعضها إنكار توبيخى، وهذا لا خلاف فيه على القولين، وذلك لأن أم منقطعة بمعنى بل، والأصل بل اتخذوا والاستفهام للإنكار وأولياء نكرة فى سياق النفى فتفيد العموم، وحينئذ فيكون قوله: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ إنكارا لكل ولى غير الله من غير خلاف بين القولين، وإنما الخلاف فى الفاء هل هى لمجرد العطف كما هو هذا القول، أو أنها رابطة لجواب الشرط المقدر- كما يقول المصنف، فمحط المخالفة بين القولين قول الشارح: وحينئذ يترتب إلخ (قوله: بمعنى أنه لا ينبغى إلخ) أشار إلى أن هذا الاستفهام الإنكارى بمعنى النفى، وأن المنفى إنما هو الانبغاء لا الاتخاذ؛ لأنه واقع (قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ كان ذلك الاستفهام إنكاريا بمعنى النفى (قوله: يترتب عليه إلخ) أى: ترتب السبب على المسبب بحسب الوجود أو ترتب

стр. 1181

كما يقال: لا ينبغى أن يعبد غير الله فالله هو المستحق للعبادة؛ وفيه نظر؛ إذ ليس كل ما فيه معنى الشىء حكمه حكم ذلك الشىء، والطبع المستقيم شاهد صدق على صحة قولنا: لا تضرب زيدا فهو أخوك بالفاء، بخلاف: أتضرب زيدا فهو أخوك؟ استفهام إنكار فإنه لا يصح إلا بالواو الحالية. (ومنها) أى: من أنواع الطلب (: النداء) ... === المسبب على السبب بحسب العلم (قوله: كما يقال إلخ) هذا تنظير بمتفق عليه؛ وذلك لأن الفاء هنا للسببية لترتب ما بعدها على ما قبلها ترتب العلة على المعلول وليست رابطة لجواب شرط مقدر فمثلها الفاء فى الآية؛ لأن أم اتخذوا فى معنى لا ينبغى أن يتخذوا (قوله: وفيه نظر) أى: فى ذلك القيل نظر (قوله: إذ ليس كل ما فيه معنى الشىء) ما نكرة واقعة على اللفظ وفيه صفة لها، وقوله معنى الشىء: فاعل بالظرف، والشىء مضاف إليه وهو واقع على اللفظ أيضا، وقوله حكمه بالنصب: خبر ليس، والضمير المضاف إليه يرجع إلى ما وحكمه الثانى: منصوب على أنه مفعول مطلق أى: ليس حكمه كحكمه، وضميره راجع للشىء أى: ليس كل لفظ فيه معنى لفظ آخر حكمه كحكم ذلك اللفظ الآخر، مثلا الهمزة التى للإنكار فى قوله: أم اتخذوا وإن كان فيها معنى" لا ينبغى"، لكن ليس حكمها حكم" لا ينبغى"؛ لأن الفاء بعد لا ينبغى للتعليل بخلافها بعد أم اتخذوا. (قوله: والطبع) أى: العقل (قوله: لا تضرب زيدا) بضم الباء على أن لا نافية أى: لا ينبغى أن تضربه، وقوله: بالفاء أى: التعليلية العاطفة لجملة خبرية على مثلها (قوله: استفهام إنكار) أى: حال كونه استفهام إنكار بمعنى لا ينبغى (قوله: فإنه لا يصح إلا بالواو الحالية) أى: لا بالفاء لما فيه من عطف الجملة الخبرية على الإنشائية وإن كان الاستفهام بمعنى النفى كقولنا: أتضرب زيدا فى معنى لا تضرب زيدا، أى: لا ينبغى أن تضربه، واعترض على ما ذكره الشارح من عدم صحة الفاء بقول أبى تمام: أحاولت إرشادى فعقلى مرشدى ... أم اشتقت تأديبى فدهرى مؤدّبى (١)

