← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

مع أن شيئا منها لا يسمى تشبيها اصطلاحا، وإنما قيد الاستعارة بالتحقيقية، والكناية؛ لأن الاستعارة التخييلية كإثبات الأظفار للمنية فى المثال المذكور ليس فى شىء من الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى على رأى المصنف؛ ... === زيد أسدا، أصله: لقيت زيدا المماثل للأسد، ثم بولغ فى تشبيهه به حتى إنه جرد من زيد ذات الأسد، وجعلت منتزعة منه، وكذا يقال فى المثال الذى بعده. (قوله: مع أن شيئا منها ... إلخ) أى: مع أنه لا يسمى شىء منها تشبيها اصطلاحا، فقدم معمول يسمى عليها، ولو أخره ليكون فى حيز النفى لكان أوضح، وإنما لم يسم شىء من هذه تشبيها اصطلاحيّا؛ لأن التشبيه بالاصطلاح ما كان بالكاف ونحوها لفظا أو تقديرا، وعدم تسمية واحد من هذه تشبيها مذهب المصنف، وخالفه السكاكى فى التجريد فإنه صرح بأن نحو: " لقيت بزيد أسدا، ولقينى منه أسد" من قبيل التشبيه، وقد يقال: إن الخلاف لفظىّ راجع إلى الاصطلاح، قاله الخلخالى. (قوله: لا يسمى تشبيها اصطلاحا) أى: وإن وجد فيها معنى التشبيه، نعم هو تشبيه لغوى، وهو أعم من الاصطلاحى، فكل اصطلاحى لغوى ولا عكس، فيجتمعان فى" زيد أسد"، وينفرد اللغوى فى الاستعارة والتجريد، (قوله: وإنما قيد ... إلخ) حاصله أنه إنما قيد الاستعارة بالتحقيقية والمكنى عنها، واكتفى بذكرهما ولم يقل: ولا على وجه الاستعارة التخييلية؛ لأنها حقيقة عند المصنف، فلفظ" الأظفار" مثلا عند المصنف مستعمل فى معناه الحقيقى، وليس مجازا أصلا، وإنما التجوز فى إثباتها للمنية على ما يأتى، وحينئذ فلا دلالة فيها على مشاركة أمر لآخر فلا حاجة لإخراجها بقوله: (ما لم تكن إلخ)؛ لأنها لم تدخل فى الجنس الذى هو الدلالة المذكورة (قوله: ليس فى شىء من الدلالة ... إلخ) أى: فهى غير داخلة فى المراد بما حتى يحتاج إلى أن يقول: ولا على وجه الاستعارة التخييلية، ومقتضى الظاهر أن يقول: ليست بالتأنيث؛ إلا أنه ذكر نظرا إلى معنى الاستعارة التخييلية الذى هو إثبات لازم المشبه به للمشبه والظرفية من ظرفية المقيد فى المطلق، ولو قال: ليس فيها شىء من الدلالة، كان أوضح (قوله: على رأى المصنف) متعلق بإثبات أى: أن الاستعارة التخييلية- عند المصنف موافقا للسلف- إثبات لازم المشبه به للمشبه

стр. 1542

إذ المراد بالأظفار معناها الحقيقى على ما سيجىء. فالتشبيه الاصطلاحى هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى؛ لا على وجه الاستعارة التحقيقية، والاستعارة بالكناية والتجريد (فدخل فيه نحو قولنا: زيد أسد) بحذف أداة التشبيه (و) نحو (قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (١) بحذف الأداة والمشبه جميعا؛ أى: هم صم ... === بعد ادعاء كونه عينه؛ فلا تشبيه إلا فى الاستعارة بالكناية، ويحتمل أن يكون الظرف متعلقا بالنفى، أى انتفاء الدلالة على المشاركة فى التخييلية على رأى المصنف لا على رأى السكاكى ففيها ذلك. (قوله: إذ المراد) أى: عند المصنف، وحينئذ فالتجوز إنما هو فى الإسناد؛ فالتخييلية- على رأيه- مجاز عقلى؛ ولذا لم يخرجها، وأما- عند السكاكى- فالتجوز فى نفس الأظفار، فهى داخلة فى الجنس وهو الدلالة المذكورة، فلو حذف قوله: التحقيقية، وما بعدها واقتصر على قوله: على وجه الاستعارة، كان أخصر وأشمل لدخول التخييلية عند السكاكى، (قوله: على ما سيجىء) أى: من الخلاف بين السكاكى وغيره (قوله: فالتشبيه الاصطلاحى إلخ) أعاده لأجل إيضاح ربط قوله: فدخل إلخ بما قبله، وكان يكفيه أن يقول: فالتشبيه الاصطلاحى ما مر فدخل إلخ (قوله: فى معنى) سيأتى قريبا أنه لا بد فى المعنى الذى هو وجه الشبه أن يكون له زيادة اختصاص بهما، وقصد بيان اشتراكهما فيه فيؤخذ منه أن نحو: " جاء زيد وعمرو" لا يسمى تشبيها. (قوله: فدخل فيه) أى: تعريف التشبيه الاصطلاحى، نحو قولنا: " زيد أسد" أى: كما دخل فيه ما يسمى تشبيها من غير خلاف وهو ما ذكر فيه أداة التشبيه، نحو: زيد كالأسد، وكأسد بحذف زيد لقيام قرينة كما لو قيل: ما حال زيد؟ فقيل: كالأسد، والمراد: دخل، نحو قولنا: زيد أسد مما يسمى تشبيها على القول المختار وهو ما حذف فيه أداة التشبيه وجعل المشبه به خبرا عن المشبه، أو فى حكم الخبر سواء كان مع ذكر المشبه، أو مع حذفه، فالأول، نحو قولنا: زيد أسد، والثانى نحو قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ وجعل المشبه به فى حكم الخبر عن

стр. 1543

فإن المحققين على أنه تشبيه بليغ لا استعارة؛ لأن الاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له بالكلية ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه ... === المشبه من حيث إفادة الاتحاد وتناسى التشبيه كما فى الحال والمفعول الثانى فى باب علمت والصفة والمضاف وكونه مبينا له وذلك نحو: " كر زيد أسدا" أى: كالأسد، " وعلمت زيدا أسدا"، أى: كالأسد، " ومررت برجل أسد"، أى: كالأسد، وماء اللجين أى: ماء هو اللجين، ونحو قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١) (قوله: فإن المحققين إلخ) علة لدخول ما ذكر من المثال والآية فى التعريف، وخالف غيرهم، فادعى أن ما حذفت فيه الأداة، كقولك: " زيد أسد" من باب الاستعارة بناء على أن حمل الأسدية على زيد لا يصح إلا بإدخاله فى جنس الأسد المعلوم كما فى الاستعارة، وعلى هذا فلا يدخل فى تعريف التشبيه، وجوز الشارح أن يكون: " زيد أسد" من باب الاستعارة، ولكن ادعى أن المشبه ليس" زيدا"، بالكلية (*) وهو الرجل الشجاع، (قوله: على أنه) أى: ما ذكر من المثال والآية، (قوله: المستعار له) وهو المشبه كالرجل الشجاع فى: " رأيت أسدا فى الحمام"، وطى المستعار له إنما هو بالنسبة للاستعارة التصريحية؛ إذ هى التى يطوى فيها ذكر المشبه بخلاف المكنية، فإنه إنما يطوى فيها ذكر المشبه به، وأما المشبه فيذكر فيها، وإنما اقتصر هنا على ذلك؛ لأن كلّا من المثال والآية على فرض أنهما استعارة إنما يكون تصريحية لا مكنية. (قوله: بالكلية) أى: من اللفظ والتقدير. (قوله: ويجعل الكلام خلوا) أى: خاليا عنه، عطف على قوله: يطوى إلخ، عطف تفسير، أى: والمشبه فى المثال الأول ملفوظ، وفى الآية مقدر وملحوظ؛ لأنه خبر لا بد له من مبتدأ تقديره: هم صم، والمقدر بمنزلة الملفوظ، فلم يطو ذكره بالكلية فيهما، (قوله: صالحا لأن يراد به) أى: بالكلام المعنى المنقول عنه وهو المشبه به المستعار منه كالأسد، و(قوله: والمنقول إليه) أى: والمعنى المنقول إليه، وهو المشبه المستعار له كزيد.

стр. 1544

لولا دلالة الحال، أو فحوى الكلام. (والنظر هاهنا فى أركانه) ... === (قوله: لولا دلالة الحال) أى: وهى القرينة الحالية، فإذا قلت: " رأيت أسدا الآن" فى موضع لا يرى فيه الأسد الحقيقى، كان هذا الكلام- لولا القرينة الحالية- صالحا لأن يراد بالأسد فيه المعنى الحقيقى، وهو الحيوان المفترس المشبه به، وأن يراد به المشبه وهو الرجل الشجاع، و(قوله: أو فحوى الكلام) المراد به: القرينة المقالية، فإذا قلت: " رأيت أسدا فى يده سيف"، كان هذا الكلام لولا فى" يده سيف"- صالحا لأن يراد بالأسد فيه الحيوان المفترس، أو الرجل الشجاع، وتسمية القرينة المقالية بفحوى الكلام على خلاف ما فسر به الأصوليون الفحوى من أنها مفهوم الموافقة، أى: المفهوم الموافق حكمه لحكم المنطوق، وإنما سميت القرينة المقالية فحوى؛ لأن فحوى الكلام فى الأصل معناه ومذهبه كما فى القاموس، والقرينة المقالية معنى لفظ ذكر مع اللفظ المجازى يمنع من إرادة الموضوع له، ثم إن (قوله: لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام) راجع للأول، أعنى: إرادة المنقول عنه، فهو شرط فيه؛ لأن القرينة سواء كانت حالية أو مقالية مانعة من إرادة المنقول عنه، أعنى المعنى الحقيقى فلو قدم الشارح ذكر المنقول إليه عن المنقول عنه لا تصل الشرط بمشروطه، ثم إن عبارة الشارح مشكلة؛ لأنها تفيد أن الكلام المشتمل على لفظ المستعار منه صالح لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه عند عدم القرينة، وليس كذلك، بل هو عند عدم القرينة يتعين حمله على المنقول عنه وهو المعنى الحقيقى، فهو غير صالح لإرادة المنقول إليه؛ لأنه لا يراد به المنقول إليه إلا بواسطة القرينة ولا قرينة، وأجيب بأن عدم القرينة المانعة إنما يوجب عدم إرادة المنقول إليه، لا عدم احتمال إرادته وصلاحيتها؛ إذ قد تقرر أن كل حقيقة تحتمل المجاز، وإن كان احتمالا مرجوحا غير ناشىء عن دليل، وهذا لا ينافى إفادة الحقيقة القطع بحسب الظاهر كما فى الأطول- اه فنرى، وفى عبد الحكيم ما حاصله: أنه إذا انتفت القرينة حالية أو مقالية؛ انتفى أثرها، وهو تعين إرادة المنقول إليه، وإذا انتفى تعين إرادة المنقول إليه جاز إرادة كل منهما لانتفاء المانع، أعنى: وجود القرينة المعينة ووجود المقتضى وهو حمل اللفظ

стр. 1545

أى: البحث فى هذا المقصد عن أركان التشبيه المصطلح عليه (وهى) أربعة (طرفاه) المشبه، والمشبه به (ووجهه، وأداته، وفى الغرض منه، وفى أقسامه) وإطلاق الأركان على الأربعة المذكورة إما باعتبار أنها مأخوذة فى تعريفه؛ ... === على حقيقته عند الإطلاق وإن كان بالنظر لوجود المقتضى يكون المنقول عنه متعينا إرادته. (قوله: أى البحث) أشار الشارح بهذا إلى أن مراد المصنف بالنظر البحث على سبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم اللازم وإرادة الملزوم؛ وذلك لأن البحث إثبات المحمولات للموضوعات أو نفيها عنها، وهذا يستلزم النظر وهو توجيه العقل لأحوال المنظور فيه، أما إن أريد بالبحث عن الشىء التأمل فى أحواله كان متحدا هو والنظر حينئذ (قوله: المقصد) أى: فى هذا الباب أعنى باب التشبيه، (قوله: طرفاه) هما اثنان من تلك الأربعة، والمراد بالمشبه والمشبه به معناهما لا اللفظ الدال عليهما، (قوله: ووجهه) هو الركن الثالث والأداة رابعها، والمراد بوجهه: المعنى المشترك الجامع بين الطرفين لا اللفظ الدال عليه، والمراد بأداته: إما معنى الكاف ونحوه ليلائم ما قبله وإما نفس اللفظ الدال تنزيلا للدال منزلة المدلول، (قوله: وفى الغرض منه) أى: فى الأمر الباعث على إيجاده، وهذا عطف على قوله فى أركانه، (قوله: وفى أقسامه) أى: أقسام التشبيه الحاصلة باعتبار الطرفين وباعتبار الغرض وباعتبار الوجه وباعتبار الأداة؛ ككونه تشبيه مفرد بمفرد، أو مركب بمفرد، أو مركب بمركب، وككونه ملفوفا أو مجموعا أو مفروقا إلى غير ذلك مما يأتى. (قوله: وإطلاق الأركان على الأربعة) أى: مع كونها خارجة عن التشبيه المصطلح عليه الذى هو الدلالة، وهذا جواب عما يقال: إن التشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لآخر فى معنى، فهو فعل الفاعل وكل واحد من هذه الأمور الأربعة ليس جزءا له، وحينئذ فلا وجه لجعلها أركانا له؛ لأن ركن الشىء ما كان جزءا لحقيقته، وحاصل هذا الجواب أن المراد بالركن ما يتوقف عليه الشىء، وإن لم يكن داخلا فى حقيقته وجزءا منها، وهذه الأمور لما أخذت فى تعريفه على أنها قيود صار متوقفا عليها، (قوله: إما باعتبار أنها مأخوذة فى تعريفه) لا يقال إذا كانت مأخوذة فى تعريفه فهى جزء منه؛

