(والدعاء بصيغة الماضى من البليغ) كقوله: ﵀ (- يحتملهما) أى: التفاؤل وإظهار الحرص، وأما غير البليغ فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات (أو للاحتراز وعن صورة الأمر) كقول العبد للمولى: ينظر المولى إلى ساعة؛ دون انظر؛ لأنه فى صورة الأمر وإن قصد به الدعاء أو الشفاعة ...
===
للدالة على الحرص فى وقوعه؛ لأن التعبير بصيغة الحصول يفهم منها تخيل الحصول الملزوم لكثرة التصور الملزوم لكثرة الرغبة والحرص فى وقوعه
(قوله: والدعاء) مبتدأ وقوله يحتملهما خبر، وأشار المصنف بذلك إلى أن إظهار الحرص والتفاؤل لا تنافى بينهما فللبليغ إحضارهما معا فى التعبير بصيغة الماضى عن الطلب وله استحضار أحدهما
(قوله: أى التفاؤل وإظهار الحرص) أى: يحتمل أنه يريد التفاؤل بوقوع الرحمة للمخاطب قصدا لإدخال السرور عليه أو يريد إظهار الحرص فى الوقوع حيث عبر بالماضى لكثرة التصور الناشىء عن كثرة الرغبة قضاء لحق المخاطب أو يريدهما معا
(قوله: فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات) لأنه إنما يقول ما يسمع منه غير ملاحظ لشىء من الاعتبارات المناسبة لمقامات إيراد الكلام، وعلى هذا فالمراد بالبليغ من يراعى ما ذكر لكونه له قوة على ذلك، ولو لم يكن له قوة فى سائر الأبواب بناء على تجزى البلاغة: كالاجتهاد- فيكفى لاعتبار النكتتين معرفتهما وقصدهما، ولا يلزم أن يكون لقصدهما ملكة يقدر بها على كل كلام بليغ- كذا فى يس، وقوله عن هذه الاعتبارات:
اعترض بأن الأولى أن يقول عن هذين الاعتبارين، وأجيب بأن غير البليغ لما كان ذاهلا عن هذين الاعتبارين وغيرهما من كل ما يلاحظه البليغ عبر الشارح بالجمع- كذا قرر شيخنا العدوى- وتأمله.
(قوله: أو للاحتراز) أى: التحرز والتباعد، ولا يكون هذا بلفظ الماضى، وكذا ما بعده، بل بلفظ المضارع
(قوله: كقول العبد للمولى) أى: إذا حول عن وجهه
(قوله: لأنه فى صورة الأمر) أى: المشعر بالاستعلاء المنافى للأدب
(قوله: وإن قصد به) أى:
стр. 1192
(أو لحمل المخاطب على المطلوب بأن يكون) المخاطب (ممن لا يحب أن يكذب الطالب) أى: ينسب إليه الكذب كقولك لصاحبك الذى لا يحب تكذيبك:
تأتينى غدا- مقام: ائتنى؛ تحمله بألطف وجه على الإتيان؛ لأنه إن لم يأتك غدا صرت كاذبا من حيث الظاهر لكون كلامك فى صورة الخبر.
===
بالأمر والواو للحال أى: والحال أنه قاصد بذلك الأمر الدعاء أو الشفاعة، قال المولى عبد الحكيم: لم يذكر فى الكتب المشهورة فى الأصول الشفاعة من معانى الأمر ولعلها داخلة فى الدعاء، فإن الطلب على سبيل التصريح إن كان لنفسه فهو دعاء، وإن كان لغيره فهو شفاعة، فالمراد بالدعاء هنا ما يكون لنفسه بقرينة مقابلة الشفاعة. اه.
وعلى هذا فقول الشارح: وإن قصد به الدعاء أى: كما فى هذا المثال، وقوله:
أو الشفاعة كما فى قول عمرو لسيد العبد المعرض عنه ينظر المولى إلى عبده ساعة، وفى بعض النسخ: والشفقة، ومعناها طلب العبد من سيده أن يشفق عليه.
(قوله: أو لحمل المخاطب على المطلوب) أى: على تحصيل المطلوب، لكن لا بسبب إظهار الرغبة، بل بسبب كون المخاطب لا يحب تكذيب المتكلم، فالباء فى قوله بأن يكون للسببية، والحاصل أنه قد يعبر بالخبر موضع الإنشاء لأجل حمل المخاطب وهو السامع على تحصيل المطلوب لكون المخاطب لا يجب تكذيب المتكلم، فلما يلقى له الكلام الخبرى المقصود منه الإنشاء يسعى ويبادر فى تحصيل المطلوب خوفا من نسبة المتكلم للكذب، والفرض أن المخاطب لا يحب ذلك، وظهر لك من هذا أن المخاطب بفتح الطاء فى المحلين؛ لأن المراد به السامع
(قوله: أن يكذب الطالب) بصيغة المبنى للمفعول مع تشديد الذال ورفع الطالب على النيابة، كما يشير لذلك قول الشارح أى:
ينسب إليه الكذب
(قوله: كقولك) أى: أيها المتكلم وقوله لصاحبك أى: الذى هو المخاطب، وقوله لا يحب أى: ذلك الصاحب، وقوله: تحمله أى: تحمل صاحبك بهذا القول
(قوله: من حيث الظاهر) أى: وأما من حيث نفس الأمر فلا كذب؛ لأن كلامك
стр. 1193
(تنبيه: الإنشاء كالخبر فى كثير مما ذكر فى الأبواب الخمسة السابقة) يعنى: أحوال الإسناد، والمسند إليه، والمسند، ومتعلقات الفعل، ...
===
فى المعنى إنشاء وهو لا يتصف بصدق ولا بكذب، قال الشارح فى المطول: واستعمال الخبر فى هذه الصور يعنى الأربعة التى ذكرها المصنف مجاز لاستعماله فى غير ما وضع له، ويحتمل أن يجعل كناية فى بعضها. اه.
قال المولى عبد الحكيم: أراد ببعضها الصورتين الأخيرتين اللتين وقع فيهما الفعل المستقبل موقع الطلب بأن يقال: إن حصول الفعل فى الاستقبال لازم لطلب الفعل فى الحال، فذكر اللازم وأريد الملزوم بخلاف الصورتين الأوليين اللتين وقع فيهما الفعل الماضى موقع الطلب، فإن حصول الفعل فى الزمان الماضى ليس لازما لطلب الفعل فلا يصح جعلهما كناية، بل يتعين كونهما مجازا إما مرسلا لعلاقة الضدية، أو بالاستعارة لعلاقة تشبيه غير الحاصل بالحاصل للتفاؤل أو للحرص على حصوله. اه.
قال ابن السبكى فى عروس الأفراح: وما ذكر من الكناية فيه نظر؛ لأنه إذا جعل ذلك الخبر من باب الكناية كان خبرا لفظا ومعنى والفرض أنه إنشاء بصيغة الخبر- فتأمله.
(قوله: فى كثير إلخ) إنما قال فى كثير ولم يقل جميعه؛ لأن المسند فى الخبر قد يكون مفردا وقد يكون جملة بخلاف المسند فى الإنشاء؛ فإنه لا يكون إلا مفردا- كذا قيل، ويرد عليه: هل زيد أبوه قائم، فإن قيل هو فى تأويل: هل قام أبو زيد- قلنا:
وكذلك الخبر، وقيل إنما قال فى كثير؛ لأن بعض ما تقدم لا يجرى فى الإنشاء؛ لأن التأكيد فى الإنشاء لا يكون للشك أو الإنكار من المخاطب ولا ترك التأكيد لخلوه من الإيقاع والانتزاع، بل لكونه بعيدا من الإقبال أو قريبا منه، وقيل: إنما قال فى كثير؛ لأن حذف المسند لا يكون فى الإنشاء بخلاف الخبر وإشارة إلى أن ما ذكر من الأحوال فى الأبواب الخمسة فى الخبر لا يتأتى فى كل باب من تلك الأبواب الخمسة بالنسبة لكل
стр. 1194
والقصر (فليعتبره) أى: ذلك الكثير الذى يشارك فيه الإنشاء الخبر (الناظر) بنور البصيرة فى لطائف الكلام، مثلا: الكلام الإنشائى إما مؤكد، أو غير مؤكد، والمسند إليه فيه إما محذوف، أو مذكور، إلى غير ذلك.
===
نوع من أنواع الإنشاء وهى: الاستفهام والتمنى والأمر والنهى والنداء، وإن كان ما ذكر يأتى فى بعضها- فتأمل.
(قوله: والقصر) معطوف على أحوال بخلاف ما قبله فإنه معطوف على المضاف إليه
(قوله: فليعتبره الناظر) أى: فليراع الناظر فى أحوال الكلام ذلك الكثير الذى وقع فيه الاشتراك بين الخبر والإنشاء بالنسبة للإنشاء حسبما عرفه بالنسبة للخبر فيما تقدم، فإن من له نور البصيرة وقوة الإدراك لا يخفى عليه اعتبار ذلك فى الإنشاء كالخبر
(قوله: إما مؤكد) كقولك اضرب اضرب فى تأكيد الأمر بالضرب لاقتضاء المقام
(قوله: أو غير مؤكد) كقولك اضرب بدون تكرار ولا يجرى فى الإنشاء التخريج على خلاف مقتضى الظاهر بالنسبة للتأكيد وتركه، من جعل المنكر كغير المنكر وبالعكس، وتنزيل العالم منزلة الجاهل وبالعكس
(قوله: إما محذوف) كأن يقال عند السؤال عن زيد بعد ذكره: هل قائم أو قاعد.
(قوله: أو مذكور) كأن يقال الذكر لغير ذلك من كونه مقدما أو مؤخرا كقولك فى التقديم: هل زيد قائم وفى التأخير: هل قائم زيد وكونه معرفا كما مثل، أو منكرا: كهل رجل قائم أو امرأة، وكذلك المسند فيه، إما اسم كقولك: هل زيد قائم، أو فعل كقولك: هل زيد يسافر غدا مطلق كالمثالين، أو مقيد بمفعول: كهل أنت ضارب عمرا، أو بشرط: كهل أنت قائم إن قام عمرو، ولا يتأتى حذف المسند فى الإنشاء بخلاف الخبر- كما فى عبد الحكيم، وكذلك التعلق والنسبة فى الإنشاء إما بقصر: كلا تضرب إلا زيدا، أو بغيره: كلا تضرب زيدا، وليضرب زيد عمرا، واعلم أن الاعتبارات المناسبة لهذه الأحوال السابقة فى الخبر تجرى فى الإنشاء فيقال: قدم
стр. 1195
.
===
المسند إليه فى الإنشاء؛ لأن التقديم هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه وحذف لكون ذكره كالعبث لدلالة القرينة عليه كأن تقول فى السؤال عن زيد بعد ذكره: هل عالم أو جاهل، وذكر للتعويل على أقوى الدليلين العقل واللفظ، وعرف بالإضمار كهل أنا نائل مرادى منك؛ لأن المقام للتكلم أو للخطاب: كهل أنت قائم أو للغيبة: كهل هو قائم، وأكد لكون المخاطب بصدد الامتناع من الامتثال كقولك لمن يصحبك عند إبايته بادر بفعل كذا، وعلى هذا القياس.
والله الهادى للصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 1196
[[الباب السابع: ] الفصل والوصل]
[تعريف الفصل والوصل]:
بدأ بذكر الفصل؛ لأنه الأصل، والوصل طار عليه عارض، حاصل بزيادة حرف من حروف العطف، لكن لما كان الوصل بمنزلة الملكة، والفصل بمنزلة عدمها، والأعدام ...
===
[الفصل والوصل]
(قوله: لأنه الأصل) أى لأنه عدم العطف، وقوله والوصل طار لأن مرجعه إلى العطف ومعلوم أن عدم العطف أصل لا يفتقر فيه إلى زيادة شىء على المنفصلين، والعطف الذى هو الوصل يفتقر فيه إلى وجود حرف مزيد ليحصل، وما يفتقر فيه إلى زيادة حرف فرع عما لا يفتقر فيه إلى شىء، وأيضا العدم فى الحادث سابق على وجوده.
(قوله: حاصل إلخ) تعليل فى المعنى لما قبله، وقوله بزيادة حرف إلخ أى على الجملتين
(قوله: لكن لما كان إلخ) أى: وحينئذ فلا يقال: كان الأولى أن يقدم تعريف الفصل على تعريف الوصل، وهذا الاستدراك لدفع ما يتوهم من الكلام السابق، وهو أنه حيث كان الفصل الأصل فلم لم يقدمه فى التعريف كما قدمه فى الترجمة؟
(قوله: بمنزلة الملكة إلخ) اعلم أن للملكة فردين الأول: ما من شأنه أن يقوم بالشىء باعتبار جنسه، بأن يكون جنسه شأنه أن يقوم به ذلك الأمر، كالبصر لأفراد الحيوان والثانى:
ما من شأنه أن يقوم بالشىء باعتبار شخصه، كالعلم لأفراد الإنسان، ولا شك أن الجملتين شأنهما الوصل جنسا، وقد لا يكون شأنهما الوصل شخصا بأن كان بينهما كمال الانقطاع، فقول الشارح: بمنزلة الملكة إنما زاد لفظة منزلة نظرا للفرد الثانى، وقوله فى المطول: فبينهما تقابل العدم والملكة بإسقاط منزلة ناظر للفرد الأول، كذا قال بعضهم، وفيه أن هذا لا يتم إلا إذا كان المراد بما من شأنه أن اللائق به ذلك، لكن المتبادر من كلامهم أن المراد به إمكان ذلك، وأنت خبير بأن الجملتين إذا كان بينهما كمال الانقطاع يمكن فيهما الوصل، وإن لم يجز بلاغة فما شأنهما الوصل بهذا المعنى ففيهما
стр. 1197
إنما تعرف بملكاتها- بدأ فى التعريف بذكر الوصل فقال: (الوصل عطف ...
