← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

باختلافهما خبرا وإنشاء؛ لفظا ومعنى، مع قطع النظر عن كون الجملتين مما ليس له محل من الإعراب، وإلا فالجملتان فى محل نصب مفعول [قال] (أو) لاختلافهما خبرا وإنشاء (معنى فقط) بأن تكون إحداهما خبرا معنى، والأخرى إنشاء معنى؛ وإن كانتا خبريتين أو إنشائيتين لفظا (نحو: مات فلان ﵀ لم يعطف [﵀] على [مات]؛ لأنه إنشاء معنى و [مات] خبر معنى، وإن كانتا جميعا خبريتين لفظا ... === المراد. (قوله: باختلافهما خبرا وإنشاء) الباء للسببية (قوله وإلا فالجملتان فى محل نصب) أى كل واحدة منهما فى محل نصب، وهذا مبنى على أن جزء المقول له محل إذا كان مفيدا، ومبنى أيضا على الاستشهاد بهما، باعتبار حال وقوعهما من الحاكى للكلام وهو الشاعر، أما لو كان الاستشهاد بهما باعتبار حال وقوعهما من الرائد، فالجملتان لا محل لهما قطعا، واختلف فى المحكى بالقول هل هو فى محل المفعول المطلق أو المفعول به، والأول لابن الحاجب، والثانى لغيره، ورجحه بعض المحققين، (وقوله: وإلا فالجملتان) أى وإلا نقطع النظر عن كون الجملتين ليس لهما محل من الإعراب؛ بل نظرنا لذلك فلا يصح التمثيل؛ لأن كلا من الجملتين فى محل نصب مفعول قال (قوله: بأن تكون إحداهما إلخ) أى الأولى أو الثانية فهاتان صورتان يضربان فى الصورتين المفهومتين من قوله، وإن كانتا خبريتين أو إنشائيتين فالصور أربع (قوله: وإن كانتا خبريتين أو إنشائيتين لفظا) الواو للحال وإن وصلية ودخل تحت هذا أربع صور: الأولى خبرية معنى، والثانية إنشائية معنى، وهما خبريتان لفظا أو إنشائيتان لفظا، أو الأولى إنشائية معنى، والثانية خبرية معنى، وهما خبريتان لفظا أو إنشائيتان كذلك؛ ولا يصح أن يكون قوله: وإن كانتا إلخ للمبالغة وإلا لكان هذا القسم أعم من الأول لتناوله للمختلفين لفظا أيضا، وهذا هو الأول بعينه فلا تتباين الأقسام مع أن الأعلم لا يعطف بأو، وخرج ما إذا اختلفتا لفظا فقط فلا يكون هذا من كمال الانقطاع، وبقى من صور اختلافهما ما إذا كانت أولاهما خبرا لفظا ومعنى، والأخرى إنشاء معنى فقط أو العكس. (قوله: مات زيد إلخ) لم يمثل المصنف ولا الشارح لما يكون لفظهما إنشاء وهما مختلفان معنى، كقولك عند ذكر: " من

стр. 1227

(أو لأنه) عطف على [لاختلافهما]، والضمير للشأن (لا جامع بينهما كما سيأتى) بيان الجامع فلا يصح العطف فى مثل: زيد طويل عمرو نائم. (وأما كمال الاتصال) بين الجملتين (فلكون الثانية مؤكدة للأولى) ... === كذب على النبى- ﷺ ليتبوأ مقعده من النار" لا تطعه أيها الأخ، فالأولى خبرية معنى والثانية إنشائية معنى ولفظهما إنشاء ونحو أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (١) " اتق الله أيها العبد" فالأولى خبرية معنى، والثانية إنشائية معنى، أى الله كاف عبده ولفظهما إنشاء (قوله: أو لأنه لا جامع إلخ) أى أو لاتفاقهما فى الخبرية والإنشائية؛ لئلا يدخل القسم الأول فى هذا أيضا كما تقدم. (قوله: كما سيأتى بيان الجامع) أى والجامع الذى إذا انتفى تحقق كمال الانقطاع الموجب لمنع العطف مماثل للجامع الذى سيأتى فى محله عند تفصيله إلى عقلى ووهمى وخيالى، ثم إن ما لا يصلح فيه العطف لانتفاء الجامع، إما لانتفائه عن المسند إليهما فقط كقولك" زيد طويل وعمرو قصير" حيث لا جامع بين زيد وعمرو من صداقة غيرها، وإن كان بين الطول والقصر جامع التضاد؛ وأما عن المسندين فقط، كمثال الشارح عند فرض الصداقة بين زيد وعمرو، أو عنهما معا نحو" زيد قائم والعلم حسن". [الفصل لكمال الانقطاع]: (قوله: وأما كمال الاتصال) أى الذى يكون بين الجملتين فيمنع من العطف بالواو إذ عطف إحداهما على الأخرى، كعطف الشىء على نفسه، وأما غير الواو فلا يضر العطف به معه كما هو المفهوم من كلام المصنف أولا (قوله: فلكون الثانية) أى فيتحقق ذلك الكمال بين الجملتين لأجل كون الثانية مؤكدة للأولى، أو بدلا منها، أو بيانا لها، وأما النعت فلما لم يتميز عن عطف البيان إلا بأنه يدل على بعض أحوال المتبوع لا على ذاته، والبيان يدل على ذات المتبوع لا على وصف فيه، وهذا المعنى وهو الدلالة على بعض أحوال المتبوع مما لا تحقق له فى الجمل؛ لأن الجملة إنما تدل على النسبة، ولا يتأتى أن تكون نسبة فى جملة دالة على وصف شىء فى جملة أخرى لم تنزل

стр. 1228

تأكيدا معنويا (لدفع توهم تجوز أو غلط؛ نحو: لا رَيْبَ فِيهِ (١)) ... === الجملة الثانية من الأولى منزلة النعت من المنعوت، وقد تكون النسبة فى جملة موضحة لنسبة جملة أخرى؛ فلذا نزلت الجملة الثانية من الأولى منزلة عطف البيان من المبين (قوله تأكيدا معنويا) أى بأن يختلف مفهومهما، ولكن يلزم من تقرر معنى إحداهما تقرر معنى الأخرى، والمراد تأكيدا معنويا لغة وإلا فالتأكيد المعنوى فى الاصطلاح إنما يكون بألفاظ معلومة، وليس ما يأتى منها، أو المراد بقوله تأكيدا معنويا أى كالتأكيد المعنوى فى حصول مثل ما يحصل منه، ومثل هذا يقال فى كون الجملة بدلا أو بيانا، ومما يدل على كون الجملة المذكورة ليست تأكيدا معنويا فى الاصطلاح قول المصنف" فيما يأتى فوزانه وزان نفسه إلخ" كذا قيل، وقد تمنع تلك الدلالة بأن يقال إن المراد فوزان هذا التوكيد المعنوى الاصطلاحى الواقع فى الجمل وزان نفسه الذى هو توكيد معنوى اصطلاحا، واقع فى المفردات، فالظاهر أن هذا توكيد معنوى اصطلاحا، ولا مانع أن يقال: إن ما كان بالألفاظ المعلومة تأكيد معنوى بالنسبة للمفردات، والجملة الثانية من المتخالفتين مفهوما، ويلزم من تقرر معنى إحداهما تقرر معنى الأخرى توكيد معنوى بالنسبة للجمل تأمل، وربما كان كلام الفنرى مفيدا لذلك، حيث قال" ولا يقال إن كل واحد من التوكيد والبيان والبدل من جملة التوابع، والتابع هو الثانى المعرب بإعراب سابقه الحاصل أو المتجدد" وحينئذ فلا بد أن يكون للمتبوع إعراب لفظى أو تقديرى. أو محلى مع أن الكلام فى الجمل التى لا محل لها منه؛ لأنا نقول المراد من قولهم هو الثانى المعرب بإعراب سابقه كونه كذلك فيما لسابقه إعراب أو المراد بإعراب سابقه نفيا وإثباتا، أو أن هذا تعريف للتابع بالنظر للغالب، وهو ما إذا كان للسابق إعراب انتهى كلامه (قوله: لدفع توهم تجوز) مصدر مضاف لمفعوله، أى ليدفع المتكلم توهم السامع تجوزا إلخ (قوله: أو غلط) اعترضه العلامة السيد بأن التوكيد المعنوى فى المفردات كما فى" جاء زيد نفسه" لا يكون لدفع توهم النسيان والغلط؛ بل لدفع توهم التجوز فقط، فكذا ما هو بمنزلته، وهو المعنوى فى الجمل نحو لا رَيْبَ فِيهِ لكن الذى حققه

стр. 1229

بالنسبة إلى ذلِكَ الْكِتابُ إذا جعلت الم طائفة من الحروف، ... === العلامة عبد الحكيم أن التأكيد المعنوى يفيد دفع توهم الغلط بالنسبة للاختلاف إفرادا أو غيره، سواء كان بسهو، أو نسيان، أو سبق لسان، وإن لم يفد بالنسبة للآحاد، فإذا قيل جاء الرجلان كلاهما، فإنه يفيد دفع توهم الغلط بالتلفظ بالتثنية مكان المفرد، أو الجمع دون تثنية أخرى، وكذا" جاء زيد نفسه" يفيد دفع توهم الغلط بالنسبة لمن توهم أن الجائى الزيدان، لا بالنسبة لمن توهم أنه عمرو، وجعل العلامة ابن يعقوب قول المصنف" لدفع توهم تجوز بالنظر للتأكيد المعنوى" وقوله: " أو غلط بالنظر للتأكيد اللفظى" مخالفا لصنيع الشارح فى جعلهما للمعنوى الموجب للإشكال المذكور، وعبارته على قول المصنف" لدفع توهم تجوز أو غلط" أى لأجل أن يدفع المتكلم توهم السامع التجوز فى الأولى، فتنزل الثانية منزلة التأكيد المعنوى فى المفردات؛ لأنه إنما يؤتى به لدفع توهم التجوز، أو يدفع توهم السامع الغلط فى الأولى فتنزل الثانية منزلة التأكيد اللفظى فى المفردات، فإنه إنما يؤتى به لدفع توهم السهو أو الغلط انتهى كلامه وهو تابع فيما قال: العلامة السيد، ولكن قد علمت ما قاله العلامة عبد الحكيم. (قوله: بالنسبة إلى ذلك الكتاب) أى حالة كون لا ريب فيه منسوبا لذلك الكتاب. (قوله: إذا جعلت إلخ) أى أن محل كون جملة لا ريب فيه مؤكدة لذلك الكتاب إذا جعلت الم طائفة من الحروف واقعة فى أوائل السور، إشارة إلى أن الكتاب المتحدى به مركب من جنس هذه الحروف، وعلى هذا فلا يكون لها محل من الإعراب؛ لأن المراد بها على هذا مجرد تعداد الحروف فلا تكون مسندة، ولا مسندا إليها، وإلى هذا القول ذهب صاحب الكشاف واليعقوبى، وعليه فقيل هى مما اختص الله نبيه بمعرفة معانيها، وقيل إن كل حرف مقتطع من كلمة والمجموع فى موضع جملة مستقلة فالهمزة مقتطعة من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، فكأنه قيل الله نزل جبريل على محمد بالقرآن، واقتطاعها من تلك الكلمات لا ينافى الإشارة المتقدمة، فتأمل.

стр. 1230

أو جملة مستقلة، وذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية، ولا رَيْبَ فِيهِ ثالثة (فإنه لما بولغ فى وصفه) أى: وصف الكتاب (ببلوغه) متعلق ب [وصفه]؛ أى: فى أن وصف بأنه بالغ (الدرجة القصوى فى الكمال) وبقوله: [بولغ] تتعلق الباء فى قوله: (بجعل المبتدأ ذلِكَ) الدال على كمال العناية بتمييزه ... === وبما ذكرناه فى بيان معنى هذا القول صحت المقابلة بينه وبين القول الذى بعده (قوله: أو جملة مستقلة) أى أو جعلت الم جملة مستقلة، أى مع حذف أحد جزأيها. أما المبتدأ أو الخبر إن جعلت اسمية بأن يكون التقدير" الم" هذا، أو هذا" الم". ويصح جعلها فعلية على أن يكون التقدير: " أقسم ب الم" فيكون الجار محذوفا. أو أذكر" الم" فيكون منصوبا وعلى هذا التقادير" الم" إما اسم السورة أو القرآن، أو اسم من أسمائه تعالى، أو مؤول بالمؤلف من هذه الحروف (قوله: وذلك الكتاب جملة ثانية) أى لا محل لها من الإعراب، وقوله" ثالثة" أى لا محل لها كالأوليين، واحترز الشارح بقوله: " إذا جعلت إلخ" عما إذا جعل" الم" طائفة من الحروف قصد تعدادها أو جملة مستقلة اسمية أو فعلية على ما مر، وذلك الكتاب" مبتدأ و" لا ريب فيه" خبر، أو جعل" الم" مبتدأ و" ذلك الكتاب" خبرا أو جعل" الم" مبتدأ و" لا ريب فيه" خبرا، وجملة" ذلك الكتاب" اعتراضا فإنه لا يكون" لا ريب فيه" جملة لا محل لها من الإعراب مؤكدة لجملة قبلها، كذلك. (قوله: فإنه لما بولغ إلخ) هذا بيان لكون" لا ريب فيه" تأكيدا معنويا لذلك الكتاب، وضمير أنه للحال والشأن. وقوله: بولغ" أى وقعت المبالغة أى فإنه لما وقعت المبالغة فى أن وصف" ذلك الكتاب" بأنه بلغ فى الكمال إلى الدرجة القصوى، أى البعدى فى الرفعة، فقوله" الدرجة" معمول البلوغ، و" فى الكمال" متعلق به (قوله: وبقوله بولغ تتعلق الباء فى قوله بجعل) أى فالمعنى فإنه لما وقعت المبالغة فى الوصف المذكور بسبب جعل. إلخ. (قوله بجعل إلخ) المبالغة بمجموع الجعل والتعريف؛ لكن محصلها بالتعريف؛ لأن جعل المبتدأ" ذلك" إنما يفيد بلوغه الدرجة القصوى فى الكمال، وهذا لا ينافى أن غيره كذلك. (قوله: ذلك) أى لفظ ذلك (قوله: الدال على كمال العناية بتمييزه)