стр. 1546

أعنى: الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى بالكاف؛ ونحوه، وإما باعتبار أن التشبيه فى الاصطلاح كثيرا ما يطلق على الكلام الدال على المشاركة المذكورة؛ كقولنا: " زيد كالأسد فى الشجاعة". ولما كان الطرفان هما الأصل والعمدة فى التشبيه؛ لكون الوجه معنى قائما بهما، والأداة آلة فى ذلك- قدم بحثهما فقال: ... === لأن التعريف نفس المعرف بحسب الذات؛ لأنا نقول: مراد الشارح أنها مأخوذة فى التعريف على أنها قيود خارجية، لا على أنها أجزاء محمولة على المعرف؛ إذ المحمول شىء آخر غيرها، وهو الدلالة، لكن باعتبار تعلقها بها، ونظير ذكرها فى التعريف ذكر" البصر" فى تعريف" العمى"، حيث يقال: هو عدم البصر عما من شأنه الإبصار، فالبصر ذكر لأجل التقييد لا على أنه جزء للعمى، إذ ليس هو عدم وبصر على أن التعريف قد يكون بالأمور الخارجية. (قوله: أعنى) أى: بتعريفه، (قوله: ونحوه) كمثل وكأن بهمزة ونون مشددة، (قوله: وإما باعتبار إلخ) حاصله أن الأمور الأربعة أركان للتشبيه، بمعنى الكلام الدال على المشاركة لا بمعنى الدلالة على المشاركة، ولفظ التشبيه كما يطلق على المعنى الثانى يطلق اصطلاحا على المعنى الأول بكثرة، ولا شك أن الأمور الأربعة أجزاء للكلام، وقد يقال: إن من جملتها وجه الشبه، وهو المعنى الذى يشترك فيه الطرفان وهو ليس جزءا من الكلام، إلا أن يقال: جعله جزءا من الكلام باعتبار اللفظ الدال عليه، وعلى هذا الجواب الثانى، فيكون الضمير فى قول المصنف وأركانه للتشبيه بمعنى الكلام، وحينئذ فيكون فى كلامه استخدام حيث ذكر التشبيه بمعنى الدلالة وأعاد عليه الضمير بمعنى آخر وهو الكلام الدال، (قوله: أن التشبيه) أى: لفظ التشبيه، (قوله: كثيرا ما يطلق) " كثيرا": مفعول مقدم ليطلق، و" ما" زائدة لتوكيد الكثرة، أى: يطلق كثيرا مجازا كما فى يس، (قوله: والعمدة فى التشبيه) أى: والمعتمد عليهما فيه وهو تفسير لما قبله، (قوله: لكون إلخ) هذا علة لأصالتهما بالنظر للوجه، (قوله: قائما بهما) أى: فيكون الوجه عارضا لهما والمعروض أقوى وأصل بالنسبة للعارض؛ لأنه موصوف والوصف تابع له، (قوله: آلة فى ذلك) أى: فى ذلك القيام، أى: آلة لبيانه ويحتمل أن الإشارة للتشبيه، أى: وكثيرا ما يستغنى

стр. 1547

(طرفاه) أى المشبه والمشبه به (إما حسيان كالخد والورد) فى المبصرات (والصوت الضعيف، والهمس) أى: الصوت الذى أخفى حتى كأنه لا يخرج عن فضاء الفم فى المسموعات ... === عنها فى التركيب، وهذا علة لأصالة الطرفين بالنظر للأداة، ثم إن (قوله: والأداة) بالجر، عطف على الوجه باعتبار لفظه، أو بالرفع عطف عليه باعتبار محله؛ لأن محله رفع على أنه اسم الكون، وآلة عطف على معنى؛ فهى منصوبة لعطفها على خبر الكون، ففيه العطف على معمولى عامل واحد، وهو جائز، ويحتمل رفع الأداة على الابتداء، و" آلة" بالرفع خبره، والجملة مستأنفة أو حال (قوله: إما حسيان) أى: مدركان بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وهى البصر والسمع والشم والذوق واللمس، (وقوله: طرفاه ... إلخ) أى: وأمّا نفس التشبيه فلا يمكن أن يكون حسيّا؛ لأنه تصديق وليس شىء من التصديق حسيّا. (قوله: كالخد والورد) أى: حيث يشبه الأول بالثانى، نحو: " خد زيد كهذا الورد فى الحمرة"، (وقوله: كالخد والورد) أى الجزئيين، إذ الكليان غير حسيين بل عقليين؛ لأن كل كلى عقلى، وكذا يقال فى غير الخد والورد مما يأتى وإن جعل من تشبيه الكلى بالكلى، وجعلهما محسوسين من حيث انتزاعهما من الجزئيات المحسوسة، كان فى جميع ما ذكر تسامح لا فى أكثره فقط (قوله: فى المبصرات) من ظرفية الجزئى فى الكلى، أو أن" فى" بمعنى" من"، وعلى كل حال فهو حال من الخد والورد، وكذا يقال فيما بعد (قوله: والصوت الضعيف والهمس) أى: حيث يشبه الأول بالثانى بأن يقال هذا الصوت الضعيف كالهمس فى الخفاء، والمراد بالضعيف ضعيف مخصوص، وهو الذى لم يبلغ إلى حد الهمس لا مطلق الضعيف الصادق بالهمس، وإلا لكان من تشبيه الأعمّ بالأخصّ بمنزلة أن يقال: " الحيوان كالإنسان" وهو لا يصح ولا يتعين أن يؤتى بلفظ الضعيف فى عبارة التشبيه كما قلنا؛ بل يجوز أن يقال: " صوت زيد كالهمس" والحال أن صوته فى الواقع ضعيف، (قوله: أى الصوت الذى أخفى) تفسير للهمس، (وقوله: عن فضاء الفم) " عن" بمعنى: " من"، أى: كأنه لا يخرج من فضاء الفم أى: من وسطه.

стр. 1548

(والنكهة) وهى ريح فى الفم، (والعنبر) فى المشمومات، (والريق، والخمر) فى المذوقات، (والجلد الناعم، والحرير) فى الملموسات، وفى أكثر ذلك تسامح؛ لأن المدرك بالبصر- مثلا- إنما هو لون الخد والورد، وبالشم رائحة العنبر، وبالذوق طعم الريق والخمر، وباللمس ملاسة الجلد الناعم والحرير ولينهما، لا نفس هذه الأجسام، لكن اشتهر فى العرف أن يقال: أبصرت الورد، ... === (قوله: والنكهة والعنبر) أى: حيث يشبه الأول بالثانى، بأن يقال: " نكهة زيد كالعنبر" فى ميل النفس لكل، (قوله: والريق والخمر) أى: حيث يشبه الأول بالثانى، بأن يقال: " ريق زيد كالخمر" بجامع الإسكار أو اللذة أو الحلاوة فى كل، (قوله: والجلد الناعم والحرير) أى: حيث يشبه الأول بالثانى، بأن يقال: " جلد زيد كالحرير فى النعومة". (قوله: وفى أكثر ذلك) أى: فى التمثيل للمحسوسات بأكثر ذلك تسامح، والمراد بالأكثر: ما عدا الصوت والهمس والنكهة، فإن هذه الثلاثة لا تسامح فيها؛ لأن الصوت الضعيف والهمس مسموعان حقيقة، والنكهة مشمومة حقيقة، (قوله: ولينهما) عطف على ملاسة عطف مغاير؛ لأن الملاسة الصقالة وهى غير اللين، (قوله: لا نفس هذه إلخ) عطف على على قوله: (إنما هو اللون إلخ)، وهذا التسامح مبنىّ على مذهب الحكماء القائلين: المدرك بالحواس إنما هو الأعراض وخواص الأجرام لا ذواتها، ويمكن دفع هذا التسامح بتقدير المضاف فى كلام المصنف بأن يقال: كلون الخد، ولون الورد، والنكهة، ورائحة العنبر، وطعم الريق، والخمر، وملاسة الجلد الناعم، والحرير، وأما على مذهب المتكلمين من إدراك الحواس للأجرام وخواصها فلا تسامح، فالجرم المدرك بالذوق وطعمه مثلا أدركت جرميته وخاصيتها بالذوق، وكذا يقال فى الباقى، (قوله: لكن اشتهر إلخ) أى: والمصنف ارتكب ذلك التسامح نظرا للعرف، فليس قصد الشارح دفع التسامح بناء على العرف بل الاعتذار عن ارتكاب هذا التسامح بأن العرف جرى به، وقرر بعض الحواشى أن المراد بقوله: (لكن اشتهر إلخ) دفع التسامح، حيث قال أى: والمصنف بنى كلامه على ما جرى به العرف فجعل هذه الأمور حسية، وحينئذ فلا تسامح، ولا حاجة

стр. 1549

وشممت العنبر، وذقت الخمر، ولمست الحرير، (أو عقليان كالعلم، والحياة) ووجه الشبه بينهما كونهما جهتى إدراك؛ كذا فى المفتاح، والإيضاح. فالمراد بالعلم هاهنا: الملكة التى يقتدر بها على الإدراكات الجزئية، لا نفس الإدراك. ولا يخفى ... === لتقدير المضاف (قوله: وشممت) بالكسر ومضارعه بالفتح، ويقال: شممت بالفتح أشم بالضم، والأول أفصح. (قوله: أو عقليان) مقابل لقوله إما حسيان أى: إن الطرفين إما حسيان كما تقدم، وإما عقليان بأن لا يدرك واحد منهما بالحس بل بالعقل (قوله: كالعلم والحياة) حيث يشبه الأول منهما بالثانى، بأن يقال: العلم كالحياة فى أن كلّا جهة للإدراك، (قوله: ووجه الشبه .. إلخ) تعرض لبيانه هنا دون ما تقدم؛ لكونه خفيّا مع الإشارة إلى أن المراد بالعلم: الملكة؛ لا الإدراك (قوله: جهتى إدراك) أى: طريق إدراك، وإن كان العلم بمعنى الملكة سببا له، والحياة شرطا له كما فى المطول (قوله: فالمراد إلخ) هذا تفريع على ما ذكره من وجه الشبه. (قوله: الملكة) هى حالة بسيطة تحصل من ممارسة فن من الفنون بحيث يكون صاحبها يمكنه إدراك أحكام جزئيات ذلك الفن، وإحضار أحكامها عند ورودها كالملكة الفقهية؛ فإنها قوة يمكن لعارف أصوله ودلائله أن يعرف حكم أى جزء من جزئياته عند إرادة ذلك الحكم من كونه حراما أو مكروها أو مباحا أو مندوبا أو واجبا، وإنما قلنا إنها بسيطة؛ لأنها ليست هيئة حاصلة من عدة أمور لا تتصور إلا باعتبارها، ولا نسبية يتوقف تعقلها على تعقل غيرها، (قوله: على الإدراكات الجزئية) أى: على إدراك المدركات الجزئية؛ لأن المتصف بالجزئية والكلية المدركات لا الإدراكات، إلا أن يقال: لا مانع من وصف الإدراكات بذلك باعتبار متعلقها (قوله: لا نفس الإدراك) عطف على الملكة، وإنما لم يكن المراد بالعلم فى قولنا: " العلم كالحياة" الإدراك الذى هو الصورة الحاصلة؛ لأنه لا يصح أن يقال فيه: إنه جهة الإدراك، أى: طريق له؛ لئلا يلزم أن يكون الشىء طريقا إلى نفسه وهو باطل، ووجه اللزوم أن المراد به مطلق الإدراك، لا إدراك مخصوص، فكل إدراك مندرج تحته، فليس هناك إدراك غير مندرج

стр. 1550

أنها جهة وطريق إلى الإدراك، كالحياة، وقيل: وجه الشبه بينهما: الإدراك؛ إذ العلم نوع من الإدراك، والحياة مقتضية للحس الذى هو نوع من الإدراك. وفساده واضح؛ لأن كون الحياة مقتضية للحس لا يوجب اشتراكهما فى الإدراك على ما هو شرط فى وجه الشبه، وأيضا لا يخفى أن ليس المقصود من قولنا: " العلم كالحياة، والجهل كالموت"- أن العلم إدراك؛ كما أن الحياة معها إدراك، بل ليس فى ذلك كبير فائدة؛ ... === تحته حتى يكون سببا له (قوله: أنها) أى: الملكة (قوله: وطريق) عطف تفسير (قوله: بينهما) أى: بين العلم والحياة (قوله: الإدراك) أى: نفس الإدراك لا كونهما جهتى إدراك، (قوله: نوع من الإدراك) لأن الإدراك يشمل الظن، والاعتقاد، والوهم، واليقين، وعلى هذا فالمراد بالعلم: الإدراك لا الملكة (قوله: مقتضية للحس) أى: مستلزمة للإحساس الذى هو الإدراك بالحاسة، ولا شك أن الإدراك المذكور نوع من الإدراك (قوله: وفساده) أى: فساد ذلك القيل (قوله: واضح) أى: لأمرين بينهما الشارح بقوله: (لأن إلخ، وأيضا إلخ) (قوله: لأن كون إلخ) هذا تنبيه لا دليل؛ لأن الأمور الواضحة لا يقام عليها الأدلة (قوله: لا يوجب اشتراكهما) أى: اشتراك العلم والحياة فى الإدراك، لأن الحال القائم بالعلم وهو كونه إدراكا لم يقم بالحياة، وإنما وجد معها، فما كان يجب اشتراكهما فى الإدراك إلا لو كانت الحياة نفسها نوعا من الإدراك كالعلم (قوله: على ما هو شرط إلخ) متعلق بمحذوف غاية فى المنفىّ أى: لا يوجب اشتراكهما فى الإدراك حتى يكون الاشتراك المذكور جاريا على ما هو شرط فى وجه الشبه من كونه مشتركا بين الطرفين قائما بهما، إلا أنه فى المشبه به أقوى وأشهر منه فى المشبه (قوله: أن العلم إدراك إلخ) هذا خبر ليس، أى: أن كون العلم إدراكا كما أن الحياة معها إدراك ليس ذلك هو المقصود من قولنا: " العلم كالحياة"، بل المقصود من ذلك القول: أن العلم كالحياة من حيث إن كلا سبب فى الإدراك؛ لأن الغرض من هذا التشبيه إظهار شرف العلم وهو حاصل على هذا الوجه دون الأول (قوله: بل ليس إلخ) هذا الإضراب انتقالىّ أى: بل لو فرض قصد لم يكن فيه كبير فائدة، أى: فائدة كبيرة؛ وذلك لأنه يقتضى أن وجه الشبه بين