===
ملكة الوصل لا ما هو بمنزلتها، فالحاصل: أنه لا وجه لزيادة منزلة فى كلام الشارح، سواء قلنا إن الملكة عبارة عن الأمر الذى شأنه أن يقوم بالشىء باعتبار جنسه أو باعتبار شخصه، وقد يقال أنه قد لا يمكن فى الجملتين الوصل؛ لفساد المعنى به كما فى آية إِنَّا مَعَكُمْ (١) إلخ فلا يكون الوصل ملكة لهما باعتبار شخصهما، فتكون زيادة الشارح هنا لفظ" منزلة" نظرا إلى شخص الجملتين فى بعض الصور، ووجه بعضهم زيادة" منزلة" فى كلام الشارح بأن تقابل العدم والملكة إنما يكون فى الأمور الوجودية الخارجية؛ لأن الملكة معنى موجود تتصف به الذات الموجودة، والعدم نفيه عن تلك الذات القابلة، بخلاف الأمور الاعتبارية، وذلك كالفصل والوصل فإنهما أمران عارضان اعتباريان لنوع من الكلام، وإن كان متعلقهما وجوديا، وعلى هذا فيحتاج إلى تأويل فى عبارة المطول؛ بأن تجعل على حذف مضاف، أى شبه تقابل العدم والملكة.
ورد شيخنا الشهاب الملوى فى شرح ألفيته هذا التوجيه بما حاصله: لا نسلم أن الملكة لا تكون إلا أمرا وجوديا، والوصل أمر اعتبارى؛ لأن العدم والملكة من اصطلاحات الحكماء، وهم يقولون بوجود الإضافات، والوصل إضافة بين الجملتين فتأمل
(قوله: إنما تعرف بملكاتها) أى بعد معرفة ملكاتها
(قوله: عطف إلخ) ظاهر تعريفه للفصل والوصل أنهما لا يجريان فى المفردات، وليس كذلك؛ بل الفصل والوصل كما يجريان فى الجمل يجريان فى المفردات، ولا يختصان بالجمل كما يوهمه كلام المصنف، فإن كان بين المفردين جامع وصلتهما، كما إذا كان بينهما تقابل نحو قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (٢) فالوصل لدفع توهم عدم اجتماعهما أو شبه تماثل كما فى قوله:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر
стр. 1198
بعض الجمل على بعض، والفصل تركه) أى: ترك عطفه عليه.
===
وإن لم يكن بينهما جامع فصلتهما كما فى قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (١) وقد يجاب عن المصنف بأن ما ذكره تعريف لنوع من الفصل والوصل، وهو الواقع فى الجمل لا أنه تعريف لحقيقتهما مطلقا.
(قوله: بعض الجمل) أى جنس الجمل، فيشمل العطف الواقع بين جملتين فقط، والواقع بين الجمل المتعددة، كعطف جملتين على جملتين فإنه ربما لا تتناسب جمل أربع مترتبة بحيث تعطف كل واحدة على ما قبلها؛ بل تتناسب الأوليان والأخريان فيعطف فى كل اثنتين أولا، ويعطف الأخريان على الأوليين؛ لأن مجموع الأخريين يناسب مجموع الأوليين، ولو قال المصنف عطف جملة على جملة لم يشمل هذه الصورة، واختار المصنف التعبير ببعض الجمل على الكلام؛ لتدخل الصفة والصلة ونحوهما مما لا يشمله الكلام، بناء على أنه لا بد أن يكون مقصودا لذاته.
(قوله: أى ترك عطفه عليه) أى ترك عطف بعض الجمل على بعض، لا ترك العطف مطلقا، وهذا يفهم منه عرفا وجود ما يمكن أن يعطف، ويعطف عليه، فترك فيه العطف، فلا يرد أن يقال: إن التعريف يشمل ترك العطف فى الجملة الواحدة المبتدأ بها، مع أنه لا يسمى فصلا. قال بعضهم: والمراد بقول المصنف" ترك عطف بعض الجمل على بعض" أى مما شأنها العطف، إذ لا يقال لترك عطف الجملة الحالية على جملة قبلها أنه فصل؛ لأنه ليس من شأن الجملة الحالية العطف على ما قبلها ورد بأنه إن أراد بقوله مما شأنها العطف، أى فى ذلك المحل لزم أن لا يطلق الفصل فى صور كمال الاتصال والانقطاع؛ لعدم الصلاحية فى ذلك المحل، وإن أراد مما شأنها العطف فى نفسها، ولو فى محل آخر ورد أن الجملة الحالية أيضا قابلة للعطف فى نفسها. فلعل الأولى عدم التقييد بهذا القيد، والجملة الحالية لكونها قيدا لما قبلها لم يتقدمها جملة حتى يتحقق بينهما الفصل
стр. 1199
[أحوال الوصل والفصل للاشتراك فى الحكم]:
(فإذا أتت جملة بعد جملة فالأولى: إما أن يكون لها محل من الإعراب، أو لا، وعلى الأول) أى: على تقدير أن يكون للأولى محل من الإعراب (إن قصد ...
===
والوصل، ثم إنه قد تقدم أن الترك مشعر بالقصد لكونه فعلا لا نفى فعل، وهو المناسب للأمور البلاغية؛ لأنها لا تحصل إلا بالقصد، وحينئذ فيشكل على ما مر من أن تقابل الفصل والوصل بمنزلة تقابل العدم والملكة فلعله مبنى على أن الترك ليس فعلا، فتأمل.
[أحوال الوصل والفصل للاشتراك فى الحكم]:
(قوله: فإذا أتت إلخ) رتب على التعريف بيان الأحكام إشارة إلى أن معرفة الحكم بعد معرفة الشىء
(قوله: فالأولى) مراده السابقة عن الآتية ليشمل كثرة الجمل فإن كلا منها سابقة عما بعدها، ولو لم تكن أولى حقيقة بأن لم تسبق غيرها.
(قوله: إما أن يكون لها محل من الإعراب) أى محل ذى الإعراب وهو المفرد أى إما أن تكون واقعة فى محل اسم مفرد بحيث لو صرح به لكان معربا؛ وذلك بأن تكون واقعة فى محل ذى رفع كالخبرية، أو ذى نصب كالمفعولية، أو ذى جر كالمضاف إليها.
وقوله إما أن يكون لها محل أى على تقدير اعتبار العطف عليها، سواء كان المحل ثابتا لها قبل اعتبار العطف كما فى زيد يعطى ويمنع، أو لا كما فى قوله تعالى:
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١) فإنه لو لم يعتبر العطف كان المحل للمجموع لا للأولى؛ لكونها جزء المقول.
(قوله: أو لا) أى كالاستئنافية
(قوله: وعلى الأول إلخ) حاصله أن الأولى إذا كان لها محل من الإعراب، فإن قصد تشريك الثانية للأولى فى حكم الإعراب فإن وجدت جهة جامعة جاز العطف بالواو وبغيرها، وإن لم توجد جهة جامعة فى حكم الإعراب تعين الفصل، فصوره خمسة كلها مأخوذة من كلام المصنف.
стр. 1200
تشريك الثانية لها) أى: للأولى (فى حكمه) أى: حكم الإعراب الذى لها؛ مثل كونها خبر مبتدأ، أو حالا، أو صفة؛ أو نحو ذلك (عطفت) الثانية (عليها) أى: على الأولى؛ ليدل العطف على التشريك المذكور (كالمفرد) فإنه إذا قصد تشريكه لمفرد قبله فى حكم إعرابه من كونه فاعلا، أو مفعولا؛ أو نحو ذلك وجب عطفه عليه.
===
(قوله: تشريك الثانية لها) أى جعل الثانية مشاركة للأولى
(قوله: أى حكم الإعراب) اعلم أن الإعراب عبارة عن الحركات وما ناب عنها على القول بأنه لفظى، والمراد بالحكم هنا الحال الموجب للإعراب مثل كونها خبر المبتدأ فإنه يوجب الرفع، وكونها حالا أو مفعولا فإنه يوجب النصب، وكونها صفة فإنه يوجب الإعراب الذى فى المتبوع، وكونها مضافا إليها فإنه يوجب الخفض فقول الشارح" مثل كونها إلخ" بيان لحكم الإعراب وذكر بعض الأفاضل: أن إضافة حكم للإعراب من إضافة المدلول للدال، أى: الحكم المدلول للإعراب، دلالة المقتضى بالفتح على المقتضى بالكسر، أو من إضافة السبب للمسبب أى الحكم الذى هو سبب إعرابه، وهو ظاهر
(قوله: مثل كونها خبر مبتدأ) نحو: زيد يعطى ويمنع.
(قوله: أو حالا) نحو جاء زيد يعطى ويمنع.
(قوله: أو صفة) نحو مررت برجل يعطى ويمنع.
(قوله: أو نحو ذلك) أى: كالمفعولية، نحو ألم تعلم أنّى أحبّك، وأكرمك.
(قوله: عطفت الثانية عليها) أى بالواو وغيرها، لكن إن كان العطف بالواو فشرط قبوله أن توجد جهة جامعة فقول المصنف بعد فشرط إلخ كالاستدراك على ما قبله.
(قوله: كالمفرد) إنما شبه المصنف عطف الجملة التى لها محل من الإعراب بالمفرد؛ لأن الأصل والغالب فى الجملة التى لها محل من الإعراب أن تكون واقعة فى موضع المفرد، وإنما قلنا الأصل ذلك؛ لأن الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن لها محل من الإعراب، وليست فى محل مفرد.
(قوله: من كونه فاعلا) أى كالذى قبله.
(قوله: أو نحو ذلك) كأن يكون مجرورا بحرف كالذى قبله.
(قوله: وجب عطفه عليه) أى فى الاستعمال الأغلب، وإنما قلنا ذلك؛ لأنهم جوزوا ترك العطف فى الأخبار، وكذا فى الصفات المتعددة مطلقا قصد التشريك، أو لم يقصد وإن وجدت الشركة فى نفس الأمر
стр. 1201
(فشرط كونه) أى: كون عطف الثانية على الأولى (مقبولا بالواو ونحوه أن يكون بينهما) أى: بين الجملتين (جهة جامعة؛ نحو: زيد يكتب ويشعر) لما بين الكتابة والشعر من التناسب الظاهر (أو يعطى ويمنع) لما بين الإعطاء والمنع ...
===
بل هو الأحسن فيها ما لم يكن فيها إيهام التضاد، وإلا كان العطف أحسن، فالقسم الأول كقوله تعالى الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ والثانى كقوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وإنما استحسن العطف عند إيهام التضاد كما فى المثال الثانى؛ ليفهم العطف الجمع، ونفى التناقض وهذا فى المفردات، وأما الجمل فمتى قصد التشريك وجب العطف، والفرق بينهما كون الصفات المفردة كالشىء الواحد من الموصوف؛ لعدم استقلالها، بخلاف الجمل فإنها لاستقلالها لا يدل على تعلقها بما قبلها إلا العطف، وما قيل إن الفرق وجود الإعراب فى المفردات فيدل على التشريك الذى يفيده العطف، فلا يتحتم العطف عند قصد التشريك بخلاف الجمل فإنه ليس فيه إعراب حتى يدل على تشريك فلا بد من العطف ليدل عليه ففيه نظر؛ فإن المفردات قد لا يظهر إعرابها وقد تكون مبنية.
(قوله: فشرط كونه مقبولا إلخ) شرط مبتدأ، وقوله أن يكون خبر، والفاء واقعة فى جواب شرط مقدر أى وإذا أردت بيان شرط قبول العطف فنقول لك شرط كونه إلخ
(قوله: عطفت الثانية على الأولى) أى وكذا عطف مفرد على آخر؛ لأن الحكم فيهما واحد
(قوله: مقبولا) أى فى باب البلاغة
(قوله: بالواو) أى حال كون العطف كائنا بالواو ونحوه.
(قوله: أى بين الجملتين) أى أو المفردين فالجامع لا بد منه فى قبول العطف، حتى فى المفردات نحو الشمس والقمر والسماء والأرض محدثة بخلاف قولك: الشمس، ومرارة الأرنب، ودين المجوس، وألف باذنجانة محدثة.