стр. 1231

والتوسل ببعده إلى التعظيم، وعلو الدرجة. (وتعريف الخبر باللام) الدال على الانحصار؛ مثل: حاتم الجواد. فمعنى: ذلِكَ الْكِتابُ أنه الكتاب الكامل الذى يستأهل أن يسمى كتابا كأن ما عداه من الكتب فى مقابلته ناقص، بل ليس بكتاب ... === أى من حيث إن اسم الإشارة موضوع للمشاهد المحسوس، وقوله" والتوسل إلخ" أى باعتبار أن اللام للبعد، وقوله" الدال .. إلخ" صفة" لجعل" أو" ولذلك" وهو الأقرب؛ لكن الأول أليق بقول الشارح والتوسل إلخ إذ لو كان صفة لذلك لكان المناسب أن يقول الدال على كمال العناية بتمييزه، وعلى البعد المتوسل به إلى التعظيم (قوله: التوسل) عطف على كمال العناية، أى الدال على كمال العناية بتمييزه، والدال على التوسل إلى التعظيم وعلو الدرجة؛ بسبب بعده أى دلالته على البعد، فكأنه فى مرتبة لا يشار إليها إلا من بعد (قوله: الدال على الانحصار) أى لأن تعريف الجزأين فى الجملة الخبرية يدل على الانحصار. إما حقيقة، أو مبالغة، فالأول: نحو قولك: " الله الواجب الوجود" والثانى: كما مثل الشارح بقوله: " حاتم الجواد" أى لا جواد إلا حاتم إذ جود غيره بالنسبة إلى جوده كالعدم (قوله: فمعنى" ذلك الكتاب") أى المراد منه أنه إلخ أو معناه حقيقة أنه الكتاب لا سواه؛ لكنه غير مراد؛ لأنه باطل. وقوله: " الكامل" أى فى الهداية (قوله الذى يستأهل) بالهمزة أى يستحق. وفى الصحاح يقال: فلان أهل لكذا، ولا يقال" مستأهل" والعامة تقوله، لكن العلامة الزمخشرى قد صحح هذه العبارة فى الأساس. (قوله: كأن ما عداه من الكتب) أى السماوية. (وقوله: ناقص) أى عن درجته، وهذا إن لوحظ أنّ المحضور الكتاب الكامل، وقوله بل ليس بكتاب، أى ولو كان ذلك الغير كتابا كاملا فى نفسه، وهذا المعنى إن لوحظ أن المحصور أصل الكتاب، وقد يقال إن المناسب لملاحظة كون المحصور الكتاب الكامل حذف الكأنية. ويقول: وأن من عداه من الكتب فى مقابلته ناقص وأجيب بأنه أتى بها إشارة إلى أن المقصود من حصر الجنس الدلالة على كماله فيه، لا التعريض بنقصان غيره؛ لما ذكروه من أن الحصر فى

стр. 1232

(جاز) جواب لما؛ أى جاز بسبب هذه المبالغة المذكورة (أن يتوهم السامع قبل التأمل أنه) أعنى: قوله ذلِكَ الْكِتابُ (مما يرمى به جزافا) من غير صدور عن روية وبصيرة، (فأتبعه) على لفظ المبنى للمفعول، والمرفوع المستتر عائد إلى لا رَيْبَ فِيهِ والمنصوب البارز إلى ذلِكَ الْكِتابُ أى: جعل لا رَيْبَ فِيهِ تابعا ل ذلِكَ الْكِتابُ ... === قولك" زيد الشجاع" قد يقصد به مجرد كمال شجاعته، وقد يتوسل بذلك إلى التعريض بنقصان شجاعة غيره ممن يدعى مساواته لزيد فى الشجاعة. واعلم أن هذا الكلام الذى قرر به الشارح الحصر فى الآية ليس فى ظاهره سوء أدب، إذ لم يصرح بوصف الكتب التى وقع الحصر باعتبارها بالنقصان ولا فى باطنه؛ لأن الملك الأعظم له أن يفضل ما شاء من كتبه على غيره بالمبالغة الحصرية، وغيرها، نعم لو سميت فيه الكتب، ووقع الحصر من غير الملك الأعلى، لزم سوء الأدب، أو وقع الحصر من غير الملك الأعلى ولو لم تسم الكتب، قاله اليعقوبى (قوله: جاز إلخ) أى لأن كثرة المبالغة تجوّز توهم المجازفة، لما جرت به العادة غالبا أن المبالغ فى مدحه لا يكون على ظاهره، إذ لا تخلو المبالغة غالبا من تجوز وتساهل (قوله: قبل التأمل) أى فى كمالات الكتاب. (قوله: أعنى قوله" ذلك الكتاب") أى المفيد للمبالغة فى المدح (قوله: مما يرمى به) أى من جملة الكلام الذى يتكلم به. (قوله جزافا) مثلث الجيم لكن الضم والفتح سماعيان، والكسر قياسى؛ لأنه مصدر جازف جزافا ومجازفة، أى أخذ بغير تقدير ومعرفة بالكمية، والجزاف أيضا التكلم من غير خبرة وتيقظ، ونصبه فى كلام المصنف على المصدرية، أى يرمى به رمى جزاف أى رميا بطريق الجزاف (قوله: من غير صدور إلخ) لعدم ملاحظة مقتضياته ومراعاة لوازمه، وهذا تفسير للجزاف، وليس زائدا عليه كما علمت فهو على حذف أى فإن قلت إن توهم كون الكلام مما يرمى به جزافا، إنما يصح لو صدر عن غير علام الغيوب، فكيف يقال: يجوز أن يتوهم أن هذا الكلام مما يرمى به جزافا؟ قلت: أجابوا عن ذلك: بأن المراد أن هذا الكلام لو كان من غيره لتوهم ما ذكر، فأجرى معه" لا ريب فيه" دفعا لذلك التوهم، جريا على قاعدة ما

стр. 1233

(نفيا لذلك) التوهم (فوزانه) أى: فوزان لا رَيْبَ فِيهِ مع ذلِكَ الْكِتابُ (وزان نفسه) مع زيد (فى: جاءنى زيد نفسه) فظهر أن لفظ [وزان] فى قوله: [وزان نفسه] ليس بزائد كما توهم، أو تأكيدا لفظيا كما أشار إليه بقوله: (ونحو: ... === تجب مراعاته فى البلاغة العرفية باعتبار كلام المخلوق؛ لأن القرآن وإن كان كلام الله إلا أنه جار على القاعدة العرفية المعتبرة فى كلام الخلق وأنت لو قلت ذلك الرجل كان مفيدا؛ لأنه الكامل فى الرجولية، فربما يتوهم أن هذا مما يرمى به جزافا فلك أن تؤكده، وتدفع ذلك التوهم بقولك: " لا شك فيه" فتأمل. (قوله: نفيا لذلك التوهم إلخ) فتوهم الجزاف .. فى ذلك الكتاب بمنزلة توهم التجوز فى" جاءنى زيد" لاشتراكهما فى المساهلة ودفع هذا التوهم، على تقدير كون الضمير المجرور فى" لا ريب فيه" راجعا إلى الكلام السابق، أعنى" ذلك الكتاب" ظاهر كأنه قيل: " لا ريب فيه" ولا مجازفة، وإن كان الضمير راجعا للكتاب كما هو الظاهر فمبنى على أنه إذا لم يكن ريب فى كونه كاملا غاية الكمال لم يكن قولك" ذلك الكتاب" بالمجازفة ا. هـ عبد الحكيم. (قوله: فوزانه إلخ) الوزان مصدر قولك وازن الشىء أى ساواه فى الوزن، وقد يطلق على النظير؛ باعتبار كون المصدر بمعنى اسم الفاعل، وقد يطلق على مرتبة الشىء إذا كانت مساوية لمرتبة شىء آخر فى أمر من الأمور، وهو المراد هنا، إذ المعنى: فمرتبة" لا ريب فيه" مع" ذلك الكتاب" فى دفع توهم الجزاف مرتبة نفسه مع زيد فى قولك: جاء زيد نفسه. (قوله: وزان نفسه) أى مرتبة نفسه من جهة كونه رافعا لتوهم المجاز، وأن الجائى ثقله أو رسوله أو عسكره أو كتابه (قوله: فظهر) أى من التقرير السابق المفيد أن وزان بمعنى مرتبة كما يؤخذ من قوله مع" ذلك الكتاب" وقوله: مع زيد ومن عدم تأويل الوزان بالموازن (قوله: كما توهم) راجع للمنفى أى أن بعضهم توهم أن وزان الثانى زائد، ولكن لجعله وزان الأول مصدرا بمعنى اسم الفاعل، وحينئذ فالمعنى فموازنه ومشابهه نفسه، ورد بأنه لا حاجة للتأويل والأصل عدم الزيادة. (قوله: أو تأكيدا لفظيّا) أى بأن يكون مضمون الجملة الثانية وهو مضمون الأولى وهو عطف على قوله تأكيدا معنويّا ووجه منع العطف فى التأكيد كون التأكيد

стр. 1234

هُدىً) أى: هو هدى (لِلْمُتَّقِينَ) أى: الضالين الصائرين إلى التقوى (فإن معناه أنه) أى الْكِتابُ (فى الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها) أى: غايتها؛ === مع المؤكد كالشىء الواحد، وعلم مما قلناه أن الجملتين اللتين بينهما تأكيد معنوى بين معنييهما تخالف واللتين بينهما تأكيد لفظى بين معنييهما اتحاد واتفاق، ولهذا قيل إن" لا ريب فيه" تأكيد معنوى و" هدى" تأكيد لفظى وحينئذ ظهر الفرق بين التأكيدين، وعلم أنه ليس المراد بالتأكيد اللفظى التأكيد بنفس تكرير اللفظ إذ لم يتعرضوا له؛ لأنه لا يتوهم فيه صحة العطف. تأمل (قوله: هدى) الهدى هو الهداية وهى عبارة عن الدلالة على سبيل النجاة (قوله: أى هو هدى) أشار الشارح بذلك إلى أن محل كونه مما نحن بصدده إذا جعل هدى خبر مبتدأ محذوف، وإنما لم يجعله مبتدأ محذوف الخبر على تقدير فيه هدى مع أنه إذا جعل كذلك كان مما نحن بصدده، لفوات المبالغة المطلوبة، وأما إذا جعل خبرا عن" ذلك الكتاب" بعد الإخبار عنه ب" لا ريب فيه"، أو جعل حالا، والعامل اسم الإشارة فلا يكون مما نحن بصدده. (قوله: أى الضالين الصائرين إلى التقوى) هذا جواب عن إشكال، وحاصله أن الهداية إنما تتعلق بالضالين لا بالمتقين؛ لأنهم هم المهديون، فلو تعلقت الهداية بهم لزم تحصيل الحاصل، وحاصل الجواب أن المتقين فى الآية من مجاز الأول، فالمعنى هدى للضالين الصائرين للتقوى لقربهم من القبول، وهم الذين يستمعون الكتاب ويقبلونه، بخلاف المطبوع على قلوبهم، ومحصله أن المراد بالمتقين: المتقون بالقوة، أى المشرفون على التقوى، وأجاب بعضهم بجواب آخر، وحاصله أن تعلق الهداية بالموصوفين بالتقوى على معنى الزيادة، أى هو نفس زيادة الهدى للمتقين على هداهم، أى أنه يدلهم على ما لم يصلوا إليه من معانى التقوى، وأجاب السيد الصفوى بأن المراد المتقون فى علم الله (قوله: فإن معناه) أى معنى هدى للمتقين تأكيد وهذا تعليل لكون هو هدى للمتقين تأكيدا لفظيا لذلك الكتاب أى إنما كانت هذه الجملة تأكيدا لفظيّا لهذه الجملة التى قبلها لاتحادهما فى المعنى؛ لأن معناه (قوله: فى الهداية) متعلق بما بعده. وهو بالغ (قوله: أى غايتها) إنما لم يحمل الكنه على الحقيقة، لمنافاته لقوله بعد ذلك" حتى كأنه إلخ" وبيان ذلك أنه لما حكم بأن حقيقة

стр. 1235

لما فى تنكير هُدىً من الإبهام والتفخيم (حتى كأنه هداية محضة) حيث قيل: هُدىً ولم يقل: هاد (وهذا معنى: ذلِكَ الْكِتابُ؛ لأن معناه- كما مر-: الكتاب الكامل، والمراد بكماله: كماله فى الهداية؛ لأن الكتب السماوية بحسبها) أى: بقدر الهداية واعتبارها (تتفاوت فى درجات الكمال) لا بحسب غيرها؛ لأنها المقصود الأصلى من الإنزال (فوزانه) ... === الدرجة التى بلغها لا تدرك فلا يصح أن يتفرع عليه قوله حتى كأنه هداية محضة؛ لأن ذلك لا يتفرع إلا على إدراك حقيقته، لا على عدم إدراكها (قوله: لما فى تنكير هدى إلخ) علة لقوله" فإن معناه إلخ" (قوله: حتى كأنه) الأولى حتى إنه إذ فى حمل الشىء على الشىء فى مقام المبالغة دعوى الاتحاد من غير شائبة تردد انتهى أطول (قوله حيث قيل إلخ) الحيثية للتعليل (قوله: وهذا) أى بلوغ الكتاب فى الهداية درجة لا تدرك غايتها، وقوله معنى" ذلك الكتاب" أى بناء على أنه جملة مستقلة أى معناه المقصود منه لا المعنى المطابق الذى وضع له اللفظ (قوله: لأن معناه) أى: المقصود منه (قوله: والمراد بكماله) أى الكتاب (قوله: لأن الكتب السماوية بحسبها تتفاوت فى درجات الكمال) فإذا كان التفاوت فى الهداية وجب حمل الكمال على الكمال فى الهداية. (قوله: أى بقدر الهداية) فيه إشارة إلى أن الحسب بمعنى القدر، يقال: " عمل هذا بحسب عمل فلان" أى على قدره وقول المصنف: " بحسبها" متعلق" بتتفاوت" وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر، أى بحسبها تتفاوت لا بحسب غيرها، فإن قلت إن الكتب السماوية تتفاوت أيضا بحسب جزالة النظم وبلاغته، كالقرآن فإنه فاق سائر الكتب باعتبار إعجاز نطقه، فكيف يحصر المصنف تفاوت الكتب السماوية فى الهداية؟ وأجيب بأن الكتب السماوية وإن تفاوتت بحسب جزالة النظم وبلاغته، لكن المقصود الأصلى من الإنزال إنما هو الهداية، فحصر التفاوت فى الهداية للمبالغة اعتناء بشأن هذا التفاوت بتنزيل غيره منزلة العدم، وإلى هذا الجواب أشار الشارح بقوله" لأنها المقصود الأصلى إلخ". (قوله: لأنها المقصود الأصلى) أى لأنه ينبنى عليها كل غرض دنيوى وأخروى، (قوله فوزانه) أى نسبته ومرتبته وهذا مفرع على محذوف، والتقدير: " وحيث كان مدلول