стр. 1551

كما فى قولنا: " العلم كالحس" فى كونهما إدراكا (أو مختلفان) بأن يكون المشبه عقليا، والمشبه به حسيا (كالمنية والسبع) فإن المنيّة؛ أى: الموت عقلىّ؛ لأنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة، والسبع حسىّ، أو بالعكس (و) ذلك (مثل: العطر) الذى هو محسوس مشموم (وخلق كريم) ... === العلم والحياة الملابسة لمطلق الإدراك، وملابسة مطلق الإدراك لا شرف فيه لوجوده فى البهائم، فلا يثبت شرف العلم مع كونه هو المقصود من التشبيه (قوله: كما فى قولنا) تشبيه فى النفى، أى: فى كما أن الفائدة التى فى قولنا: " العلم كالحس" أى: كالإحساس وهو الإدراك بالحاسة ليست كبيرة (قوله: فى كونهما إدراكا) أى: فى كون كلّ إدراكا، فالجامع مطلق الإدراك (قوله كالمنيّة والسبع) أى: حيث يشبه الأول بالثانى بأن يقال: المنية كالسبع فى اغتيال النفوس، أى: والسبع حسىّ، والسبع بفتح الباء وضمها وسكونها: المفترس من الحيوان باعتبار إدراك أفراده بالحاسة، وإلا فالسبع أمر كلىّ فيكون معقولا أو جعل ذلك الأمر الكلىّ محسوسا باعتبار انتزاعه من الجزئيات المحسوسة (قوله: لأنه عدم الحياة) أى: ولا شك أن هذا العدم أمر عقلىّ لا يدرك بالحواس، وجعله الموت عدميّا هو مذهب بعضهم، والحق أنه صفة وجودية تقوم بالحيوان عند خروج روحه؛ لقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ (١) وكون الخلق بمعنى التقدير مجاز لا داعى إليه (قوله: عمّا من شأنه) ضمن العدم معنى النفى فعداه بعن، و" ما" واقعة على الشىء، أى: نفى الحياة عن الشىء الذى من شأنه، أى: من أمره وصفته الحياة بالفعل، فنفيها عن الحيوان قبل وجودها كما فى قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ (٢) مجاز شائع كوصف الأرض بالموت عند ذهاب خضرتها- كذا فى شرح المقاصد للشارح، وذكر بعضهم أن الموت نفى الحياة عما من شأنه أن يتصف بها سواء اتصف بها بالفعل أم لا، وهو الموافق لقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ فإن الأصل فى الإطلاق الحقيقة، وكون الموت متعارفا فى زوال الحياة لا يقتضى أن يكون ذلك معناه الحقيقى فإنه يغلب الكلىّ فى فرد من أفراده (قوله: أو بالعكس) بأن يكون المشبه به عقليّا والمشبه حسيّا (قوله: وذلك مثل العطر وخلق كريم)

стр. 1552

وهو عقلى؛ لأنه كيفية نفسانية يصدر عنها الأفعال بسهولة، والوجه فى تشبيه المحسوس بالمعقول أن يقدر المعقول محسوسا، ويجعل كالأصل لذلك المحسوس على طريق المبالغة، ... === أى: خلق رجل كريم، فهو مركب إضافى فيشبه الأول بالثانى بأن يقال: العطر كخلق هذا الرجل المتصف بالكرم فى الواقع، أو كخلق شخص كريم بجامع أن كلّا منشأ لشىء حسن أو استطابة النفس لكلّ، واعلم أن العطر ما يتعطر به من كل طيّب الرائحة كالمسك والعود الهندىّ، ثم إن المشبه إن كان ذات العطر كان محسوسا بحاسة البصر، وإن كان المشبه رائحته كان محسوسا بحاسة الشم، وهذا مراد الشارح بقوله: (مشموم) أى: لأنه مشموم فهو يشير إلى أن المشبه رائحة العطر لا ذاته. (قوله: وهو) أى: الخلق عقلى (قوله: كيفية نفسانية) أى: راسخة فى النفس فنسبته للنفس من حيث قيامه بها ورسوخه فيها، وكان الأولى أن يعبر بقوله: ملكة يصدر عنها لأجل إفادة اشتراط الرسوخ فى النفس؛ لأن صفات النفس لا تسمى خلقا إلا إذا كانت راسخة (قوله: يصدر عنها) أى: بسببها وإلا فصدور الأفعال إنما هو عن النفس، أى: يصدر بسببها عن النفس الناطقة الأفعال الاختيارية الممدوح بها كالإعطاء والصفح عن الزلّة، ومقابلة الإساءة بالإحسان (قوله: بسهولة) أى: برفق من غير تكلف فى إيجاد تلك الأفعال، وأما لو كان إذا أراد فعل شىء ممدوح تنازعه فيه نفسه- فلا تسمى تلك الصفة خلقا، والحاصل أن الصفة النفسانية لا تسمى خلقا إلا إذا كانت راسخة، وكان ينشأ بسببها الأفعال الاختيارية الممدوحة، وكان صدورها بسهولة (قوله: والوجه) أى: والطريق إلخ، وهذا جواب عما يقال ما اقتضاه كلام المصنف من جواز تشبيه المحسوس بالمعقول ممنوع؛ لأن المحسوس أقوى من المعقول؛ لأن المحسوس أقرب للإدراك وأحق لظهور الوجه فيه والأقوى لا يشبه بالأضعف (قوله: أن يقدر المعقول محسوسا إلخ) أى: فيجعل الخلق كأنه أصل للعطر محسوس مثله والعطر المحسوس فرعه وأضعف منه أى: وحينئذ فالتشبيه واقع بين محسوسين لكن المشبه محسوس حقيقى والمشبه به محسوس تقديرى وإن كان معقولا حقيقة (قوله: على طريق المبالغة) أى: ويكون من عكس التشبيه وهو موجود فى باب التشبيه كثيرا، نحو:

стр. 1553

وإلا فالمحسوس أصل للمعقول؛ لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس، ومنتهية إليها فتشبيهه بالمعقول يكون جعلا للفرع أصلا، والأصل فرعا؛ وذلك لا يجوز. ولما كان من المشبه والمشبه به ... === وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح (١) فإن وجه الخليفة أضعف فى نفس الأمر فى الضياء من المصباح، ولكنه جعل أقوى ادعاء مبالغة فى مدحه فجعل مشبها به (قوله: وإلا) أى: وإلا يكن الطريق ما ذكر فلا يصح التشبيه؛ لأن (المحسوس إلخ) (قوله: لأن العلوم العقلية) أى: المعلومات العقلية أى: التى تدرك بالعقل كحدوث العالم وكمطلق بياض، فالأول: يدركه العقل من تغير العالم المدرك بالحس، والثانى: يدركه العقل من رؤية بياض خاص، فإذا أبصرت بياضا جزئيّا أدرك عقلك مطلق بياض وإن لم يكن لك بصر ما أدركت مطلق بياض، ولذلك قيل: من فقد حسّا فقد فقد علما، يعنى: المستفاد من ذلك الحس فعلمت من هذا أن الحواس أصل لمتعلقها وهو المحسوس وهو أصل للمعقولات، فقول الشارح: (مستفادة من الحواس) أى: بواسطة المحسوس الذى تعلقت به تلك الحواس (قوله: ومنتهية إليها) أى: لأن العقليات النظرية ترجع بالبرهان إلى الأمور الضرورية المستفادة من الحواس؛ لئلا يلزم التسلسل (قوله: فتشبيه) أى: المحسوس كالعطر مثلا، (وقوله: بالمعقول) أى: كخلق الرجل الكريم، و(قوله: جعلا للفرع) أى: فى الوضوح وهو المعقول (قوله: والأصل) أى: فى الوضوح وهو المحسوس (قوله: وذلك لا يجوز) أى: بدون الطريق السابق إن قلت: ليس كلّ محسوس أصلا لكلّ معقول، فيجوز أن يكون بعض المعقولات أوضح وأقوى عند العقل بواسطة كمال وضوح أصله الذى هو محسوس مخصوص، فيشبّه به محسوس آخر ليس أصلا له ولا واضحا مثل وضوحه، ولا حاجة لادعاء ولا تنزيل. قلت: إن وضوح المعقول أىّ معقول كان لا يبلغ درجة وضوح المحسوس أىّ محسوس كان، فضلا عن أن يكون أقوى منه فلا يصح تشبيه المحسوس بالمعقول إلا بطريق

стр. 1554

ما لا يدرك بالقوة العاقلة، ولا بالحس؛ أعنى: الحس الظاهر؛ مثل الخياليات، والوهميات، والوجدانيات- أراد أن يجعل الحسى، والعقلى بحيث ... === الادعاء والتنزيل كما ذكر الشارح، إذ لو قطع النظر عن ذلك وشبه المحسوس بالمعقول كان جعلا لما هو فرع فى الوضوح أصلا فيه ولما هو أصل فى الوضوح فرعا فيه وهو غير جائز. (قوله: ما لا يدرك بالقوة العاقلة إلخ) فيه ميل لمذهب الحكماء وإلا فلا يدرك عند المتكلمين سوى القوة العاقلة والحواس الظاهرة وليست الحواس الباطنة بمثبتة عند المتكلمين (قوله: مثل الخياليات إلخ) مثل زائدة؛ لأن الذى لا يدرك بالقوة العاقلة ولا بالحس الظاهرى هو هذه الثلاثة، واعلم أن الخياليات جمع خيالىّ، والمراد به هنا المركب المعدوم الذى تخيل تركبه من أجزاء موجودة فى الخارج، وليس المراد بالخياليات الصور المرتسمة فى الخيال بعد إدراكها بالحس المشترك المتأدية إليه من الحواس الظاهرة؛ لأن هذه داخلة فى الحسيّات وليست من الخياليات بالمعنى المراد هنا، ألا ترى أن الأعلام الياقوتية المنتشرة على رماح زبرجدية التى سماها أهل هذا الفن خياليات لا وجود لها خارجا حتى تتقرّر فى الحس المشترك عند مشاهدتها بالحس الظاهرى، وأن الوهميات جمع وهمىّ، والمراد به هنا صورة لا يمكن إدراكها بالحواس الظاهرة لعدم وجودها لكنها بحيث لو وجدت لم تدرك إلا بها، وليس المراد بالوهمى هنا ما كان مرتسما فى الحافظة بعد انطباعه فى الواهمة من المعانى الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كصداقة زيد المخصوصة، وعداوة عمرو كذلك، كما مر فى مبحث الفصل؛ لأن إثبات الأغوال ورءوس الشياطين التى سمّاها أهل هذا الفن وهميات- ليست من المعانى الجزئية، وإنما هى صور معدومة لكن لو وجدت فى الخارج لأمكن رؤيتها قال يس، وفى جعل الخياليات مما لا يدرك بالقوة العاقلة نظر لا يخفى، فإن الأمر الخيالى يدرك بها ومادته مدركة بالحواس على ما يأتى (قوله: والوجدانيات) جمع وجدانىّ وهو الأمر الذى يدرك بالوجدان أى: القوى الباطنية: كالشبع والجوع والفرح والغضب واللذة والألم؛ فإن هذه الأشياء إذا قام بالإنسان منها شىء أدركه بواسطة القوة الباطنية المسماة بالوجدان (قوله: بحيث) أى:

стр. 1555

يشملانها؛ تسهيلا للضبط بتقليل الأقسام فقال: (والمراد بالحسى: المدرك هو أو مادته بإحدى الحواس الخمس الظاهرة) أعنى: البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس (فدخل فيه) أى: فى الحسى بسبب زيادة قولنا: " أو مادته" (الخيالى) === ملتبسا بحالة وتعريف (قوله: يشملانها) أى: الأقسام الثلاثة (قوله: للضبط) أى: ضبط الطرفين فى الحسى والعقلى (قوله بتقليل الأقسام) أى: بسبب تقليل أقسام طرفى التشبيه، فإن قلت تسهيل الضبط حاصل على تقدير تفسير الحسى بمعناه المشهور أعنى: المدرك بإحدى الحواس، وتفسير العقلى بما عداه فيدخل فيه الخيالى، مع أن هذا أولى من حيث إن فيه تجوزا فى تفسير العقلى فقط، بخلاف ما سلكه فإن فيه تجوزا فى تفسير كلّ منهما، قلت: الحامل له على ما ذكر أن إدخال الخيالى فى الحسى أنسب لقربه منه من حيث إنه يدرك من حيث مادته بالحسن- كذا قيل، وقد يقال: إدخاله فى الحسى نظرا للحيثية المذكورة ليس بأولى من إدخاله فى العقلى من حيث نفسه، فإن العقل يدرك نفس الخيالى، فلعل الأولى فى الجواب أن يقال: الحامل للمصنف على جعل الخياليات من قبيل المحسوسات، اشتراك الحواس والخيال فى إدراك الصور، وإن كان الحس يدركها بسبب حضور المادة، والخيال يدركها بدون ذلك (قوله: والمراد بالحسى) أى: فى باب التشبيه، وأتى المصنف بهذا المراد دفعا لما يقال: كان الأولى له أن يقول: وطرفاه إما حسيّان أو عقليّان أو خياليّان أو وهميّان أو وجدانيّان أو حسى وعقلى إلخ، فتصير أقسام الطرفين خمسة عشر فالقسمة التى ذكرها غير حاصرة، فأجاب عن هذا بقوله: والمراد إلخ (قوله: المدرك هو) أى: بنفسه وحالته المخصوصة كالخد والورد، وأبرز الضمير لأجل العطف على الضمير المستتر لا لأجل كون الوصف جاريا على غير من هو له، إذ هو جار على من هو له (قوله: أو مادته) أى: أو لم يدرك هو بنفسه ولكن أدركت مادته، أى: جميع أجزائه التى تركب منها وتحققت بها حقيقته التركيبية فإن كان بعض المواد غير محسوس كان ذلك المركب وهميّا (قوله: بإحدى) متعلق بالمدرك (قوله: أعنى) أى: بالحواس الظاهرة ولا محل لهذه العناية (قوله: بسبب زيادة قولنا إلخ) فيه أن (قوله: أو مادته) من مقول المصنف لا من مقول الشارح، فكان حقه أن يقول: بسبب زيادة