(قوله: جهة جامعة) أى وصف له خصوص يجمعهما فى العقل، أو الوهم، أو الخيال، ويقرب أحدهما من الآخر، ولا يكفى مطلق ما يجتمعان فيه؛ لأن كل شيئين لا بد من اجتماعهما فى شىء حتى الضب والنون فإنهما يجتمعان فى الحيوانية، وعدم الطائرية مثلا، ولا يكفى فى قبول عطفهما حتى يراعى ما هو أخص كالضدية بينهما، وسيأتى تحقيق ذلك إن شاء الله
(قوله: لما بين الكتابة إلخ) أى: وإنما كان فى هذا المثال
стр. 1202
من التضاد، بخلاف نحو: زيد يكتب ويمنع، أو يعطى ويشعر، وذلك لئلا يكون الجمع بينهما كالجمع بين الضب والنون.
وقوله: [ونحوه] أراد به ما يدل على التشريك؛ كالفاء، وثم، وحتى؛ وذكره حشو مفسد؛ ...
===
جهة جامعة لما بين الكتابة والشعر من التناسب الظاهر؛ وذلك لأن كلا منهما إنشاء كلام لأن المراد بالكتابة فى هذا المقام إنشاء النثر، كما أن الشعر إنشاء النظم، والتناسب المذكور أمر يوجب اجتماعهما فى المفكرة عند أربابهما، وحينئذ فيكون الجامع بين المسندين فى المثال المذكور خياليا، وأما الجامع بين المسند إليهما فعقلى كما يعلم مما يأتى
(قوله: من التضاد) أى الموجب للتلازم خطورا بالبال إذ ضد الشىء أقرب خطورا بالبال عند خطوره فهما متناسبان، والتناسب أمر يوجب جمعهما فى المفكرة فيكون الجامع خياليا، وذكر المصنف مثال العطف فى الجمل عند وجود الجامع، وترك مثال عطف المفرد على مثله عند وجود الجهة الجامعة بينهما، ومثاله: جاء زيد وابنه وتكلم عمرو وأبوه، فالجهة الجامعة بين زيد وابنه وعمرو وأبيه التضايف وهو أمر يوجب اجتماعهما فى المفكرة، وحينئذ فيكون الجامع بينهما خياليا
(قوله: بخلاف نحو زيد يكتب ويمنع إلخ) هذا بالنسبة للجمل؛ وبخلاف ما لو قيل فى المفردين: جاءنى زيد وحمار أو زيد وعمرو، حيث لا صداقة بينهما ولا عداوة فإنه لا يقبل
(قوله: وذلك) أى ووجه ذلك أى اشتراط الجهة الجامعة
(قوله: لئلا يكون الجمع بينهما) أى عند انتفاء الجهة الجامعة
(قوله: كالجمع بين الضب والنون) فى عدم التناسب؛ لأن النون وهو الحوت حيوان بحرى لا يعيش إلا فى الماء والضب حيوان برى لا يشرب الماء، وإذا عطش روى بالريح، فلا مناسبة بينهما
(قوله: ما يدل على التشريك) أى: فى الحكم
(قوله: وحتى) أى بناء على أنه يعطف بها الجمل كما فى قولك فعلت معه كل ما أقدر عليه حتى خدمته بنفسى أو مطلقا؛ لأن الشرط يعبر فى المفردات أيضا.
(قوله: وذكره حشو إلخ) هذا الاعتراض إنما جاء من جعل قوله" ونحوه" عطفا على قوله" بالواو" وهو غير متعين لجواز أن يكون عطفا على مقبولا فيكون التقدير،
стр. 1203
لأن هذا الحكم مختص بالواو؛ لأن لكل من الفاء، وثم، وحتى معنى محصلا غير التشريك والجمعية، فإن تحقق هذا المعنى حسن العطف، وإن لم توجد جهة جامعة بخلاف الواو.
===
وشرط كونه مقبولا، وكونه نحو المقبول، والمراد بنحو المقبول على هذا ألّا يبلغ النهاية فى القبول بأن يكون مستحسنا فقط، كذا قيل وفيه نظر؛ لأن المقبول يشمل المستحسن والكامل، والأحسن أن يجعل قوله" ونحوه" عطفا على الضمير فى" كونه" والتقدير:
وشرط كون نحوه مقبولا ويكون الضمير فى نحوه عائدا على العطف بين الجملتين، ونحو ذلك العطف هو العطف بين المفردين فيكون إشارة لما قلناه من العطف فى المفردات، أو يجعل عطفا على قوله" بالواو" ويراد بنحو الواو ما يستعمل مرادفا لها مجازا، كأو والفاء فى بعض الصور، لا ما يدل على التشريك وحينئذ فلا يكون قوله ونحوه حشوا مفسدا
(قوله: لأن هذا الحكم) أى الشرط ولو عبر به كان أولى
(قوله: محصلا) بفتح الصاد أى حصله الواضع ووضع له هذه الحروف، وذلك كالترتيب مع التعقيب بالنسبة للفاء، والترتيب مع التراخى بالنسبة لثم، وترتيب الأجزاء فى الذهن بالنسبة لحتى
(قوله: غير التشريك) أى زائدا عليه.
والمراد بالتشريك: التشريك فى حكم الإعراب، وبالجمعية الاجتماع فى المقتضى للإعراب وحينئذ فالعطف مرادف، والحاصل أن التشريك فى حكم الإعراب موجود فى جميع حروف العطف، لكن ثم والفاء وحتى لها معان أخر غير التشريك
(قوله: فإن تحقق هذا المعنى) أى: وقصد التشريك
(قوله: وإن لم توجد جهة جامعة) أى: أمر يجمعهما فى العقل أو فى الوهم أو فى الخيال، ويقرب أحدهما من الآخر أى غير التشريك، إذ هو لازم لكل عطف بأى حرف كان
(قوله: بخلاف الواو) أى: فإنه لا يحسن العطف بها إلا إذا وجدت الجهة الجامعة بين المسند إليهما والمسندين فى الجملتين، ولا يكفى لصحة العطف مجرد تحقق الجامع بين المسندين فقط أو المسند إليهما فقط كما صرح به الشارح آخر بحث الجامع، لكن المستفاد من كلام العلامة السيد أن مجرد الاتحاد أو التناسب فى الغرض المصوغ له الجملة يكفى لصحة العطف سواء اتحد المسند
стр. 1204
(ولهذا) أى: ولأنه لا بد فى الواو من جهة جامعة (عيب على أبى تمام قوله:
لا والّذى هو عالم، أن النّوى ... صبر وأنّ أبا الحسين كريم) (١)
إذ لا مناسبة بين كرم أبى الحسين، ومرارة النوى، فهذا العطف غير مقبول؛ سواء جعل عطف مفرد على مفرد؛ كما هو الظاهر، أو عطف جملة على جملة باعتبار وقوعه موقع مفعولى عالم؛ ...
===
إليه فيهما أم لا وسواء اتحد المسند فيهما أم لا فتأمل.
(قوله: أى ولأنه لا بد فى الواو) أى فى قبول العطف بالواو كان العطف بها فى الجملة التى لها محل من الإعراب أو فى المفرد
(قوله: عيب على أبى تمام) أى نسب إليه العيب
(قوله: قوله) أى من القصيدة التى مدح بها أبا الحسين محمد بن الهيثم ومطلعها:
أسقى طلولهم أجشّ هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم
جادت معاهدهم بعهد سحابة ... ما عهدها عند الدّيار ذميم
سفه الفراق عليك يوم تحملوا ... وبما أراه وهو عنك حليم
ظلمتك ظالمة البرىء ظلوم ... والظلم من ذى قدرة مذموم
زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... عنها طلال باللوى ورسوم
لا والذى هو عالم أنّ النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم
ما حلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسى على إلف سواك تحوم
(قوله: أن النوى صبر) النوى بالقصر الفراق، ثم يحتمل أن الشاعر أراد نواه أو أراد نوى غيره أو ما هو أعم، والصبر بكسر الباء الدواء المر، وهو المراد هنا وحينئذ فالكلام من باب التشبيه البليغ بحذف الكاف، أى أن فراق الأحبة كالصبر فى المرارة، وأما الصبر بسكون الباء فهو تحمل المكاره والمشاق
(قوله: إذ لا مناسبة إلخ) علة للمعلل مع علته
(قوله: فهذا العطف) أى: فى قوله وأن أبا الحسين كريم
(قوله: كما هو الظاهر) أى: لأن أن تؤول مع خبرها بمفرد مضاف لاسمها
(قوله: باعتبار وقوعه موقع مفعولى عالم) أى وسده مسدهما، والمفعولان أصلهما المبتدأ والخبر، وعلى هذا يكون فى
стр. 1205
لأن وجود الجامع شرط فى الصورتين.
[الفصل لعدم الاشتراك فى الحكم]:
وقوله: [لا] نفى لما ادعته الحبيبة عليه من اندراس هواه؛ بدلالة البيت السابق ...
===
تأويل عطف الجملة على أخرى باعتبار الأصل
(قوله: لأن وجود إلخ) هذا تعليل للتعميم أى وإنما عيب عليه سواء كان العطف من قبيل عطف المفرد أو الجملة؛ لأن وجود الجامع شرط فى الصورتين أى شرط فى قبول العطف فى الصورتين، وهما عطف المفرد وعطف الجملة، يعنى ولا جامع هنا بين المتعاطفين، وقد انتصر بعض الناس لأبى تمام فقال الجامع: خيالى لتفاوتهما فى خيالى أبى تمام، أو وهمى وهو ما بينهما من شبه التضاد؛ لأن مرارة النوى كالضد لحلاوة الكرم؛ لأن كرم أبى الحسين حلو، ويدفع بسببه ألم احتياج السائل والصبر مر، ويدفع به بعض الآلام أو التناسب؛ لأن كلّا دواء فالصبر: دواء العليل، والكرم دواء الفقير. وكل هذه تكلفات باردة إذ المعتبر المناسبة الظاهرة القريبة فإن قلت حيث كان بين المتعاطفين هنا مناسبة؛ وإن كانت بعيدة كيف يصح نفى الشارح للمناسبة من أصلها بقوله: إذ لا مناسبة بين كرم أبى الحسين ومرارة النوى؟ قلت مراده نفى المناسبة الظاهرة لا مطلقا ففى كلامة حذف الصفة أى إذ لا مناسبة ظاهرة بين كرم إلخ فلا ينافى أن هناك مناسبة خفية بعيدة، كذا قرر شيخنا العلامة العدوى.
[الفصل لعدم الاشتراك فى الحكم]:
(قوله: وقوله لا) أى وقول أبى تمام فى أول البيت لا فلا مقول القول فى محل نصب، وقوله نفى خبر المبتدأ الذى هو قوله
(قوله: من اندراس هواه) أى وده ومحبته، وهذا بيان لما ادعته
(قوله: بدلالة إلخ) متعلق بنفى أى إنما كان نفيا لما ادعته، بسبب دلالة البيت السابق وهو قوله:
زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... عنها طلال باللوى ورسوم
فاعل زعمت الحبيبة، وهواك: مفعول أول، والخطاب للذات التى جردها من نفسه، أو أنه التفت من التكلم للخطاب، وجملة عفا: مفعول ثان بمعنى اندرس، والغداة
стр. 1206
(وإلا) أى: وإن لم يقصد تشريك الثانية للأولى فى حكم إعرابها (فصلت) الثانية (عنها) لئلا يلزم من العطف التشريك الذى ليس بمقصود (نحو: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ ...
===
ظرف لعفا، وعنها بمعنى منها أى من الديار حال من طلال مقدمة عليه، والطلال بكسر الطاء: جمع طلل كجبل وجبال ما شخص من آثار الديار وهو فاعل عفا الثانى، واللوى بالقصر: اسم موضع والباء فيه بمعنى فى، والرسوم بضم الراء جمع رسم كفلوس جمع فلس ما التصق بالأرض من آثار الديار، وهو عطف على طلال وجواب القسم فى البيت الذى ذكره المصنف قوله بعد:
ما حلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسى على إلف سواك تحوم
السنن الطريقة، والألف: المألوف وهو متعلق بتحوم وغدت بمعنى صارت وتحوم أى تدور وتطوف خبر غدت.
ومعنى هذه الأبيات الثلاثة: زعمت الحبيبة أن هواك يا أبا تمام قد اندرس كما اندرس آثار ديارها التى بهذا الموضوع، فقلت لها: ليس الأمر كذلك وأقسم بالله الذى هو عالم بأن الفراق مر المذاق، وأن أبا الحسين الممدوح كريم ما بعدت عن طريق المحبة، ولا صارت نفسى تلتفت إلى غيرك
(قوله: وإلا فصلت) أى: وجوبا وظاهره كان بينهما جهة جامعة أم لا، والمراد بوجوب الفصل ترك العطف لا ترك الحرف الذى قد يكون عاطفا إذ لا مانع من الإتيان بالواو على أنها للاستئناف فإنها تكون له، وكان ينبغى للمصنف أن يقول" وإلا لم تعطف" لمناسبة قوله سابقا" عطفت عليها" أو يبدل قوله سابقا" عطفت" بوصلت لمناسبة قوله هنا" فصلت"
(قوله: فى حكم إعرابها) أى فى موجبه
(قوله: لئلا يلزم إلخ) أى لأن عطف الشىء على الشىء بالواو وشبهها يوجب التشريك فى الحكم فإذا لم يقصد وجب تركه، لاقتضائه خلاف المراد
(قوله: الذى ليس بمقصود) أى لأن القصد الاستئناف
(قوله: وَإِذا خَلَوْا إلخ) ضمن خلوا معنى أفضوا فعدى بإلى، وإلا فكان حقه التعدية بالباء، أى وإذا أفضى المنافقون إلى شياطينهم من الكافرين فى خلوة عن أصحاب محمد ﷺ ، أو أن قوله: إلى شياطينهم
стр. 1207
قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (١) لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على إِنَّا مَعَكُمْ؛ لأنه ليس من مقولهم فلو عطف عليه لزم تشريكه له فى كونه مفعول قالُوا فيلزم أن يكون مقول قول المنافقين؛ وليس كذلك، وإنما قال: على إِنَّا مَعَكُمْ دون إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ؛ لأن قوله:
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بيان لقوله: إِنَّا مَعَكُمْ ...
