← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

التى تقع عليها الحركة) أى: يكون وجه الشبه الهيئة التى تقع عليها الحركة، من الاستدارة، والاستقامة، وغيرهما، ... === أنه نفسها، مع أنه المراد كما صرح به الشارح فى قوله أى: يكون وجه الشبه الهيئة وحينئذ لا بد أن يقال: إنه من قبيل اعتبار مجىء العام فى الخاص بمعنى تحققه فيه كما يقال الحيوان يجىء فى الإنسان أى: إنه يتحقق فيه، وحينئذ فمعنى كلام المصنف ومن المركب الحسى البديع الوجه الذى يتحقق فى الهيئات أى: يكون هيئة (قوله: التى تقع عليها الحركة) ظاهرة: أن الحركة تقع على الهيئة ولا معنى لذلك فلا بد من جعل" تقع" بمعنى" توجد" و" على" بمعنى" مع" أى: هيئة الجسم التى توجد معها مركبة من وجود الجزء مع الكل؛ لأن الحركة جزء من الهيئة، أما فى الوجه الأول من الوجهين الآتيين فظاهر؛ لأن الهيئة منتزعة من حركات وغيرها من أوصاف الجسم، وأما فى الوجه الثانى فلأن الهيئة منتزعة من حركات فقط فيراد بالهيئة مطلق الحركات وبالحركة التى هى جزء منها الحركة المخصوصة، ويصح جعل" على" بمعنى" من" أى: التى توجد منها الحركة ويكون فى الكلام قلب، والأصل: التى توجد من الحركة أى: من جنس الحركة- يعنى فقط- أو منها مع غيرها من أوصاف الجسم، ومحصل كلام المصنف: أن من بديع المركب الحسى وجه الشبه الذى هو هيئة منتزعة من حركات فقط أو من حركات وغيرها من أوصاف الجسم، فالأول كحركة المصحف فإنه لم يعتبر معها شىء من أوصافه، والثانى وهو الهيئة الحاصلة بين الحركة وما قرن بها من صفات الجسم كالشكل واللون كما فى المرآة فى كف الأشلّ (قوله: أى: يكون وجه الشبه الهيئة .. إلخ) أشار بهذا إلى أن وجه الشبه هو نفس الهيئة، وأن ظرفيته فيها فى كلام المصنف من ظرفية العام فى الخاص بمعنى تحققه فيه، وقوله التى تقع عليها الحركة أى: توجد معها الحركة. (قوله: من الاستدارة) أى: من استدارة الحركة واستقامتها كما فى حركة الدولاب والسهام، وهذا بيان للهيئة التى توجد معها الحركة. (وقوله: وغيرهما) كالسرعة والبطء، والحاصل: أن الهيئة التى توجد معها الحركة مثل استدارة الحركة واستقامتها وسرعتها وبطئها.

стр. 1612

ويعتبر فيها التركيب (ويكون) كما يجىء فى تلك الهيئات (على وجهين: أحدهما: أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم؛ كالشكل، واللون) والأوضح عبارة أسرار البلاغة: اعلم أن مما يزداد به التشبيه ... === (قوله: ويعتبر فيها) أى: فى الهيئة التى تقع عليها الحركة التركيب أى: بأن تكون منتزعة من الحركة وأوصاف الجسم كما فى الوجه الأول أو من حركات مختلفة كما فى الوجه الثانى، كما يعلم ذلك مما يأتى فى تقرير الشارح لكلام المصنف (قوله: ويكون ما يجىء) أى: وجه الشبه الذى يجىء فى الهيئات التى توجد معها الحركة على وجهين، وحاصل الأول منهما: أن وجه الشبه هيئة مركبة من حركة وغيرها، وحاصل الثانى: أنه هيئة مركبة من حركات فقط (قوله: أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم) أى: هيئة أن يقرن أى: هيئة اقتران الحركة بغيرها أى: الهيئة الحاصلة من مقارنة الحركة لغيرها، وإنما قدرنا هيئة لأجل صحة الإخبار عن الأحد؛ لأن الأحد هيئة لا الاقتران المذكور أو المعنى أحدهما المقرون فيه الحركة بغيرها من أوصاف الجسم وهذا التأويل إنما يحتاج له إذا جعلنا قوله على وجهين بمعنى على نوعين وأن كلّا منهما قسم من الهيئة، أما إن كان بمعنى إنه مشتمل على صفتين فلا يحتاج لذلك؛ لأن كلّا من الاقتران والتجرد صفة للهيئات. (قوله: أن يقرن بالحركة) أى: أن يوصل بها. مأخوذ من قرنت الشىء بالشىء وصلته به، والمراد أن يقرن فى اعتبار العقل غير الحركة بها أو ينتزع منهما هيئة. (قوله: كالشكل) أى: الذى هو الهيئة الحاصلة من إحاطة حد أو حدود به (قوله: والأوضح) وجه الأوضحية أن المجعول وجه الشبه هو الهيئة، وتنقسم إلى الهيئة المقرونة بالحركة وبغيرها وإلى هيئة الحركة المجردة، وعبارة أسرار البلاغة أظهر فى ذلك من عبارة المصنف؛ لإيهامها أن الهيئة متحققة فى نفسها ووقعت عليها الحركة مع أن الهيئة هى هيئة تقارن الحركة مع غيرها أو هيئة اختلاف الحركة، وإنما قال أوضح لإمكان أن يجاب عن المصنف بأنه من مجىء العام فى الخاص كما مر (قوله: اعلم أن مما يزداد .. إلخ) لفظ" ما" فى قوله" مما يزداد" ليس عبارة عن وجه الشبه حتى يلزم فيه ما لزم فى

стр. 1613

دقة وسحرا أن يجئ فى الهيئات التى تقع عليها الحركات، والهيئة المقصودة فى التشبيه على وجهين: أحدهما: أن تقترن بغيرها من الأوصاف. والثانى: أن تجرد هيئة الحركة حتى لا يزاد عليها غيرها. === عبارة المصنف بل عبارة عن الأحوال أى: من الأحوال التى يزداد بها التشبيه دقة وسحرا هذه الحالة وهى مجىء التشبيه فى الهيئات التى توجد معها الحركات سواء كانت تلك الهيئات أطرافا للتشبيه أو كانت وجه شبه، فأنت ترى الشيخ جعل الدقة والسحر وصفا للتشبيه المشتمل على تلك الحالة أعنى كون طرفيه أو وجهة هيئة بخلاف المصنف فقد جعل ذلك وصفا لوجه الشبه، وأيضا كلام الشيخ يفيد أن الهيئة المركبة من الحركات تارة تقترن بغيرها وتارة لا تقترن، وكلام المصنف يفيد أن الهيئة إما مركبة من الحركات أو منها ومن غيرها، فعلى كلام الشيخ لا تكون الهيئة إلا من الحركات بخلاف كلام المصنف- تأمل. (قوله: دقة) أى: لطافة (وقوله: وسحرا) أى: تمييلا للعقول (قوله: أن يجىء) أى: التشبيه، وقوله: التى تقع عليها الحركات سواء كانت طرفا للتشبيه أو وجها له. (قوله: أن تقترن) أى: الحركات بغيرها من أوصاف الجسم فقد جعل الحركة مقترنة بأوصاف الجسم، والظاهر: أنه أراد أن تقترن هيئة الحركة بغيرها بدليل قوله: والثانى أن تجرد هيئة الحركة فيكون حاصل كلامه أن هيئة الحركة تارة تقترن فى الاعتبار بأوصاف الجسم، ويجعل المجموع وجه شبه أو طرفا وتارة تجرد عن غيرها وتجعل وحدها وجه شبه أو طرفا، والمصنف قد جعل المقترن بالأوصاف هو الحركة وجعل الهيئة مأخوذة من مجموع الأمرين كما هو المتبادر منه. قال الشيخ يس: فإن أراد المصنف بقوله أن يقرن بالحركة غيرها- أى: أن يقترن بهيئة الحركة غيرها- وافق كلام الشيخ، لكن يكون الإخبار بذلك عن الأحد مشكلا- فتأمل (قوله: أن تجرد هيئة الحركة) من وضع الظاهر موضع المضمر اعتناء بشأنه (وقوله: هيئة الحركة) أى: الهيئة المأخوذة من الحركات، فالمراد بالحركة الجنس المتحقق فى متعدد والمراد أن تجرد عن

стр. 1614

فالأول: (كما فى قوله (١): والشمس كالمرآة فى كف الأشلّ؛ من الهيئة) بيان لما فى قوله: كما (الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق حتى يرى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له) ... === أوصاف الجسم (وقوله: لا يزاد عليها غيرها) أى: من أوصاف الجسم (قوله: كما فى قوله) أى كوجه الشبه الذى فى قول القائل وهو ابن المعتز أو أبو النجم وتمامه: لما رأيتها بدت فوق الجبل (قوله: والشمس) أى: عند طلوعها (قوله: الأشلّ) الشلل هو يبس اليد أو ذهابها، والمراد هنا المرتعش؛ لأن عديم اليد أو يابسها لا يكون فى كفّه مرآة، ولأن المرآة إنما تؤدى الهيئة المقصودة فى كف المرتعش (قوله: من الاستدارة مع الإشراق) أى: من استدارة الجسم المصاحبة لإشراقه، أى: شعاعه، وكان الظاهر أن يضم إليه تموجه فيقول: من الاستدارة والحركة السريعة المتصلة مع الإشراق المتموج لكنه أخّره عن قوله: والحركة السريعة المتصلة؛ لأنه مسبب عنها. (قوله: والحركة) أى: ومع الحركة (وقوله: المتصلة) أى: المتتابعة (قوله: مع تموج الإشراق) أى: الشعاع أى: تدافع بعضه بعضا كتدافع الموج بسبب تلك الحركة (قوله: حتى يرى الشعاع) أى: المعبر عنه أولا بالإشراق فقد تفنّن فى التعبير، والمراد بالشعاع ما تراه من الشمس كالجبال مقبلا عليك أو ما تراه ممتدّا كالرماح بعيد الطلوع (قوله: كأنه يهمّ) بفتح الياء وضم الهاء، وبابه ردّ يقال همّ بكذا إذا قصد فعله وأراده، وإسناد الهم إلى الشعاع تجوّز أى: كأن ذلك الشعاع يريد الانبساط لوفور تموّجه (قوله: حتى يفيض) غاية للانبساط. من أفاض إذا خرج قال تعالى فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ (٢) أى: خرجتم منها، أو من فاض الوادى إذا سال أى: حتى يخرج من جوانب الدائرة أو يسيل من محله ويخرج من جوانب الدائرة (قوله: ثم يبدو له) أى:

стр. 1615

يقال: بدا له: إذا ندم، والمعنى: ظهر له رأى غير الأوّل (فيرجع) من الانبساط الذى بدا له (إلى الانقباض) كأنه يرجع من الجوانب إلى الوسط، فإن الشمس إذا أحدّ الإنسان النّظر إليها ليتبيّن جرمها وجدها مؤديّة لهذه الهيئة الموصوفة، وكذلك المرآة فى كفّ الأشلّ. === للشعاع، وفاعل يبدو ضمير عائد على مصدر الفعل أى: البداء، أو على الرأى المفهوم من قوة الكلام وهو عطف على قوله: يفيض، أو على قوله يهم أى: كأنه يهمّ بالانبساط، ثم يبدو له فيرجع عنه إلى الانقباض (قوله: يقال بدا له .. إلخ) هذا تفسير للفظ بحسب أصل اللغة، (وقوله: والمعنى: ظهر له) أى: للشعاع رأى .. إلخ بيان للمعنى المراد من اللفظ (قوله: فيرجع من الانبساط الذى بدا له) الأولى: فيرجع عن الانبساط الذى همّ به إلى الانقباض الذى بدا له وهو عطف على ما يبدو أى: فيتسبب عن البدو الرجوع (قوله: إلى الوسط) أى: وسط الدائرة (قوله: فإن الشمس .. إلخ) بيان لكون تلك الهيئة جامعا حاصلا فى الطرفين، وأشار بقوله: إذا أحدّ .. إلخ إلى أن الهيئة إنما تظهر فى الشمس بعد إحداد النظر إليها بخلاف المرآة فإنها تظهر فيها فى بادئ الرأى؛ فلذا جعلت الشمس مشبها والمرآة مشبها بها- قاله فى الأطول (قوله: ليتبين) أى: ليعلم (قوله: وجدها مؤديّة لهذه الهيئة) أى: لأن جرم الشمس مستدير وفيه حركة سريعة خيالية وفى شعاعها أيضا حركة خيالية، وإنما قلنا: خيالية؛ لأنا نقطع بأن حركة الشمس ليست على الاضطراب، بل هى من الجنوب إلى الشمال على سبيل التمهّل حتى إنها لولا ذلك التخييل لرؤيت كالثابتة، والشعاع المعبر عنه بالإشراق أجرام لطيفة منبسطة على ما يقابل الشمس هذا هو المحقق فى نفس الأمر، فالاضطراب والتموّج خيالىّ لكن التشبيه بالوجه الثابت بالتخيل صحيح- اه يعقوبى. (قوله: وكذلك المرآة فى كف الأشلّ) أى: مؤدية لهذه الهيئة فإنها مستديرة وفيها حركة دائمة متصلة سريعة حقيقية وإشراق متصل بها من شعاع الشمس، إلا أن ذلك الشعاع المتصل بها لا يتحقق فيه اضطراب إلى الجوانب والرجوع للوسط، بل المتحقق فيه الثبوت والاتصال مع اضطرابه وتموجه بدوام الحركة، وحينئذ فتحقيق وجه

стр. 1616

(و) الوجه (الثانى: أن تجرد) الحركة (عن غيرها) من الأوصاف (فهناك أيضا) يعنى: كما أنه لا بد فى الأول من أن يقترن بالحركة غيرها من الأوصاف فكذا فى الثانى (لا بد من اختلاط حركات) كثيرة للجسم (إلى جهات مختلفة) له كأن يتحرك بعضه إلى اليمين، وبعضه إلى الشمال، وبعضه إلى العلو، وبعضه إلى السفل ليتحقق التركيب، وإلا لكان وجه الشبه مفردا، وهو الحركة (فحركة الرحى والسهم لا تركيب فيها) لاتحادها (بخلاف حركة المصحف ... === الشبه فى المرآة على الوجه المذكور فى الشمس مبنىّ على التساهل، فلذا جعلت مشبها- اه يعقوبى. (قوله: أن تجرد الحركة عن غيرها من الأوصاف) أى: وتنتزع الهيئة من الحركات فقط (قوله: فهناك) أى: فى القسم الثانى وعبّر بإشارة البعيد؛ لأن المعنى معدوم خارجا فهو بعيد (قوله: أيضا) إلا بصيغة على ما قال الشارح فى مطلق التركيب لا فى خصوص التركيب من الحركات مع الصفات؛ لأن الثانى إنما فيه تركيب من الحركات المختلفة فقط بخلاف الأول فإن التركيب فيه من الحركة والصفات. وفى الأطول: إن معنى قوله أيضا أى: كما أنه لا بد فى هذا الثانى من حركات لا بدّ من كونها إلى جهات مختلفة. قال: وهذا أظهر مما فسّر به الشارح- وتأمله (قوله: يعنى كما أنه لا بد فى الأول من أن يقترن بالحركة غيرها) لم يعتبر فى الحركة هنا تعدّد فضلا عن الجمع فضلا عن الكثرة- قاله يس (قوله: لا بد من اختلاط) أى: اجتماع (قوله: كثيرة) أخذ الكثرة من تنوين حركات واعتبار الكثرة إنما هو لازدياد الدقة وإلا فمجرد التعدد كاف فى وجود تركيب الهيئة التى هى مناط الدقة (قوله: كأن يتحرك بعضه .. إلخ) أى: أو يتحرك تارة لليمين وتارة لليسار كما فى الأطول (قوله: ليتحقق .. إلخ) علة لقوله: لا بد من اختلاط حركات .. إلخ (قوله: وإلا لكان .. إلخ) أى: وإلا تكن الحركات المختلطة إلى جهات مختلفة بأن كانت الحركات المختلطة كلها لجهة واحدة. (قوله: لاتحادها) أى: لأن حركة كل منهما لجهة واحدة وجعل كل من الحركتين مفردة لا تركيب فيها إذا لم يلاحظ معها وصف الجسم من الاستقامة والاستدارة

стр. 1617

فى قوله (١): وكأنّ البرق فى مصحف قار) بحذف الهمزة، أى: قارئ (فانطباقا مرة وانفتاحا) أى: فينطبق انطباقا مرة، وينفتح انفتاحا أخرى، ... === وانتزاع الهيئة من المجموع، وإلا كان وجه الشبه مركبا كما مر (قوله: فى قوله) أى: قول القائل وهو ابن المعتز، وهذا البيت من قصيدة من المديد أولها: عرف الدار فحيّا وناحا ... بعد ما كان صحا واستراحا ظلّ يلحاه العذول ويأبى ... فى عنان العذل إلا جماحا علّمونى كيف أسلو وإلا ... فخذوا من مقلتىّ الملاحا من رأى برقا يضىء التماحا ... ثقب الليل سناه فلاحا وكأنّ البرق ... البيت، وبعده: لم يزل يلمع بالليل حتّى ... خلته نبّه فيه صباحا وكأن الرّعد فحل لقاح (*) ... كلّما يعجبه البرق صاحا (قوله: بحذف الهمزة) أى: بعد قلبها ياء، فالأصل قارئ فأبدلت الهمزة ياء، ثم أعل إعلال قاض- كذا فى الفنرى. (قوله: فانطباقا .. إلخ) الفاء لتعليل التشبيه المستفاد من كأن، أو اعتراضية لبيان وجه الشبه بين البرق والمصحف، وحاصل ما يفيده: أن وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من تقارن هذه الحركات المختلفة بحسب الجهات مع تكررها وهذه الهيئة حسية فى المصحف وتخييلية فى البرق، ثم إن الانطباق والانفتاح للسحاب الذى يخرج منه البرق؛ لأنه ينفتح فيخرج منه البرق، ثم ينطبق فليلتئم آخرا، وأما البرق فلا انفتاح فيه ولا انطباق، إلا أن يقال: المراد بانفتاحه ظهوره من خلال السحاب منتشرا ضوءه وانطباقه بانضمام أجزائه بحيث يضمحل عن الأبصار بالكلية، وبهذا ظهر لك وجه الشبه فى البرق؛ وذلك لأن الواقع فيه ظهور بالوجود وخفاء بالانعدام، فإذا وجد تخيل أن إشراقه لانفتاح أظهر باطنه، وإذا انعدم تخيل أن ثم باطنا خفى لانطباق فيه كما فى المصحف- تأمل.

стр. 1618

فإن فيها تركيبا؛ لأن المصحف يتحرك فى حالتى الانطباق والانفتاح إلى جهتين؛ فى كل حالة إلى جهة. (وقد يقع التركيب فى هيئة السكون ... === (قوله: فإن فيها تركيبا .. إلخ) علة لقوله: بخلاف حركة المصحف (قوله: لأن المصحف يتحرك) أى: يتحرك طرفاه فى حالتى .. إلخ (قوله: إلى جهتين) أى: جهة العلو وجهة السفل (قوله: فى كل حالة إلى جهة) ففى حالة الانطباق يتحرك إلى جهة العلو، وفى حالة الانفتاح يتحرك إلى جهة السفل، ولم ينظر لجهة اليمين والشمال وإلا لقال: فى كل حالة إلى ثلاث جهات، وتوضيح ذلك: أن المصحف فى كل من حالتى الانطباق، والانفتاح متحرك بعضه إلى اليمين وبعضه إلى الشمال ومجموعه متحرك إلى العلو فى حال الانطباق وإلى السفل فى حال الانفتاح، وحينئذ يكون تحركه فى حال الانطباق إلى ثلاث جهات: جهة اليمين وجهة اليسار باعتبار أبعاضه وجهة العلو باعتبار مجموعه، ويتحرك فى حال الانفتاح إلى ثلاث جهات أيضا: جهة اليمين وجهة اليسار باعتبار أبعاضه وجهة السفل باعتبار مجموعه، فقول الشارح: فى كل حالة إلى جهة أراد جهة العلو فى الانطباق وجهة السفل فى الانفتاح، فقد التفت لحركة مجموعه ولم يلتفت لحركة أبعاضه لجهة اليمين وجهة اليسار فى الانطباق والانفتاح، إلا أن يقال: إنه أراد بقوله" لجهة" جنس الجهة، أو أنه لاحظ اتحاد جهة السفل وجهة العلو مع جهة اليمين والشمال وإن اختلفتا بالاعتبار- تأمل- قرره شيخنا العدوى. (قوله: وقد يقع التركيب) أى: البديع. فأل للعهد الذكرى، والمراد بوقوع التركيب فى هيئة السكون: تحققه فيها من تحقق الكلىّ فى جزئيه أى: وقد يتحقق التركيب البديع فى هيئة السكون كما يتحقق فى هيئة الحركة، وأل فى السكون للجنس الصادق بالواحد والمتعدد، وسواء كانت تلك الهيئة طرفا للتشبيه أو وجه شبه، وأشار المصنف" بقد" إلى قلة ذلك بالنسبة إلى وقوع التركيب فى هيئة الحركات.

стр. 1619

كما فى قوله فى صفة كلب: يقعى ... === واعلم أن هيئة السكون على وجهين أيضا أحدهما: أن تكون الهيئة التركيبية منتزعة من السكون وحده مجردا عن غيره من أوصاف الجسم ولا بد أيضا من تعدد أفراد السكون. والثانى: أن يعتبر فى تلك الهيئة مع السكون غيره ولا يشترط فى هذا تعدد أفراد السكون، وقد مثل المصنف للوجه الأول. ومثال الثانى قول بعضهم يصف مصلوبا: كأنّه عاشق قد مدّ صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل (١) فقد اعتبر سكون عنقه وصفحته فى حال امتدادها واعتبر مع ذلك السكون صفة اصفرار الوجه بالموت؛ لأن تلك الهيئة موجودة فى العاشق المادّ عنقه وصفحته لوداع المعشوق (قوله: كما فى قوله) قال فى المطول أى: كوجه الشبه فى قول أبى الطيب المتنبى، ونازعه العصام فى الأطول: بأن" ما" واقعة على التركيب بشهادة سوق الكلام، وبيان المصنف لكلمة ما فإنه ذكر فى بيانه تركيب المشبه لا وجه الشبه، إذ الهيئة الحاصلة من موقع كل عضو من الكلب فى إقعائه هى المشبه، والهيئة الحاصلة من جلوس البدوى المصطلى وموقع كل عضو منه فى جلوسه المشبه به- اه. والحق أن كلام المصنف عامّ كما مر، والبيت ذكر على سبيل التمثيل فلا يخصص عموم الكلام (قوله: يقعى .. إلخ) (٢) هذا أول البيت وهو مقول القول، وتمامه: بأربع مجدولة لم تجدل أى: على أربع قوائم وهى يداه ورجلاه، وقوله مجدولة أى: محكمة الخلق من جدل الله أى: تقديره، وقوله لم تجدل أى: لم يجدلها ولم يفتلها الإنسان فلا تناقض لاختلاف الجهة لما علمت أن الجدل المثبت جدل الله أى: إحكامه وإتقانه، والجدل المنفى جدل الإنسان بمعنى فتله- كذا فى المطول، وقال فى الأطول: يحتمل أن يراد بنفى الجدل نفى جمعها كما يكون للكلب فى غير صورة الإقعاء، وحينئذ فالمعنى: وأربع مجموعة لا غير مجموعة، والغرض من تشبيه الكلب فى حال إقعائه

стр. 1620

أى: يجلس على أليتيه (جلوس البدوى المصطلى) من: اصطلى بالنار (من الهيئة الحاصلة من موقع كل عضو منه) أى: من الكلب (فى إقعائه) فإنه يكون لكل عضو منه فى الإقعاء موقع خاص، وللمجموع صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع، وكذلك صورة جلوس البدوى عند الاصطلاء بالنار الموقدة على الأرض. (و) المركب (العقلى) من وجه الشبه (كحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب فى استصحابه ... === بحالة البدوى المصطلى مدح الكلب بشدة الحراسة؛ لأن جلوسه على هذه الحالة فى الغالب إنما هو وقت الحراسة. (قوله: أى يجلس) أى: ذلك الكلب (قوله: جلوس) منصوب بيقعى لموافقته له فى المعنى كقعدت جلوسا أى: يجلس كجلوس، ويحتمل أن يقال: إن التقدير يجلس جلوسا كجلوس، فحذف المشبه وأداة التشبيه للدلالة عليهما وبقى المشبه به وخصّ البدوى بالذكر لغلبة الاصطلاء بالنار منه. (قوله: من اصطلى بالنار) أى: استدفأ بها (قوله: من موقع كل عضو) أى: فى وقوعه وسكونه فى موضعه فى حال إقعائه وليس الموقع هنا اسم مكان (قوله: فى الإقعاء) أى: فى حال الإقعاء (وقوله: موقع) أى: وقوع وسكون خاص (قوله: وللمجموع) أى: لمجموع الأعضاء (وقوله: صورة) أى: هيئة، (وقوله: مؤلفة من تلك المواقع) أى: الوقوعات والسكونات، وهذا محل الشاهد فإن الهيئة قد تركبت من سكونات. (قوله: وكذلك صورة جلوس البدوىّ) أى: فإنها مركبة من سكونات؛ لأن لكل عضو منه فى حال اصطلائه وقوعا خاصا ولمجموع أعضائه هيئة مؤلفة من تلك الوقوعات. (قوله: والمركب العقلى) هذا هو القسم الثانى من القسم الثانى وهو المركب المنزل منزلة الواحد، وقد تقدم أنه إما حسّى، وقد تقدم الكلام عليه. وإما عقلى: وهو ما ذكره هنا (قوله: كحرمان الانتفاع .. إلخ) الحاصل: أنه شبه فى هذه الآية مثل اليهود

стр. 1621

فى قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (١) جمع سفر ... === الذين حمّلوا التوراة أى: حالتهم وهى الهيئة المنتزعة من حملهم التوراة وكون محمولهم وعاء للعلم وعدم انتفاعهم بذلك المحمول، بمثل الحمار الذى يحمل الكتب الكبار أى: بحالته وهى الهيئة المنتزعة من حمله للكتب وكون محموله وعاء للعلم وعدم انتفاعه بذلك المحمول، والجامع حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب فى استصحابه وظاهر المصنف: أن وجه الشبه- وهو الجامع المذكور- مركب عقلى وفيه أن كونه عقليّا مسلّم، وكونه مركبا غير مسلّم لما تقدم أن المراد بالمركب فى وجه الشبه أو الطرفين الهيئة المنتزعة من عدة أمور، والحرمان المذكور ليس هيئة، وقد يجاب بأن قول المصنف كحرمان الانتفاع على حذف مضاف أى: كهيئة حرمان الانتفاع .. إلخ أى: كالهيئة الحاصلة من حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب، والطرفان مركبان عقليّان، وكذا وجه الشبه- قرر ذلك شيخنا العدوى، وقد يقال لا داعى لذلك بل الحرمان المذكور هيئة منتزعة من متعدد كما يأتى بيانه، ثم إن الحرمان مصدر حرمه الشىء كعلمه وضرّ به: منعه الشىء وهو مضاف لمفعوله الثانى، (وقوله: بأبلغ) صلة للانتفاع، وقوله مع متعلق بالحرمان، (وقوله: فى استصحابه به) صفة للتعب أى: الكائن فى استصحابه والضمير لأبلغ نافع (قوله: فى قوله تعالى .. إلخ) هو صفة للحرمان وفى الكلام حذف مضاف أى: كحرمان الانتفاع الواقع فى التشبيه الكائن فى قوله تعالى (قوله: مَثَلُ الَّذِينَ) أى: صفة اليهود الذين حمّلوا التوراة أى: تحملوها وكلّفوا العمل بما فيها من إظهار نعته- الصلاة والسّلام- عليه والإيمان به إذا جاء وغير ذلك، ثم لم يحملوها أى: لم يعملوا بجميع ما فيها حيث أخفوا نعته- ﵊ (وقوله: كمثل الحمار) أى: كحال الحمار وصفته، وجملة" يحمل أسفارا" حال من الحمار والعامل فى محلها النصب معنى المثل أو صفة للحمار، إذ ليس المراد منه حمارا معيّنا وعبر عن عدم العمل بعدم الحمل مشاكلة، أو لأنهم لما لم يعملوا بما فيها كأنهم لم يحملوها فجعل

стр. 1622

(بكسر السين)، وهو الكتاب؛ فإنه أمر عقلى منتزع من عدة أمور؛ لأنه روعى من الحمار فعل مخصوص هو الحمل، وأن يكون المحمول أوعية العلوم، وأن الحمار جاهل بما فيها، وكذا فى جانب المشبه. دقيقة فى الوجه المركب: (واعلم أنه قد ينتزع) وجه الشبه (من متعدد فيقع الخطأ لوجوب انتزاعه === حملهم كلا حمل لعدم عملهم (قوله: بكسر السين) أى: وسكون الفاء لا جمع سفر- بفتح السين والفاء-، إذ ليس المعنى كمثل الحمار يتحمل مشاقّ السفر (وقوله: وهو الكتاب) أى: الكبير كما فى القاموس (قوله: فإنه) أى: الحرمان المذكور (قوله: لأنه روعى من الحمار) أى: فى الحمار أى: فى صفته وهو المشبه به (قوله: جاهل بما فيها) أراد بجهل الحمار عدم انتفاعه؛ لأن الجهل- أى: عدم العلم- يستلزم عدم الانتفاع فذكر الملزوم وأراد اللازم، فاندفع ما يقال: إن الحمار لا يوصف بالجهل؛ لأنه عدم العلم عما من شأنه أن يعلم- أى: عما من شأن نوعه أن يعلم- ونوع الحمار شأنه لا يعلم. (قوله: وكذا فى جانب المشبه) أى: صفة اليهود فقد روعى فيها فعل مخصوص وهو الحمل المعنوى وكون المحمول أوعية العلم وكونهم جاهلين أى: غير منتفعين بما فيها، والحاصل: أنه قد روعى فى كلّ من الطرفين ثلاثة أمور وقد تقرر أن الطرفين إذا كان فيهما تركيب جاء وجه الشبه مركبا مرعيّا فيه ما يشير إلى ما اعتبر فى الطرفين، فأخذ حرمان الانتفاع الذى اشترك فيه الطرفان من الجهل المعتبر فيهما، وأخذ كون ما حرم الانتفاع به أبلغ نافع من اعتبار كون المحمول فيهما أوعية العلم التى هى أولى ما ينتفع به، وأخذ تحمل التعب فى الاستصحاب من اعتبار حملهم الأمر الغير الخفيف فيهما، ويجب أن يراد بالتعب مطلق المشقة على القوة الحيوانية الصادقة بالمحسوسة كما فى مشقة الحمار، وبالمعقولة كما فى مشقة اليهود، فقد ظهر لك أن حرمان الانتفاع بأبلغ نافع المصاحب لتحمل التعب فى استصحابه مركب عقلى منتزع من عدة أمور، وحينئذ فلا داعى لتقدير هيئة قبل حرمان فى كلام المصنف- تأمل. (قوله: أنه) أى: وجه الشبه (قوله: وقد ينتزع) أى: يلاحظ، (وقوله: لوجوب انتزاعه) أى: ملاحظته واستحضاره (قوله: فيقع الخطأ) أى: من المتكلم حيث لم يأت بما

стр. 1623

من أكثر) من ذلك المتعدد (كما إذا انتزع) وجه الشبه (من الشطر الأول من قوله (١): كما أبرقت قوما عطاشا) فى الأساس: أبرقت لى فلانة: إذا تحسنّت لك وتعرّضت، فالكلام هاهنا على حذف الجار، وإيصال الفعل؛ أى: أبرقت لقوم عطاش؛ جمع عطشان (غمامة فلمّا رأوها أقشعت وتجلّت) أى: تفرّقت وانكشفت، ... === يجب أو من السامع حيث لم يتحقق ما قصده المتكلم مما يجب (قوله: من أكثر من ذلك المتعدد) أى: فالاقتصار على ذلك المتعدد فى الأخذ يبطل به المعنى المراد (قوله: كما إذا انتزع من الشطر الأول) أى: مما اشتمل عليه الشطر الأول (قوله: كما أبرقت) الكاف: للتشبيه، و" ما" مصدرية، وأبرقت بمعنى ظهرت وتعرضت أى: حال هؤلاء القوم المذكورين فى الأبيات السابقة كحال إبراق أى: ظهور غمامة لقوم عطاش (قوله: عطاش) فى المختار عطش ضد روى وبابه طرب فهو عطشان وقوم عطشى بوزن سكرى وعطاشى بوزن حبالى وعطاش بالكسر (قوله: فى الأساس) كتاب فى اللغة للزمخشرى (قوله: إذا تحسّنت لك) أى: تقول ذلك إذا تزّينت لك (قوله: وتعرّضت) أى: ظهرت، وهذا محل الشاهد (قوله: فالكلام هاهنا .. إلخ) هذا تفريع على كلام الأساس أى: إذا علمت ذلك فالكلام هاهنا .. إلخ (قوله: وإيصال الفعل) أى: للمفعول وهو" قوما" بلا واسطة حرف فإن أبرق لا يتعدى إلا باللام كما علم من كلام الأساس، وقد حذفها الشاعر للضرورة وعدّى الفعل للمفعول (قوله: أى أبرقت) أى: الغمامة لقوم أى: ظهرت وتعرضت لهم (قوله: فما رأوها) أى: وقصدوها بالشرب منها كما يدل عليه فحوى الكلام (قوله: أقشعت) أى: اضمحلت وذهبت، وهو معنى تجلّت، فهو مرادف لما قبله. يقال: قشعت الريح السحاب أقشع أى: صار ذا قشع أى: ذهاب- اه.

стр. 1624

فانتزاع وجه الشبه من مجرّد قوله: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة- خطأ (لوجوب انتزاعه من الجميع) أعنى: جميع البيت (فإن المراد التشبيه) أى: تشبيه الحالة المذكورة فى الأبيات السابقة بحالة ظهور غمامة للقوم العطاش، ثم تفرقها وانكشافها، وبقائهم متحيرين (باتصال) أى: باعتبار اتصال؛ فالباء هاهنا مثلها ... === وفى يس: أن تفرقت تفسير لأقشعت (وقوله: وانكشفت) تفسير لتجلت فيفيد أن العطف مغاير (قوله: فانتزاع وجه الشبه .. إلخ) الحاصل: أن الشاعر قصد تشبيه الحالة المذكورة قبل هذا البيت وهى حال من ظهر له شىء وهو فى غاية الحاجة إلى ما فيه وبنفس ظهور ذلك الشىء انعدم وذهب ذهابا أوجب الإياس مما يرجيه- بحال قوم تعرضت لهم غمامة وهم فى غاية الاحتياج إلى ما فيها من الماء لشدة عطشهم وبمجرد ما تهيئوا للشرب منها تفرقت وذهبت، فإذا سمع السامع قول الشاعر: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة وتوهم أن ما يؤخذ منه يكفى فى التشبيه كان ذلك خطأ؛ لأن المأخوذ منه أن قوما ظهرت لهم غمامة وأن تلك الغمامة رجوا منها ما يشرب وأنهم فى غاية الحاجة لذلك الماء لعطشهم، فإذا انتزع ذلك المعنى من هذا الشطر كان حاصل التشبيه: أن الحالة الأولى كالحالة الثانية التى هى إبراق الغمامة لقوم .. إلخ فى كون كل منهما حالة فيها ظهور شىء لمن هو فى غاية الحاجة إلى ما فيه، وهذا خلاف المقصود للشاعر، وكذا لو فرض أن المتكلم اقتصر على هذا الشطر كان خطأ منه؛ لأن المعنى المفاد منه خلاف ما يناسب أن يراد فى التشبيه؛ لأن كل جزء من طرف له نظير من الطرف الآخر فإذا أسقط ما يؤخذ منه ذلك الوجه بطل اعتبار المجموع (قوله: أى باعتبار) أى: بواسطة اتصال ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس أى: ولا شك أن انتهاء الشىء المؤيس إنما يؤخذ من الشطر الثانى، وأشار الشارح بقوله: أى: باعتبار .. إلخ، إلى أن الباء فى قوله باتصال للآلة مثلها فى قوله: نجرت بالقدوم أى: بواسطته، وحينئذ فهى داخلة فى كلام المصنف على وجه الشبه لا أنها صلة للتشبيه كما فى قولك: شبهت زيدا بالأسد، وإلا لاقتضى أن اتصال ابتداء المطمع بانتهاء المؤيس مشبه به مع أن المشبه به هو حال ظهور الغمامة

стр. 1625

فى قولهم: التشبيه بالوجه العقلى أعم إذ الأمر المشترك فيه هاهنا هو اتصال (ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس) وهذا بخلاف التشبيهات المجتمعة؛ كما فى قولنا: زيد كالأسد، والسيف، والبحر. فإن القصد فيها إلى التشبيه بكل واحد من الأمور على حدة حتى لو حذف ذكر البعض لم يتغير حال الباقى فى إفادة معناه، بخلاف المركب؛ فإن المقصود منه يختل بإسقاط بعض الأمور. === للقوم العطاش (قوله: فى قولهم) أى: أهل هذا الفن (قوله: بالوجه العقلى) أى: باعتباره وبواسطته (وقوله: أعم) أى: من التشبيه بالوجه الحسى أى: باعتباره وبواسطته وذلك لما مرّ من أنه متى كان الوجه حسيّا فلا يكون الطرفان إلا حسيين، وأما إذا كان الوجه عقليّا فتارة يكونان حسيين، وتارة عقليين، وتارة مختلفين (قوله: ابتداء مطمع) أى: ابتداء شىء مطمع، وهذا مأخوذ من الشطر الأول وذلك كظهور السحابة للقوم العطاش فى المشبه به وظهور الأمر المحتاج لما فيه فى المشبه (وقوله: بانتهاء مؤيس) أى: شىء مؤيس، وهذا مأخوذ من الشطر الثانى، وذلك كتفرق السحابة وانجلائها فى المشبه به وزوال الأمر المرغوب لما فيه فى المشبه فمصدوق الشىء المؤيس تفرق السحابة، والمراد بانتهائه تمام ذلك التفرق، وإذا علمت أن التشبيه بواسطة الوجه المذكور- أعنى: اتصال ابتداء المطمع بانتهاء المؤيس- وجب انتزاعه من مجموع البيت وكان الانتزاع من الشطر الأول خطأ، لأنه لا يفيد ذلك المعنى بتمامه وذكر اتصال الابتداء بالانتهاء إشارة للسرعة وقصر ما بينهما (قوله: وهذا) أى: التشبيه المركب المذكور بخلاف التشبيهات المجتمعة، وحاصل ما ذكره من الفرق بينهما: أن الأول لا يجوز فيه حذف بعض ما اعتبره، وإلا اختلّ المعنى ولا تقديم بعض ما اعتبر على بعض بخلاف الثانى (قوله: زيد كالأسد والسيف والبحر) أى: فى الشجاعة والإضاءة والجود، والمراد بالتشبيهات المجتمعة التى يكون الغرض منها مجرد الاجتماع فى إفادة معناه- أعنى التشبيه المستقل- وفوات اجتماع الصفات فى المخبر عنه ليس تغييرا فى إفادة التشبيه، بل ذلك من عدم ذكر العطف- كما قاله عبد الحكيم. (قوله حتى لو حذف) تفريع على ما قبله، والمراد بالحذف لازمه وهو الترك، وليس المراد أنه ذكر ثم حذف.

стр. 1626

(والمتعدد الحسى كاللون، والطعم، والرائحة فى تشبيه فاكهة بأخرى و) المتعدد (العقلى كحدة النظر، وكمال الحذر، وإخفاء السفاد) أى: نزو الذكر على الأنثى (فى تشبيه طائر بالغراب و) المتعدد (المختلف) الذى بعضه حسى، وبعضه عقلى (كحسن الطلعة) الذى هو حسى (ونباهة الشأن) أى: شرفه، واشتهاره؛ الذى هو عقلى (فى تشبيه إنسان بالشمس) ففى المتعدد يقصد اشتراك الطرفين فى كل من الأمور المذكورة، ولا يعمد إلى انتزاع هيئة منها تشترك هى فيها. === (قوله: والمتعدد) أى: ووجه الشبه المتعدد الحسى، وقد مر أن وجه الشبه ثلاثة أقسام: واحد ومركب ومتعدد، ولما فرغ من الأوّلين شرع فى الثالث وهو إما حسى أو عقلى أو مختلف. (قوله: فى تشبيه فاكهة بأخرى) أى: كتشبيه التفاح الحامض بالسفرجل فى اللون والطعم والرائحة، وكتشبيه النبق بالتفاح فيما ذكر من الأمور الثلاثة، ولا شك أنها إنما تدرك بالحواس، فاللون بالبصر والطعم بالذوق والرائحة بالشم (قوله: كحدة النظر) أى: الموجبة لإدراك الخفيات؛ لأنها قوته أو سرعته أو جودته، وعلى كل حال فهى أمر عقلى (قوله: وكمال الحذر) أى: الموجب لكونه لا يؤخذ عن غرة، والحذر بوزن نظر: وهو الاحتراس من العدو (قوله: أى نزو الذكر على الأنثى) أى: وثوبه عليها، والنّزو- بفتح النون وسكون الزاى- مصدر نزا: كعدا. ويصح أن يكون مصدر نزا على وزن الفعول فهو كغدا بالغين المعجمة (وقوله: فى تشبيه طائر بالغراب) إنما قال طائر ولم يقل فى تشبيه إنسان بالغراب؛ لأن الإنسان أخفى منه سفادا- كذا قيل، وفيه بعد، لأن الإنسان قد يرى فى تلك الحالة والغراب قيل: إنه لم ير عليها قط، وفى المثل أخفى سفادا من الغراب حتى قيل إنه لا سفاد له معتاد، وإنما له إدخال منقره فى منقر الأنثى (قوله: كحسن الطلعة) المراد بالطلعة الوجه (قوله: الذى هو حسى) أى: لأن الحسن مجموع الشكل واللون وهو حسى؛ لأنهما مدركان بالبصر فكذلك الحسن الذى هو مجموعهما (قوله: ونباهة الشأن) مصدر نبه مثلثا كما رواه ابن طريف- قاله يس. (قوله: أى شرفه) أى: الشأن، وهذا تفسير للنباهة، (وقوله: واشتهاره) عطف تفسيرىّ بيّن به المراد من الشرف هنا، وقال سم فى حواشى المطول: الظاهر أن مجموع

стр. 1627

(واعلم أنه قد ينتزع الشبه) أى: التماثل؛ يقال: بينهما شبه- بالتحريك- أى: تشابه، والمراد به هاهنا ما به التشابه أعنى: وجه الشبه (من نفس التضاد لاشتراك الضدين فيه) أى: فى التضادّ؛ لكون كلّ منهما مضادّا للآخر ... === قوله شرفه واشتهاره تفسير لنباهة الشأن فليس مجرد أحدهما هو التفسير ولا أن الاشتهار تفسير للشرف، خلافا لما تقدم من تقرير شيخنا اللقانى، إذ ليس مجرد الاشتهار بدون الشرف نباهة إلا أن يراد الاشتهار بالشرف ومحصل ذلك: أن المجموع تفسير، ولا شك أن الشرف والاشتهار لا يدركان بالبصر ولا بغيره من الحواس وإنما يدركان بالعقل وإن كان سبب كلّ منهما قد يكون حسيّا (قوله: أنه) أى: الحال والشأن (قوله: أى التماثل) أشار به إلى أن الشبه- بفتح الشين والباء- اسم مصدر بمعنى التشابه والتماثل (قوله: أى تشابه) أى: تماثل (قوله: والمراد به هاهنا .. إلخ) أشار به إلى أنه ليس المراد بالشبه هنا المعنى المصدرى وهو التشابه بل ما يقع به التشابه من إطلاق المصدر على المفعول، إذ هو الذى يتعلق به الانتزاع (قوله: من نفس التضادّ .. إلخ) حاصله: أنا إذا قلنا: ما أشبه الجبان بالأسد فى الشجاعة أو زيد الجبان كالأسد فى الشجاعة كان وجه الشبه منتزعا من التضاد أى: من ذى التضاد أى: من المتضادّين؛ وذلك لأننا ننزل تضاد الجبن والشجاعة منزلة تناسبهما لأجل التمليح أو التهكم، فصار الجبن مناسبا للشجاعة وبمنزلتها؛ لأن التناسب التنزيلى مشترك بين الجبن والشجاعة ليكون كلّ منهما مناسبا للآخر وصار الجبان مناسبا للشجاع، فإذا شبهناه به صار كأنه قام به شجاعة، فإذا أخذ وجه الشبه منهما كان هو الشجاعة وإن كانت فى المشبه به حقيقة وفى المشبه ادّعاء وأخذ وجه الشبه من المتناسبين تنزيلا لا يخرج عن كونه مأخوذا من المتضادين فى الواقع؛ لأن التناسب تنزيلى إذا علمت هذا فقول المصنف قد ينتزع وجه الشبه من نفس التضاد أى: من ذى التضاد من غير ملاحظة أمر سوى التضاد بمعنى أن التضادّ يجعل وسيلة لجعل الشىء وجه شبه لا أنه يعتبر ما يتعلق بالتضاد كما تعتبر الهيئة المنتزعة من أشياء فيما تقدم؛ لأن هذا لا يصح هنا، والمراد بالتضاد التنافى سواء كان تضادّا وتناقضا أو شبه تضادّ، وإنما صح جعل التضاد وسيلة

стр. 1628

(ثم ينزل) التضاد (منزلة التناسب بواسطة تمليح) ... === لما ذكر لاشتراك الضدين اللذين هما الطرفان هنا فيه فلما اشتركا فيه صح أن يتخيل أن التضاد كالتناسب فينزل منزلته بواسطة أن كلّا منهما مشترك فيه فترتفع الضدية الكائنة بين الطرفين، فإن قلت: إذا كان الاشتراك فى التضاد كافيا فى أخذ الوجه المقتضى لنفى الضدية بواسطة تنزيل ذلك التضاد منزلة التناسب صح أن يقال: السماء كالأرض فى الانخفاض، والأرض كالسماء فى الارتفاع، والسواد كالبياض فى تفريق البصر، والبياض كالسواد فى عدمه، ونحو هذا مما لم يصح وروده عن البلغاء، وإنما قلنا بصحته ضرورة أن كل ذلك وجد فيه الاشتراك فى التضاد المصحح لتنزيله منزلة التناسب على ما مر. قلت: اعتبار الاشتراك لتصحيح أخذ الوجه بواسطة التنزيل المقتضى للمناسبة إنما هو لزيادة توجيه الصحة دفعا لاستغراب أخذ المناسبة من التضاد، وإلا فلا يكفى مجرد الاشتراك، وإلا لزم ما ذكر، بل لا بد فى صحة الأخذ من زيادة وجود تمليح أو تهكّم- كما أشار لذلك المصنف بقوله: بواسطة .. إلخ، وما ذكر من هذه الأمور ليس فيه تمليح ولا تهكّم. (قوله: ثم ينزل .. إلخ) المتبادر أنه عطف على قوله: ينتزع الشبه من نفس التضاد- وفيه نظر، فإن التنزيل سابق على انتزاع الوجه من المتضادين؛ لأن التضاد ينزل منزلة التناسب ثم ينتزع الوجه من الضدين لا أن التنزيل مفرع على الانتزاع كما توهمه عبارة المصنف، وأجيب بأن ثم للترتيب الإخبارى فكأنه قال قد ينتزع الشبه من نفس التضاد، ثم أخبرك أنه ينزل .. إلخ وإن كان التنزيل متقدما على الانتزاع، أو يقال: المراد بالانتزاع قصده أى: قد يقصد انتزاع الشبه من نفس التضاد، ثم ينزل .. إلخ لا يقال: هذا وإن أفادته جهة الترتيب، لكن لم تقع ثم فى موقعها، إذ المحل للفاء؛ لأنه لا تراخى بين القصد المذكور والتنزيل؛ لأنا نقول كما تكون ثم لتراخى أول المعطوف عن المعطوف عليه تكون لتراخى آخره والتنزيل منزلة التناسب إنما يتم بالتهكم والتمليح- كما أشار له بقوله: بواسطة تمليح أو تهكم فهو من تتمّته فتراخى

стр. 1629

أى: إتيان بما فيه ملاحة وظرافة. يقال: ملّح الشاعر إذا أتى بشىء مليح، وقال الإمام المرزوقى فى قول الحماسى: أتانى من أبى أنس وعيد ... فسلّ لغيظة الضحّاك جسمى (١) === التنزيل بآخره عن قصد الانتزاع، أو يجاب بأن قوله: ثم ينزل بالنصب بأن مضمره عطفا على قوله: لاشتراك من عطف الفعل على الاسم الخالص من التأويل بالفعل، فكأنه قال للاشتراك والتنزيل وعبر بثم لتباعد ما بينهما فإن الاشتراك حقيقىّ والتنزيل ادعائىّ محض (قوله: أى إتيان بما فيه ملاحة وظرافة) أى: من حيث إزالة السآمة والكدر عن السامع وجلب الانشراح له (قوله: ملّح الشاعر) بتشديد اللام ومصدره التمليح كفرّح بالتشديد تفريحا (قوله: وقال الإمام المرزوقى) القصد من نقل كلامه شيئان. الأول: الإشارة إلى أن" أو" فى قول المصنف بواسطة تمليح أو تهكم لمنع الخلو فتجوز الجمع، ووجه الإشارة من كلام المرزوقى إلى ذلك أنه عبر بالواو دون أو. الثانى: أفاد أن المقابل للهزؤ والتهكم هو التمليح بتقديم الميم أعنى الإتيان بكلام فيه ملاحة وظرافة لا التلميح الذى هو الإشارة إلى قصة أو شعر أو مثل، ووجه الإشارة من كلامه إلى ذلك أنه جعل البيت من قبيل التمليح، ومعلوم أنه ليس فيه إشارة إلى قصة أو شعر أو مثل فيعلم أن التمليح خلاف التلميح المفسر بما ذكر، وحينئذ فتكون تسوية الشارح العلّامة الشيرازى بينهما فاسدة، والإمام المرزوقى قدوة فيما يفهم من كلام العرب لممارسته له، فلا يصح أن يرد عليه جعل البيت من قبيل التمليح (قوله: أتانى .. إلخ) البيت لشقيق بن سليك الأسدى. والوعيد: التخويف، وسل على صيغة المبنى للمجهول وجسمى نائب الفاعل أى: ذاب أو أبلى بالسّلّ وهو مرض خاص، والغيظ: الغضب الكامن، وفى نسخة فسل تغير الضحاك جسمى وعلى هذه النسخة فسّل بالبناء للفاعل بمعنى أذاب وتغير الضحاك فاعل، وجسمى: مفعوله، والضحاك: اسم أبى أنس وعبّر بالظاهر موضع المضمر بيانا لعين المستهزأ به بذكر الاسم العلم تحقيرا لشأنه، وقيل

стр. 1630

إن قائل هذه الأبيات قد قصد بها الهزؤ والتمليح، وأما الإشارة إلى قصة، أو مثل، أو شعر؛ فإنما هو التلميح- بتقديم اللام على الميم- وسيجىء ذكره فى الخاتمة. والتسوية بينهما إنما وقعت من جهة العلامة الشيرازى- رحمه الله تعالى- وهو سهو. (أو تهكم) أى: سخرية واستهزاء (فيقال للجبان: ما أشبهه بالأسد، وللبخيل: هو حاتم) كل من المثالين صالح للتمليح، والتهكم، وإنما يفرق بينهما بحسب المقام؛ فإن كان القصد إلى ملاحة وظرافة دون استهزاء وسخرية بأحد فتمليح، وإلا فتهكم. === إن الضحاك اسم ملك من الملوك الماضية قتله الملك إفريزون أطلق على أبى أنس زيادة فى التهكم لتضمنه تشبيه به على وجه الهزؤ والسخرية أو التمليح، فكأنه قال: فسل جسمى من غيظ هذا الذى هو كالملك الفلانى، ولا يخفى ما فيه من الاستهزاء والتمليح (قوله: قصد بها الهزؤ والتمليح) أى: الاستهزاء بأبى أنس وإضحاك السامعين وإزالة الملل عنهم (قوله: فى الخاتمة) أى: خاتمة البديع (قوله: بينهما) أى: بين مقدم الميم ومؤخرها هنا؛ حيث فسر التمليح هنا بتقديم الميم بالإشارة إلى قصة أو مثل أو شعر وجعل ما أشبهه بالأسد إذا قيل للجبان مثالا للتهكم لا للتمليح، وجعل: هو حاتم مثالا للتمليح فقط. (قوله: وهو سهو) أى: من وجهين: - الأول: أن الإشارة إلى قصة أو شعر أو مثل إنما هو التمليح بتقديم اللام، وأما التمليح بتقديم الميم فهو الإتيان بما فيه ملاحة وظرافة. الأمر الثانى: أن قولنا للجوّاد هو حاتم ليس فيه إشارة لشىء من قصة حاتم فلا وجه لتعين جعله للتمليح على ما قال. (قوله: صالح للتمليح والتهكم) أى: صالح لكل منهما (قوله: وإلا فتهكم) ظاهره وإلا يكن كذلك وهو صادق بأن لا يقصد الملاحة والظرافة وإن كانا حاصلين وقصد ما بعدهما من الهزؤ والسخرية، وبما إذا لم يقصد شيئا، وبما إذا يقصد كلّا من الملاحة والظرافة والاستهزاء والسخرية، مع أنه لا يكون تهكما إلا فى الأولى، وأما فى الأخيرة فهو تهكم وتمليح، ثم إن قصد الشارح بيان مفهوم كل واحد على انفراده فلا ينافى اجتماعهما كما قلنا.

стр. 1631

وقد سبق إلى بعض الأوهام- نظرا إلى ظاهر اللفظ- أن وجه التشبيه- فى قولنا للجبان: هو أسد، وللبخيل: هو حاتم هو التضاد المشترك بين الطرفين باعتبار الوصفين المتضادين- وفيه نظر؛ لأنا إذا قلنا: الجبان كالأسد فى التضاد أى: فى كون كلّ منهما مضادّا للآخر لا يكون هذا من التمليح والتهكم فى شىء، كما إذا قلنا: السواد كالبياض فى اللونية، أو فى التقابل، ومعلوم أنا إذا أردنا التصريح بوجه الشبه فى قولنا للجبان: هو أسد- تمليحا، أو تهكما- لم يتأتّ لنا إلا أن نقول: فى الشجاعة، لكن الحاصل فى الجبان إنما هو ضد الشجاعة فنزلنا تضادّهما منزلة التناسب، وجعلنا الجبن بمنزلة الشجاعة على سبيل التمليح والهزؤ. === (قوله: نظرا إلى ظاهر اللفظ) أى: لفظ المصنف وهو قوله: اشتراك الضدين فيه، ونظرا: منصوب على التمييز، أو على الحال من بعض المضاف، أو من المضاف إليه لا مفعولا لأجله لعدم الاتحاد فى الفاعل؛ لأن فاعل سبق أن وجه الشبه وفاعل النظر ذلك المتوهم (قوله: هو التضاد) الجملة خبر أن (قوله: الوصفين المتضادين) وهما الجبن والشجاعة والكرم والبخل لا باعتبار حقيقتى الموصوفين (قوله: لا يكون هذا من التمليح والتهكم فى شىء) أى: وحينئذ لا حاجة لقول المصنف، ثم ينزل منزلة التناسب بل لا معنى له أصلا؛ لأنه خلاف الواقع وكذلك لا حاجة لقوله بواسطة تمليح أو تهكم، بل لا معنى له، بل لا معنى لقوله: قد ينتزع الشبه من نفس التضاد لاتحاد المنتزع والمنتزع منه ولا معنى له (قوله: كما إذا قلنا .. إلخ) تنظير بما قبله (قوله: ومعلوم .. إلخ) هذا ردّ آخر لما سبق لبعض الأوهام، وحاصله: أن وجه التشبيه يصح التصريح به والتضاد لا يصح التصريح به فى قولك تمليحا أو تهكما للجبان هو كالأسد، إذ لو قلت فى التضاد لخرجت عن مقام التمليح والتهكم، وإنما تقول فى مقامهما فى الشجاعة، (وقوله: لكن الحاصل .. إلخ) دفع لما يرد من أن وجه الشبه ما يشترك فيه الطرفان، والجبان ليس بشجاع فلا اشتراك، فكيف صح جعل الشجاعة وجه الشبه؟ وحاصل الدفع: أننا نزلنا تضادهما منزلة تناسبهما وجعلنا الجبن بمنزلة الشجاعة، فالجبان شجاع تنزيلا فجاء الاشتراك (قوله: تمليحا .. إلخ) أى: على وجه التمليح أو التهكم.

стр. 1632

[أداة التشبيه]: (وأداته) أى: أداة التشبيه (الكاف، وكأن) وقد تستعمل عند الظن بثبوت الخبر من غير قصد إلى التشبيه سواء كان الخبر جامدا، أو مشتقّا؛ نحو: كأن زيدا أخوك، وكأنه قائم (ومثل: وما فى معناه) مما يشتق من المماثلة ... === (قوله: وأداته) أى: آلته؛ لأن الأداة لغة الآلة سمى بها ما يتوصل به إلى التشبيه اسما كان أو فعلا أو حرفا (قوله: الكاف) قدمها؛ لأنها الأصل لبساطتها اتفاقا وتلزم الكاف إذا دخلت على أنّ المفتوحة كلمة" ما" فيقال: عمرو قائم كما أن زيدا قائم، ولا يقال: كأن زيدا قائم لئلّا يلتبس بكلمة كأن التى هى من أخوات إن (قوله: وكأن) قيل هى بسيطة، وقيل مركبة من الكاف ومن أن المشددة، والأقرب الأول لجمود الحروف مع وقوعها فيما لا يصح فيه التأويل بالمصدر المناسب؛ لأن المفتوحة وإن كان الثانى أشبه بحسب ما يظهر من صورة كأن (قوله: وقد تستعمل) أى: كأن عند الظن أى: ظن المتكلم ثبوت الخبر، و" قد" هنا للتقليل النسبى؛ لأن استعمالها للظن قليل بالنسبة لاستعمالها للتشبيه وإن كان كثيرا فى نفسه (قوله: سواء كان .. إلخ) تعميم فى استعمالها للظن؛ لأن استعمالها للتشبيه مقيد بما إذا كان خبرها جامدا على هذا القول، وحينئذ فهى فى المثالين المذكورين للظن لا للتشبيه، وإلا كان من تشبيه الشىء بنفسه، وما ذكره الشارح من استعمالها للتشبيه وللظن مطلقا، سواء كان الخبر جامدا أو مشتقا. ذكر فى المطول: أنه الحق، وأن استعمالها للظن مطلقا كثير فى كلام المولدين، ومقابله قول الزجاج: أنها للتشبيه إن كان الخبر جامدا نحو: كأن زيدا أسد، وللشك إن كان الخبر مشتقّا نحو: كأن زيدا قائم؛ وذلك لأن خبرها المشبه به فى المعنى هو المشبه والشىء لا يشبه بنفسه، وقول بعضهم: إنها للتشبيه مطلقا ولا تكون لغيره، وجعل مثل هذا- أعنى: كأن زيدا قائم- على حذف الموصوف أى: كأن زيدا شخص قائم، فلما حذف الموصوف وجعل الاسم بسبب التشبيه كأنه الخبر بعينه صار الضمير يعود إلى الاسم لا إلى الموصوف المقدر. (قوله: وما فى معناه) أى: وما معناه فيه، ففى الكلام قلب (قوله: مما يشتق من المماثلة) هذا بيان لما فى معنى مثل، وذلك: كتماثل زيد وعمرو، وماثل زيد عمرا، وزيد

стр. 1633

والمشابهة، وما يؤدى هذا المعنى (والأصل فى نحو الكاف) أى: فى الكاف، ونحوها كلفظ: نحو، ومثل، وشبه، بخلاف كأن، وتماثل، وتشابه (أن يليه المشبه به) لفظا؛ نحو: زيد كالأسد، أو تقديرا؛ نحو: قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ (١) على تقدير: أو كمثل ذى صيب (وقد يليه) أى: نحو: الكاف (غيره) === مماثل لعمرو (قوله: والمشابهة) أى: كتشابه زيد وعمرو، وشابه زيد عمرا، وزيد مشابه لعمرو، وزيد يشبه عمرا (قوله: وما يؤدى هذا المعنى) عطف على المماثلة أى: وما يشتق مما يؤدى هذا المعنى أى: التشبيه وذلك كالمشتق من المضاهاة والمقاربة والموازنة والمعادلة والمحاكاة، فإن المشتقات من هذه المصادر تفيد هذا المعنى الذى هو التشبيه نحو: زيد يضاهى أو يحاكى أو يقارب أو يعادل عمرا. قال العلامة اليعقوبى: والمتبادر أن هذه المشتقات كلها سواء كانت من المماثلة أو مما بعدها إنما تفيد الإخبار بمعناها، فقولك: زيد يشبه عمرا إخبار بالمشابهة كقولك: زيد يقوم؛ فإنه إخبار بالقيام وليس هناك أداة داخلة على المشبه به، ومثل هذا يلزم فى لفظ مثل، فعدّها من أدوات التشبيه لا يخلو عن مسامحة (قوله: والأصل) أى: الكثير الغالب (قوله: أى فى الكاف ونحوها) يريد أن الكلام على طريق الكناية كما تقرر فى قولك: مثلك لا يبخل، لا إن فى الكلام تقديرا؛ وذلك لأن الحكم إذا ثبت لمماثل الشىء ولما هو على أخص أوصافه كان ثابتا له، فإذا كان ما هو مثل الكاف حكمه كذا فالكاف الذى هو الأصل فيه حكمه كذا بطريق الأولى (قوله: كلفظ نحو) أى: من كل ما يدخل على المفرد كمشابه ومماثل، بخلاف ما يدخل على الجملة مثل كأن أو يكون جملة بنفسه كيشابه ويماثل ويضاهى، فإن هذه لا يليها المشبه به بل المشبه، فإذا قيل زيد يماثل عمرا كان الضمير المستتر الوالى للفعل هو المشبه والمشبه به عمرا المتأخر (قوله: لفظا) حال من المشبه به أى: حالة كونه ملفوظا به أو مقدرا (قوله: على تقدير، أو كمثل ذوى صيب) أى: فالمشبه به وهو مثل ذوى الصيب قد ولى الكاف

стр. 1634

أى: غير المشبه به (نحو: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ (١) ... الآية؛ إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا ... === والحال أنه مقدر، وإنما قدر ذوى الصيب؛ لأن الضمائر فى قوله: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ (٢) لا بد لها من مرجع وليس موجودا فى اللفظ، وإنما قدر مثل ليناسب المعطوف عليه أى: كمثل الذى استوقد نارا. والصيب المطر فيعلّ، من صاب نزل، ويطلق الصيب أيضا على السحاب، فإن أريد به فى الآية السحاب ففيه ظلمتان سحمته وتطبيقه منتظمة بهما ظلمة الليل، وكون الرعد والبرق فى السحاب واضح وإن أريد به المطر ففيه ظلمة تكاثفه وانثجاج السحاب بتتابع القطر مع ظلمة الليل، وأما الرعد والبرق فحيث كانا فى أعلاه ومصبّه ملتبسين به فى الجملة فهما فيه أيضا- قاله عبد الحكيم (قوله: أى غير المشبه به) أى: مما له دخل فى المشبه به وذلك إذا كان المشبه به هيئة منتزعة وذكر بعد الكاف بعض ما تنتزع منه الهيئة ولا خفاء فى كثرته، فالتقليل المستفاد من" قد" بالنسبة لإيلاء المشبه به ولا بدّ من تقييد الكلام بما إذا كان المشبه به مركبا لم يعبر عنه بمفرد دالّ عليه، وإنما قلنا ذلك احترازا عن نحو قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (٣) فإن المشبه به مركب لكن عبر عنه بمفرد يلى الكاف وهو المثل أعنى: الحالة والصفة العجيبة الشأن، فالحاصل: أن المشبه به إذا كان مركبا فإن عبر عنه بلفظ مفرد كلفظ المثل فقد ولى المشبه به الكاف وإن لم يعبر عنه بمفرد ولا اقتضى الحال تقديره، بل استغنى عنه بما فى ضمن مجموع اللفظ فلا يكون المشبه به واليا للكاف. (قوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أى: بيّن لهم حال وصفة الحياة الدنيا، فمثل مفعول اضرب (وقوله: كماء) خبر مبتدأ محذوف أى: هى كماء وهو استئناف بيانىّ كأنه قيل: بم أبينه؟ فقيل: هى كماء، وقيل: إن" اضرب" بمعنى اجعل وصيّر، وحينئذ فله مفعولان ثانيهما قوله كماء أى: صيّر لهم صفة الحياة الدنيا شبه ماء أنزلناه .. إلخ

стр. 1635

بالماء، ولا بمفرد آخر يتحمل تقديره، بل المراد تشبيه حالها فى نضارتها وبهجتها، وما يعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات الحاصل من الماء؛ يكون أخضر ناضرا شديد الخضرة ثم ييبس فتطيّره الرياح كأن لم يكن، ولا حاجة إلى تقدير: كمثل ماء؛ لأن المعتبر هو الكيفية الحاصلة من مضمون الكلام المذكور بعد الكاف، واعتبارها مستغن عن هذا التقدير. ومن زعم أن التقدير: كمثل ماء، وأن هذا مما يلى الكاف غير المشبه به بناء على أنه محذوف- ... === (قوله: بالماء) أى: حتى يكون مما ولى الكاف المشبه به لفظا (قوله: ولا بمفرد آخر يتحمل) أى: يتكلف تقديره بحيث يقال: إن الأصل نبات ماء ويكون مما ولى الكاف المشبه به تقديرا (قوله: بل المراد تشبيه حالها .. إلخ) أى: ووجه الشبه وجود الهلاك والتلف بأثر الإعجاب والاستحسان والانتفاع فى كلّ (قوله: فى نضارتها) من ظرفية الكلى فى الجزئى، أو فى بمعنى: من بيان لحالها (وقوله: وبهجتها) تفسير لما قبله (قوله: بحال النبات) أى: صفته، ولا شك أنه غير وال للكاف لفظا ولا تقديرا (وقوله: يكون أخضر) حال من النبات (وقوله: شديد الخضرة) تفسير لقوله: ناضرا (وقوله: ثم ييبس) تفسير ل هشيما فى الآية، (وقوله: فتطيره) تفسير لتذروه فيها أيضا (قوله: ولا حاجة .. إلخ) أى: حتى يكون المشبه به واليا للكاف تقديرا وعبارته توهم أن هذا التقدير جائز وإن كان لا حاجة إليه للاستغناء عنه بما ذكره من أن المعتبر .. إلخ- وفيه نظر؛ لأن المشبه به حينئذ صفة الماء الموصوف بتلك الصفات فيخالف قوله سابقا بل المراد تشبيه حالها أى: الدنيا بحال النبات فإنه نص فى أن المشبه به حال النبات لا حال الماء، والجواب: أن حالة الماء الموصوف بما ذكر فى الآية تؤول إلى صفة النبات التى ذكرها الشارح، وحينئذ فلا إشكال (قوله: الكيفية) أى: الصفة والحالة، (وقوله: الحاصلة من مضمون الكلام) أى: من مجموع الكلام الواقع بعد الكاف وهو النبات الناشئ من الماء واخضراره ثم يبوسته ثم تطيير الرياح له (قوله: مستغن عن هذا التقدير) أى: لفهمها من ذلك المضمون فوجود التقدير وعدمه سيّان (قوله: أن التقدير) أى: فى الآية كمثل ماء أى: وإن المشبه به مثل الماء (قوله: وأن هذا مما يلى الكاف غير المشبه به) أى: لأن المشبه به هو مثل

стр. 1636

فقد سها سهوا بيّنا؛ لأن المشبه به الذى يلى الكاف قد يكون ملفوظا به، وقد يكون محذوفا على ما صرح به فى الإيضاح. (وقد يذكر فعل ينبئ عنه) أى: عن التشبيه (كما فى: علمت زيدا أسدا ... === الماء والوالى للكاف نفس الماء فقوله بناء على إنه أى: المشبه به فى الآية محذوف وهو مثل راجع لقوله: وأن هذا مما يلى الكاف غير المشبه به، والحاصل: أن هذا الزاعم فهم أن المراد بقول المصنف والأصل فى الكاف ونحوه أن يليه المشبه به أى: فى اللفظ، وقوله وقد يليه غيره أى: فى اللفظ وإن كان واليا له فى التقدير وجعل الآية من هذا القبيل فقدر فيها مثل وجعله المشبه به، وحينئذ فهو وال للكاف فى التقدير لا فى اللفظ، وقد ظهر لك من قوله: وأن هذا .. إلخ: مغايرة قوله: ومن زعم .. إلخ لقوله: ولا حجة .. إلخ. (قوله: فقد سها) أى: من وجهين- الأول: أنا لا نسلّم أن المشبه به مثل الماء وصفته بل مثل النبات الناشئ من الماء، والثانى: أننا إذا سلّمنا أن المشبه به مثل الماء كما قال هذا الزاعم، فلا نسلّم أن الكاف فى هذه الآية قد وليها غير المشبه به بل الوالى لها- على كلامه- هو المشبه به؛ لأن المقدر عندهم كالملفوظ، وحينئذ فالمشبه به الذى يلى الكاف قد يكون ملفوظا وقد يكون مقدرا، والشارح اقتصر فى بيان السهو على الوجه الثانى، فإن قلت: هذا الثانى لا يرد على الزاعم إلا إذا كان يوافق على التعميم من قول المصنف أن يليه المشبه به بما يشمل المقدر ولم يخصه بالملفوظ وهو قد خصه بالملفوظ فلا يرد عليه. قلت: تخصيصه لا يصح مع تصريح المصنف فى الإيضاح- الذى هو كالشارح لهذا المتن- بأن موالاة المشبه به للكاف أعمّ من أن تكون لفظا أو تقديرا. (قوله: وقد يذكر فعل ينبئ عنه) أى: يدل عليه من غير ذكر أداة فيكون الفعل قائما مقامها، والمراد: فعل غير الأفعال الموضوعة من أصلها للدلالة على التشبيه كالأفعال المشتقة من المماثلة والمشابهة والمضاهاة .. إلى آخرها، وكان الأولى للمصنف أن يقول: وقد يذكر ما ينبئ عن التشبيه ليتناول" أنا عالم أن زيدا أسد" وزيد أسد حقّا- أو بلا شبهة، وكأن زيدا أسد إذا كانت كلمة كأن للظن- اه أطول.

стр. 1637

إن قرب) التشبيه وادّعى كمال المشابهة؛ لما فى: علمت من معنى التحقيق (وحسبت) زيدا أسدا (إن بعد) التشبيه؛ لما فى الحسبان من الإشعار بعدم التحقيق والتيقن، وفى كون مثل هذه الأفعال منبئا عن التشبيه نوع خفاء، والأظهر: أن الفعل ينبئ عن حال التشبيه فى القرب والبعد. === (قوله: إن قرب التشبيه) شرط فى مقدر. أى: وإنما يستعمل علمت لإفادة التشبيه أن قرب التشبيه أى: إن أريد إفادة قرب المشبه للمشبه به (قوله: وادّعى كمال المشابهة) عطف تفسير على قوله: إن قرب، والمراد: ادعى على وجه التيقن (قوله: لما فى علمت من معنى التحقيق) الإضافة بيانية، والمراد بالتحقيق التيقّن أى: لما فى علمت من الدلالة على تيقن الاتحاد وتحققه فيفيد المبالغة فى التشبيه لتيقن الاتحاد، وهذا يناسب الأمور الظاهرة البعيدة عن الخفاء. (قوله: إن بعد التشبيه) أى: أريد إفادة بعده وضعفه بأن تكون مشابهة المشبه للمشبه به ضعيفة لكون وجه الشبه خفيّا عن الإدراك (قوله: لما فى الحسبان من الإشعار بعدم التحقيق والتيقن) أى: وعدم التيقن؛ لأنه إنما يدل على الظن والرجحان فهو يشعر بأن تشبيهه بالأسد ليس بحيث يتيقن أنه هو بل يظن ذلك ويتخيل، ومن شأن البعيد عن الإدراك أن يكون إدراكه كذلك (قوله: وفى كون .. إلخ) هذا اعتراض وارد على قول المصنف وقد يذكر فعل ينبئ عنه، وحاصله: أنا لا نسلّم أن الفعل المذكور ينبئ عن التشبيه للقطع بأنه لا دلالة للعلم والحسبان على ذلك بل المنبئ عنه عدم صحة الحمل؛ لأنا نجزم أن الأسد لا يصح حمله على زيد وأنه إنما يكون على تقدير أداة التشبيه سواء ذكر الفعل أو لم يذكر كما فى قولنا: زيد أسد (قوله: والأظهر .. إلخ) أى: وحينئذ فيجاب عن المصنف بأن فى كلامه حذف مضاف أى: ينبئ عن حال التشبيه. هذا هو المراد كما هو المتبادر من قولنا: أنبأ فلان عن فلان فإن المتبادر منه أنه أظهر حالا من أحواله لا أنه تصوره، كذا قيل- وفيه نظر؛ لأن الكلام هنا بصدد ما ينبئ عن التشبيه لا ما ينبئ عن حاله، فلو كان مراد المصنف ذلك لأخّره إلى الكلام فى بحث أحوال التشبيه- تأمل.

стр. 1638

[الغرض من التشبيه]: (والغرض منه) أى: من التشبيه (فى الأغلب يعود إلى المشبه، وهو) أى: الغرض العائد إلى المشبه (بيان إمكانه) أى: المشبه، وذلك إذا كان أمرا غريبا يمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه (كما فى قوله: === (قوله: فى الأغلب) أى: أغلب الاستعمال يعود إلى المشبه لما كان التشبيه بمنزلة القياس فى ابتناء شىء على آخر كان الوجه أن يكون الغرض منه عائدا إلى المشبه الذى هو كالمقيس، ولذا كان عوده إليه أغلب وأكثر، وقوله: فى الأغلب مقابله ما يأتى فى قوله: وقد يعود إلى المشبه به، فإن قلت: ما يأتى يفيد أنه قليل، وتعبيره هنا بالأغلب يفيد أن الآتى غالب. قلت: القلة بالإضافة لا تنافى الغلبة. (قوله: بيان إمكانه) أى: بيان أن المشبه أمر ممكن الوجود (قوله: وذلك) أى: والسبب فى ذلك أى: فى بيان إمكانه (وقوله: إذا كان) أى: المشبه. (قوله: ويدعى امتناعه) أى: امتناعه الوقوعى من أجل غرابته فيؤتى بالتشبيه على طريق الدليل على إثباته (قوله: كما فى قوله) أى: كبيان إمكان المشبه الذى فى قول أبى الطيب المتنبى من قصيدته التى رثى بها والدة سيف الدولة بن حمدان، ومطلعها: نعدّ المشرفية والعوالى ... وتقتلنا المنون بلا قتال وترتبط السّوابق مقرنات (*) ... وما ينجين من خبب الليالى وهى طويلة، وقبل البيت قوله يخاطب سيف الدولة: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنّك مستقيم فى محال فإن تفق الأنام إلخ (١) ... : وقد أحسن بعضهم فى تضمين هذا البيت حيث قال: وقالوا بالعذار تسلّ عنه ... وما أنا عن غزال الحسن سالى وإن أبدت لنا خدّاه مسكا ... فإنّ المسك بعض دم الغزال

стр. 1639

فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال) (١) فإنه لما ادعى أن الممدوح قد فاق الناس حتى صار أصلا برأسه وجنسا بنفسه، وكان هذا فى الظاهر كالممتنع- احتج لهذه الدعوى، ... === (قوله: فإن تفق) أى: تعل بالشرف والأنام- قيل: هم الإنس والجن، وقيل: جميع ما على وجه الأرض، وأراد الشاعر الأنام الموجودين فى زمانه ومن تعميم الأنام يستفاد أنه صار بكونه فائقا لهم جنسا آخر بواسطة أن الداخل فى الجنس لا بد أن يساويه فرد منه غالبا (قوله: وأنت منهم) جملة حالية أى: والحال أنك منهم أى: بحسب الأصل؛ لأنك آدمىّ بالأصالة فلا ينافى دعوى صيرورته جنسا برأسه (قوله: فإن المسك .. إلخ) ليس جوابا للشرط الذى هو قوله: فإن تفق الأنام؛ لعدم الارتباط المعنوى وإنما هو علة للجواب أقيم مقامه والأصل فلا بعد فى ذلك؛ لأن المسك .. إلخ أى: إن خرجت عن جنسك بكمال أوصافك فلا بعد فى ذلك ولا استغراب؛ لأن المسك بعض دم الغزال وقد فاقه بكمال أوصافه، فحالك كحال المسك، فالشاعر لما ادّعى أن الممدوح فاق الناس فوقانا صار به كأنه جنس آخر وأصل مستقلّ برأسه، وكان فوقانه لهم على الوجه المذكور مما يمكن أن يدعى استحالته احتجّ لمدعاه بأن حالته مماثلة لحالة مسلّمة الإمكان لوقوعها، فشبه حالته بتلك الحالة فتبيّن أن حالته ممكنة. (قوله: فإنه) أى: الشاعر وهذا علّة لصحة التمثيل بالبيت لكون الغرض من التشبيه بيان إمكان المشبه. (قوله: حتى صار أصلا) أى: كأنه أصل (قوله: وجنسا بنفسه) أى: وجنسا مستقلّا بنفسه، وهذا مرادف لما قبله. (قوله وكان هذا) أى: ما ذكر من فوقان الممدوح جميع الأنام فوقانا صار به كأنه جنس مستقلّ بنفسه. (قوله: فى الظاهر) أى: فى بادئ الرأى قبل التأمّل فى الدلالة بل والالتفات للنظائر (قوله: احتجّ لهذه الدعوى) أى: أقام الحجة أى: الدليل على إثبات هذه الدعوى

стр. 1640

وبين إمكانها بأن شبه هذه الحال بحال المسك الذى هو من الدماء، ثم إنه لا يعد من الدماء لما فيه من الأوصاف الشريفة التى لا توجد فى الدم، وهذا التشبيه ضمنىّ، ومكنّى عنه. (أو حاله) عطف على إمكانه، أى: بيان حال المشبه بأنه على أىّ وصف من الأوصاف (كما فى تشبيه ثوب بآخر فى السواد) إذا علم السامع لون المشبه به دون المشبه. (أو مقدارها) أى: بيان مقدار حال المشبه فى القوة والضعف، والزيادة والنقصان ... === وهى فوقانه لهم على الوجه المذكور لدفع إنكارها لغرابتها (قوله: شبه هذه الحال) أى: الهيئة المأخوذة من فوقان الممدوح جميع الناس حتى صار كأنه أصل برأسه (وقوله: بحال المسك) أى: بالهيئة المأخوذة من فوقانه لجميع الدماء التى فى الغزال، فهو من تشبيه المركب بالمركب، والجامع فوقان الأصل فى كلّ. (قوله: ضمنىّ) أى: مدلول عليه باللازم؛ لأنه ذكر فى الكلام لازم التشبيه وهو وجه الشبه- أعنى: فوقان الأصل- وأراد الملزوم وهو التشبيه (فقوله: ومكنّى عنه) تفسير لما قبله، والحاصل: أن التشبيه لم يذكر صراحة بل كناية بذكر لازمه، وذكر بعضهم فى قول المطول: وليسمّ هذا التشبيه ضمنيّا ومكنيا عنه أنه إنما سمى ضمنيّا؛ لأنه يفهم من الكلام ضمنا وسمّى مكنيا عنه؛ لأنه مكنى أى: خفىّ ومستتر- وتأمله. (قوله: حال المشبه) أى: صفته (قوله: بأنه على أىّ وصف من الأوصاف) أى: هل هو متصف بالبياض أو السواد أو الحمرة مثلا؟ وهو متعلق ببيان أى: بيان حاله بجواب أنه على أىّ وصف .. إلخ (قوله: كما فى تشبيه .. إلخ) أى: كبيان الحال الذى فى تشبيه ثوب .. إلخ (قوله: فى السواد) أى: أو فى غيره من الألوان (قوله: إذا علم .. إلخ) شرط فى مقدر أى: وإنما يكون هذا التشبيه لبيان حال المشبه إذا علم .. إلخ، وأما لو كان حال المشبه معلوما له قبل التشبيه لم يكن ذلك التشبيه لبيان حال المشبه؛ لأنها مبيّنة ومعلومة وتبيين المبيّن عبث (قوله: أو مقدارها) أى: إذا علم السامع مقدار حال المشبه به دون المشبه وإنما ترك الشارح هذا القيد لظهوره مما ذكره أولا (قوله: أى بيان مقدار .. إلخ)

стр. 1641

أى: تشبيه الثوب الأسود (بالغراب فى شدته) أى: شدة السواد. (أو تقريرها) مرفوع عطفا على: بيان إمكانه، أى: تقرير حال المشبه فى نفس السامع، وتقوية شأنه (كما فى تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل === أى: كميتها (وقوله: كما فى تشبيهه) أى: كبيان المقدار فى تشبيهه (قوله: أى تشبيه الثوب الأسود) أى: المعلوم أصل سواده وإلا كان التشبيه لبيان أصل الحال لا لبيان مقدارها، وفى قول الشارح: أى: تشبيه الثوب الأسود إشارة إلى أن الضمير فى قول المصنف تشبيهه راجع للثوب الأسود المفهوم من قوله: فى السواد. (قوله: مرفوع) أى: لا مجرور. عطفا على مدخول البيان وهو الإمكان؛ لأن التقرير أخص من مطلق البيان، إذ هو بيان على وجه التمكن فلو جرّ لكان المعنى أو بيان البيان الخاص، ولا يخفى ما فى ذلك من العجرفة (قوله: أى تقرير حال المشبه) أى: وصفه الذى هو وجه الشبه القائم به (قوله: وتقوية شأنه) أى: المشبه والمراد بشأنه حاله، وهذا عطف على تقرير حاله مفسر له، واعلم أن تقرير حال المشبه فى نفس السامع إنما يفيده التشبيه إذا كان المشبه به حسيّا كان المشبه كذلك أو عقليّا كما يستفاد من كلام الشارح الآتى. (قوله: كما فى تشبيه .. إلخ) أى: كالتقرير الكائن فى تشبيه من لا يحصل .. إلخ، وذلك كأن يقال: فلان فى سعيه كالراقم على الماء بجامع عدم حصول الفائدة فى كلّ، فهذا التشبيه قرر وثبت حال فلان وهو عدم الفائدة فى ذهن السامع (قوله: من سعيه) أى: عمله أو كسبه (قوله: على طائل) الطائل: هو الفضل أو الفائدة. يقال: هذا أمر لا طائل فيه أى: لا فائدة فيه ولا فضل. مأخوذ من الطّول- بالفتح- وهو الفضل يقال: لفلان على فلان طول- بالفتح- أى: فضل وامتنان، و" على" يحتمل أن تكون زائدة فاعل يحصل كما فى قوله: إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد (*) يوما على من يتّكل ويحتمل أنها غير زائدة، وفاعل يحصل ضمير عائد على الموصول كما هو الظاهر وضمّن يحصل معنى يطلع- كذا فى الفنرى.

стр. 1642

بمن يرقم على الماء) فإنك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة، وتقوية شأنه ما لا تجده فى غيره؛ لأن الفكر بالحسيات أتم منه بالعقليات؛ لتقدم الحسيات، وفرط إلف النفس بها. === وفى عبد الحكيم: من لا يحصل من سعيه على طائل بمعنى: من لا يبقى لأجل سعيه على طائل، فعلى صلة يحصل كذا يستفاد من الأساس حيث قال: حصل عليه من حقّى كذا أى: بقى عليه منه كذا- اه. (قوله: بمن يرقم) بابه نصر أى: يخطط على الماء كان ذلك التخطيط كتبا أو تزويقا. (قوله: فإنك تجد) أى: تعلم (وقوله: فيه) أى: فى هذا التشبيه المخصوص (وقوله: من تقرير عدم الفائدة) أى: من تقرير المتكلم عدم الفائدة الذى هو حال المشبه (وقوله: وتقوية شأنه) أى: شأن عدم الفائدة الذى هو الحال. (قوله: ما لم تجده) مفعول تجد أى: شيئا لا تجده فى غيره أى: من التشبيه بالمعقول (قوله: لأن الفكر) هو فى الأصل التأمّل، والمراد به هنا الجزم أى: لأن الجزم بالأمور الحسية أتمّ من الجزم بالأمور العقلية والشىء وإن كان معلوما يقينا كحال المشبه إلا أن تمثيله بالمحسوس يفيد زيادة قوة؛ لأن الإلف بالمحسوسات أتم منه بالعقليات (قوله: لتقدم الحسيات) علة للأتميّة أى: لتقدم الحسيات فى الحصول عند النفس على العقليات؛ لأن النفس فى مبدأ الفطرة خالية عن العلوم، ثم بعد إحساسها بالجزئيات بواسطة الآلات وتنبهها لما بينها من المشاركات والمباينات إجمالا يحصل لها علوم كلية هى العقليات (قوله: وفرط) أى: شدة إلف النفس بها ومما يؤيد ما ذكره الشارح أنك لو أردت وصف يوم بالطول، فقلت: هذا يوم كأنه لا آخر له. لم يكن فى تأثيره فى النفس طول ذلك اليوم مثل قول الشاعر حيث شبهه بالمحسوس. ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله ... دم الزّقّ عنّا واصطكاك المزاهر (١)

стр. 1643

(وهذه) الأغراض (الأربعة تقتضى أن يكون وجه الشبه فى المشبه به أتمّ، وهو به أشهر) أى: وأن يكون المشبه به بوجه الشبه أشهر وأعرف؛ ظاهر هذه العبارة: أن كلّا من الأربعة يقتضى الأتميّة والأشهريّة، لكن التحقيق أن بيان الإمكان، وبيان الحال لا يقتضيان إلا الأشهريّة ... === وكذلك إذا قلت فى وصفه بالقصر يوم كلمح البصر، أو كأنه ساعة لم يكن فى تأثيره فى النفس قصر ذلك اليوم مثل قولك: يوم كإبهام القطاة حيث شبهه بمحسوس (قوله: الأربعة) أى: بيان الإمكان والحال والمقدار والتقرير (قوله: تقتضى) أى: تستلزم وتوجب (قوله: أتم) أى: أقوى، واعلم أن الأتميّة والأشهرية ولو باعتبار ما عند المخاطب بالتشبيه؛ لأن الأمر يتفاوت بحسب الرسوم والعادات، فقلّما يوجد وصف لأمر يعمّ اشتهاره عند كل الناس- قاله الفنرى. (قوله: أتم) أى: منه فى المشبه (وقوله: وهو به أشهر) أى: عند السامع وإن لم يكن أشهر فى الواقع (وقوله: به) يحتمل أنه حال من الضمير فى أشهر أى: أشهر هو فى حال كونه ملتبسا به، أو حال كونه فيه، على أن الباء بمعنى فى. (قوله: أى وأن يكون .. إلخ) أشار بهذا إلى أن قوله وهو به: عطف على اسم يكون وهو وجه الشبه، وأشهر عطف على خبرها والضمير المرفوع راجع للمشبه به ولذا أبرزه، وليست الجملة من المبتدأ والخبر واقعة موقع الحال، إذ المقصود أن هذه الأغراض تقتضى الأمرين لا أنها تقتضى الأتمية فى حال كونه أشهر، ثم إن الأشهرية كناية عن الأعرفية ومعنى الأعرف الأشد معرفة أى: إذا كان المشبه معروفا بوجه الشبه يكون المشبه به أشد معرفة به منه (قوله: ظاهر هذه العبارة .. إلخ) ويمكن الجواب بأن مراد المصنف: أن مجموع الأغراض الأربعة يقتضى الأمرين، ويرتكب التوزيع فترجع الأشهرية لما يقتضيها وهو الجميع، وترجع الأتمية لما يقتضيها وهو التقرير، وليس المراد: أن كل واحد من الأغراض الأربعة يقتضى الأتمية والأشهرية معا كما هو معنى الاعتراض (قوله: أن كلّا من الأربعة) أى: أن كل واحد من هذه الأغراض الأربعة (قوله: لا يقتضيان) أى: لا يستلزمان (قوله: إلا الأشهرية) أى: شدة المعرفة لا الأتمية

стр. 1644

ليصح القياس، ويتم الاحتجاج فى الأول، ويعلم الحال فى الثانى، وكذا بيان المقدار لا يقتضى الأتمية، بل يقتضى أن يكون المشبه به على حد مقدار المشبه، لا أزيد، ولا أنقص؛ ليتعين مقدار المشبه على ما هو عليه، ... === (قوله: ليصح القياس) أى: الإلحاق فيهما (قوله: ويتم الاحتجاج فى الأول) أى: وهو بيان الإمكان، وقوله: ويعلم الحال فى الثانى أى: وهو بيان الحال لامتناع تعريف المجهول بالمجهول إن كان المشبه به أخفى معرفة بوجه الشبه من المشبه وبما يساويه إن ساواه فى المعرفة، وتوضيح ما ذكره من أن بيان الإمكان والحال إنما يقتضيان الأشهرية دون الأتمية: أن المطلوب فى بيان الإمكان إنما هو مجرد وقوع وجه الشبه فى الخارج فى ضمن المشبه به ليفيد عدم الاستحالة، وغاية ما يقتضى ذلك مجرد العلم بالوجود الخارجى ليسلم الإمكان ولا يتوقف الإمكان على الأتمية؛ لأن مطلق وقوع الحقيقة فى فرد ما يكفى فى إمكانها فإذا قلت: إنك فى خروجك عن أهل جنسك كالمسك- كفى فى المراد العلم بخروج المسك عن جنسه ولا يطلب كونه أتم منك فى الخروج، بل ربما يوجب ذلك تقصيرا فى المدح فصح التشبيه ولو كنت أتم منه فى الخروج، وأما بيان الحال فالغرض- كما تقدم- أن المخاطب جاهل به طالب لمجرد تصوره وذلك يكفى فيه كونه معروفا فى المشبه به ليفيد معرفته فى المشبه، فإذا قيل ما لون ثوبك المشترى؟ قلت: كهذا، فيحصل الغرض بمجرد العلم بكون هذا له سواد؛ لأن ذلك هو المطلوب ولا يتوقف على كون هذا أتم فى السواد؛ لأنه زائد على مطلق التصور، والزائد على مطلق التصور غير مطلوب (قوله: بيان المقدار) أى: مقدار حال المشبه (قوله: بل يقتضى أن يكون المشبه به) أى: مع كونه أعرف وأشهر بوجه الشبه (قوله: على حد) أى: نهاية مقدار المشبه أى: أن يكون مساويا للمشبه فى وجه الشبه لا أزيد منه ولا أنقص، ولو قال الشارح على حد .. إلخ، وأن يكون أشهر لكان أحسن ليتضح به قوله: ليتعين مقدار المشبه كل الاتضاح ليوافق صنيع هنا صنيع ما قبله وصنيع ما بعده. (قوله: ليتعين) أى: عند المخاطب (وقوله: مقدار المشبه) أى: فى وجه الشبه، (وقوله: على ما هو عليه) أى: فى نفس الأمر. وتوضيح ذلك: أن التشبيه الذى قصد به بيان

стр. 1645

وأما تقرير الحال فيقتضى الأمرين جميعا؛ لأن النفس إلى الأتم والأشهر أميل، فالتشبيه به بزيادة التقرير والتقوية أجدر. (أو تزيينه) مرفوع عطفا على: بيان إمكانه، أى: تزيين المشبه فى عين السامع (كما فى تشبيه وجه أسود ... === مقدار حال المشبه المخاطب به يعرف الحال فى المشبه وطالب لبيان مقدار تلك الحال فلا بدّ أن يكون الوجه الذى هو الحال المطلوب مقداره فى المشبه به على قدره فى المشبه من غير زيادة ولا نقصان وإلا لزم الكذب والخلل فى الكلام، فإنه إذا قيل: كيف بياض الثوب الذى اشتريته والحال أنه فى مرتبة التوسط أو التسفل فى البياض وقلت هو كالثلج ليكون وجه الشبه فى المشبه به أتم؟ كان الكلام كذبا. (قوله: وأما تقرير الحال) أى: حال المشبه (قوله: الأمرين) أى: الأتمية والأشهرية معا. (قوله: لأن النفس إلى الأتم) أى: إلى المشبه به الأتم أميل (قوله: فالتشبيه به) أى: بالأتم الأشهر، وهو مبتدأ خبره أجدر (وقوله: بزيادة) متعلق بأجدر، والباء فيه للسببية، والمعنى: فالتشبيه به أولى من التشبيه بالخالى من الأتمية والأشهرية بسبب إفادته زيادة التقرير أى: التقرير الزائد فى نفسه والتقوية، وحينئذ فتقرير الحال مقتض للأمرين، وتوضيح ذلك: أن المراد من تقرير حال المشبه تمكن حال ذلك الحال فى نفس السامع بحيث تطمئن إليه، ولا يمكن لها مدافعة فيه بالوهم لغرض من الأغراض كالتنفير عن السعى بلا فائدة، فإن صاحبه ربما يدافع بوهمه عدم حصول الفائدة بتوهم الحصول، فإذا ألحق له بالرقم على الماء الذى لا يمكن مدافعة عدم الحصول فيه لقوته فيه وظهوره تحقق عند النفس فى الأول كما تحقق فى الثانى، فتقع نفرته عن ذلك السعى، وقد تقرر أن تحقق الشىء بالأقوى والأظهر مع قصد ذلك التحقق واجب؛ لأن الأضعف سبيل للتساهل فيه والتغافل عن مقتضاه ودفاعه عن النفس بإثبات ضده وهما. (قوله: أو تزيينه) أى: جعله ذا زينة بأن يصوره للسامع بما يزيّنه ويحسّنه، فيخيّل السامع حينئذ حسن المشبه فإذا تخيّله كذلك كان ذلك داعيا لرغبته فيه (قوله: عطفا على بيان إمكانه) أى: لا بالجر. عطفا على إمكانه (قوله: فى عين السامع) أى: لأجل ترغيبه فيه لكونه يصوّره له بصورة حسنة تدرك بالعين.

стр. 1646

بمقلة الظبى، أو تشويهه) أى: تقبيحه (كما فى تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة) جمع: ديك (أو استطرافه) أى: عدّ المشبه طريفا حديثا بديعا === قال العصام: وكان الأولى أن يقول: أى: تزيين المشبه عند السامع لأجل أن يشمل تشبيه صوت حسن بصوت داود وتشبيه جلد ناعم بالحرير وتشبيه نكهة شخص بريح المسك وتشبيه طعم البطيخ بالعسل، وعلى هذا فالمراد بتزيينه تصويره للسامع بصورة حسنة سواء كانت تدرك بالعين أو بغيرها (قوله: بمقلة الظبى) أى: التى سوادها مستحسن طبعا وهى الشحمة التى تجمع السواد والبياض، فالسواد الكائن فى مقلة الظبى أوجب لها حسنا؛ لأن السواد فى العين حسن بالجبلة وذلك لما يلازمه من الصفاء العجيب والاستدارة مع إحاطة لون مخالف له غالبا من نفس العين أو خارجها، فلما شبه الوجه الأسود بالمقلة المذكورة صار مصوّرا للسامع بصورة حسنة. قال فى الأطول: والتشبيه مبنىّ على ما قال الأصمعى من أن عين الظبى وبقر الوحش فى حال الحياة كلها سواد وإنما يظهر فيها البياض مع السواد بعد الموت (قوله: أى تقبيحه) أى: لأجل أن ينفر المخاطب عنه (قوله: كما فى تشبيه) أى: كالتشويه الذى فى تشبيه (قوله: مجدور) أى: عليه آثار الجدرىّ (قوله: بسلحة) بحاء مهملة أى: عذرة جامدة أى: يابسة (قوله: نقرتها) أى: نقبتها بالمنقار فى حال رطوبتها، وقوله الدّيكة- بكسر الدال وفتح الياء- جمع ديك، والديكة تطلق على الدجاج، وفى لفظ" قد" إشعار بأن أثر النقر باق فى السلحة؛ لأنه يزول بطول الزمان، وإنما أشعر ببقائه؛ لأنه للتقريب، ووصف السلحة بالجمود ليتم الشبه بلزوم تلك الحفر وتقررها كما فى الوجه المجدور والجامع بين الطرفين الهيئة الحاصلة من شكل الحفر وما أحاط بها، ووجه تقبيح المشبه فى هذا التشبيه: أن المشبه به وهو السلحة المذكورة صورتها فى غاية القباحة، فلما ألحق بها الوجه المجدور تخيل قبحه ولو كان فيه حسن باستقامة رسومه وأعضائه وسار مظهرا فى أقبح صورة لأجل التنفير عنه. (قوله: استطرافه) بالطاء المهملة من استطرفت الشىء اتخذته طريفا أى: جديدا والمال الطريف هو المقابل للقديم، وحينئذ فالمراد باستطراف المشبه: جعله جديدا بديعا لأجل الاستلذاذ به؛ لأن لكل جديد لذة ووجه جعله جديدا: أنه أظهر ملتبسا بوصف أمر غريب

стр. 1647

(كما فى تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب لإبرازه) أى: إنما استطرف المشبه فى هذا التشبيه لإبراز المشبه (فى صورة الممتنع عادة) وإن كان ممكنا عقلا، ولا يخفى أن الممتنع عادة مستطرف غريب ... === مستحدث لم يعهد على ما يأتى، ويحتمل أن يكون بالظاء المشالة، وحينئذ فالمراد باستظرافه جعله ظريفا أى: جميلا حسنا بالوجه المذكور وكلام الشارح يشير إلى الأول (فقوله: أى: عد المشبه طريفا) المراد بعده طريفا جعله كذلك، (وقوله: حديثا) بمعنى جديدا تفسير لما قبله وكذا قوله بديعا (قوله: كما فى تشبيه) أى: كالاستطراف الذى فى تشبيه .. إلخ (قوله: فحم) هو كنهر ونهر وكأمير الجمر المطفأ (قوله: فيه جمر موقد) فى القاموس: الجمر النار المتقدة، وحينئذ فلا حاجة إلى قوله موقد، والمراد تشبيه فحم سرت النار فيه سريانا يتوهم منه الاضطراب كاضطراب الموج (قوله: ببحر من المسك) أى: الذائب (وقوله: موجه الذهب) أى: الذائب، وإنما قلنا المسك الذائب والذهب الذائب؛ لأن البحر لا يتصور بصورة الجامد ووجه الشبه: هو الهيئة الحاصلة من وجود شىء مضطرب مائل إلى الحمرة فى وسط شىء أسود (قوله: لإبرازه) متعلق بمفهوم ما فإنه عبارة عن استطراف أو تشبيه والشارح جعله متعلقا بمحذوف، حيث قال: أى: إنما استطرف .. إلخ، وهو غير متعين- قاله فى الأطول. (قوله: لإبراز المشبه) أى: مع كونه مبتذلا (قوله: فى صورة الممتنع) أى: وهو البحر من المسك الذى موجه الذهب، والمراد بإبرازه فى صورته إبرازه بصفته حيث ألحق به؛ لأنه لما ألحق به نقل وصفه وهو الامتناع إليه، ولا شك أن إبراز الشىء المبتذل فى صورة الممنوع يتخيل أنه كهو، وهذا موجب لغاية الاستطراف؛ لأن الفحم يتخيل فيه صورة المسك الذائب وإن كان غير ذائب، والجمر وإن لم يكن ذائبا يتخيل فيه صورة الذهب الذائب المتموج، وإنما قلنا المسك الذائب والذهب الذائب؛ لأن ذلك هو المشبه به كما علمت، ومما زاد به استطراف المشبه هنا كونه شيئا تافها محتقرا أظهر فى وصف شىء رفيع لا تصل إليه الأثمان. (قوله: وإن كان ممكنا عقلا) بأن يذوب المسك مع كثرته جدّا حتى يعد بحرا ويذاب الذهب ويجعل فيه ويكون موجا له (قوله: ولا يخفى أن الممتنع عادة) أى: صيرورة الواقع المبتذل ممتنعا عادة مستطرف (وقوله: غريب) تفسير لما قبله.

стр. 1648

(وللاستطراف وجه آخر) غير الإبراز فى صورة الممتنع عادة (وهو أن يكون المشبه به نادر الحضور فى الذهن؛ إما مطلقا، كما مر) فى تشبيه فحم فيه جمر موقد (وإما عند حضور المشبه؛ كما فى قوله: ... === (قوله: وللاستطراف) أى: المطلق لا الاستطراف فى خصوص المثال المذكور، ولذا لم يأت بالضمير لتبادر الذهن منه إلى الاستطراف فى المثال المذكور، والحاصل: أن الاستطراف من حيث هو له وجهان- الأول: إبراز المشبه فى صورة الممتنع فى الخارج. والثانى: إبرازه فى صورة النادر الحضور فى الذهن وهما مفهومان مختلفان، والثانى أعمّ فيلزم من كون الشىء ممتنع الحصول فى الخارج ندرة حضوره فى الذهن دون العكس، فكلما أبرز المشبه للسامع بصورة أحدهما حصل الاستطراف (قوله: نادر الحضور فى الذهن) أى: لأن ندرة الحضور موجبة لغرابة ذلك النادر ولكل غريب لذة، وإذا شبه غير النادر بالنادر المستطرف انتقل وصف الندرة لذلك المشبه وصار مبرزا فى صورته أى: بصفته فينجرّ الاستطراف إليه (قوله: إما مطلقا) أى: ندورا مطلقا من غير تقييد بحالة حضور المشبه فى الذهن أى: عند حضور المشبه فى الذهن وعند عدمه (قوله: كما مر فى تشبيه .. إلخ) من هذا تعلم أن الاستطراف فى تشبيه الفحم الذى فيه جمر موقد بالبحر من المسك الذى موجه الذهب له جهتان: إبراز المشبه فى صورة الممتنع وإبرازه فى صورة النادر الحضور، ولا منافاة بين الجهتين، وتقدم لك وجه ثالث للاستطراف فى التشبيه المذكور. (قوله: وإما عند حضور المشبه) أى: وإما أن تكون تلك الندرة حاصلة فى المشبه به عند حضور المشبه لا مطلقا لكون المشبه به مشاهدا معتادا، لكن مواطنه غير مواطن المشبه لكون كل منهما من واد غير وادى الآخر فيبعد حضور أحدهما فى الذهن عند حضور الآخر. (قوله: كما فى قوله) أى: كندرة حضور المشبه به عند حضور المشبه فى قول أبى العتاهية يصف البنفسج- كذا فى المطول، وفى شرح الشواهد: أن هذين البيتين لابن الرومى وقبلهما:

стр. 1649

ولازوردية) يعنى: البنفسج (تزهو) قال الجوهرى فى الصحاح: زهى الرجل فهو مزهو: إذا تكبر. وفيه لغة أخرى حكاها ابن دريد: زها يزهو زهوا (بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت) (١) يعنى: الأزهار والشقائق الحمر ... === بنفسج جمعت أوراقه فحكى ... كحلا تشرّب دمعا يوم تشتيت (قوله: ولازوردية) الواو واو رب، ولا: من بنية الكلمة، لا نافية، وهو بكسر الزاى المعجمة الخالصة- معرب. لازوردية بالزاء الغليظة وهى المشربة شيئا؛ لأنها لا تستعمل فى لغة العرب، وبفتح الواو وسكون الراء المهملة، واللازوردية صفة لمحذوف أى: رب أزهار من البنفسج لازوردية، نسبها الشاعر للحجر المعروف باللّازورد لكونها على لونه فهى نسبة تشبيهية (قوله: يعنى البنفسج) هو بوزن سفرجل كما ضبطه شيخنا العدوى (قوله: تزهو) أى: تتكبر. ونسبة التكبر للبنفسج تجوّز، والمراد أن لها علوّا وارتفاعا فى نفسها (قوله: قال الجوهرى .. إلخ) أشار بهذا إلى أن زهى من الأفعال الملازمة للبناء للمفعول وإن كان المعنى للبناء للفاعل فيقال زهى الرجل كما يقال جنّ الرجل وعنى بالأمر ونتجت الناقة (قوله: وفيه لغة أخرى .. إلخ) حاصلها: أنه يجوز استعمال زها مبنيّا للفاعل لفظا وما فى البيت وارد على هذه اللغة، إذ لو كان واردا على اللغة الأولى لقيل تزهى- بضم أوله وفتح ثالثه- إذ هو مضارع زهى المبنى للمجهول (قوله: بزرقتها) الباء للسببية إن كانت الزرقة راجحة على الحمرة عند القائل أو بمعنى مع إن كانت مرجوحة عنده، والمعنى حينئذ على التعجب من تكبرها (قوله: بين الرياض) حال من ضمير تزهو، والرياض جمع روض وهو البستان. قال العصام: ولا يبعد أن يكون قصد به معنى علانية أى: أنها تزهو علانية لا على وجه الخفاء (قوله: على حمر اليواقيت) صلة لتزهو وهو من إضافة الصفة للموصوف (قوله: يعنى الأزهار والشقائق) أى: شقائق النعمان وعطف الشقائق على ما قبله من

стр. 1650

(كأنّها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النّار فى أطراف كبريت) فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها فى الذهن ندرة حضور بحر من المسك موجه الذهب، لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج فيستطرف بمشاهدة ... === عطف الخاص على العام، والحمر نعت للأزهار والشقائق، وأشار بهذا إلى أنه استعار اليواقيت الحمر للأزهار الحمر كالورد والشقائق، والمعنى: أنها تزهو وتتكبر على الأزهار الحمر الشبيهة باليواقيت الحمر وهذا غير متعين، إذ يجوز أن يكون أراد اليواقيت الحمر نفسها أى: أنها تزهو على اليواقيت الحمر الحقيقية، إلا أن المناسب للبنفسج المعنى الأول، ولذا اقتصر الشارح عليه (قوله: كأنها) أى: اللازوردية بمعنى البنفسجة وعنى بها رأسها من الأوراق، وأما أحاطت به لا مع الساق بدليل قوله: فوق قامات (قوله: فوق قامات) أى: ساقات وهو حال من اسم كأن وجمعها مع أن البنفسجة فوق ساق واحد باعتبار الأفراد (قوله ضعفن بها) أى: ضعفن عن تحملها؛ لأن ساقها فى غاية الضعف واللين، أو ضعفن بسببها لثقلها وطول مكثها فوقه، وإنما قال ضعفن؛ لأن الساق الذى عليه البنفسج إذا طال انحنى (قوله: أوائل النار) خبر كأنها أى: النار المتصلة بالكبريت التى تضرب إلى الزرقة لا الشعلة المرتفعة، وإنما قيد بأوائل؛ لأن النار متى طال مقامها فى الكبريت وتمكنت منه، واشتعلت: احمرّت وصفت وزال ما فيها من الزرقة، ولهذا قيد أيضا بقوله: فى أطراف، ولم يقل: فى كبريت؛ لأن أوائل النار الواقعة فى أواسط الكبريت لا فى أطرافه لا زرقة فيها- قاله يس (قوله: لا يندر حضورها فى الذهن) أى: لأن الناس يستعملون فى الغالب الكبريت فى النار عند إيقادها (قوله: لكن يندر حضورها .. إلخ) لأن الإنسان إذا خطر البنفسج بباله لا تخطر بباله النار لا سيما فى أطراف الكبريت لما بينهما من غاية البعد؛ لأن البنفسج جرم ندى ونور رياضى والنار جرم حارّ يابس ديارى، فإذا خطر البنفسج فى الذهن فإنما ينتقل منه عند إرادة التشبيه لما يضاهيه من جنس الأزهار؛ لأنه هو الذى يخطر بالبال عند خطور البنفسج (قوله: فيستطرف) أى: المشبه وهو صورة البنفسج بسبب مشاهدة أى: بسبب ندرة مشاهدة المعانقة والاتصال،
следующие страницы →