стр. 1236

أى: وزان هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (وزان: زيد الثانى فى: جاءنى زيد زيد) لكونه مقررا ل ذلِكَ الْكِتابُ مع اتفاقهما فى المعنى بخلاف: لا رَيْبَ فِيهِ؛ فإنه يخالفه معنى (أو) لكون الجملة الثانية (بدلا منها) أى: من الأولى ... === ذلك الكتاب أنه الكتاب لا غير" وظاهره محال، بل الغرض وصفه بالكمال فى الهداية، ومدلول" هو هدى" أنه نفس الهدى، وهو محال أيضا، وإنما الغرض كونه كاملا فى إفادة الهداية فقد اتحدا فى عدم إرادة الظاهر، وفى إرادة الكمال فى الهداية وصار" هو هدى" تأكيدا لفظيّا فوزانه إلخ (قوله: أى وزان هدى للمتقين) لم يقل كسابقه مع ذلك الكتاب، وكذا قوله: " وزان زيد" لم يقل فيه مع زيد الأول اكتفاء بسابقه إذ لا فرق، ثم إن المراد مماثلة هو هدى لزيد الثانى فى اتحاد المعنى لدفع توهم الغلط والسهو؛ لأن التأكيد اللفظى إنما يؤتى به لدفع توهم السامع أن يذكر زيد الأول على وجه الغلط أو السهو، وأن المراد عمرو مثلا، واعترض العلامة السيد على المصنف بأنه حيث كان قوله" هدى للمتقين" وزانه وزان زيد الثانى كان المناسب حينئذ عطف" هدى للمتقين" على قوله" لا ريب فيه" لاشتراكهما فى التأكيدية لذلك الكتاب، وإن امتنع عطفه على المؤكد- بفتح الكاف- وأجيب بأن لا ريب فيه لما كان تأكيدا تابعا لما قبله، صار كهو، فلما امتنع العطف على ما قبله امتنع العطف عليه لشدة ارتباطه بما قبله، فالعطف عليه كالعطف على ما قبله قال فى الأطول: وهذا الاعتراض غفلة عن أنه لا يعطف تأكيد على تأكيد، فلا يقال جاء القوم كلهم وأجمعون؛ لإيهام العطف على المؤكد انتهى (قوله: مع اتفاقهما فى المعنى) أى المراد منهما (قوله: فإنه يخالفه معنى) أى وإن كان معنى ذلك الكتاب يستلزم نفى الريب عنه؛ فلذا جعل" لا ريب فيه" تأكيدا معنويّا وجعل" هدى للمتقين" تأكيدا لفظيّا. (قوله: بدلا منها) أى بدل بعض، أو اشتمال لا بدل غلط، إذ لا يقع فى فصيح الكلام، ولا بدل كل إذ لم يعتبره المصنف فى الجمل التى لا محل لها من الإعراب؛ لأنه لا يفارق الجملة التأكيدية إلا باعتبار قصد نقل النسبة إلى مضمون الجملة الثانية فى البدلية دون التأكيدية، وهذا المعنى لا يتحقق فى الجمل التى لا محل لها من الإعراب؛ لأنه

стр. 1237

(لأنها) أى: الأولى (غير وافية بتمام المراد، ... === لا نسبة بين الأولى منها وبين شىء آخر حتى ينتقل إلى الثانية وتجعل بدلا من الأولى، وإنما يقصد من تلك الجمل استئناف إثابتها، وبعضهم اعتبره فى الجمل التى لا محل لها، ونزل قصد استئناف إثباتها منزلة نقل النسبة، فأدخل بدل الكل فى كمال الاتصال، ومثل له بقول القائل" قنعنا بالأسودين قنعنا بالتمر والماء" فإذا قصد الإخبار بالأولى ثم بالثانية لتكون الأولى كغير الوافية بالمراد لما فيها من إبهام ما، والمقام يقتضى الاعتناء بشأن المخبر به تنفصيلا لما فيه من تشويق المخبر، أو نحو ذلك، كانت بدل كل فتحصل من هذا أن فى جعل الجملة الواقعة بدل كل من كل داخلة فى كمال الاتصال، أو غير داخلة خلافا، بخلاف الواقعة بدل بعض أو اشتمال فإنهما داخلان فيه قطعا؛ لأن المبدل منه فيهما غير واف بالمراد، حتى فى البدل الإفرادى فإنك إذا قلت أعجبنى زيد لم يتبين الأمر الذى منه أعجبك، وإذا قلت وجهه تبين وهو بعض زيد فكان بدل بعض، وإذا قلت أعجبنى الدار حسنها فكذلك والحسن ليس بعضا فكان بدل اشتمال، ومن هذا تعلم أن البدل الاتصالى لا يخلو من بيان ووفاء، ولم يقتصر على البدل فى جميع الأقسام دون المبدل منه مع أن الوفاء إنما هو بالبدل؛ لأن مقام البدل يقتضى الاعتناء بشأن النسبة وقصدها مرتين أوكد، ولا يقال حيث كان البدل الاتصالى لا يخلو عن بيان يلزم التباسه بعطف البيان؛ لأنا نقول البيان فى البدل غير مقصود بالذات؛ بل المقصود تقرير النسبة، وعطف البيان المقصود منه التفسير والإيضاح لا تقرير النسبة، فافهم. ووجه منع العطف فى بدل البعض والاشتمال أن المبدل منه فى نية الطرح عن القصد الذاتى، فصار العطف عليه كالعطف على ما لم يذكر، وقول بعضهم: وجه المنع أن البدل والمبدل منه كالشىء الواحد، لا يتم مع كون المبدل منه كالمعدوم، إذ لا يتحد ما هو بمنزلة المعدوم بالموجود مع أن البعض من حيث هو، والمشتمل عليه من حيث هو لا اتحاد بينه وبين ما قبله تأمل. (قوله: لأنها غير وافية) علة لمحذوف، أى وتبدل الثانية من الأولى لأنها إلخ.

стр. 1238

أو كغير الوافية) حيث يكون فى الوفاء قصور ما، أو خفاء ما (بخلاف الثانية) فإنها وافية كمال الوفاء ... === (قوله: أو كغير الوافية) أى لكونها مجملة أو خفية الدلالة، قاله عبد الحكيم، وذلك كما فى الآية والبيت الآتيين على ما يقتضيه صنيع الشارح، وعليه فيكون المصنف أهمل التمثيل لما إذا كانت الأولى غير وافية، والأحسن كما فى ابن يعقوب أن يراد بغير الوافية الجملة التى اتبعت ببدل البعض والاشتمال؛ لأنه لا يفهم المراد إلا بالبدل إذ لا إشعار بالأعم للأخص، ولا للمجمل بالمبين، وأن يراد بكغير الوافية الجملة التى اتبعت ببدل الكل بناء على اعتباره فى الجمل؛ لأن مدلول الأولى هو مدلول الثانية ما صدقا، وإن اختلفا مفهوما، والماصدق أكثر رعاية من المفهوم وعلى هذا يكون قوله" أوفي" تفصيلا باعتبار مطلق المشاركة لا باعتبار الوفاء بالمقصود فى الحالة الراهنة، ولا يقال حمل قوله" أو كغير الوافية" على التى أتبعت ببدل الكل لا يناسب مذهب المصنف؛ لأن بدل الكل عنده لا يجرى فى الجمل التى لا محل لها؛ لأنا نقول قوله" أو كغير الوافية" إشارة لمذهب غيره من جريان بدل الكل فى الجمل، وكأنه قال" أو كغير الوافية" على ما مشى عليه غيرنا، وإنما كان حمل كلام المصنف على هذا الذى قلنا أحسن؛ لأن غير الوافية هى التى صدر بها فينصرف التمثيل الذى ذكره لها، وتكون التى هى كغير الوافية كالمستطردة، باعتبار ما لم يذكره وذكره الغير، ويمكن أن يجمل قول المصنف" أو كغير الوافية" للتنويع الاعتبارى، وحينئذ فتكون الجملة الأولى فى كل من الآية والبيت غير وافية باعتبار، ووافية تشبه غير الوافية باعتبار آخر، بيان ذلك أن فى الأولى وفاء باعتبار كونها أعم وأشمل فيصح جعل الأولى مشاركة للثانية فى الوفاء بالمراد، وإن كانت الأولى وافية به إجمالا والثانية وافية به تفصيلا، وزادت الثانية بالتفصيل فتكون أوفى فشبه الأولى بغير الوافية؛ لخلوها عن التفصيل الذى هو المقصود، ويصح جعل الأولى غير وافية بالمراد الذى هو التفصيل حيث جعل المراد هو التفصيل تأمل (قوله حيث يكون فى الوفاء قصور ما) أى حيث يكون فى وفاء الأولى بالمراد قصور؛ لكونها مجملة كما فى الآية (وقوله: أو خفاء) أى أو يكون فى الأولى خفاء فى

стр. 1239

(والمقام يقتضى اعتناء بشأنه) أى: بشأن المراد؛ (لنكتة؛ ككونه) أى: المراد (مطلوبا فى نفسه، أو فظيعا، أو عجيبا، ... === الدلالة على المراد، كما فى البيت وهذا راجع لقوله" أو كغير الوافية" (قوله: والمقام يقتضى اعتناء بشأنه) جملة حالية أى لكون الأولى غير وافية بالمراد، والحال أن المقام يقتضى اعتناء بشأنه، فمن ثم أتى بالمبدل منه ثم بالبدل ولم يقتصر على البدل مع أن الوفاء إنما هو به لأن قصد الشىء مرتين أوكد، كذا قرر شيخنا العدوى، والمراد بالمقام هنا حال المراد، وفى ابن يعقوب أن قوله" والمقام إلخ" جواب عما يقال هب أن الجملة الأولى غير وافية كل الوفاء بالمراد فلم لم يقتصر عليها ويوكل فهم المراد للسامع فقد يتعلق الغرض بالإبهام؟ فأشار إلى أن البدل إنما يؤتى به فى مقام يقتضى الاعتناء بشأنه فتقصد النسبة مرتين فى الجمل والمنسوب إليه من حيث النسبة مرتين فى المفردات (قوله: بشأن المراد) أى وحينئذ فلا بد من إتمامه، ولم يرجع الضمير إلى تمام المراد؛ لأن الاعتناء بشأن المراد يقتضى المبالغة فى إتمامه. (قوله: لنكتة) الأولى حذفه إذ النكتة نفس المقام، كما فى الأطول وابن يعقوب (قوله: ككونه مطلوبا فى نفسه) أى وشأن المطلوب أن يعتنى به ويبين، وذلك كما فى الآية، وكان الأولى حذف قوله" فى نفسه" ليشمل ما إذا كان المراد مطلوبا ذريعة لغيره كما أشار له الشارح بقوله فيما يأتى وذريعة إلخ (قوله: أو فظيعا) أى عظيما من القبح والشناعة فلفظاعته وكون العقل لا يدركه ابتداء يعتنى بشأنه فيبدل منه ليتقرر فى ذهن السامع بقصده مرتين، نحو أن يقال لامرأة تزنى وتتصدق توبيخا لها وتقريعا" لا تجمعى بين الأمرين، لا تزنى ولا تتصدقي" وهذا المثال بناء على ورود بدل الكل فى الجمل التى لا محل لها (قوله: أو عجيبا) أى فيعتنى به لإعجاب المخاطب قصدا لبيان غرابته، وكونه أهلا لأن ينكر إن ادعى نفيه هو، أو أصل يتعجب منه أن ادعى إثباته كما إذا رأيت زيدا محتاجا ويتعفف فتقول: زيد جمع بين أمرين يحتاج ويتعفف، ونحو بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ. قالُوا أَإِذا مِتْنا إلخ (١) فإن البعث بعد صيرورته العظام ترابا عجيب عند منكريه، ومن عجائب القدر عند مثبتيه، وهذا أيضا مثال لبدل الكل، ومثاله أيضا: قال زيد قولا قال" أنا

стр. 1240

أو لطيفا) فتترل الثانية من الأولى مترلة بدل البعض، أو الاشتمال؛ فالأول: (نحو: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١) فإن المراد التنبيه على نعم الله تعالى) والمقام يقتضى اعتناء بشأنه؛ لكونه مطلوبا فى نفسه وذريعة إلى غيره (والثانى) - أعنى: قوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ إلخ- (أوفى بتأديته) أى: تأدية المراد الذى هو التنبيه (لدلالته) أى: الثانى (عليها) أى: على نعم الله تعالى (بالتفصيل === أهزم الجند وحدى" (قوله: أو لطيفا) أى ظريفا مستحسنا فيقتضى ذلك الاعتناء به، لإدخال ما يستغرب فى أذهان السامعين، كما إذا رأيت زيدا رقيق القلب حسن السيرة فتقول زيد جمع بين أمرين جمع بين رقة القلب وحسن السيرة، ونحو لا تجمع بين الأمرين لا تجمع بين السماع واللهو (قوله: فتنزل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض) أى فى المفرد، وإلا فهى بدل حقيقة، وكذا قوله الاشتمال على ما تقدم ثم إن تنزيل الجملة الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال استشكلوه بأن ضابط بدل الاشتمال- وهو أن يكون المبدل منه متقاضيا لذكر البدل- غير موجود هنا، وأجيب بأن هذا ضابط البدل فى المفردات. (قوله: نحو أمدكم) أى نحو قول الله تعالى حكاية عن قول نبيه" هود" لقومه ولا يقال الكلام فيما لا محل له وأَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ محلها النصب؛ لأنها مفعول اتقوا قبله؛ لأنا نقول هذه الجملة صلة الموصول، وقد صرح ابن هشام بأن المحل للموصول دون الصلة، وصرح العلامة السيد بأن المحل لمجموع الصلة والموصول فمجرد الصلة لا محل لها، وقوله: فإن المراد أى: من هذا الخطاب (قوله: والمقام يقتضى اعتناء بشأنه) الجملة حالية أى: والحال أن المقام يقتضى الاعتناء بشأن التنبيه المذكور لكونه مطلوبا فى نفسه؛ لأن إيقاظهم من سنة غفلتهم عن نعم الله مطلوب فى نفسه؛ لأنه تذكير للنعم لتشكر والشكر عليها مبدأ لكل خير (قوله: وذريعة إلى غيره) وهو التقوى المشار لها بقوله تعالى قبل ذلك: " واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون" بأن يعلموا بذلك التنبيه أن من قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعمة فهو قادر على الثواب والعقاب فيتقونه (قوله: لدلالته عليها بالتفصيل) أى: حيث سميت بنوعها بخلاف الأول فإنه يدل عليها إجمالا؛ لأن الإمداد يشعر بأن المراد بما يعلمونه نعم