===
متعلق بمحذوف أى وإذا خلا المنافقون من المؤمنين ورجعوا إلى شياطينهم أى رءوسائهم من الكافرين كذا قرر شيخنا العدوى
(قوله: قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) أى بقلوبنا من حيث الثبات على الكفر وعداوة المسلمين
(قوله: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) أى بالمسلمين فيما نظهر لهم من المداراة
(قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) أى يجازيهم بالطرد من رحمته فى مقابلة استهزائهم بالمؤمنين، ودين الإسلام، ففى الكلام مشاكلة، وإلا فالاستهزاء مستحيل على الله (قوله على: إِنَّا مَعَكُمْ) أى الذى هو محكى بالقول وقضيته أن إنا معكم وحده له محل من الإعراب؛ لأن الكلام فى العطف على ما له محل مع أنه جزء المقول، فقضية كلامه أن جزء المقول له محل وسيأتى للشارح كلام يتعلق بذلك عند قوله: (وقال رائدهم أرسوا نزاولها) وكلام السيد فيما يأتى يشعر بأن له محلا ويحتمل أن مراد المصنف على إِنَّا مَعَكُمْ إلخ هذا وجعل إِنَّا مَعَكُمْ له محل، أو ليس له محل إنما هو بالنظر للحكاية، لا بالنظر للمحكى؛ لأن جملة إِنَّا مَعَكُمْ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وجملة إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ تابعة لها فلا محل لها أيضا
(قوله: لأنه) أى لأن قوله الله يستهزئ بهم
(قوله: ليس من مقولهم) أى: حتى يعطف على مقولهم، بل من مقول الله ،
(قوله: فيلزم أن يكون) أى: الله يستهزئ بهم
(قوله: وليس كذلك) أى ليس الواقع ذلك أى كونه مقولا لهم، ويصح أن يكون الضمير فى ليس للكون، والإشارة للواقع ونفس الأمر، والكاف زائدة على كلا الاحتمالين
(قوله: وإنما قال إلخ) أى وإنما قال المصنف لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على إِنَّا مَعَكُمْ ولم يقل لم يعطفه على إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ.
(قوله: بيان لقوله إنا معكم إلخ)
стр. 1208
.
===
فيه نظر؛ لأن عطف البيان فى الجمل لا بد فيه من وجود الإبهام الواضح فى الجملة الأولى كما سيأتى فى قول المصنف أو بيانا لها لخفائها، ولم يوجد هنا فى الجملة الأولى إبهام واضح، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أن جملة إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ تأكيد للجملة الأولى، أو بدل اشتمال منها، أو مستأنفة استئنافا بيانيا، ووجه الأولى أن الاستهزاء بالإسلام يستلزم نفيه، ونفيه يستلزم الثبات على الضلال الذى هو الكفر، وهو معنى قوله إِنَّا مَعَكُمْ ووجه الثانى: - وهو كون الثانية بدل اشتمال- أن الثبات على الكفر يستلزم تحقير الإسلام والاستهزاء به فبينهما تعلق وارتباط. ووجه الثالث: أن الجملة الثانية واقعة فى جواب سؤال مقدر تقديره إذا كنتم معنا فما بالكم تقرون لأصحاب محمد بتعظيم دينهم وباتباعه فقالوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ وليس ما ترونه منا باطنيا.
فعلى هذا الاحتمال لو عطف عليها أيضا قوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ كانت الجملة مقولا لهم؛ لأن الجملة الاستئنافية لا تكون إلا مقولة لقائل المستأنف عنها.
وأجيب بأن مراد الشارح بالبيان البيان اللغوى وهو الإيضاح لا الاصطلاحى ولا شك أن كلا من التأكيد، وبدل الاشتمال، والاستئناف يحصل به البيان المذكور، وأما التأكيد: فلأن فيه رفع توهم التجوز أو السهو والبدل فيه بيان المشتمل عليه بالصراحة. والاستئناف: فيه بيان المسئول عنه المقدر كذا ذكر أرباب الحواشى لكن كلام الشارح فى شرح المفتاح يقتضى أن المراد بالبيان هنا الاصطلاحى؛ وذلك لأنه قال الفرق بين الجمل الثلاث: أن فى الجملة البدلية استئناف القصة، ومزيد الاعتناء بالشأن، وفى الجملة البيانية مجرد إزالة الخفاء، وفى الجملة المؤكدة إزالة توهم التجوز أو السهو أو الغفلة، فنقول إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ إن اعتبر أنه باعتبار لازمه يقرر الثبات على اليهودية تكون مؤكدة، وإن اعتبر اشتماله على أمر زائد على الثبات على اليهودية، وهو تحقير الإسلام وتعظيم الكفر فيكون الاعتناء بشأنه أزيد تكون بدلا؛ لكونها وافية بتمام المراد دون الأولى، وإن اعتبر مجرد إزالة الخفاء عن المعية، وأن المراد منها المعية فى القلب لا فى الظاهر تكون عطف بيان، وإن اعتبر السؤال مقدرا كانت
стр. 1209
فحكمه حكمه، وأيضا العطف على المتبوع هو الأصل.
[الوصل بغير الواو من حروف العطف]:
(وعلى الثانى) أى: على تقدير أن لا يكون للأولى محل من الإعراب ...
===
استئنافا اه فما قيل إن الشارح أراد بالبيان الإيضاح فيعم التوكيد والبيان يأبى عنه كلامه فى شرح المفتاح.
(قوله: فحكمه حكمه) أى فالعطف على الثانية كالعطف على الأولى فى لزوم المحذور المذكور؛ لأن كلا منهما من مقول المنافقين، فاستغنى بالنص على عدم صحة العطف على الأولى عن النص على عدم صحته على الثانية ولا يقال حيث كان حكمهما واحدا فهلا عكس؛ لأن نقول: المتبوع أولى بالالتفات إليه؛ لأن العطف عليه هو الأصل فقول الشارح، وأيضا كان الأولى أن يقول" لكن العطف على المتبوع هو الأصل" ويحذف أيضا وذكر الشيخ يس أن قوله أيضا اعتذار ثان وحاصله أنه إنما نص على نفى العطف على الأولى دون الثانية؛ لأن الثانية تابعة للأولى والعطف المتبوع هو الأصل فيكون نفيه هو الأصل، وإن كان حكم التابع فى العطف عليه حكم المتبوع فى لزوم المحذور المذكور تأمل قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى
(قوله: هو الأصل) أى الراجح فلا يعدل عنه من غير ضرورة.
[الوصل بغير الواو من حروف العطف]:
(قوله: وعلى الثانى إلخ) حاصل ما ذكره المصنف أنه إذا لم يكن للأولى محل من الإعراب فإن لم يقصد ربط الثانية بالأولى، بأن لا يراد اجتماعهما فى الحصول الخارجى، فالفصل متعين فى الأحوال الستة الآتية وإن قصد ربطها بها، فإن كان الربط على معنى عاطف سوى الواو بأن كان معنى ذلك العاطف متحققا ومقصودا وجب العطف بذلك الغير فى الأحوال الستة، وإن كان الربط على معنى عاطف هو الواو، فإن كان للأولى قيد لم يقصد إعطاؤه للثانية، فالفصل متعين فى الأحوال الستة، وإن لم يكن للأولى قيد أصلا أو لها قيد وقصد إعطاؤه للثانية فالفصل متعين إن كان بين الجملتين كمال الانقطاع بلا إيهام، أو كمال الاتصال، أو شبه أحدهما، أو التوسط بين الكمالين،
стр. 1210
(إن قصد ربطها بها) أى: ربط الثانية بالأولى (على معنى عاطف سوى الواو- عطفت) الثانية على الأولى (به) أى: بذلك العاطف من غير اشتراط أمر آخر (نحو: دخل زيد فخرج عمرو، أو: ثم خرج عمرو؛ إذا قصد التعقيب أو المهلة) ...
===
وصعوبة هذا الباب ليست من جهة تعداد هذه الصور، بل من جهة استخراج الجهة الجامعة فى الحالتين الأخيرتين المتعين فيهما الوصل، أعنى كمال الانقطاع مع الإيهام والتوسط بين الكمالين.
(قوله: إن قصد ربطها بها) إنما لم يقل إن قصد تشريك الثانية لها فى معنى عاطف غير الواو مع أنه الأنسب بقوله فى القسم الأول إن قصد تشريك الثانية لها فى حكمه نظرا لكون الجملة الأولى فى القسم الأول لها إعراب فناسب أن يعبر بالتشريك فى جانبها، ولما لم يكن للأولى هنا إعراب عبر بقصد الربط، أى ربطها ربطا يفيد فائدة تحصل من حرف العطف غير الواو
(قوله: على معنى إلخ) أى: ربطا كائنا على معنى إلخ.
(قوله: سوى الواو) أى كالفاء وثم
(قوله: من غير اشتراط أمر آخر) أى لصحة العطف، وذلك كالجهة الجامعة لهما فى العقل، أو فى الوهم، أو فى الخيال، وظاهره أنه إذا لم يكن للأولى محل من الإعراب يجب العطف بغير الواو عند تحقق معناه، وإرادته مطلقا، أى فى الأحوال الستة الآتية.
وسواء كان للأولى قيد قصد إعطاؤه للثانية أو قصد عدم إعطائه لها، أو لم يكن لها قيد أصلا وهو كذلك، فالأولى نحو قولك: جاء زيد راكبا فذهب عمرو وقصدت فذهب راكبا، والثانى إذا قصدت فذهب ماشيا والثالث كمثال المصنف
(قوله: إذا قصد التعقيب) راجع للعطف بالفاء.
(قوله: أو المهلة) أى أو قصد المهلة، وهذا راجع للعطف بثم ولو قال الشارح إذا قصد الترتيب بلا مهلة، أو الترتيب بمهلة كان أحسن، وهذا أصلهما، وقد تكون الفاء للتعقيب الذكرى كقوله تعالى: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (١).
стр. 1211
وذلك لأن ما سوى الواو من حروف العطف يفيد مع الاشتراك معانى محصلة مفصلة فى علم النحو، فإذا عطفت الثانية على الأولى بذلك العاطف ...
===
ومن التعقيب المذكور: عطف المفصل على المجمل كما فى قوله تعالى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (١) أما وجهه فى الأول: فهو أن ذكر الشىء يناسبه إجراء مدحه أو ذمه، سواء كان حكم مدحه أو ذمه متقدما فى نفس الأمر أو متأخرا. وأما وجهه فى الثانى. فلأن تفصيل الشىء يناسب بعد إجماله ولو اقترن الحكمان، وكذا ثم قد تكون لاستبعاد مضمون ما بعدها عما قبلها، ولو اقترن مضمونهما، كما فى قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (٢) فإن الاستغفار أى طلب المغفرة مقارن للتوبة التى هى الانقطاع إلى أمر الله بترك المعصية، وربما سبقت التوبة على الاستغفار فعطفت التوبة على الاستغفار بثم إشارة إلى أن الانقطاع إلى الله بالمعنى المذكور أعلى من الاستغفار باللسان، وقد تكون لمجرد التدرج فى مدارج الكمال، وبيان الحال الذى هو أولى من ذلك الكمال بالتقديم كقوله:
إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه ... ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه
فإن سيادة الجد والأب سابقتان لكن أتى بثم إشارة لتدرج الممدوح فى مدارج الكمال مع بيان الأولى منها بالتقديم؛ لأن الأولى بالإنسان سيادته ثم تليه سيادة أبيه ولو كان الكل مدحا له
(قوله: وذلك) أى وسبب ذلك، أعنى عدم الاشتراط لأمر آخر لصحة العطف بغير الواو.
(قوله: مع الاشتراك) أى مع التشريك فى الحصول الخارجى
(قوله: محصلة) أى: حصلها الواضع ووضعها بإزائها مفصلة فى علم النحو، فإذا وجد معنى منها كان كافيا فى صحة العطف بالحرف الدال عليه وإن لم توجد جهة جامعة، وقد علمت المعنى المحصل للفاء وثم وهو: التعقيب فى الأول، والمهلة فى الثانى، فهما وإن شاركا الواو فى مطلق الجمع لكن لكل منهما معنى خاص به هو ما ذكرناه.
