(هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟ أى: هم متناسبون فى الشرف) يمتنع تعيين بعضهم فاضلا وبعضهم أفضل منه (كما أنها) أى: الحلقة المفرغة (متناسبة الأجزاء فى الصورة) يمتنع تعيين بعضها طرفا، وبعضها وسطا؛ لكونها مفرغة مصمتة الجوانب كالدائرة.
===
والجملة صلة لأى، والمفعول الثانى محذوف أى: إن كنت أعلم الذى هو أفضل كائنا منهم، ولكن المناسب الأوّل لأجل التطابق بين السؤال والجواب؛ لأن السؤال لها بلفظ أيهم الاستفهامية فيناسب أن تكون الواقعة فى جوابها كذلك
(قوله: المفرغة) هى التى أذيب أصلها من ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك، وأفرغت فى القالب فلا يظهر لها طرف بل تكون مصمتة الجوانب أى: لا انفراج فيها، ثم إنه لا يلزم من نفى الانفراج نفى التربيع والتثليث مثلا، ولكن المراد ما كان كالدائرة ليتحقق التناسب فى الشكل والوضع فتصير بذلك ذات إحاطة نهاية واحدة كالدائرة، وبهذا تعلم أنه ليس المراد بكونها مصمتة كونها لا جوف لها، وإنما قيد الحلقة بكونها مفرغة؛ لأن المضروبة يعلم طرفاها بالابتداء والانتهاء، ولأنها تتفاوت فلا تتناسب أجزاؤها
(قوله: لا يدرى أين طرفاها؟ ) فيه أن هذا يقتضى أن الدائرة المفرغة لها طرفان لكن لا يعلمان فى أى محل مع أنه لا طرف لها أصلا؟ ، وأجيب بأنا لا نسلم أن نفى دراية طرفيها يستلزم وجود الطرفين؛ لأن السالبة لا تقتضى وجود الموضوع
(قوله: أى هم متناسبون فى الشرف) هذا إشارة للوصف المتضمن لوجه الشبه الكائن فى الطرفين؛ وذلك لأن وجه الشبه المشترك بين الطرفين التناسب الكلى الخالى عن التفاوت، وإن كان ذلك التناسب فى المشبه تناسبا فى الشرف وفى المشبه به تناسبا فى صورة الأجزاء، وما ذكره المصنف من التناسب فى الشرف مختصّ بالمشبه به، ولكنه يتضمن وصف كلّ منهما بالتناسب الخالى عن التفاوت بواسطة الانتقال من تناسبهم فى الشرف إلى تناسب أجزاء الحلقة، ولا يخفى أن هذا الوجه الذى بين الطرفين فى غاية الدقة لا يدركه إلا الخواصّ
(قوله: مصمتة الجوانب) أى: لا انفراج فيها بل متصلة من كل جانب
(قوله: كالدائرة) فيه أن الحلقة من أفراد الدائرة فكيف تشبه بها؟ وأجيب بأن المراد كالدائرة التى ليست حلقة بل المتداولة فى الأشكال عند الحكماء.
стр. 1682
(وأيضا منه) أى: من المجمل، وقوله: منه دون أن يقول: وأيضا إما كذا، وإما كذا إشعار بأن هذا من تقسيمات المجمل، لا من تقسيمات مطلق التشبيه، أى: ومن المجمل (ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين) يعنى: الوصف الذى يكون فيه إيماء إلى وجه الشبه، نحو: زيد أسد (ومنه) أى: المجمل (ما ذكر فيه وصف المشبه به وحده) أى: الوصف المشعر بوجه الشبه، ...
===
(قوله: وأيضا منه ما لم يذكر .. إلخ) هذا عطف على قوله: منه ظاهر ومنه خفىّ، وأيضا معمول لمحذوف، والجملة معترضة بين العاطف والمعطوف أى: ومنه أى:
المجمل تئيض وترجع لتقسيمه أيضا، وفائدة ذكر أيضا إفادة أنه استئناف تقسيم للمجمل وليس تقسيما للخفىّ، إذ ذكر الوصف المشعر بوجه الشبه أنسب بالخفىّ، وبهذا التقرير تعلم أن الجملة المعترضة تقع بين العاطف والمعطوف- قاله فى الأطول.