стр. 1556

وهو المعدوم الذى فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحس (كما فى قوله: وكأن محمر الشقيق) (١) هو من باب: جرد قطيفة، والشقيق: ... === قوله إلا أن يقال: إنه مقول للشارح من حيث حكايته لذلك (قوله: وهو) أى: فى هذا المقام بخلاف الخيالى المتقدم فى الجامع الخيالى، فإن المراد به الصورة المنطبعة فى الخيال بعد انطباعها فى الحس المشترك عند مشاهدتها بالحس الظاهرى؛ لأن هذا من قبيل الحسيّات هنا (قوله: المعدوم) أى: المركب المعدوم، (وقوله: الذى فرض) أى: تخيل وقدر، و(قوله: كل واحد منها مما يدرك بالحس) أى: لوجوده فى الخارج، فلو كان المدرك بالحس بعضها فقط لم يكن خياليّا، بل هو وهمى كأنياب الأغوال، فإن الناب يدرك بالحس دون الغول، وحاصله أن المراد به المركب المعدوم الذى أجزاؤه موجودة فى الخارج، وإنما سمى ذلك المركب خياليّا، لكون صور أجزائه مرتسمة فى الخيال، أو لكون المركب له القوة المخيّلة وهى المفكّرة، وكلام الشارح الآتى وهو قوله: وليس المراد بالخيالى هنا ما كان مخزونا فى الخيال الذى هو خزانة الحس المشترك لا ينافى واحدا من الاحتمالين (قوله: كما فى قوله) أى: كالمشبه به فى قوله أى: الصنوبرىّ الشاعر كما ذكر ذلك بعضهم ونظير ما قاله قول أبى الغنائم الحمصىّ: خود كأن بنانها ... فى خضرة النقش المزرد سمك من البلور فى ... شبك تكون من زبرجد (قوله: كأن محمر الشقيق) أى: مع أصله بدليل ما بعده، وهذا البيت من الكامل المرفل المجزوء (قوله: من باب جرد قطيفة) يحتمل أن المراد بكونه من باب: جرد قطيفة- أن إضافة محمر إلى الشقيق من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى كأن الشقيق المحمر على حد قولهم: جرد قطيفة، أى: قطيفة جرداء، أى: ذهب خملها، أى: وبرها من طول البلى أو صنعت كذلك من أصلها، ووصفه بالاحمرار مع كونه لا يكون إلا أحمر، للمبالغة فى احمراره أو أنه قد يكون غير محمر، ويحتمل أن يراد؛ بكونه من باب

стр. 1557

ورد أحمر فى وسطه سواد ينبت بالجبال (إذا تصوب) مال إلى أسفل (أو تصعد) أى: مال إلى علو (أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد) فإن كلّا من العلم، والياقوت، والرمح، والزبرجد محسوس، لكن المركب- الذى هذه الأمور مادته- ليس بمحسوس؛ لأنه ليس بموجود، والحس لا يدرك ... === جرد قطيفة- أنه من إضافة الأعمّ إلى الأخصّ؛ لأن المحمر أعم من الشقيق، كما أن الجرد أعم من القطيفة، وإضافة الأعمّ إلى الأخصّ هى التى يسمّيها بعضهم بالإضافة البيانية (قوله: ورد أحمر) ويقال له شقائق النعمان، قال فى الصحاح: شقائق النعمان نبت معروف واحده وجمعه سواء اه، وحينئذ فرده إلى المفرد فى البيت؛ لضرورة الشعر، وفى كلام الشارح مجاراة لما وقع فى البيت، وإضافته إلى النعمان؛ لأنه كثيرا ما ينبت فى الأرض التى يحميها النعمان وهو كلّ من ملك الحيرة وأشهرهم النعمان بن المنذر، وقيل: وجه إضافته للنعمان؛ أن النعمان اسم للدم، والشقيق يشابهه فى اللون، فالإضافة تشبيهية، أى: من إضافة المشبه للمشبه به عكس لجين الماء (قوله: إذا تصوب) ظرف زمان عاملة أشبه المأخوذ من كأن أى: أشبه محمر الشقيق وقت ميله إلى السفل وميله إلى العلو بتحريك الرماح بأعلام ياقوت، وأو فى (قوله: أو تصعد) بمعنى الواو، وإنما قيد المشبه بهذا القيد؛ لأن أوراق الشقائق ليست على هيئة العلم من غير ميل إلى السفل والعلو (قوله: أى مال إلى السفل) لأن تصوب مأخوذ من صاب المطر، إذا نزل (قوله: أعلام ياقوت) خبر كأن، والأعلام جمع علم وهى الراية، وإضافة الأعلام للياقوت على معنى" من"، وأراد بالياقوت: الحجر النفيس المعلوم بشرط أن يكون أحمر، وهو أعز الياقوت، كما أنه أراد بالزبرجد حجرا أخضر من المعادن النفيسة (قوله: نشرن) الجملة صفة للأعلام الياقوتية و(قوله: من زبرجد) صفة لرماح أى: مأخوذ من زبرجد (قوله: من العلم) أى: الذى هو مفرد الأعلام و(قوله: الذى هذه الأمور) أى: المحسوسة، و (قوله ليس بمحسوس) خبر المركب، بل الهيئة الحاصلة من تلك الأمور خيالية، فالمشبه هنا مفرد حسى والمشبه به مركب خيالى، قال فى الأطول: ويمكن تفسير الشعر بما يخرج المشبه به عن كونه خياليّا بأن يجعل أعلام ياقوت، بمعنى: أعلام كياقوت فى الحمرة؛ فيكون

стр. 1558

إلا ما هو موجود فى المادة، حاضر عند المدرك على هيئة مخصوصة (و) المراد (بالعقلى: ما عدا ذلك) أى: ما لا يكون هو ولا مادته مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة (فدخل فيه الوهمى) أى: الذى لا يكون للحس مدخل فيه (أى: ما هو غير مدرك بها) أى: بإحدى الحواس المذكورة (و) لكنه بحيث (لو أدرك لكان مدركا بها) ... === تشبيها بليغا، ويراد بالزبرجد خشب مخضر كالزبرجد فيكون استعارة (قوله: إلا ما هو موجود فى المادة) أى: إلا المركب الموجود مع مادته (قوله: عند المدرك) أى: وهو الحس (قوله: على هيئة مخصوصة) أى: من كونه قريبا من المدرك لا جدّا، والجار والمجرور متعلق بحاضر (قوله: ما لا يكون هو ولا مادته) أى: ولا جميع مادته مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة وهذا صادق بما إذا كان بعض أجزائه مدركا بإحدى الحواس المذكورة كما فى أنياب الأغوال، فإن الناب مدرك بإحدى الحواس دون الغول، وصادق بما ليس كذلك. (قوله: فدخل فيه) أى: فى العقلى (قوله: الذى لا يكون للحس مدخل فيه) أى: بأن لا يدرك هو ولا مادته بالحس فليس منتزعا، أى: مركبا من أمور موجودة محسوسة كالخيالى وإنما هو شىء من مخترعات المتخيلة مرتسم فيها من غير وجود له ولا لأجزائه فى الخارج، واحترز بقوله الذى إلخ عن الوهمى بمعنى ما يكون مدركا بالقوة الواهمة من المعانى الجزئية المتعلقة بغير المحسوسات كصداقة زيد وعداوته فلا كلام فى كونه عقليّا بهذا المعنى (قوله: أى ما هو غير مدرك بها) أى: معنى جزئى غير مدرك بها لكونه غير موجود (قوله: ولكنه بحيث إلخ) أى: ولكنه ملتبس بحالة وهى أنه لو أدرك، أى: لو وجد فى الخارج وأدرك لكان مدركا بها لكونه من قبيل الصور لا المعانى، وقد ظهر لك أن المراد من الإدراك الواقع شرطا الإدراك حال كونه موجودا، فاندفع ما يقال: الإدراك المذكور فى الشرط إن كان مطلق الإدراك فالملازمة غير مسلمة؛ لأن المحسوس كأنياب الأغوال قد يدرك إدراكا عقليّا بدون الحواس، وإن كان المراد الإدراك فى الخارج اتحد الشرط والجزاء، وحاصل الجواب: أن المراد منه الإدراك حال كونه موجودا، أو الإدراك بنفسه لا بصورته- اه. فنرى

стр. 1559

وبهذا القيد يتميز عن العقلى (كما فى قوله): أيقتلنى والمشرفى مضاجعى (١) ... (ومسنونة زرق كأنياب أغوال) أى: أيقتلنى ذلك الرجل الذى توعدنى، والحال أن مضاجعى سيف منسوب إلى مشارف، ... === (قوله: وبهذا القيد) أى: وهو قوله بحيث إلخ، و(قوله: يتميز عن العقلى) أى: عن العقلى الصرف كالعلم والحياة فلا ينافى أن الوهمى من أفراد العقلى، لكن غير الصرف (قوله: كما فى قوله) أى: كالمشبه به فى قول امرئ القيس (قوله: أيقتلنى) أى: ذلك الرجل الذى توعدنى فى حب سلمى وهو زوجها، والاستفهام للاستبعاد (قوله: والمشرفىّ مضاجعى) أى: والسيف المشرفىّ، فهو صفة لمحذوف وهو بضم الراء و(قوله: مضاجعى) أى: ملازمى حال الاضطجاع، والمراد: ملازمى مطلقا؛ لأنه إذا لازمه فى حالة الاضطجاع، أى: النوم، فأولى فى غيرها، ولا يبعد أن يراد بالمضاجع حقيقته. فهو يشير إلى أنه لا يحاول قتله ولا يطمع فيه إلا فى حال اضطجاعه، لا فى تلك الحالة ومعه المشرفىّ فلا يصل إليه، والجملة حالية (قوله: ومسنونة) عطف على المشرفىّ أى: وسهام أو رماح مسنونة أى: حادة النصال، و(قوله: كأنياب أغوال) أى: فى الحدة (قوله: والحال أن مضاجعى إلخ) جعل الشارح" مضاجعى" مبتدأ و" المشرفى" خبرا مع امتناع تقديم الخبر إذا كان معرفة كالمبتدأ؛ لأن محل المنع عند خوف اللبس وذلك إذا كانا معلومين، ولم يكن ما يعين المبتدأ من الخبر، وأما إذا أمن اللبس بأن كان أحدهما معلوما والآخر مجهولا كما هنا فيجوز التقديم؛ لأنه يخبر بالمجهول عن المعلوم والمصاحبة معلومة؛ لأنه مستبعد للقتل، ويعلم من استبعاده للقتل أن له ملازما يمنع القتل ولو كان المصاحب له مشرفيّا مجهولا، فاللائق أن يعين المصاحب له بالمشرفىّ لا تعيين المشرفىّ بالمصاحب له (قوله: منسوب إلى مشارف) هى بلاد باليمن للعرب قريبة للرىّ، سميت بذلك لإشرافها عليه، وإذا علمت أن المشرفىّ نسبة لمشارف تعلم أن الشاعر نسب لمفرد الجمع كما هو

стр. 1560

وسهام محدودة النصال صافية مجلوة. وأنياب الأغوال مما لا يدركه الحس لعدم تحققها مع أنها لو أدركت لم تدرك إلا بحس البصر، ومما يجب أن يعلم فى هذا المقام أن من قوى الإدراك ما يسمى متخيّلة ومفكّرة، ومن شأنها تركيب الصور والمعانى، ... === القياس (قوله: محدودة النصال) تفسير لقوله مسنونة، و (قوله صافية) أخذه من قوله: زرق، و(قوله: مجلوة) أى: مجلوة النصال هو بمعنى ما قبله (قوله: لعدم تحققها) أى: لعدم وجودها فى الخارج فالضمير للأنياب؛ وذلك لأن الغول أمر وهمى فكذا أنيابه فكذا حدتها (قوله: مع أنها لو أدركت) أى: لو وجدت وأدركت (قوله: لم تدرك إلا بحس البصر) أى: لا بالعقل، فلا ينافى أنها تدرك بالغير أيضا فالحصر إضافىّ (قوله: ومما يجب إلخ) هذا توطئة لقوله: (والمراد بالخيالى إلخ) وذكره مع أنه مفهوم مما تقدم لما فيه من زيادة التحقيق (قوله: فى هذا المقام) أى: مقام الخيالى والوهمى (قوله: ما يسمى إلخ) أى: قوة تسمّى بهذين الاسمين باعتبارين، فتسمى متخيّلة باعتبار استعمال الوهم لها، وذلك بأن تأخذ ما فى الخيال من الصور وما فى الحافظة من المعانى الجزئية وتركّبهما، أو تأخذ المعانى الجزئية من الحافظة وتركّبها، أو الصور من الخيال وتركّبها، وتسمّى مفكّرة باعتبار استعمال العقل لها ولو مع الوهم بأن يحكم على المعنى الكلى الذى أدركه العقل بهذا الجزئى، أو بأنه كذا من المعانى الجزئية المدركة بالوهم فليس عمل هذه القوة منتظما؛ بل النفس تستعملها على أى نظام تريد بواسطة القوة الواهمة أو العقل، واعلم أن تصرفاتها بواسطة العقل قد تكون صوابا وقد تكون خطأ، وأما تصرفاتها بواسطة الوهم فهى خطأ، وأفهم قول الشارح: (أن من قوى الإدراك إلخ) أن هناك قوى أخر وهو كذلك، وقد تقدم تفصيلها فى مبحث الفصل والوصل، ويقال لها الحواس الباطنة وفيه تغليب، إذ بعضها لا إحساس له ولا إدراك كالمفكرة والخيال والحافظة على ما مر، أو يقال (قوله: من قوى الإدراك) أى: من القوى التى يتم بها أمر الإدراك (قوله: ومن شأنها تركيب الصور) أى: التى فى الخيال أى: تركب بعضها مع بعض مثل تركيب إنسان له جناحان أو رأسان (قوله: والمعانى) أى: المرتسمة فى الحافظة،

стр. 1561

وتفصيلها، والتصرف فيها، واختراع أشياء لا حقيقة لها. والمراد بالخيالى: المعدوم الذى ركبته المتخيّلة من الأمور التى أدركت بالحواس الظاهرة، وبالوهمى: ما اخترعته المتخيلة من عند نفسها؛ كما إذا سمع أن الغول شىء تهلك به النفوس؛ كالسبع- فأخذت المتخيّلة فى تصويرها بصورة السبع، واختراع ناب لها كما للسبع (وما يدرك بالوجدان) أى: دخل أيضا فى العقلى ما يدرك بالقوى الباطنة؛ ويسمى وجدانيّا ... === أى: تركب بعضها مع بعض بأن تركب عداوة مع محبة، أو حلاوة مع مرارة، أو تركب بعض الصور مع بعض المعانى بأن تتصور أن هذا الحجر يحب أو يبغض فلانا. (قوله: وتفصيلها) أى: تحليلها بأن تصور إنسانا لا رأس له (قوله: والتصرف فيها) أى: بالتركيب والتحليل، وهذا عطف عامّ على خاصّ، و(قوله: واختراع أشياء لا حقيقة لها) عطف خاصّ، وذلك كما مثلنا من تصور إنسان برأسين أو جناحين، أو بلا رأس، أو أن الحبل ثعبان (قوله: الذى ركبته المتخيّلة من الأمور التى أدركت إلخ) أى: بواسطة الوهم كالأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية (قوله: ما اخترعته المتخيّلة) أى: بواسطة الوهم على صورة المحسوس بحيث لو وجد كان مدركا بالحس الظاهر، و(قوله: من عند نفسها) أى: ولم تأخذ أجزاء من الخيال كأنياب الأغوال، والحاصل أن الوهمى لا وجود لهيئته، ولا لجميع مادته، والخيالى جميع مادته موجودة دون هيئته (قوله: فى تصويرها) من إضافة المصدر لمفعوله والضمير للغول، إذ هو مؤنث كما مر فى قول الشاعر: غالت ودها غول، ويصح أن يكون من إضافة المصدر لفاعله، والضمير للمتخيلة، والمفعول محذوف أى: تصويرها الغول (قوله: واختراع إلخ) عطف لازم على ملزوم (قوله: وما يدرك بالوجدان) عطف على الوهمى أى: ودخل فى العقلى الأمور التى تدركها النفس بسبب الوجدان وهو القوى الباطنية القائمة بالنفس مثل القوة التى يدرك بها الشبع، والتى يدرك بها الجوع، وكالقوة الغضبية التى يدرك بها الغضب والقوة التى يدرك بها الغمّ، والقوة التى يدرك (*) بها الخوف والقوة التى يدرك بها الحزن، فهذه الأشياء كلها وجدانيات؛ لأن النفس تدركها بواسطة تكيف تلك القوى الباطنية بها،

стр. 1562

(كاللذة) وهى إدراك ونيل لما هو عند المدرك كمال وخير ... === وتسمى تلك القوى وجدانا، وتسمى الأمور المدركة بواسطة تكيف تلك القوى بها كالشبع وما معه- وجدانيات نسبة للوجدان من حيث إنه سبب لإدراك النفس لها فقول الشارح: (ويسمى) أى: المدرك بتلك القوى الباطنية وجدانيّا. (قوله: كاللذة) هذا وما بعده مثال لما تدركه النفس بسبب الوجدان (قوله: إدراك ونيل) أى: للمدرك بالفتح، والمراد بنيله: حصوله، والتكيف بصفته، وإنما جمع بين الأمرين ولم يقتصر على أحدهما؛ لأن اللذة لا تحصل بمجرد إدراك اللذيذ؛ بل لا بد من حصوله للمستلذ بالكسر، وهو القوة الذائقة أو قوة اللمس أو غيرهما، وأما ما يحصل عند تصور المرأة الحسناء أو الشىء الحلو، فذاك تخييل للذة؛ لا أنه عين اللذة، ولم يكتف بالنيل عن الإدراك؛ لأن مجرد النيل- من غير إحساس وشعور بالمدرك- لا يكون التذاذا، والواو فى (قوله: ونيل) بمعنى: " مع" أى: إدراك للنفس مصاحب لنيل، أى: لحصول وتكيف (لما هو إلخ) أى: لأمر لائق بالمدرك بالكسر كتكيف القوة الذائقة بالحلاوة (قوله: عند المدرك) إنما قيد بذلك؛ لأن المعتبر كماليته وخيريته بالقياس إلى المدرك لا بالنسبة لنفس الأمر؛ لأنه قد يعتقد الكمالية والخيرية فى شىء فيلتذ به، وإن لم يكونا فيه وقد لا يعتقدهما فيما تحققتا فيه فلا يلتذ به كإدراك الدواء النافع مهلكا، فهذا ألم لا لذة، و(قوله: إدراك) جنس يشمل سائر الإدراكات الحسية والعقلية، وقوله: مصاحب لنيل فصل يميز اللذة عن الإدراك الذى لا يجامع نيل المدرك أعنى: مجرد تصور المدرك فإنه لا يكون من باب اللذة لما علمت أن تصور المدرك لا يكون لذة إلا إذا كان معه نيل للمدرك أى: اتصال به وتكيف بصفته تكيفا حسيّا كنيل القوة الذائقة، فإذا وضع الشىء الحلو على اللسان تكيفت القوة الذائقة بصفة وهى الحلاوة، ثم تدرك النفس ذلك التكيف فهذا الإدراك يقال له: لذة حسيّة، وتلك اللذة التى هى الإدراك المذكور تحصل فى النفس بسبب القوى الباطنية المسماة بالوجدان أو كان التكيف عقليّا كنيل النفس لشرف العلم، فالقوة العاقلة تدرك شرف العلم وتتكيف به وتدرك ذلك التكيف وإدراكها لذلك التكيف يقال له: لذة عقلية، ولا يتوقف إدراكها لذلك التكيف على وجدان، بل

стр. 1563

من حيث هو كذلك (والألم) وهو إدراك ونيل لما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك، ولا يخفى أن إدراك هذين المعنيين ليس بشىء من الحواس الظاهرة، وليس أيضا من العقليات الصرفة؛ لكونهما من الجزئيات المستندة إلى الحواس، بل من الوجدانيات المدركة بالقوى الباطنة ... === تدركه بنفسها، و(قوله: عند المدرك) متعلق بكمال وخير أى: لما تكون كماليته وخيريته عند المدرك وهو النفس (قوله: من حيث هو كذلك) أى: كمال وخير، وإنما قال ذلك؛ لأن الشىء قد يكون كمالا وخيرا من وجه دون وجه، فالالتذاذ به إنما يكون من ذلك الوجه. (قوله: وهو إدراك ونيل لما هو عند المدرك آفة وشر) لا يخفى عليك مفاد قيود الألم من مفاد قيود اللذة، ثم إن كلا من تعريف اللذة والألم المذكورين يشمل عقلىّ كلّ منهما وحسيّه، فعقليّهما ما يكون المدرك فيه بالكسر مجرد العقل، والمدرك بالفتح من المعانى الكلية وذلك كاللذة التى هى إدراك الإنسان شرف العلم، والألم الذى هو إدراك الإنسان نقصان الجهل وقبحه، فشرف العلم كمال عند القوة العاقلة، ولا شك أنها تدركه وتستلذ به، ونقصان الجهل آفة عند القوة العاقلة، ولا شك أنها تدركه وتتألم به، وحسيّهما كإدراك النفس نيل القوة الذائقة لمذوقها الحلو أو المر أى: تكيفها به ونيل القوة الباصرة لمبصرها الجميل أو الخبيث، ونيل القوة الشامّة لمشمومها (*) الطيب أو المنفر، فهذه اللذات والآلام كلها مستندة للحس من حيث إنه سبب فيها، فالذوق مثلا إنما يدرك حلاوة الحلو وليست الحلاوة هى نفس اللذة بل هى إدراك النفس لتكيف الذوق بمذوقه الحلو (قوله: ولا يخفى أن إدراك هذين المعنيين) أى: اللذة والألم، و(قوله: ليس بشىء من الحواس الظاهرة) أى: لأن هذين المعنيين إدراكان، والإدراك معنى من المعانى، والحواس الظاهرة لا تدرك المعانى (قوله: وليسا) أى: هذان المعنيان من العقليات الصرفة، أى: حتى أنهما يدركان بالعقل، و(قوله: الصرفة) أى: التى لا يتعلق بها إحساس أصلا كالعلم والحياة (قوله: لكونهما من الجزئيات إلخ) أى: والعقليات الصرفة التى تدرك

стр. 1564

كالشبع، والجوع، والفرح، والغمّ، والغضب، والخوف، وما شاكل ذلك. والمراد هاهنا: اللذة والألم الحسيان، وإلا فاللذة والألم العقليان من العقليات الصرفة. [وجه التشبيه]: (ووجهه) أى: وجه التشبيه (ما يشتركان فيه) أى: المعنى الذى قصد اشتراك الطرفين فيه، وذلك أن زيدا والأسد يشتركان فى كثير من الذاتيات وغيرها: كالحيوانية، والجسمية، والوجود، ... === بالعقل إنما هى المعانى الكلية، و(قوله: المستندة) للحواس يعنى الباطنية كما تقدم بيانه (قوله: كالشبع إلخ) أى: كما أن الشبع وما بعده من الوجدانيات مدركة بسبب القوى الباطنية (قوله: الحسيان) أى: لأنهما اللذان تدركهما النفس بالوجدان، ومحصل الفرق بين اللذة والألم الحسيين والعقليين أن الحسيين ما يكون المدرك فيهما- بالكسر- النفس بواسطة الحواس والمدرك مما يتعلق بالحواس، وأما العقليان فهما ما كانا غير مستندين لحاسة أصلا لكون المدرك فيهما العقل، والمدرك من العقليات، أعنى: المعانى الكلية (قوله: وإلا فاللذة إلخ) أى: وإلا نقل المراد هنا باللذة والألم الحسيان، بل قلنا المراد هنا اللذة والألم مطلقا حسيين أو عقليين فلا يصح؛ لأن اللذة والألم العقليين كإدراك القوة العاقلة شرف العلم ونقصان الجهل من (العقليات الصرفة) أى: وليسا من الوجدانيات المدركة بالحواس الباطنة؛ لأن الحواس الباطنة إنما تدرك الجزئيات، والعقليات الصرفة التى ليست بواسطة شىء ليست جزئيات (قوله: ووجهه) اعلم أن وجه الشبه لا بد وأن يكون فيه نوع خصوصية حتى يفيد التشبيه؛ ولذا لا يكون من الذاتيات ولا من الأعراض العامّة؛ لأن الكلام المفيد للتشبيه باعتبار ذلك لا يفيد ما لم يتعلق بها غرض، بأن يقصد المتكلم أن هذا الأمر مما ينبغى أن يشبه به فيكون فيه حينئذ مزيد اختصاص وارتباط من حيث ذلك الغرض فيكون الكلام بذلك مفيدا، وظاهر المصنف الإطلاق؛ ولذا قيد الشارح كلامه بقوله: أى: المعنى الذى قصد إلخ (قوله: أى المعنى) أراد بالمعنى: ما قابل العين سواء كان تمام ماهيتهما أو جزءا من ماهيتهما أو خارجا (قوله: الذى قصد اشتراك الطرفين فيه) أى: لا ما يقع فيه الاشتراك وإن لم يقصد، كما هو ظاهر المصنف (قوله: وذلك)

стр. 1565

وغير ذلك، مع أن شيئا منها ليس وجه الشبه. وذلك الاشتراك يكون (تحقيقيّا، أو تخييليّا، والمراد بالتخييلى) أن لا يوجد ذلك المعنى فى أحد الطرفين، أو فى كليهما إلا على سبيل التخييل، والتأويل (نحو ما فى قوله: وكأن النجوم بين دجاه) (١) جمع: دجية؛ وهى الظلمة، والضمير لليل، وروى: دجاها، والضمير للنجوم (سنن === أى: وبيان ذلك التقييد بقولنا الذى قصد إلخ (قوله: وغير ذلك) أى: كالحدوث (قوله: مع أن شيئا منها ليس وجه الشبه) أى: إذا كان القصد تشبيه زيد بالأسد فى الشجاعة، أما إن قصد اشتراك الطرفين فى واحد منها كان ذلك الواحد هو وجه الشبه، هذا هو المراد، وليس المراد أنه لا يصلح أن يكون واحد منها وجه شبه أصلا قصد جعله وجه شبه أو قصد جعل غيره. (قوله: يكون تحقيقيّا أو تخييليّا) أشار الشارح إلى أن تحقيقيّا أو تخييليّا منصوبان على الخبرية لكان المحذوفة مع اسمها وليس ذلك بعد" أن، ولو"، ويصح أن يكونا مصدرين مؤكدين أى: اشتراك تحقيق أو تخييل، أو حالين، أى: حالة كون الاشتراك تحقيقا إلخ أى: محققا أو مخيّلا لكن هذا ضعيف، لأن مجىء الحال مصدرا مقصور على السماع، فلا يقاس عليه على الصحيح (قوله: إلا على سبيل التخييل) أى: فرض المخيلة وجعلها ما ليس بمحقّق محقّقا، وذلك بأن يثبته الوهم ويقرره بتأويل غير المحقّق محققا (قوله: والتأويل) مرادف لما قبله (قوله: نحو ما فى قوله) أى: مثل وجه الشبه الكائن فى قول القاضى التنوخى بتخفيف النون المضمومة وقبل البيت: رب ليل قطعته بصدود ... وفراق ما كان فيه وداع موحش كالثقيل تقذى به العين ... وتأبى حديثه الأسماع (قوله: جمع دجية وهى الظلمة) أى: وزنا ومعنى، وجمعها مضافة لليل باعتبار قطعها الموجودة فى النواحى المتقاربة والمتباعدة، وإلا فهى واحدة لعدم تمايز أفرادها (قوله: والضمير لليل) أى: فى قوله رب ليل (قوله: والضمير للنجوم) أى والمعنى وكأن النجوم بين ظلمها والإضافة لأدنى ملابسة؛ لأن النجوم واقعة فى الظلم ويصح أن يكون الضمير على هذه الرواية لليالى المدلول عليها بقوله: رب ليل فإن رب فيه دالة على التكثير والتعدد وبقرينة