стр. 1182

وهو طلب الإقبال بحرف نائب مناب أدعو ... === وأجيب بأن مراد الشارح عدم صحة مثل قولنا: أتضرب زيدا فهو أخوك على أن تكون الفاء تعليلا للنفى الضمنى، والشاهد بذلك هو الذوق السليم- كما ذكره العلامة السيد فى شرح المفتاح، ولا نقض لذلك بقول أبى تمام لجواز أن تكون الفاء فيه تعليلا للنفى المقدر أى: لا حاجة إلى إرشادك؛ لأن عقلى مرشدى كما ذكروا مثله فى قوله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ (١) حيث قالوا: التقدير لا جدوى للتحسر، وقوله: فإن الله يضل من يشاء- تعليل لهذا المقدر، هذا وقد علل السيد فى شرح المفتاح عدم جواز كون الفاء فى قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (٢) للتعليل؛ لأنه ليس بمعنى الماضى فلا يصح أن يعلل به ما هو ماض- وفيه بحث- إذ يكفى فى صحة التعليل استفادة الدوام من الجملة الاسمية التى خبرها صفة مشبهة بمعونة المقام لشموله الماضى على أن القرينة قائمة بأن مصب الإنكار اتخاذ غير الله وليا من غير تقييد بزمان- فتدبر. اه فنرى. ومن أنواع الطلب: النداء . (قوله: وهو طلب الإقبال) أى: طلب المتكلم إقبال المخاطب حسا أو معنى، فالأول: كيا زيد، والثانى نحو: يا جبال، ويا سماء، والمراد الطلب اللفظى؛ لأنه هو الذى من أقسام الإنشاء (قوله: بحرف) الباء للآلة (قوله: نائب مناب أدعو) أى: ولكون الحرف نائبا مناب أدعو لا يجزم الفعل بعده جوابا، ولا يقال: إن فيه دلالة على طلب الإقبال، فكأنه قيل: أقبل وحينئذ فيجزم الفعل فى جوابه؛ لأنا نقول: مفاد الحرف ومدلوله أدعو، وأما الإقبال فهو مطلوب باللزوم؛ لأن الإنسان إنما يدعى للإقبال فليس فيه ما هو كالتصريح بالشرط كما فى الطلب السابق بخلاف ما لو صرح بالفعل، فقيل: أقبل جاز جزم الفعل جوابا بأن يقال مثلا: أعلمك، ومن هذا تعلم أن الشىء الضمنى ليس كالصريح. اه يعقوبى.

стр. 1183

=== ومن هذا يعلم أن جعل النداء من أقسام الطلب لدلالته على طلب الإقبال لزوما تأمل. واعلم أن الحروف التى يطلب بها الإقبال النائبة مناب أدعو خمسة- منها: أيا وهيا، وهما موضوعان لنداء البعيد، وقد ينزل غير البعيد وهو الحاضر منزلة البعيد لكونه نائما أو ساهيا حقيقة، فيجعل كل واحد من النوم والسهو بمنزلة البعد فى إعلاء الصوت أو لتتريل المنادى منزلة ذى غفلة لعظم الأمر المدعو له حتى كأن المنادى غافل عنه مقصر لم يف بما هو حقه من السعى والاجتهاد الكلى فيستعملان له فتقول مثلا: هيا فلان تهيأ للحرب عند حضوره، ومنها أى والهمزة موضوعان لنداء القريب، وقد ينزل البعيد منزلة القريب ويستعملان فيه تنبيها على أنه حاضر فى القلب لا يغيب عنه أصلا حتى صار كالمشهود الحاضر كقوله: أسكان نعمان الأراك تيقّنوا ... بأنّكم فى ربع قلبى سكّان (١) ومنها: يا، واختلف فيها فقال ابن الحاجب: إنها حقيقة فى القريب والبعيد لاستعمالها فيهما على السواء ودعوى المجاز فى أحدهما خلاف الأصل، وقال الزمخشرى: إنها حقيقة فى البعيد ولا تستعمل فى القريب إلا مجازا لتتريله منزلة البعيد إما لاستبعاد الداعى نفسه عن مرتبة المنادى أى: تصور نفسه فى مكان بعيد عن تلك الحضرة كقولنا: يا الله مع أنه أقرب إلينا من حبل الوريد أو للتنبيه على عظم الأمر المدعو إليه وعلو شأنه حتى كأن المنادى مقصر فى أمره غافل عنه مع شدة حرصه على الامتثال نحو: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ (٢)، أو للحرص على إقبال المنادى أى: الرغبة والرضا بذلك، فصار إقباله كالبعيد؛ لأن النفس إذا اشتد حرصها على الشىء صارت كل ساعة قبل وقوعه فى غاية البعد، فتقول: يا غلام بادر بالماء فأنا عطشان، ونحو: يا مُوسى أَقْبِلْ، أو للتنبيه على بلادة المنادى فكأنه بعيد من التنبيه لا يسمع نحو: تنبيه يأيها الغافل واسمع، أو لانحطاط شأنه، فكأنه بعيد عن مجلس الحضور نحو: من أنت يا هذا