стр. 1241

من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين، فوزانه وزان [وجهه] فى: أعجبنى زيد وجهه؛ لدخول الثانى فى الأول) لأن بِما تَعْلَمُونَ يشمل الأنعام وغيرها (والثانى) أعنى: المترل مترلة بدل الاشتمال (نحو: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن فى السرّ والجهر مسلما (١)) === وهى غير مسماة بنوعها (قوله: من غير إحالة) أى: من غير أن يحال تفصيلها على علم المخاطبين المعاندين لكفرهم؛ لأنه لو أحيل تفصيلها إلى علمهم لربما نسبوا تلك النعم إلى قدرتهم جهلا منهم وينسبون له تعالى نعما أخر كالإحياء والتصوير (قوله: فوزانه) أى: فمرتبة قوله: أمدكم بأنعام وبنين إلخ بالنسبة لقوله أمدكم بما تعلمون (قوله: وزان وجهه) أى: مرتبة قولك: أعجبنى زيد وجهه (قوله: لدخول الثانى) أعنى مضمون أمدكم بأنعام وبين إلخ، وقوله فى الأول يعنى أمدكم بما تعلمون (قوله: يشمل الأنعام وغيرها) أى: من السمع والبصر والعز والراحة وسلامة الأعضاء والبدن ومنافعها فما ذكر من النعم فى الجملة الثانية بعض ما ذكر فى الأول كما أن الوجه بعض زيد، وكان الأولى للشارح أن يقول: لأن ما يعلمون يشمل ما ذكر فى الجملة الثانية من النعم الأربعة وغيرها كالسمع والبصر؛ لأن كلامه يوهم أن المراد بغير الأنعام النعم الثلاثة المذكورة بعدها فى الآية الثانية وليس هذا مرادا. بقى شىء آخر وهو أن قوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إن كان هو المراد فقط من الجملة الأولى كانت الثانية بدل بعض، ولكن يفوت التنبيه على جميع النعم المعلومة لهم وإن أريد ما هو أعم لم تكن الثانية بدل بعض، بل من ذكر الخاص بعد العام فلا تكون الثانية أوفى؛ لأن الأولى أوفى من جهة العموم، والثانية أوفى من جهة التفصيل-. اه يعقوبى. (قوله: أعنى المنزل منزلة بدل الاشتمال) أى: فى المفردات فلا يقال: إن جملة لا تقيمن عندنا بدل اشتمال، وحينئذ فما معنى التنزيل (قوله: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا) قال فى شرح الشواهد لا يعلم قائله، ومعنى البيت: أقول له حيث لم يكن باطنك وظاهرك سالما من ملابسة ما لا ينبغى فى شأننا فارحل ولا تقيمن فى حضرتنا (وقوله: وإلا

стр. 1242

فإن المراد به) أى: بقوله [ارحل] (كمال إظهار الكراهة لإقامته) أى: المخاطب (وقوله: [لا تقيمن عندنا] أوفى بتأديته لدلالته) أى: دلالة [لا تقيمن] (عليه) أى: على كمال إظهار الكراهة (بالمطابقة مع التأكيد) الحاصل من النون، === فكن إلخ) أى: وإن لم ترحل فكن على ما يكون عليه المسلم من استواء الحالين فى السر والجهر أى: فى الظاهر والباطن (قوله: فإن المراد به كمال إظهار الكراهة لإقامته) ليس المراد أن ارحل موضوع لكمال إظهار الكراهة؛ لأنه إنما وضع لطلب الرحيل، لكن لما كان طلب الشىء عرفا يقتضى غالبا محبته ومحبة الشىء تستلزم كراهة ضده وهو الإقامة هنا فهم منه كراهة الإقامة، والدليل على أن الأمر أجرى على هذا الغالب ولم يرد به مجرد الطلب الصادق بعدم الكراهة للضد قوله: وإلا فكن فى السر إلخ، فإنه يدل على كراهة إقامته لسوئه لا أنه مأمور بالرحيل مع عدم المبالاة بإقامته وعدم كراهتها، بل لمصلحة له فيه مثلا، فظهر من هذا أن لفظ ارحل دال على كراهة الإقامة لزوما، وذكر هذا اللفظ يفيد إظهار الكراهة والعدول عن الإشارة والرمز والحال مما يفيد إظهار الكراهة إلى اللفظ الأقوى منها يدل على كمال ذلك الإظهار (قوله: لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد) وذلك لأن لفظ لا تقيمن يدل على كراهة الإقامة بالمطابقة العرفية وذكر هذا اللفظ مفيد لإظهار كراهتها ونون التأكيد دالة على كمال هذا الإظهار- كذا قرر شيخنا العدوى، وعليه يكون قوله لا تقيمن: ليس دالا على كمال إظهار الكراهة بدون اعتبار التأكيد، بل بواسطة اعتباره، وحينئذ فقول المصنف مع التأكيد متعلق بالدلالة فيفيد مقارنة الدلالة للتأكيد من كون لا تقيمن أوفى، والحاصل أن كلا من ارحل ولا تقيمن وإن دل على كمال إظهار الكراهة، إلا أن دلالة لا تقيمن على ذلك بالمطابقة ودلالة ارحل عليه بالالتزام، ولما كانت دلالة لا تقيمن على هذا المقصود أوفى لما ذكره وهو مع ذلك ليس بعض مدلول ارحل ولا نفسه، بل هو ملابسه للملازمة بينهما صار بدل اشتمال منه، ويمكن أن يقال: إن قوله لا تقيمن يدل على كراهة الإقامة بالمطابقة العرفية، وذكر هذا اللفظ مفيد لإظهار تلك الكراهة والعدول عن الإشارة وغيرها مما يفيد إظهار الكراهة المذكورة إلى اللفظ الأقوى منهما يدل على كمال ذلك الإظهار، كما أن نون التوكيد وحدها تفيد كمال ذلك الإظهار، وعلى هذا الاحتمال يكون قوله لا تقيمن أوفى بتأدية المراد من ارحل من وجهين. الأول: دلالة ارحل على كمال إظهار الكراهة بالالتزام ودلالة لا تقيمن بالمطابقة

стр. 1243

وكونها مطابقة باعتبار الوضع العرفى؛ حيث يقال: لا تقم عندى؛ ولا يقصد كفه عن الإقامة، بل مجرد إظهار كراهة حضوره (فوزانه) أى: وزان: [لا تقيمن عندنا] (وزان [حسنها] فى: أعجبنى الدار حسنها؛ لأن عدم الإقامة مغاير للارتحال) فلا يكون تأكيدا ... === - الثانى: اشتمال لا تقيمن على التأكيد دون ارحل، وعلى هذا الاحتمال فقول المصنف مع التأكيد: حال من ضمير دلالته أى: لدلالته عليه بالمطابقة حال كونه مصاحبا للتأكيد وهذا يفيد أن دلالته عليه بالمطابقة حال كونه مع التأكيد دون حال خلوه عنه وكل من الاحتمالين- قرره بعضهم. (قوله: وكونها مطابقة إلخ) هذا جواب عما يقال: إن قوله لا تقيمن عندنا إنما يدل بالمطابقة على طلب الكف عن الإقامة لأنه موضوع للنهى وأما إظهار كراهة المنهى عنه وهو الإقامة فمن لوازمه ومقتضياته، وحينئذ فدلالته عليه تكون بالالتزام دون المطابقة فكيف يدعى المصنف أنها بالمطابقة، وحاصل الجواب: أنا نسلم أن دلالته على إظهار كراهة الإقامة بالالتزام، لكن هذا بالنظر للوضع اللغوى ودعوى المصنف أن دلالته عليه بالمطابقة بالنظر للوضع العرفى لا اللغوى؛ لأن لا تقم عندى صار حقيقة عرفية فى إظهار كراهة إقامته حتى إنه كثيرا ما يقال لا تقم عندى ولا يقصد بحسب العرف كفه عن الإقامة الذى هو المدلول اللغوى، بل مجرد إظهار كراهة حضوره وإقامته عنده سواء وجد معها ارتحال أو لا (قوله: فوزانه) أى: فمرتبة لا تقيمن مع قوله ارحل (قوله: وزان حسنها) أى: مرتبة حسنها مع الدار فى قولك: أعجبنى الدار حسنها (قوله: لأن عدم إلخ) أى: إنما كان وزانه وزان حسنها؛ لأن عدم الإقامة أى: الذى هو مطلوب بلا تقيمن، وقوله مغاير للارتحال أى: الذى هو مطلوب بقوله ارحل وقوله مغاير للارتحال أى: بحسب المفهوم وإن تلازما بحسب الوجود. (قوله: فلا يكون تأكيدا) اعترض بأنه إن أراد نفى التأكيد اللفظى فقط فلا يكون مخرجا للمعنوى، وحينئذ لم يتم التعليل، وإن أراد نفى التأكيد مطلقا فيرد عليه أن هذا يفيد أن التأكيد المعنوى لا يكون مغايرا فى المعنى- وهو مشكل بما تقدم من قوله: لا ريب فيه، فإنه تأكيد لقوله ذلك الكتاب مع مغايرته له فى المعنى وبما ذكروه فى قوله إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أنه تأكيد لقوله: إِنَّا مَعَكُمْ لأن الاستهزاء بالإيمان رفع له، والإيمان نقيض

стр. 1244

(وغير داخل فيه) فلا يكون بدل بعض، ولم يعتد ببدل الكل لأنه إنما يتميز عن التأكيد بمغايرة اللفظين، وكون المقصود هو الثانى؛ وهذا لا يتحقق فى الجمل؛ ... === الكفر، ورفع نقيض الشىء تأكيد له، وأجيب باختيار الثانى وهو أن المراد نفى التأكيد مطلقا، إلا أن المراد بقوله مغاير للارتحال أى: مغايرة قوية لا يؤول الأمران فيها لشىء واحد وإن تلازما فى الوجود، وحينئذ فلا تكون الجملة الثانية توكيدا لفظيا؛ لأنه لا مغايرة فيه بين المفهومين ولا تأكيدا معنويا؛ لأن المفهومين فيه وإن تغايرا لكن مغايرة قريبة بحيث يرجع معها الثانى إلى معنى الأول كما مر- كذا قرره شيخنا العدوى. (قوله: وغير داخل فيه) أى: وعدم الإقامة غير داخل فى مفهوم الارتحال (قوله: فلا يكون بدل بعض إلخ) هذا ظاهر بناء على أن الأمر بالشىء لا يتضمن النهى عن ضده، وأما على القول بأن الأمر بالشىء يتضمن النهى عن ضده، بمعنى أن النهى عن ضده جزؤه- كما ذهب إليه جمع، وصرح به السيد فى شرح المفتاح فيكون قوله لا تقيمن عندنا فى حكم بدل البعض من الكل- كذا فى الفنارى. (قوله: ولم يعتد ببدل الكل) أى: بحيث يذكر ما يخرجه، فالقصد بهذا نفى كون لا تقيمن بدل كل ليتم دليل البر وليس قصد الشارح به الاعتذار عن عدم ذكر المصنف بدل الكل حتى يرد عليه بأن الأولى له أن يقدم هذا الكلام عند قوله السابق منزلة بدل البعض أو الاشتمال أو يؤخره عن بقية التوجيه (قوله: لأنه) أى: بدل الكل (قوله: إنما يتميز عن التأكيد) أى: اللفظى فى المفردات، (وقوله: بمغايرة اللفظين) أى: فى البدل وأما التوكيد اللفظى فلا تجب فيه المغايرة بين اللفظين، بل تارة يتغايران وتارة يكونان غير متغايرين (قوله: وكون المقصود) أى: من البدل هو الثانى أى: بنقل نسبة العامل إليه وهو عطف على مغايرة (قوله: وهذا لا يتحقق إلخ) أى: وما ذكر من مغايرة اللفظين التى يحصل معها تمييز بدل الكل من التوكيد وكون المقصود الثانى لا يتحقق فى الجمل؛ لأن التوكيد اللفظى فى الجمل فيه المغايرة بين اللفظين دائما وكل من الجمل مستقل فيكون كل منها مقصودا، فلو كان بدل الكل يجرى فى الجمل لما تميز عن التوكيد، فحينئذ لا بدل كل فى الجمل لإغناء التوكيد فيها عنه، فلذا لم يعتد المصنف ببدل الكل بحيث يخرجه، والحاصل أن المصنف لم يذكر ما يخرج بدل الكل لفقد وجوده فى الجمل؛ لأن ما يفرق به بين بدل الكل والتوكيد فى المفردات لا يتحقق فى الجمل، وحينئذ فالتأكيد يغنى عن البدل فيها- كذا قرر شيخنا العدوى.