стр. 1566

لاح بينهن ابتداع؛ فإن وجه الشبه فيه) أى: فى هذا التشبيه (هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض فى جوانب شىء مظلم أسود فهى) أى: تلك الهيئة (غير موجودة فى المشبه به) أعنى: السنن بين الابتداع (إلا على طريق التخييل؛ وذلك) أى: وجودها فى المشبه به على طريق التخييل (أنه) الضمير للشأن (لما كانت البدعة، وكل ما هو جهل ... === الحال؛ لأن العاشق لا يشتكى ألم ليلة واحدة (قوله لاح) أى: ظهر بينهن ابتداع أى: بدعة وهى الأمر الذى ادعى أنه مأمور به شرعا وهو ليس كذلك، كما أن المراد بالسنة ما تقرر كونه مأمورا به شرعا مما يدل عليه قول الشارع، أو فعله أو ما يجرى مجرى ذلك من تقريره- ﷺ فالمشبه النجوم بقيد كونها ظهرت بين أجزاء ظلمة الليل والمشبه به السنن المفيدة بكونها لاحت بين الابتداع فهو تشبيه مفرد بمفرد، ثم لا يخفى أن هذا من تشبيه المحسوس بالمعقول، وحينئذ فيقدر أن السنن محسوسة ويجعل كأنها أصل على طريق المبالغة، أو يجعل من عكس التشبيه والأصل، وكأن السنن بين الابتداع نحو بين دجاه. (قوله: أى فى هذا التشبيه) أى: الواقع فى البيت (قوله: مشرقة) أى: مضيئة (قوله فى جوانب شىء) أى: جهات شىء مظلم والمناسب لقوله بين دجاه أن يقول بين الظلمة- كذا فى الحفيد، وفى الأطول: فى جوانب شىء مظلم هى الظلمات وقصد بجعل الظلمة مظلمة أنها مظلمة بذاتها كما أن الضوء مضىء بذاته- اه، وكذا يقال فى أسود (قوله: غير موجودة) أى: لأن السنن ليست أجراما حتى تكون مشرقة وكذلك البدعة ليست أجراما حتى تكون مظلمة (قوله: أعنى السنن بين الابتداع) أتى بالعناية إشارة إلى أن فى البيت قلبا وسيصرح به (قوله: إلا على طريق التخييل) الإضافة للبيان أى: تخيل الوهم كون الشىء حاصلا وهو ليس كذلك فى نفس الأمر؛ لأن البياض والإشراق كالظلمة من أوصاف الأجسام ولا توصف السنة والبدعة بها؛ لأنهما من المعانى (قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: وجود الهيئة الواقعة وجه شبه فى المشبه به على طريق التخييل (قوله: وكل ما هو جهل) أى: وكل فعل ارتكابه جهل ليكون من جنس البدعة التى عطف عليها؛ لأن البدعة

стр. 1567

يجعل صاحبها كمن يمشى فى الظلمة فلا يهتدى للطريق، ولا يأمن من أن ينال مكروها- شبهت البدعة بها) أى: بالظلمة (ولزم بطريق العكس) إذا أريد التشبيه (أن تشبه السنة، وكل ما هو علم بالنور) لأن السنة والعلم يقابل البدعة والجهل؛ كما أن النور يقابل الظلمة (وشاع ذلك) أى: كون السنة والعلم كالنور، والبدعة والجهل كالظلمة (حتى تخيل أن الثانى) أى: السنة وكل ما هو علم (مما له بياض وإشراق؛ ... === ناشئة عن الجهل، لا أنها جهل بنفسها، وبهذا ظهر أن العطف من قبيل عطف العام على الخاص (قوله: يجعل صاحبها) أى: المتصف بها (قوله: ولا يأمن من أن ينال مكروها) أى: من الوقوع فى مهلكة (قوله: شبهت البدعة) جواب لما. واقتصر المصنف على البدعة مع أن المناسب لما تقدم أن يقول شبهت البدعة وكل ما هو جهل؛ لأن البدعة هى المقصودة بالذات؛ لأن الكلام فيها (قوله: ولزم) أى: من ذلك أعنى تشبيه البدعة بالظلمة (قوله: بطريق العكس) أى: المقابلة والإضافة للبيان أى: بالطريق التى هى مراعاة المقابلة والمخالفة الضدية؛ لأن ما يترتب على الشىء من جهة أنه ضد لا يترتب على مقابله وإلا لانتفت الضدية (قوله: أن تشبه السنة) أى: المقابلة للبدعة، (وقوله وكل ما هو علم) أى: المقابل لكل ما هو جهل، (وقوله بالنور) أى: لأنها تجعل صاحبها كمن يمشى فى النور فيهتدى للطريق ويأمن من المكروه، ولم يقل المصنف ذلك اكتفاء بالمقابلة- قاله يس (قوله: وشاع ذلك) أى: التشبيه المذكور على ألسنة الناس وتداولوه فى الاستعمال حتى تخيل .. إلخ، (وقوله أى: كون السنة .. إلخ) بيان للتشبيه المذكور المشار إليه، وكان المناسب أن يقول أى: كون البدعة والجهل كالظلمة والسنة والعلم كالنور إلا أن يقال: ارتكب ما صنعه اهتماما بشرف العلم والسنة بالنسبة للبدعة والنور بالنسبة للظلمة (قوله: حتى تخيل أن الثانى) أى: فى كلام المصنف وقدمه على تخيل الأول إشارة إلى أنه المقصود بالذات هاهنا (قوله: مما له بياض وإشراق) أى: من الأجرام التى لها بياض وإشراق فهو من أفراد المشبه به ادعاء، لكن يبالغ فى ذلك الفرد الذى تخيل أنه مما له بياض حتى يجعل أشد فى البياض من غيره ليصح جعله مشبها به؛

стр. 1568

نحو: أتيتكم بالحنيفية البيضاء، والأول على خلاف ذلك) أى: وتخيل أن البدعة وكل ما هو جهل مما له سواد وإظلام (كقولك: شاهدت سواد الكفر من جبين فلان. فصار) بسبب تخيل أن الثانى مما له بياض وإشراق، والأول مما له سواد وإظلام (تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع كتشبيهها) أى: النجوم (ببياض الشيب فى سواد الشباب) أى: أبيضه فى أسوده (أو بالأنوار) === لأن المشبه به لا بد أن يكون أقوى من المشبه فى وجه الشبه (قوله: نحو أتيتكم .. إلخ) (١) هذا تنظير فيما يخيل أن الشىء له بياض، فالشريعة الحنيفية هى دين الإسلام وهو الأحكام الشرعية وقد وصفها- ﵊ بالبياض لتخيل أنها من الأجرام التى لها بياض، والحنيفية صفة لمحذوف أى: بالملة أو الشريعة الحنيفية نسبة للحنيف: وهو المائل عن كل دين سوى الدين الحق وعنى به إبراهيم- ﵊. (قوله: والأول) أى: وحتى يخيل أن الأول فى كلام المصنف وهو البدعة، (وقوله: خلاف ذلك) أى: الثانى (قوله: وإظلام) كان المتبادر أن يقول: وظلمة فكأنه راعى قول المصنف: وإشراق (قوله: كقولك .. إلخ) هذا تنظير فيما يخيل أن الشىء مما له سواد (قوله: من جبين فلان) الجبين: ما بين العين والأذن إلى جهة الرأس، ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ووصف الجبين بشهود سواد الكفر منه مع أن المراد شهوده من الرجل؛ لأن الجبين يظهر فيه علامة صلاح الشخص وفساده، والشاهد فى (قوله: شاهدت سواد الكفر) فإن الكفر جحد ما علم مجىء النبى- ﷺ به ضرورة وقد وصف ذلك بالإنكار بالسواد لتخيله أنه من الأجرام التى لها سواد. (قوله: كتشبيهها .. إلخ) أى: صار ذلك التشبيه بواسطة الوجه التخييلى صحيحا كما أن تشبيهها صحيح بواسطة وجه محقق كما فى تشبيه النجوم بين الدجى ببياض الشيب .. إلخ (قوله: أى النجوم) أى: بين الدجى (قوله: ببياض الشيب) أى: بالشعر الأبيض الكائن فى وقت الشيب، (وقوله: فى سواد الشباب) أى: الكائن بين الشعر الأسود الكائن فى وقت

стр. 1569

أى: الأزهار (مؤتلقة) - بالقاف- أى: لامعة (بين النبات الشديد الخضرة) حتى يضرب إلى السواد؛ فبهذا التأويل- أعنى: تخييل ما ليس بمتلون متلونا- ظهر اشتراك النجوم بين الدجى، والسنن بين الابتداع فى كون كل منهما شيئا ذا بياض بين شىء ذى سواد، ولا يخفى أن قوله: لاح بينهن ابتداع من باب القلب؛ أى: سنن لاحت بين الابتداع ... === الشباب الباقى على سواد ضرورة أن النجوم فى الدجى لم تشبه بنفس البياض فى السواد بل بالشعر الأبيض الكائن فى الأسود، فيقال النجوم فى الدجى كالشعر الأبيض فى الشعر الأسود حال ابتداء الشيب، ولذلك قال الشارح أى: أبيضه فى أسوده (قوله: أى الأزهار) أشار به إلى أن الأنوار جمع نور- بفتح النون (قوله: لامعة) لم يقل بيضاء؛ لأنه لا يلزم من لمعانها كونها بيضاء فقد يحصل اللمعان فى الأخضر مثلا (قوله: بين النبات) أعنى أصول الأزهار، وقد اشترك تشبيه النجوم بين الدجى ببياض الشيب وتشبيهها بالأنوار .. إلخ فى كون وجه الشبه محققا فى الطرفين، لكن وجه الشبه فى التشبيه .. إلخ: الهيئة الحاصلة من حصول أشياء بيض فى شىء أسود، والوجه فى الثانى: الهيئة الحاصلة من حصول أشياء لونها مخالف للون ما حصلت فيه؛ لأن الأنوار لا تتقيد بوصف البياض (قوله: حتى يضرب) أى: يميل إلى السواد فيتراءى أنه أسود (قوله: فبهذا التأويل .. إلخ) هذا نتيجة ما تقدم، (وقوله: بين الدجى) حال من النجوم، وكذا (قوله: بين الابتداع) حال من السنن (قوله: ولا يخفى .. إلخ) أى: لعلم ذلك من قول المصنف فصار تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع كتشبيهها .. إلخ، وإنما كان من باب القلب؛ لأنه جعل فى جانب المشبه" النجوم" التى هى نظير" السنن" فى جانب المشبه به" بين الدجى" فلتجعل" السنن" فى جانب المشبه به" بين الابتداع" ليتوافق الجانبان، والنكتة فى ذلك القلب الإشارة إلى كثرة السنن، وأن البدع فى زمانه قليلة بالنسبة إليها، حتى كأن البدعة هى التى تلمع وتظهر من بينها، ولأجل هذه النكتة أفرد البدعة وإن كان مقتضى مقابلتها للدجى أن يجمعها (قوله: ولا يخفى أن قوله لاح بينهن ابتداع .. إلخ) الأولى أن يقول: ولا يخفى أن قوله سنن لاح بينهن ابتداع من باب القلب بزيادة سنن كما هو

стр. 1570

(فعلم) من وجوب اشتراك الطرفين فى وجه التشبيه (فساد جعله) أى: وجه الشبه فى قول القائل: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا) لأن المشبه- أعنى: النحو- لا يشترك فى هذا المعنى (لأن النحو لا يحتمل القلة والكثرة) إذ لا يخفى أن المراد به هنا رعاية قواعده، واستعمال أحكامه؛ مثل رفع الفاعل، ونصب المفعول وهذه إن وجدت فى الكلام بكمالها صار صالحا لفهم المراد، وإن لم توجد بقى فاسدا، ولم ينتفع به (بخلاف الملح) فإنه يحتمل القلة والكثرة؛ ... === ظاهر. (قوله: فعلم .. إلخ) هذا تفريع على قوله سابقا، ووجهه: ما يشتركان فيه تحقيقا أو تخييلا، أى: فلا بد من وجوده فى الطرفين تحقيقا أو تخييلا، فإذا لم يوجد فى الطرفين تحقيقا ولا تخييلا كان جعله وجه شبه فاسدا، فعلم بذلك فساد ... إلخ (قوله: وكون القليل مصلحا) أى: لما وجد فيه، وهو الكلام فى الأول والطعام فى الثانى. (قوله: والكثير مفسدا) أى: لما وجد فيه وهو الكلام فى الأول والطعام فى الثانى (قوله: لا يشترك فى هذا المعنى) أى: لا يشترك مع الملح فى هذا المعنى بل هذا المعنى أعنى الكونية المذكورة خاصة بالملح ولا وجود لها فى النحو- هذا كلامه وفيه: أن قلة الملح ليست مصلحة للطعام دائما، بل ربما كانت مفسدة فلا يتحقق صحة وجود الوجه المذكور حتى فى الطرف الآخر- اللهم إلا أن يراد بالقليل القدر المحتاج إليه، وبالكثير ما زاد على ذلك (قوله: لا يحتمل القلة والكثرة) أى: لا يحتمل شيئا منهما أى: بالنسبة إلى كلام واحد بخلاف الملح فإنه يتحتملهما بالنسبة إلى طعام واحد (قوله: أن المراد به) أى: بالنحو، (وقوله: رعاية قواعده) أى: قواعده المرعية (قوله: واستعمال أحكامه) أى: وأحكامه المستعملة وهو عطف تفسير أى: أن المراد بالنحو ما ذكر لا الجزئيات المسماة بكونها نحو المحتملة للقلة والكثرة؛ لأنه لا غرض لنا فى كثرة جزئياته، وإنما الغرض منه ما يراعى فى الكلام وهو الذى اعتبر فى التشبيه، وهذا لا يحتمل القلة والكثرة (قوله: وهذه) أى: المذكورات من رفع الفاعل ونصب المفعول (قوله: وإن لم توجد) أى: كلا أو بعضا (قوله: ولم ينتفع به) أى: فى فهم المراد منه، فإن قلت: قد