стр. 1184

لفظا أو تقديرا (وقد تستعمل صيغته) أى: صيغة النداء فى غير معناه وهو طلب الإقبال (كالإغراء فى قولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم) قصدا إلى إغرائه وحثه على زيادة التظلم وبث الشكوى لأن الإقبال حاصل. (والاختصاص فى قولهم: ... === (قوله: لفظا أو تقديرا) أى: حالة كون ذلك الحرف ملفوظا به كيازيد أو مقدرا نحو: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا (١) (قوله: أى صيغة النداء) من إضافة الدال للمدلول (قوله: فى غير معناه) أى: الأصلى فيكون استعمال صيغته فى ذلك الغير مجازا، واعلم أن بيان حقيقة النداء وظيفة لغوية ومجازاته بيانية ونكات اختيار الحقيقة، أو مجاز من مجازاته وظيفة هذا العلم، وقد خلا عنه هذا المبحث. اه أطول. (قوله: وهو طلب الإقبال) أى: الطلب المتقدم فالإضافة للعهد وهذا بيان لمعناه الأصلى (قوله: كالإغراء) هو الحث على لزوم الشىء وهذا بيان لغير معناه (قوله: لمن أقبل) أى: إليك أو إلى من حضر معك (قوله: يتظلم) حال من فاعل أقبل أى: مظهرا لظلم أحد له وبث الشكوى به. (قوله: قصدا) حال من الكاف فى قولك أى: كقولك هذا اللفظ حال كونك قاصدا به إغراءه (قوله: وحثه على زيادة التظلم) تفسير لإغرائه والتظلم هو الشكاية من الظلم وعبر بالزيادة؛ لأن أصل التظلم حاصل منه (قوله: الشكوى) يقال شكوت فلانا شكوة وشكوى وشكاية إذا أخبرت عنه بسوء فهو مشكى ومشكو (قوله: لأن الإقبال حاصل) علة لمحذوف أى: ولست قاصدا بقولك يا مظلوم طلب إقباله؛ لأن الإقبال حاصل والحاصل لا يحصل، والحاصل أن قولك: يا مظلوم لمن جاء يتظلم ليس المراد به طلب الإقبال لكونه حاصلا، وإنما الغرض به إغراء ذلك المتظلم على زيادة التظلم وبث الشكوى، وحينئذ فاللفظ الموضوع لطلب إقبال المخاطب على المتكلم مستعمل فى طلب إقباله على الأمر الذى يناديه له على جهة المجاز المرسل والعلاقة الإطلاق والتقييد (قوله: والاختصاص) هو فى الأصل: قصر الشىء على الشىء، وفى الاصطلاح: تخصيص حكم علق بضمير باسم ظاهر صورته صورة منادى، أو معروف بأل، أو بالإضافة

стр. 1185

أنا أفعل كذا أيها الرجل) فقولنا: أيها الرجل ... === أو بالعلمية فمثال كون الدال على التخصيص المذكور صورة المنادى قولك: أنا أفعل كذا أيها الرجل، ومثال المعرف بأل قولك: نحن العرب أسخى من بذل، ومثال الإضافة نحو قوله- ﵊ (١): " نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، ومثال العلمية كقوله: بنا تميما يكشف الضّباب والدلالة على التخصيص المذكور بذى العلمية نادر فى كلامهم، ثم إن الغرض من الاختصاص إما الافتخار كما إذا تضمن التخصيص بذلك الحكم الترفع كما فى قولك: نحن العرب أقرى الناس للضيف، ونحو: علىّ أيها الجواد يعتمد الفقير، أو المسكنة والتواضع كما فى قولك: أنا أيها المسكين أطلب المعروف، ونحو: إنى أيها العبد فقير إلى الله، أو مجرد تأكيد مدلول الضمير كقولك: أنا أيها الرجل أتكلم فيما يتعلق بمصالحى (قوله: أنا أفعل كذا أيها الرجل) أنا مبتدأ وجملة: أفعل كذا: خبره، وأى: مبنى على الضم فى محل نصب مفعول لمحذوف وجوبا أى: أخص، والرجل بالرفع نعت، باعتبار لفظها، والجملة فى محل نصب على الحال، واعلم أنك إذا قلت: يأيها الرجل كانت بالطلب الإقبال، وأيها: منادى مبنى على الضم فى محل نصب، والرجل: نعت لأى: وفى الحقيقة هو المنادى وأى: وصلة لندائه ومفيدة لتخصيص المنادى بطلب الإقبال الذى استفيد من يا فإذا قلت: أنا أكرم الضيف أيها الرجل كان معناه: أنا أكرم الضيف فى حال كونى مختصا من بين أفراد الرجال بإكرام الضيف، فقولك: أيها الرجل