стр. 1245

لا سيما التى لا محل لها من الإعراب (مع ما بينهما) أى: بين عدم الإقامة والارتحال (من الملابسة) اللزومية فيكون بدل اشتمال، والكلام فى الجملة الأولى؛ أعنى: [ارحل] ذات محل من الإعراب؛ مثل: ما مر فى [أرسوا نزاولها] وإنما قال فى المثالين: إن الثانية أوفى؛ ... === (قوله: لا سيما التى لا محل لها من الإعراب) أى: لأنه لا يتصور فيها أن تكون الثانية هى المقصودة بالنسبة، إذ لا نسبة هناك بين الأولى وشىء آخر حتى تنقل للثانية وتجعل الثانية بدلا من الأولى فى تلك، فظهر من كلام الشارح أن بدل الكل لا يكون فى الجمل مطلقا سواء كان لها محل أو لا، وهذا مخالف لما ذكره العلامة السيد فى حاشية الكشاف: من أن ذلك خاص بما لا محل له حيث قال: ثم الظاهر أن قوله: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بدل كل من قوله: إِنَّا مَعَكُمْ وأرباب البيان: لا يقولون بذلك فى الجملة التى لا محل لها من الإعراب. اه. ومقتضى ذلك أن الجمل التى لها محل يجرى فيها بدل الكل؛ لأنه يتأتى فيها قصد الثانية بسبب قصد نقل نسبة العامل إليها بخلاف التى لا محل لها من الإعراب، فإنه لا نسبة فيها للعامل حتى تنقل إلى مضمون الجملة الثانية، هذا وقد تقدم أن بعضهم نزل استئناف حكم الجملة التى لا محل لها من الإعراب منزلة نقل الحكم إلى مضمون الثانية، فجوز بدل الكل فى الجمل مطلقا أى: سواء كان لها محل من الإعراب أم لا، فإن قلت: كان على المصنف أن يذكر ما يخرج بدل الغلط حتى يتم مدعاه من بدل الاشتمال قلت: تركه لعدم وقوعه فى الفصيح كذا قيل، وفيه أن الذى لا يقع فى الفصيح الغلط الحقيقى، وأما إن كان غير حقيقى بأن تغالط بأن يفعل المتكلم فعل الغالط لغرض من الأغراض فهذا واقع فى الفصيح إلا إنه نادر، وندرته لا تقتضى عدم ذكر ما يخرجه فلعل المصنف إنما ترك ما يخرجه لعدم تأتيه فى البيت المذكور؛ لأن بدل الغلط إنما يكون إذا لم يكن بين البدل والمبدل منه ملابسة لزومية على الظاهر- تأمل. (قوله: مع ما بينهما من الملابسة) أى: لأن الأمر بالشىء كالرحيل يستلزم النهى عن ضده كالإقامة (قوله: فيكون بدل اشتمال) هذا نتيجة دليل السير (قوله: والكلام إلخ) هذا إشارة إلى جواب اعتراض وارد على المصنف، وحاصله أن الكلام فى الجمل التى لا محل لها وما أتى به من البيت ليس الجملتان فيه كذلك؛ لأن قوله: ارحل لا تقيمن محكيان

стр. 1246

لأن الأولى وافية مع ضرب من القصور؛ باعتبار الإجمال وعدم مطابقة الدلالة فصارت كغير الوافية. [الفصل لشبه كمال الانقطاع]: (أو) لكون الثانية (بيانا لها) أى: للأولى (لخفائها) أى: الأولى ... === بالقول فمحلهما نصب، وحاصل الجواب أن ما ذكره المصنف من البيت مثال لكمال الاتصال بين الجملتين بسبب كون الثانية بدل اشتمال من الأولى بقطع النظر عن كون الجملتين لهما محل من الإعراب أو لا، وأجاب السيد بجواب آخر وحاصله: أن قوله ارحل لا تقيمن حكاية عما يقوله الشاعر فى زمان الاستقبال، وعلى هذا فهو مثال باعتبار المحكى ولا محل له من الإعراب (قوله: لأن الأولى) أى: الجملة الأولى من القسمين بدل البعض وبدل الاشتمال (قوله: باعتبار الإجمال) أى: العموم وهذا باعتبار ما مثل به للقسم الأول من الآية؛ لأن الجملة الأولى فيها دالة على النعم المذكورة بالعموم بخلاف الجملة الثانية فإنها تفوقها بدلالتها عليها بالخصوص (قوله: وعدم مطابقة الدلالة) هذا بالنظر لما مثل به للقسم الثانى من البيت؛ وذلك لأن المقصود من قوله: ارحل لا تقيمن عندنا كمال إظهار الكراهة لإقامته ودلالة الجملة الأولى على ذلك المعنى باللزوم كما تقدم بيانه بخلاف الجملة الثانية فإنها تفوقها بدلالتها على ذلك بالمطابقة باعتبار الوضع العرفى. (قوله: فصارت) أى: الأولى بالنسبة للثانية كغير الوافية هذا يقتضى أن المصنف لم يمثل لغير الوافية بل لما هو كغير الوافية، والأولى حمل الكلام على ما قلناه سابقا من أن غير الوافية هى التى أتبعت ببدل البعض والاشتمال، وأن التى هى كغير الوافية هى التى أتبعت ببدل الكل بناء على اعتباره فى الجمل، وإنما كان حمل الكلام على هذا أولى لما مر من أن غير الوافية هى التى صدر بها فيصرف التمثيل لها، وتكون التى هى كغير الوافية كالمستطردة باعتبار ما لم يذكره هو وذكره الغير. [الفصل لشبه كمال الانقطاع]: (قوله: لخفائها) أى: فالمقصود بالجملة الثانية بيان الأولى لما فيها من الخفاء مع اقتضاء المقام إزالته من غير أن يقصد بها استئناف الأخبار بنسبتها كما فى البدل والفرق بين البدل والبيان مع وجود الخفاء فى كل من المبدل منه والمبين أن المقصود فى البدل هو الثانى لا الأول، والمقصود فى البيان هو الأول والثانى توضيح له، فالإيضاح فى الأول حاصل غير

стр. 1247

(نحو: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١) فإن وزانه) أى: وزان: قالَ يا آدَمُ (وزان [عمر] فى قوله: أقسم بالله أبو حفص عمر) ... ما مسّها من نقب ولا دبر (٢) === مقصود منه بالذات وحاصل مقصود من الثانى (قوله: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ إلخ) ضمن وسوس معنى ألقى فعدى بإلى، فكأنه قيل فألقى إليه الشيطان وسوسته، وهذه الجملة فيها خفاء، إذ لم تتبين تلك الوسوسة فبينت بقوله: قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى وأضاف الشجرة للخلد بادعاء أن الأكل منها سبب لخلود الآكل وعدم موته، ومعنى وملك لا يبلى: لا يتطرق إليه نقصان فضلا عن الزوال، واعترض على المصنف فى تمثيله بالآية بأن الظاهر أن جملة وسوس إلخ فى محل جر لعطفها على جملة قلنا المضافة لإذ من قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (٣) الآية، إلا أن يقال: إنه مثال لكمال الاتصال بين الجملتين بسبب كون الثانية بيانا بقطع النظر عن كون الأولى لها محل أو لا- تأمل. (قوله: فإن وزانه إلخ) الملائم لما سبق فوزانه- اه أطول. (قوله: ما مسها من نقب ولا دبر) النقب ضعف أسفل الخف فى الإبل، وضعف أسفل الحافر فى غيرها من خشونة الأرض والنقبة بالضم أول ما يبدو من الجرب قطعا متفرقة، والدبر جراحة الظهر. وهذا البيت لأعرابى أتى عمر بن الخطاب فقال: إن أهلى بعيد وإنى على ناقة دبراء عجفاء نقباء استحمله فظنه كاذبا، فقال والله ما نقبت ولم يحمله، فانطلق الأعرابى فحل بعيره ثم استقبل البطحاء وجعل يقول وهو يمشى خلف بعيره: أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسّها من نقب ولا دبر اغفر له اللهمّ إن كان فجر

стр. 1248

حيث جعل الثانى بيانا وتوضيحا للأول فظهر أن ليس لفظ: قالَ بيانا وتفسيرا للفظ: (وسوس) حتى يكون هذا من باب بيان الفعل لا من بيان الجملة، بل المبين هو مجموع الجملة ... === أى: حنث فى يمينه وعمر مقبل من قبل الوادى فجعل يقول: إذا قال الأعرابى اغفر له اللهم إن كان فجر اللهم صدق حتى التقيا، فأخذ بيده فقال ضع عن راحلتك فوضع فإذا هى نقباء عجفاء فحمله على بعير وزوده وكساه- كذا فى الفائق. (قوله: حيث جعل الثانى بيانا للأول) أى: فيهما فكما جعل عمر بيانا وتوضيحا لأبى حفص؛ لأنه كنية يقع فيها الاشتراك كثيرا كذلك وسوسة الشيطان بينت بالجملة بعدها مع متعلقاتها لخفاء تلك الوسوسة، واعترض على الشارح بأن ظاهره أن الجملة الثانية فى نحو: " فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم" إلخ عطف بيان فى الاصطلاح، وقد صرح فى المغنى بأن ما لا ينعت لا يعطف عليه عطف بيان؛ لأن عطف البيان فى الجوامد بمنزلة النعت فى المشتقات وأيده بالنقل عن ابن مالك وغيره، وقد تقدم أن الجملة لا تنعت بمثلها، اللهم إلا أن يقال: قول المغنى ما لا ينعت يعنى من المفردات لا يعطف عليه عطف بيان، وحينئذ فلا يعارض ما هنا- تأمل. (قوله: فظهر أن ليس لفظ قال) أى: فقط وقوله للفظ وسوس أى: فقط، وقوله من باب بيان الفعل أى: بالفعل، (وقوله: بل المبين) هو بفتح الياء بصيغة اسم المفعول مجموع الجملة أى: وكذلك المبين بصيغة اسم الفاعل هو مجموع الجملة، وهذا جواب عما يقال اعتراضا على المصنف لم لا يجوز أن يكون البيان فى الآية المذكورة من باب بيان الفعل بالفعل فيكون البيان فى المفردات لا فى الجمل، وحينئذ فلا يصح التمثيل بالآية المذكورة ووجه ما ذكره الشارح من الظهور أنه إذا اعتبر مطلق القول بدون اعتبار الفاعل لم يكن بيانا لمطلق الوسوسة، إذ لا إبهام فى مفهوم الوسوسة فإنه القول الخفى بقصد الإضلال ولا فى مفهوم القول أيضا، بخلاف ما إذا اعتبر الفاعل، فإنه حينئذ يكون المراد منها فردا صادرا من الشيطان ففيه إبهام يزيله قول مخصوص صادر منه، وقال بعضهم: وجه الظهور أن القول أعم من الوسوسة؛ لأنها خصوص القول سرا والعام لا يبين الخاص، وفيه أن كون الثانى أعم من الأول لا يضر فى كونه

стр. 1249

(وأما كونها) أى: الجملة الثانية (كالمنقطعة عنها) أى: عن الأولى (فلكون عطفها عليها) - أى: عطف الثانية على الأولى- (موهما عطفها على غيرها) مما ليس بمقصود، وشبه هذا بكمال الانقطاع باعتبار اشتماله على مانع من العطف، إلا أنه لما كان خارجا يمكن دفعه بنصب قرينة لم يجعل هذا من كمال الانقطاع ... === عطف بيان، إذ اللازم فيه حصول البيان باجتماعهما لا كون الثانى أخص من الأول- قاله عبد الحكيم، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون القول المقيد بالمفعول بيانا للوسوسة المقيدة بكونها إلى آدم من غير اعتبار الفاعل فى كليهما فلا تكون الجملة عطف بيان للجملة؟ قلت: هذا ليس بشىء، إذ لا معنى لاعتبار الفعل المعلوم بدون الفاعل واعتباره مع المفعول (قوله: وأما كونها كالمنقطعة عنها) فيجب فصلها عنها كما يجب الفصل بين كاملتى الانقطاع وهذا شروع فى شبه كمال الانقطاع، وحينئذ فكان المناسب لما تقدم أن يقول، وأما شبه كمال الانقطاع فلكون عطفها عليها إلخ (قوله: موهما لعطفها على غيرها) أى: يوقع فى وهم السامع وفى ذهنه عطفها على غيرها ولو على سبيل الرجحان (قوله: مما ليس بمقصود) أى: مما ليس بمقصود العطف عليه لأداء العطف عليه لخلل فى المعنى كما يتضح ذلك فى المثال الآتى، (وقوله: مما ليس إلخ) بيان لغيرها (قوله: وشبه) هو بصيغة الفعل الماضى المبنى للفاعل أى: وشبه المصنف هذا أى: كون عطفها على السابقة موهما (قوله: على مانع من العطف) أى: وهو إيهام خلاف المقصود، فإن قلت: إن كمال الاتصال فيه مانع من العطف فمقتضاه أن يسمى شبه كمال الانقطاع. قلت: المراد أن العطف مع الإيهام مشتمل على مانع من العطف مع وجود المصحح له وهو التغاير الكلى بخلاف كمال الاتصال، فإن المصحح فيه منتف لعدم التغاير الكلى بين الجملتين فمن قال: إن المانع فى كمال الاتصال أيضا موجود فلا بد هنا من اعتبار قيد مع التغاير فى المعنى حتى تكون صورة الإيهام شبيهة بكمال الانقطاع فقد وهم (قوله: إلا أنه) أى: ذلك المانع (قوله: لما كان خارجا) أى: عن ذات الجملتين بخلاف المانع فى كمال الانقطاع فهو أمر ذاتى لا يمكن دفعه أصلا وهو كون إحداهما خبرية والأخرى إنشائية أو لا جامع بينهما.