стр. 1571

بأن يجعل فى الطعام القدر الصالح منه، أو أقل، أو أكثر، بل وجه الشبه هو الصلاح بإعمالهما، والفساد بإهمالهما. الوجه الداخل فى الطرفين والخارج عنهما: (وهو) أى: وجه الشبه (إما غير خارج عن حقيقتهما) أى: حقيقة الطرفين ... === يفهم المعنى من الكلام الملحون. قلت: المنفى الانتفاع بالنظر لذات اللفظ وفهم المراد من الملحون إن وجد فبواسطة القرائن- كذا قرر شيخنا العدوى، وفى عبد الحكيم: أن المراد لم ينتفع به على وجه الكمال للتحير. (قوله: بأن يجعل فى الطعام) أى: الواحد، (وقوله: القدر الصالح منه أو أقل) راجع لقوله: يحتمل القلة، (وقوله: أو أكثر) راجع لقوله: والكثرة. إن قلت: الأقل من القدر الصالح كيف يجعل من القليل المحكوم عليه بكونه مصلحا مع وجود الفساد؟ قلت: الإصلاح بالنسبة إليه بمعنى تخفيف الفساد- كذا قرر شيخنا العدوى- ﵀. (قوله: بل وجه الشبه .. إلخ) إضراب على ما قاله بعضهم من أن وجه الشبه ما ذكر من كون القليل مصلحا والكثير مفسدا فى كل (قوله: بإعمالهما) أى: بإعمال النحو والملح على الوجه اللائق (والفساد بإهمالهما)، وحينئذ فمعنى قولهم: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام بناء على هذا الوجه أن الكلام لا تحصل منافعه من الدلالة على المقاصد إلا بمراعاة القواعد النحوية، كما أن الطعام لا تحصل المنفعة المطلوبة منه- وهى التغذية- على وجه الكمال ما لم يصلح بالملح (قوله: وهو إما غير خارج .. إلخ) لما ذكر ضابط وجه الشبه شرع فى تقسيمه كما قسم الطرفين- فيما مر- إلى أربعة أقسام فقسمه إلى ستة أقسام؛ وذلك لأن وجه الشبه إما غير خارج عن الطرفين وإما خارج عنهما، وغير الخارج ثلاثة أقسام؛ لأنه إما أن يكون تمام ماهيتهما أو جزءا منها مشتركا بينها وبين ماهية أخرى أو جزءا منهما مميزا لها عن غيرها من الماهيات، والأول: النوع، والثانى: الجنس، والثالث: الفصل، والخارج عنهما إما أن يكون صفة حقيقية وإما إضافية، والحقيقية إما حسية أو عقلية، وقدم الكلام على غير الخارج؛ لأنه الأصل فى وجه الشبه،

стр. 1572

بأن يكون تمام ماهيتهما، أو جزءا منهما (كما فى تشبيه ثوب بآخر فى نوعهما، أو جنسهما) أو فصلهما؛ كما يقال: هذا القميص مثل ذاك فى كونهما كتانا، أو ثوبا، أو من القطن (أو خارج) عن حقيقة الطرفين (صفة) أى معنى قائم بهما === ولم يقل: وهو إما داخل أو خارج ليشمل النوع؛ لأنه كما أنه غير خارج غير داخل لكونه تمام الماهية والشىء لا يدخل فى نفسه ولا يخرج منها (قوله: بأن يكون تمام ماهيتهما) أى: ماهيتهما التامة وهو النوع، (وقوله: أو جزءا منهما) أى: وهو الجنس أو الفصل (قوله: كما فى تشبيه ثوب بآخر فى نوعهما أو جنسهما أو فصلهما) أو مانعة خلو فتجوز الجمع أى: أو فى جنسهما وفصلهما معا وأنت خبير بأننا إذا قلنا: زيد كالفرس فى الحيوانية، أو كعمرو فى الإنسانية أو فى الناطقية، فالإنسانية والحيوانية والناطقية ليست هى النوع والجنس والفصل، إذ النوع الإنسان لا الإنسانية أعنى: الكون إنسانا، والجنس هو الحيوان لا الحيوانية أعنى: الكون حيوانا، والفصل الناطق لا الناطقية أعنى: الكون ناطقا، وكذا يقال فى تشبيه ثوب بآخر وغير ذلك، وأجاب بعض الفضلاء بأن المراد بقوله فى نوعهما .. إلخ أى: فيما يؤخذ من نوعهما أو جنسهما أو فصلهما (قوله: كما يقال هذا القميص .. إلخ) اعلم أن الثوب اسم لكل ما يلبس، لكن إن كان يسلك فى العنق قيل له قميص، وإن كان يلف على الرأس قيل له عمامة، وإن كان يسلك فيها قيل له طاقية، وإن كان يستر به العورة قيل له سروال، وإن كان يوضع على الأكتاف قيل له رداء، فالثوب جنس تحته أنواع عمامة وقميص ورداء وسروال وطاقية، إذا علمت هذا فالأولى للشارح أن يقول كما يقال: هذا الثوب مثل هذا الثوب فى كونهما قميصا، أو هذا الملبوس مثل هذا الملبوس فى كونهما ثوبا أو هذا الثوب مثل هذا الثوب فى كونهما من كتان أو قطن، فالأول مثال للنوع والثانى للجنس والثالث والرابع مثال للفصل؛ وذلك لأن هذا الثوب مركب من الجنس وهو الثوبية ومن الفصل وهو القطن أو الكتان أو الحرير أو الصوف مثلا، وأما ما قاله الشارح ففيه ترك لمثال النوع- كذا قرر شيخنا العلامة العدوى، ولك أن تقول: إن القطن والكتان فى كلام الشارح مثال للفصل (وقوله أو ثوبا) مثال للجنس إن أريد مطلق ثوبية ويكون

стр. 1573

ضرورة اشتراكهما فيه، وتلك الصفة (إما حقيقية) أى: هيئة متمكنة فى الذات متقررة فيها (وهى إما حسية) أى: مدركة بإحدى الحواس (كالكيفيات الجسمية) أى: المختصة بالجسم (مما يدرك بالبصر) وهى قوة مرتبة ... === تاركا لمثال النوع، ويحتمل أنه مثال للنوع إن أريد به الثوبية المقيدة بالكتان أو القطن ويكون تاركا لمثال الجنس، واعلم أن التشبيه فى الجنس وما معه من النوع والفصل يفيد عند التعريض مثلا بمن استنكف عن لبس أحدهما وعند التقريع لمن ينزلهما منزلة المتباينين كالفرس والحمار، وإذا علمت هذا تعلم أن التشبيه بالنوع والجنس والفصل لا ينافى ما تقرر من كون وجه الشبه لا بدّ له من نوع خصوصية وإلا لم يفد؛ لما تقدم أن معنى الخصوصية كونه فى قصد المتكلم مما ينبغى أن يشبه به لإفادته ولو باعتبار ما يعرض فى الاستعمال من تعريض أو تقريع، وعلم مما ذكرناه من الأمثلة أنه ليس المراد بالجنس والنوع والفصل المعنى المصطلح عليه عند المناطقة، بل ما يقصد منها فى العرف (قوله: ضرورة اشتراكهما فيه) أى: لاشتراك الطرفين فيه بالضرورة، وهذا علّة لقوله قائم بهما (قوله: متقررة فيها) أى: ثابتة فيها بحيث لا يكون حصولها فى الذات بالقياس إلى غيرها، واحترز بذلك عن الإضافيات فإنها لا توصف بالتمكن ولا بالتقرر بل حصولها بالقياس لغيرها (قوله: وهى إما حسية) دخل تحتها قسمان من المقولات العشرة وهى: الكيف والكم، وقوله فيما يأتى وإما إضافية دخل تحتها سبعة أقسام من المقولات وهى: الأين والمتى والوضع والملك والفعل والانفعال والإضافة، وبقى الجوهر وهو العاشر وهو لا يصح أن يكون وجه شبه؛ لأنه لا بد أن يكون معنى لا ذاتا كما مر (قوله: بإحدى الحواس) أى: الخمس الظاهرة والحس هنا بالمعنى المشهور؛ لأن الحواس عشرة فلم تعتبر الباطنية هنا (قوله: كالكيفيات الجسمية) أى: والكم وما يأتى من جعله من الكيفيات ففيه تسامح كما قال الشارح (قوله: أى المختصة بالجسم) أى: من حيث قيامها به، وأراد بالجسم ما قابل المعنى فيشمل السطح لما يأتى من أن الشكل كما يكون للجسم يكون للسطح- تأمل (قوله: مما يدرك بالبصر) أى: من الأمور التى تدرك بالبصر وبالسمع وبالذوق وباللمس وبالشم، وهذا بيان للكيفيات الجسمية (قوله: مرتبة)

стр. 1574

فى العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان فتفترقان إلى العينين (من الألوان، والأشكال) === أى: مثبتة من ترتب إذا ثبت- كذا فى عبد الحكيم (قوله: فى العصبتين) أى: العرقين ومحلهما مقدم الدماغ وهو الجبهة (قوله: المجوفتين) أى: اللتين لهما جوف كالبوصة، وحاصله: أن الطرف الأول من الدماغ قامت من جهته اليسرى عصبة مجوفة كالبوصة الصغيرة ومن جهته اليمنى عصبة كذلك، فتذهب العصبة اليسارية إلى العين اليمنى وتذهب العصبة اليمينية إلى العين اليسرى فتتلاقى العصبتان قبل الوصول إلى العينين على التقاطع فصارتا على هيئة الصليب، ثم إن البصر- الذى هو القوة- مودع فى العصبتين بتمامهما ولا يختص بما اتصل منهما بالعينين- أى: الحدقتين- ولا بما اتصل بالدماغ ولا بوسطهما بل هو مثبوت فى جميعها، وليس فى ذلك قيام المعنى بمحلين؛ لأن ذلك محمول على أن فى كل محل مثل ما فى الآخر، ويحتمل اختصاصه بمحل مخصوص من العصبة، ولكن جرت العادة الإلهية بأن العصبة إذا أصابتها آفة فى موضع منها ذهب البصر من جميعها- قاله العلامة اليعقوبى، وذكر أن تفسير البصر بالقوة المذكورة قول الحكماء، وأما المتكلمون فيقولون: إنه معنى قائم بالحدقة تدرك به الألوان والأكوان التى هى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق- اه. وذكر بعضهم: أن معنى قول الشارح فى العصبتين المجوفتين أى: اللتين على صورة دالين ظهر إحداهما ملاصق لظهر الأخرى (فقوله: [بعد] تتلاقيان) أى: تتلاصقان بأظهرهما، (وقوله: فتفترقان إلى العينين) أى: بأطرافهما مع تلاصقهما بأظهرهما، والحاصل: أن العصبتين اللتين أودعت فيهما قوة البصر قيل إنهما كدالين ملصق ظهر إحداهما بظهر الأخرى، وقيل إنهما متقاطعتان تقاطعا صليبيّا، وقد علمت صحة حمل كلام الشارح على كلا القولين. (قوله: من الألوان والأشكال) بيان لما يدرك بالبصر فيقال مثلا عند التشبيه فى اللون: خده كالورد فى الحمرة، وشعره كالغراب فى السواد، ويقال عند التشبيه فى الشكل: رأسه كالبطيخ الشامى فى الشكل: وإنما ذكر المصنف الألوان وما معها ولم يذكر الأضواء مع أنها من المبصرات بالذات أيضا فكأنه جعلها من الألوان كما زعمه بعضهم-

стр. 1575

والشكل هيئة إحاطة ... === قاله عبد الحكيم (قوله: والشكل هيئة .. إلخ) اعلم أن الشكل هو الهيئة الحاصلة من إحاطة نهاية واحدة أو أكثر بالمقدار، والمقدار ما ينقسم إما فى جهة الطول ويسمى خطّا، أو فى جهتى الطول والعرض ويسمى سطحا، أو فى جهة الطول والعرض والعمق ويسمى جسما ونهاية الخط النقطة؛ لأنه ما تركب من نقطتين، ونهاية السطح الخط سواء كان مستقيما أو مستديرا؛ لأنه ما تركب من أربع نقط اثنتين بجانب اثنتين، ونهاية الجسم السطح كان مستقيما أو مستديرا؛ لأنه ما تركب من سطحين فأكثر بعضهما فوق بعض، والسطح والجسم يعرض لهما الشكل دون الخط لما علمت أن نهايته النقطة ولا يتصور إحاطتها به، وحينئذ فقولنا فى تعريف الشكل هو الهيئة الحاصلة من إحاطة نهاية واحدة أو أكثر بالمقدار يراد بالمقدار خصوص السطح والجسم دون الخط، إذا علمت هذا فقول الشارح: والشكل هيئة إحاطة .. إلخ الإضافة على معنى" من" أى: الهيئة الحاصلة من إحاطة نهاية واحدة أو أكثر، (وقوله: بالجسم) أى: الطبيعى وكان عليه أن يقول بالجسم أو السطح لما علمت أن كلّا من الجسم والسطح يعرض له الشكل أو يبدل الجسم بالمقدار، ويراد بالمقدار: خصوص الجسم والسطح دون الخط لما علمت أن الشكل لا يعرض له؛ لأن نهايته التى هى النقطة لا يتأتى إحاطتها به (وقوله: كالدائرة) أى: كشكل الدائرة وهو راجع لقوله نهاية واحدة، وظاهره أنه مثال للنهاية الواحدة المحيطة بالجسم- وفيه نظر، إذ الدائرة سطح مستو يحيط به خط مستدير فى داخله نقطة تسمى بالمركز جميع الخطوط الخارجة منها إليه متساوية، وحينئذ فنهاية الدائرة وهو الخط المستدير محيط بالسطح لا بالجسم، فلو قال كنهاية الكرة بدل قوله كنهاية الدائرة كان أولى؛ وذلك لأن الكرة جسم يحيط به سطح مستدير فى داخله نقطة تكون جميع الخطوط الخارجة منها إليه متساوية وذلك السطح محيطها وتلك النقطة مركزها فنهاية الكرة وهو السطح المستدير محيط بالجسم، وأجاب العلامة عبد الحكيم بأن فى العبارة احتباكا كقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً (١) أى: جعل