стр. 1186

أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك ثم جعل مجردا عن طلب الإقبال، ونقل إلى تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه؛ إذ ليس المراد بأى ... === أفاد تخصيص مدلول الرجل بالإكرام الذى نسب لمدلول أنا وهو المتكلم، فقولك: أيها الرجل بيان لمدلول أنا، فأصل الرجل كما علمت فى حال النداء تخصيص المنادى بطلب الإقبال، فأطلق عن قيده وهو طلب الإقبال، ثم قيد ذلك التخصيص بما نسب لمدلول الضمير كالإكرام فيكون مجازا مرسلا علاقته الإطلاق والتقييد، وظهر لك أن المجاز فى أيها وأنت خبير بأن هذا خروج عن الموضوع، إذ كلامنا فى استعمال صيغة النداء كيا فى غير معناه مجازا وهنا الذى استعمل فى غير معناه الأصلى: أيها الرجل وهو ليس صيغة النداء كما لا يخفى، وأجيب بأن أيا لما كثر استعمالها مع أدوات النداء نزلت منزلة أدواته كذا قرر شيخنا العدوى- ﵀. (قوله: أصله) أى: الأصل فيه أن يستعمل فى مقام تخصيص المنادى بطلب إلخ أى: ولو كان المنادى هو المتكلم، وذلك عند قصده تجريد منادى من نفسه مبالغة- كما هو الأصل فى هذا المثال. (قوله: ثم جعل) أى: أيها الرجل مجردا عن طلب الإقبال أى: بنقله لمطلق التخصيص؛ لأن المتكلم لا يطلب إقبال نفسه، فإن هذا الباب يجيء فى المتكلم إما وحده أو مع الغير (قوله: ونقل) أى: ثم نقل بعد التجريد عن طلب الإقبال إلى تخصيص مدلوله بما نسب إليه، وحينئذ فهو مجاز مرسل علاقته الإطلاق والتقييد، فأيها الرجل خبر مستعمل بصورة النداء تجوزا كما استعمل الأمر بصيغة الخبر نحو: أحسن بزيد، والخبر بصيغة الأمر نحو: والوالدات يرضعن (قوله: إلى تخصيص مدلوله) أى: مدلول أيها الرجل وهو ذات المتكلم هنا المعبر عنها بالضمير (قوله: بما نسب إليه) أى: بالحكم الذى نسب إليه وربط به كأفعل كذا فى المثال المذكور والجار والمجرور متعلق بتخصيص، وضمير إليه للمدلول، وإنما كان الحكم الذى هو أفعل كذا منسوبا بالمدلول أى: ومرتبطا به لما علمت أن مدلولها المتكلم المعبر عنه بالضمير، وقد أخبر بذلك الحكم عن الضمير (قوله: إذ ليس المراد إلخ) علة لقوله ونقل إلخ أى: وإنما نقل عن أصله لما

стр. 1187

ووصفه المخاطب؛ بل ما دل عليه ضمير المتكلم، فأيها مضموم، والرجل مرفوع، ... === ذكر؛ لأنه ليس إلخ، وإذا كان المراد من أى ووصفها ما دل عليه ضمير المتكلم السابق ولم يرد به المخاطب كان قولنا أيها الرجل وما ماثله صورته صورة النداء وليس بنداء، وحينئذ فلا يجوز فيه إظهار حرف النداء؛ لأنه لم يبق فيه معنى النداء أصلا لا حقيقة كما فى: يا زيد، ولا مجازا كما فى: المتعجب منه والمندوب؛ فإنهما منادى دخلهما معنى التعجب والتفجع فمعنى ياللماء: احضر أيها الماء حتى يتعجب منك، ومعنى يا محمداه: احضر يا محمد فأنا مشتاق إليك، فلما لم يبق فى الكلام معنى النداء أصلا كره التصريح بأداته- كذا نقل عن الشارح. (قوله: ووصفه) وهو الرجل فى المثال المذكور؛ لأنه بمعنى الكامل المختص (قوله: المخاطب) خبر ليس (قوله: بل ما دل) أى: بل المراد بأى ووصفه معنى دل عليه أى: على ذلك المعنى، وقوله ضمير فاعل دل وقوله المتكلم أى: الذى هو أنا فى المثال السابق مثلا فمراد المتكلم بالرجل نفسه (قوله: فأيها إلخ) تفريع على ما تقدم من قوله، ثم نقل إلخ أى: إذا علمت أنها نقلت عن معناها الأصلى وهو النداء، فاعلم أنه التزم فيها حكم المنقول عنه من البناء على الضم؛ لأن كل ما نقل من باب إلى آخر فإعرابه على حسب ما كان عليه كما فى العناية (قوله: مضموم) أى: مبنى على الضم؛ لأنه نكرة مقصودة فى محل نصب بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص (قوله: والرجل مرفوع) أى: على أنه صفة لأى نظرا للفظها والرفع هنا اتفاقا كما فى الارتشاف بخلاف النداء، فإن بعضهم أجاز نصبه، والحاصل أن ضم أى ورفع تابعها حكاية لحالهما فى النداء بأن نقلا بحالهما فى النداء واستعملا فى غيره، وبهذا اندفع ما يقال إذا كانت أى: معمولا لأخص ولم يكن معه نداء أصلا لا لفظا ولا معنى، لم يكن هناك ما يقتضى البناء على الضم ورفع التابع، ثم إن المراد بالرفع هنا الضم- وهو ضم إتباع لا بناء، فاندفع ما يقال

