نهاية واحدة أو أكثر بالجسم كالدائرة، ونصف الدائرة، والمثلث، والمربع، وغير ذلك (والمقادير) جمع مقدار، وهو كم متصل قارّ الذات؛ ...
===
لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا من فضله فيقدر هنا بالسطح بقرينة قوله: كالدائرة ويقدر كالكرة بقرينة قوله: بالجسم، والأصل هيئة إحاطة نهاية واحدة أو أكثر بالسطح أو بالجسم كالدائرة والكرة- انتهى، ويمكن أن يقال: إن نهاية الدائرة وإن كانت محيطة بالسطح أولا وبالذات محيطة بالجسم ثانيا وبالعرض، فصح أن تكون الدائرة مثالا فى كلام الشارح والاعتراض ولا شىء بل كلامه من الحسن بمكان لما فيه من الإشارة إلى هذا التحقيق
(قوله: نهاية واحدة .. إلخ) المراد بالنهاية الخط المحيط فى المسطحات كالدائرة ونصفها والسطح المحيط فى المجسمات كالكرة ونصفها
(قوله: ونصف الدائرة) أى:
وكشكل نصف الدائرة وهو وما بعده راجع لقوله: أو أكثر؛ لأن نصف الدائرة سطح أحاط به نهايتان أى: خطان أحدهما مستدير والآخر مستقيم (وقوله: والمثلث) أى: وكشكل المثلث فالمثلث سطح أحاط به ثلاث نهايات أى: خطوط (وقوله: والمربع) أى: فهو سطح أحاط به أربع نهايات أى: خطوط
(قوله: وغير ذلك) أى: كالمخمس والمسدس .. إلخ.
(قوله: وهو كم) أى: عرض يقبل التجزىء لذاته، فخرج بقولنا:
يقبل التجزىء النقطة فإنها وإن كانت عرضا لا تقبل التجزىء فلا يقال لها كم، وخرج بقولنا لذاته الألوان كالبياض والحمرة فإنها لا تقبل التجزىء لذاتها بل تبعا لمحلها فليست من قبيل الكم
(قوله: متصل) أى: لأجزائه حد مشترك تتلاقى تلك الأجزاء عنده بحيث يكون ذلك الحد نهاية لأحد الأجزاء وبداية للآخر- مثلا الخط إذا قسم إلى ثلاثة أجزاء كان خطين نهاية أحدهما مبدأ للآخر والحد المشترك هى النقطة الوسطى؛ لأنها نهاية أحد الخطين وبداية للآخر، واحتراز بقوله متصل عن العدد فإنه وإن كان عرضا إلا أنه غير متصل؛ لأنه إذا قسم نصفين لم يكن نهاية أحدهما مبدءا للآخر، والمراد بالعدد الكم الذى هو عرض قائم بالمعدود، وليس المراد بالعدد المحترز عنه الشىء المعدود ولا لفظ العدد
(قوله: قارّ الذات) أي: ثابت الذات بأن تكون أجزاؤه المفروشة ثابتة فى الخارج،
стр. 1577
كالخط والسطح (والحركات) والحركة: هى الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج، وفى جعل المقادير والحركات من الكيفيات ...
===
واحترز بقوله قارّ الذات عن الزمان فإنه وإن كان كمّا متصلا؛ لأنه لا يمكن أن يكون له جزء هو الآن يكون نهاية للماضى وهو بعينه بداية للمستقبل، إلا أنه غير قار الذات؛ لأنه عرض سيال لا ثبوت لأجزائه، لأنه حركة الفلك
(قوله: كالخط والسطح) أدخل بالكاف الجسم التعليمى، وأشار بهذا إلى أن المقدار ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ لأنه إن قبل القسمة فى الطول فقط فخط، وإن قبل القسمة فى الطول والعرض فقط فسطح، وإن قبلها فى الطول والعرض والعمق فجسم تعليمى، فقد علمت أن المقادير أعراض خارجة عن الجسم الطبيعى قائمة به- وهذا مذهب الحكماء، وأما عند المتكلمين: فالمقادير جواهر هى نفس الجسم أو أجزاؤه؛ لأن المؤلف من أجزاء لا تتجزأ إذا انقسم فى الجهات الثلاثة فالجسم وفى جهتين فالسطح وباعتباره يتصف بالعرض وفى جهة واحدة فالخط وباعتباره يتصف بالطول والجوهر الفرد الغير المؤلف هو النقطة- اه يس.
(قوله: الخروج من القوة إلى الفعل) كخروج الإنسان من شبابه إلى الهرم، فإنه انتقال من الهرم بالقوة إلى الهرم بالفعل، وكخروج الزرع الأخضر من الخضرة إلى اليبوسة، فإنه انتقال من اليبوسة بالقوة إلى اليبوسة بالفعل، فالزرع الأخضر يابس بالقوة، فإذا يبس بالفعل قيل لذلك الانتقال: حركة (وقوله: على سبيل التدريج) أى: وقتا فوقتا، واحترز بذلك عن الخروج دفعة كانقلاب العناصر بعضها إلى بعض مثل انقلاب الماء هواء، وبالعكس فإنه دفعىّ فلا يقال لذلك الانتقال حركة، وإنما يسمى تكوينا ويسمى أيضا كونا وفسادا، وما ذكره من التعريف فهو تعريف للحركة عند الحكماء، وعرفها المتكلمون: بأنها حصول الجسم فى مكان بعد حصوله فى مكان آخر- أعنى أنها عبارة عن مجموع الحصولين- وتعريف الحكماء أعم باعتبار الصدق، وأما باعتبار المفهوم فإنها عند الحكماء من قبيل الانفعال، وعند المتكلمين من قبيل النسب والإضافات؛ لأنها الأين المسبوق بأين، والمعنى الذى ذكره المتكلمون هو المناسب لما يذكر بعد من حركة
стр. 1578
تسامح (وما يتصل بها) أى: بالمذكورات؛ كالحسن والقبح المتصف بهما الشخص باعتبار الخلقة التى هى مجموع الشكل واللون، وكالضحك والبكاء الحاصلين باعتبار الشكل والحركة (أو بالسمع) عطف على قوله: [بالبصر]، والسمع قوة رتبت فى العصب المفروش على سطح باطن الصماخين يدرك بها الأصوات ...
===
السهم والدولاب والرحى فإذا أردت التشبيه بها باعتبار ذلك المعنى قلت: كأن فلانا فى ذهابه السهم السريع، وإن أردت التشبيه بالمعنى الذى قاله الحكماء قلت: كأن الإنسان فى حركته من شبابه إلى الهرم الزرع الأخضر فى حركته من الخضرة إلى اليبوسة.
(قوله: تسامح) أى: لأن المقدار من مقولة الكم أعنى: العرض الذى يقتضى القسمة لذاته والحركة من الأعراض النسبية والكيفية لا تقتضى لذاتها قسمة ولا نسبة نعم المقادير عند بعضهم من مقولة الكيف وهذا كاف فى التمثيل، بل يكفى فيه فرض أن المقادير والحركات من الكيفيات
(قوله: وما يتصل بها) أى: وما يحصل من اجتماع بعض منها مع بعض آخر
(قوله: التى هى مجموع الشكل واللون) أى: هيئة حاصلة من مجموع ذلك، وحاصله: أنه إذا قارن الشكل اللون- أى: إذا اجتمعا- حصلت كيفية يقال لها الخلقة وباعتبارها يصح أن يقال للشىء: إنه حسن الصورة أو قبيح الصورة، واعلم أن كلّا من الشكل واللون قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا، وحينئذ فتارة يكونان حسنين وتارة قبيحين، فالأول كالشخص الأبيض المستقيم الأعضاء، والثانى كما فى شخص أسود غير مستقيم الأعضاء، وتارة يكون الأول حسنا، والثانى قبيحا وبالعكس، فالحسن أو القبح الحاصل لكل واحد منهما غير الحسن والقبح العارض للمجموع، قال فى شرح التجريد: واعلم أن كلامهم متردد فى أن الخلقة مجموع الشكل واللون أو الشكل المنضم للّون أو كيفية حاصلة من اجتماعهما وهذا أقرب إلى جعلها نوعا على حدة.
(قوله: الحاصلين باعتبار الشكل) أى: شكل الفم بالنسبة للضحك وشكل العين بالنسبة للبكاء، (وقوله: والحركة) أى: حركة الفم فى الضحك والعين فى البكاء
(قوله: رتبت) أى: رتبها الله بمعنى أنه خلقها وجعلها فى العصب المفروش كجلد الطبل على سطح باطن الصماخين أى: ثقبى الأذنين.
(قوله: يدرك بها الأصوات) يخرج بهذا
стр. 1579
(من الأصوات القوية والضعيفة، والتى بين بين) والصوت يحصل من التموج المعلول للقرع الذى هو إمساس عنيف، والقلع الذى هو تفريق عنيف ...
===
القيد القوة المرتبة فى ذلك العصب التى لا يدرك بها الأصوات، بل الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فلا تسمى تلك القوة سمعا بل لمسا وهذا القيد معتبر فى جميع القوى وإن تركه الشارح فى بعضها، ثم إن التعريف لا يشمل القوة المودعة فى العصب المفروش على سطح باطن صماخ واحد، فيقتضى أن تلك القوة لا تسمى سمعا وليس كذلك، إلا أن تجعل أل فى الصماخين للجنس
(قوله: من الأصوات القوية والضعيفة) بيان لما يدرك بالسمع والمراد بالأصوات القوية العالية التى تسمع من بعد، والمراد بالضعيفة المنخفضة التى لا تسمع إلا من قرب، (وقوله: والتى بين بين) أى: بين القوية والضعيفة وكما يدرك بالسمع الأصوات القوية والضعيفة يدرك به أيضا الأصوات الحادة والثقيلة والتى بين الحادة والثقيلة، والفرق بين الصوت القوى والثقيل أن مرجع الأول إلى العلو والارتفاع بحيث يسمع من بعد، ومرجع الثانى إلى التمهل وعدم النفوذ فى السمع سريعا كما فى صوت الحمار وما ماثله من الأصوات الغليظة، والحدة فيه راجعة إلى النفوذ فى السمع بسرعة كصوت المزامير والأوتار والجرس ونحو ذلك من الأصوات الرقيقة- قاله اليعقوبى
(قوله: والصوت يحصل .. إلخ) أى: والصوت كيفية تحصل من التموج أى: من تموج الهواء وتحركه بسبب انضغاثه وانحباسه، فإذا ضرب شخص بكفه على كفه الآخر تحرك الهواء بسبب انضغاثه فيحصل الصوت الذى هو كيفية قائمة بالهواء ويوصلها الهواء المتكيف بها للسمع إما بخرقه ما جاوره من الأهوية أو بخلق مثلها فيما جاوره
(قوله: المعلول) أى: الناشئ وهو بالجر صفة للتموج (وقوله: للقرع) أى: لخبط جسم على آخر (وقوله: الذى هو) أى: القرع
(قوله: إمساس عنيف) أى: إمساس جسم لآخر إمساسا عنيفا أى: شديدا، وإنما شرط فى القرع كونه عنيفا أى: شديدا؛ لأنك لو وضعت حجرا على آخر بمهل لم يحصل تموج ولا صوت
(قوله: والقلع) عطف على القرع
(قوله: الذى هو تفريق) أى: بين متصلين (وقوله: عنيف) أى:
شديد. والتفريق المذكور على وجهين تفريق بين متصلين بالأصالة كتقطيع الخيط وتفريق
стр. 1580
بشرط مقاومة المقروع للقارع، والمقلوع للقالع، ويختلف الصوت قوة وضعفا بحسب قوة المقاومة وضعفها (أو بالذوق) ...
===
قطعة خشب عن أخرى وتفريق متصلين اتصالا عارضا: كجذب رجل غائص فى الطين، وجذب مسمار مغروز فى خشبة، وجذب خشبة مغروزة فى الأرض، فإذا وقع التفريق فى الوجهين بعنف تموج الهواء وحصل الصوت، وإنما اشترط فيه العنف أى:
كونه بشدة؛ لأنه لو وقع بتمهل بأن قطع الخيط شيئا فشيئا أو جذب الرجل بتدريج لم يحصل تموج ولا صوت.
(قوله: بشرط مقاومة المقروع للقارع) أى: مساواته له أى:
فى القوة والصلابة، وإنما شرط فى القرع أيضا المقاومة فى القوة والصلابة بين المقروع والقارع أى: الملاقى بالفتح والملاقى بالكسر؛ لأنه لو كان أحدهما ضعيفا غير صلب كالصوف المندوف المتراكم يقع عليه حجر أو خشب أو يقع هو على حجر أو خشب لم يحصل صوت- كذا قرر شيخنا العدوى، وقرر بعض الأشياخ: أن المراد بالمقاومة المدافعة كحجر على حجر بخلاف نحو: القطن على الحجر، لكن المقاومة بهذا المعنى لا تظهر فى المقلوع والقالع فلعل المعنى الأول أحسن
(قوله: والمقلوع للقالع) أى: وبشرط مقاومة المقلوع منه للقالع أى: للمقلوع أى: مساواته له فى الصلابة، واحترز بذلك عن نزع ريشة من طائر فإنه لم يحصل تموج ولا صوت لعدم المقاومة بين المقلوع منه والمقلوع فى الصلابة
(قوله: ويختلف الصوت قوة وضعفا بحسب قوة المقاومة وضعفها) فإذا وضع حجر كبير على مثله بعنف كان الصوت قويّا، وإن وضع حجر صغير على مثله بعنف كان الصوت ضعيفا وإن وضع حجر متوسط على مثله بعنف كان الصوت متوسطا بين القوة والضعف، وكذلك قلع رجل الصغير الغائص فى الطين ليس كقلع رجل الكبير، بل الصوت الحاصل من قلع رجل الكبير أقوى وإن اتحد القلع عنفا، ويختلف الصوت حدة وثقلا باعتبار صلابة المقروع ملامسته كالأوتار وبحسب قصر المنفذ وعدم قصره وضيقه وعدم ضيقه فإذا كان المقروع صلبا كان الصوت ثقيلا، وإن كان أملس كان حادّا، وإن كان منفذ الصوت قصيرا أو ضيقا كان حادّا، وإن كان مستطيلا أو واسعا كان ثقيلا.