стр. 1212
ظهرت الفائدة؛ أعنى: حصول معانى هذه الحروف، بخلاف الواو فإنه لا يفيد إلا مجرد الاشتراك، ...
===
وأما" حتى" فإن قلنا إنها لا تعطف إلا المفردات فهى فيها لعطف الجزء على الكل، ولا يكون ذلك الجزء إلا غاية فى الرفعة، " كمات الناس حتى الأنبياء" أو فى الدناءة" كرزق الناس حتى الكافرون" وهذا المعنى أخص من مطلق الاجتماع فى الحكم فهو كاف فيها، فلا يطلب جامع آخر، وإن قلنا إنها يعطف بها الجمل أيضا، فمضمون الجملة المعطوفة يجب أن يوجد فيه ما روعى فى المفرد، فيكفى فى الإفادة، وذلك واضح.
وأما" لا" فهى لنفى الحكم عما بعدها ولا يكون إلا مفردا، أو بمنزلته، فإذا قلت" جاء زيد لا عمرو" أفاد نفى المجىء الثابت لزيد عن عمرو، وذلك كاف فى حسن الكلام وانتظامه، فلا يطلب فيه شىء آخر بشهادة الاستعمال والذوق.
وأما" أو" و" إما" التى بمعناها عند مصاحبة الواو فمعانيهما المعلومة كافية فى الإفادة من الشك، والإبهام، والتخيير، والتقسيم، والإباحة سواء فى ذلك الجمل، والمفردات؛ لأن المعنى المراعى فيهما واحد فى الأمرين، وإذا استعملت" أو" مثلا للإضراب فهى لاستئناف كلام آخر، لا عاطفة كما فى قوله تعالى كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (١) فتخرج عن هذا الباب.
وأما" لكن" فهى لإثبات الضد وذلك كاف فى الحسن كما تقدم فى" لا" وكذا" بل" حيث كانت عاطفة فهى فى الجمل لتقرير مضمونها وفى المفردات لتقرير الحكم بعد الإثبات والأمر ولإثبات الضد بعد النفى والنهى وذلك كاف بشهادة الاستعمال والذوق.
(قوله: ظهرت الفائدة) أى ولا يتوقف ظهورها على شىء آخر، حتى أنه يشترط لصحة العطف
(قوله: إلا مجرد الاشتراك) أى اشتراك المتعاطفين فى موجب
стр. 1213
وهذا إنما يظهر فيما له حكم إعرابى، وأما فى غيره ففيه خفاء وإشكال؛ ...
===
الإعراب، أو فى التحقق فى الحصول فى الخارج، وإضافة مجرد للاشتراك من إضافة الصفة للموصوف، أى: الاشتراك المجرد عن المعانى المحصلة لغيرها.
(قوله: وهذا) أى إفادة الواو للاشتراك إنما يظهر فيما له حكم إعرابى كالمفردات، والجمل التى لها محل، فإذا كان للجملة الأولى محل من الإعراب، ظهر المشترك فيه وهو الأمر الموجب للإعراب، فيصح أن يقال: اشترك الجملتان أو المفردان فى الخبرية، أو فى الحالية مثلا، وحيث ظهر المشترك فيه حصل للعطف بها فائدة، ولا يحتاج لجامع، فإن قلت هذا يقتضى أن العطف بالواو على الجملة التى لها محل من الإعراب لا يفتقر إلى جامع، وقد تقدم ما يخالف ذلك فى قوله" فشرط كونه مقبولا بالواو إلخ".
وقد يجاب بأن المراد بالجامع الغير المفتقر إليه الجامع الذى يحتاج فيه إلى معرفة كمال الانقطاع، وكمال الاتصال، وشبه كل منهما، والتوسط بين الكمالين، وهذا لا ينافى الافتقار لجهة جامعة، أى وصف خاص يجمعهما ويقرب إحداهما من الأخرى فى العقل، أو الوهم، أو الخيال، فقول الشارح: " إنما يظهر فيما له حكم إعرابي" أى وكان هناك جهة جامعة، والحاصل أن الجملة التى لها محل من الإعراب بمنزلة المفرد فلا يحتاج فيها إلا إلى جامع واحد كالمفرد، بخلاف التى لا محل لها فإنه تعتبر نسبتها، وما يتعلق بها من المفردات، فيراعى فى تلك النسبة كمال الانقطاع والاتصال وغيرهما؛ ولهذا خصصوا التفصيل بالجملتين اللتين لا محل لهما، فلو كان ذلك التفصيل جاريا فى القسمين لم يكن وجه لتخصيصه بما لا محل له فتأمل
(قوله: وأما فى غيره) أى: وأما إفادة الواو الاشتراك فى غير ما له حكم إعرابى، وهو ما لا محل له من الإعراب
(قوله: ففيه خفاء) لعدم ظهور المشترك فيه (وقوله: وإشكال) أى دقة من حيث توقفه على الجهة الجامعة المتوقفة على النظر بين الجملتين لما يأتى من الأحوال الستة، وما له حكم إعرابى وإن توقف على الجهة الجامعة أيضا فليس فيه الخفاء والإشكال؛ لأن الجامع فيه لا يحتاج لمعرفة ما يأتى، والحاصل أن الجمل التى لا محل لها من الإعراب يحتاج فى عطفها بالواو إلى جامع مخصوص يكون مشتركا بين الجملتين، جامعا لهما، واستخراج ذلك
стр. 1214
وهو السبب فى صعوبة باب الفصل والوصل حتى حصر بعضهم البلاغة فى معرفة الفصل والوصل.
[الفصل لعدم الاشتراك فى القيد]:
(وإلا) أى: وإن لم يقصد ربط الثانية بالأولى ...
===
الجامع يتوقف على معرفة: هل بين الجملتين كمال الانقطاع أو كمال الاتصال أو شبه كل منهما أو التوسط بينهما؟ فإذا عرف أن بين الجملتين التوسط بين الكمالين أو كمال الانقطاع مع الإيهام، وصل لوجود الجامع بينهما وإلا فلا لعدم وجوده، ولا شك أن معرفة أن بين الجملتين شيئا من هذه الأمور خفية جدا، لا يدركها إلا ذوق سليم، وفهم مستقيم كعلماء المعانى، والحاصل أن المقصود من العطف بالواو فى هذه الحالة- أعنى كون الأولى لا محل لها- النص على اجتماع الجملتين فى الواقع ولا يحسن ذلك إلا إذا كان بين الجملتين جامع وهو التوسط بين الكمالين، أو كمال الانقطاع مع الإيهام، وإلا فلا يحسن لعدم وجود الجامع بينهما حينئذ.
(قوله: وهو) أى ما ذكر من الخفاء والإشكال
(قوله: السبب فى صعوبة باب الفصل والوصل) أى صعوبة معرفة مسائل باب الفصل والوصل.
(قوله: حتى حصر إلخ) غاية للصعوبة، ومراد هذا القائل التنبيه على دقة هذا الباب وصعوبته، وليس مراده الحصر حقيقة، وقال اليعقوبى: معنى الحصر: أن فى قوة مدركه الصلاحية لإدراك ما سواه، والمراد بذلك البعض الحاصر أبو على الفارسى.
[الفصل لعدم الاشتراك فى القيد]:
(قوله: أى وإن لم يقصد ربط الثانية بالأولى على معنى عاطف سوى الواو) هذا صادق بصورتين.
إحداهما ألّا يقصد ربط أصلا؛ وذلك بألّا يراد اجتماعهما فى الحصول الخارجى كما إذا أخبر بجملة ثم تركت فى زوايا الإهمال فأخبر بأخرى، كقولك" زيد قائم" ثم أضربت عنها فقلت" بل عمرو قاعد" وهذه الصورة تعين الفصل فيها ظاهر فى الأحوال الستة الآتية، ولذا لم يتعرض لها فى الجواب.
стр. 1215
على معنى عاطف سوى الواو (فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية- فالفصل) واجب لئلا يلزم من الوصل التشريك فى ذلك الحكم (نحو: إِذا خَلَوْا) ... الآية (لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على: قالُوا؛ لئلا يشاركه فى الاختصاص بالظرف؛ لما مر) من أن تقديم المفعول، ونحوه من الظرف وغيره يفيد الاختصاص، فيلزم أن يكون استهزاء الله بهم مختصا بحال خلوهم إلى شياطينهم؛
===
والأخرى أن يقصد اجتماع حصول مضمونهما خارجا لكن على معنى عاطف هو الواو، وهذه هى التى فيها التفصيل المبين بقوله" فإن كان إلخ" فقوله وإلا شرط وجوابه الشرط الثانى وجوابه، وقد علمت أن هذا الجواب قاصر على الصورة الثانية من الصورتين الداخلتين تحت الشرط الأول ولو قال المصنف" وإلا" بأن لم يقصد ربط أصلا، فالفصل جزما وإن قصد ربط الثانية بالأولى على معنى الواو. فإن كان إلخ لو فى بجواب الصورتين
(قوله: على معنى عاطف) متعلق بمحذوف أى ربطا آتيا على معنى إلخ من إتيان الكلى على الجزئى، أى تحققه فيه؛ لأن معنى غير الواو من حروف العطف رابط.
(قوله: فإن كان للأولى حكم) أى قيد زائد على مفهوم الجملة كالاختصاص بالظرف فى الآية التى مثل بها، والتقييد بحال أو ظرف أو شرط، وليس المراد الحكم الإعرابى؛ لأن الموضوع أن الأولى لا محل لها من الإعراب
(قوله: التشريك فى ذلك الحكم) أى تشريك الثانية للأولى فى ذلك القيد، أى والتشريك فيه نقيض المقصود
(قوله: إِذا خَلَوْا إلخ) هذه الآية قد تقدم ذكرها؛ لبيان وجه امتناع عطف جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على جملة إِنَّا مَعَكُمْ وذكرت هنا لبيان وجه امتناع عطفه على جملة قالوا لمناسبة المحلين إذ المنع هنا بالنسبة لما لا محل له وهو" قالوا" وهناك لما له محل وهو إنا معكم إذ هو معمول لقالوا كما تقدم.
(قوله: لئلا يشاركه إلخ) علة للنفى أى انتفى العطف لئلا يشاركه، أى لتنتفى مشاركة الثانية للأولى فى الاختصاص بالظرف، وهو" إذا" وتوضيح ذلك أن جملة قالوا مقيدة بظرف وهو" إذا" وتقديم الظرف يفيد الاختصاص وحينئذ فالمعنى أنهم، إنما يقولون إِنَّا مَعَكُمْ فى حال خلوهم بشياطينهم لا فى حال وجود أصحاب محمد ولو
стр. 1216
وليس كذلك، فإن قيل: إِذا شرطية لا ظرفية؛ قلنا: إذا الشرطية هى الظرفية استعملت استعمال الشرط؛ ولو سلم ...
===
عطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على جملة" قالوا" للزم أن استهزاء الله بهم مختص بذلك الظرف؛ لإفادة العطف تشريك الجملتين فى الاختصاص به فيكون المعنى لا يستهزئ الله بهم إلا إذا خلوا، كما أنهم لا يقولون إلا إذا خلوا فانتفى العطف لأجل أن تنتفى المشاركة فى الاختصاص بذلك الظرف.
(قوله: وليس كذلك) أى لأن المراد باستهزاء الله بهم مجازاته لهم بالخذلان، واستدراجهم من حيث لا يشعرون، ولا شك أن هذا متصل لا انقطاع له بحال خلوا مع شياطينهم، أم لا؟ ! ثم إن اسم ليس ضمير عائد على مضمون ما قبلها، واسم الإشارة راجع لما فى نفس الأمر وحينئذ فالمعنى، وليس كون الاستهزاء مختصا بحال الخلو مثل ما فى نفس الأمر، إذ الذى فى نفس الأمر دوام استهزاء الله بهم
(قوله: فإن قيل) هذا اعتراض على قول المصنف؛ لئلا يشاركه فى الاختصاص بالظرف
(قوله: إذا شرطية لا ظرفية) أى وحيث كانت شرطية فتقديمها لكونها مستحقة للصدارة لا للتخصيص، وحاصل هذا السؤال أن يقال إنما يكون الاختصاص المذكور فى الكلام إذا كانت" إذا" ظرفا فيلزم من تقديمها على العامل وجود الاختصاص، كتقديم سائر المعمولات.
وأما إذا كانت شرطية فتقديمها لاقتضائها الصدرية فلا يتحقق الاختصاص، وحينئذ فالعطف لا يوجب خلاف المراد لصحة الدوام فى الأول أيضا
(قوله: قلنا إلخ) حاصله أنها وإن كانت شرطية تقديمها مفيد للاختصاص نظرا لأصلها؛ لأن إذا الشرطية هى الظرفية فى الأصل، وإنما توسع فيها باستعمالها شرطية، وحيث كانت فى الأصل ظرفية أفاد تقديمها الاختصاص، ولو كانت شرطية نظرا لأصلها
(قوله: ولو سلم إلخ) أى ولو سلمنا شرطيتها وعدم كون الظرفية أصلا لهما نقول إنها ولو كانت شرطية هى اسم فضلة يحتاج إلى عامل وهو هنا" قالوا" لا الشرط الذى هو" خلوا" إذ ليس المراد قطعا أن لهم وقتا يخلون فيه، وإذا وقعت خلوتهم فى ذلك الوقت نشأ عن ذلك قولهم فى غير الخلوة أيضا؛ لأنهم منافقون وإنما يقولون ما ذكر فى الخلوة على ما هو معلوم من
стр. 1217
فلا ينافى ما ذكرنا؛ لأنه اسم معناه الوقت؛ لا بد له من عامل، وهو: قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ بدلالة المعنى، وإذا قدم متعلق الفعل وعطف فعلا آخر عليه يفهم اختصاص الفعلين به؛ كقولنا: يوم الجمعة سرت وضربت زيدا؛ ...