стр. 1188

والمجموع فى محل نصب على أنه حال؛ ولهذا قال: (أى: متخصصا) أى: مختصا (من بين الرجال) وقد تستعمل صيغة النداء فى الاستغاثة، ... === انظر ما العامل للرفع فى هذا التابع، إذ لا يصح أن يكون هو العامل فى المتبوع أو نظيره؛ لأن أخص هنا إنما يقتضى النصب لا الرفع، وكذلك أدعو وأنادى فى باب النداء إنما يقتضى النصب وهذا الإشكال جار فى سائر توابع المنادى المرفوعة سواء كان المنادى أيا أو غيرها قال الدمامينى: ولم أقف له على جواب ولا حاجة لما تكلفه بعضهم من أن العامل فيه عامل المتبوع باعتبار تكيفه بكيفية المبنى للمجهول أو نظيره ويقدر مبنيا للمجهول (قوله: والمجموع إلخ) ظاهره مجموع أيها الرجل- وفيه نظر إذ الحال إنما هو جملة الاختصاص أعنى الفعل المقدر أعنى: أخص فكان الأولى أن يقول فى محل نصب على أنه مفعول الفعل المقدر الذى هو حال، وأجاب الشيخ يس بأنه يمكن الاعتذار بأن العامل لما كان واجب الحذف ومعناه ظاهر فى متعلقه حكم على متعلقه بأنه فى محل نصب على الحال تسمحا، ثم إن كون الجملة الاختصاصية فى محل نصب على الحال ليس بلازم، إذ قد تكون معترضة لا محل لها، وذلك فى صورة ما إذا كان الدال على التخصيص معرفا بأل نحو: نحن العرب أقرى الناس للضيف، فإن الجملة الاختصاصية هنا معترضة بين المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب، ولا يصح جعلها حالية، إذ لا يصح نصب الحال عن المبتدأ عند سيبويه ومن تبعه (قوله: ولهذا قال إلخ) أى: مفسرا للمراد من الجملة الواقعة حالا (قوله: متخصصا إلخ) أى: أنا أفعل كذا حال كونى متخصصا بهذا الفعل من بين الرجال لما فى ذلك من الصعوبة (قوله: أى مختصا) بيان حاصل المعنى، وأتى بهذا البيان دفعا لتوهم تعين التأويل بمتخصصا الزائد فى الحروف المفيد لكثرة التخصص وإشارة إلى أن زيادة البناء هنا لم تفد شيئا، بل متخصصا مثل مختصا (قوله: وقد تستعمل صيغة النداء فى الاستغاثة إلخ) أى: على سبيل المجاز المرسل من استعمال ما للأعم فى الأخص؛ وذلك لأن صيغة النداء موضوعة

стр. 1189

نحو: يالله، والتعجب، نحو: يا للماء، والتحسر والتوجع كما فى نداء الأطلال، والمنازل، والمطايا، ... === لمطلق طلب الإقبال فاستعملت فى طلب الإقبال أى: لخصوص الإغاثة (قوله: يالله) أى: يالله أقبل علينا لإغاثتنا (قوله: والتعجب) العلاقة بينه وبين النداء المشابهة من جهة أنه ينبغى الإقبال على كل من المنادى والمتعجب منه (قوله: ياللماء) يقال ذلك عند مشاهدة كثرته أو كثرة حلاوته أو برودته أو وفائه تعجبا منها فكأنه لغرابة الكثرة المذكورة يدعوه ويستحضره ليتعجب منه (قوله: والتحسر والتوجع إلخ) العلاقة بين النداء وبين هذه الأشياء المشابهة فى كون كل ينبغى الإقبال عليه بالخطاب للاهتمام به وامتلاء القلب بشأنه (قوله: كما فى نداء الأطلال) هذه أمثلة التحسر ولا يظهر أن شيئا منها مثال للتوجع، وإن أوهم صنيعه خلاف ذلك- ولذلك عبر ابن يعقوب بقوله ومنها التحسر والتحزن كما فى نداء الأطلال والمنازل والمطايا ونحو ذلك كنداء المتوجع منه والمتفجع عليه. اه. ومثال التوجع: يا مرضى، ويا سقمى، والأطلال: جمع طلل- وهو ما شخص من آثار الديار، وذلك كقوله: ألا عم صباحا أيّها الطلل البالى ... وهل يعمن من كان فى العصر الخالى (١) (قوله: والمنازل) كما فى قولك يا منزلى ويا منزل فلان متحسرا ومتحزنا عليه، وكما فى قول الشاعر: أيا منازل سلمى أين سلماك ... من أجل هذا بكيناها بكيناك أى: من أجل عدم وجدان سلمى بكينا على سلمى وبكينا على المنازل، فقوله: بكيناها أى: بكينا على سلمى، وقوله: بكيناك أى: وبكيناك أى: بكينا عليك أيها المنازل (قوله: والمطايا) أى: الإبل، كما فى قولك يا ناقة أبى، ويا ناقتى تحسرا عليها، وكما فى قوله:

стр. 1190

وما أشبه ذلك. (ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء؛ إما للتفاؤل) بلفظ الماضى دلالة على أنه كأنه وقع، نحو: وفقك الله للتقوى (أو لإظهار الحرص فى وقوعه كما مر) فى بحث الشرط من أن الطالب إذا عظمت رغبته فى شىء يكثر تصوره إياه؛ فربما يخيل إليه حاصلا، نحو: رزقنى الله لقاءك ... === يا ناق جدّى فقد أفنت أناتك بى ... صبرى وعمرى وأنساعى وأحلاسى الأناة: كقناة التأنى، والأحلاس: جمع حلس، وهو كساء يطرح على ظهر البعير، والأنساع: جمع نسع بكسر النون وهو ما ينسج عريضا للتصدير أى: للحزام فى صدر البعير (قوله: وما أشبه ذلك) عطف على الإغاثة وذلك كالندبة، وهى نداء المتوجع منه أو المتفجع عليه كقولك: يا رأساه ويا محمداه كأنك تدعوه وتقول له تعال، فأنا مشتاق إليك (قوله: ثم الخبر) أى: الكلام الخبرى وهو ما يدل على نسبة خارجية تطابقه أو لا تطابقه (قوله: قد يقع) أى: مجازا لعلاقة الضدية أو غيرها مما سيأتى بيانه قريبا (قوله: موقع الإنشاء) وهو الكلام الذى لم يقصد مطابقته لنسبته الخارجية ولا عدم مطابقته لما لا نسبة له خارجا، وإنما توجد نسبته بنفسه (قوله: إما للتفاؤل) أى: إدخال السرور على المخاطب كأن يقصد طلب الشىء وصيغة الأمر هى الدالة عليه، فيعدل عنها إلى صيغة المضى الدالة على تحقق الوقوع تفاؤلا بتحققه (قوله: بلفظ الماضى) متعلق بيقع، وإنما قيد بلفظ الماضى؛ لأن التفاؤل لا يكون إلا به لا بالمضارع ولا بالاسم (قوله: وفقك الله للتقوى) أى: اللهم وفقك فعبر بالفعل الماضى الدال على تحقق الحصول موضع الإنشاء لإدخال السرور على المخاطب بتحقق حصول التقوى (قوله: فى وقوعه) ضمن الحرص معنى الرغبة، فلذا عده بفى ولم يعده بعلى، ويشير للتضمين المذكور قول الشارح إذا عظمت رغبته (قوله: يكثر صوره إياه) بفتح ياء يكثر ورفع تصوره على الفاعلية (قوله: فربما يخيل إليه) أى: غير الحاصل حاصلا وحاصله أن الطالب لشىء إذا عظمت رغبته فيه كثر تصوره له وانقشعت صورة مطلوبة فى خياله، فيخيل له أن مطلوبه غير الحاصل حاصل من زمان ماض، فيعبر بالماضى المفيد للحصول

стр. 1191

(والدعاء بصيغة الماضى من البليغ) كقوله: ﵀ (- يحتملهما) أى: التفاؤل وإظهار الحرص، وأما غير البليغ فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات (أو للاحتراز وعن صورة الأمر) كقول العبد للمولى: ينظر المولى إلى ساعة؛ دون انظر؛ لأنه فى صورة الأمر وإن قصد به الدعاء أو الشفاعة ... === للدالة على الحرص فى وقوعه؛ لأن التعبير بصيغة الحصول يفهم منها تخيل الحصول الملزوم لكثرة التصور الملزوم لكثرة الرغبة والحرص فى وقوعه (قوله: والدعاء) مبتدأ وقوله يحتملهما خبر، وأشار المصنف بذلك إلى أن إظهار الحرص والتفاؤل لا تنافى بينهما فللبليغ إحضارهما معا فى التعبير بصيغة الماضى عن الطلب وله استحضار أحدهما (قوله: أى التفاؤل وإظهار الحرص) أى: يحتمل أنه يريد التفاؤل بوقوع الرحمة للمخاطب قصدا لإدخال السرور عليه أو يريد إظهار الحرص فى الوقوع حيث عبر بالماضى لكثرة التصور الناشىء عن كثرة الرغبة قضاء لحق المخاطب أو يريدهما معا (قوله: فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات) لأنه إنما يقول ما يسمع منه غير ملاحظ لشىء من الاعتبارات المناسبة لمقامات إيراد الكلام، وعلى هذا فالمراد بالبليغ من يراعى ما ذكر لكونه له قوة على ذلك، ولو لم يكن له قوة فى سائر الأبواب بناء على تجزى البلاغة: كالاجتهاد- فيكفى لاعتبار النكتتين معرفتهما وقصدهما، ولا يلزم أن يكون لقصدهما ملكة يقدر بها على كل كلام بليغ- كذا فى يس، وقوله عن هذه الاعتبارات: اعترض بأن الأولى أن يقول عن هذين الاعتبارين، وأجيب بأن غير البليغ لما كان ذاهلا عن هذين الاعتبارين وغيرهما من كل ما يلاحظه البليغ عبر الشارح بالجمع- كذا قرر شيخنا العدوى- وتأمله. (قوله: أو للاحتراز) أى: التحرز والتباعد، ولا يكون هذا بلفظ الماضى، وكذا ما بعده، بل بلفظ المضارع (قوله: كقول العبد للمولى) أى: إذا حول عن وجهه (قوله: لأنه فى صورة الأمر) أى: المشعر بالاستعلاء المنافى للأدب (قوله: وإن قصد به) أى:

стр. 1192

(أو لحمل المخاطب على المطلوب بأن يكون) المخاطب (ممن لا يحب أن يكذب الطالب) أى: ينسب إليه الكذب كقولك لصاحبك الذى لا يحب تكذيبك: تأتينى غدا- مقام: ائتنى؛ تحمله بألطف وجه على الإتيان؛ لأنه إن لم يأتك غدا صرت كاذبا من حيث الظاهر لكون كلامك فى صورة الخبر. === بالأمر والواو للحال أى: والحال أنه قاصد بذلك الأمر الدعاء أو الشفاعة، قال المولى عبد الحكيم: لم يذكر فى الكتب المشهورة فى الأصول الشفاعة من معانى الأمر ولعلها داخلة فى الدعاء، فإن الطلب على سبيل التصريح إن كان لنفسه فهو دعاء، وإن كان لغيره فهو شفاعة، فالمراد بالدعاء هنا ما يكون لنفسه بقرينة مقابلة الشفاعة. اه. وعلى هذا فقول الشارح: وإن قصد به الدعاء أى: كما فى هذا المثال، وقوله: أو الشفاعة كما فى قول عمرو لسيد العبد المعرض عنه ينظر المولى إلى عبده ساعة، وفى بعض النسخ: والشفقة، ومعناها طلب العبد من سيده أن يشفق عليه. (قوله: أو لحمل المخاطب على المطلوب) أى: على تحصيل المطلوب، لكن لا بسبب إظهار الرغبة، بل بسبب كون المخاطب لا يحب تكذيب المتكلم، فالباء فى قوله بأن يكون للسببية، والحاصل أنه قد يعبر بالخبر موضع الإنشاء لأجل حمل المخاطب وهو السامع على تحصيل المطلوب لكون المخاطب لا يجب تكذيب المتكلم، فلما يلقى له الكلام الخبرى المقصود منه الإنشاء يسعى ويبادر فى تحصيل المطلوب خوفا من نسبة المتكلم للكذب، والفرض أن المخاطب لا يحب ذلك، وظهر لك من هذا أن المخاطب بفتح الطاء فى المحلين؛ لأن المراد به السامع (قوله: أن يكذب الطالب) بصيغة المبنى للمفعول مع تشديد الذال ورفع الطالب على النيابة، كما يشير لذلك قول الشارح أى: ينسب إليه الكذب (قوله: كقولك) أى: أيها المتكلم وقوله لصاحبك أى: الذى هو المخاطب، وقوله لا يحب أى: ذلك الصاحب، وقوله: تحمله أى: تحمل صاحبك بهذا القول (قوله: من حيث الظاهر) أى: وأما من حيث نفس الأمر فلا كذب؛ لأن كلامك