стр. 1250

(ويسمى الفصل لذلك قطعا، مثاله: وتظنّ سلمى أنّنى أبغى بها ... بدلا أراها فى الضّلال تهيم) (١) فبين الجملتين مناسبة ظاهرة لاتحاد المسندين؛ لأن معنى: [أراها]: أظنها، وكون المسند إليه فى الأولى محبوبا، وفى الثانية محبا ... === (قوله: ويسمى الفصل) أى: ترك العطف، وقوله أى لأجل كون العطف موهما، أو لأجل دفع الإيهام، وقوله قطعا: مفعول يسمى الثانى، والأول نائب الفاعل الذى هو الفصل، ووجه تسميته بالقطع إما لقطعه لتوهم خلاف المراد، وإما لأن كل فصل قطع فيكون من تسمية المقيد باسم المطلق (قوله: مثاله) أى: مثال الفصل لدفع الإيهام المسمى بالقطع وعبر بالمثال دون الشاهد لأجل قوله: ويحتمل الاستئناف؛ لأن الاحتمال لا يضر فى المثال ويضر فى الشاهد (قوله: أبغى بها بدلا) الباء للمقابلة فما قيل: إنها بمعنى عنها متعلق بمحذوف حال من بدلا، والمعنى: اطلب بدلا عنها تكلف مستغنى عنه (قوله: أراها) بصيغة المجهول شاع استعماله بمعنى الظن، وأصله أرانى الله إياها تهيم فى الضلال ثم بنى للمجهول، وحينئذ فالضمير المستتر فى أراها الذى هو نائب الفاعل مفعول أول، والهاء مفعول ثان، وجملة تهيم مفعوله الثالث، وإنما جعل الشاعر ضلالها مظنونا مع أن المناسب دعوى اليقين؛ لأنه إذا علم فساد ظنها به هذا الأمر كان متحققا لفساد ظنها رعاية لمقابلة الظن بالظن أو للتأدب عن نسبة الضلال إليها على طريق اليقين (قوله: تهيم) يقال: هام على وجهه يهيم هيما وهيمانا ذهب فى الأرض من العشق وغيره (قوله: فبين الجملتين) أى: الخبريتين أعنى قوله: وتظن سلمى، وقوله أراها فى الضلال تهيم، وحاصل كلامه أن هاتين الجملتين بينهما مناسبة لوجود الجهة الجامعة وهى الاتحاد بين مسنديهما وهو تظن وأرى؛ لأن معنى أرى أظن وشبه التضايف بين المسند إليه فيهما وهو ضمير تظن وأراها المستتر فيهما، فإن الأول عائد على سلمى وهى محبوبة، والثانى عائد على الشاعر وهو محب، وكل من المحب والمحبوب يشبه أن يتوقف تعقله على تعقل الآخر، إلا أنه ترك العطف لمانع، واعترض على الشارح فى قوله:

стр. 1251

لكن ترك العاطف لئلا يتوهم أنه عطف [أبغى] فيكون من مظنونات [سلمى] (ويحتمل الاسئناف) كأنه قيل: ... === فبين الجملتين مناسبة ظاهرة بأن هذا ينافى ما تقدم له من أن الوصل يقتضى مغايرة ومناسبة، والمناسبة لا تناسب كمال الانقطاع ولا شبهه، وأجيب بأن المناسبة التى لا تناسبه هى المصححة للعطف بخلاف التى معها الإيهام المنافى للعطف فيصح وجودها فيه (قوله: لكن ترك العاطف لئلا يتوهم أنه) أى: الجملة الثانية وذكر الضمير باعتبار أنها كلام، وحاصله أنه لو عطف جملة أراها على جملة تظن سلمى لكان صحيحا، إذ لا مانع من العطف عليه، إذ المعنى حينئذ أن سلمى تظن كذا وأظنها كذا، وهذا المعنى صحيح ومراد للشاعر، إلا أنه قطعها ولم يقل: وأراها لئلا يتوهم السامع أنها عطف على أبغى، وحينئذ يفسد المعنى المراد، إذ المعنى حينئذ أن سلمى تظن أننى أبغى بها بدلا وتظن أيضا أننى أظنها أيضا تهيم فى الضلال وليس هذا مراد الشاعر؛ لأن مراده أننى أحكم على سلمى بأنها أخطأت فى ظنها أنى أبغى بها بدلا ويدل على أن مراده ما ذكر قوله قبل ذلك: زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... عنها طلال باللوى ورسوم (١) فإن قلت هذا التوهم باق بعد القطع؛ لأنه يجوز أن يكون أراها خبرا؛ لأن بعد خبر أو حالا أو بدلا من أبغى ففى كل من الفصل والوصل إيهام خلاف المراد، وحينئذ فلا يتجه تعليل الفصل بإيهام الوصل- خلافه- قلت: هذا مدفوع؛ لأن الأصل فى الجمل الاستقلال، وإنما يصار إلى كونها فى حكم المفرد إذا دل عليه الدليل على أن الشيخ عبد القاهر نص على أن ترك العطف بين الجمل الواقعة أخبارا لا يجوز- أفاده المولى عبد الحكيم. (قوله: ويحتمل) أى: قوله أراها فى البيت المذكور الاستئناف أى: كما يحتمل أن يكون غير استئناف وعلى هذا الاحتمال فتكون من شبه كمال الاتصال، والحاصل أن جملة أراها فى الضلال يحتمل أن تكون غير استئناف بأن يقصد الإخبار بها كالتى قبلها من غير تقدير سؤال تكون جوابا عنه فيكون المانع من العطف هو الإيهام السابق،

стр. 1252

كيف تراها فى هذا الظن؟ فقال: أراها تتحير فى أودية الضلال. [الفصل لشبه كمال الاتصال]: (وأما كونها) أى: الثانية (كالمتصلة بها) أى: بالأولى (فلكونها) أى: الثانية (جوابا لسؤال ... === ويحتمل أن تكون مستأنفة بأن يقدر سؤال تكون هى جوابا عنه فيكون المانع من العطف كون الجملة كالمتصلة بما قبلها لاقتضاء ما قبلها السؤال، أو تنزيله منزلة السؤال والجواب ينفصل عن السؤال لما بينهما من الاتصال، وعلى هذا الاحتمال تكون هذه الجملة من القسم الذى ذكره المصنف بعد بقوله: وأما كونها كالمتصلة إلخ (قوله: كيف تراها فى هذا الظن) أى: أهو صحيح أو لا (قوله: فقال أراها تتحير) أى: فقال أراها مخطئة تتحير فى أودية الضلال أى: فى الضلال الشبيه بالأودية فهو من إضافة المشبه به للمشبه والظن منصب على التحير. [الفصل لشبه كمال الانقطاع]: (قوله: وأما كونها كالمتصلة بها) أى: كمال اتصال، والمناسب لما مر أن يقول: وأما شبه كمال الاتصال فلكونها جوابا إلخ. (قوله: فلكونها أى الثانية جوابا إلخ) كلامه يقتضى أن وقوع الجملة جوابا لسؤال اقتضته الأولى موجب للفصل وهو كذلك؛ لأن السؤال والجواب إن نظر إلى معنييهما فبينهما شبه كمال الاتصال كما يأتى بيانه، وإن نظر إلى لفظيهما فبينهما كمال الانقطاع لكون السؤال إنشاء والجواب خبرا، وإن نظر إلى قائلهما فكل منهما كلام متكلم ولا يعطف كلام متكلم على كلام متكلم آخر فعلى جميع التقدير الفصل متعين لكن هذا مخالف لما ذكره فى المطول فى آخر بحث الالتفات فى قول الشاعر: (فلا صرمة يبدو وفى اليأس راحة) حيث جعل وفى اليأس راحة جوابا لسؤال اقتضته الأولى حيث قال: فكأنه لما قال: فلا صرمة يبدو قيل له ما تصنع به، فأجاب بقوله: وفى اليأس راحة، وقد اشتملت الجملة على الواو والصرمة بفتح الصاد الهجر ومخالف لما ذكره فى قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ (١) إلخ من أنه جواب لسؤال اقتضاه قوله

стр. 1253

اقتضته الأولى ... === قبل: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١) تقديره لم استغفر إبراهيم لأبيه؟ وقد اشتملت تلك الجملة الواقعة جوابا على الواو، وأجيب بأن الواو فى البيت والآية للاستئناف لا للعطف، وما قيل إنه لم يعهد دخول الواو على الجملة المستأنفة النحوية أعنى الجملة الابتدائية ففيه نظر، بل قد عهد ذلك كالواو فى قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٢) برفع يذرهم كما صرح به فى المغنى، وأجيب أيضا بأن السؤال المعتبر فيه الفصل ما كان منشوء التردد فى حال المسئول عنه بأن حاله كذا أم لا بأن كان واردا على سبيل النقض كما فى الآية ونظائرها؛ وذلك لأن المطلوب فى الأول بيان ما أجمل فيعتبر الاتصال الموجب للفصل، وفى الثانى دفع ما أورد فكان كل من الغرضين اللذين أديا بالسؤال والجواب من طرف فكان المقام مقام وصل يقتضى المناسبة من وجه والمغايرة من وجه آخر. هذا محصل ما ذكره أرباب الحواشى، إلا أن النقض على كلام المصنف بما تقدم للشارح فى المطول فى بحث الالتفات، والجواب عنه بما ذكر ظاهر، وأما النقض بالآية ففيه شىء منشؤه الغفلة عن سبب النزول كما قاله العلامة عبد الحكيم، فإن الآية الأولى أعنى قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ إلخ نزلت فى منع الرسول ﵇ من الاستغفار لعمه ومنع المؤمنين من الاستغفار لآبائهم محتجين فى ذلك بأن إبراهيم استغفر لأبيه على ما فى الكشاف، فالآية الأولى منع لهم عن الاستغفار للآباء والأقربين والثانية جواب لتمسكهم باستغفار إبراهيم، فعطف الثانية على الأولى للتناسب وليست جوابا عن سؤال نشأ من الآية الأولى- تأمل ذلك. (قوله: اقتضته الأولى) أى: اشتملت عليه ودلت عليه بالفحوى، وذلك لكونها مجملة فى نفسها باعتبار الصحة وعدمها كما فى المثال السابق أعنى قوله: وتظن سلمى إلخ،

стр. 1254

فتنزل) الأولى (منزلته) أى: السؤال؛ لكونها مشتملة عليه ومقتضية له (فتفصل) الثانية (عنها) أى: عن الأولى (كما يفصل الجواب عن السؤال) لما بينهما من الاتصال. قال (السكاكى: فينزل ذلك) السؤال الذى تقتضيه الأولى === فإن الظن يحتمل الصحة وعدمها أو لكونها مجملة السبب أو غير ذلك مما يقتضى السؤال كما يأتى (قوله: فتنزل الأولى منزلته) أى: فبسبب اقتضاء الأولى للسؤال واشتمالها عليه تنزل تلك الجملة الأولى منزلة ذلك السؤال المقدر؛ لأن السبب ينزل منزلة المسبب لكونه ملزوما له ومقتضيا له (قوله: ومقتضية له) عطف تفسير (قوله: فتفصل الثانية عنها) أى: عن تلك الأولى المقتضية للسؤال المقتضى للجواب الذى هو الجملة الثانية (قوله: كما يفصل الجواب عن السؤال) أى: المحقق. (قوله: لما بينهما) أى: السؤال المحقق والجواب من الاتصال الشبيه أى: من شبه كمال الاتصال فكما أن الجملة الأولى فى الأقسام الثلاثة من كمال الاتصال مستتبعة للثانية ولا توجد الثانية بدون الأولى- كذلك السؤال مستتبع للجواب والجواب لا يوجد بدون السؤال، وحينئذ فكل من صورة السؤال والجواب والاستئناف من شبه كمال الاتصال كما هو الظاهر من التشبيه، وقيل: المراد من الاتصال فى صورة السؤال والجواب كمال الاتصال، وفيه أن كمال الاتصال منحصر فى الأقسام الثلاثة المذكورة وليست صورة السؤال والجواب داخلة فى شىء منها، وما قيل إنهم لم يعدوها فى أقسام الاتصال؛ لأن السؤال والجواب لا يحتاج فى الفصل بينهما إلى اعتباره؛ لأنهما يكونان كلامى متكلمين ولا يعطف كلام متكلم على كلام متكلم آخر ففيه نظر؛ وذلك لأنه مع كونه غير صحيح فى نفسه؛ لأنه يقال وعليكم السّلام معطوفا على السّلام عليكم لا ينفع فى شرح كلام المصنف؛ لأنه غير صريح فى أن الفصل بينهما لكمال الاتصال، وقيل: إن صورة الجواب والسؤال داخلة فى صورة البيان؛ لأن الجواب مبين لمبهم السؤال وليس بشىء؛ لأن الجواب لا يدفع الإبهام الذى فى السؤال، إذ لا إبهام فيه إنما يدفع الإبهام الذى فى مورد السؤال- أفاد ذلك العلامة عبد الحكيم. (قوله: قال السكاكى إلخ) اعلم أن مذهب المصنف أن الموجب للفصل بين الجملتين تنزيل الجملة الأولى منزلة السؤال فتعطى بالنسبة إلى الثانية حكم السؤال

стр. 1255

وتدل عليه بالفحوى (منزلة السؤال الواقع) ويطلب بالكلام الثانى وقوعه جوابا له فيقطع عن الكلام الأول لذلك. وتنزيله منزلة الواقع إنما يكون (لنكتة؛ ... === بالنسبة إلى الجواب الذى هو تلك الثانية فى منع العطف، وعلى هذا لا مدخل للسؤال فى منع العطف فى الحالة الراهنة وإن كان هو الأصل فى المنع، وحاصل مذهب السكاكى أن السؤال الذى اقتضته الجملة الأولى ويفهم منها بالفحوى أى: بقوة الكلام باعتبار قرائن الأحوال ينزل منزلة السؤال الواقع بالفعل المحقق المصرح به وتجعل الجملة الثانية جوابا عن ذلك السؤال، وحينئذ فتقطع تلك الجملة الثانية عن الجملة الأولى، إذ لا يعطف جواب سؤال على كلام آخر، وعلى هذا فالمقتضى لمنع العطف كون الكلام جوابا لسؤال لا تنزيل الجملة الأولى منزلة السؤال كما هو مذهب المصنف، والحاصل أنه على مذهب المصنف الجملة الأولى منزّلة منزلة السؤال المقدر، وأما على مذهب السكاكى الذى تعلق به التنزيل إنما هو السؤال المقدر الذى اقتضته الجملة الأولى فينزل منزلة السؤال الواقع، فالجملة الثانية جواب للجملة الأولى على مذهب المصنف وللسؤال المقدر على كلام السكاكى (قوله: وتدل عليه) بيان لما قبله، (وقوله: بالفحوى) أى: بقوة الكلام باعتبار قرائن الأحوال (قوله: الواقع) أى: المحقق المصرح به (قوله: ويطلب) أى: ويقصد بالكلام الثانى وهو الجملة الثانية، (وقوله: وقوعه) نائب فاعل يطلب والضمير عائد على الكلام الثانى، (وقوله: جوابا) أى: للسؤال المقدر الذى تقتضيه الأولى، وجوابا: حال من الكلام الثانى، ولو قال الشارح ويجعل الكلام الثانى جوابا له كان أخصر وأوضح (قوله: فيقطع) أى: الكلام الثانى (قوله: لذلك) أى: لأجل كون الكلام الثانى جوابا للسؤال المقدر، إذ لا يعطف جواب سؤال على كلام آخر (قوله: وتنزيله منزلة الواقع) أى: وتنزيل السؤال المقدر منزلة السؤال الواقع لأجل أن يكون الكلام الثانى جوابا له إنما يكون إلخ، وقضية كلام الشارح أن النكتة خاصة بالتنزيل على كلام السكاكى مع أن التنزيل أيضا على مذهب المصنف إنما يكون لنكتة.

стр. 1256

كإغناء السامع عن أن يسأل، أو) مثل: (ألّا يسمع منه) أى: من السامع (شىء) تحقيرا له وكراهة لكلامه، أو مثل ألّا ينقطع كلامك بكلامه، أو مثل القصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ؛ وهو تقدير السؤال وترك العاطف، أو غير ذلك. وليس فى كلام السكاكى دلالة على أن الأولى ... === فكان الأولى للشارح أن يعمم كلامه بأن يقول: والتنزيل إنما يكون لنكتة ليشمل التنزيلين أعنى تنزيل الجملة الأولى منزلة السؤال وتنزيل السؤال المقدر منزلة السؤال الواقع- فتأمل قرره شيخنا العدوى. (قوله: كإغناء السامع عن أن يسأل) أى: تعظيما له أو شفقة عليه فالبليغ شأنه إذا تكلم بكلام متضمن لسؤال يأتى بجواب ذلك السؤال ولا يحوج السامع لكونه يسأل ذلك السؤال تعظيما له أو شفقة عليه (قوله: أو مثل ألّا يسمع إلخ) قدر مثل إشارة إلى أن قوله: أو ألّا يسمع إلخ عطف على قوله: أغناه أى: ومثل إرادة ألّا يسمع إلخ لا على أن يسأل، وإنما قدر" مثل" لا" الكاف"؛ لأنها حرف واحد يستكره مزجها من الشارح بالمتن قال يس: لكن مثل فى كلام الشارح عطف على كإغناء (قوله: أو مثل ألا ينقطع إلخ) أى: أو مثل عدم انقطاع كلامك أيها المتكلم بكلامه أى: السامع وأنت تحب ذلك أى: مثل إرادة عدم تخلل كلامك بسؤاله لئلا يفوت انسياق الكلام الذى قصد أن لا ينسى منه شىء (قوله: بتقليل اللفظ) الباء بمعنى مع (قوله: وهو) أى: تكثير المعنى المصاحب لتقليل اللفظ تقدير السؤال إلخ، وفيه أن التقدير المذكور سبب فى التكسير لا نفسه، فكان الأولى أن يقول: وذلك بسبب تقدير السؤال إلخ، والكلام من باب اللف والنشر المرتب؛ وذلك لأن تقدير السؤال سبب لتكثير المعنى وترك العاطف سبب فى تقليل اللفظ (قوله: أو غير ذلك) عطف على إغناء أو على القصد، وذلك مثل التنبيه على فطانة السامع وأن المقدر عنده كالمذكور أو التنبيه على بلادته وعدم تنبهه لذلك إلا بعد إيراد الجواب عنه حيث لم يرد السؤال بعد إلقاء المتكلم الجملة التى هى منشأ السؤال (قوله: وليس فى كلام السكاكى إلخ) هذا شروع فى اعتراض وارد على قول المصنف فتنزل الجملة الأولى منزلة السؤال المقدر، وحاصله أن المصنف مختصر

стр. 1257

تنزل منزلة السؤال فكأن المصنف نظر إلى أن قطع الثانية عن الأولى مثل: قطع الجواب عن السؤال إنما يكون على تقدير تنزيل الأولى منزلة السؤال وتشبيها به، والأظهر أنه لا حاجة إلى ذلك، بل مجرد كون الأولى منشأ للسؤال كاف فى ذلك؛ أشير إليه فى الكشاف ... === لكلام السكاكى وتابع له وهو لم يقل بما قاله المصنف، وحينئذ فالمصنف مخطئ فى كلامه، وحاصل ما أجاب به الشارح أنا نسلم أن المصنف مختصر لكلام السكاكى، لكن لا نسلم خطأه إذ هو مجتهد فى هذا الفن، فتارة يخالف اجتهاده اجتهاد السكاكى وتارة يوافقه (قوله: تنزل منزلة السؤال) أى: المقدر أى: وحيث لم يكن فيه دلالة على ذلك فيعترض على المصنف حيث خالفه مع أنه مختصر لكلامه. (قوله: فكأن المصنف نظر إلخ) هذا اعتذار عن المصنف فى مخالفته للسكاكى، وحاصله أن قطع الثانية عن الأولى لما كان كقطع الجواب عن السؤال لكونها كالمتصلة بها لزم كون الأولى منزلة منزلة السؤال؛ لأن إلحاق القطع بالقطع يقتضى إلحاق المقطوع عنه الذى هو الأولى بالمقطوع عنه الذى هو السؤال، وإلا كان القطع لا من جهة الاتصال المنسوب للجواب والسؤال بل من جهة أخرى (قوله: إنما يكون إلخ) خبر أن أى: إنه نظر إلى أن قطع الثانية عن الأولى مثل قطع الجواب عن السؤال إنما يكون فى تلك الحالة لا فى حالة تنزيل السؤال المقدر منزلة الواقع كما قال السكاكى، وأما قوله: مثل قطع إلخ: فهو مفعول مطلق أى: قطعا مماثلا لقطع إلخ (قوله: والأظهر أنه لا حاجة إلى ذلك) أى: إلى ذلك التنزيل المرتب عليه قطع الثانية عن الأولى (قوله: كاف فى ذلك) أى: فى قطع الثانية عن الأولى وعدم عطفها عليها، وأما تنزيل السؤال المقدر منزلة السؤال الواقع فللنكتة المتقدمة، وتوضيح ذلك البحث على ما فى ابن يعقوب أن تشبيه القطع بالقطع أى: قطع الثانية عن الأولى بقطع الجواب عن السؤال لا يقتضى تشبيه المقطوع عنه بالمقطوع عنه؛ لصحة كون القطع من حيث وجود ربط يشبه ذلك الربط مع كون المقطوع عنه فى أحد الربطين سببا والآخر سبب السبب مثلا، ولا ينزل أحدهما منزلة الآخر إلا فى مجرد الربط وهو مستشعر من

стр. 1258

(ويسمى الفصل لذلك) أى: لكونه جوابا لسؤال اقتضته الأولى (استئنافا، وكذا) الجملة (الثانية) نفسها تسمى استئنافا ومستأنفة. [أنواع الاستئناف]: (وهو) أى: الاستئناف (ثلاثة أضرب؛ لأن السؤال) الذى تضمنته الأولى: === تشبيه القطع بالقطع من غير حاجة لتشبيه أحد المقطوع عنهما بالآخر، ولهذا يصح هنا أن يجعل كون الجملة الأولى منشأ السؤال الذى هو سبب الجواب كافيا فى القطع؛ لأنها سبب السبب من غير حاجة لزيادة تنزيلها منزلة السؤال وتشبيهها به كما أشار إليه صاحب الكشاف حيث جعل الاستئناف كالجارى على المستأنف عنه وكالمتصل به، ولهذا لا يصح عطفه عليه لما بينه وبينه من الاتصال ولو كان على تقدير السؤال وتنزيل المستأنف عنه منزلة السؤال لم يصلح كون الجواب كالجارى عليه، إذ لا يجرى الجواب على السؤال على أنه وصف له، فقد اكتفى بمجرد الربط الحاصل بالنشأة ولم يعتبر تشبيهها بالسؤال ولا تشبيه الاستئناف بالجواب اه كلامه. لا يقال الاكتفاء بمجرد كون الأولى منشأ للسؤال ينافيه جعل السؤال كالمذكور على ما قاله السكاكى؛ لأنا نقول تقدم أن جعل السؤال كالمذكور ليس للقطع، بل لنكت أخرى قد تقدمت، ولك أن تقول: تنزيل الأولى منزلة السؤال للقطع أو كونها منشأ للسؤال للقطع أو تقدير السؤال كالمذكور للقطع مآلها واحد والاختلاف فى الاعتبار والتعبير والتلازم حاصل فى الكل، فأى فائدة لهذا الاختلاف؟ ! فتأمل. (قوله: ويسمى الفصل) أى: الذى هو ترك العطف (قوله: استئنافا) تسميته بذلك من تسمية اللازم باسم الملزوم؛ لأن الاستئناف الذى هو الإتيان بكلام مستقل فى جميع أجزاء تركيبه عما قبله يستلزم قطعه أى: ترك عطفه على ما قبله (قوله: تسمى استئنافا إلخ) تسميتها بذلك من تسمية الشىء باسم ما تعلق به؛ لأن الجملة لابسها الاستئناف وتعلق بها، هذا ويحتمل أن الاستئناف مشترك بين المعنى المصدرى والمعنى الاسمى (قوله: أى الاستئناف) يعنى مطلقا سواء أريد به فصل الجملة الثانية أو نفسها (قوله: لأن السؤال إلخ) هذا تعليل المحذوف أى: وإنما انحصر فى ثلاثة أضرب؛ لأن السؤال

стр. 1259

(إما عن سبب الحكم مطلقا؛ نحو: قال لى كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل (١) أى: ما بالك عليلا؟ ... === إلخ، وحاصله أن المنبهم على السامع إما سبب الحكم الكائن فى الجملة الأولى على الإطلاق بمعنى أنه جهل السبب من أصله فيسأل عنه، وإما سبب خاص بمعنى أنه تصور نفى جميع الأسباب إلا سبب خاص تردد فى حصوله ونفيه فسأل عنه، وإما غير السبب بأن ينبهم عليه شىء مما يتعلق بالجملة الأولى (قوله: عن سبب الحكم) أى: المحكوم به الكائن فى الجملة الأولى (قوله: مطلقا) حال من السبب أى: حال كون السبب مطلقا أى: لم ينظر فيه لتصور سبب معين بل لمطلق سبب، وذلك لكون السامع يجهل السبب من أصله وذلك بأن يكون التصديق بوجود السبب حاصلا للسائل والمطلوب بالسؤال تصور حقيقة السبب كما قاله فى البيت المذكور فإن التصديق بوجود العلة يوجب التصديق بوجود السبب، إلا أنه جاهل حقيقته فيطلب بما شرح ماهيته ولذا يسأل بما، والتصديق الحاصل بوجود سبب معين ضمنى ليس مقصودا للسائل (قوله: عليل) خبر مبتدأ محذوف أى: أنا عليل وهذه الجملة منشأ السؤال (قوله: سهر دائم) خبر لمبتدأ محذوف أى: سبب علتى سهر دائم وهذا محل الشاهد حيث ترك العاطف لما بين الجملتين من شبه كمال الاتصال، والمغايرة التى يقتضيها العطف لا تناسبه، وأما قوله: عليل أى: أنا عليل فلا شاهد فيه لما نحن بصدده؛ لأنه جواب عن سؤال ملفوظ به، واحتمال كون عليل خبرا أولا، وسهر خبرا ثانيا بتأويله بساهر، وكذا حزن، أو كون سهر مبتدأ، ودائم خبرا، والجملة كالبدل مما قبلها أو حالية أى: ذو سهر دائم تعسف لا يتبادر من الكلام فلا يرتكب (قوله: أى ما بالك عليلا) أى: ما حالك حال كونك عليلا، ولا شك أن السؤال عن حال العليل بعد العلم بعلته يوجب كون المعنى ما سبب علتك، إذ لا يبقى ما يسأل عنه من أحوال العلة بعد العلم بها إلا سببها فيقدر هذا السؤال

стр. 1260

أو ما سبب علتك؟ ) بقرينة العرف والعادة؛ لأنه إذا قيل: فلان مريض- فإنما يسأل عن مرضه وسببه، لا أن يقال: هل سبب علته كذا وكذا لا سيما السهر والحزن؛ === المفيد لهذا المعنى (قوله: أو ما سبب علتك) هذا تنويع فى التعبير والمعنى واحد؛ لأن كلا من العبارتين يفيد السؤال عن سبب العلة وإن كانت العبارة الأولى تفيد ذلك بالتلويح، والثانية تفيده بالتصريح- كذا قرر شيخنا العدوى. (قوله: بقرينة إلخ) مرتبط بمحذوف أى: وإنما كان السؤال عن السبب المطلق لا عن السبب الخاص بقرينة العرف وإضافة القرينة لما بعده بيانية وأشار بعطف العادة عليه إلى أن المراد العرف العادى (قوله: فإنما يسأل عن مرضه) على تقدير مضاف أى: عن سبب مرضه فعطف سببه عليه تفسير، (وقوله: لا أن يقال هل سبب علته كذا) أى: على وجه التردد فى ثبوت سبب خاص، وبيان ما ذكره الشارح أنه إذا قيل فلان مريض لم يتصور السامع منه إلا مجرد المرض ويبقى السبب مجهولا له فيقول: ما سبب مرضه؟ فيكون السؤال تصوريا بمعنى أنه يطلب تصور السبب لكونه جاهلا به، لا أنه يعلم الأسباب بخصوصها ويتردد فى تعيين أحدهما ليكون السؤال عن السبب الخاص وإجابة ذلك السؤال التصورى بسبب خاص تحصل مطلوب السائل أعنى: تصور سبب المرض مع التصديق بكون السبب الخاص سببا، إلا أن هذا التصديق لما لم يغاير التصديق الحاصل له قبل السؤال لم يكن هذا السؤال إلا لتصور ماهية السبب، فافهم فإنه مما خفى على بعض الناظرين- اه عبد الحكيم. فإن قلت: حيث كان السائل خالى الذهن من السبب وطالبا لتصور السبب المطلق فلا يؤكد الكلام الملقى إليه؛ لأن التأكيد إنما يجىء لطالب الحكم وقد اشتمل الجواب المذكور على التأكيد؛ لأن اسمية الجملة من المؤكدات كما مر فلا يصح أن يكون السؤال هنا عن السبب المطلق بل عن السبب الخاص، وأجيب بأن اسمية الجملة لا تكون من المؤكدات إلا إذا انضم إليها مؤكد، وإلا فلا تكون من المؤكدات كما هنا، فعدم التأكيد هنا دليل على أن السائل طالب لتصور السبب مطلقا (قوله: لا سيما السهر والحزن) أى: خصوصا السهر والحزن فهما أولى بعدم القول؛ لأنه يبعد كونهما

стр. 1261

حتى يكون السؤال عن السبب الخاص. (وإما عن سبب خاص) لهذا الحكم (نحو: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (١) كأنه قيل: ... === سببين من الأسباب المحدثة للمرض، وحينئذ فلا يقال فى السؤال: هل سبب علته السهر أو الحزن؟ إذ لا يتوهم سببيتهما للمرض حتى يسأل عنهما، والحاصل أنه إذا قيل فلان مريض فالعادة تمنع من أن يقال: هل سبب مرضه السهر أو الحزن؟ منعا أكثر من أن يقال: هل سبب مرضه الحمى أو البرودة؟ لأنه لا يتوهم سببية الحزن والسهر للمرض حتى يسأل عنهما لأنهما من أبعد الأسباب المحدثة للمرض، وإنما تقضى العادة بالسؤال عن مطلق السبب بأن يقال ما سبب مرضه؟ لما مر (قوله: حتى يكون إلخ) هذا تفريع على المنفى (قوله: وإما عن سبب خاص لهذا الحكم) يسأل السائل عنه هل هو حاصل أو غير حاصل؟ فيكون المقام مقام أن يتردد فى ثبوته، فلذا يؤتى بالجواب مؤكدا (قوله: لهذا الحكم) أى: الكائن فى الجملة الأولى كعدم التبرئة فى الآية الآتية (قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) هذه الجملة منشأ السؤال، (وقوله: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) هذا هو الاستئناف قال فى الكشاف: وما أبرئ نفسى أى: من الزلل ولم أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها، ولا يخلو: إما أن يريد فى هذه الحادثة الهم المفهوم من قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها (٢) الذى هو فعل النفس عن طريق الشهوة البشرية عن طريق القصد والعزم، وإما أن يريد عموم الأحوال. اه. (قوله: كأنه قيل إلخ) أى: لأن الحكم بنفى تبرئة النفس من طهارتها من الزلل يتبادر منه أن ذلك لانطباعها من أصلها على طلب ما لا ينبغى فكأن المقام مقام أن يتردد فى ثبوت أمرها بالسوء بعد تصوره، فكأنه قيل لم نفيت البراءة عن نفسك، هل لأن النفس أمارة بالسوء؟ أى: إنها منطبعة على ذلك، فالسائل متردد طالب للتعيين- كذا فى ابن يعقوب. (وقوله: فكأن المقام إلخ) أولى من قول الشارح: إذا كان طالبا مترددا؛

стр. 1262

هل النفس أمارة بالسوء؟ فقيل: إن النفس لأمارة بالسوء) بقرينة التأكيد، فالتأكيد دليل على أن السؤال عن السبب الخاص؛ فإن الجواب عن مطلق السبب لا يؤكد (وهذا الضرب يقتضى تأكيد الحكم) الذى هو فى الجملة الثانية- أعنى: الجواب- لأن السائل متردد فى هذا السبب الخاص: هل هو سبب الحكم؟ أم لا؟ (كما مر) فى أحوال الإسناد الخبرى ... === لأن التردد بالفعل لم يتحقق؛ لأن حال الأنبياء عند من عرف زكاتها يبعد التردد فى كون نفسه تأمر بالسوء، ولكن لما نفى تبرئة النفس عن موجبات نقصانها صار المقام مقام التردد باعتبار أصل معناه- كذا قرر شيخنا العدوى، وعبارة عبد الحكيم. (قوله: كأنه قيل إلخ) وليس السؤال المقدر ما سبب عدم تبرئتك لنفسك على ما سبق إليه الوهم؛ لأنه معلوم وهو الهم المفهوم من قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها، فالسؤال المقدر هل جنس النفس مجبولة على الأمر بالسوء فلا براءة لهذه النفس الشريفة المزكاة، فأجيب نعم إن جنس النفس آمرة بالسوء مجبولة عليه فيكون هو السبب لنفى التبرئة- اه. (قوله: هل النفس أمارة بالسوء) أى: هل لأن النفس أمارة بالسوء أى: هل سبب التبرئة أن النفس إلخ؛ لأن الفرض أن السؤال عن سبب خاص (قوله: بقرينة التأكيد) هذا مرتبط بمحذوف أى: فالسؤال عن سبب خاص بقرينة التأكيد بأن واللام؛ لأنه يدل على أن السائل سأل عن سبب خاص مع التردد فيه، فأجيب بالتأكيد على ما بينه الشارح؛ لأن السؤال عن مطلق السبب لا يؤكد جوابه (قوله: وهذا الضرب) أى: النوع من السؤال وهو السؤال عن سبب خاص للحكم الكائن فى الجملة الأولى أو المراد هذا الضرب من الاستئناف من حيث السؤال يقتضى إلخ، فاندفع ما يقال: إن الضرب قسم من أقسام الاستئناف وهو لا يقتضى التأكيد (قوله: يقتضى تأكيد الحكم) أى: الجواب؛ لأن السؤال لما كان عن سبب خاص وهو طالب له لا لماهيته علم أن السؤال جملة طلبية فيقتضى تأكيد الحكم؛ ولذا قيل فى هذا الباب إن دلت الجملة الأولى على سؤال تصديقى أى: فيه تردد فى النسبة بعد تصور الطرفين كانت الجملة الثانية مؤكدة وإلا فلا؛ لأن التأكيد بإن إنما يكون للنسبة لا لأحد الطرفين (قوله: كما مر)

стр. 1263

من أن المخاطب إذا كان طالبا مترددا حسن تقوية الحكم بمؤكد. ولا يخفى أن المراد الاقتضاء استحسانا لا وجوبا، والمستحسن فى باب البلاغة بمنزلة الواجب. (وإما عن غيرهما) أى: غير السبب المطلق، والخاص (نحو: فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ (١)) أى: فماذا قال إبراهيم فى جواب سلامهم؟ فقيل: قال سلام؛ أى: حياهم بتحية أحسن؛ لكونها بالجملة الاسمية ... === الكاف تعليلية (قوله: من أن المخاطب إذا كان طالبا إلخ) الأولى أن يقول من أن المخاطب قد ينزل منزلة المتردد الطالب إذا قدم إليه ما يلوح بالخبر فيستشرف استشراف المتردد، فحينئذ يحسن تقوية الحكم بمؤكد وما أبرئ يلوح بالخبر كما قررنا، وإنما كان هذا أولى مما قاله الشارح لما تقدم من أن المخاطب هنا غير متردد فى الحكم طالب له؛ لأن حال الأنبياء عند من عرف زكاتها يبعد التردد فى كون نفسه تأمر بالسوء نعم هو منزل منزلة المتردد؛ لأن يوسف لما نفى تبرئة النفس عن موجبات نقصانها صار المقام مقام تردد باعتبار مفاده- تأمل. (قوله: لا وجوبا) أى: وحينئذ فلا يكون تعبير المصنف بيقتضى المشعر بالوجوب مناسبا (قوله: بمنزلة الواجب) أى: فى طلب مراعاته والإتيان به، وحينئذ فساغ التعبير بيقتضى. (قوله: وإما عن غيرهما) أى: عن غير السبب الخاص وغير السبب المطلق وهو شىء آخر له تعلق بالجملة الأولى يقتضى المقام السؤال عنه إما عام كما فى الآية، وإما خاص كما فى البيت؛ لأن العلم حاصل بواحد من الصدق والكذب والسؤال عن تعيينه (قوله: قالُوا) أى: الرسل أعنى الملائكة المرسلين لقوم لوط، (وقوله: سَلاماً) مفعول لمحذوف أى: نسلم عليك يا إبراهيم سلاما (قوله: قالَ سَلامٌ) أى: قال إبراهيم فى جواب سلام الملائكة: سلام أى عليكم فهو مبتدأ حذف خبره (قوله: أى فماذا قال إبراهيم فى جواب سلامهم) أى: سلام الملائكة عليه ولا شك أن قول إبراهيم ليس سببا لسلام الملائكة لا عاما ولا خاصا وعام فى حد ذاته.

стр. 1264

الدالة على الدوام والثبات. (وقوله: زعم العواذل) جمع: عاذلة؛ بمعنى: جماعة عاذلة (أننى فى غمرة) وشدة (صدقوا) أى: الجماعات العواذل فى زعمهم أنى فى غمرة (ولكن غمرتى لا تنجلى) ولا تنكشف، بخلاف أكثر الغمرات والشدائد ... === (قوله: الدالة على الدوام والثبات) أى: بخلاف تحيتهم، فإنها بالجملة الفعلية؛ لأنه نصب لفظ سلام بتقدير الفعل كما بيناه، وقد يقال: إن الفعلية تدل على الحدوث والاستمرار وهو موازى الدوام والثبات وحينئذ فلا أحسنية، وحسن الدوام على التجدد والحدوث يحتاج لبيان- كذا قرر شيخنا العدوى، ثم إن التفريق بين الجملتين واعتبار النكات المذكورة إنما يراعى فى الحكاية لا فى المحكى؛ لأنها الكلام البليغ غاية البلاغة، فقول الفنارى ومن تبعه يحتمل أن يكون تفاوت المتخاطبين بلغة يعتبر فيها مثل ما يعتبر فى اللغة العربية، ويحتمل أن يكون تفاوتهم بها؛ لأنهم كانوا على ما قيل يتكلمون باللغة العربية نعم شيوع هذه اللغة إنما كان من إسماعيل- ﵇ بعيد عن المقصود- أفاده المولى عبد الحكيم. (قوله: زعم) (١) قال فى شرح الشواهد: لا أعرف قائله، والزعم أكثر استعماله فى الاعتقاد الباطل، وقد يستعمل فى الحق على ما فى القاموس، ومن ذلك ما هنا بدليل قوله: صدقوا (قوله: بمعنى جماعة عاذلة) أى: من الذكور ولم يجعله الشارح جمع عاذلة بمعنى امرأة عاذلة لقول الشاعر: صدقوا بضمير الذكور ولم يجعله جمع عاذل؛ لأن فاعلا لا يطرد جمعه على فواعل، إلا إذا كان صفة لمؤنث، أو لما لا يعقل كحائض وصاهل، وأما إن كان صفة لمن يعقل كعاذل فلا يطرد، بل هو سماعى بخلاف فاعلة فإنه يطرد جمعها على فواعل مطلقا، وقد يقال: ما المانع من جعل هذا من جملة ما سمع- تأمل. (قوله: وشدة) عطف تفسير كما أن قوله بعد: ولا تنكشف تفسير لما قبله (قوله: ولكن غمرتى لا تنجلى) لما كان قوله: صدقوا مظنة أن يتوهم أن غمرته مما تنكشف

стр. 1265

كأنه قيل: أصدقوا أم كذبوا؟ فقيل: صدقوا. (وأيضا منه) أى: من الاستئناف؛ وهذا إشارة إلى تقسيم آخر له (: ما يأتى بإعادة اسم ما استؤنف عنه) أى: أوقع عنه الاستئناف، وأصل الكلام: ما استؤنف عنه الحديث؛ ... === كما هو شأن أكثر الغمرات والشدائد، استدرك على ذلك بقوله: ولكن غمرتى لا تنجلى، والمعنى أنى كما قالوا ولكن لا مطمع فى فلاحى (قوله: كأنه قيل إلخ) هذا تقدير للسؤال الناشئ من الجملة الأولى، فإنه لما أظهر الشكاية من جماعة العذال له على اقتحام الشدائد كان ذلك مما يحرك السائل ليسأل هل صدقوا فى ذلك الزعم أم لا؟ فالسائل متصور للصدق والكذب، وإنما يسأل عن تعيين أحدهما لتردده فى الثابت لما زعموه هل هو الصدق أو الكذب؟ فإن قلت: حيث كان المقام مقام تردد كان الواجب فى الجواب التأكيد بأن يقال: إنهم لصادقون مثلا أجيب بأن السؤال المقدر لما كان فعلا أتى بالجواب مطابقا والتأكيد تقديرى بمثل القسم أى: صدقوا والله مثلا. (قوله: وأيضا منه) أى: ونعود أيضا إلى تقسيم آخر منه أى: من الاستئناف أى: بمعنى الجملة الثانية (قوله: إلى تقسيم آخر) أى: باعتبار إعادة اسم ما استؤنف عنه الحديث والإتيان بوصفه المشعر بالعلية، وإن كان الاستئناف فى ذلك لا يخلو عن كونه جوابا عن السؤال عن السبب أو غيره الذى هو حاصل التقسيم السابق (قوله: ما يأتى) أى: استئناف يأتى (قوله: بإعادة) أى: مع إعادة، فالباء للمصاحبة بمعنى مع وإضافة اسم إلى ما من إضافة الاسم إلى المسمى أى اسم ذات، (وقوله: استؤنف عنه) أى: لأجله أى: أوقع الاستئناف والحديث لأجله فعن بمعنى اللام ويصح أن تكون بمعنى بعد (قوله: أى أوقع عنه الاستئناف) أى: لأجله أو بعده، وهذا بيان لحاصل المعنى المراد، فالفعل إما مسند إلى مصدره ويؤيده شيوع هذا التقدير، وإما إلى الجار والمجرور ويؤيده تقديم الشارح على الاستئناف. (قوله: وأصل الكلام) أى: أصل قوله استؤنف عنه أى: أصله بعد بنائه للمجهول فهو بيان للأصل الثانى، وإلا فالأصل الأصيل بإعادة اسم ما استأنف المتكلم
следующие страницы →