стр. 1581
وهو قوة منبثة فى العصب المفروش على جرم اللسان (من الطعوم) كالحراقة والمرارة، والملوحة، والحموضة، وغير ذلك (أو بالشم) وهى قوة ...
===
(قوله: وهو قوة منبثة) أى: سارية وعبر هنا بقوله منبثة دون قوله: رتبت أو مرتبة إشارة إلى أنه ليس له محل مخصوص منه، بل هو منبث فى العصب وسار فيه بخلاف غيره- كذا كتب شيخنا الحفنى، وهو مخالف لما تقدم عن اليعقوبى فى البصر- تأمل.
(قوله: فى العصب المفروش ... إلخ) لم يقل فى جرم اللسان؛ لأن الواقع فى التشريح أن محل تلك القوة العصب الذى على جرم اللسان، ولم يقل هنا كسابقه: على سطح جرم اللسان تفننا، واعترض على هذا التعريف بأنه يدخل فيه القوة المودعة فى العصب المذكورة الغير المدركة للطعوم كاللامسة، وأجيب بأن هنا قيدا حذفه لظهوره وشهرته وهو تدرك بها النفس طعم المطعومات
(قوله: من الطعوم) بيان لما يدرك بالذوق والطعوم: هى الكيفيات القائمة بالمطعومات، فإذا أريد التشبيه باعتبارها قيل هذا كالعسل فى الحلاوة وهذا كالصبر فى المرارة
(قوله: كالحراقة) وهى طعم منافر للقوة الذائقة فيه لذع ما كطعم الفلفل والقرنفل والزنجبيل دون المرارة فى المنافرة
(قوله: والمرارة) هى طعم منافر للذوق شدة المنافرة كطعم الصبر
(قوله: والملوحة) هى طعم منافر للذوق بين المرارة والحراقة، ولذلك تارة تكون مائلة للحراقة وتارة تكون مائلة للمرارة
(قوله: والحموضة) هى طعم منافر للذوق أيضا يميل إلى الملوحة والحلاوة
(قوله: وغير ذلك) أى: كالدسومة والحلاوة والعفوصة والقبض والتفاهة فهذه مع ما فى الشرح تسعة. قال فى المطول: وهذه التسعة أصول الطعوم، فالحلاوة طعم ملائم للقوة الذائقة أشد ملاءمة وأشهاه لديها، والدسومة طعم فيه حلاوة لطيفة مع دهنية فهو ملائم للذوق دون الحلاوة فى الملاءمة: كطعم اللحم والشحم واللبن الحليب والأدهان، والعفوصة طعم منافر للذوق قريب من المرارة كطعم العفص المعلوم، والقبض طعم منافر أيضا فوق الحموضة وتحت العفوصة، ولذا قيل فى الفرق بينهما: إن العفوصة تقبض ظاهر اللسان وباطنه والقبض يقبض ظاهره فقط، والتفاهة لها معنيان: كون الشىء لا طعم
стр. 1582
رتبت فى زائدتى مقدم الدماغ المشبهتين بحلمتى الثدى (من الروائح، أو باللمس) وهى قوة ...
===
له كما إذا وضعت أصبعك فى فمك، وكون الشىء لا يحس بطعمه لشدة كثافة أجزائه فلا يتحلل منها ما يخالطه الرطوبة اللعابية، فإذا احتيل فى تحليله أحس منه بطعم وذلك كما فى الحديد، فإنه إذا وضع على اللسان لم يجد له الإنسان طعما فلو تحلل منه نحو القراضة وجد له طعما آخر، والمعدود من الطعوم التفاهة بالمعنى الثانى لا الأول، وإنما كانت هذه التسعة أصول الطعوم؛ لأن ما سواها من الطعوم وهى أنواع لا تتناهى مركبة منها كالمزازة المركبة من الحلاوة والحموضة، وكلما خلط مطعوم بمطعوم حدث طعم آخر، واستدل الحكماء على كون أصول الطعوم هذه التسعة لا غيرها بأن الطعم لا بدّ له من فاعل وهو الحرارة أو البرودة أو الكيفية المتوسطة بينهما، ولا بدّ له من قابل وهو اللطيف أو الكثيف أو المتوسط بينهما، وإذا ضربت أقسام الفاعل فى أقسام القابل حصلت أقسام تسعة، فالحرارة إذا فعلت فى اللطيف حدثت الحراقة وفى الكثيف حدثت المرارة وفى المعتدل بينهما حدثت الملوحة، والبرودة إذا فعلت فى اللطيف حدثت الحموضة، وفى الكثيف حدثت العفوصة، وفى المعتدل حدث القبض، والكيفية المتوسطة بين الحرارة والبرودة إذا فعلت فى اللطيف حدثت الدسومة، وفى الكثيف حدثت الحلاوة، وفى المعتدل بينهما حدثت التفاهة- هذا ما ذكروا، والحق أنها مجرد دعاوى لا دليل عليها كيف والأفيون مر بارد والعسل حلو حار والزيت دسم حار؟ !
(قوله: رتبت) أى: رتبها الله بمعنى أنه خلقها وجعلها فى زائدتى مقدم الدماغ وهما حلمتان زائدتان هناك شبيهتان بحلمتى الثديين فهما بالنسبة لمجموع الدماغ مع خريطته:
كالحلمتين بالنسبة إلى الثديين كل واحدة منهما تقابل ثقبة من ثقبتى الأنف، وعلى هذا فلا إدراك فى الأنف، وإنما هو واسطة؛ لأن القوة الشمّيّة قائمة بتينك الزائدتين بدليل أنه إذا سد الأنف من داخل انقطع إدراك المشموم ولو سلم نفس الأنف من الآفات
(قوله: من الروائح) بيان لما يدرك بالشم ولا حصر لأنواع الروائح ولا أسمائها إلا من جهة الملاءمة للقوة الشامّة وعدم الملاءمة لها فما كان ملائما يقال له رائحة
стр. 1583
سارية فى البدن يدرك بها الملموسات (من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة) هذه الأربعة هى أوائل الملموسات، والأوليان منها فعليتان، ...
===
طيبة وما كان غير ملائم يقال له رائحة منتنة، أو من جهة الإضافة لمحلها كرائحة مسك أو زبل أو لمقارنها كرائحة حلاوة أو مرارة فإن الرائحة مقارنة للحلاوة لا قائمة بها وإلا لزم قيام المعنى بالمعنى
(قوله: سارية) لم يقل منبثّة كما عبر به فى الذوق تفننا (وقوله: فى البدن) أى: فى ظاهر البدن كله وهو الجلد كما هو مصرح به فى كتب الحكمة، وبهذا اندفع ما يقال: إن هذه القوة لم تخلق فى الكبد والرئة والطحال والكلية، فكيف يقول الشارح سارية فى البدن مع أن هذه من جملته؟
(قوله: أوائل الملموسات) أى: لأنها تدرك بمجرد اللمس أى: بأوله من غير احتياج لشىء آخر وما عداها من اللطافة والكثافة والهشاشة واللزوجة والبلة والجفاف والخشونة والملاسة واللين والصلابة والخفة والثقل يدرك باللمس بتوسط هذه الأربعة فهى ثوان فى الإدراك بالنسبة لهذه الأربعة، وقيل إنما سميت أوائل لحصولها فى الأجسام العنصرية البسيطة التى هى أوائل المركبات، والمراد بالأجسام البسيطة العنصرية: الماء والنار والهواء والتراب، والماء فيه برودة ورطوبة، وفى النار حرارة ويبوسة، وفى التراب برودة ويبوسة، وفى الهواء حرارة ورطوبة. وبتلك الكيفيات الأربع تؤثر الأجسام العنصرية بعضها فى بعض ويتأثر بعضها من بعض فيتولد منها المركبات كالمعادن والنباتات والحيوانات
(قوله: فعليتان) أى: مؤثرتان فى موصوفهما؛ لأنهما يقتضيان الجمع والتفريق وكلاهما فعل، فالحرارة كيفية تقتضى تفريق المختلفات باللطافة والكثافة وجمع المتشاكلات، أما تفريقها للمختلفات فلأن فيها قوة مصعدة، فإذا أثرت فى جسم مركب من أجزاء مختلفة باللطافة والكثافة ولم يكن الالتئام بين بسائطها انفعل اللطيف منها فيتبادر للصعود الألطف، فالألطف دون الكثيف فيلزم منه تفريق المختلفات مثلا النار إذا أوقدت على معدن انعزل خبثه من صافيه، وإذا تعلقت بعود سالت الرطوبة المتحدة بالبرودة وخرج منه دخان وهو هواء مشوب بنار ويرتفع للطافته وتبقى الأجزاء الكثيفة، فقد فرقت بين الأجزاء اللطيفة والكثيفة، وأما إنها تجمع المتشاكلات
стр. 1584
والأخريان انفعاليتان (والخشونة) وهى كيفية حاصلة عن كون بعض الأجزاء أخفض، وبعضها أرفع (والملاسة) وهى كيفية حاصلة عن استواء وضع الأجزاء (واللين) وهى كيفية تقتضى قبول الغمز إلى الباطن ويكون للشىء بها قوام غير سيال (والصلابة) وهى تقابل اللين (والخفة) وهى كيفية بها يقتضى الجسم أن يتحرك إلى صوب المحيط لو لم يعقه عائق (والثقل) وهى كيفية بها يقتضى الجسم أن يتحرك إلى صوب المركز لو لم يعقه عائق ...
===
فبمعنى أن الأجزاء بعد تفرقها تجتمع بالطبع، فإن الجنسية علة للضم والحرارة معدة لذلك الاجتماع فينسب إليها كما تنسب الأفعال إلى معداتها، والبرودة كيفية تقتضى تفريق المتشاكلات وجمع المختلفات فتفريقها للمتشاكلات كما فى الطين اللين إذا يبس فإنه ينشق لشدة البرودة وجمعها للمختلفات كالجمع بين الرطب واليابس
(قوله: والأخريان انفعاليتان) أى: لأنهما يقتضيان تأثر موصوفهما؛ وذلك لأن الرطوبة كيفية تقتضى سهولة التشكل والتفرق والاتصال كما فى العجين، واليبوسة كيفية تقتضى صعوبة ذلك كما فى الحجر والخشب.
(قوله: قبول الغمز) أى: النفوذ والدخول إلى باطن الموصوف بها كالعجين إذا غمزته بأصبعك مثلا، (وقوله: ويكون للشىء) أى: الموصوف (وقوله: بها) أى: معها أو بسببها (وقوله: قوام) أى: قوة وتماسك بحيث لا يرجع بعض أجزائه موضع بعض منها إذا أخذ، واحترز بهذا عن الماء فهو ليس متصفا باللين بل الصلابة (وقوله: غير سيال) تفصيل لما قبله، واعلم أن قبول الشىء اللين للغمز بسبب ما فيه من الرطوبة وتماسكه بسبب ما فيه من اليبوسة، فكل لين فيه رطوبة ويبوسة والكيفية المركبة من مجموع هاتين الكيفيتين هى اللين
(قوله: تقابل اللين) أى: تقابل التضاد فهى كيفية تقتضى عدم قبول الغمز إلى الباطن أو تقتضى الغمز، لكن لا يكون للموصوفات معها قوام وتماسك، وذلك كما فى الحجر والماء
(قوله: إلى صوب المحيط) أى: إلى جهة العلو (وقوله: لو لم يعقه عائق) كالمسك باليد أو تعلق ثقيل به وذلك كما فى الريش الخفيف، فإنه لولا العائق لارتفع إلى العلو
(قوله: إلى صوب المرك، ز) أى: إلى جهة السفل (وقوله: لو لم يعقه عائق) أى:
стр. 1585
(وما يتصل بها) أى: بالمذكورات؛ كالبلّة، والجفاف، واللزوجة، والهشاشة، ...
===
كالحمل فالرصاص مثلا المحمول لولا حمله لنزل للسفل وشبهوا العلو بمحيط الدائرة والسفل بمركزها لارتفاع المحيط عن المركز فى الجملة، ولذلك قالوا فى تعريف الخفة لصوب المحيط أى: إلى جهة العلو وفى الثقل لصوب المركز أى: إلى السفل، وأيضا السماء للأرض كالدائرة وهى من جهة العلو والأرض كالمركز وهو بالنسبة لما يظهر من السماء منخفض فإذا فرض الثقيل والخفيف بينهما اندفع الأول إلى الأرض التى هى كالمركز، واندفع الثانى إلى السماء التى هى كالدائرة لولا العائق فى كل منهما ولذلك عبروا بالمحيط والمركز- قاله اليعقوبى، وما ذكره المصنف من أن كلّا من الخفة والثقل كيفية محسوسة بحاسة اللمس- فيه نظر، إذ كل منهما فى الحقيقة كيفية مبدأ ومنشأ وسبب فى مدافعة محسوسة توجد تلك المدافعة مع عدم الحركة، فالموصوف بالمحسوسية إنما هو المدافعة المتسببة عنهما لأنفسهما كما يجد الإنسان من الحجر إذا أمسكه فى الجو قسرا فإنه يجد فيه مدافعة هابطة ولا حركة فيه، وكما يجد فى الزق الذى نفخ فيه إذا جسه بيده تحت الماء قسرا، فإنه يجد فيه مدافعة صاعدة ولا حركة فيه، فالذى أوجب المدافعة الصاعدة فى الزق الخفة، والذى أوجب المدافعة الهابطة فى الحجر الثقل، فهما سببان للمدافعتين وكل من المدافعتين محسوس باللمس
(قوله: وما يتصل بها) أى: وما يلحق بها فى كونه مدركا باللمس.
(قوله: كالبلّة والجفاف) البلة هى الرطوبة الجارية على سطوح الأجسام والجفاف يقابلها- قاله السيد، وفيه نظر، إذ قد صرح فى حواشى التجريد بأن البلّة بمعنى الرطوبة الجارية على سطح الجسم المبتلّ جوهر فلا يصح عدّها من الكيفيات، والأحسن أن يقال: البلة هى الكيفية المقتضية لسهولة الالتصاق ويقابلها الجفاف فهو كيفية تقتضى سهولة التفرق وعسر الالتصاق
(قوله: واللزوجة) هى كيفية تقتضى سهولة التشكل وعسر التفرق، بل يمتد عند محاولة التفرق كما فى اللبان (العلك) والمصطكا، والهشاشة تقابلها فهى كيفية تقتضى سهولة التفرق وعسر الاتصال بعد
стр. 1586
واللطافة، والكثافة؛ وغير ذلك.