стр. 1193

(تنبيه: الإنشاء كالخبر فى كثير مما ذكر فى الأبواب الخمسة السابقة) يعنى: أحوال الإسناد، والمسند إليه، والمسند، ومتعلقات الفعل، ... === فى المعنى إنشاء وهو لا يتصف بصدق ولا بكذب، قال الشارح فى المطول: واستعمال الخبر فى هذه الصور يعنى الأربعة التى ذكرها المصنف مجاز لاستعماله فى غير ما وضع له، ويحتمل أن يجعل كناية فى بعضها. اه. قال المولى عبد الحكيم: أراد ببعضها الصورتين الأخيرتين اللتين وقع فيهما الفعل المستقبل موقع الطلب بأن يقال: إن حصول الفعل فى الاستقبال لازم لطلب الفعل فى الحال، فذكر اللازم وأريد الملزوم بخلاف الصورتين الأوليين اللتين وقع فيهما الفعل الماضى موقع الطلب، فإن حصول الفعل فى الزمان الماضى ليس لازما لطلب الفعل فلا يصح جعلهما كناية، بل يتعين كونهما مجازا إما مرسلا لعلاقة الضدية، أو بالاستعارة لعلاقة تشبيه غير الحاصل بالحاصل للتفاؤل أو للحرص على حصوله. اه. قال ابن السبكى فى عروس الأفراح: وما ذكر من الكناية فيه نظر؛ لأنه إذا جعل ذلك الخبر من باب الكناية كان خبرا لفظا ومعنى والفرض أنه إنشاء بصيغة الخبر- فتأمله. (قوله: فى كثير إلخ) إنما قال فى كثير ولم يقل جميعه؛ لأن المسند فى الخبر قد يكون مفردا وقد يكون جملة بخلاف المسند فى الإنشاء؛ فإنه لا يكون إلا مفردا- كذا قيل، ويرد عليه: هل زيد أبوه قائم، فإن قيل هو فى تأويل: هل قام أبو زيد- قلنا: وكذلك الخبر، وقيل إنما قال فى كثير؛ لأن بعض ما تقدم لا يجرى فى الإنشاء؛ لأن التأكيد فى الإنشاء لا يكون للشك أو الإنكار من المخاطب ولا ترك التأكيد لخلوه من الإيقاع والانتزاع، بل لكونه بعيدا من الإقبال أو قريبا منه، وقيل: إنما قال فى كثير؛ لأن حذف المسند لا يكون فى الإنشاء بخلاف الخبر وإشارة إلى أن ما ذكر من الأحوال فى الأبواب الخمسة فى الخبر لا يتأتى فى كل باب من تلك الأبواب الخمسة بالنسبة لكل

стр. 1194

والقصر (فليعتبره) أى: ذلك الكثير الذى يشارك فيه الإنشاء الخبر (الناظر) بنور البصيرة فى لطائف الكلام، مثلا: الكلام الإنشائى إما مؤكد، أو غير مؤكد، والمسند إليه فيه إما محذوف، أو مذكور، إلى غير ذلك. === نوع من أنواع الإنشاء وهى: الاستفهام والتمنى والأمر والنهى والنداء، وإن كان ما ذكر يأتى فى بعضها- فتأمل. (قوله: والقصر) معطوف على أحوال بخلاف ما قبله فإنه معطوف على المضاف إليه (قوله: فليعتبره الناظر) أى: فليراع الناظر فى أحوال الكلام ذلك الكثير الذى وقع فيه الاشتراك بين الخبر والإنشاء بالنسبة للإنشاء حسبما عرفه بالنسبة للخبر فيما تقدم، فإن من له نور البصيرة وقوة الإدراك لا يخفى عليه اعتبار ذلك فى الإنشاء كالخبر (قوله: إما مؤكد) كقولك اضرب اضرب فى تأكيد الأمر بالضرب لاقتضاء المقام (قوله: أو غير مؤكد) كقولك اضرب بدون تكرار ولا يجرى فى الإنشاء التخريج على خلاف مقتضى الظاهر بالنسبة للتأكيد وتركه، من جعل المنكر كغير المنكر وبالعكس، وتنزيل العالم منزلة الجاهل وبالعكس (قوله: إما محذوف) كأن يقال عند السؤال عن زيد بعد ذكره: هل قائم أو قاعد. (قوله: أو مذكور) كأن يقال الذكر لغير ذلك من كونه مقدما أو مؤخرا كقولك فى التقديم: هل زيد قائم وفى التأخير: هل قائم زيد وكونه معرفا كما مثل، أو منكرا: كهل رجل قائم أو امرأة، وكذلك المسند فيه، إما اسم كقولك: هل زيد قائم، أو فعل كقولك: هل زيد يسافر غدا مطلق كالمثالين، أو مقيد بمفعول: كهل أنت ضارب عمرا، أو بشرط: كهل أنت قائم إن قام عمرو، ولا يتأتى حذف المسند فى الإنشاء بخلاف الخبر- كما فى عبد الحكيم، وكذلك التعلق والنسبة فى الإنشاء إما بقصر: كلا تضرب إلا زيدا، أو بغيره: كلا تضرب زيدا، وليضرب زيد عمرا، واعلم أن الاعتبارات المناسبة لهذه الأحوال السابقة فى الخبر تجرى فى الإنشاء فيقال: قدم

стр. 1195

. === المسند إليه فى الإنشاء؛ لأن التقديم هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه وحذف لكون ذكره كالعبث لدلالة القرينة عليه كأن تقول فى السؤال عن زيد بعد ذكره: هل عالم أو جاهل، وذكر للتعويل على أقوى الدليلين العقل واللفظ، وعرف بالإضمار كهل أنا نائل مرادى منك؛ لأن المقام للتكلم أو للخطاب: كهل أنت قائم أو للغيبة: كهل هو قائم، وأكد لكون المخاطب بصدد الامتناع من الامتثال كقولك لمن يصحبك عند إبايته بادر بفعل كذا، وعلى هذا القياس. والله الهادى للصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →