← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

بمقلة الظبى، أو تشويهه) أى: تقبيحه (كما فى تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة) جمع: ديك (أو استطرافه) أى: عدّ المشبه طريفا حديثا بديعا === قال العصام: وكان الأولى أن يقول: أى: تزيين المشبه عند السامع لأجل أن يشمل تشبيه صوت حسن بصوت داود وتشبيه جلد ناعم بالحرير وتشبيه نكهة شخص بريح المسك وتشبيه طعم البطيخ بالعسل، وعلى هذا فالمراد بتزيينه تصويره للسامع بصورة حسنة سواء كانت تدرك بالعين أو بغيرها (قوله: بمقلة الظبى) أى: التى سوادها مستحسن طبعا وهى الشحمة التى تجمع السواد والبياض، فالسواد الكائن فى مقلة الظبى أوجب لها حسنا؛ لأن السواد فى العين حسن بالجبلة وذلك لما يلازمه من الصفاء العجيب والاستدارة مع إحاطة لون مخالف له غالبا من نفس العين أو خارجها، فلما شبه الوجه الأسود بالمقلة المذكورة صار مصوّرا للسامع بصورة حسنة. قال فى الأطول: والتشبيه مبنىّ على ما قال الأصمعى من أن عين الظبى وبقر الوحش فى حال الحياة كلها سواد وإنما يظهر فيها البياض مع السواد بعد الموت (قوله: أى تقبيحه) أى: لأجل أن ينفر المخاطب عنه (قوله: كما فى تشبيه) أى: كالتشويه الذى فى تشبيه (قوله: مجدور) أى: عليه آثار الجدرىّ (قوله: بسلحة) بحاء مهملة أى: عذرة جامدة أى: يابسة (قوله: نقرتها) أى: نقبتها بالمنقار فى حال رطوبتها، وقوله الدّيكة- بكسر الدال وفتح الياء- جمع ديك، والديكة تطلق على الدجاج، وفى لفظ" قد" إشعار بأن أثر النقر باق فى السلحة؛ لأنه يزول بطول الزمان، وإنما أشعر ببقائه؛ لأنه للتقريب، ووصف السلحة بالجمود ليتم الشبه بلزوم تلك الحفر وتقررها كما فى الوجه المجدور والجامع بين الطرفين الهيئة الحاصلة من شكل الحفر وما أحاط بها، ووجه تقبيح المشبه فى هذا التشبيه: أن المشبه به وهو السلحة المذكورة صورتها فى غاية القباحة، فلما ألحق بها الوجه المجدور تخيل قبحه ولو كان فيه حسن باستقامة رسومه وأعضائه وسار مظهرا فى أقبح صورة لأجل التنفير عنه. (قوله: استطرافه) بالطاء المهملة من استطرفت الشىء اتخذته طريفا أى: جديدا والمال الطريف هو المقابل للقديم، وحينئذ فالمراد باستطراف المشبه: جعله جديدا بديعا لأجل الاستلذاذ به؛ لأن لكل جديد لذة ووجه جعله جديدا: أنه أظهر ملتبسا بوصف أمر غريب

стр. 1647

(كما فى تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب لإبرازه) أى: إنما استطرف المشبه فى هذا التشبيه لإبراز المشبه (فى صورة الممتنع عادة) وإن كان ممكنا عقلا، ولا يخفى أن الممتنع عادة مستطرف غريب ... === مستحدث لم يعهد على ما يأتى، ويحتمل أن يكون بالظاء المشالة، وحينئذ فالمراد باستظرافه جعله ظريفا أى: جميلا حسنا بالوجه المذكور وكلام الشارح يشير إلى الأول (فقوله: أى: عد المشبه طريفا) المراد بعده طريفا جعله كذلك، (وقوله: حديثا) بمعنى جديدا تفسير لما قبله وكذا قوله بديعا (قوله: كما فى تشبيه) أى: كالاستطراف الذى فى تشبيه .. إلخ (قوله: فحم) هو كنهر ونهر وكأمير الجمر المطفأ (قوله: فيه جمر موقد) فى القاموس: الجمر النار المتقدة، وحينئذ فلا حاجة إلى قوله موقد، والمراد تشبيه فحم سرت النار فيه سريانا يتوهم منه الاضطراب كاضطراب الموج (قوله: ببحر من المسك) أى: الذائب (وقوله: موجه الذهب) أى: الذائب، وإنما قلنا المسك الذائب والذهب الذائب؛ لأن البحر لا يتصور بصورة الجامد ووجه الشبه: هو الهيئة الحاصلة من وجود شىء مضطرب مائل إلى الحمرة فى وسط شىء أسود (قوله: لإبرازه) متعلق بمفهوم ما فإنه عبارة عن استطراف أو تشبيه والشارح جعله متعلقا بمحذوف، حيث قال: أى: إنما استطرف .. إلخ، وهو غير متعين- قاله فى الأطول. (قوله: لإبراز المشبه) أى: مع كونه مبتذلا (قوله: فى صورة الممتنع) أى: وهو البحر من المسك الذى موجه الذهب، والمراد بإبرازه فى صورته إبرازه بصفته حيث ألحق به؛ لأنه لما ألحق به نقل وصفه وهو الامتناع إليه، ولا شك أن إبراز الشىء المبتذل فى صورة الممنوع يتخيل أنه كهو، وهذا موجب لغاية الاستطراف؛ لأن الفحم يتخيل فيه صورة المسك الذائب وإن كان غير ذائب، والجمر وإن لم يكن ذائبا يتخيل فيه صورة الذهب الذائب المتموج، وإنما قلنا المسك الذائب والذهب الذائب؛ لأن ذلك هو المشبه به كما علمت، ومما زاد به استطراف المشبه هنا كونه شيئا تافها محتقرا أظهر فى وصف شىء رفيع لا تصل إليه الأثمان. (قوله: وإن كان ممكنا عقلا) بأن يذوب المسك مع كثرته جدّا حتى يعد بحرا ويذاب الذهب ويجعل فيه ويكون موجا له (قوله: ولا يخفى أن الممتنع عادة) أى: صيرورة الواقع المبتذل ممتنعا عادة مستطرف (وقوله: غريب) تفسير لما قبله.

стр. 1648

(وللاستطراف وجه آخر) غير الإبراز فى صورة الممتنع عادة (وهو أن يكون المشبه به نادر الحضور فى الذهن؛ إما مطلقا، كما مر) فى تشبيه فحم فيه جمر موقد (وإما عند حضور المشبه؛ كما فى قوله: ... === (قوله: وللاستطراف) أى: المطلق لا الاستطراف فى خصوص المثال المذكور، ولذا لم يأت بالضمير لتبادر الذهن منه إلى الاستطراف فى المثال المذكور، والحاصل: أن الاستطراف من حيث هو له وجهان- الأول: إبراز المشبه فى صورة الممتنع فى الخارج. والثانى: إبرازه فى صورة النادر الحضور فى الذهن وهما مفهومان مختلفان، والثانى أعمّ فيلزم من كون الشىء ممتنع الحصول فى الخارج ندرة حضوره فى الذهن دون العكس، فكلما أبرز المشبه للسامع بصورة أحدهما حصل الاستطراف (قوله: نادر الحضور فى الذهن) أى: لأن ندرة الحضور موجبة لغرابة ذلك النادر ولكل غريب لذة، وإذا شبه غير النادر بالنادر المستطرف انتقل وصف الندرة لذلك المشبه وصار مبرزا فى صورته أى: بصفته فينجرّ الاستطراف إليه (قوله: إما مطلقا) أى: ندورا مطلقا من غير تقييد بحالة حضور المشبه فى الذهن أى: عند حضور المشبه فى الذهن وعند عدمه (قوله: كما مر فى تشبيه .. إلخ) من هذا تعلم أن الاستطراف فى تشبيه الفحم الذى فيه جمر موقد بالبحر من المسك الذى موجه الذهب له جهتان: إبراز المشبه فى صورة الممتنع وإبرازه فى صورة النادر الحضور، ولا منافاة بين الجهتين، وتقدم لك وجه ثالث للاستطراف فى التشبيه المذكور. (قوله: وإما عند حضور المشبه) أى: وإما أن تكون تلك الندرة حاصلة فى المشبه به عند حضور المشبه لا مطلقا لكون المشبه به مشاهدا معتادا، لكن مواطنه غير مواطن المشبه لكون كل منهما من واد غير وادى الآخر فيبعد حضور أحدهما فى الذهن عند حضور الآخر. (قوله: كما فى قوله) أى: كندرة حضور المشبه به عند حضور المشبه فى قول أبى العتاهية يصف البنفسج- كذا فى المطول، وفى شرح الشواهد: أن هذين البيتين لابن الرومى وقبلهما:

стр. 1649

ولازوردية) يعنى: البنفسج (تزهو) قال الجوهرى فى الصحاح: زهى الرجل فهو مزهو: إذا تكبر. وفيه لغة أخرى حكاها ابن دريد: زها يزهو زهوا (بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت) (١) يعنى: الأزهار والشقائق الحمر ... === بنفسج جمعت أوراقه فحكى ... كحلا تشرّب دمعا يوم تشتيت (قوله: ولازوردية) الواو واو رب، ولا: من بنية الكلمة، لا نافية، وهو بكسر الزاى المعجمة الخالصة- معرب. لازوردية بالزاء الغليظة وهى المشربة شيئا؛ لأنها لا تستعمل فى لغة العرب، وبفتح الواو وسكون الراء المهملة، واللازوردية صفة لمحذوف أى: رب أزهار من البنفسج لازوردية، نسبها الشاعر للحجر المعروف باللّازورد لكونها على لونه فهى نسبة تشبيهية (قوله: يعنى البنفسج) هو بوزن سفرجل كما ضبطه شيخنا العدوى (قوله: تزهو) أى: تتكبر. ونسبة التكبر للبنفسج تجوّز، والمراد أن لها علوّا وارتفاعا فى نفسها (قوله: قال الجوهرى .. إلخ) أشار بهذا إلى أن زهى من الأفعال الملازمة للبناء للمفعول وإن كان المعنى للبناء للفاعل فيقال زهى الرجل كما يقال جنّ الرجل وعنى بالأمر ونتجت الناقة (قوله: وفيه لغة أخرى .. إلخ) حاصلها: أنه يجوز استعمال زها مبنيّا للفاعل لفظا وما فى البيت وارد على هذه اللغة، إذ لو كان واردا على اللغة الأولى لقيل تزهى- بضم أوله وفتح ثالثه- إذ هو مضارع زهى المبنى للمجهول (قوله: بزرقتها) الباء للسببية إن كانت الزرقة راجحة على الحمرة عند القائل أو بمعنى مع إن كانت مرجوحة عنده، والمعنى حينئذ على التعجب من تكبرها (قوله: بين الرياض) حال من ضمير تزهو، والرياض جمع روض وهو البستان. قال العصام: ولا يبعد أن يكون قصد به معنى علانية أى: أنها تزهو علانية لا على وجه الخفاء (قوله: على حمر اليواقيت) صلة لتزهو وهو من إضافة الصفة للموصوف (قوله: يعنى الأزهار والشقائق) أى: شقائق النعمان وعطف الشقائق على ما قبله من

стр. 1650

(كأنّها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النّار فى أطراف كبريت) فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها فى الذهن ندرة حضور بحر من المسك موجه الذهب، لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج فيستطرف بمشاهدة ... === عطف الخاص على العام، والحمر نعت للأزهار والشقائق، وأشار بهذا إلى أنه استعار اليواقيت الحمر للأزهار الحمر كالورد والشقائق، والمعنى: أنها تزهو وتتكبر على الأزهار الحمر الشبيهة باليواقيت الحمر وهذا غير متعين، إذ يجوز أن يكون أراد اليواقيت الحمر نفسها أى: أنها تزهو على اليواقيت الحمر الحقيقية، إلا أن المناسب للبنفسج المعنى الأول، ولذا اقتصر الشارح عليه (قوله: كأنها) أى: اللازوردية بمعنى البنفسجة وعنى بها رأسها من الأوراق، وأما أحاطت به لا مع الساق بدليل قوله: فوق قامات (قوله: فوق قامات) أى: ساقات وهو حال من اسم كأن وجمعها مع أن البنفسجة فوق ساق واحد باعتبار الأفراد (قوله ضعفن بها) أى: ضعفن عن تحملها؛ لأن ساقها فى غاية الضعف واللين، أو ضعفن بسببها لثقلها وطول مكثها فوقه، وإنما قال ضعفن؛ لأن الساق الذى عليه البنفسج إذا طال انحنى (قوله: أوائل النار) خبر كأنها أى: النار المتصلة بالكبريت التى تضرب إلى الزرقة لا الشعلة المرتفعة، وإنما قيد بأوائل؛ لأن النار متى طال مقامها فى الكبريت وتمكنت منه، واشتعلت: احمرّت وصفت وزال ما فيها من الزرقة، ولهذا قيد أيضا بقوله: فى أطراف، ولم يقل: فى كبريت؛ لأن أوائل النار الواقعة فى أواسط الكبريت لا فى أطرافه لا زرقة فيها- قاله يس (قوله: لا يندر حضورها فى الذهن) أى: لأن الناس يستعملون فى الغالب الكبريت فى النار عند إيقادها (قوله: لكن يندر حضورها .. إلخ) لأن الإنسان إذا خطر البنفسج بباله لا تخطر بباله النار لا سيما فى أطراف الكبريت لما بينهما من غاية البعد؛ لأن البنفسج جرم ندى ونور رياضى والنار جرم حارّ يابس ديارى، فإذا خطر البنفسج فى الذهن فإنما ينتقل منه عند إرادة التشبيه لما يضاهيه من جنس الأزهار؛ لأنه هو الذى يخطر بالبال عند خطور البنفسج (قوله: فيستطرف) أى: المشبه وهو صورة البنفسج بسبب مشاهدة أى: بسبب ندرة مشاهدة المعانقة والاتصال،