(أو عقلية) عطف على حسية (كالكيفيات النفسانية) أى: المختصة بذوات الأنفس (من الذكاء) وهى شدة قوة للنفس معدّة لاكتساب الآراء (والعلم) وهو الإدراك ...
===
التفرق: كالخبز المعجون بالسمن والفطير الكائن من الذرة
(قوله: واللطافة) هى رقة القوام أى: الأجزاء المتصلة كما فى الماء، وقيل هى كون الشىء شفّافا بحيث لا يحجب ما وراءه، والكثافة ضدها فهى غلظ القوام أو حجب الجسم ما وراءه، ولكن المعنى الثانى فيهما لا يناسب الإدراك بحاسة اللمس، وحينئذ فالمراد منهما هنا المعنى الأول فيهما قاله اليعقوبى، وقد يقال: إن اللطافة بهذا المعنى عين الرطوبة، والكثافة عين اليبوسة- فتأمل فنرى
(قوله: وغير ذلك) أى: كاللذع الذى هو كيفية سارية فى الأجزاء يحس بها إن مس اللاذع- قاله اليعقوبى
(قوله: أو عقلية .. إلخ) اعلم أن تقسيم الخارج من وجه الشبه إلى حسىّ وعقلىّ لمزيد الاهتمام به وإلا فغير الخارج منه أيضا قد يكون حسيّا وقد يكون عقليّا، إذ المراد بالحسى ما كانت أفراده مدركة بالحس، لكن لما لم يكن التشبيه فيه كثيرا لم يتعلق به اهتمام يدعو إلى تقسيمه، وأيضا تقسيمه إلى الحسىّ والعقلىّ عائد إلى حسية الطرفين وعقليتهما فاستغنى عن تقسيمه بتقسيمهما بخلاف تقسيم الخارج، فإنه لا يستغنى عنه بتقسيم الطرفين
(قوله: أو عقلية) أى: مدركة بالعقل
(قوله: أى المختصة بذوات الأنفس) أى: المختصة بالأجسام ذوات الأنفس الناطقة، ومعنى اختصاصها بذوات الأنفس أنها لا توجد إلا فيها لا فى الجمادات ولا فى الحيوانات العجم فلا ينافى وجود بعضها: كالعلم والقدرة والإرادة فى الواجب تعالى، وفى المجردات عند مثبتها كذا قال بعضهم. وفيه أنه لا داعى لجعل الاختصاص إضافيّا؛ لأن علم الواجب تعالى وقدرته وإرادته، وكذلك علم المجردات عند مثبتها، ليس من الكيفيات
(قوله: من الذكاء) بيان للكيفيات النفسانية وهو فى الأصل مصدر ذكت النار إذا اشتد لهبها، وأما فى العرف فقد أشار له الشارح بقوله شدة قوة .. إلخ أى: قوة شديدة للنفس فهو من إضافة الصفة للموصوف (وقوله: معدة لاكتساب الآراء) بكسر
стр. 1587
المفسر بحصول صورة الشىء عند العقل، وقد يقال على معان أخر (والغضب) وهو ...
===
العين اسم الفاعل أى: تعد النفس وتهيئها، أو بفتحها اسم مفعول أى: أعدها الله تعالى لاكتساب النفس الآراء أى: العلوم والمعارف، وإذا أريد التشبيه باعتبار ذلك قيل فلان كأبى حنيفة فى الذكاء أو فى العلم
(قوله: المفسر) أى: عند المناطقة
(قوله: بحصول صورة الشىء) قضيته أن العلم من مقولة الإضافة، والأولى أن يقال الصورة الحاصلة من الشىء .. إلخ؛ لأن المذهب المنصور عندهم أن العلم من مقولة الكيف، وأن الفرق بينه وبين المعلوم بالاعتبار، فالصورة باعتبار وجودها فى الذهن علم وفى الخارج معلوم، وصورة الشىء ما يؤخذ منه بعد حذف مشخصاته؛ ولأن المتبادر من عبارة الشارح كون الصورة مطابقة للشىء فى الواقع من أن هذا ليس بمشترط عندهم، بخلاف قولنا الصورة الحاصلة من الشىء فإنه يشمل ما لو رأى شيئا ظنّه إنسانا وهو فى الواقع فرس، والحاصل أن قولنا: الصورة الحاصلة من الشىء صادق بصورة المفرد وصورة وقوع النسبة وبالمطابقة وبخلافها، فالتعريف شامل للتصور والتصديق وللجهل المركب
(قوله: عند العقل) أى: فيه، أو فى آلاته: وهى الحواس الظاهرة التى يدرك بها الجزئيات، فتعبير الشارح بقوله عند العقل أولى من قول بعضهم: فى العقل، لشمول عبارة الشارح لإدراك الجزئيات بناء على القول بارتسامها فى الآلات
(قوله: وقد يقال على معان أخر) المتبادر منه أن المراد بتلك المعانى ما ذكره فى المطول من الاعتقاد الجازم المطابق الثابت وإدراك الكلى وإدراك المركب والملكة المسماة بالصناعة وهى التى يقتدر بها على استعمال الآلات سواء كانت خارجية كآلة الخياطة أو ذهنية كما فى الاستدلال فى غرض من الأغراض صادرا ذلك الاستعمال عن البصيرة بقدر الإمكان، وأنت خبير بأن كلّا من هذه المعانى يجوز إرادته هنا؛ لأن العلم كيفية على كلّ منها، وحينئذ فقوله: وقد يقال: إشارة إلى أن إطلاقه على غير المعنى الذى ذكره قليل، ويحتمل أن تلك المعانى التى أرادها بقوله: وقد يقال على معان أخر غير المعانى المذكورة فى الطول وهى معان ليست من الكيفيات النفسانية: كالأصول والقواعد، فإنها أحد معانى العلم، وليست
стр. 1588
حركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام (والحلم) وهو أن تكون النفس مطمئنة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة، ولا تضطرب عند إصابة المكروه (وسائر الغرائز) جمع:
غريزة وهى الطبيعة؛ أعنى ملكة تصدر عنها صفات ذاتية ...
===
كيفية نفسانية
(قوله: حركة للنفس مبدؤها) أى: سببها وعلتها (إرادة الانتقام) اعتراض بأن هذا التعريف لا يلائم قوله فى تفسير الحلم لا يحركها الغضب حيث جعل الغضب محركا للنفس، لا أنه نفس حركتها، وأجيب بأن قوله: لا يحركها الغضب على حذف مضاف أى: لا يحركها أسباب الغضب، وبعد هذا كله فيردّ عليه أن تفسير الغضب ينافى كونه من الكيفيات، فإن الشارح نفسه تقدم له الاعتراض على المصنف فى جعله الحركات من الكيفيات فالأحسن أن يقال: الغضب كيفية توجب حركة النفس مبدأ تلك الكيفية إرادة الانتقام
(قوله: أن تكون النفس .. إلخ) فيه أن هذا يقتضى أن الحلم كون النفس مطمئنة، فيفيد أنه ليس من الكيفيات مع أنه منها كما ذكره المصنف، فالأولى أن يقول: وهو كيفية توجب اطمئنان النفس بحيث لا يحركها الغضب، وهذا يرجع لقول بعضهم: إن الحلم كيفية نفسانية تقتضى العفو عن الذنب مع المقدرة على الانتقام.
(قوله: بسهولة) متعلق بالغضب والباء للملابسة أى: لا يحركها الغضب الملتبس بسهولة، وإنما يحرك الحليم الغضب القوىّ، ولذلك يقال: انتقام الحليم أشد على قدر الغضب، وإذا أريد التشبيه باعتبار الحلم والغضب قيل: هو كعنترة فى غضبه وهو كمعاوية فى حلمه
(قوله: ولا تضطرب) أى: بسهولة والعطف لازم
(قوله: وهى الطبيعة) أعنى: السجية التى عليها الإنسان سميت غريزة؛ لأنها لملازمتها للشخص صارت كأنها مغروزة فيه فهى فعيلة بمعنى مفعولة
(قوله: أعنى) أى: بالغريزة التى هى الطبيعة
(قوله: تصدر عنها صفات ذاتية) أى: منسوبة للذات، والمراد هنا بالصفات الذاتية الأفعال الاختيارية لا المعنى المصطلح عليه عند المتكلمين وهو الصفات القائمة بالذات الموجبة لها حكما- كذا قرر شيخنا العدوى، وفى عبد الحكيم: أن المراد بالصفات الذاتية الصفات التى لا يكون للكسب فيها مدخل فملكة الكتابة لا تسمى
стр. 1589
مثل الكرم، والقدرة، والشجاعة، وغير ذلك (وإما إضافية) عطف على قوله: إما حقيقية، ونعنى بالإضافية: ما لا تكون هيئة متقررة فى الذات، بل تكون معنى متعلقا بشيئين (كإزالة الحجاب فى تشبيه الحجة بالشمس) فإنها ليست هيئة متقررة فى ذات الحجة والشمس، ولا فى ذات الحجاب ...
===
غريزة؛ لأن ما يصدر عنها من الكتابة للكسب فيها مدخل، والكرم الذى يصدر عنه بذل المال والنفس والجاه إن كان صدوره بالاعتياد والممارسة فلا يسمى غريزة بل خلقا- بالضم- وإن كان صدوره بالذات يسمى غريزة، وعلى هذا فالفرق بين الغريزة والخلق أن الأفعال الصادرة عن الملكة لا مدخل للاعتياد فيها فى الغريزة وله مدخل فيها بالنسبة للخلق
(قوله: مثل الكرم) أى: فإنه كيفية يصدر عنها بذل المال والجاه، وهذا مثال للملكة التى يصدر عنها الأفعال
(قوله: والقدرة) أى: فإنها كيفية يصدر عنها الأفعال الاختيارية من العقوبة وغيرها
(قوله: والشجاعة) أى: فإنها كيفية يصدر عنها بذل النفس بسهولة واقتحام الشدائد
(قوله: وغير ذلك) أى: كأضدادها وهى البخل وهو كيفية يصدر عنها المنع لما يطلب وهو فعل، والعجز وهو كيفية يصدر عنها تعذر الفعل عند المحاولة وهو فعل يسند لصاحب العجز، والجبن وهو كيفية يصدر عنها الفرار من الشدائد المتعلقة، ويقال عند التشبيه باعتبار ما ذكر مثلا: هو كحاتم فى الكرم وهو كعنترة فى الشجاعة وهو كالمعتصم فى القدرة، ثم إن ظاهر الشارح يقتضى اختصاص الغرائز بالكيفيات التى تصدر عنها الأفعال أو ما يجرى مجرى الأفعال، فلو فرضت كيفية لا يصدر عنها فعل لم تكن غريزة كالبلادة- فتأمل
(قوله: ما لا تكون هيئة) أى: ما لا تكون صفة متقررة فى الذات أى: متقررة فى ذات الطرفين المشبه والمشبه به.
(قوله: متعلقا بشيئين) أى: بحيث يتوقف تعلقه على تعلقهما وذلك كالأبوة والبنوة، فإنه ليس شىء منهما متقررا فى ذات بقطع النظر عن الغير، بل بالقياس إلى الغير، وكإزالة الحجاب فإنها إنما تتصور متعلقة بشيئين هما الحجاب والشمس أو الحجاب والحجة
(قوله: فإنها) أى: الإزالة
(قوله: ولا فى ذات الحجاب) الأولى حذفه؛ لأن الكلام
стр. 1590
وقد يقال الحقيقى على ما يقابل الاعتبارى الذى لا تحقق له إلا بحسب اعتبار العقل. وفى المفتاح ...
===
فى كون وجه الشبه خارجا عن الطرفين والحجاب ليس واحدا منهما، وإنما هو متعلق الإزالة ولا التفات لكون الإزالة قائمة به ومتقررة فيه أو لا، والحاصل: أنك إذا قلت هذه الحجة كالشمس كان وجه الشبه بينهما إزالة الحجاب عما من شأنه أن يخفى، إلا أن الشمس مزيلة عن المحسوسات والحجة مزيلة عن المدارك المعقولة، وإذا زال الحجاب ظهر المزال عنه والوجه المذكور ليس صفة متقررة فى الحجة ولا فى الشمس، بل أمر نسبى يتوقف تعلقه على تعلق المزال وهو الحجاب وتعلق المزيل
(قوله: وقد يقال .. إلخ) هذا مقابل لما ذكره المصنف من مقابلة الحقيقى بالإضافى وتوضيح ما فى المقام: أن الصفة إما أن تكون متقررة فى ذات الموصوف لكونها موجودة فى الخارج كالكيفيات الجسمانية المدركة بالحواس الخمس الظاهرة، وكالكيفيات النفسانية المدركة بالعقل كالعلم وتسمى هذه الصفة حقيقية، وإما أن تكون غير موجودة فى الخارج، وهى إما ثابتة فى خارج الذهن اعتبرها المعتبر أم لا ككون الشىء كذا وتسمى إضافية واعتبارية نسبية، وإما غير ثابتة فى خارج الذهن بل ثبوتها فى ذهن المعتبر فقط، فإن اعتبرها كانت ثابتة فيه، وإن لم يعتبرها لم يكن لها ثبوت فيه كالصور الوهمية مثل صورة الغول والصورة المشبهة بالمخالب أو الأظفار للمنية وكرم البخيل وبخل الكريم، وتسمى هذه اعتبارية وهمية، فالاعتبارية أعم من الإضافية؛ لأن الاعتبارية إما نسبية وهى الإضافية وإما وهمية وهى غيرها؛ إذا علمت هذا فالمصنف قابل الحقيقية بالإضافية فتكون الاعتبارية الوهمية غير داخلة فى كلامه أما عدم دخولها فى الإضافية فظاهر، وأما عدم دخولها فى الحقيقية فلأنه قسم الحقيقية إلى حسية وعقلية، فدل على أنه أراد بالحقيقية ما كانت متحققة فى ذات الموصوف بدون اعتبار العقل سواء كانت مدركة بالحس أو بالعقل، وحيث كانت الاعتبارية الوهمية غير داخلة فى كل من الحقيقية والإضافية فيكون فى حصر المصنف الصفة فى الحقيقية والإضافية قصور. نعم لو أريد بالحقيقية ما قابل الإضافية كانت الاعتبارية
стр. 1591
إشارة إلى أنه مراد هاهنا حيث قال: الوصف العقلى منحصر بين حقيقى كالكيفيات النفسانية، وبين اعتبارى ونسبى؛ ...
===
الوهمية داخلة فى الحقيقية، إلا أنه يمنع من ذلك تقسيمه الحقيقية إلى حسية وعقلية فقط، وقول الشارح: وقد يقال: أى يطلق الحقيقى على ما يقابل الاعتبارى الذى لا تحقق له إلا بحسب اعتبار العقل أى: وهو الاعتبارى الوهمى وعلى هذا الإطلاق يكون الحقيقى شاملا للإضافيات فيراد به الأمر الذى له ثبوت فى نفسه سواء كان متصفا بالوجود الخارجى أو لا، فالحقيقى على هذا الإطلاق أعم منه على كلام المصنف حيث أريد بالحقيقى منه ما له وجود خارجى كما هو الظاهر من تقسيمه السابق للحسى والعقلى، فالإضافى من قبيل الحقيقى على الإطلاق الثانى، وغير حقيقى على إطلاق المصنف
(قوله: إشارة إلى أنه) أى: الإطلاق الثانى وهو أن الحقيقى ما قابل الاعتبارى الوهمى (وقوله: مراد هاهنا) أى: فى مقام تقسيم الصفة إلى حقيقية وغيرها، فيراد بالغير الاعتبارية الوهمية، ويراد بالحقيقية ما يشمل الاعتبارية بالإضافية
(قوله: حيث قال) أى:
لأنه قال الوصف العقلى أى: الذى هو وجه الشبه (وقوله: منحصر) أى: متردد على وجه الحصر
(قوله: كالكيفيات النفسانية) أى: مثل العلم والذكاء
(قوله: وبين اعتبارى) أى: وهمى (وقوله: ونسبى) أى: وبين اعتبارى ونسبى، واعلم أن المفهوم من عبارة المفتاح تقسيم الوصف العقلى إلى ثلاثة أقسام حقيقى، واعتبارى، ونسبى، وقضية ذلك أن الحقيقى ما ليس باعتبارى ولا نسبى فلا يشمل النسبى، وهذا خلاف المفهوم من قوله وقد يقال الحقيقى .. إلخ، إذ قضيته تناوله للنسبى، وأجيب بأن استدلاله بكلام المفتاح مبنى على رأى المتكلمين من أن الأمور الإضافية لا وجود لها فى الخارج وأنها اعتبارية أى: مما وجوده بحسب اعتبار العقل فيكون قوله اعتبارى ونسبى من عطف الخاص على العام ويكون قوله على ما يقابل الاعتبارى الذى .. إلخ، شاملا للإضافى والوهمى، وإنما قال: وفى المفتاح إشارة .. إلخ؛ لأن قوله: ونسبى يحتمل أن يكون معطوفا على اعتبارى أى: وبين اعتبارى غير نسبى ونسبى اعتبارى أيضا فيكون الوصف العقلى قسمين فقط، ويحتمل أن يكون قوله: ونسبى عطفا على حقيقى، فتكون الأقسام ثلاثة،
стр. 1592
كاتصاف الشىء بكونه مطلوب الوجود، أو العدم عند النفس، أو كاتصافه بشىء تصورى وهمى محض.
[الوجه الواحد وغيره والحسى والعقلى]:
(وأيضا) لوجه الشبه تقسيم آخر وهو أنه (إما واحد، وإما بمنزلة الواحد؛ لكونه مركبا من متعدد) تركيبا حقيقيّا بأن يكون حقيقة ملتئمة من أمور مختلفة، أو اعتباريّا بأن يكون هيئة انتزعها العقل من عدة أمور (وكل منهما) أى: من الواحد، وما هو بمنزلته (حسى أو عقلى، وإما متعدد) ...
===
وحينئذ فلا دليل فيه- اه
(قوله: كاتصاف الشىء بكونه مطلوب الوجود) أى: إذا كان أمرا مرغوبا فيه محبوبا للطالب، وهذا المعنى أعنى كون الشىء مطلوبا أمر نسبى يتوقف تعقله على تعقل الطالب والمطلوب
(قوله: أو العدم) أى: كون الشىء مطلوب العدم أى:
إذا كان مكروها مرغوبا عنه
(قوله: أو كاتصافه .. إلخ) هذا تمثيل للاعتبارى الوهمى وذلك مثل اتصاف السنة وكل ما هو علم بما يتخيل فيها من البياض والإشراق واتصاف البدعة وكل ما هو جهل بما يتخيل فيها من السواد والإظلام
(قوله: محض) أى: خالص من الثبوت خارج الأذهان
(قوله: إما واحد) أى: إما أن يكون واحدا، والمراد بالواحد ما يعد فى العرف واحد إلا الذى لا جزء له أصلا، وذلك كقولك: خده كالورد فى الحمرة فهذا واحد وإن اشتملت الحمرة على مطلق اللونية ومطلق القبض للبصر- اه يعقوبى
(قوله: بأن يكون) أى: ذلك المركب
(قوله: ملتئمة) أى: مركبة من أمور مختلفة، والمراد بالجمع ما فوق الواحد وذلك كالحقيقة الإنسانية الواقعة وجه شبه فى قولك: زيد كعمرو فى الإنسانية فهى حقيقة مركبة تركيبا حقيقيّا من أمرين مختلقين، وإنما كان التركيب حقيقيّا؛ لأن الجزأين صارا به شيئا واحدا فى الخارج فتأثير هذا التركيب فى تقريب المركب من الواحد أحق وأقوى، والغرض من التركيب إفادة هذا المعنى فكان باسم التركيب أحق وأولى
(قوله: انتزعها العقل) أى: استحضرها العقل، (وقوله: من عدة أمور) أى: ملاحظة عدة أمور أى: وتلك الأمور لم يصر مجموعها حقيقة واحدة بخلاف أمور التركيب الحقيقى، وحاصله: أن المركب تركيبا اعتباريّا لا حقيقة له
стр. 1593
عطف على قوله: إما واحد، وإما بمنزلة الواحد، والمراد بالتعدد: أن ينظر إلى عدة أمور، ويقصد اشتراك الطرفين فى كل منها ليكون كل منها وجه شبه، بخلاف المركب المنزل منزلة الواحد؛ فإنه لم يقصد اشتراك الطرفين فى كل من تلك الأمور،
===
فى حد ذاته، بل هو هيئة يلاحظها من اجتماع أمور بحيث لا يصح التشبيه إلا باعتبار تعلقها بمجموع الأجزاء كالهيئة المنتزعة فى قول الشاعر:
كأنّ مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (١)
فإن وجه الشبه على ما يأتى هو الهيئة الحاصلة من هوى أجرام مشرقة على وجه مخصوص فى جنب شىء مظلم، فإن من المعلوم أنه يلتئم من المجموع حقيقة واحدة، ولكن تلك الهيئة وإن اعتبر فيها متعدد، لكنها كالشىء الواحد فى عدم استقلال كل جزء منها فى التشبيه، ثم إن ما ذكره الشارح من التعميم فى المركب من متعدد هو ظاهر المصنف ويشعر به كلام المفتاح الذى هو أصل لهذا المتن. قال فى المطول: وما يشعر به كلام المفتاح من التعميم فيه نظر ستعرفه، وحاصله: أن المركب تركيبا حقيقيّا كالحقيقة الملتئمة من عدة أمور من قبيل الواحد لا من قبيل ما هو منزل منزلة الواحد، فالأولى قصر المركب من متعدد على المركب تركيبا اعتباريّا
(قوله: عطف على قوله إما واحد وإما بمنزلة الواحد) ظاهره أنه عطف على مجموع الأمرين؛ وذلك لأنهما بمنزلة شىء واحد، فكأنه قيل وجه الشبه إما غير متعدد وإما متعدد وغير المتعدد صادق بالأمرين أعنى الواحد والمنزل منزلته، فلما كان بمنزلة الشىء الواحد صح العطف على مجموعهما- كذا قرر شيخنا العدوى، والذى فى المطول: أن قوله وإما متعدد عطف على قوله: إما بمنزلة الواحد، وحينئذ تؤول تلك المنفصلة ذات الأجزاء الثلاثة إلى منفصلتين ذاتى جزئين، لأن الحكم الانفصالى لا يمكن أن يتحقق إلا بين أمرين فكأنه قال وجه الشبه إما بواحد أو غيره، وغير الواحد إما بمنزلة الواحد أو متعدد
(قوله: أن ينظر) أى: ذو (٢) أن ينظر
(قوله: إلى عدة أمور) أى: اثنين فأكثر
(قوله: ليكون كل منها وجه شبه) أى: وهذا إنما يكون إذا كان التشبيه فى أمور كثيرة لا يتقيد
стр. 1594
بل فى الهيئة المنتزعة، أو فى الحقيقة الملتئمة منها (كذلك) أى: المتعدد أيضا حسى، أو عقلى (أو مختلف) بعضه حسى، وبعضه عقلى (والحسى) من وجه الشبه سواء كان بتمامه حسيّا، أو ببعضه (طرفاه حسيان لا غير) أى: لا يجوز أن يكون كلاهما، أو أحدهما عقليّا (لامتناع أن يدرك ...
===
بعضها ببعض، بل كل واحد منها منفرد بنفسه أى: بحيث لو حذف البعض واقتصر على البعض لم يختل التشبيه كقولنا: هذه الفاكهة مثل هذه الفاكهة فى شكلها ولونها وحلاوتها وطعمها وريحها، وزيد كعمرو فى علمه وحلمه وأدبه وإيمانه وشجاعته
(قوله: بل فى الهيئة المنتزعة) أى: إذا كان مركبا تركيبا اعتباريّا (وقوله: أو فى الحقيقة الملتئمة) أى: فيما إذا كان مركبا تركيبا حقيقيّا نحو: زيد كعمرو فى الإنسانية، فالذى قصد اشتراك الطرفين فيه الإنسانية وهى حقيقة مركبة من الحيوانية والناطقية
(قوله: كذلك) خبر لمبتدأ محذوف كما قال اليعقوبى أى: وهو كذلك أى: مثل المذكور من الواحد وما هو بمنزلته فى التقسيم إلى حسىّ وعقلىّ، وهذا هو الأنسب بما قبله، وجعله فى الأطول صفة لمتعدد
(قوله: أو مختلف) عطف على ما تضمنه قوله كذلك، والتقدير المتعدد إما حسى كله أو مختلف أى: بعضه حسى وبعضه عقلى فهو مرتبط بالمتعدد، وهذا يقتضى أن الاختلاف لا يكون فى القسمين السابقين، مع أنه يتأتى فى الثانى وهو المركب المنزل منزلة الواحد باعتبار الأجزاء التى انتزعت منها الهيئة إلا أن يقال لما كان وجه الشبه فى الثانى هو المجموع المركب وهو إما حسىّ فقط أو عقلىّ فقط لم يلتفت إلى تقسيمه- كذا فى العروس
(قوله: والحسى) أى: ووجه الشبه الحسى
(قوله: سواء كان بتمامه حسيّا) أى: كان واحدا أو مركبا أو متعددا
(قوله: أو ببعضه) أى:
أو كان بعضه حسيّا وذلك بأن كان متعددا مختلفا واحد منه حسى والآخر عقلى، وفى كلامه تنبيه على أن الحسى هنا مأخوذ بالمعنى الأعم من الحسى فيما قبل؛ لأنه فيما قبل يقابل المختلف بخلافه هنا فإنه يشمل المختلف.
(قوله: أى لا يجوز أن يكون كلاهما أو أحدهما عقليّا) أما إذا كان وجه الشبه بتمامه حسيّا فظاهر، لأن الحسى لا يقوم إلا بالحسى، وأما إذا كان وجه الشبه متعددا
стр. 1595
بالحس من غير الحسى شىء) فإن وجه الشبه أمر مأخوذ من الطرفين، موجود فيهما، والموجود فى العقلى إنما يدرك بالعقل دون الحس؛ إذ المدرك بالحس لا يكون إلا جسما، أو قائما بالجسم (والعقلىّ) من وجه الشبه (أعم) من الحسى (لجواز أن يدرك بالعقل من الحسىّ شىء) أى: لجواز أن يكون طرفاه حسيين أو عقليين، أو أحدهما حسيّا والآخر عقليّا؛ ...
===
مختلفا فلأنه لا بد من انتزاع كل واحد من ذلك المتعدد من الطرفين، ويمتنع انتزاع الذى هو حسى من العقلى بخلاف وجه الشبه المركب من الحسى والعقلى فإنه عقلى، وإن كان بعض أجزائه حسيّا فيجوز أن يكون طرفاه أحدهما عقليّا مركبا من الحسى والعقلى- فتدبر- قاله عبد الحكيم
(قوله: بالحس) أى: الظاهرى كالسمع والبصر .. إلخ
(قوله: من غير الحسى) أى: من الطرف غير الحسى وهو العقلى (وقوله: شىء) هو وجه الشبه
(قوله: من غير الحسى) من للابتداء متعلقة ب" يدرك" على تضمنه معنى يوجد فلذا عداه بمن أى:
لامتناع أن يوجد شىء من غير الحسيات وهى العقليات مدركا بالحواس وليست" من" بيانا لشىء، وقد أشار لذلك الشارح
(قوله: والموجود) أى: والوصف الموجود من وجه الشبه فى الطرف العقلى
(قوله: لا يكون إلا جسما) هذا بناء على قول أهل السنة (وقوله: أو قائما بالجسم) بناء على قول الحكماء: إن الحواس لا تدرك الأجسام، بل الأعراض القائمة بها فأوفى كلامه لتنويع الخلاف، ثم إن الجسم عبارة عن الجوهر المركب فيفيد أن الجوهر المفرد لا يدرك بالحس
(قوله: والعقلى من وجه الشبه) أى: سواء كان عقليّا صرفا أو بعض أجزائه عقليّا وبعضها حسيّا
(قوله: أعم) أى: من حيث الطرفين، أو فى العبارة مضاف محذوف والتقدير: وطرف العقلى من وجه الشبه أعم من طرفه الحسى، وإنما جعلنا العموم والخصوص فيهما باعتبار محليهما أى: طرفيهما لا باعتبار ذاتيهما لتباينهما، إذ لا يتصور تصادق بين حسى وعقلى؛ لأن الوجه الحسى هو الذى لا يدرك أولا إلا بالحس والوجه العقلى هو الذى لا يدرك أوّلا إلا بالعقل، وليس المراد بالعقلى مطلق المدرك بالعقل، إذ لو أريد ذلك لم تصح مقابلته بالحسى فى التقسيم ضرورة أن كل مدرك بالحس مدرك بالعقل ولا ينعكس فيكون العقلى على هذا أعم فلا يقابله الحسى
(قوله: أو عقليين) أى: صرفين
стр. 1596
إذ لا امتناع فى قيام المعقول بالمحسوس، وإدراك العقل من المحسوس شيئا (ولذلك يقال: التشبيه بالوجه العقلى أعم) من التشبيه بالوجه الحسى؛ بمعنى: أن كل ما يصح فيه التشبيه بالوجه الحسى يصح بالوجه العقلى من غير عكس (فإن قيل هو) أى: وجه الشبه ...
===
أو مركبين من المحسوس والمعقول
(قوله: لجواز .. إلخ) علة لقوله أعم أى: لجواز أن يدرك بالعقل شىء من الأمر الحسى كما يجوز أن يدرك بالعقل شىء من الأمر العقلى.
(قوله إذ لا امتناع فى قيام المعقول بالمحسوس) أى: اتصاف المحسوس بالمعقول كاتصاف الإنسان بالإيمان والعلم والجهل والشجاعة والكرم- وغير ذلك، فالقيام على جهة الاتصاف
(قوله: وإدراك العقل) عطف على قيام، وإضافة الإدراك لما بعده من إضافة المصدر لفاعله، وشيئا بعده مفعوله
(قوله: ولذلك يقال) أى: لأجل ما قلناه من أن وجه الشبه إذا كان عقليّا يكون أعم من وجه الشبه الحسى باعتبار الطرفين لجواز كون طرفى العقلى عقليين دون الحسى.
قال علماء البيان: التشبيه حال كونه كائنا بالوجه العقلى أعم من التشبيه حال كونه كائنا بالوجه الحسى
(قوله: بمعنى .. إلخ) أشار بهذا إلى أن العموم باعتبار التحقق أى: أن كل طرفين يتحقق فيهما التشبيه بوجه حسى يتحقق فيهما بوجه عقلى، وليس كل طرفين يتحقق فيهما التشبيه بوجه عقلى يتحقق فيهما بوجه حسى
(قوله: أن كل ما يصح) أى: كل موضع يصح فيه التشبيه بالوجه الحسى بأن يكون الطرفان حسيين
(قوله: من غير عكس) أى: بالمعنى اللغوى، وأما عكس ذلك عكسا منطقيّا فهو صحيح
(قوله: فإن قيل) هذا وارد على قوله وكل منهما حسى أو عقلى، وحاصل ما ذكره المصنف: قياس مفصول النتائج مركب من قياسين: أولهما من الشكل الأول مؤلف من موجبتين كليتين ينتج موجبة كلية، وثانيهما من الشكل الثانى مؤلف من موجبة كلية صغرى هى نتيجة القياس الأول، وسالبة كلية كبرى تنتج سالبة كلية هى المطلوب وهى أنه لا شىء من وجه الشبه بحسى وهى مناقضة لما تقدم من أن وجه الشبه يكون حسيّا، وتقرير السؤال أن تقول: كل وجه شبه فهو مشترك فيه وكل مشترك فيه فهو
стр. 1597
(مشترك فيه) ضرورة اشتراك الطرفين فيه (فهو كلى) ضرورة أن الجزئى يمتنع وقوع الشركة فيه (والحسى ليس بكلى) قطعا ضرورة أن كل حسى فهو موجود فى المادة، حاضر عند المدرك، ومثل هذا لا يكون إلا جزئيّا ضرورة؛ فوجه الشبه لا يكون حسيّا فقط (قلنا: المراد) بكون وجه الشبه حسيّا (أن أفراده) أى:
جزئياته (مدركة بالحس) كالحمرة التى تدرك بالبصر جزئياتها الحاصلة فى المواد، فالحاصل أن وجه الشبه إما واحد، أو مركب، أو متعدد، وكل من الأوّلين إما حسى، أو عقلى، ...
===
كلىّ ينتج كل وجه شبه فهو كلى، ثم تضم إليها كبرى القياس الثانى وتقول: لا شىء من الحسى بكلى ينتج ولا شىء من وجه الشبه بحسى وهو المطلوب
(قوله: مشترك فيه) أى: محكوم عليه بالاشتراك فيه (وقوله: ضرورة اشتراك الطرفين فيه) أى: فى الواقع فلم يلزم تعليل الشىء بنفسه لاختلاف العلة والمعلول (وقوله: ضرورة .. إلخ) الأول دليل للصغرى، والثانى دليل للكبرى فى القياس الأول (وقوله: ضرورة أن كل حسى ..
إلخ) هذا دليل للكبرى فى القياس الثانى القائلة ولا شىء من الحسى بكلى وتقرير دليلها الذى ذكره كل حسى فهو موجود فى المادة خاص عند المدرك، وكل ما هو موجود فى المادة وخاص عند المدرك فهو جزئى ينتج كل حسى فهو جزئى
(قوله: فهو موجود فى المادة) أى: فى الجزئيات المادية أى: أن كل ما يدرك بإحدى الحواس موجود فى مادة معينة أى: فى جسم معين كالحمرة القائمة بالخد والقائمة بالورد
(قوله: قولنا .. إلخ) حاصله جواب بالتسليم أى: سلمنا ما قلت: وهو أن وجه الشبه لا يكون حسيّا ولكن إطلاقنا عليه حسيّا تسامح نظرا لكون جزئياته حسية لا أنه فى ذاته حسى، بل هو عقلى لكونه كليّا
(قوله: الحاصلة فى المواد) أى: فى الأجسام المادية المعينة كحمرة هذا الخد وهذا الورد فإنها مدركة بالحس، وأما الحمرة الكلية من حيث هى حمرة فغير مدركة بالبصر ولا بغيره من الحواس؛ لأن الماهية من حيث هى أمر كلى معقول لا مدخل للحس فيه، وإنما يدرك بالعقل
(قوله: أو مركب) وهو المعبر عنه فيما تقدم بالمنزل منزلة الواحد
(قوله: وكل من الأولين) أى: الواحد والمركب (وقوله: إما
стр. 1598
والأخير إما حسى، أو عقلى، أو مختلف؛ تصير سبعة، والثلاثة العقلية طرفاها إما حسيان، أو عقليان، أو المشبه حسى والمشبه به عقلى، أو بالعكس؛ صارت ستة عشر قسما.
(الواحد الحسى كالحمرة) من المبصرات (والخفاء) يعنى خفاء الصوت من المسموعات (وطيب الرائحة) من المشمومات (ولذة الطعم) من المذوقات (ولين الملمس) من الملموسات (فيما مر) أى: فى تشبيه الخد بالورد، والصوت الضعيف بالهمس، والنكهة بالعنبر، والريق بالخمر، والجلد الناعم بالحرير، وفى كون الخفاء من المسموعات والطيب من المشمومات واللذة من المذوقات ...
===
حسى أو عقلى) أى: فتصير أربعة
(قوله: والأخير) أى: المتعدد من وجه الشبه إما حسى بتمام جزئياته أو عقلى بجميع جزئياته، أو مختلف بعض جزئياته حسى وبعضها عقلى
(قوله: تصير سبعة) أى: حاصلة من مجموع الأربعة الأول والثلاثة الأخيرة
(قوله: والثلاثة والعقلية) وهى الواحد العقلى والمركب العقلى والمتعدد العقلى، واحترز بالعقلية عن الحسية لوجوب كون الطرفين فيها حسيينو وعن المختلف أيضا؛ لأنه يقتضى حسية الطرف بالتمام (وقوله: طرفاها إما حسيان .. إلخ) أى: فإذا ضربت الثلاثة العقلية فى أحوال الطرفين الأربعة صارت اثنى عشر، ويضاف إلى ذلك الأربعة الباقية من السبعة:
وهى وجه الشبه الواحد الحسى، والمركب الحسى، والمتعدد الحسى، والمتعدد المختلف بعضه حسى وبعضه عقلى، وهذه الأربعة لا يكون طرفاها إلا حسيين كما تقدم فصار المجموع ستة عشر كما ذكر الشارح.
(قوله: الواحد الحسى) أى: وجه الشبه الواحد الحسى وهذا شروع فى تمثيل الأقسام المذكورة، وقد علمت أن الواحد الحسى لا يكون طرفاه إلا مفردين حسيين، وحينئذ فمقتضاه أن يقتصر فى التمثيل له على مثال واحد لكن المصنف مثّل له بأمثلة خمسة نظرا لتعدد الحواس وكونها خمسة
(قوله: من المبصرات) حال من الحمرة أى: حالة كونها من المبصرات وكذا يقال فى نظائره الآتية
(قوله: فيما مر) أى: فى تشبيهات مرت بينّها الشارح بقوله أى: فى تشبيه الخد .. إلخ، فيقال: خده كالورد فى الحمرة وصوت زيد كالهمس
стр. 1599
تسامح. (و) الواحد (العقلى كالعراء عن الفائدة، والجرأة) على وزن الجرعة- أى: الشجاعة، وقد يقال: جرؤ جراءة- بالمد (والهداية) أى: الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب ...
===
فى الخفاء ونكهته كالعنبر فى طيب الرائحة وريقه كالخمرة فى لذة الطعم وجلده كالحرير فى لين الملمس
(قوله: تسامح) وجهه: أن الخفاء والطيب واللذة أمور عقلية غير مدركة بالحواس، وإنما المدرك بالسمع الصوت الخفىّ لا الخفاء وبالشم رائحة الطيب لا الطيب وبالذوق طعم الخمر لا لذته، فقد أثبت ما للموصوف للصفة أو عبّر باسم اللازم عن الملزوم، فأطلق الخفاء وأراد الصوت الخفى، وطيب الرائحة وأراد الرائحة الطيبة، وبلذة الطعم عن الطعم اللذيذ
(قوله: والواحد العقلى) أى: ووجه الشبه الواحد العقلى وتحته أربعة؛ لأن طرفيه إما حسيان أو عقليان أو المشبه به حسى والمشبه عقلى أو عكسه؛ فلذا مثل له المصنف بأمثلة أربعة
(قوله: كالعراء) بالمد أى: الخلو
(قوله: على وزن الجرعة) بضم الجيم- كحسوة وزنا ومعنى وهو ملء الفم من الماء، والجرأة مصدر جرؤّ كظرف، ويقال فى مصدره أيضا: جراءة- بالمد وفتح الجيم- كما قال الشارح: ككراهة، ويقال فيه أيضا جرائية ككراهية، ويقال فيه أيضا جرة ككرة، وأما جراءة- بضم الجيم والمد- فهو لحن.
(قوله: أى الشجاعة) تفسير الجرأة بالشجاعة مبنىّ على اصطلاح اللغويين من ترادفهما، وأن اقتحام المهالك سواء كان صادرا عن رويّة أو لا يقال: جرأة وشجاعة، وهذا خلاف اصطلاح الحكماء من أن الجرأة أعم من الشجاعة؛ لأن الاقتحام المذكور إن كان عن رويّة فهو شجاعة، وأما الجرأة فهى اقتحام المهالك مطلقا، واعلم أن الشجاعة كما تطلق على الملكة كما تقدم تطلق على آثارها من اقتحام المهالك، وحينئذ فلا اعتراض، وإنما عبر المصنف بالجرأة دون الشجاعة مع اشتهار جعلها وجه شبه فى تشبيه الإنسان بالأسد لأجل صحة المثال على كل من اصطلاح الحكماء واللغويين ولو عبر بالشجاعة لورد عليه أن المثال إنما يصح على مذهب اللغويين لا على مذهب الحكماء لاختصاص الشجاعة بالعقلاء- تأمل.
(قوله: أى: الدلالة) قال عبد الحكيم: فسر الهداية على مذهب الاعتزال متابعة للسكاكى ولأنه الأنسب فى تشبيه العلم بالنور فى كون كلّ منهما موصلا إلى شىء
стр. 1600
(واستطابة النفس فى تشبيه وجود الشىء العديم النفع بعدمه) فيما طرفاه عقليان؛ إذ الوجود والعدم من الأمور العقلية (و) تشبيه (الرجل الشجاع بالأسد) فيما طرفاه حسيان (و) تشبيه (العلم بالنور) فيما المشبه عقلى، والمشبه به حسى، فبالعلم يوصل إلى المطلوب، ويفرق بين الحق والباطل، كما أن بالنور يدرك المطلوب، ويفصل بين الأشياء، فوجه الشبه بينهما الهداية (و) تشبيه (العطر بخلق) شخص (كريم) فيما المشبه حسى، والمشبه به عقلى، ولا يخفى ما فى الكلام من اللف والنشر، وما فى وحدة بعض الأمثلة من التسامح ...
===
(قوله واستطابة) مصدر مضاف للفاعل يقال: استطاب الشىء أى: وجده طيبا
(قوله: فى تشبيه) متعلق بالظرف المتقدم الواقع خبرا عن الواحد العقلى
(قوله: العديم النفع) أى: الذى لا نفع له يعنى ولا ضرر كرجل هرم، أو لا عقل له فيقال: وجود هذا كعدمه فى العراء عن الفائدة. قال الشيخ يس: العديم بمعنى فاعل فهو من عدم ككرم بمعنى انعدم، والانعدام لحن لم يثبت فى اللغة والمتكلمون يستعملونه مع عدم ثبوته وإن كان بمعنى مفعول فهو من عدمه كعلمه أى: فقده- اه.
(قوله: بعدمه) متعلق بتشبيه
(قوله: فيما طرفاه) أى: فى تشبيه طرفاه .. إلخ، وكذا يقال فى نظائره الآتية
(قوله: إذ الوجود والعدم من الأمور العقلية) أى: سواء كان العدم عاريا عن الفائدة أم لا
(قوله: وتشبيه الرجل الشجاع بالأسد) أى: فيقال:
زيد- مثلا- كالأسد فى الجرأة.