===
الخارج، وإذا كان معمولا لقالوا، وقد تقدم عليه لشرطيته أفاد بمفهومه أن القول ليس إلا فى وقت الخلوة فيلزم من العطف على" قالوا" كون المعطوف مقيدا بحكم المعطوف عليه بشهادة الذوق.
والفحوى أى الاستعمال فإنك إذا قلت" يوم الجمعة سرت وضربت زيدا" على أن ضربت معطوف على سرت أفادا اختصاص الفعلين بالظرف؛ بخلاف ما إذا أخر المعمول وقيل" سرت يوم الجمعة وضربت زيدا" يدل على اشتراك الفعلين فى الظرف فضلا عن اختصاصهما به، هذا محصل كلام الشارح، وأنت خبير بأن هذا الجواب الثانى محقق لكون تقديم الشرط يفيد الاختصاص؛ نظرا لكونه معمولا كالظرف وهذا الجواب قريب من الجواب الأول، وإنما يفترقان من جهة رعاية أصالة الظرفية له ثم نقل واستعمل شرطا، أو وضع شرطا من أول الأمر، ولكن وقع فيه العمل كالظرف، وهذا التفريق لا تظهر له ثمرة
(قوله: فلا ينافى ما ذكرنا) أى من أن التقديم يفيد الاختصاص
(قوله: لأنه اسم معناه الوقت) أى مع كونه شرطا
(قوله: وهو: قالوا إنا معكم) أى لا الشرط الذى هو خلوا وهذا التعليل لا يظهر إلا على قول الجمهور من أن العامل فى إذا الشرطية جوابها وأما على ما ذهب إليه الرضى وأبو حيان من أن العامل فيها الشرط فلا يتم ما ذكره من الجواب؛ لأن قالوا لم يتقدم عليه معموله حينئذ؛ فلا يتأتى أن يقال" قالوا إنا معكم" تقدم معموله فيؤذن تقدمه بالاختصاص، ولو قال الشارح بدل التعليل الذى ذكره فلا ينافى ما ذكرنا؛ لأن المتعارف فى الخطابيات تقييد الجواب بمضمون إذا مع الشرط كان جاريا على القولين
(قوله: بدلالة المعنى) لأنه ليس المراد أن لهم وقتا يخلون فيه، وإذا وقعت خلوتهم فيه نشأ من ذلك قولهم فى غير الخلوة أيضا؛ لأنهم منافقون وإنما يقولون ما ذكر فى الخلوة على ما هو معلوم من الخارج
(قوله: متعلق الفعل) هو إذا هنا.
стр. 1218
بدلالة الفحوى والذوق (وإلا) عطف على قوله: [فإن كان للأولى حكم]؛ أى:
وإن لم يكن للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية؛ وذلك بأن لا يكون لها حكم زائد على مفهوم الجملة، أو يكون، ولكن قصد إعطاؤه للثانية أيضا (فإن كان بينهما) أى: بين الجملتين (كمال الانقطاع بلا إيهام) أى: بدون أن يكون فى الفصل إيهام خلاف المقصود ...
===
(قوله: بدلالة الفحوى والذوق) متعلق بقوله" يفهم اختصاص الفعلين به" وذلك لأنه ليس طلب أحدهما له بالأولى من الآخر، بخلاف ما إذا أخر المتعلق عن أحدهما وقدم على الآخر فقد صار المتقدم عليه هو المستحق له، فلا دليل ولا قرينة على طلب المتأخر له.
والحاصل أنه قد استفيد من كلام الشارح أن القيد إذا تقدم على المعطوف عليه وجب بحسب الاستعمال اعتباره فى المعطوف أيضا، وإن تأخر عن المعطوف عليه وتقدم على المعطوف صار المتقدم عليه هو المستحق له، قال سم وانظر هل هذا أمر واجب بحسب الاستعمال حتى لا يجوز خلافه؟ وفى حاشية الشارح على الكشاف فى عطف المفردات: أن القيد إذا تقدم على المعطوف عليه واجب بحسب الاستعمال اعتباره فى المعطوف، نحو" جاءنى يوم الجمعة" أو راكبا زيد وعمرو، ولا يجوز فى الاستعمال خلافه، بخلاف ما إذا تأخر عن المعطوف عليه، فإنه لا يجب أن يكون معتبرا فى المعطوف، فهل عطف الجمل الذى الكلام هنا فيه كذلك محل تردد؟ انتهى كلامه.
(قوله: وذلك) أى النفى المذكور بصوره
(قوله: بأن لا يكون لها) أى للجملة الأولى، وقوله حكم أى قيد زائد على مفهومها أى كما فى قولك: " قام زيد وأكل عمرو" ثم إن المراد لم يكن للجملة الأولى حكم زائد على مفهومها يمكن إعطاؤه للثانية فلا يرد أن كل جملة تقع فى كلام البلغاء لها حكم زائد على أصل المراد، أفاده المولى عبد الحكيم
(قوله: أو يكون) أى للجملة الأولى حكم وقوله قصد إعطاؤه للثانية أيضا، أى كما أعطى للأولى وذلك كقولك" بالأمس خرج زيد ودخل صديقه"
(قوله: أى بدون أن يكون إلخ) بمعنى أن الجملتين إذا فصلتا لم يحصل فيهما إيهام خلاف المراد، بل
стр. 1219
(أو كمال الاتصال، أو شبه أحدهما) أى: أحد الكمالين (فكذلك) أى: يتعين الفصل؛ ...
===
يظهر المراد مع الفصل ولا يظهر مع الوصل
(قوله: أو كمال الاتصال) فيه أنه يمكن اعتبار الإيهام مع كمال الاتصال، كما يمكن اعتباره مع كمال الانقطاع، والوجه فيه حينئذ العطف مثل كمال الانقطاع مع الإيهام فلم لم يعتبر؟ ولم يتعرض له؟ ولم تجعل الأقسام سبعة مثل إذا سئلت" هل تشرب خمرا؟ " فقلت لا تركت شربه، يكون قولك تركت شربه تأكيدا للنفى السابق، ولو لم يؤت بالواو لتوهم تعلق النفى بالترك كما فى قولك: " لا وأيدك الله" كذا فى الفنرى، ومثل ذلك أيضا قولك لمن قال ما مدحت" لا مدحت" فإن" لا" لنفى نفى المدح فتفيد إثباته، فتكون جملة مدحت تأكيدا للنفى السابق فلو لم يؤت بالواو لتوهم تعلق النفى بالمدح، وأن المراد الدعاء بنفى المدح، بمعنى لا جعلت ممدوحا مع أن الغرض إثباته وأجاب بعضهم: بأنه يمكن أن المصنف حذف قوله بلا إيهام من كمال الاتصال؛ لدلالة ذكره مع ما قبله عليه، وعلى هذا فقول المصنف بعد" وإلا وصلت" دخل تحته ثلاثة أشياء: كمال الانقطاع مع الإيهام، وكمال الاتصال كذلك، والتوسط بين الكمالين. لكن هذا الجواب يبعده عدم تعرض المصنف فيما يأتى لتفسيره كمال الاتصال مع الإيهام كما تعرض لكمال الانقطاع بقسميه.
تأمل. والذى ذكره العلامة عبد الحكيم: تعين الفصل فى كمال الاتصال وإن كان فيه إيهام، خلاف المقصود؛ وذلك لانتفاء مصحح العطف وهو المغايرة، ويدفع الإيهام بطريق آخر فيقال فى" لا تركت شربه" مثلا" لا قد تركت شربه" بخلاف كمال الانقطاع، فإن المصحح للعطف وهو المغايرة متحقق فيه، والتباين بينهما المنافى لكون العطف مقبولا بالواو مقبول لدفع الإيهام ا. هـ
(قوله: فكذلك) هذا جواب الشرط قبله، والشرط وجوابه جواب الشرط الأول
(قوله: أى يتعين الفصل) يعنى فى هذه الأحوال الأربعة، أما فى الحالة الأولى، وهى أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع؛ فلأن العطف بالواو يقتضى كمال المناسبة بينهما والمناسبة تنافى كمال الانقطاع، وأما فى الحالة الثانية وهى ما إذا كان بينهما
стр. 1220
لأن الوصل يقتضى مغايرة ومناسبة (وإلا) أى: وإن لم يكن بينهما كمال الانقطاع بلا إيهام، ولا كمال الاتصال، ...
===
كمال الاتصال؛ فلأن العطف فيها لشدة المناسبة بين الجملتين بمنزلة عطف الشىء على نفسه ولا معنى له ضرورة، ولا يقال: إن هذا يقتضى أنه لا يصح، أو لا يحسن العطف التفسيرى بالواو فى المفرد مع أنه شائع حسن؛ لأنا نقول حسنه ممنوع عند البلغاء وشيوعه إنما هو فى عبارات المصنفين لا فى كلامهم، أو يقال إن الواو فى العطف التفسيرى غير مستعملة فى العطف، بل هى مستعارة لمعنى حرف التفسير، وأما فى الحالة الثالثة والرابعة وهما شبه كمال الانقطاع وشبه كمال الاتصال فظاهر مما ذكرنا فى الأولى والثانية؛ لأن شبيه الشىء حكمه حكم ذلك الشىء
(قوله: لأن الوصل يقتضى مغايرة ومناسبة) أى مغايرة من جهة ومناسبة من جهة فباقتضائه المغايرة لا يناسب كمال الاتصال ولا شبهه، وباقتضائه المناسبة لا يناسب كمال الانقطاع ولا شبهه فهى علة موزعة، والحاصل أنه باقتضائه المغايرة تعين الفصل عند وجود كمال الاتصال وشبهه لعدم المناسبة فيهما، فلو عطف بالواو لحصل التنافى بين ما تقتضيه الواو من المناسبة وما بين الجملتين من كمال الاتصال أو شبهه، ولكان بمنزلة عطف الشىء على نفسه وباقتضائه المناسبة تعين الفصل عند وجود كمال الانقطاع وشبهه؛ لعدم المناسبة فيهما فلو عطف بالواو لحصل التنافى بين ما تقتضيه الواو من المناسبة وما بين الجملتين من كمال الانقطاع أو شبهه بقى شىء آخر، وهو أن قول المصنف فكذلك يتعين الفصل فيه إشكال بالنسبة إلى كمال الانقطاع باعتبار إحدى الصورتين الداخلتين تحت قوله" وإلا" وهى ما إذا كان للأولى حكم قصد إعطاؤه للثانية؛ وذلك؛ لأنه يلزم دون فوات المقصود فى هذه الصورة؛ لأنه إذا وجب الفصل مراعاة لكمال الانقطاع فات الحكم الذى قصد إعطاؤه، ولم روعى كمال الانقطاع دون قصد إعطاء الحكم لكن ذكر العلامة عبد الحكيم: أنه فى هذه الحالة يجب مراعاة الأمرين، فيتعين الفصل مراعاة لكمال الانقطاع، ويراعى قصد إعطاء الحكم فيصرح بذلك الحكم مع ترك العاطف، ففى نحو" يأتيك زيد يوم الجمعة أكرمه" يقال أكرمه فيه وحينئذ فلا إشكال.
стр. 1221
ولا شبه أحدهما (فالوصل) متعين لوجود الداعى وعدم المانع.
والحاصل: أن للجملتين اللتين لا محل لهما من الإعراب- ولم يكن للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية (ستة أحوال:
الأول: كمال الانقطاع بلا إيهام.
الثانى: كمال الاتصال.
الثالث: شبه كمال الانقطاع.
الرابع: شبه كمال الاتصال.
الخامس: كمال الانقطاع مع الإيهام.
السادس: التوسط بين الكمالين.
فحكم الأخيرين الوصل، وحكم الأربعة السابقة الفصل.
فأخذ المصنف فى تحقيق الأحوال الستة فقال: ...
===
(قوله: ولا شبه أحدهما) وذلك بأن يكون بينهما كمال الانقطاع مع الإيهام أو التوسط بين الكمالين.
(قوله: فالوصل) أى فالعطف بالواو متعين
(قوله: لوجود الداعى) أى إلى الوصل وهو رفع الإيهام فى كمال الانقطاع، أو وجود شبه أحدهما
(قوله: وعدم المانع) المراد بالمانع أحد الأربعة السابقة، وهى وجود أحد الكمالين مع عدم الإيهام فى كمال الانقطاع، أو وجود شبه أحدهما.
(وقوله: ولم يكن للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية) أى بأن لم يكن للأولى حكم أصلا، أو كان لها حكم وقصد إعطاؤه للثانية
(قوله: فحكم الأخيرين) أى كمال الانقطاع مع الإيهام والتوسط بين الكمالين
(قوله: وحكم الأربعة السابقة) يعنى كمال الانقطاع بلا إيهام، وكمال الاتصال، وشبه كمال الانقطاع شبه كمال الاتصال.
(قوله: فأخذ المصنف إلخ) الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر، أى: وإذا أردت تحقيقها فقد أخذ أى: فنقول لك قد أخذ المصنف فى تحقيقها، أى ذكرها على الوجه الحق.
стр. 1222
[الفصل لكمال الانقطاع]:
(أما كمال الانقطاع) بين الجملتين (فلاختلافهما خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى) بأن تكون إحداهما خبرا لفظا ومعنى، والأخرى إنشاء لفظا ومعنى (نحو:
وقال رائدهم) هو الذى يتقدم القوم لطلب الماء والكلأ (أرسوا) أقيموا؛ من أرسيت السفينة: حبستها بالمرساة ...
===
[الفصل لكمال الانقطاع]:
(قوله: أما كمال الانقطاع) أى الذى يقتضى ترك العطف بالواو؛ لاقتضائها المناسبة المنافية لكمال الانقطاع
(قوله: فلاختلافهما) أى فيتحقق عند الاختلاف المذكور من تحقق الكلى فى الجزئى، فيلاحظ كمال الانقطاع أمرا كليا، والاختلاف المذكور جزئيا له، فاندفع ما يقال: إن كمال الانقطاع هو الاختلاف المذكور لا غيره.
(قوله: خبرا وإنشاء) منصوبان على التمييز، أو على الخبرية للكون المحذوف، أى لاختلافهما فى كون إحداهما خبرا والأخرى إنشاء، وقوله لفظا ومعنى منصوبان على نزع الخافض
(قوله: بأن تكون إحداهما إلخ) قصر الشارح كلام المصنف على صورتين، وهما ما إذا كانت الأولى خبرية لفظا ومعنى والثانية إنشائية لفظا ومعنى، وبالعكس وهذا القصر إنما جاء من جعل قوله لفظا ومعنى راجعا لكل من قوله" خبرا وإنشاء" مع أن مدلول هذه العبارة التى ذكرها المصنف يشمل أربع صور: الصورتين المذكورتين، وما إذا كانت الأولى خبرية لفظا إنشائية معنى، والثانية إنشائية لفظا خبرية معنى، والعكس وحينئذ فلا معنى لتخصيصها باثنين منها كذا ذكر ابن السبكى فى عروس الأفراح
(قوله: نحو وقال رائدهم إلخ) نسبه سيبويه للأخطل، وقال فى شرح الشواهد لم أره فى ديوانه
(قوله: لطلب الماء والكلأ) أى لأجل نزولهم عليه وهذا تفسير للرائد بحسب الأصل والمراد به هنا عريف القوم، أى الشجاع المقدام منهم
(قوله: أى أقيموا) يعنى بهذا المكان المناسب للحرب
(قوله: من أرسيت) أى مأخوذ من أرسيت السفينة: حبستها يعنى فى البحر وقوله: بالمرساة هى بكسر الميم حديدة تلقى فى الماء متصلة بالسفينة فتقف، وأما بفتح الميم فهى البقعة التى ترسى فيها السفينة ويؤخذ من
стр. 1223
(نزاولها) أى: نحاول تلك الحرب ونعالجها.
فكلّ حتف امرئ يجرى بمقدار (١)؛ ...
===
قوله حسبتها أن تفسير الإرساء بالإقامة تفسير باللازم؛ لأن الإقامة لازمة للحبس، ويؤخذ من قوله" من أرسيت": أن الهمزة فى" أرسوا" مفتوحة وهى همزة قطع، وفى شرح الكاشى": أرسوا صيغة أمر لجماعة المخاطبين همزته همزة وصل من رست السفينة رسوا أى وقفت على البحر أو من رست أقدامهم فى البحر ثبتت اه" فإن ثبت ضم العين فى المضارع فالهمزة فى أرسوا مضمومة؛ عملا بالقاعدة فى الأمر من أن همزته مكسورة إلا إذا ضمت عين مضارعه، وإنما فتحت فى نحو: أكرم؛ لأنها ليست همزة وصل، وإنما هى الألف التى كانت فى مضارعه؛ لأن أصله المرفوض يؤكرم فلما حذف حرف المضارعة نطلق بما بعدها متحركا.
(قوله: نزاولها) بالرفع لا بالجزم جوابا للأمر؛ لأن الغرض تعليل الأمر بالإرساء بالمزاولة فكأنه قيل لماذا أمرت بالإرساء؟ فقال نزاولها أى لنزاول أمر الحرب، ولو جزم لانعكس ذلك فيصير الإرساء علة للمزاولة؛ لأن الشرط علة فى الجزاء؛ لأنه سبب له وتقدير الكلام عليه أن وقع الإرساء نزاولها أى إن وقع كان سببا وعلة لمزاولتها؛ لأنه لا يمكن مزاولتها إلا بالإرساء ولا يستقيم كونه بالرفع حالا لئلا يفوت التعليل الذى هو المقصود، وأيضا المراد المزاولة بعد الإرساء، لا الأمر بالإرساء حال المزاولة على أنه لا رابط للحال إلا أن يقال لما كان نزاولها للمتكلم وغيره وهم المخاطبون، ارتبط نزاولها مع واو أرسوا فى المعنى، فيكون حالا مقدرة، من واو أرسوا، وبهذا تعلم ما فى قول" سم" نقلا عن شيخه" عس" نزاولها بالرفع إذا لم يقصد الجزاء، ولو قصد الجزاء صح ووجب الجزم فتأمل (قوله أى نحاول تلك الحرب) أى نحاول أمرها ونعالجه أى نختال لإقامتها بأعمالها
(قوله: فكل حتف إلخ) علة لمحذوف أى ولا تخافوا من الحتف؛ لأن كل حتف إلخ، وهذا تمام البيت وبعده:
إمّا نموت كراما أو نفوز بها ... فواحد الدّهر من كدّ وأسفار
стр. 1224
أى: أقيموا نقاتل؛ لأن موت كل نفس يجرى بقدر الله تعالى، لا الجبن ينجيه، ولا الإقدام يرديه؛ لم يعطف [نزاولها] على [أرسوا] لأنه خبر لفظا ومعنى، ...
===
أى الشخص الذى يكون واحدا فى زمانه هو من كان ناشئا، أى كالناشئ من الكد والأسفار
(قوله: أى أقيموا نقاتل) أى قال رائد القوم ومقدمهم: " أقيموا نقاتل ولا يمنعكم من محاولة إقامة الحرب خوف الحتف وهو الموت؛ لأن موت إلخ" وهذا المعنى الذى ذكره مبنى على أن ضمير نزاولها للحرب، وقيل الضمير للسفينة، والمعنى:
قال أميرهم الذى قام بتدبيرهم للملاحين أرسوا كى نزاولها، ونقوم بتدبير أخذ رجالها، والاستيلاء على نفائس أموالها، ولا نخاف من كثرة عددهم فكل حتف امرئ يجرى بمقدار، أى بقدر الله وقضائه، واقتصر الشارح على الاحتمال الأول؛ لأنه أظهر؛ لأن مناسبة المصراع الثانى للأول ظاهرة فيه.
(قوله: لأن موت كل نفس إلخ) أشار بإدخال كل على نفس إلى أن دخولها على حتف فى كلام الشاعر باعتبار العموم فى المضاف إليه؛ لأن النكرة فى سياق الإثبات قد تعم لا باعتباره فى نفسه؛ لأن كل إنما تضاف لمتعدد ولا تعدد فى الحتف بالنسبة لكل أحد حتى تدخل كل عليه، وأما قول بعضهم: إدخال الشاعر كل على الحتف، باعتبار تعدد أسبابه من كونه بالمرض، وبالسيف وبالرمح، وغيرها، المناسب لمقام الحرب حيث يأتى فيه أسباب الموت من السيف والرمح ونحوهما، من كل جانب فلا يفيد ما لم يعتبر العموم فى امرئ بمعونة المقام، والمعنى: فكل حتف كل امرئ على التوزيع ولا يخفى ما فى هذا من كثرة الكلفة التى لا حاجة إليها، أفاده عبد الحكيم وفى سم أن جعل الشارح لفظة" كل" داخلة على نفس دون موت عكس ما فى كلام الشاعر إشارة إلى أن كلام الشاعر محمول على القلب، إذ لا تعدد فى الحتف بالنسبة لكل أحد حتى تدخل كل عليه (قوله يجرى بقدر الله) أى بقضائه، سواء باشر الشخص الحرب أو لا، وأشار الشارح إلى أن مقدار فى كلام الشاعر مصدر بمعنى القدر (قوله لا الجبن ينجيه) أى لا الجبن ينجى منه حتى يرتكب.
(قوله: ولا الإقدام يرديه) بفتح الراء وتشديد الدال أى يوقعه فى الرّدى والهلاك، حتى يجتنب، ويصح سكون الراء وكسر الدال أى: يهلكه
(قوله: لم يعطف إلخ)
стр. 1225
وأرسوا إنشاء لفظا ومعنى؛ وهذا مثال لكمال الانقطاع بين الجملتين ...
===
هذا بيان لكمال الانقطاع، وعدم الوصل
(قوله: وأرسوا إنشاء إلخ) أى لأنه أمر، وكل أمر كذلك حقيقة، أى وذلك مانع من العطف باتفاق البيانيين، باعتبار مقتضى البلاغة، وما يجب أن يراعى فيها.
وأما عند أهل اللغة ففيه الخلاف، فالجمهور على أنه لا يجوز، واختاره ابن عصفور. وفى شرح الإيضاح، وابن مالك فى باب المفعول معه فى شرح التسهيل، وجوزه الصفار وطائفة كأن يقال" حسبى الله ونعم الوكيل" بناء على أن إحدى الجملتين خبر والأخرى إنشاء، ونقل أبو حيان عن سيبويه جواز عطف الجملتين المختلفتين بالاستفهام والخبر، نحو" هذا زيد ومن عمرو" قال بعضهم إن من منع العطف من أهل اللغة، فمنعه بالنظر للبلاغة ومراعاة المطابقة لمقتضى الحال، ومن جوزه فتجويزه إذا لم تراع المطابقة لمقتضى الحال، وحينئذ فتجويزه بالنظر للغة لا بالنظر للبلاغة، فلا خلاف بين الفريقين، وفيه نظر؛ لأن الجائز لغة إذا لم يكن نادرا لا ينافى البلاغة، وإن أراد أن الفصل عند كمال الانقطاع واجب فى مقام ممتنع فى آخر فهذا مما لا يذكروه ولم يتعرضوا له أصلا تأمل.
(قوله: وهذا مثال إلخ) هذا جواب عما يقال اعتراضا على المصنف: " إن الكلام فى الجمل التى لا محل لها من الإعراب" والجملتان فى البيت الذى مثّل به لهما محل من الإعراب؛ لأنهما معمولتان لقال، وحينئذ فالتمثيل غير مطابق.
وحاصل ما أجاب به الشارح أن هذا مثال لكمال الانقطاع بين الجملتين مع قطع النظر عن كونهما معا لا محل لهما من الإعراب، والحاصل أن كمال الانقطاع نوعان: أحدهما: فيما ليس له محل من الإعراب وهذا يوجب الفصل، والثانى: فيما له محل من الإعراب وهذا لا يوجبه، وهذا المثال من الثانى دون الأول، وحينئذ فهو مثال لمطلق كمال الانقطاع، لا الذى كلامنا فيه وهو ما يوجب الفصل، قال ابن يعقوب بعد كلام قرره: فتحصل مما تقرر أن منع العطف بين الإنشاء والخبر له ثلاثة شروط:
أن يكون بالواو، وأن يكون فيما لا محل له من الإعراب من الجمل، وألّا يوهم خلاف
стр. 1226
باختلافهما خبرا وإنشاء؛ لفظا ومعنى، مع قطع النظر عن كون الجملتين مما ليس له محل من الإعراب، وإلا فالجملتان فى محل نصب مفعول [قال] (أو) لاختلافهما خبرا وإنشاء (معنى فقط) بأن تكون إحداهما خبرا معنى، والأخرى إنشاء معنى؛ وإن كانتا خبريتين أو إنشائيتين لفظا (نحو: مات فلان ﵀ لم يعطف [﵀] على [مات]؛ لأنه إنشاء معنى و [مات] خبر معنى، وإن كانتا جميعا خبريتين لفظا ...
===
المراد.