стр. 1576

نهاية واحدة أو أكثر بالجسم كالدائرة، ونصف الدائرة، والمثلث، والمربع، وغير ذلك (والمقادير) جمع مقدار، وهو كم متصل قارّ الذات؛ ... === لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا من فضله فيقدر هنا بالسطح بقرينة قوله: كالدائرة ويقدر كالكرة بقرينة قوله: بالجسم، والأصل هيئة إحاطة نهاية واحدة أو أكثر بالسطح أو بالجسم كالدائرة والكرة- انتهى، ويمكن أن يقال: إن نهاية الدائرة وإن كانت محيطة بالسطح أولا وبالذات محيطة بالجسم ثانيا وبالعرض، فصح أن تكون الدائرة مثالا فى كلام الشارح والاعتراض ولا شىء بل كلامه من الحسن بمكان لما فيه من الإشارة إلى هذا التحقيق (قوله: نهاية واحدة .. إلخ) المراد بالنهاية الخط المحيط فى المسطحات كالدائرة ونصفها والسطح المحيط فى المجسمات كالكرة ونصفها (قوله: ونصف الدائرة) أى: وكشكل نصف الدائرة وهو وما بعده راجع لقوله: أو أكثر؛ لأن نصف الدائرة سطح أحاط به نهايتان أى: خطان أحدهما مستدير والآخر مستقيم (وقوله: والمثلث) أى: وكشكل المثلث فالمثلث سطح أحاط به ثلاث نهايات أى: خطوط (وقوله: والمربع) أى: فهو سطح أحاط به أربع نهايات أى: خطوط (قوله: وغير ذلك) أى: كالمخمس والمسدس .. إلخ. (قوله: وهو كم) أى: عرض يقبل التجزىء لذاته، فخرج بقولنا: يقبل التجزىء النقطة فإنها وإن كانت عرضا لا تقبل التجزىء فلا يقال لها كم، وخرج بقولنا لذاته الألوان كالبياض والحمرة فإنها لا تقبل التجزىء لذاتها بل تبعا لمحلها فليست من قبيل الكم (قوله: متصل) أى: لأجزائه حد مشترك تتلاقى تلك الأجزاء عنده بحيث يكون ذلك الحد نهاية لأحد الأجزاء وبداية للآخر- مثلا الخط إذا قسم إلى ثلاثة أجزاء كان خطين نهاية أحدهما مبدأ للآخر والحد المشترك هى النقطة الوسطى؛ لأنها نهاية أحد الخطين وبداية للآخر، واحتراز بقوله متصل عن العدد فإنه وإن كان عرضا إلا أنه غير متصل؛ لأنه إذا قسم نصفين لم يكن نهاية أحدهما مبدءا للآخر، والمراد بالعدد الكم الذى هو عرض قائم بالمعدود، وليس المراد بالعدد المحترز عنه الشىء المعدود ولا لفظ العدد (قوله: قارّ الذات) أي: ثابت الذات بأن تكون أجزاؤه المفروشة ثابتة فى الخارج،

стр. 1577

كالخط والسطح (والحركات) والحركة: هى الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج، وفى جعل المقادير والحركات من الكيفيات ... === واحترز بقوله قارّ الذات عن الزمان فإنه وإن كان كمّا متصلا؛ لأنه لا يمكن أن يكون له جزء هو الآن يكون نهاية للماضى وهو بعينه بداية للمستقبل، إلا أنه غير قار الذات؛ لأنه عرض سيال لا ثبوت لأجزائه، لأنه حركة الفلك (قوله: كالخط والسطح) أدخل بالكاف الجسم التعليمى، وأشار بهذا إلى أن المقدار ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ لأنه إن قبل القسمة فى الطول فقط فخط، وإن قبل القسمة فى الطول والعرض فقط فسطح، وإن قبلها فى الطول والعرض والعمق فجسم تعليمى، فقد علمت أن المقادير أعراض خارجة عن الجسم الطبيعى قائمة به- وهذا مذهب الحكماء، وأما عند المتكلمين: فالمقادير جواهر هى نفس الجسم أو أجزاؤه؛ لأن المؤلف من أجزاء لا تتجزأ إذا انقسم فى الجهات الثلاثة فالجسم وفى جهتين فالسطح وباعتباره يتصف بالعرض وفى جهة واحدة فالخط وباعتباره يتصف بالطول والجوهر الفرد الغير المؤلف هو النقطة- اه يس. (قوله: الخروج من القوة إلى الفعل) كخروج الإنسان من شبابه إلى الهرم، فإنه انتقال من الهرم بالقوة إلى الهرم بالفعل، وكخروج الزرع الأخضر من الخضرة إلى اليبوسة، فإنه انتقال من اليبوسة بالقوة إلى اليبوسة بالفعل، فالزرع الأخضر يابس بالقوة، فإذا يبس بالفعل قيل لذلك الانتقال: حركة (وقوله: على سبيل التدريج) أى: وقتا فوقتا، واحترز بذلك عن الخروج دفعة كانقلاب العناصر بعضها إلى بعض مثل انقلاب الماء هواء، وبالعكس فإنه دفعىّ فلا يقال لذلك الانتقال حركة، وإنما يسمى تكوينا ويسمى أيضا كونا وفسادا، وما ذكره من التعريف فهو تعريف للحركة عند الحكماء، وعرفها المتكلمون: بأنها حصول الجسم فى مكان بعد حصوله فى مكان آخر- أعنى أنها عبارة عن مجموع الحصولين- وتعريف الحكماء أعم باعتبار الصدق، وأما باعتبار المفهوم فإنها عند الحكماء من قبيل الانفعال، وعند المتكلمين من قبيل النسب والإضافات؛ لأنها الأين المسبوق بأين، والمعنى الذى ذكره المتكلمون هو المناسب لما يذكر بعد من حركة

стр. 1578

تسامح (وما يتصل بها) أى: بالمذكورات؛ كالحسن والقبح المتصف بهما الشخص باعتبار الخلقة التى هى مجموع الشكل واللون، وكالضحك والبكاء الحاصلين باعتبار الشكل والحركة (أو بالسمع) عطف على قوله: [بالبصر]، والسمع قوة رتبت فى العصب المفروش على سطح باطن الصماخين يدرك بها الأصوات ... === السهم والدولاب والرحى فإذا أردت التشبيه بها باعتبار ذلك المعنى قلت: كأن فلانا فى ذهابه السهم السريع، وإن أردت التشبيه بالمعنى الذى قاله الحكماء قلت: كأن الإنسان فى حركته من شبابه إلى الهرم الزرع الأخضر فى حركته من الخضرة إلى اليبوسة. (قوله: تسامح) أى: لأن المقدار من مقولة الكم أعنى: العرض الذى يقتضى القسمة لذاته والحركة من الأعراض النسبية والكيفية لا تقتضى لذاتها قسمة ولا نسبة نعم المقادير عند بعضهم من مقولة الكيف وهذا كاف فى التمثيل، بل يكفى فيه فرض أن المقادير والحركات من الكيفيات (قوله: وما يتصل بها) أى: وما يحصل من اجتماع بعض منها مع بعض آخر (قوله: التى هى مجموع الشكل واللون) أى: هيئة حاصلة من مجموع ذلك، وحاصله: أنه إذا قارن الشكل اللون- أى: إذا اجتمعا- حصلت كيفية يقال لها الخلقة وباعتبارها يصح أن يقال للشىء: إنه حسن الصورة أو قبيح الصورة، واعلم أن كلّا من الشكل واللون قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا، وحينئذ فتارة يكونان حسنين وتارة قبيحين، فالأول كالشخص الأبيض المستقيم الأعضاء، والثانى كما فى شخص أسود غير مستقيم الأعضاء، وتارة يكون الأول حسنا، والثانى قبيحا وبالعكس، فالحسن أو القبح الحاصل لكل واحد منهما غير الحسن والقبح العارض للمجموع، قال فى شرح التجريد: واعلم أن كلامهم متردد فى أن الخلقة مجموع الشكل واللون أو الشكل المنضم للّون أو كيفية حاصلة من اجتماعهما وهذا أقرب إلى جعلها نوعا على حدة. (قوله: الحاصلين باعتبار الشكل) أى: شكل الفم بالنسبة للضحك وشكل العين بالنسبة للبكاء، (وقوله: والحركة) أى: حركة الفم فى الضحك والعين فى البكاء (قوله: رتبت) أى: رتبها الله بمعنى أنه خلقها وجعلها فى العصب المفروش كجلد الطبل على سطح باطن الصماخين أى: ثقبى الأذنين. (قوله: يدرك بها الأصوات) يخرج بهذا

стр. 1579

(من الأصوات القوية والضعيفة، والتى بين بين) والصوت يحصل من التموج المعلول للقرع الذى هو إمساس عنيف، والقلع الذى هو تفريق عنيف ... === القيد القوة المرتبة فى ذلك العصب التى لا يدرك بها الأصوات، بل الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فلا تسمى تلك القوة سمعا بل لمسا وهذا القيد معتبر فى جميع القوى وإن تركه الشارح فى بعضها، ثم إن التعريف لا يشمل القوة المودعة فى العصب المفروش على سطح باطن صماخ واحد، فيقتضى أن تلك القوة لا تسمى سمعا وليس كذلك، إلا أن تجعل أل فى الصماخين للجنس (قوله: من الأصوات القوية والضعيفة) بيان لما يدرك بالسمع والمراد بالأصوات القوية العالية التى تسمع من بعد، والمراد بالضعيفة المنخفضة التى لا تسمع إلا من قرب، (وقوله: والتى بين بين) أى: بين القوية والضعيفة وكما يدرك بالسمع الأصوات القوية والضعيفة يدرك به أيضا الأصوات الحادة والثقيلة والتى بين الحادة والثقيلة، والفرق بين الصوت القوى والثقيل أن مرجع الأول إلى العلو والارتفاع بحيث يسمع من بعد، ومرجع الثانى إلى التمهل وعدم النفوذ فى السمع سريعا كما فى صوت الحمار وما ماثله من الأصوات الغليظة، والحدة فيه راجعة إلى النفوذ فى السمع بسرعة كصوت المزامير والأوتار والجرس ونحو ذلك من الأصوات الرقيقة- قاله اليعقوبى (قوله: والصوت يحصل .. إلخ) أى: والصوت كيفية تحصل من التموج أى: من تموج الهواء وتحركه بسبب انضغاثه وانحباسه، فإذا ضرب شخص بكفه على كفه الآخر تحرك الهواء بسبب انضغاثه فيحصل الصوت الذى هو كيفية قائمة بالهواء ويوصلها الهواء المتكيف بها للسمع إما بخرقه ما جاوره من الأهوية أو بخلق مثلها فيما جاوره (قوله: المعلول) أى: الناشئ وهو بالجر صفة للتموج (وقوله: للقرع) أى: لخبط جسم على آخر (وقوله: الذى هو) أى: القرع (قوله: إمساس عنيف) أى: إمساس جسم لآخر إمساسا عنيفا أى: شديدا، وإنما شرط فى القرع كونه عنيفا أى: شديدا؛ لأنك لو وضعت حجرا على آخر بمهل لم يحصل تموج ولا صوت (قوله: والقلع) عطف على القرع (قوله: الذى هو تفريق) أى: بين متصلين (وقوله: عنيف) أى: شديد. والتفريق المذكور على وجهين تفريق بين متصلين بالأصالة كتقطيع الخيط وتفريق

стр. 1580

بشرط مقاومة المقروع للقارع، والمقلوع للقالع، ويختلف الصوت قوة وضعفا بحسب قوة المقاومة وضعفها (أو بالذوق) ... === قطعة خشب عن أخرى وتفريق متصلين اتصالا عارضا: كجذب رجل غائص فى الطين، وجذب مسمار مغروز فى خشبة، وجذب خشبة مغروزة فى الأرض، فإذا وقع التفريق فى الوجهين بعنف تموج الهواء وحصل الصوت، وإنما اشترط فيه العنف أى: كونه بشدة؛ لأنه لو وقع بتمهل بأن قطع الخيط شيئا فشيئا أو جذب الرجل بتدريج لم يحصل تموج ولا صوت. (قوله: بشرط مقاومة المقروع للقارع) أى: مساواته له أى: فى القوة والصلابة، وإنما شرط فى القرع أيضا المقاومة فى القوة والصلابة بين المقروع والقارع أى: الملاقى بالفتح والملاقى بالكسر؛ لأنه لو كان أحدهما ضعيفا غير صلب كالصوف المندوف المتراكم يقع عليه حجر أو خشب أو يقع هو على حجر أو خشب لم يحصل صوت- كذا قرر شيخنا العدوى، وقرر بعض الأشياخ: أن المراد بالمقاومة المدافعة كحجر على حجر بخلاف نحو: القطن على الحجر، لكن المقاومة بهذا المعنى لا تظهر فى المقلوع والقالع فلعل المعنى الأول أحسن (قوله: والمقلوع للقالع) أى: وبشرط مقاومة المقلوع منه للقالع أى: للمقلوع أى: مساواته له فى الصلابة، واحترز بذلك عن نزع ريشة من طائر فإنه لم يحصل تموج ولا صوت لعدم المقاومة بين المقلوع منه والمقلوع فى الصلابة (قوله: ويختلف الصوت قوة وضعفا بحسب قوة المقاومة وضعفها) فإذا وضع حجر كبير على مثله بعنف كان الصوت قويّا، وإن وضع حجر صغير على مثله بعنف كان الصوت ضعيفا وإن وضع حجر متوسط على مثله بعنف كان الصوت متوسطا بين القوة والضعف، وكذلك قلع رجل الصغير الغائص فى الطين ليس كقلع رجل الكبير، بل الصوت الحاصل من قلع رجل الكبير أقوى وإن اتحد القلع عنفا، ويختلف الصوت حدة وثقلا باعتبار صلابة المقروع ملامسته كالأوتار وبحسب قصر المنفذ وعدم قصره وضيقه وعدم ضيقه فإذا كان المقروع صلبا كان الصوت ثقيلا، وإن كان أملس كان حادّا، وإن كان منفذ الصوت قصيرا أو ضيقا كان حادّا، وإن كان مستطيلا أو واسعا كان ثقيلا.
следующие страницы →