(قوله: وتشبيه العلم بالنور) أى: فيقال: العلم كالنور فى الهداية به
(قوله: فبالعلم يوصل إلى المطلوب) أى: وهو السلامة فى الدنيا والآخرة؛ وذلك لأنه يدل على الحق ويفرق بينه وبين الباطل، فإذا اتبع الحق وصل إلى المطلوب الذى هو السلامة المذكورة فقد صدق على العلم أنه يدل على الطريق الموصلة للمطلوب وكذلك النور يفرق ويميز بين طريقى السلامة والهلاك، فإذا سلك الطريق الأول حصل المطلوب الذى هو السلامة فقد ظهر أن كلّا من العلم والنور يدل على الطريق الموصلة للمطلوب وتلك الدلالة هى الهداية كما مر
(قوله: ويفرق) أى: لأنه يفرق .. إلخ (وقوله: ويفصل) أى:
يميز
(قوله: وتشبيه العطر .. إلخ) أى: فيقال: العطر كخلق شخص كريم فى استطابة
стр. 1601
كالعراء عن الفائدة مثلا (والمركب الحسى) من وجه الشبه طرفاه إما مفردان، أو مركبان، أو أحدهما مفرد والآخر مركب، ومعنى التركيب هاهنا أن تقصد إلى عدة أشياء مختلفة فتترع منها هيئة وتجعلها مشبها أو مشبها بها؛ ولهذا صرح صاحب المفتاح فى تشبيه المركب بالمركب بأن كلّا من المشبه والمشبه به هيئة منتزعة، وكذا المراد بتركيب وجه الشبه أن تعمد إلى عدة أوصاف لشىء ...
===
النفس لكلّ أى: ميلها لكلّ أو عدّها لكلّ منهما طيبا بالتشديد
(قوله: كالعراء عن الفائدة) أى: واستطابة النفس وذلك لما فيها من شائبة التركيب لتقييد الأول بالظرف والثانى بالمضاف إليه وفى دعوى الشارح التسامح نظر؛ لأن المراد بالواحد ما ليس هيئة منتزعة من عدة أمور ولا أمورا كل واحد منها وجه شبه لا ما ليس فيه تركيب أصلا، وحينئذ فالتقييد بأمر لا يقتضى التركيب ولا يخرج المقيد عن كونه شيئا واحدا- كذا فى السيرامى.
(قوله: والمركب الحسى من وجه الشبه) قد علمت مما سبق أن وجه الشبه متى كان حسيّا سواء كان واحدا أو مركبا أو متعددا لا يكون طرفاه إلا حسيين، فلذا قسم الشارح الطرفين هنا إلى المفرد والمركب، ولم يقسمهما إلى الحسى والعقلى، إذ لا يكونان إلا حسيين كما تقدم ولم يتعرض الشارح لهذا التقسيم فى وجه الشبه الواحد الحسى لكون الطرفين المركبين لا يتأتيان فيه وكذلك المفرد والمركب؛ وذلك لأن تركيب الطرفين هو أن يقصد إلى متعددين فينتزع منهما هيئتين، ثم يقصد اشتراك الهيئتين فى هيئة تعمّهما، وإنما يكون ذلك إذا كان وجه الشبه مركبا ليمكن انتزاع الهيئة التى تعمّهما منه بقى شىء آخر وهو أن تقسيم وجه الشبه إلى واحد ومركب يتوقف على تقسيم الطرفين إلى مفردين ومركّبين ومختلفين، وسيأتى ذلك فى كلام المصنف فهلّا قدّمه على الكلام على وجه الشبه وتقسيمه وذكره عند تقسيم الطرفين إلى حسيين وعقليين ومختلفين خصوصا وفى ذلك جمع يشمل تقسيمات الطرفين- تأمل.
(قوله: هاهنا) أى: فى الطرفين إذا كان وجه الشبه مركبا
(قوله: أن تقصد .. إلخ) أى: فالمراد به هنا أحد مسمى ما هو بمنزلة المفرد وهو الذى تركيبه اعتبارى، والحاصل:
стр. 1602
فتنتزع منها هيئة، وليس المراد بالمركب هاهنا ما يكون حقيقة مركبة من أجزاء مختلفة؛ بدليل أنهم يجعلون المشبه والمشبه به فى قولنا: زيد كالأسد مفردين لا مركبين، ووجه الشبه فى قولنا: زيد كعمرو فى الإنسانية واحدا، لا منزلا منزلة الواحد، (فالمركب الحسى فيما) أى: فى التشبيه الذى (طرفاه مفردان كما فى قوله:
===
أن المراد بالمركب هنا- أى: فى تقسيم الطرفين- أخص منه فيما سبق- أى: التركيب فى وجه الشبه؛ لأنه فيما سبق المراد به ما كان حقيقة ملتئمة وما كان هيئة والمراد هنا الثانى
(قوله: فتنتزع منها هيئة) أى: وهى لا وجود لها خارجا، وحينئذ فمعنى كون الطرفين اللذين هما الهيئتان محسوسين أن تكون الهيئة منتزعة من أمور محسوسة
(قوله: ولهذا) أى: لأجل أن المراد بالتركيب ما ذكر
(قوله: أن تعمد إلى عدة أوصاف .. إلخ) بيان للمراد بتركيب وجه الشبه
(قوله: وليس المراد بالمركب هاهنا) أى: فى الطرفين ووجه الشبه
(قوله: ما يكون حقيقة مركبة من أجزاء مختلفة) أى: كحقيقة زيد الحسية وهى ذاته فإنها مركبة من أجزاء مختلفة وهى أعضاؤه، أو عقلية وهى ماهيته فإنها مركبة من أجزاء مختلفة وهى الحيوانية والناطقية
(قوله: مفردين لا مركبين) مع أن زيدا فيه حيوانية وناطقية وتشخص والأسد فيه الحيوانية والافتراس، فلو أريد بالمركب ما يكون حقيقة مركبة من أجزاء مختلفة ما ساغ جعل هذين مفردين.
(قوله: لا منزلا منزلة الواحد) أى: وإن كانت الإنسانية مركبة من أمور مختلفة، وبما ذكره الشارح هنا من أن المركب سواء كان طرفا أو وجه شبه لا يكون إلا هيئة منتزعة لا حقيقة مركبة من أجزاء- تعلم أن جعل الشارح سابقا عند قول المصنف أو منزلا منزلة الواحد الحقيقة الملتئمة من أمور مختلفة من قبيل المركب المنزل منزلة الواحد- فيه نظر كما نبهنا عليه سابقا
(قوله: كما فى قوله) أى: كوجه الشبه الذى فى قول أحيحة بن الجلّاح- بضم الهمزة وبحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما ياء ساكنة- والجلّاح- بضم الجيم وتشديد اللام- وقيل: إن البيت لأبى قيس بن الأسلت
стр. 1603
وقد لاح فى الصّبح الثّريّا كما ترى ... كعنقود ملّاحيّة (١)
بضم الميم، وتشديد اللام: عنب أبيض فى حبه طول؛ وتخفيف اللام أكثر (حين نوّرا) أى: تفتح نوره.
===
(قوله: وقد لاح) أى: ظهر (وقوله: الثريا) اسم لجملة أنجم مجتمعة
(قوله: كما ترى) الكاف لتشبيه مضمون جملة" قد لاح" بمضمون جملة" ترى" كما فى تشبيه مفرد بمفرد ولا فعل يتعلق به الجارّ هنا كما نص عليه الرضى، والمعنى: الثريا الشبيهة بعنقود الملّاحية لاحت فى الصبح كما ترى أى: لاحت على حالة شبيهة بالحالة التى تراها عليها بقطع النظر عن صغرها أو كبرها، ويصح جعل قوله" كما ترى" حالا من الثريا أو صفة لها والكاف بمعنى" على" أى: قد ظهر فى الصبح الثريا حالة كونها كائنة على الحالة التى تراها عليها كعنقود .. إلخ، فهو يشير إلى أن التشبيه بحسب الرؤية لا بحسب الحقيقة؛ لأنها فى نفس الأمر كواكب كبار، ويصح جعل قوله" كما ترى" صفة لمصدر محذوف أى: قد ظهرت الثريا ظهورا مثل ما تراه من المرئىّ المحسوس حالة كونها مماثلة لعنقود الملّاحية
(قوله: كعنقود ملاحية) الإضافة بيانية
(قوله: فى حبه طول) ليس المراد بحبه بذره، بل المراد بحبه وحداته كما يدل له قول القاموس الملّاحية عنب أبيض طويل
(قوله: وتخفيف اللام أكثر) أى: وإن كانت الرواية فى البيت التشديد- قال ابن قتيبه: لا أعلم هل التشديد فيه ضرورة أو لغة فيه
(قوله: حين نوّرا) أى: حالة كون العنقود حين نور، وفى هذا تنبيه على أن المقصود تشبيه الثريا بالعنب فى حال صغره؛ لأنه فى حال تفتح نوره يكون صغيرا- كذا قرر بعضهم، وفيه أنه حين تفتح نوره يكون أخضر لا أبيض فيلزم إلغاء البياض فى التشبيه، وقد اعتبره الشاعر، وأيضا يكون صغيرا جدّا كالكزبرة أو الحمص وهو أصغر فى المرأى بالنسبة للأنجم، ولذا قرر شيخنا العدوى أن المراد بقوله: حين نوّر حين قارب الانتفاع به لا حقيقته كما يتبادر من الكلام وعبر عن ذلك المراد بنوّر أى: تفتح نوره؛ لأن انفتاح النور يحصل معه ويلابسه الانتفاع فى الجملة والنور الزهر ونور العنب أبيض مستدير خلافا لمن وهم، وقال: إنه لا نور له
стр. 1604
(من الهيئة) بيان لما كما فى قوله: (الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير فى المرأى) وإن كانت كبارا فى الواقع حال كونها (على الكيفية المخصوصة) أى: لا مجتمعة اجتماع التضامّ، والتلاصق، ...
===
(قوله: بيان لما) أى: الواقعة على وجه الشبه، فالهيئة المذكورة هى وجه الشبه المركب الحسى لانتزاع تلك الهيئة من محسوس وهذه الهيئة قائمة بطرفين مفردين كما يأتى.
(قوله: الحاصلة) أى: المتحققة- قال اليعقوبى: وفسرنا الحاصلة بالمتحققة إشارة إلى أن حقيقة الهيئة متحققة خارجا بالتقارن كتحقق الأعم بالأخص وأنها نفس ذلك التقارن، ويحتمل أن يحمل الكلام على ظاهره من كون التقارن سببا لحصول هيئة أخرى وهى كون تلك الأجرام متقارنة على الوجه المخصوص على قاعدة حصول الحال لموجبها
(قوله: من تقارن الصور) " من" ابتدائية أى: الحاصلة حصولا ناشئا من الصور المتقارنة فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمراد بالصور المتقارنة: صور النجوم فى الثريا وصور حبات العنب فى العنقود (وقوله: البيض) أراد القائم بها مطلق البياض أى: الصفاء الذى لا يشوبه حمرة ولا سواد وإن كان بياض النجوم فى المرأى أشد- تأمل.
(قوله: المستديرة) فيه أن هذا يخالف ما مر من أن العنب الملاحى فيه طول، وأجيب بأن الطول يحدث فيه بعد طيبه، وأما فى حال صغره فهو مستدير والتشبيه به فى حال صغره أى: حين مقاربة الانتفاع به لا فى حال كبره بدليل قوله حين نوّر.
(قوله: الصغار المقادير) أى: التى مقاديرها صغيرة
(قوله: فى المرأى) قيد فى التقارن والبيض والمستديرة والصغار؛ لأنه لا تقارن فى الحقيقة، ولأنه لا لون للفلكيات أو لا نعلم لونها ولا نعلم استدارتها وهى فى الواقع كبار فما أشعر به (قول الشارح: وإن كانت .. إلخ) من أنه قيد فى قوله الصغار فقط فهو قصور- قاله العصام فى الأطول.
(قوله: حال كونها) أى: الصور كائنة على الكيفية المخصوصة، وأشار الشارح بهذا إلى أن قوله على الكيفية المخصوصة حال من الصور
(قوله: أى: لا مجتمعة .. إلخ)
стр. 1605
منضمة (إلى المقدار المخصوص) من الطول والعرض فقد نظر إلى عدة أشياء، وقصد إلى هيئة حاصلة منها، والطرفان مفردان؛ لأن المشبه هو الثريا، والمشبه به هو العنقود؛ مقيدا بكونه عنقود الملاحية فى حال إخراج النور، والتقييد لا ينافى الإفراد، كما سيجىء إن شاء الله تعالى.
===
تفسير للكيفية المخصوصة وعطف التلاصق على ما قبله عطف تفسير (وقوله: ولا شديدة الافتراق) أى: بل تلك الصور متقاربة مجتمعة اجتماعا متوسطا بين التلاصق وشدة الافتراق.
(قوله: منضمة إلى المقدار المخصوص) أى: حال كون تلك الكيفية السابقة منضمة إلى مقدار كل منهما القائم بمجموعه من الطول والعرض، ولا يقال لا حاجة لهذا مع قوله أولا الصغار المقادير؛ لأن ذلك باعتبار كل حبة وكل نجمة، والمراد هنا المقدار القائم بالمجموع، وأشار الشارح بقوله: منضمة إلى تقدير متعلق الجار والمجرور، ولك أن تجعل" إلى" بمعنى" مع" أى: حال كون تلك الكيفية مصاحبة للمقدار المخصوص ولا يحتاج حينئذ لتقدير" منضمة" لفهم الانضمام من المصاحبة، وهذا أعنى قوله: إلى المقدار المخصوص تصريح بما علم التزاما؛ لأن الكيفية من لوازمها مصاحبتها للمقدار- تأمل.
ولا يلزم على جعل قوله إلى المقدار حالا من الكيفية مجىء الحال من الحال؛ لأن الكيفية فى الجملة الظرفية مفعول بالواسطة فصح مجىء الحال منها- قاله العصام، وما اقتضاه كلامه من أن الحال لا تأتى من الحال صحيح كما هو مصرح به فى متن الكافية، وكذلك التمييز والمفعول المطلق
(قوله: فقد نظر) أى: فى وجه هذا التشبيه
(قوله: إلى عدة أشياء) أى: وهى الصفات القائمة بالثريّا والعنقود من التقارن والاستدارة والصغر وإن كان ذلك بحسب المرأى والكيفية المخصوصة والمقدار المخصوص
(قوله: والطرفان) أى: المشبه والمشبه به (وقوله: مفردان) أى: حسيان
(قوله: مقيدا) أى: كما أن المشبه مقيد بكونه فى الصبح، فقوله بعد والتقييد أى: فى كل من المشبه والمشبه به
(قوله: لا ينافى الأفراد) أى: لأن المراد بالمفرد هنا ما ليس هيئة منتزعة
стр. 1606
(وفيما) أى: والمركب الحسى فى التشبيه الذى (طرفاه مركبان كما فى قول بشار (١):
كأنّ مثار النقع) من: أثار الغبار: هيجه (فوق رءوسنا وأسيافنا ليل ...
===
من متعدد فيصدق حتى على مجموع المقيد والقيد خلافا لما يفهم من الشارح، وأتى بقوله: والتقييد لا ينافى: إلخ دفعا لما يتوهم من أن المشبه به هو عنقود الملّاحية حين كان كذا فهو مركب لا مفرد
(قوله: أى والمركب الحسى) أى: ووجه الشبه المركب الحسى فى التشبيه الذى طرفاه مركبان
(قوله: كما فى قول بشار) أى: كوجه الشبه الذى فى قول بشار بن برد
(قوله: كأن مثار النقع) مثار- بضم الميم- اسم مفعول من أثار الغبار: هيجه وحركه، والنقع: الغبار، والإضافة من إضافة الصفة للموصوف أى:
كأن الغبار المثار أى: المهيج والمحرك من أسفل لأعلى بحوافر الخيل (وقوله: فوق رءوسنا) أى: المنعقد فوق رءوسنا، وأنشد ابن جنى فى مجموعه" فوق رءوسهم وأسيافنا"، وكذلك أنشده الخفاجى فى سر الفصاحة، وابن رشيق فى العمدة، وهذه الرواية أحسن من جهة المعنى؛ لأن السيوف ساقطة على رءوسهم فلا بد أن يكون النقع على رءوسهم ليحصل التشبيه- كذا فى عروس الأفراح، وفى الأطول: مثار النقع اسم مفعول وإضافته لما بعده بيانية ولو جعل كأن للتشبيه لم يكن المحذوف من أركان التشبيه إلا الوجه، وإن جعل للظن كانت أداة التشبيه أيضا محذوفة ويكون كقولهم:
أظن زيدا أسدا فيكون أبلغ، وهكذا كل تشبيه مشتمل على كلمة كأن- اه.
(قوله: وأسيافنا) الواو بمعنى مع فأسيافنا مفعول معه والعامل فيه مثار؛ لأن فيه معنى الفعل وحروفه ولم تجعله منصوبا ب كأن عطفا على اسمها وهو مثار لئلا يتوهم أنهما تشبيهان مستقلّان كل منهما تشبيه مفرد بمفرد، وأن المعنى: كأن النقع المثار ليل وكأن أسيافنا كواكبه، وهذا لا يصح الحمل عليه لما صرحوا به من أنه متى أمكن حمل التشبيه على المركب فلا يعدل عنه إلى الحمل على المفرد؛ لأنه تفوت معه الدقة التركيبية المرعية فى وجه الشبه، ولأن قوله: " تهاوى كواكبه" تابع لليل؛ لأنه صفة له فتكون الكواكب
стр. 1607
تهاوى كواكبه) أى: يتساقط بعضها إثر بعض، والأصل تتهاوى؛ حذفت إحدى التاءين (من الهيئة الحاصلة من: هوى) بفتح الهاء؛ أى: سقوط (أجرام مشرقة
===
مذكورة على سبيل التبع غير مستقلة فى التشبيه باعتبار الصناعة قطعا فيكون مقابلها الذى يتوهم كونه مشبها به تبعا لغيره أيضا
(قوله: تهاوى كواكبه) أى: طائفة بعد طائفة لا واحدا بعد واحد- قاله فى الأطول.
(قوله: حذفت إحدى التاءين) وهل المحذوف الأولى أو الثانية خلاف وإنما لم يجعله فعلا ماضيا مذكرا لإسناده للاسم الظاهر المجازىّ التأنيث لما يلزم عليه من الإخلال بكثير من اللطائف والأحوال التى قصدها الشاعر من العلو تارة والسفل أخرى- وغير ذلك مما قاله الشاعر، وتوضيح ذلك أن صيغة المضارع تدل على الاستمرار التجددىّ والتجدد الاستمرارىّ يدل على كثرة الحركات والتساقط فى جهات كثيرة من العلو والسفل واليمين واليسار والتدخل والتلاقى، فيكون مشعرا باللطائف المشار لها بقول الشارح وهى تعلو وترسب بخلاف الماضى، فإنه يدل على وقوع التساقط مرة فى الزمان الماضى، ولا يشعر بكونه فى الجهات كثيرة فيكون مخلّا بتلك اللطائف وإن كان صحيحا أيضا، لأن التهاوى يشعر بتعددها وسقوط بعضها إثر بعض فيؤخذ منها هيئة- هذا محصل ما فى المطول من توجيه عدم جعل الفعل ماضيا.
وفى الأطول توجيه آخر وحاصله: أن قوله" ليل تهاوى كواكبه": يفيد وصف الليل بالخلوّ عن الكواكب، فيلزم تشبيه مثار النقع والسيوف بالليل الخالى عن الكواكب بخلاف ليل تتهاوى كواكبه فإنه يفيد وصفه بكونه ذا كواكب تسقط بالتدريج وهذا هو المطابق لوجود الليل والمناسب للمشبه
(قوله: من الهيئة) بيان لما فى قوله كما فى قول بشار الواقعة على وجه الشبه.
(قوله: بفتح الهاء) أى: وكسر الواو وتشديد الياء أى: سقوط، وأما الهوى- بضم الهاء- فمعناه الصعود كما فى الأساس، وفى القاموس كل من الفتح والضم للسقوط أو بالضم للسقوط وبالفتح للصعود، فعلى كلامه المناسب أن يقول: بضم الهاء
(قوله: أجرام مشرقة) وهى السيوف والنجوم فإن كلّا منهما مشرق بالبياض.
стр. 1608
مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة فى جوانب شىء مظلم) فوجه الشبه مركب- كما ترى- وكذا الطرفان؛ لأنه لم يقصد تشبيه الليل بالنقع، والكواكب بالسيوف، بل عمد إلى تشبيه هيئة السيوف ...
===
قال العصام: وقد تعورف إطلاق الجرم على الجسم العلوى كما تعورف إطلاقه على السفلى.
(قوله: مستطيلة) الاستطالة ظاهرة فى السيوف، وكذلك الكواكب فإنها تستطيل أشكالها عند التهاوى وإن كانت قبل التهاوى تكون على الاستدارة فى المرأى
(قوله: متناسبة المقدار) أى: بالنظر للمشبه وحده والمشبه به وحده، فالسيوف متناسبة المقدار فيما بينها، وكذلك النجوم فيما بينها، وأما تناسب طول النجوم مع طول السيوف أو العرض مع العرض فمبنىّ على التساهل؛ لأن الطول فى النجوم أكثر منه فى السيوف فيما يظهر ويكفى فى التشبيه المتناسب فى الجملة
(قوله: فى جوانب شىء مظلم) أما السيوف ففى ظلمة الغبار، وأما الكواكب ففى ظلمة الليل
(قوله: كما ترى) أى: كما رأيت وعلمت من كلام المصنف
(قوله: وكذا الطرفان) لمّا بيّن المصنف وجه كون وجه الشبه فى البيت مركبا ولم يبيّن وجه كون الطرفين فيه مركبين تعرّض الشارح لبيان ذلك
(قوله: لأنه لم يقصد تشبيه الليل بالنقع والكواكب بالسيوف) فيه قلب وكان من حق العبارة أن يقال: لأنه لم يقصد تشبيه النقع بالليل والسيوف بالكواكب؛ وذلك لأنه على تقدير أن يكون التشبيه فى البيت من تشبيه المفرد بالمفرد يكون النقع مشبها والليل مشبها به، وكذلك تكون السيوف مشبهة والكواكب مشبها بها، ويمكن الجواب عن الشارح بجعل الباء فى قوله: بالنقع، وفى قوله بالسيوف بمعنى مع.
(قوله: بل عمد) بابه ضرب (وقوله: إلى تشبيه هيئة السيوف) الأولى إلى تشبيه هيئة النقع والسيوف فيه وقد سلت .. إلخ؛ لأن المشبه الهيئة المنتزعة من النقع والسيوف الموصوفة بتلك الأوصاف، والمشبه به الهيئة المنتزعة من الليل والنجوم الموصوفة بما ذكره لا أن التشبيه بين هيئة السيوف وهيئة النجوم من غير اعتبار النقع والليل؛ لأن صريح البيت خلافه، ويمكن الجواب بأن المراد عمد إلى تشبيه الهيئة المشتملة على السيوف .. إلخ،
стр. 1609
وقد سلت من أغمادها وهى تعلو وترسب وتجئ وتذهب وتضطرب اضطرابا شديدا، وتتحرك بسرعة إلى جهات مختلفة وعلى أحوال تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة، والارتفاع والانخفاض مع التلاقى والتداخل والتصادم والتلاحق، وكذا فى جانب المشبه به فإن للكواكب فى تهاويها تواقعا، وتداخلا، واستطالة لأشكالها ...
===
وقوله وكذا فى جانب المشبه به فإن للكواكب .. إلخ أى: التى اشتملت عليها هيئة المشبه به
(قوله: وقد سلت) أى: أخرجت، (وقوله: من أغمادها) جمع غمد وهو غلاف السيف بكسر الغين المعجمة
(قوله: وهى تعلو) أى: ترتفع، (وقوله: وترسب) أى: تنزل وتتسفل من رسب الشىء فى الماء أى: سفل وجعله من رسب السيف أى:
مضى فى الضرب لا يلائم قوله تعلو- كما فى الفنرى، وإنما ذكر العلو لكون الرسوب مبتدءا منه وإلا فليس فى تهاوى النجوم استعلاء- قاله يس.
(قوله: وتجىء) أى: من العلو (وقوله: وتذهب) أى: إلى العلو فهو راجع لما قبله، (وقوله: وتضطرب) أى: فى العلو والنزول
(قوله: وعلى أحوال تنقسم) أى:
وتنقسم تلك الحركة على أحوال دائرة بين .. إلخ أى: إنها لا تخرج عن تلك الأحوال الثمانية التى بيّنها بقوله بين الاعوجاج، والمراد بالاعوجاج: الذهاب يمنة ويسرة وخلفا، والمراد بالاستقامة: الذهاب أمام
(قوله: مع التلاقى) أى: لما يقابلها من الجهة الأخرى
(قوله: والتداخل) أى: عند تعاكس الحركتين بذهاب كل منهما إلى جهة ابتداء الأخرى
(قوله: والتصادم) هو التلاقى وكذلك التلاحق بمعنى التتابع كتتابع سيفين فى ذهابهما لمضروب واحد، فقد ظهر لك ما فى عبارة الشارح من التداخل باعتبار العلو والانخفاض والذهاب والمجىء، وكذا فى التداخل والتلاقى والتصادم والتلاحق، والغرض المبالغة فى الجامع
(قوله: وكذا فى جانب المشبه به) أى: ومثل ما ذكر يقال فى جانب المشبه به فى الجملة؛ فإن للكواكب فى تهاويها فى الليل تواقعا أى: تدافعا وتداخلا واستطالة لأشكالها عند السقوط، فانتزع من الليل والكواكب التى على هذه الصفات هيئة وشبه بها، وإنما قلنا فى الجملة؛ لأنه قد اعتبر فى جانب المشبه الارتفاع وهو لا يأتى
стр. 1610
(و) المركب الحسى (فيما طرفاه مختلفان) أحدهما مفرد، والآخر مركب (كما مر فى تشبيه الشقيق) بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد- من الهيئة الحاصلة من نشر أجرام حمر مبسوطة على رؤوس أجرام خضر مستطيلة، فالمشبه مفرد، وهو الشقيق، والمشبه به مركب وهو ظاهر، وعكسه تشبيه نهار مشمس شابه زهر الربا بليل مقمر- على ما سيجىء.
(ومن بديع المركب الحسى ما) أى: وجه الشبه الذى (يجىء فى الهيئات
===
فى جانب المشبه به
(قوله: والمركب الحسى) أى: ووجه الشبه المركب الحسى فى التشبيه الذى طرفاه مختلفان
(قوله: كما مر) أى: كوجه الشبه الذى مر (وقوله: فى تشبيه) أى: فى ضمن تشبيه .. إلخ وإنما قدرنا ضمن؛ لأن الوجه لم يذكر فى المتن سابقا فى هذا التشبيه
(قوله: الشقيق) أى: المحمر
(قوله: من الهيئة الحاصلة) بيان لوجه الشبه الذى مر فى ضمن التشبيه المذكور (وقوله: مبسوطة) أى: فيها اتساع فهو غير المنشور مع عدم الاتساع كالخيط، فلذا ذكر قوله مبسوطة مع قوله نشر أجرام- اه يس.
(قوله: فالمشبه مفرد) وهو محمر الشقيق؛ لأنه اسم لمسمّى واحد وأجزاؤه التى اعتبر اجتماعها كاليد من زيد
(قوله: والمشبه به مركب) أى: لأن القصد إلى التشبيه بالهيئة الحاصلة من مجموع الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية وليس للأعلام قصد ذاتىّ حتى يكون مفردا بدليل أن المشبه لم يعتبر فيه الجزء المناسب للأعلام فقط بل المعتبر مجموع الشقيق الذى هو مجموع الأصل وفروعه، وسيأتى الفرق بين المركب والمقيد بنحو هذا
(قوله: وعكسه) أى: المشبه مركب والمشبه به مفرد
(قوله: شابه) أى: خالطه زهر الربا فالمشبه هو الهيئة الحاصلة من النهار المشمس الذى خالطه زهر الربا فهو مركب، والمشبه به هو الليل المقمر فهو مفرد مقيد.