(قوله: باختلافهما خبرا وإنشاء) الباء للسببية (قوله وإلا فالجملتان فى محل نصب) أى كل واحدة منهما فى محل نصب، وهذا مبنى على أن جزء المقول له محل إذا كان مفيدا، ومبنى أيضا على الاستشهاد بهما، باعتبار حال وقوعهما من الحاكى للكلام وهو الشاعر، أما لو كان الاستشهاد بهما باعتبار حال وقوعهما من الرائد، فالجملتان لا محل لهما قطعا، واختلف فى المحكى بالقول هل هو فى محل المفعول المطلق أو المفعول به، والأول لابن الحاجب، والثانى لغيره، ورجحه بعض المحققين، (وقوله: وإلا فالجملتان) أى وإلا نقطع النظر عن كون الجملتين ليس لهما محل من الإعراب؛ بل نظرنا لذلك فلا يصح التمثيل؛ لأن كلا من الجملتين فى محل نصب مفعول قال
(قوله: بأن تكون إحداهما إلخ) أى الأولى أو الثانية فهاتان صورتان يضربان فى الصورتين المفهومتين من قوله، وإن كانتا خبريتين أو إنشائيتين فالصور أربع
(قوله: وإن كانتا خبريتين أو إنشائيتين لفظا) الواو للحال وإن وصلية ودخل تحت هذا أربع صور: الأولى خبرية معنى، والثانية إنشائية معنى، وهما خبريتان لفظا أو إنشائيتان لفظا، أو الأولى إنشائية معنى، والثانية خبرية معنى، وهما خبريتان لفظا أو إنشائيتان كذلك؛ ولا يصح أن يكون قوله: وإن كانتا إلخ للمبالغة وإلا لكان هذا القسم أعم من الأول لتناوله للمختلفين لفظا أيضا، وهذا هو الأول بعينه فلا تتباين الأقسام مع أن الأعلم لا يعطف بأو، وخرج ما إذا اختلفتا لفظا فقط فلا يكون هذا من كمال الانقطاع، وبقى من صور اختلافهما ما إذا كانت أولاهما خبرا لفظا ومعنى، والأخرى إنشاء معنى فقط أو العكس.
(قوله: مات زيد إلخ) لم يمثل المصنف ولا الشارح لما يكون لفظهما إنشاء وهما مختلفان معنى، كقولك عند ذكر: " من
стр. 1227
(أو لأنه) عطف على [لاختلافهما]، والضمير للشأن (لا جامع بينهما كما سيأتى) بيان الجامع فلا يصح العطف فى مثل: زيد طويل عمرو نائم.
(وأما كمال الاتصال) بين الجملتين (فلكون الثانية مؤكدة للأولى) ...
===
كذب على النبى- ﷺ ليتبوأ مقعده من النار" لا تطعه أيها الأخ، فالأولى خبرية معنى والثانية إنشائية معنى ولفظهما إنشاء ونحو أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (١) " اتق الله أيها العبد" فالأولى خبرية معنى، والثانية إنشائية معنى، أى الله كاف عبده ولفظهما إنشاء
(قوله: أو لأنه لا جامع إلخ) أى أو لاتفاقهما فى الخبرية والإنشائية؛ لئلا يدخل القسم الأول فى هذا أيضا كما تقدم.
(قوله: كما سيأتى بيان الجامع) أى والجامع الذى إذا انتفى تحقق كمال الانقطاع الموجب لمنع العطف مماثل للجامع الذى سيأتى فى محله عند تفصيله إلى عقلى ووهمى وخيالى، ثم إن ما لا يصلح فيه العطف لانتفاء الجامع، إما لانتفائه عن المسند إليهما فقط كقولك" زيد طويل وعمرو قصير" حيث لا جامع بين زيد وعمرو من صداقة غيرها، وإن كان بين الطول والقصر جامع التضاد؛ وأما عن المسندين فقط، كمثال الشارح عند فرض الصداقة بين زيد وعمرو، أو عنهما معا نحو" زيد قائم والعلم حسن".
[الفصل لكمال الانقطاع]:
(قوله: وأما كمال الاتصال) أى الذى يكون بين الجملتين فيمنع من العطف بالواو إذ عطف إحداهما على الأخرى، كعطف الشىء على نفسه، وأما غير الواو فلا يضر العطف به معه كما هو المفهوم من كلام المصنف أولا
(قوله: فلكون الثانية) أى فيتحقق ذلك الكمال بين الجملتين لأجل كون الثانية مؤكدة للأولى، أو بدلا منها، أو بيانا لها، وأما النعت فلما لم يتميز عن عطف البيان إلا بأنه يدل على بعض أحوال المتبوع لا على ذاته، والبيان يدل على ذات المتبوع لا على وصف فيه، وهذا المعنى وهو الدلالة على بعض أحوال المتبوع مما لا تحقق له فى الجمل؛ لأن الجملة إنما تدل على النسبة، ولا يتأتى أن تكون نسبة فى جملة دالة على وصف شىء فى جملة أخرى لم تنزل
стр. 1228
تأكيدا معنويا (لدفع توهم تجوز أو غلط؛ نحو: لا رَيْبَ فِيهِ (١)) ...
===
الجملة الثانية من الأولى منزلة النعت من المنعوت، وقد تكون النسبة فى جملة موضحة لنسبة جملة أخرى؛ فلذا نزلت الجملة الثانية من الأولى منزلة عطف البيان من المبين (قوله تأكيدا معنويا) أى بأن يختلف مفهومهما، ولكن يلزم من تقرر معنى إحداهما تقرر معنى الأخرى، والمراد تأكيدا معنويا لغة وإلا فالتأكيد المعنوى فى الاصطلاح إنما يكون بألفاظ معلومة، وليس ما يأتى منها، أو المراد بقوله تأكيدا معنويا أى كالتأكيد المعنوى فى حصول مثل ما يحصل منه، ومثل هذا يقال فى كون الجملة بدلا أو بيانا، ومما يدل على كون الجملة المذكورة ليست تأكيدا معنويا فى الاصطلاح قول المصنف" فيما يأتى فوزانه وزان نفسه إلخ" كذا قيل، وقد تمنع تلك الدلالة بأن يقال إن المراد فوزان هذا التوكيد المعنوى الاصطلاحى الواقع فى الجمل وزان نفسه الذى هو توكيد معنوى اصطلاحا، واقع فى المفردات، فالظاهر أن هذا توكيد معنوى اصطلاحا، ولا مانع أن يقال: إن ما كان بالألفاظ المعلومة تأكيد معنوى بالنسبة للمفردات، والجملة الثانية من المتخالفتين مفهوما، ويلزم من تقرر معنى إحداهما تقرر معنى الأخرى توكيد معنوى بالنسبة للجمل تأمل، وربما كان كلام الفنرى مفيدا لذلك، حيث قال" ولا يقال إن كل واحد من التوكيد والبيان والبدل من جملة التوابع، والتابع هو الثانى المعرب بإعراب سابقه الحاصل أو المتجدد" وحينئذ فلا بد أن يكون للمتبوع إعراب لفظى أو تقديرى.
أو محلى مع أن الكلام فى الجمل التى لا محل لها منه؛ لأنا نقول المراد من قولهم هو الثانى المعرب بإعراب سابقه كونه كذلك فيما لسابقه إعراب أو المراد بإعراب سابقه نفيا وإثباتا، أو أن هذا تعريف للتابع بالنظر للغالب، وهو ما إذا كان للسابق إعراب انتهى كلامه
(قوله: لدفع توهم تجوز) مصدر مضاف لمفعوله، أى ليدفع المتكلم توهم السامع تجوزا إلخ
(قوله: أو غلط) اعترضه العلامة السيد بأن التوكيد المعنوى فى المفردات كما فى" جاء زيد نفسه" لا يكون لدفع توهم النسيان والغلط؛ بل لدفع توهم التجوز فقط، فكذا ما هو بمنزلته، وهو المعنوى فى الجمل نحو لا رَيْبَ فِيهِ لكن الذى حققه
стр. 1229
بالنسبة إلى ذلِكَ الْكِتابُ إذا جعلت الم طائفة من الحروف، ...
===
العلامة عبد الحكيم أن التأكيد المعنوى يفيد دفع توهم الغلط بالنسبة للاختلاف إفرادا أو غيره، سواء كان بسهو، أو نسيان، أو سبق لسان، وإن لم يفد بالنسبة للآحاد، فإذا قيل جاء الرجلان كلاهما، فإنه يفيد دفع توهم الغلط بالتلفظ بالتثنية مكان المفرد، أو الجمع دون تثنية أخرى، وكذا" جاء زيد نفسه" يفيد دفع توهم الغلط بالنسبة لمن توهم أن الجائى الزيدان، لا بالنسبة لمن توهم أنه عمرو، وجعل العلامة ابن يعقوب قول المصنف" لدفع توهم تجوز بالنظر للتأكيد المعنوى"
وقوله: " أو غلط بالنظر للتأكيد اللفظى" مخالفا لصنيع الشارح فى جعلهما للمعنوى الموجب للإشكال المذكور، وعبارته على قول المصنف" لدفع توهم تجوز أو غلط" أى لأجل أن يدفع المتكلم توهم السامع التجوز فى الأولى، فتنزل الثانية منزلة التأكيد المعنوى فى المفردات؛ لأنه إنما يؤتى به لدفع توهم التجوز، أو يدفع توهم السامع الغلط فى الأولى فتنزل الثانية منزلة التأكيد اللفظى فى المفردات، فإنه إنما يؤتى به لدفع توهم السهو أو الغلط انتهى كلامه وهو تابع فيما قال: العلامة السيد، ولكن قد علمت ما قاله العلامة عبد الحكيم.
(قوله: بالنسبة إلى ذلك الكتاب) أى حالة كون لا ريب فيه منسوبا لذلك الكتاب.
(قوله: إذا جعلت إلخ) أى أن محل كون جملة لا ريب فيه مؤكدة لذلك الكتاب إذا جعلت الم طائفة من الحروف واقعة فى أوائل السور، إشارة إلى أن الكتاب المتحدى به مركب من جنس هذه الحروف، وعلى هذا فلا يكون لها محل من الإعراب؛ لأن المراد بها على هذا مجرد تعداد الحروف فلا تكون مسندة، ولا مسندا إليها، وإلى هذا القول ذهب صاحب الكشاف واليعقوبى، وعليه فقيل هى مما اختص الله نبيه بمعرفة معانيها، وقيل إن كل حرف مقتطع من كلمة والمجموع فى موضع جملة مستقلة فالهمزة مقتطعة من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، فكأنه قيل الله نزل جبريل على محمد بالقرآن، واقتطاعها من تلك الكلمات لا ينافى الإشارة المتقدمة، فتأمل.
стр. 1230
أو جملة مستقلة، وذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية، ولا رَيْبَ فِيهِ ثالثة (فإنه لما بولغ فى وصفه) أى: وصف الكتاب (ببلوغه) متعلق ب [وصفه]؛ أى: فى أن وصف بأنه بالغ (الدرجة القصوى فى الكمال) وبقوله: [بولغ] تتعلق الباء فى قوله:
(بجعل المبتدأ ذلِكَ) الدال على كمال العناية بتمييزه ...
===
وبما ذكرناه فى بيان معنى هذا القول صحت المقابلة بينه وبين القول الذى بعده
(قوله: أو جملة مستقلة) أى أو جعلت الم جملة مستقلة، أى مع حذف أحد جزأيها. أما المبتدأ أو الخبر إن جعلت اسمية بأن يكون التقدير" الم" هذا، أو هذا" الم".
ويصح جعلها فعلية على أن يكون التقدير: " أقسم ب الم" فيكون الجار محذوفا. أو أذكر" الم" فيكون منصوبا وعلى هذا التقادير" الم" إما اسم السورة أو القرآن، أو اسم من أسمائه تعالى، أو مؤول بالمؤلف من هذه الحروف
(قوله: وذلك الكتاب جملة ثانية) أى لا محل لها من الإعراب، وقوله" ثالثة" أى لا محل لها كالأوليين، واحترز الشارح بقوله: " إذا جعلت إلخ" عما إذا جعل" الم" طائفة من الحروف قصد تعدادها أو جملة مستقلة اسمية أو فعلية على ما مر، وذلك الكتاب" مبتدأ و" لا ريب فيه" خبر، أو جعل" الم" مبتدأ و" ذلك الكتاب" خبرا أو جعل" الم" مبتدأ و" لا ريب فيه" خبرا، وجملة" ذلك الكتاب" اعتراضا فإنه لا يكون" لا ريب فيه" جملة لا محل لها من الإعراب مؤكدة لجملة قبلها، كذلك.
(قوله: فإنه لما بولغ إلخ) هذا بيان لكون" لا ريب فيه" تأكيدا معنويا لذلك الكتاب، وضمير أنه للحال والشأن. وقوله: بولغ" أى وقعت المبالغة أى فإنه لما وقعت المبالغة فى أن وصف" ذلك الكتاب" بأنه بلغ فى الكمال إلى الدرجة القصوى، أى البعدى فى الرفعة، فقوله" الدرجة" معمول البلوغ، و" فى الكمال" متعلق به
(قوله: وبقوله بولغ تتعلق الباء فى قوله بجعل) أى فالمعنى فإنه لما وقعت المبالغة فى الوصف المذكور بسبب جعل. إلخ. (قوله بجعل إلخ) المبالغة بمجموع الجعل والتعريف؛ لكن محصلها بالتعريف؛ لأن جعل المبتدأ" ذلك" إنما يفيد بلوغه الدرجة القصوى فى الكمال، وهذا لا ينافى أن غيره كذلك.
(قوله: ذلك) أى لفظ ذلك
(قوله: الدال على كمال العناية بتمييزه)