стр. 1651

عناق بين صورتين متباعدتين. (وقد يعود) الغرض من التشبيه (إلى المشبه به، وهو ضربان- أحدهما: إيهام أنه أتم من المشبه) فى وجه الشبه (وذلك فى التشبيه المقلوب) الذى يجعل فيه الناقص مشبها به قصدا إلى ادعاء أنه أكمل ... === والجمع بين صورتين متباعدتين وهما صورة البنفسج وصورة اتصال النار بأوائل الكبريت، والحاصل: أن بين صورة البنفسج وصورة اتصال النار بأوائل الكبريت غاية البعد فعند حضور أحدهما فى الذهن يبعد حضور الآخر، فإحضار أحدهما مع الآخر فى غاية الندور، وحينئذ فالاستطراف فى التشبيه المذكور من حيث إنه حقق فيه المعانقة بين صورتين بينهما غاية المباعدة لا يقال الاستطراف لأجل المعانقة المذكورة يعم الطرفين؛ لأنا نقول لما كان الكلام المشتمل على التشبيه مسوقا للمشبه كان المعتدّ به هنا استطرافه (قوله: عناق) بكسر العين المهملة بمعنى المعانقة والضم. قال فى الخلاصة: (١) لفاعل الفعال والمفاعلة. (قوله: وهو ضربان) الضمير للغرض العائد على المشبه به (قوله: أحدهما) أى: وهو الكثير الشائع (قوله: إيهام .. إلخ) أى: إيقاع المتكلم فى وهم السامع أى: ذهنه أن المشبه به أتمّ من المشبه فى وجه الشبه أى: مع أنه ليس كذلك فى الواقع (قوله: وذلك) أى: الإيهام الذى هو الغرض (قوله: الذى يجعل .. إلخ) تفسير للتشبيه المقلوب (قوله: الناقص) أى: فى نفس الأمر مشبها به أى: ويجعل فيه الكامل فى نفس الأمر مشبها، فإذا جعل كذلك وقع فى وهم السامع أن المشبه به الناقص أتم من المشبه فى وجه الشبه؛ لأن مقتضى أصل تركيب التشبيه كمال المشبه به عن المشبه فى وجه الشبه (قوله: قصدا) علّة لجعل الناقص مشبها به (وقوله: أكمل) أى: من المشبه الذى هو أكمل فى نفس الأمر، وليس من التشبيه المقلوب قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ (٢) وإن كان نوره أتمّ من المشكاة؛ لأن المقصود تشبيه ما لم يعلمه البشر بما علموه لكون المشكاة فى الذهن أوضح، والقوة فى المشبه به قد تكون باعتبار الوضوح.

стр. 1652

(كقوله: وبدا الصباح كأن غرّته) (١) هى بياض فى جبهة الفرس فوق الدرهم استعير ... === (قوله: كقوله) أى: قول محمد بن وهيب فى مدح المأمون بن هارون الرشيد العباسىّ وأول القصيدة: العذر إن أنصفت متّضح ... وشهود حبّك أدمع سفح فضحت ضميرى عن ودائعه ... إنّ الجفون نواطق فصح وإذا تكلّمت العيون على ... إعجامها فالسّر مفتضح مهما أبيت معانقى قمر ... للحسن فيه مخايل تضح نشر الجمال على محاسنه ... بدعا وأذهب همّه الفرح يختال فى حلل الشباب به ... مرح وداؤك أنّه مرح ما زال يلثمنى مراشفه ... ويعلّنى الإبريق والقدح حتى استردّ الليل خلعته ... وفشا خلال سواده وضح وبعد البيت: نشرت بك الدنيا محاسنها ... وتزيّنت بصفاتك المدح وإذا سلمت فكلّ حادثة ... جلل فلا بؤس ولا ترح (قوله: وبدا الصباح) أى: ظهر الصباح بمعنى الصبح. قال العلامة اليعقوبى: يحتمل أن يراد به الضياء التام الحاصل عند الإسفار، ويحتمل أن يراد به الضياء المخلوط بظلمة آخر الليل وذلك قبل الإسفار، فعلى الأول: تكون الإضافة فى قوله: كأن غرّته إضافة للبيان أى: كأن الغرة التى هى الصباح؛ وذلك لأن الغرّة فى الأصل بياض فى جبهة الفرس. فوق الدرهم استعارها الشاعر للضياء التامّ الحاصل عند الإسفار فيكون المراد بالغرة نفس الصباح، وعلى الثانى: تكون الإضافة على

стр. 1653

لبياض الصبح (وجه الخليفة حين يمتدح) فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من الصباح فى الوضوح والضياء، وفى قوله: حين يمتدح دلالة على اتصاف الممدوح بمعرفة حق المادح وتعظيم شأنه عند الحاضرين بالإصغاء إليه، والارتياح له، وعلى كماله فى الكرم؛ حيث يتصف بالبشر والطلاقة عند استماع المديح. (و) الضرب (الثانى) من الغرض العائد إلى المشبه به ... === أصلها لإحاطة الظلمة فى ذلك الوقت بإشراق هو كالغرة المحاطة بالمشبه بذلك الإظلام- اه. وربما كان كلام الشارح يميل للأول؛ وذلك لأن الشاعر قد جعل المشبه الغرة لا نفس الصباح، وقد قال الشارح بعد ذلك فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتمّ من الصباح ولم يقل من غرّة الصباح مع أنها هى التى جعلها الشاعر مشبهة، فهذا يشير إلى أنهما شىء واحد وإن كان يمكن أن يقال: إن فى كلامه حذف مضاف، وظهر لك من هذا أن الصباح ليس أول النهار، وفى الأطول: أن الصباح أول النهار أعنى: الوقت الذى يختلط فيه ضوء الشمس بظلمة آخر الليل، وأن مراد الشاعر بغرته: الضياء التام الحاصل عند الإسفار، وحينئذ فالإضافة حقيقية وعلى هذا فيقدر مضاف فى قول الشارح أتم من الصباح أى من غرته (قوله: لبياض الصبح) أى: للضياء التام الحاصل عند الإسفار وقت الصباح (قوله: فإنه قصد إيهام .. إلخ) أى: بقلب التشبيه وجعل وجه الخليفة مشبها به؛ لأن جعله مشبها به يوهم أنه أقوى من غرة الصباح على قاعدة ما يفيده التشبيه بالاصالة من كون المشبه به أقوى من المشبه فى وجه الشبه (قوله: والضياء) عطف تفسير. (قوله: اتصاف الممدوح) وهو الخليفة (وقوله: بمعرفة حق المادح) أى: بمعرفة ما يستحقه من التعظيم وغيره أى: والشأن أن من عرف شيئا عمله (فقوله: وتعظيم شأنه عند الحاضرين) تفسير لحق المادح (وقوله: بالإصغاء إليه) متعلق بتعظيم أى: بالإصغاء من ذلك الممدوح للمادح (وقوله: والارتياح له) أى: الاطمئنان لذلك المادح (قوله: وعلى كماله فى الكرم) عطف على اتصاف والضمير للممدوح (قوله: حيث) أى: لأنه يتصف بالبشر

стр. 1654

(بيان الاهتمام به) أى: بالمشبه به (كتشبيه الجائع وجها كالبدر فى الإشراق والاستدارة بالرغيف؛ ويسمى هذا) أى: التشبيه المشتمل على هذا النوع من الغرض (إظهار المطلوب هذا) الذى ذكر من جعل أحد الشيئين مشبها، والآخر مشبها به إنما يكون (إذا أريد إلحاق الناقص) فى وجه الشبه (حقيقة) ... === أى: طلاقة الوجه وعدم عبوسه، والمراد بالمديح المدح، وحاصل ما ذكره الشارح: أن تقييد الشاعر إشراق وجه الممدوح على وجه يقتضى أكمليته على الصباح بحين الامتداح يدل على معرفته لحق المادح وعلى كرمه؛ وذلك لأن إشراق الوجه حال الامتداح يدل على شيئين أحدهما: قبول المدح وإلا لعبس وجهه وهذا مستلزم معرفة حق صاحبه بمقابلته بالسرور التام، والثانى: كون الممدوح طبعه الكرم؛ لأن الكريم هو الذى يهزّه الانبساط حال المدح حتى يظهر أثره على وجهه، ولو كان لئيما لعبس وجهه. (قوله: بيان الاهتمام به) أى: إظهار المتكلم للسامع أنه مهتمّ به، ولا بد فى هذا من قرينة تدل على القصد كالعدول عما يناسبه إلى غيره مع قرينة الحال (قوله: كتشبيه الجائع) من إضافة المصدر لفاعله ووجها مفعوله أى: كأن يشبه الجائع وجها (وقوله: كالبدر) صفة لوجها أى: وجها كائنا كالبدر (وقوله: فى الإشراق) أى: الضياء، (وقوله: بالرغيف) متعلق بتشبيه أى: كأن يشبه الجائع الوجه المذكور بالرغيف فى الاستدارة واستلذاذ النفس بكلّ، فعدول المتكلم عن تشبيه الوجه المذكور بالبدر الذى هو المناسب إلى تشبيهه بالرغيف يدل على اهتمامه بالرغيف ورغبته فيه لجوعه وأنه لم يزل عن خاطره (قوله: على هذا النوع) أى: بيان الاهتمام، وقوله من الغرض أى: الذى هو من أفراد الغرض فهو بيان لهذا النوع (قوله: إظهار المطلوب) أى: ذا إظهار المطلوب، أو أنها تسمية اصطلاحية ووجه تسميته بذلك أنه لما عدل عن تشبيه الوجه بالبدر إلى الرغيف علم أنه إنما شبه الوجه به لكون الرغيف فى خياله وطالبا له والعادة أنه لا يطلبه إلا الجائع. قال السكاكى: ولا يحسن المصير إليه إلا فى مقام الطمع فى حصول المطلوب كما يحكى أن قاضى سجستان دخل على الصاحب بن عباد فوجده متفنّنا أى: عالما بفنون العلوم فأخذ بمدحه حتى قال:

стр. 1655

كما فى الغرض العائد إلى المشبه (أو ادّعاء) كما فى الغرض العائد إلى المشبه به (بالزائد) فى وجه الشبه (فإن أريد الجمع بين شيئين ... === وعالم يعرف بالسجزى (١) أراد السجستانى نسبة على غير قياس، فأشار إلى: ندمائه أن يتمموه على أسلوبه ففعلوا واحدا بعد واحد حتى انتهوا إلى آخرهم، فقال: أشهى إلى النفس من الخبز فأمر الصاحب أن يقدم له مائدة. (قوله: كما فى الغرض العائد إلى المشبه) أى: كما فى التشبيه الذى يعود الغرض منه إلى المشبه، وكذا يقال فيما بعده، وقد تقدم أن الغرض العائد إلى المشبه: بيان إمكانه أو حاله أو مقدارها أو تقريرها أو تزيينه أو تشويهه أو استطرافه، والعائد إلى المشبه به: إيهام أنه أتم أو بيان الاهتمام به. (قوله: بالزائد) متعلق بإلحاق، ومراده بالزائد حقيقة أو ادّعاء كما علم من وصفه الناقص بذلك، وكلام المصنف محل نظر- كما قال فى المطول، وحاصله: أنه يقتضى أن التشبيه المفيد للأغراض المتقدمة كلها يقصد فيها إلحاق الناقص بالزائد فى وجه الشبه- وليس كذلك، إذ لا يقصد إلحاق الناقص بالكامل فى وجه الشبه إلا إذا كان الغرض من التشبيه تقرير حال المشبه فقط كما تقدم للشارح، وأجيب بأن المراد بالنقصان والزيادة فى وجه الشبه ما يشمل ما كان بحسب الكم كما فى صورة التقرير أو بحسب الكيف كما فى غيرها، فإن فى غيرها لا بد أن يكون المشبه به أعرف وأشهر بوجه الشبه- كذا قرر شيخنا العلّامة العدوى. نعم يرد أن يقال: بيان الاهتمام غرض عائد إلى المشبه به ولا حاجة فيه إلى ادعاء الكمال قطعا ولا يلزم الكمال حقيقة وهو ظاهر. (قوله: فإن أريد الجمع) أى: فإن لم يرد إلحاق الناقص بالكامل وأريد الجمع .. إلخ (قوله: فى أمر من الأمور) أى: سواء كان مفردا أو مركبا حسيّا أو عقليا واحدا أو

стр. 1656

فى أمر) من الأمور من غير قصد إلى كون أحدهما ناقصا، والآخر زائدا، سواء وجدت الزيادة والنقصان، أم لم يوجد (فالأحسن ترك التشبيه) ذاهبا (إلى الحكم بالتشابه) ليكون كلّ من الشيئين مشبها ومشبها به (احترازا من ترجيح ... === متعددا (قوله: من غير قصد .. إلخ) أى: بل قصد استواؤهما فى ذلك الأمر من غير التفات إلى القدر الذى زاد به أحدهما على الآخر إن كان فى أحدهما زيادة فى الواقع إما لاقتضاء المقام المبالغة فى ادعاء التساوى وإما لأن الغرض إفادة أصل الاشتراك فيلغى الزائد إن كان (قوله: سواء وجدت الزيادة) أى: فى أحدهما والنقصان فى الآخر كما فى قولك: تشابه وجه الخليفة والصبح (وقوله: أم لم يوجد) أى: المذكور من الزيادة والنقصان وكان الأوضح: أم لم يوجدا وذلك كما فى قوله: تشابه دمعى ومدامتى (قوله: فالأحسن ترك التشبيه) أى: ترك المتكلم التشبيه حال كونه ذاهبا إلى الحكم على الشيئين اللذين قصد تساويهما فى الأمر بالتشابه، فالمصدر مضاف للمفعول (وقوله: إلى الحكم) متعلق بمحذوف حال من الفاعل (وقوله: ترك التشبيه) أى: المعروف (وقوله: إلى الحكم) بالتشابه أى: الذى هو تشبيه غير معروف فلا ينافى ما تقدم من أن تشابه من أدوات التشبيه، والتشبيه المعروف هو ما قصد فيه التفاوت فى وجه الشبه، وغير المعروف- الذى هو التشابه- هو ما قصد فيه التساوى بين الطرفين فى أمر من الأمور، وكان الأولى للمصنف أن يقول إلى إفادة التشابه لأجل أن يشمل قولك: أتشابه دمعى ومدامتى؟ بالاستفهام، فإن هذا لا حكم فيه- كذا قال العصام. قال السبكى فى العروس: وينبغى أن يلحق بلفظ التشابه ما وازنه من التماثل والتشاكل والتساوى والتضارع وكذا كلاهما سواء، لا ما كان له فاعل ومفعول مثل شابه وساوى وضارع فإن فيه إلحاق الناقص بالزائد- انتهى. (قوله: ليكون) أى: فى المعنى، وهذا علّة للحكم بالتشابه (قوله: احترازا) علة لترك التشبيه أى: ترك التشبيه لأجل الاحتراز والتباعد عن ترجيح أحد المتساويين فى قصده على الآخر فى وجه الشبه يعنى من غير مرجح؛ وذلك لأن السابق إلى الذهن فى التشبيه ترجيح المشبه به فى وجه الشبه على المشبه- ولا ترجيح هنا؛ لأن الغرض أن

стр. 1657

أحد المتساويين) فى وجه الشبه (كقوله: تشابه دمعى إذ جرى ومدامتى ... فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب (١) فو الله ما أدرى أبالخمر أسبلت جفونى؟ ... ) === الطرفين متساويان فى وجه الشبه فحكم هنا بالتشابه ليكون كل واحد من الطرفين مشبها ومشبها به (وقوله: من ترجيح) أى: من إيهام ترجيح أحد المتساويين وإلا لوجب ترك التشبيه فيختل. قوله: فالأحسن ويبطل تجويز التشبيه (قوله: أحد المتساويين) أى: بحسب القصد لا بحسب ما فى نفس الأمر (قوله: كقوله) أى: قول أبى إسحق إبراهيم الصابى اليهودى كان يحفظ القرآن حفظا جيّدا ولم يشرح الله صدره للإسلام كما هداه لمحاسن الكلام (قوله: إذ جرى) أى: وقت جريانه، وفى الأطول: أى: فى كل وقت جرى، ففائدة الظرف التعميم ويؤيده صيغة تسكب المفيدة للاستمرار. (قوله: ومدامتى) أى: خمرتى وسميت مدامة؛ لأنه ليس شراب يستطاع إدامة شربه إلا هى- اه عصام. وتشابهما فى الحمرة (قوله: فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب) الفاء للتعليل علّة لقوله: تشابه دمعى ومدامتى، ومن: زائدة أى تشابها من أجل كون عينى تسكب دمعا مثل ما فى الكأس من الخمر، أو أنها ابتدائية وليست زائدة أى: من أجل كون عينى تسكب دمعا ناشئا من مثل الخمر الذى فى الكأس، ولم يقل مما فى الكأس، ويحذف مثل إشارة إلى أن مثل ما فى الكأس كائن عنده والدمع الأحمر مسكوب منه، وفيه من المبالغة ما لا يخفى (وقوله: عينى) مفرد مضاف يعم وليس مثنّى وإلا لوجب أن يقول عيناى؛ لأن المثنى المرفوع المضاف لياء المتكلم لا تقلب ألفه ياء باتفاق كما قال الأشمونى فى قول ابن مالك: وألفا سلم. إن ذلك فى المثنى والملحق باتفاق، وفى المقصور على المشهور، وعن هذيل انقلابها ياء حسن. وعينى مبتدأ وجملة تسكب خبره ومفعول تسكب محذوف كما قررنا (قوله: فو الله ما أدرى أبالخمر .. إلخ) أى: ما أدرى جواب

стр. 1658

يقال: أسبل الدمع والمطر- إذا هطل، وأسبلت السماء، فالباء فى قوله: أبالخمر للتعدية، وليست بزائدة؛ على ما توهمه بعضهم (أم من عبرتى كنت أشرب) === هذا الاستفهام، والجار والمجرور متعلق بأسبلت أى: ما أدرى أأسبلت جفونى بالخمر الحقيقى؟ وفى العبارة حذف كنت شربت منه ليكون مقابلا لقوله: أم من عبرتى كنت أشرب كما إن قوله أم من عبرتى .. إلخ: فيه حذف والأصل أم أسبلت جفونى بالدمع فكنت أشرب منه ليكون مقابلا لقوله أولا أأسبلت جفونى بالخمر؟ وحينئذ ففى البيت احتباك حيث حذف من كل موضع ما ذكر نظيره فى الموضع الآخر، وحاصله أنه لما رأى أن دموعه النازلة منه حال شربه للخمر [تشبه الخمر] فى الحمرة أظهر أنه اختلط عليه الحال، وأنه لا يدرى هل كان يشرب من الخمر فأسبلت عيناه بالخمر، أو كان يشرب من عبرته فعيناه تسكب دمعا؟ وهذا من تجاهل العارف، إذ هو يعلم قطعا أنه يشرب خمرا، وأن الذى تسكب عيناه دمع أحمر. (قوله: يقال) .. إلخ الغرض من هذا بيان أن أسبل فعل لازم لا يصل للمفعول بنفسه، وحينئذ فالباء فى حيّزه للتعدية لا زائدة، إذ لا تكون كذلك إلا لو كان متعديا بنفسه (قوله: إذا هطل) أى: سال كثيرا وبابه ضرب (قوله: وأسبلت السماء) أى: بالمطر وأسبلت الجفون بالدمع فهو إذا تعدى يتعدى بالباء (قوله: فالباء فى قوله أبالخمر للتعدية) أى: للزوم الفعل (قوله: على ما توهمه بعضهم) فيه أنه ورد استعماله متعديا بنفسه واستعماله لازما، ففى القاموس: أسبل الدمع بمعنى أرسله، وفى الصحاح: أسبل الدمع بمعنى هطل، فعلى الأول الباء الواقعة فى حيزه زائدة، وعلى الثانى للتعدية فجعل الشارح الزيادة وهما وهم منه، وأجاب سم: بأن غاية الأمر أنه استعمل لازما ومتعديا ولم تتعين زيادة الباء سيّما والأصل عدم الزيادة، وحينئذ فالجزم بالزيادة وهم على أن زيادة الباء فى غير النفى والاستفهام وفى غير خبر المبتدأ سماعى ولا يثبت السماع بالبيت مع احتمال التعدية- فتأمل. (قوله: أم من عبرتى) أم هنا متصلة لوقوعها بعد همزة التسوية، والجملة بعدها مؤولة بمصدر عطف على الجملة السابقة المؤولة مع همزة الاستفهام بالمصدر، والعبرة

стр. 1659

لما اعتقد التساوى بين الدمع والخمر ترك التشبيه إلى التشابه. (ويجوز) عند إرادة الجمع بين شيئين فى أمر (التشبيه أيضا) لأنهما وإن تساويا فى وجه الشبه بحسب قصد المتكلم إلا أنه يجوز له أن يجعل أحدهما مشبها، والآخر مشبها به لغرض من الأغراض، وسبب من الأسباب؛ مثل: ... === بالفتح الدموع وأما بالكسر فمصدر بمعنى الاعتبار (قوله: لما اعتقد التساوى بين الدمع والخمر) أى: فى الحمرة ولم يقصد أن أحدهما زائد فيها والآخر ناقص يلحق به ترك التشبيه إلى التعبير بالتشابه، ونظير ما تقدم من البيتين قول الصاحب بن عباد (١): رقّ الزّجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر فكأنّما خمر ولا قدح ... وكأنّما قدح ولا خمر (قوله: ويجوز .. إلخ) مقابل لقوله: فالأحسن .. إلخ، وقد استفيد ذلك من قوله: فالأحسن، وكأنه تعرض له ليوضحه بالتمثيل، ولا يخفى أن البيت كما اشتمل على تمثيل الأحسن الذى هو التشابه اشتمل على تمثيل الجائز الذى هو التشبيه حيث اشتمل على قوله: فمن مثل .. إلخ وبالجملة فلا داعى لذكر هذا الكلام لعلمه مما تقدم (قوله: بين شيئين) هما المشبه والمشبه به (وقوله: وفى أمر) هو وجه الشبه (قوله: أيضا) أى: كما يجوز الحكم بالتشابه بل هو الأحسن كما تقدم (قوله: لأنهما وإن تساويا فى وجه الشبه .. إلخ) أى: بأن لم يرد المتكلم أن أحدهما زائد فيه إن كان هناك زائد بل قصد اشتراك الطرفين فيه على حد سواء، وإن كان فى أحدهما زيادة فى الواقع؛ ولأن أداة التشبيه قد تستعمل لمجرد قصد التشريك كما فى الأطول (قوله: لغرض من الأغراض) أى: غير داخل فى وجه الشبه الذى قصد تساوى الطرفين فيه إن قلت: مقتضى كون التشبيه لغرض أن يكون واجبا وهو ينافى الجواز ويناقض أحسنية العدول إلى التشابه. قلت: المراد بالجواز هنا نفى الامتناع الصادق بالوجوب ولا ينافى الأحسنية، لأنها أيضا للوجوب؛ لأن الأحسن فى باب البلاغة الواجب، وعلى هذا فما تقدم من دلالة الأحسنية على الجواز فى مقابله لا يخلو عن تسامح- قاله اليعقوبى.

стр. 1660

زيادة الاهتمام، وكون الكلام فيه (كتشبيه غرّة الفرس بالصبح، وعكسه) أى: تشبيه الصبح بغرة الفرس (متى أريد ظهور منير فى مظلم أكثر منه) أى: من ذلك المنير من غير قصد إلى المبالغة فى وصف غرة الفرس بالضياء، والانبساط، وفرط التلألؤ، ... === (قوله: زيادة الاهتمام) أى: لحبه كما إذا شغف بحب فرسه فقال: غرة فرسى كاللؤلؤة فى كف عبد. قاصدا إفادة ظهور منير فى أسود أكثر منه فليس غرضه من التشبيه تزيين الغرة ولا تقرير كمالها؛ لأنها عنده أعظم من أن تزين أو تقرر، بل الغرض من تقديم الغرة وجعلها مشبها الاهتمام بها (قوله: وكون الكلام فيه) كما إذا كان حديثه فى أحد الطرفين أو لا فينجرّ الكلام إلى وصفه فيناسب تقديمه وجعله مشبها؛ لأن أصل تركيب الكلام أن يكون كذلك وهذا من معنى الاهتمام؛ لأن إجراء الشىء على المناسب الأصلى من التقديم مما يقتضى الاهتمام، وذلك كما إذا كان يصف ليلا يسرى فيه، أو فرسا سرى عليه فانتهى به الحديث إلى وصف ما تعلق بكلّ منهما فيجعل غرة الثانى كالصبح وصبح الأول كالغرة فى مجرد إظهار إشراق فى سواد من غير قصد قوة ولا ضعف. (قوله: كتشبيه غرّة الفرس بالصبح) أى: فيما إذا اقتضى الحال تقديمها وجعلها مشبهة لكون الكلام انجر إليها أو للاهتمام بها. (قوله: وعكسه) يعنى تشبيه الصبح بالغرة لمثل ما ذكر من كون الكلام انجر إليه أو للاهتمام به (قوله: متى أريد) راجع لقوله: كتشبيه غرة الفرس بالصبح وعكسه أى: متى قصد إفادة ظهور .. إلخ (وقوله: منير) أى: كالغرة وبياض الصبح (وقوله: فى مظلم أكثر منه) أى: كالليل والفرس، والحاصل: أنه متى قصد إفادة أن وجه الشبه ما ذكر جاز أن تشبيه الغرة بالصبح والصبح بالغرة لحصول المقصود بكل من التشبيهين (قوله: من غير قصد) متعلق بأريد (وقوله: قصد) أى: من المتكلم المشبه أى: من غير أن يقصد المتكلم المشبه أى: من غير أن يقصد المتكلم ما ذكر بل إنما قصد مجرد إفادة ظهور منير فى مظلم أكثر منه مع ملاحظته التساوى (قوله: والانبساط) أى: الاتساع، (وقوله: وفرط

стр. 1661

ونحو ذلك؛ إذ لو قصد ذلك لوجب جعل الغرة مشبها، والصبح مشبها به. [أقسام التشبيه باعتبار طرفيه]: (وهو) أى: التشبيه (باعتبار الطرفين) المشبه والمشبه به أربعة أقسام؛ لأنه: (إما تشبيه مفرد بمفرد، ... === التلألؤ) أى: شدة اللمعان (قوله: ونحو ذلك) أى: نحو المبالغة فى وصف الفرس بما ذكر (قوله: إذ لو قصد ذلك .. إلخ) يعنى لو قصد تشبيه غرة الفرس بالصبح لأجل المبالغة فى الضياء والتلألؤ، لا لأجل إفادة ظهور منير فى مظلم فإنه لا يكون حينئذ من باب التشابه، وحينئذ فيتعين جعل الغرة مشبها والصبح مشبها به؛ لأنه أزيد فى ذلك ولا يصح العكس فيه إلا لغرض يعود إلى المشبه به من إيهام كونه أتم من المشبه على ما عرفت، (فقول الشارح: لوجب .. إلخ) أى: إذا أريد التشبيه على سبيل التحقيق، ولو أريد على سبيل الادّعاء تعين العكس- كما أفاده عبد الحكيم. (قوله: وهو .. إلخ) لما فرغ من الكلام على أركان التشبيه والغرض منه، شرع فى الكلام على تقسيم التشبيه وهو إما باعتبار الطرفين، أو باعتبار الوجه، أو باعتبار الأداة، أو باعتبار الغرض، وقد أتى به المصنف على هذا الترتيب (قوله: باعتبار الطرفين) أى: إفرادا أو تركيبا، وتقدم تقسيمه باعتبارهما حسية وعقلية (قوله: أربعة أقسام) هى فى الحقيقة تسعة أقسام حاصلة من ضرب ثلاثة فى ثلاثة؛ لأن الطرفين إما مفردان، أو مقيدان، أو مركبان، أو المشبه مفرد والمشبه به مقيد أو بالعكس، أو المشبه مفرد والمشبه به مركب أو بالعكس، أو المشبه مقيد والمشبه به مركب أو بالعكس، ثم إن هذه التسعة صيّرها المصنف أربعة بأن جعل التقييد من حيز الإفراد فجعل أقسام المقيد والمفرد فى مقابلة ما فيه التركيب، وجعل ما فيه التركيب ثلاثة أقسام ما انفرد فيه التركيب، وما اجتمع فيه مع مفرد سواء كان المفرد مقيدا أم لا، وجعل ما اجتمع فيه مع مفرد اسمين ما تقدم فيه المركب وما تأخر فيه. (قوله: لأنه إما تشبيه .. إلخ) فى تقدير الشارح؛ لأنه تغيير إعراب المتن؛ لأن قوله إما تشبيه .. إلخ: خبر هو، فجعله خبر أن المحذوفة مع اسمها لكن نوع الإعراب واحد

стр. 1662

وهما) أى: المفردان (غير مقيدين؛ كتشبيه الخد بالورد، أو مقيدان؛ كقولهم) لمن لا يحصل من سعيه على طائل (هو كالراقم على الماء) فالمشبه هو الساعى المقيد بأن لا يحصل من سعيه على شىء، والمشبه به هو الراقم المقيد بكون رقمه على الماء؛ ... === وهو الرفع، والأصح فى مثله الجواز، وقيل بالمنع كما لو اختلف الإعراب، وفيه عمل أن المحذوفة مع اسمها ولم ينصوا على جوازه فيما رأيت، وعذر الشارح فى ذلك الإشارة بتقدير خبر لقوله هو؛ لأن مجرد قوله: إما تشبيه مفرد بمفرد لا يصح أن يكون خبرا، فبيّن أن الخبر فى الحقيقة إنما هو مجموع قوله: إما تشبيه مفرد بمفرد وما عطف عليه من بقية الأقسام، وإنما ظهر الإعراب فى كل واحد؛ لأن إعراب المجموع من حيث هو مجموع متعذر وإعراب واحد دون آخر تحكم- اه يس. (قوله: وهما غير مقيدين) أى: والحال أنهما غير مقيدين بمجرور أو إضافة أو مفعول أو وصف أو حال أو غير ذلك مما يكون له تعلق بوجه الشبه، فما يذكر من القيود لأحد الطرفين، لكن لا تعلق له بوجه الشبه لا يكون فيه الطرف مقيدا. (قوله: كتشبيه الخدّ بالورد) بأن يقال الخد كالورد فى الحمرة، فالمراد تشبيه الخدّ الغير المضاف لأحد، وجعل فى المطول من تشبيه المفرد بالمفرد بلا تقييد قوله تعالى هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ (١) أى: كاللباس لكم، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ووجه الشبه بين اللباس والرجل والمرأة حسىّ وهو الملاصقة والاشتمال؛ لأن كلّا من الزوجين يلاصق صاحبه ويشتمل عليه عند المعانقة والمضاجعة كما يلاصق اللباس صاحبه ويشتمل عليه- كذا قال صاحب الكشاف، وقيل: إن وجه الشبه عقلى وهو الستر كما يكره؛ لأن كلّا من الزوجين يستر صاحبه عما يستكره من الفواحش كما يستر الثوب العورة، ولا يقال: إن لهن ولكم وصف للباس فيكون المشبه به فى الشبهين مقيدا؛ لأنا نقول إنه وإن كان وصفا لكن لا دخل له فى وجه الشبه؛ لأنه اعتبر فى الوجه الاشتمال أو الستر عما يكره، ولا شك أن اللباس فى حدّ ذاته يوصف بكونه يشتمل به ويستتر به من غير توقف

стр. 1663

لأن وجه الشبه هو التسوية بين الفعل وعدمه؛ وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين. (أو مختلفان) أى: أحدهما مقيد، والآخر غير مقيد (كقوله: والشمس كالمرآة) (١) فى كفّ الأشلّ فالمشبه به- أعنى: المرآة- مقيدة بكونها فى كفّ الأشلّ، بخلاف المشبه- أعنى: الشمس- ... === على كونه للرجال ولا على كونه للنساء، وحينئذ فما أفاده المجرور من كون اللباس للنساء أو للرجال لا يتوقف عليه الوجه وما لا يتوقف عليه الوجه لا يعدّ من التقييد، فلذا قيل: إنه من تشبيه المفرد بالمفرد بلا تقييد (قوله: لأن وجه الشبه) علّة لكون كلّ من الطرفين مقيدا (وقوله: هو التسوية .. إلخ) الأولى هو استواء الفعل وعدمه؛ لأن التسوية المذكورة وصف للفاعل لا للطرفين- تأمل. (قوله: وهو) أى: وجه الشبه المذكور (قوله: موقوف على اعتبار هذين القيدين) أى: لأن مطلق ساع ومطلق راقم قد لا يتصف واحد منهما بالوجه المذكور؛ لأنه يجوز أن الساعى يحصل من سعيه على طائل، والراقم يجوز أن يرقم على حجر، ويؤخذ من (قوله: وهو موقوف .. إلخ) أنه ليس المراد بالقيد ما ذكر معه قيد مطلقا، بل ما لقيده مدخل فى وجه الشبه وهو كذلك كما تقدم (قوله: والشمس كالمرآة فى كفّ الأشلّ) تمامه: لما رأيتها بدت فوق الجبل. (قوله: مقيدة بكونها فى كف الأشل) أى: لأن الهيئة الحاصلة من الاستدارة والحركة وتموّج الإشراق على الوجه السابق التى هى لوجه لا تتحقق إلا بقيد كونها فى كف الأشل وما يتوقف عليه الوجه قيد، والتوقف هنا ضرورىّ، إذ المرآة فى كف الثابت اليد لا يتصور فيها الوجه المذكور (قوله: أعنى الشمس) أى: فإنه لا تتقيد فيها، فإن قلت: المشبه هو الشمس لا مطلقا بل حال حركتها فيكون مقيدا. قلت: الحركة لما

стр. 1664

(وعكسه) أى: تشبيه المرآة فى كف الأشل بالشمس، فالمشبه مقيد دون المشبه به. (وإما تشبيه مركب بمركب) بأن يكون كلّ من الطرفين كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت، وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا (كما فى بيت بشار) (١) كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ... على ما سبق تقريره (وإما تشبيه مفرد بمركب كما مر من تشبيه الشقيق) وهو مفرد بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد؛ وهو مركب من عدة أمور، والفرق بين المركب والمفرد المقيد أحوج شىء إلى التأمل فكثيرا ما يقع الالتباس. === كانت لازمة للشمس غير منفكّة عنها أبدا كانت كأنها جزء من مفهومها وليست بقيد خارج (قوله: وعكسه) عطف على قوله (قوله: أى تشبيه المرآة .. إلخ) أى: تشبيها مقلوبا (قوله: وتلاصقت) تفسير لما قبله (وقوله: حتى عادت) أى: صارت شيئا واحدا بحيث لو انتزع الوجه من بعضها اختلّ التشبيه فى قصد المتكلم، ويجب فى تشبيه المركب بالمركب أن يكون وجه الشبه مركبا أى: هيئة، كما أنه فى تشبيه المفرد بالمركب لا بد أن يكون الوجه كذلك، وأما فى تشبيه المفرد بالمفرد فتارة يكون الوجه مركبا وتارة يكون مفردا. (قوله: كما فى بيت بشار) الإضافة للعهد أشير بها لما تقدم (قوله: كأن مثار النقع .. إلخ) بدل من بيت بشار، فقد شبهت الهيئة المنتزعة من السيوف المسلولة المقاتل بها مع انعقاد الغبار فوق رءوسهم بالهيئة المنتزعة من النجوم وتساقطها فى الليل إلى جهات متعددة. (قوله: والفرق .. إلخ) اعلم أن الفرق بينهما من حيث المفهوم واضح لا خفاء فيه؛ لأن المركب هيئة منتزعة من أمور متعددة اثنان فأكثر كالأعلام الياقوتية المنشورة

стр. 1665

[إما تشبيه مركب بمفرد ؛ ] (وإما تشبيه مركب بمفرد؛ كقوله (١): ... === على الرماح الزبرجدية، والمفرد المقيد ما كان مقيدا بقيد كالراقم المقيد بكون رقمه على الماء والمرآة بقيد كونها فى كف الأشل، ففى المركب يكون المقصود بالذات الهيئة والأجزاء المنتزع منها تبع للتوصل بها إليها بخلاف المقيد، فإن أحد الأجزاء مقصود بالذات والباقى بالتبع، وحينئذ فالاحتياج للتأمل إنما هو بالنظر للتراكيب والموادّ المحتوية على التشبيه الواردة على الإنسان، وأن تمييز كون هذا المشبه الذى فيها أو المشبه به من قبيل المفرد المقيد، أو من قبيل المركب يحتاج لتأمل؛ لأن القيود معتبرة فى كل من الأمرين ولا حاكم فى تمييز أحدهما عن الآخر عند الالتباس سوى ذكاء الطبع وصفاء القريحة، والحاصل: أن التفرقة بينهما لا تكون باعتبار التركيب اللفظى لاستوائه فيهما غالبا وإنما تكون باعتبار قصد المتكلم الهيئة بالذات والأجزاء تبع أو باعتبار قصد جزء من الأجزاء والربط بغيره تبع، والحامل على أحد القصدين وجود الحسن فيه دون الآخر فإدراك وجود الحسن المقتضى لأحد الأمرين إنما المحكم فيه الذوق السليم وصفاء القريحة وهذه التفرقة بينهما باعتبار المتكلم، وأما السامع فيفرق بينهما باعتبار القرائن الدالّة على أن المتكلم قصد الهيئة، أو قصد جزءا مرتبطا بغيره، أو باعتبار أنه لو استعمل ذلك التشبيه لم يطابق ذوقه وطبعه إلا ذلك الوجه المقتضى للتقييد، أو عدمه المقتضى للتركيب، ومن المعلوم أن الأذواق لا تجرى على نسق واحد لعدم انضباطها، فلذا قيل: إن التفرقة بين المركب والمقيد أحوج شىء إلى التأمل أى: احتياجها للتأمل أشد من احتياج غيرها إليه لدقتها، واحتياجها للتأمل بالنسبة للمتكلم والسامع، أما المتكلم فمن حيث التعبير عنها، وأما السامع فمن حيث إدراكها من كلام البلغاء، وإنما كان التعبير عنها صعبا، لأنها من الذوقيات والتعبير عن الذوقيات صعب وإدراكها من التعبير كذلك- فتأمل. (قوله: كقوله) أى: قول أبى تمام من قصيدة من الكامل يمدح بها المعتصم أوّلها: رقّت حواشى الزّهر فهى تمرمر ... وغدا الثّرى فى حليه يتكسّر

стр. 1666

يا صاحبىّ تقصّيا نظريكما) فى الأساس: تقصّيته: بلغت أقصاه أى: اجتهدا فى النظر، وابلغا أقصى نظريكما (تريا وجوه الأرض كيف تصوّر) أى: تتصوّر؛ حذفت التاء. يقال: صوّره الله صورة حسنة فتصوّر (تريا نهارا مشمسا) ذا شمس ... === نزلت مقدمة المصيف حميدة ... ويد الشتاء جديدة لا تكفر لولا الذى غرس الشتاء بكفّه ... كان المصيف هشائما لا تثمر كم ليلة آسى البلاد بنفسه ... فيها ويوم وبله مثعنجر مطر يذوب الصّخر منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يمطر غيثان فالأنواء غيث ظاهر ... لك وجهه والصّحو غيث مضمر (قوله: تقصّيا) أمر من التقصّى: وهو بلوغ الأقصى والغاية وهو مبنىّ على حذف النون والألف فاعل، ونظريكما مفعوله أى: ابلغا أقصى نظريكما وغايته بالمبالغة فى تحديق النظر (قوله: فى الأساس تقصّيته) أشار بهذا إلى أنه يتعدى بنفسه، وفى القاموس: تقصيت فى المسألة: بلغت الغاية فيها، فهو يفيد جواز تعديه بفى (قوله: أى: اجتهدا فى النظر) إشارة إلى أن التقصّى يدل على التكلّف (قوله: تريا وجوه الأرض) أى: الأماكن البادية منها كالوجه، وفى الكلام حذف أى: فإذا تقصيتما فى نظريكما واجتهدتما فيه ونظرتما إلى ما قابلكما من الأرض تريا .. إلخ (قوله: كيف تصور) مقول لقول محذوف أى: قائلين على وجه التعجب كيف تصور؟ ! أى: تبدو صورتها أو كيف تصير صورتها حسنة بأزهار الربيع؟ ! فهو من الصورة، أو كيف تتصور وتتشكل؟ ! فهو من التصور أو أنه بدل اشتمال من وجوه الأرض أى: كيفية صورتها بثبوت الإشراق لها كما يدل عليه ما بعده. (قوله: أى تتصور) أى: تتمثل وتتشكل، وأشار الشارح إلى أن تصور بفتح التاء مضارع تصوّر المطاوع لصوّر (وقوله: حذفت التاء) أى: تاء المضارعة، أو ما بعدها على الخلاف فى ذلك (قوله: فتصور) أى: فقبل التصور وبدت صورته فى الوجود (قوله: تريا نهارا) بدل من تريا وجوه الأرض بدل مفصل من مجمل، أو عطف بيان،

стр. 1667

لم يستره غيم (قد شابه) أى: خالطه (زهر الربا) خصّها؛ لأنها أنضر، وأشد خضرة، ولأنها المقصود بالنظر (فكأنما هو) أى: ذلك النهار المشمس الموصوف (مقمر) أى: ليل ذو قمر؛ لأن الأزهار باخضرارها قد نقصت من ضوء الشمس حتى صار يضرب إلى السواد، فالمشبه مركب، والمشبه به مفرد ... === وكأنه يقول: تريا كيفية تلك الوجوه وهو كونها ذات إشراق مخلوط باسوداد (وقوله: نهارا مشمسا) أى: ضوء نهار؛ لأن النهار لا يرى من حيث إنه زمان (قوله: لم يستره غيم) بيان لفائدة وصف النهار بكونه مشمسا (قوله: أى خالطه) أى: خالط ذلك النهار أى: خالط ضوؤه (قوله: زهر الربا) الزهر- بفتح الزاء، والهاء- وقد تسكن هاؤه، والربا: جمع ربوة- بضم أوله وفتحه- المكان المرتفع، وفى الكلام حذف مضاف أى: لون زهر الربا، وأراد بالزهر النبات مطلقا وأطلق عليه زهرا مجازا؛ لأنه أحسن ما فيه، والدليل على أن المراد بالزهر النبات مطلقا قول الشارح: لأن الأزهار باخضرارها .. إلخ (قوله: خصّها) أى: الربا بالذكر دون سائر البقاع (وقوله: لأنها) أى: الربوة أنضر أى: من غيرها (قوله: وأشد خضرة) عطف تفسير، وأراد أنها أنضر باعتبار ما فيها من الزرع، ويحتمل أن الضمير فى خصّها لزهر الربا وأنّث الضمير لاكتساب الزهر التأنيث من المضاف إليه (وقوله: لأنها) أى: زهر الربا أنضر وأشد خضرة أى: من زهر غيرها. قال فى الأطول: يمكن أن يقال: خصّه؛ لأنه تخالطه الشمس فى أول طلوعها، وتشبيه أول النهار بالليل المقمر أظهر؛ لأن نور الشمس فيه أضعف (قوله: ولأنها المقصود بالنظر) أى: لأن الشخص بحسب الشأن يبدأ بالنظر للعالى، ثم بما دونه. وذكر بعضهم أن قوله: ولأنها المقصود بالنظر أى: فى قول الشاعر: تقصيّا نظريكما تريا وجوه الأرض .. إلخ (قوله: أى ذلك النهار) أى: ضوء ذلك النهار المشمس (وقوله: الموصوف) أى: بأنه قد خالطه لون زهر الربا (قوله: لأن الأزهار .. إلخ) علّة لقوله فكأنما هو مقمر (قوله: قد نقصت) بتشديد القاف وتخفيفها، ومفعوله محذوف أى: شيئا من ضوء الشمس (قوله: حتى صار) أى: الضوء يضرب إلى السواد أى: تميل إليه فصار بذلك النهار المشمس كالليل المقمر لاختلاط ضوئه بالسواد (قوله: فالمشبه مركب) وهو النهار المشمس الذى

стр. 1668

وهو المقمر. [التشبيه الملفوف والمفروق]: (وأيضا) تقسيم آخر للتشبيه باعتبار الطرفين؛ وهو أنه (إن تعدد طرفاه فإما ملفوف) وهو أن يؤتى أوّلا ... === شابه زهر الربا أى: الهيئة المنتزعة من ذلك (قوله: وهو المقمر) أى: الليل المقمر، قال فى المطول: ولا يخلو التمثيل بهذا المثال لتشبيه المركب بالمفرد عن تسامح؛ لأن قوله مقمر: بتقدير ليل مقمر، وحينئذ ففى المشبه به تعدد وشائبة تركب، والجواب: أن الوصف والإضافة لا تمنع الإفراد، لما سبق أن المراد بالمركب الهيئة الحاصلة من عدة أشياء، والمشبه به هنا ليس كذلك بل مفرد مقيد بقيد، وحينئذ فلا تسمح على أن صاحب القاموس ذكر أن المقمر، والمقمر: ليلة فيها قمر فليس فى الكلام تقدير الموصوف حتى يرد الاعتراض. (قوله: وأيضا) أى: ونعود أيضا إلى تقسيم آخر لمطلق التشبيه (وقوله: باعتبار الطرفين) أى: باعتبار وجود التعدد فيهما أو فى أحدهما. واعلم أن هذا التقسيم لا يناسب التقسيمات الأخر؛ لأنها كانت تقسيمات لتشبيه واحد وهذا تقسيم للتشبيهات المتعددة، إذ لا يتعدد طرفا تشبيه واحد ولم يعدّ تشبيه المتعدد بالمتعدد قسما من الأقسام السابقة فى قوله وهو باعتبار طرفيه إما تشبيه مفرد بمفرد .. إلخ، بأن يقال: وإما تشبيه متعدد بمتعدد؛ لأنه تشبيه المفرد بالمفرد حقيقة فلا معنى لجعله قسيما له، وأيضا هذه الأمور المنقسم إليها التشبيه- أعنى: اللف والتفريق والجمع والتسوية- الأقرب فيها أنها من البديع؛ لأنها من أفراد اللف والنشر الذى هو من الصنائع البديعة، وكأن وجه التعرض لها وسياقها فى التشبيه تكميل أقسامه مع أن بعضها وهو الملفوف يشبه تشبيه المركب بالمركب، وبعضها وهو التسوية يشبه تشبيه المركب بالمفرد وبعضها وهو الجمع يشبه تشبيه المفرد بالمركب وإن كان لا إلباس فيها ولا يخفى أن المفروق والملفوف لا يخص بالطرف بل يجرى فى الوجه أيضا- فتأمله. (قوله: إن تعدد طرفاه) أى: كلّ منهما بحيث صار تشبيهات لا تشبيها واحدا (قوله: فإما ملفوف) سمّى بذلك للفّ المشبهات فيه- أى: ضم بعضها إلى بعض- وكذلك

стр. 1669

بالمشبهات على طريق العطف أو غيره، ثم المشبه به كذلك (كقوله) فى صفة العقاب بكثرة اصطياد الطيور (١): (كأنّ قلوب الطير رطبا) بعضها (ويابسا) بعضها ... === المشبهات بها (قوله: بالمشبهات) أراد بالجمع ما فوق الواحد (قوله: على طريق العطف) أى: الفارق بين الأشياء كما فى البيت الآتى (وقوله: أو غيره) كأنه أراد به مثل قولنا: كالقمرين زيد وعمرو إذا أريد تشبيه أحدهما بالشمس والآخر بالقمر- اه أطول. (قوله: ثم بالمشبه به) أراد الجنس أى: المشبهين أو المشبهات (وقوله: كذلك) أى: على طريق العطف أو غيره. (قوله: كقوله) أى: قول الشاعر وهو امرئ القيس (قوله: فى صفة) أى: فى وصف. والعقاب مؤنثة، ولذا يجمع فى القلة على أعقب؛ لأن أفعل يختص به جمع الإناث نحو: عناق وأعنق، وذراع وأذرع، ووجه كون البيت وصفا للعقاب بكثرة اصطياد الطير أنه يلزم من كون قلوب الطير عند وكرها بعضها رطبا وبعضها يابسا كثرة اصطياده، وهذا البيت من قصيدته التى أوّلها: ألا عم صباحا أيها الطّلل البالى ... وهل يعمن من كان فى العصر الخالى (٢) (قوله: قلوب) القلوب هو المشبه، ولما قسمه إلى قسمين كان متعددا، فلذا عدّ من التشبيه المتعدد لا من الواحد (وقوله: العناب والحشف البالى) مشبه به وهو متعدد أيضا، والطير: اسم جمع لطائر، وأل فيه للجنس الصادق بالكثير بدليل جمع القلوب (قوله: رطبا ويابسا) حالان من القلوب، والعامل فيهما كأن لتضمنها معنى التشبيه أى: أشبه قلوب الطير حال كونها رطبا ويابسا، ويردّ عليهما أن الحال يجب مطابقتها لصاحبها فى التذكير والتأنيث، وقد انعدمت المطابقة هنا حيث لم يقل رطبة ويابسة، وأشار الشارح لدفع ذلك بقوله: رطبا بعضها ويابسا بعضها، وحاصل ذلك الدفع: أن الضمير فى" رطبا" ويابسا" راجع للقلوب باعتبار بعضها؛ لأن بعض القلوب قلوب فلذا ذكر رطبا ويابسا

стр. 1670

(لدى وكرها العنّاب والحشف) هو أردأ التمر (البالى) شبه الرطب الطرى من قلوب الطير بالعناب، واليابس العتيق منها بالحشف البالى؛ ... === وليس الضمير فيهما راجعا للقلوب باعتبار كلها حتى يرد الإشكال، ولا ضرر فى عود الضمير على الأمر العام باعتبار بعضه، إذ عموم المرجع لا يقتضى عموم الراجع كما فى قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ (١) بعد قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ... إلخ الشامل للرجعيات وغيرهن، وعلى هذا فقول الشارح: " بعضها" بعد" رطبا ويابسا" بدل من الضمير المستتر فيهما أو تفسير له على حذف، أى: لا أنه فاعل برطبا ويابسا؛ لأن حذف الفاعل وإبقاء رافعه لا يجيزه البصريون ولا بعض الكوفيين، والحاصل: أن الرطوبة واليبوسة لما كانا لا يجتمعان فى محلّ واحد علم أن كل واحد منهما وصف لغير ما ثبت له الآخر فلزم كونهما حالين على التوزيع، فالضمير فى كلّ منهما يعود إلى موصوفه وهو البعض المشمول للقلوب، فلذا فسر الشارح الضميرين بأن قال: رطبا بعضها ويابسا بعضها ولم يرد أن لفظ البعض فيهما هو الفاعل حتى يلزم حذف الفاعل الظاهر وهو غير موجود فى فصيح الكلام (قوله: لدى وكرها) أى: العقاب والوكر عش الطائر وإن لم يكن فيه، ثم إن الظرف يحتمل أن يكون حالا من قلوب ولا يصح أن يكون حالا من رطبا ويابسا؛ لأن الحال لا يجىء من الحال. نعم يمكن أن يكون حالا من الضمير المستتر فيهما، ويحتمل أن يكون حالا من العنّاب والحشف مقدّما عليهما، ويحتمل أن يكون صفة لرطبا ويابسا عملا بقاعدة أن الظرف بعد النكرة صفة لها- قاله فى الأطول. (قوله: العنّاب) بزنة رمّان وهو حبّ أحمر مائل للكدرة قدر قلوب الطير ثمر السدر البستانى، وهذا هو الأول من المشبه بهما وهو المقابل للقلب الرطب؛ لأنه يشاكله فى اللون والقدر والشكل (قوله: والحشف) بزنة فرس وهذا هو الثانى من المشبه بهما وهو المقابل للقلب اليابس الذى لا يشاكله فى اللون والشكل والقدر والتكاميش، ووصفه بالبالى تأكيد؛ لأنه وصف كاشف.

стр. 1671

إذ ليس لاجتماعهما هيئة مخصوصة يعتدّ بها ويقصد تشبيهها، إلا أنه ذكر أوّلا المشبهين، ثم المشبه بهما على الترتيب. (أو مفروق) وهو أن يؤتى بمشبه ومشبه به، ثم آخر وآخر ... === (قوله: إذ ليس .. إلخ) علّة لمحذوف أى: وليس هذا من المركب المتعدد، وحاصل ما ذكره: أنه إنما جعل من تشبيه المفرد المتعدد ولم يجعل من تشبيه المركب بالمركب؛ لأنه ليس لانضمام الرطب من القلوب إلى اليابس منها هيئة يقصد ذكرها، ولا لاجتماع العناب مع الحشف البالى هيئة حتى يكون من تشبيه المركب؛ ولذا لو فرق التشبيه وقيل: كأن الرطب من القلوب عناب وكأن اليابس منها حشف لم يكن أحد التشبيهين موقوفا فى الفائدة على الآخر، فالتشبيه على هذا الوجه إنما يستحق الفضيلة من حيث الاختصار فقط بحذف أداة التشبيه من أحد التشبيهين (قوله: يعتدّ بها) أى: من حيث استحسان الذوق لها أو استطراف السامع لها (قوله: إلا أنه .. إلخ) هذا قد فهم من قوله سابقا وهو أن يؤتى، لكن ذكره هنا بمنزلة أن يقال بعد تقرير الكلام، والحاصل: أنه .. إلخ وقرر بعضهم أن الأقرب أنه راجع لقوله شبه الرطب .. إلخ (قوله: وهو أن يؤتى .. إلخ) سمّى مفروقا؛ لأنه فرق بين المشبهات بالمشبهات بها وفرق بين المشبهات بها بالمشبهات (قوله: كقوله) أى: كقول المرقش الأكبر فى وصف نسوة، والمرقش من الترقيش: وهو التزيين والتحسين، يقال: إنما لقب بالمرقش لهذا البيت، واسمه: عمرو أو عوف بن سعد من بنى سدوس، واحترز بالأكبر عن المرقش الأصغر وهو من بنى سعد- قاله الفنرى، وفى شرح الشواهد أن الأصغر ابن أخى الأكبر، واسمه: ربيعة أو عمرو وهو عمّ طرفة بن العبد، وذكر فيه أيضا أن هذا البيت من مرثية عمّ له أولها: هل (١) بالدّيار أن تجيب صمم ... لو أنّ حيّا ناطقا كلّم الدار وحش والرسوم كما ... رقّش فى ظهر الأديم قلم ديار أسماء التى سلبت ... قلبى فعينى ماؤها يسجم

стр. 1672

(كقوله (١): النشر) أى: الطيب والرائحة (مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ) === أضحت خلاء نبتها تئد ... نوّر فيها زهره فاعتم بل هل شجتك الظّعن باكرة ... كأنهنّ النّخل من ملهم وبعده البيت، ومنها: لسنا كأقوام خلائقهم ... نثّ الحديث ونهكة المحرم إن يخصبوا يعيوا بخصبهم ... أو يجدبوا فهم به ألأم وهى قصيدة طويلة ليست بصحيحة الوزن، ولا حسنة الروى، ولا متخيرة اللفظ، ولا لطيفة المعنى. قال ابن قتيبة: ولا أعلم فيها شيئا يستحسن إلا قوله النشر مسك ... البيت، ويستجاد منها قوله أيضا: ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم (قوله: النشر مسك) أى: النشر من هؤلاء النسوة نشر مسك أى: رائحتهن الذاتية كرائحة المسك فى الاستطابة، فالمشبه الرائحة الذاتية للنساء والمشبه به رائحة المسك على حذف مضاف كما علمت (قوله: الطيب والرائحة) فى القاموس: النشر: الريح الطيبة أو أعم أو ريح فم المرأة والكل مناسب للمقام، وأما تفسير الشارح له بالطيب فإن أراد به أن الطيب الذى تستعمله تلك النساء مسك فلا تشبيه فيه، وإن أراد أن طيب تلك النساء غير المسك كالمسك فمع كونه بعيدا ليس فيه كبير مدح، فالصواب حذف لفظ الطيب والاقتصار على الرائحة- قاله عبد الحكيم. (قوله: والوجوه) أى: منهن (وقوله: دنانير) أى: كالدنانير فى الاستدارة والاستنارة مع مخالطة الصفرة؛ لأن الصفرة مما يستحسن فى ألوان النساء، والدنانير فى البيت مصروفة للضرورة (قوله: وأطراف الأكفّ) أى: منهن، وأراد بأطراف الأكفّ

стр. 1673

وروى: أطراف البنان (عنم) هو شجر أحمر لين. (وإن تعدد طرفه الأول) يعنى: المشبه دون الثانى (فتشبيه التسوية كقوله: صدغ الحبيب وحالى ... كلاهما كالليالى === الأصابع (قوله: أطراف البنان) على هذه الرواية الإضافة بيانية (قوله: عنم) أى: كعنم يقرأ بالسكون لما علمت من أن روى القصيدة ساكن، والحاصل: أن فى هذا البيت ثلاثة تشبيهات كلّ منها مستقلّ بنفسه ليس بينها امتزاج يحصل منه شىء واحد؛ لأنه شبه نشرهن برائحة المسك فى الاستطابة، ووجوههن بالدنانير فى الاستدارة والاستتارة، وأطراف الأكفّ- وهى الأصابع- بالعنم الذى هو شجر لين الأغصان أحمر يشبه أصابع الجوارى المخضبة (قوله: وإن تعدد طرفه الأول) أى: بعطف أو بغيره (قوله: فتشبيه التسوية) سمى بذلك؛ لأن المتكلم سوى بين شيئين أو أكثر بواحد فى التشبيه (قوله: كقوله) قال فى شرح الشواهد: هذا البيت من المجتثّ، ولا أعلم قائله (قوله: صدغ الحبيب) (١) بضم الصاد وهو ما بين الأذن والعين، ويطلق على الشعر المتدلّى من رأسه على هذا الموضع، وهو المراد هنا (قوله: كلاهما كالليالى) أى: كلّ منهما كالليالى فى السواد، إلا أن السواد فى حاله تخييلى، فقد تعدد المشبه وهو شعر صدغه وحاله واتحد المشبه به وهو الليالى، وإنما كان المشبه به متحدا؛ لأن المراد بالتعدد هنا وجود معنيين مختلفى المفهوم والمصدوق لا وجود أجزاء لشىء مع تساويها كالليالى، وفى بعض الحواشى أنه أراد بالحال الجنس المتحقق فى متعدد أى: وأحوالى، وحينئذ فيصح جعلها هى والصدغ كالليالى فكلّ من صدغيه كليل وكل حال كليل، وبعد البيت المذكور: وثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى أى: وثغره وأدمعى كاللآلى فى الصفاء، ففيه شاهد أيضا حيث شبه ثغره- أى: مقدم أسنانه- ودموعه باللآلى- أى: الدرر- فى الصفاء والإشراق.

стр. 1674

وإن تعدد طرفه الثانى) يعنى: المشبه به دون الأول (فتشبيه الجمع كقوله) بات نديما لى حتّى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح (كأنما يبسم) ذلك الأغيد؛ ... === قال فى الأطول: ووصف دمعه بالصفاء ينبئ عن كثرة بكائه؛ لأنه إذا كثر ماء المنبع يصفو عن الكدر؛ لأنه يغسل المنبع ويدفع عنه الكدرات التى تمتزج بالماء بخلاف ما إذا جرى أحيانا فإنه يكون مكدّرا بكدرات المنبع (قوله: فتشبيه الجمع) سمّى بذلك؛ لأن المتكلم جمع فيه للمشبه وجوه شبه، أو لأنه جمع له أمورا مشبها بها (قوله: كقوله) أى: البحترى من قصيدة من السريع يمدح بها أبا نوح عيسى بن إبراهيم أوّلها: بات نديما لى حتى الصباح ... ، وبعد البيتين: تحسبه نشوان إمّا رنا ... للفتر من أجفانه وهو صاح بتّ أفدّيه ولا أرعوى ... لنهى ناه عنه أو لحى لاح أمزج كاسى بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحا براح يساقط الورد علينا وقد ... تبلّج الصّبح نسيم الرياح أغضيت عن بعض الذى يتّقى ... من حرج فى حبّه أو جناح سحر العيون النّجل مستهلك ... لبّى وتوريد الخدود الملاح (قوله: نديما) خبر بات، والنديم وهو المنادم حالة شرب الراح، ولكن المراد هنا المؤانس بالليل، وحتى: غائية بمعنى إلى وأغيد: اسم بات (وقوله: مجدول) مكان الوشاح بإضافة مجدول لما بعده، والمجدول فى الأصل المطوى المدمج أى: المدخل بعضه فى بعض غير المسترخى، والمراد هنا لازمه أى: ضامر الحاضرتين والبطن؛ لأن ذلك موضع الوشاح وهو جلد عريض يرصّع بالجواهر وما يشبهها يشدّ فى الوسط أو يجعل على المنكب الأيسر معقود تحت الإبط الأيمن للتزيّن. (قوله: كأنما يبسم) (١) بكسر السين من باب ضرب وحكى بعضهم ضمها أى: كأن ذلك الأغيد متبسم، ولما اتصلت ما الكافة بكأن صلحت للدخول على الفعل،

стр. 1675

أى: الناعم البدن (عن لؤلؤ منضد) منظم (أو برد) هو حب الغمام (أو أقاح) جمع أقحوان، وهو ورد له نور؛ شبه ثغره بثلاثة أشياء. === والتبسم أقل الضحك وأحسنه، وضمن يبسم معنى يكشف فعداه بعن (قوله: أى الناعم البدن) فى الصحاح يقال: امرأة غيداء وغادة: أيضا ناعمة، ورجل أغيد، وسنان مائل الرأس من النعاس وهو مخالف لتفسير الشارح وأنسب بقوله بات نديما لى حتى الصباح- تأمل. (قوله: أو برد) الظاهر أن أو للتنويع، والبرد بفتح الراء ولم يصفه بالمنضد لانسياق الذهن إليه من وصف اللؤلؤ- قاله فى الأطول. (قوله: حب الغمام) أى: الحب النازل من الغمام أى: السحاب مع المطر كالملح (قوله: أو أقاح) بفتح الهمزة وكسرها لحن وهو البابونج كما فى الأطول. وهو نور ينفتح كالورد، وأوراقه فى شكلها أشبه شىء بالأسنان فى اعتدالها ومنه أبيض الأوراق وهو المراد هنا ومنه الأصفر، وتلك الأوراق البيض المشكلة بشكل الأسنان المعتدلة هى المعتبرة فى التشبيه ولا عبرة بما أحاطت به من الصفرة؛ لأن المراد تشبيه الأسنان لا مجموع الثغر حتى يقال مما يستقبح كون منبت الأسنان أصفر الذى هو هيئة الأقحوان؛ لأن الأوراق فيه نابتة فى صفرة فلا يحسن التشبيه به- فافهم- اه يعقوبى. (قوله: أقحوان) بضم الهمزة، وقوله: وهو ورد له نور، لعلّ الأولى وهو نور ينفتح كالورد كما عبّر به ابن يعقوب، وإلا فظاهره أن نوره غيره (قوله: شبه ثغره بثلاثة أشياء) قال يس: الثغر هو مقدم الأسنان وفى كلام غيره أن الثغر هو الفم بتمامه، وحينئذ ففى كلام الشارح حذف مضاف أى: شبه سن ثغره، أو أنه مجاز من إطلاق اسم الكل على الجزء، وفى جعل هذا البيت من باب التشبيه نظر؛ لأن المشبه- أعنى الثغر- غير مذكور لا لفظا ولا تقديرا، وحينئذ فهو من باب الاستعارة لا من باب التشبيه الذى كلامنا فيه، وقد يجاب بأنه تشبيه ضمنىّ لا صريح؛ وذلك لأن أصل اللفظ كأنما يبسم تبسما كتبسم المذكورات مجازا، وتشبيه التبسم بالبتسم يستلزم تشبيه الثغر بالمذكورات، ويدل على أن المقصود التشبيه وجود كأن؛ لأن المجاز يجب أن لا يشمّ فيه رائحة التشبيه لفظا ولا تقديرا، ولولا لفظ كأن لأمكن أن يكون مجازا.

стр. 1676

(وباعتبار وجهه) عطف على قوله: [باعتبار الطرفين]: (إما تمثيل: وهو ما) أى: التشبيه الذى (وجهه) وصف (منتزع من متعدد) أى: أمرين، أو أمور (كما مر) من تشبيه الثريّا، وتشبيه مثار النقع مع الأسياف، ... === بقى شىء آخر: وهو أن الظاهر من تعبيره بأو: أنه شبه الثغر بواحد دائر بين الثلاثة إلا أن يقال: إن" أو" فى البيت بمعنى الواو أو أنه لما لم يعين واحدا بخصوصه بل هو دائر بين الثلاثة كان كأنه شبهه بالثلاثة- كذا كتب شيخنا الحفنى، وفى الأطول: شبه ثغره بثلاثة أشياء إلا أنه أورد كلمة" أو" تنبيها على أن كلّا مشبه به على حدة وكلمة" أو" للتسوية لا للإيهام حتى يرد أنه ينبغى الواو، فيوجه بأن" أو" بمعنى الواو، وكيف تجعل أو بمعنى الواو مع أنها أحسن من الواو لخلوّه عن وصمة إيهام جعل المجموع مشبها به؟ (قوله: وباعتبار وجهه .. إلخ) يعنى أنه باعتبار وجهه له ثلاث تقسيمات أوليات- الأوّل تقسيمه إلى التمثيل وغير التمثيل. والثانى: تقسيمه إلى مجمل ومفصل. والثالث: تقسيمه لقريب وبعيد (قوله: إما تمثيل وإما غير تمثيل) اعترضه العصام بأن تقسيم التشبيه للتمثيل وغيره من تقسيم الشىء إلى نفسه وإلى غيره؛ لأن التمثيل يرادف التشبيه كما يشهد لذلك كلام الكشاف حيث يستعمله استعمال التشبيه، وأجيب بأن التمثيل مشترك بين مطلق التشبيه وبين ما هو أخص منه فما هو مقسم المعنى الأعم والقسم وهو المعنى الأخص، وحينئذ فلا إشكال (قوله: وصف منتزع) أى: هيئة مأخوذة من متعدد سواء كان الطرفان مفردين أو مركبين أو كان أحدهما مفردا والآخر مركبا، وسواء كان ذلك الوصف المنتزع حسيّا بأن كان منتزعا من حسى أو عقليّا أو اعتباريّا وهميّا- هذا مذهب الجمهور، وتسميتهم التشبيه الذى وجهه ما ذكر تمثيلا تسمية اصطلاحية (قوله: أمرين أو أمور) فيه إشارة إلى نكتة اختيار متعدد دون أمور (قوله: كما مرّ من تشبيه الثريّا) أى: بعنقود الملّاحية المنور فالطرفان مفردان (قوله: وتشبيه مثار النقع مع الأسياف) أى: بالليل الذى تتهاوى كواكبه من سائر الجهات، فالطرفان فى هذا مركبان.

стр. 1677

وتشبيه الشمس بالمرآة فى كفّ الأشلّ، وغير ذلك (وقيّده) أى: المنتزع من متعدد (السكاكى بكونه غير حقيقى) حيث قال: التشبيه متى كان وجهه وصفا غير حقيقى، وكان منتزعا من عدة أمور خص باسم التمثيل (كما فى تشبيه مثل اليهود بمثل الحمار) فإن وجه التشبيه هو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع الكدّ والتعب فى استصحابه؛ فهو وصف مركب من متعدد، وليس بحقيقى، بل هو عائد إلى التوهم. === (قوله: وتشبيه الشمس بالمرآة فى كفّ الأشلّ) فالمشبه مفرد والمشبه به مركب (قوله: وغير ذلك) أى: كتشبيه المرآة فى كف الأشل بالشمس، فالمشبه مركب والمشبه به مفرد ووجه الشبه فى الجميع هيئة منتزعة من عدة أمور، والمراد بالمتعدد ما له تعدد فى الجملة سواء كان ذلك التعدد متعلقا بأجزاء الشىء الواحد أو لا فدخل فيه على هذا أربعة (الأقسام المذكورة) أعنى ما كان طرفاه مفردين أو مركبين أو الأول مفردا، والثانى مركبا أو بالعكس، وقد علمت أمثلتها فى الشارح على هذا الترتيب (قوله: بكونه) أى: الوصف المنتزع من متعدد (قوله: غير حقيقى) أى: غير متحقق حسّا ولا عقلا بل كان اعتباريّا وهميّا، فينحصر التمثيل عنده فى التشبيه الذى وجهه مركب اعتبارىّ وهمىّ كحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع الكد، فالتمثيل عند السكاكى أخصّ منه بتفسير الجمهور، وذهب صاحب الكشاف إلى ترادف التشبيه والتمثيل، فكل تشبيه عنده تمثيل حتى لو كان وجه الشبه مفردا، وذهب الشيخ عبد القاهر إلى أنه يشترط فى التمثيل أن لا يكون الوجه المركب حسيّا بأن كان عقليّا أو اعتباريّا وهميّا، وأعمّ هذه المذاهب الأربعة مذهب صاحب الكشاف، ويليه فى العموم مذهب الجمهور، ويليه مذهب الشيخ، واعلم أن الهيئة من حيث إنها هيئة اعتبارية فجعلها حسية أو عقلية أو وهمية إنما هو باعتبار الأمور المنتزعة منها (قوله: كما فى تشبيه مثل اليهود بمثل الحمار) أى: فى قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ (١) الآية (قوله: من متعدد) لأنه مأخوذ من الحمار واليهود والحمل وكون المحمول أوعية العلوم وكون الحامل جاهلا أى: غير منتفع بما فيها (قوله: عائد إلى التوهم) أى: الاعتبار قال سم: وفى قوله عائد إلى التوهم دلالة على أنه أراد بكونه ليس بحقيقى الاعتبارى لا غير الموجود فى الخارج.

стр. 1678

(وإما غير تمثيل: وهو بخلافه) أى: بخلاف التمثيل، يعنى: ما لا يكون وجهه منتزعا من متعدد. وعند السكاكى: ما لا يكون منتزعا من متعدد، أو لا يكون وهميّا واعتباريّا، يل يكون حقيقيّا، فتشبيه الثريا بالعنقود المنور تمثيل عند الجمهور دون السكاكى. (وأيضا) تقسيم آخر للتشبيه باعتبار وجهه، وهو أنه (إما مجمل وهو ما لم يذكر وجهه؛ فمنه) أى: فمن المجمل ما هو (ظاهر) وجهه، أو فمن الوجه الغير المذكور ما هو ظاهر ... === (قوله: ما لا يكون وجهه منتزعا من متعدد) أى: بل كان مفردا (قوله: وعند السكاكى .. إلخ) قال فى الأطول: ظاهره أن قول المصنف وهو بخلافه بيان لغير التمثيل على المذهبين وليس بمتعيّن، بل يمكن أن يقال: إنه بيان له على مذهب الجمهور، ويعلم منه غير التمثيل على مذهب السكّاكى وهو ما كان وجه الشبه فيه ليس منتزعا من متعدد أو كان منتزعا ولكنه وصف حقيقىّ أى: حسىّ أو عقلىّ (قوله: ما لا يكون منتزعا من متعدد) أى: بأن كان مفردا (وقوله: أو لا يكون .. إلخ) أى: أو كان منتزعا من متعدد لكنه ليس وهميّا ولا اعتباريّا، بل كان وصفا حقيقيّا بأن كان حسيّا أو عقليّا وتقدم أن كونه حسيّا أو عقليّا باعتبار مادته المنتزع منها، وإلا فالهيئة الانتزاعية أمر اعتبارى لا وجود له (قوله: واعتباريّا) عطف تفسير (قوله: تمثيل عند الجمهور) أى: لأن وجه الشبه منتزع من متعدد ولا يشترط كون الوجه غير حقيقى (قوله: دون السكاكى) أى: لأن وجه الشبه وإن كان منتزعا من متعدد إلا أنه حسى فكل تمثيل عند السكاكى تمثيل عند الجمهور، وليس كل تمثيل عند الجمهور تمثيلا عند السكاكى فبين المذهبين عموم وخصوص مطلق باعتبار الصدق (قوله: إما مجمل) سيأتى مقابله وهو المفصل بعد ذكر أقسام المجمل وكان المناسب أن يقدم المفصل؛ لأن مفهومه وجودىّ ولأجل أن يندفع طول الفصل بين المجمل ومقابله بتقديمه (قوله: وهو ما لم يذكر وجهه) أى: ولا ما يستتبعه، ولا بدّ من هذا لما سيأتى أن المفصل من جملة أقسامه ما لا يذكر وجهه استغناء عنه بذكر ما يستتبعه، فلو لم يقيد هنا بما قلنا لكان

стр. 1679

(يفهمه كل أحد) ممن له مدخل فى ذلك (نحو: زيد كالأسد. ومنه خفىّ لا يدركه إلا الخاصّة، كقول بعضهم) ذكر الشيخ عبد القاهر أنه قول من وصف بنى المهلب للحجاج ... === تعريف المجمل غير مانع من دخول بعض أفراد المفصل، وفى تعريف المجمل بما ذكر إشارة إلى أنه ليس المراد بالمجمل هنا المجمل عند الأصوليين وهو ما لم تتضح دلالته و" ما" فى كلام المصنف واقعة على تشبيه (وقوله: ما هو ظاهر) أى: تشبيه ظاهر هو أى: التشبيه أى: وجهه ففى العبارة حذف مضاف، أو أن وجهه بدل من الضمير فى ظاهر؛ لأن المتصف بالظهور وجه الشبه لا نفس التشبيه وليس مراد الشارح أن وجهه فاعل بظاهر؛ لأن هذا ليس من المواضع التى يحذف فيها الفاعل، وحاصل ما فى المقام: أن الضمير فى منه إن كان راجعا للمجمل، ففى إسناد الظهور إليه تسامح إذ المتصف بالظهور وجهه، لكن يؤيد هذا الاحتمال أن سياق الكلام فى تقسيم المجمل وإن كان ضمير" منه" راجعا للوجه فلا تسامح فى إسناد الظهور إليه لكنه خروج عن سوق الكلام، ولكون كلّ من الاحتمالين مشتملا على خلاف الظاهر من وجه سوّى الشارح بينهما (قوله: يفهمه كل أحد) أى: يفهم ذلك الوجه كل أحد، وهذا تفسير لقوله: ظاهر (وقوله: ممن له مدخل فى ذلك) أى: فى استعمال التشبيه لا مطلق أحد كما هو ظاهر المصنف (قوله: نحو زيد كالأسد) أى: فإنه يظهر لكل أحد أن وجه الشبه الشجاعة فى كلّ (قوله: لا يدركه) أى: لا يدرك وجهه (قوله: إلا الخاصّة) أى: فإنهم يدركونه بالبديهة أو بالتأمل، والمراد بهم من أعطوا ذهنا يدركون به الدقائق والأسرار (قوله: ذكر الشيخ .. إلخ) قصد بذلك بيان ذلك البعض (قوله: من وصف) أى: قول الشخص الذى وصف بنى المهلب وهو كعب بن معدان الأشعرى كما قال المبرد فى الكامل، فإنه ذكر أنه لما ورد على الحجاج قال له: كيف تركت جماعة الناس؟ فقال له كعب: تركتهم بخير أدركوا ما أملوا وأمنوا مما خافوا. فقال له: فكيف بنو المهلب فيهم؟ فقال: حماة السرج نهارا وإذا أليلوا ففرسان البيات، ومعنى أليلوا: دخلوا فى الليل: كأصبحوا دخلوا فى الصباح، ثم قال فأيهم كان أنجد؟

стр. 1680

لما سأل عنهم، وذكر جار الله أنه قول الأنمارية: فاطمة بنت الخرشب، وذلك أنها سئلت عن بنيها: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل ... === فقال هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟ (قوله: لما سأل عنهم) أى: حين سأل الحجاج عنهم ذلك الواصف بقوله: أيهم أنجد؟ أى: أشجع (قوله: وذكر جار الله) أى: جار بيت الله، والمراد به العلامة محمود الزمخشرى، ولقب بجار الله؛ لأنه كان مجاورا فى بيت الله الحرام، ولا تنافى بين القولين لاجتماعهما على الصدق بطريق أخذ المتأخر عن المتقدم، أو أن ذلك من توافق الآراء (قوله: الأنمارية) نسبة لأنمار: قبيلة (قوله: فاطمة) بدل أو عطف بيان من الأنمارية، والخرشب- بضم الخاء والشين وبينهما راء ساكنة- وفاطمة هذه كانت من جملة الأنصار (قوله: وذلك) أى: وسبب ذلك القول (قوله: عن بنيها) أى: الأربعة الذين رزقت بهم من زوجها زيادة العبسى- بكسر الزاى وتخفيف الياء- وهم ربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس، وعمارة بكسر العين كما ضبطه شيخنا الحفنى فى نسخته بالقلم، وسمعته من شيخنا العدوى بضمها، والحفاظ بضم الحاء وتشديد الفاء كما سمعته من شيخنا العدوى، وسمعته من شيخنا الشيخ عطية الأجهورى بكسر الحاء وتخفيف الفاء (قوله عمارة لا) لما ذكرت أوّلا عمارة معتقدة أنه أفضلهم، ثم ظهر لها أنه ليس أفضل أضربت عنه، وهكذا يقال فيما بعد، ولمّا لم يعلم عين الذى أتت به ثانيا وثالثا قال الشارح: فلان وكان المناسب لكون الأولاد أربعة أن يزيد الشارح" لا بل فلان" ثالثا كما عبّر به العلامة اليعقوبى. (قوله: ثم قالت) أى: فى الجواب (قوله: ثكلتهم) بفتح المثلثة وكسر الكاف أى: فقدتهم بالموت (قوله: إن كنت أعلم أيّهم أفضل) يحتمل أن" أيّا" استفهامية معربة مبتدأ وأفضل خبر والمعنى إن كنت أعلم جواب هذا الاستفهام وهى معلقة لأعلم عن العمل فى الجزأين وجملة أيهم أفضل فى محل نصب سادة مسد المفعولين، ويحتمل أن تكون موصولة مبنية على الضم فى محل نصب مفعول أول وأفضل خبر لمبتدأ محذوف،

стр. 1681

(هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟ أى: هم متناسبون فى الشرف) يمتنع تعيين بعضهم فاضلا وبعضهم أفضل منه (كما أنها) أى: الحلقة المفرغة (متناسبة الأجزاء فى الصورة) يمتنع تعيين بعضها طرفا، وبعضها وسطا؛ لكونها مفرغة مصمتة الجوانب كالدائرة. === والجملة صلة لأى، والمفعول الثانى محذوف أى: إن كنت أعلم الذى هو أفضل كائنا منهم، ولكن المناسب الأوّل لأجل التطابق بين السؤال والجواب؛ لأن السؤال لها بلفظ أيهم الاستفهامية فيناسب أن تكون الواقعة فى جوابها كذلك (قوله: المفرغة) هى التى أذيب أصلها من ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك، وأفرغت فى القالب فلا يظهر لها طرف بل تكون مصمتة الجوانب أى: لا انفراج فيها، ثم إنه لا يلزم من نفى الانفراج نفى التربيع والتثليث مثلا، ولكن المراد ما كان كالدائرة ليتحقق التناسب فى الشكل والوضع فتصير بذلك ذات إحاطة نهاية واحدة كالدائرة، وبهذا تعلم أنه ليس المراد بكونها مصمتة كونها لا جوف لها، وإنما قيد الحلقة بكونها مفرغة؛ لأن المضروبة يعلم طرفاها بالابتداء والانتهاء، ولأنها تتفاوت فلا تتناسب أجزاؤها (قوله: لا يدرى أين طرفاها؟ ) فيه أن هذا يقتضى أن الدائرة المفرغة لها طرفان لكن لا يعلمان فى أى محل مع أنه لا طرف لها أصلا؟ ، وأجيب بأنا لا نسلم أن نفى دراية طرفيها يستلزم وجود الطرفين؛ لأن السالبة لا تقتضى وجود الموضوع (قوله: أى هم متناسبون فى الشرف) هذا إشارة للوصف المتضمن لوجه الشبه الكائن فى الطرفين؛ وذلك لأن وجه الشبه المشترك بين الطرفين التناسب الكلى الخالى عن التفاوت، وإن كان ذلك التناسب فى المشبه تناسبا فى الشرف وفى المشبه به تناسبا فى صورة الأجزاء، وما ذكره المصنف من التناسب فى الشرف مختصّ بالمشبه به، ولكنه يتضمن وصف كلّ منهما بالتناسب الخالى عن التفاوت بواسطة الانتقال من تناسبهم فى الشرف إلى تناسب أجزاء الحلقة، ولا يخفى أن هذا الوجه الذى بين الطرفين فى غاية الدقة لا يدركه إلا الخواصّ (قوله: مصمتة الجوانب) أى: لا انفراج فيها بل متصلة من كل جانب (قوله: كالدائرة) فيه أن الحلقة من أفراد الدائرة فكيف تشبه بها؟ وأجيب بأن المراد كالدائرة التى ليست حلقة بل المتداولة فى الأشكال عند الحكماء.

стр. 1682

(وأيضا منه) أى: من المجمل، وقوله: منه دون أن يقول: وأيضا إما كذا، وإما كذا إشعار بأن هذا من تقسيمات المجمل، لا من تقسيمات مطلق التشبيه، أى: ومن المجمل (ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين) يعنى: الوصف الذى يكون فيه إيماء إلى وجه الشبه، نحو: زيد أسد (ومنه) أى: المجمل (ما ذكر فيه وصف المشبه به وحده) أى: الوصف المشعر بوجه الشبه، ... === (قوله: وأيضا منه ما لم يذكر .. إلخ) هذا عطف على قوله: منه ظاهر ومنه خفىّ، وأيضا معمول لمحذوف، والجملة معترضة بين العاطف والمعطوف أى: ومنه أى: المجمل تئيض وترجع لتقسيمه أيضا، وفائدة ذكر أيضا إفادة أنه استئناف تقسيم للمجمل وليس تقسيما للخفىّ، إذ ذكر الوصف المشعر بوجه الشبه أنسب بالخفىّ، وبهذا التقرير تعلم أن الجملة المعترضة تقع بين العاطف والمعطوف- قاله فى الأطول. (قوله: دون أن يقول وأيضا إما كذا) أى: ويحذف منه (قوله: إشعار .. إلخ) أى: ويقوى هذا الإشعار تأخير مقابل إما مجمل عن قوله: وأيضا منه .. إلخ، فلو كان تقسيما لمطلق التشبيه لأخّره عن قوله: الآتى وإما مفصل الذى هو مقابل لقوله: إما مجمل (قوله: من تقسيمات المجمل) أى: تقسيمه أولا إلى ظاهر وخفىّ، وهذا تقسيم ثان له، والحاصل: أنه لو حذف أيضا لتوهم أن هذا تقسيم للخفى ولو حذف منه لتوهم أنه تقسيم لمطلق التشبيه فجمع بينهما للإشعار بأن هذا تقسيم للمجمل لا للخفى ولا لمطلق التشبيه (قوله: ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين) أى: لم يذكر فيه وصف المشبه ولا وصف المشبه به (قوله: نحو زيد أسد) هذا تمثيل لما لم يذكر .. إلخ أى: ونحو: زيد الفاضل أسد، فإن الظاهر أن وجه الشبه فيهما الشجاعة ولم يذكر فى كلّ من التشبيهين وصف أحد من الطرفين المومئ إلى وجه الشبه المذكور؛ لأن الفاضل فى التشبيه الثانى لا إشعار له بالشجاعة أى: لا دلالة له عليها بخصوصها، إذ لا دلالة للعامّ على الخاصّ، وإنما أتى الشارح بالعناية إشارة إلى أنه ليس المراد مطلق الوصف كما هو ظاهره وقد فهم بعض الشراح كلام المصنف على ظاهره (قوله: ومنه) أى: من المجمل ما ذكر .. إلخ. اعترض بأن ذكر الوصف يشمل المجمل والمفصل فلا وجه لتخصيصه بالمجمل.

стр. 1683

كقولها: هم كالحلقة المفرغة؛ لا يدرى أين طرفاها. (ومنه ما ذكر فيه وصفهما) أى: المشبه والمشبه به كليهما (كقوله: صدفت عنه) أى: أعرضت عنه (ولم تصدف مواهبه عنى ... === وأجيب بأن له وجها، إذ لا يذكر الوصف المذكور أى: المشعر فى التشبيه المفصل؛ لأن وجه الشبه فيه مذكور فلو ذكر الوصف المشعر به كان تكرارا وهو مستقبح فى نظر البلغاء (قوله: كقولها) أى: فاطمة الأنمارية" هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها"؟ فإن مضمون قولها: لا يدرى أين طرفاها وصف للمشبه به وهو نفى دراية الطرفين وهو يستلزم التناسب الخالى عن التفاوت الذى هو وجه الشبه كما تقدم، وأما وصف الحلقة بالإفراغ فلتحقق المشبه به؛ لأن الحلقة المفرغة لا مطلق الحلقة، وحينئذ فلا دخل له فى الإيماء لوجه الشبه (قوله: ومنه ما ذكر فيه وصفهما) ترك المصنف ما ذكر فيه وصف المشبه فقط، ولعله لعدم الظفر له بمثال فى كلامهم، ومثاله: فلان كثرت أياديه لدىّ ووصلت مواهبه إلىّ طلبت منه أو لم أطلب كالغيث، وكما فى قولك: إن الشمس التى إذا طلعت لم يبد كوكب مثلك. (قوله: كقوله) أى: قول أبى تمام يمدح الحسن بن سهل- كذا فى المطول، وفى شرح الشواهد: الحسن بن رجاء بن الضحاك، والبيتان من قصيدة من البسيط مطلعها: أبدت أسى أن رأتنى مخلس القصب (*) ... وآل ما كان من عجب إلى عجب إلى أن قال: ستصبح العيس بى والليل عند فتى ... كثير ذكر الرّضا فى ساعة الغضب (١) صدفت عنه ... إلخ، وقوله: والليل أى: وسير الليل، ومعنى البيت: ستدخلنى الإبل والسير فى الليل صباحا عند فتى يعفو عند الغضب (قوله: أعرضت عنه) أى: تجربيا لشأنه أو خطأ منى وقلة وفاء بحقه (قوله: ولم تصدف مواهبه) أى: ولم تعرض بمعنى تنقطع عطاياه وتصدف بالتاء الفوقية المفتوحة ومواهبه فاعل، أو بالياء التحتية ومواهبه

стр. 1684

وعاوده ظنى فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك) أى: أتاك (ريقه) يقال: فعله فى روق شبابه وريقه، أى: أوّله، وأصابه ريق المطر، وريق كل شىء: أفضله (وإن ترحّلت عنه لجّ فى الطلب). وصف المشبه- أعنى: الممدوح- بأن عطاياه فائضة عليه أعرض أو لم يعرض، وكذا وصف المشبه به- أعنى الغيث- بأنه ... === مفعول؛ لأن صدف يأتى لازما ومتعديا وبابه ضرب (قوله: وعاوده ظنى) أى: بعد ما صدفت عنه عاوده ظنى أى: رجائى وحقيقة هذا الكلام عاودت لمواصلته طلبا لإغداقه ظنّا منّى أنى أجد فيه المراد، وحينئذ فنسبة المعاودة إلى الظن تجوّز (قوله: فلم يخب) أى: ظنى فيه بل وجدت عند معاودته لطلب الإحسان كما أظن وكيف يخيب الظن فيه وهو يهب عند الإعراض فيهب عند الإقبال من باب أولى فهو فى إفاضته فى الإقبال والإدبار كالغيث إن جئته أى: قصدته لشرب ونحوه حال إقباله عليك وافاك ريقه أى: جاءك ولاقاك أحسنه وإن ترحّلت عنه وفررت منه لجّ وبالغ فى طلبك وإدراكك مع فرارك منه (قوله: كالغيث) هو المطر الواسع المقبل الذى يرتجيه أهل الأرض (قوله: إن جئته .. إلخ) هذا فى مقابلة قوله: وعاوده ظنى (وقوله: وإن ترحلت .. إلخ) فى مقابلة قوله صدفت عنه .. إلخ، ففيه لف ونشر مشوش (قوله: ريقه) أصله ريوق من الروق، (وقوله: يقال) أى: لغة (قوله: أى أوله) تفسير للأمرين قبله وهو: روق الشباب وريقه. (قوله: وريق كل شىء أفضله) إشارة إلى أنه يتسع فى الريق، ويستعمل بمعنى الأفضل لعلاقة اللزوم كما هنا فروق الشباب وريقه أفضله وأحسنه؛ لأنه يلزم من كون الشىء أوّلا أن يكون أفضل وأحسن فى الغالب. قال العلامة اليعقوبى: وجعل أول المطر أحسنه للأمن معه من الفساد، وإنما يخشى الفساد بدوامه (قوله: وإن ترحّلت عنه) أى: ارتحلت وفررت وتباعدت عن الغيث (قوله: لجّ) بالجيم من اللجاج وهو الخصومة، أو بالحاء المهملة من الإلحاح وهو فى الأصل كثرة الكلام أريد به هنا مجرد الكثرة، والمعنى على كل حال بالغ. (قوله: أعرض) هو معنى صدفت عنه، (وقوله، وأو لم يعرض) هو معنى قوله: وعاوده ظنى (قوله: أعنى الغيث) من ذلك يعلم أن الضمير فى قوله فى البيت: إن جئته

стр. 1685

يصيبك جئته أو ترحّلت عنه، والوصفان مشعران بوجه الشبه، أعنى: الإفاضة فى حالتى الطلب وعدمه، وحالتى الإقبال عليه والإعراض عنه. (وإما مفصل) عطف على: مجمل (وهو ما ذكر وجهه، كقوله: وثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى === راجع للغيث (قوله: يصيبك) هو معنى قوله: وافاك (قوله: والوصفان) أى: الخاصّان وهما كون عطايا الممدوح فائضة أعرضت عنه أو لا، وكون الغيث يصيبك جئته أو ترحّلت عنه (قوله: بوجه الشبه) أى: الذى هو معنى يشتركان فيه (قوله: أعنى) أى: بوجه الشبه (قوله: الإفاضة فى حالتى الطلب وعدمه) هذا بالنسبة للغيث المشبه به، (وقوله: وحالتى الإقبال عليه والإعراض عنه) هذا بالنسبة للممدوح المشبه، وبهذا ظهر أن ما ذكره ليس وجه شبه فكان الصواب أن يقول: أعنى: مطلق الإفاضة فى الحالين، لكن المراد بالحالين فى المشبه به الطلب وعدمه، وفى المشبه الإقبال عليه والإعراض عنه، إلا أن يقال: أن قوله: وحالتى الإقبال عليه والإعراض عنه تفسير لما قبله من الإفاضة حالتى الطلب وعدمه، أو أن قوله: أعنى أى: بالوصفين لا بوجه الشبه- كذا قرر شيخا العدوى. (قوله: عطف) أى معطوف على مجمل، والعاطف له هو إما، وقيل العاطف له الواو، و" إما" لمجرد التفصيل (قوله: وهو ما ذكر وجهه) أعمّ من أن يكون المذكور وجه الشبه حقيقة وذلك كما فى البيت الذى ذكره، أو يكون المذكور ملزوم وجه الشبه فيطلق على ذلك الملزوم أنه وجه الشبه تسامحا وإن كان وجه الشبه حقيقة هو اللازم الذى لم يذكر، كما أشار لذلك بقوله: وقد يتسامح .. إلخ، وهذا غير ما تقدم أنه يذكر وصف الطرفين أو أحدهما المشعر بوجه الشبه؛ لأن ما هنا فيما إذا ذكر الوصف فى مكان وجه الشبه وعلى طريقة ذكره بخلاف ما هناك (قوله: وثغره) أى: وأسنان ثغره أى: فمه وهو مبتدأ و" أدمعى" عطف عليه (وقوله: كاللآلى) خبر (وقوله: فى صفاء) هو وجه الشبه، وقد مثّل بهذا فيما تقدم لتشبيه التسوية باعتبار تعدد الطرف الأول وهو المشبه، ومثّل به هنا للتشبيه المفصل باعتبار التصريح بوجه الشبه، فناسب المحلين بالاعتبارين
следующие страницы →