(قوله: ومن بديع .. إلخ) البديع هو البالغ الغاية فى الشرف والبلاغة، ففى القاموس البديع هو الغاية فى كل شىء، وذلك إذا كان عالما أو شجاعا أو شريفا، وحاصل المعنى المراد ومن وجه الشبه المركب الحسى ما بلغ الغاية فى الشرف والبلاغة وهو ما يجىء ..
إلخ
(قوله: ما يجىء فى الهيئات) ظاهر هذه العبارة يفيد أن وجه الشبه يجىء فى الهيئة لا
стр. 1611
التى تقع عليها الحركة) أى: يكون وجه الشبه الهيئة التى تقع عليها الحركة، من الاستدارة، والاستقامة، وغيرهما، ...
===
أنه نفسها، مع أنه المراد كما صرح به الشارح فى قوله أى: يكون وجه الشبه الهيئة وحينئذ لا بد أن يقال: إنه من قبيل اعتبار مجىء العام فى الخاص بمعنى تحققه فيه كما يقال الحيوان يجىء فى الإنسان أى: إنه يتحقق فيه، وحينئذ فمعنى كلام المصنف ومن المركب الحسى البديع الوجه الذى يتحقق فى الهيئات أى: يكون هيئة
(قوله: التى تقع عليها الحركة) ظاهرة: أن الحركة تقع على الهيئة ولا معنى لذلك فلا بد من جعل" تقع" بمعنى" توجد" و" على" بمعنى" مع" أى: هيئة الجسم التى توجد معها مركبة من وجود الجزء مع الكل؛ لأن الحركة جزء من الهيئة، أما فى الوجه الأول من الوجهين الآتيين فظاهر؛ لأن الهيئة منتزعة من حركات وغيرها من أوصاف الجسم، وأما فى الوجه الثانى فلأن الهيئة منتزعة من حركات فقط فيراد بالهيئة مطلق الحركات وبالحركة التى هى جزء منها الحركة المخصوصة، ويصح جعل" على" بمعنى" من" أى: التى توجد منها الحركة ويكون فى الكلام قلب، والأصل: التى توجد من الحركة أى: من جنس الحركة- يعنى فقط- أو منها مع غيرها من أوصاف الجسم، ومحصل كلام المصنف: أن من بديع المركب الحسى وجه الشبه الذى هو هيئة منتزعة من حركات فقط أو من حركات وغيرها من أوصاف الجسم، فالأول كحركة المصحف فإنه لم يعتبر معها شىء من أوصافه، والثانى وهو الهيئة الحاصلة بين الحركة وما قرن بها من صفات الجسم كالشكل واللون كما فى المرآة فى كف الأشلّ
(قوله: أى: يكون وجه الشبه الهيئة .. إلخ) أشار بهذا إلى أن وجه الشبه هو نفس الهيئة، وأن ظرفيته فيها فى كلام المصنف من ظرفية العام فى الخاص بمعنى تحققه فيه، وقوله التى تقع عليها الحركة أى: توجد معها الحركة.
(قوله: من الاستدارة) أى: من استدارة الحركة واستقامتها كما فى حركة الدولاب والسهام، وهذا بيان للهيئة التى توجد معها الحركة.
(وقوله: وغيرهما) كالسرعة والبطء، والحاصل: أن الهيئة التى توجد معها الحركة مثل استدارة الحركة واستقامتها وسرعتها وبطئها.
стр. 1612
ويعتبر فيها التركيب (ويكون) كما يجىء فى تلك الهيئات (على وجهين: أحدهما:
أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم؛ كالشكل، واللون) والأوضح عبارة أسرار البلاغة: اعلم أن مما يزداد به التشبيه ...
===
(قوله: ويعتبر فيها) أى: فى الهيئة التى تقع عليها الحركة التركيب أى: بأن تكون منتزعة من الحركة وأوصاف الجسم كما فى الوجه الأول أو من حركات مختلفة كما فى الوجه الثانى، كما يعلم ذلك مما يأتى فى تقرير الشارح لكلام المصنف
(قوله: ويكون ما يجىء) أى: وجه الشبه الذى يجىء فى الهيئات التى توجد معها الحركة على وجهين، وحاصل الأول منهما: أن وجه الشبه هيئة مركبة من حركة وغيرها، وحاصل الثانى: أنه هيئة مركبة من حركات فقط
(قوله: أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم) أى: هيئة أن يقرن أى: هيئة اقتران الحركة بغيرها أى: الهيئة الحاصلة من مقارنة الحركة لغيرها، وإنما قدرنا هيئة لأجل صحة الإخبار عن الأحد؛ لأن الأحد هيئة لا الاقتران المذكور أو المعنى أحدهما المقرون فيه الحركة بغيرها من أوصاف الجسم وهذا التأويل إنما يحتاج له إذا جعلنا قوله على وجهين بمعنى على نوعين وأن كلّا منهما قسم من الهيئة، أما إن كان بمعنى إنه مشتمل على صفتين فلا يحتاج لذلك؛ لأن كلّا من الاقتران والتجرد صفة للهيئات.
(قوله: أن يقرن بالحركة) أى: أن يوصل بها. مأخوذ من قرنت الشىء بالشىء وصلته به، والمراد أن يقرن فى اعتبار العقل غير الحركة بها أو ينتزع منهما هيئة.
(قوله: كالشكل) أى: الذى هو الهيئة الحاصلة من إحاطة حد أو حدود به
(قوله: والأوضح) وجه الأوضحية أن المجعول وجه الشبه هو الهيئة، وتنقسم إلى الهيئة المقرونة بالحركة وبغيرها وإلى هيئة الحركة المجردة، وعبارة أسرار البلاغة أظهر فى ذلك من عبارة المصنف؛ لإيهامها أن الهيئة متحققة فى نفسها ووقعت عليها الحركة مع أن الهيئة هى هيئة تقارن الحركة مع غيرها أو هيئة اختلاف الحركة، وإنما قال أوضح لإمكان أن يجاب عن المصنف بأنه من مجىء العام فى الخاص كما مر
(قوله: اعلم أن مما يزداد ..
إلخ) لفظ" ما" فى قوله" مما يزداد" ليس عبارة عن وجه الشبه حتى يلزم فيه ما لزم فى
стр. 1613
دقة وسحرا أن يجئ فى الهيئات التى تقع عليها الحركات، والهيئة المقصودة فى التشبيه على وجهين: أحدهما: أن تقترن بغيرها من الأوصاف. والثانى: أن تجرد هيئة الحركة حتى لا يزاد عليها غيرها.
===
عبارة المصنف بل عبارة عن الأحوال أى: من الأحوال التى يزداد بها التشبيه دقة وسحرا هذه الحالة وهى مجىء التشبيه فى الهيئات التى توجد معها الحركات سواء كانت تلك الهيئات أطرافا للتشبيه أو كانت وجه شبه، فأنت ترى الشيخ جعل الدقة والسحر وصفا للتشبيه المشتمل على تلك الحالة أعنى كون طرفيه أو وجهة هيئة بخلاف المصنف فقد جعل ذلك وصفا لوجه الشبه، وأيضا كلام الشيخ يفيد أن الهيئة المركبة من الحركات تارة تقترن بغيرها وتارة لا تقترن، وكلام المصنف يفيد أن الهيئة إما مركبة من الحركات أو منها ومن غيرها، فعلى كلام الشيخ لا تكون الهيئة إلا من الحركات بخلاف كلام المصنف- تأمل.
(قوله: دقة) أى: لطافة (وقوله: وسحرا) أى: تمييلا للعقول
(قوله: أن يجىء) أى: التشبيه، وقوله: التى تقع عليها الحركات سواء كانت طرفا للتشبيه أو وجها له.
(قوله: أن تقترن) أى: الحركات بغيرها من أوصاف الجسم فقد جعل الحركة مقترنة بأوصاف الجسم، والظاهر: أنه أراد أن تقترن هيئة الحركة بغيرها بدليل قوله:
والثانى أن تجرد هيئة الحركة فيكون حاصل كلامه أن هيئة الحركة تارة تقترن فى الاعتبار بأوصاف الجسم، ويجعل المجموع وجه شبه أو طرفا وتارة تجرد عن غيرها وتجعل وحدها وجه شبه أو طرفا، والمصنف قد جعل المقترن بالأوصاف هو الحركة وجعل الهيئة مأخوذة من مجموع الأمرين كما هو المتبادر منه. قال الشيخ يس: فإن أراد المصنف بقوله أن يقرن بالحركة غيرها- أى: أن يقترن بهيئة الحركة غيرها- وافق كلام الشيخ، لكن يكون الإخبار بذلك عن الأحد مشكلا- فتأمل
(قوله: أن تجرد هيئة الحركة) من وضع الظاهر موضع المضمر اعتناء بشأنه (وقوله: هيئة الحركة) أى: الهيئة المأخوذة من الحركات، فالمراد بالحركة الجنس المتحقق فى متعدد والمراد أن تجرد عن
стр. 1614
فالأول: (كما فى قوله (١): والشمس كالمرآة فى كف الأشلّ؛ من الهيئة) بيان لما فى قوله: كما (الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق حتى يرى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له) ...
===
أوصاف الجسم (وقوله: لا يزاد عليها غيرها) أى: من أوصاف الجسم
(قوله: كما فى قوله) أى كوجه الشبه الذى فى قول القائل وهو ابن المعتز أو أبو النجم وتمامه: لما رأيتها بدت فوق الجبل
(قوله: والشمس) أى: عند طلوعها
(قوله: الأشلّ) الشلل هو يبس اليد أو ذهابها، والمراد هنا المرتعش؛ لأن عديم اليد أو يابسها لا يكون فى كفّه مرآة، ولأن المرآة إنما تؤدى الهيئة المقصودة فى كف المرتعش
(قوله: من الاستدارة مع الإشراق) أى: من استدارة الجسم المصاحبة لإشراقه، أى: شعاعه، وكان الظاهر أن يضم إليه تموجه فيقول: من الاستدارة والحركة السريعة المتصلة مع الإشراق المتموج لكنه أخّره عن قوله: والحركة السريعة المتصلة؛ لأنه مسبب عنها.
(قوله: والحركة) أى: ومع الحركة (وقوله: المتصلة) أى: المتتابعة
(قوله: مع تموج الإشراق) أى: الشعاع أى: تدافع بعضه بعضا كتدافع الموج بسبب تلك الحركة
(قوله: حتى يرى الشعاع) أى: المعبر عنه أولا بالإشراق فقد تفنّن فى التعبير، والمراد بالشعاع ما تراه من الشمس كالجبال مقبلا عليك أو ما تراه ممتدّا كالرماح بعيد الطلوع
(قوله: كأنه يهمّ) بفتح الياء وضم الهاء، وبابه ردّ يقال همّ بكذا إذا قصد فعله وأراده، وإسناد الهم إلى الشعاع تجوّز أى: كأن ذلك الشعاع يريد الانبساط لوفور تموّجه
(قوله: حتى يفيض) غاية للانبساط. من أفاض إذا خرج قال تعالى فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ (٢) أى: خرجتم منها، أو من فاض الوادى إذا سال أى: حتى يخرج من جوانب الدائرة أو يسيل من محله ويخرج من جوانب الدائرة
(قوله: ثم يبدو له) أى:
стр. 1615
يقال: بدا له: إذا ندم، والمعنى: ظهر له رأى غير الأوّل (فيرجع) من الانبساط الذى بدا له (إلى الانقباض) كأنه يرجع من الجوانب إلى الوسط، فإن الشمس إذا أحدّ الإنسان النّظر إليها ليتبيّن جرمها وجدها مؤديّة لهذه الهيئة الموصوفة، وكذلك المرآة فى كفّ الأشلّ.
===
للشعاع، وفاعل يبدو ضمير عائد على مصدر الفعل أى: البداء، أو على الرأى المفهوم من قوة الكلام وهو عطف على قوله: يفيض، أو على قوله يهم أى: كأنه يهمّ بالانبساط، ثم يبدو له فيرجع عنه إلى الانقباض
(قوله: يقال بدا له .. إلخ) هذا تفسير للفظ بحسب أصل اللغة، (وقوله: والمعنى: ظهر له) أى: للشعاع رأى .. إلخ بيان للمعنى المراد من اللفظ
(قوله: فيرجع من الانبساط الذى بدا له) الأولى: فيرجع عن الانبساط الذى همّ به إلى الانقباض الذى بدا له وهو عطف على ما يبدو أى: فيتسبب عن البدو الرجوع
(قوله: إلى الوسط) أى: وسط الدائرة
(قوله: فإن الشمس .. إلخ) بيان لكون تلك الهيئة جامعا حاصلا فى الطرفين، وأشار بقوله: إذا أحدّ .. إلخ إلى أن الهيئة إنما تظهر فى الشمس بعد إحداد النظر إليها بخلاف المرآة فإنها تظهر فيها فى بادئ الرأى؛ فلذا جعلت الشمس مشبها والمرآة مشبها بها- قاله فى الأطول
(قوله: ليتبين) أى: ليعلم
(قوله: وجدها مؤديّة لهذه الهيئة) أى: لأن جرم الشمس مستدير وفيه حركة سريعة خيالية وفى شعاعها أيضا حركة خيالية، وإنما قلنا: خيالية؛ لأنا نقطع بأن حركة الشمس ليست على الاضطراب، بل هى من الجنوب إلى الشمال على سبيل التمهّل حتى إنها لولا ذلك التخييل لرؤيت كالثابتة، والشعاع المعبر عنه بالإشراق أجرام لطيفة منبسطة على ما يقابل الشمس هذا هو المحقق فى نفس الأمر، فالاضطراب والتموّج خيالىّ لكن التشبيه بالوجه الثابت بالتخيل صحيح- اه يعقوبى.
(قوله: وكذلك المرآة فى كف الأشلّ) أى: مؤدية لهذه الهيئة فإنها مستديرة وفيها حركة دائمة متصلة سريعة حقيقية وإشراق متصل بها من شعاع الشمس، إلا أن ذلك الشعاع المتصل بها لا يتحقق فيه اضطراب إلى الجوانب والرجوع للوسط، بل المتحقق فيه الثبوت والاتصال مع اضطرابه وتموجه بدوام الحركة، وحينئذ فتحقيق وجه