(قوله: دون أن يقول وأيضا إما كذا) أى: ويحذف منه
(قوله: إشعار .. إلخ) أى:
ويقوى هذا الإشعار تأخير مقابل إما مجمل عن قوله: وأيضا منه .. إلخ، فلو كان تقسيما لمطلق التشبيه لأخّره عن قوله: الآتى وإما مفصل الذى هو مقابل لقوله: إما مجمل
(قوله: من تقسيمات المجمل) أى: تقسيمه أولا إلى ظاهر وخفىّ، وهذا تقسيم ثان له، والحاصل:
أنه لو حذف أيضا لتوهم أن هذا تقسيم للخفى ولو حذف منه لتوهم أنه تقسيم لمطلق التشبيه فجمع بينهما للإشعار بأن هذا تقسيم للمجمل لا للخفى ولا لمطلق التشبيه
(قوله: ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين) أى: لم يذكر فيه وصف المشبه ولا وصف المشبه به
(قوله: نحو زيد أسد) هذا تمثيل لما لم يذكر .. إلخ أى: ونحو: زيد الفاضل أسد، فإن الظاهر أن وجه الشبه فيهما الشجاعة ولم يذكر فى كلّ من التشبيهين وصف أحد من الطرفين المومئ إلى وجه الشبه المذكور؛ لأن الفاضل فى التشبيه الثانى لا إشعار له بالشجاعة أى: لا دلالة له عليها بخصوصها، إذ لا دلالة للعامّ على الخاصّ، وإنما أتى الشارح بالعناية إشارة إلى أنه ليس المراد مطلق الوصف كما هو ظاهره وقد فهم بعض الشراح كلام المصنف على ظاهره
(قوله: ومنه) أى: من المجمل ما ذكر .. إلخ. اعترض بأن ذكر الوصف يشمل المجمل والمفصل فلا وجه لتخصيصه بالمجمل.
стр. 1683
كقولها: هم كالحلقة المفرغة؛ لا يدرى أين طرفاها.
(ومنه ما ذكر فيه وصفهما) أى: المشبه والمشبه به كليهما (كقوله:
صدفت عنه) أى: أعرضت عنه (ولم تصدف مواهبه عنى ...
===
وأجيب بأن له وجها، إذ لا يذكر الوصف المذكور أى: المشعر فى التشبيه المفصل؛ لأن وجه الشبه فيه مذكور فلو ذكر الوصف المشعر به كان تكرارا وهو مستقبح فى نظر البلغاء
(قوله: كقولها) أى: فاطمة الأنمارية" هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها"؟ فإن مضمون قولها:
لا يدرى أين طرفاها وصف للمشبه به وهو نفى دراية الطرفين وهو يستلزم التناسب الخالى عن التفاوت الذى هو وجه الشبه كما تقدم، وأما وصف الحلقة بالإفراغ فلتحقق المشبه به؛ لأن الحلقة المفرغة لا مطلق الحلقة، وحينئذ فلا دخل له فى الإيماء لوجه الشبه
(قوله: ومنه ما ذكر فيه وصفهما) ترك المصنف ما ذكر فيه وصف المشبه فقط، ولعله لعدم الظفر له بمثال فى كلامهم، ومثاله: فلان كثرت أياديه لدىّ ووصلت مواهبه إلىّ طلبت منه أو لم أطلب كالغيث، وكما فى قولك: إن الشمس التى إذا طلعت لم يبد كوكب مثلك.
(قوله: كقوله) أى: قول أبى تمام يمدح الحسن بن سهل- كذا فى المطول، وفى شرح الشواهد: الحسن بن رجاء بن الضحاك، والبيتان من قصيدة من البسيط مطلعها:
أبدت أسى أن رأتنى مخلس القصب (*) ... وآل ما كان من عجب إلى عجب
إلى أن قال:
ستصبح العيس بى والليل عند فتى ... كثير ذكر الرّضا فى ساعة الغضب (١)
صدفت عنه ... إلخ، وقوله: والليل أى: وسير الليل، ومعنى البيت: ستدخلنى الإبل والسير فى الليل صباحا عند فتى يعفو عند الغضب
(قوله: أعرضت عنه) أى: تجربيا لشأنه أو خطأ منى وقلة وفاء بحقه
(قوله: ولم تصدف مواهبه) أى: ولم تعرض بمعنى تنقطع عطاياه وتصدف بالتاء الفوقية المفتوحة ومواهبه فاعل، أو بالياء التحتية ومواهبه
стр. 1684
وعاوده ظنى فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك) أى: أتاك (ريقه) يقال: فعله فى روق شبابه وريقه، أى: أوّله، وأصابه ريق المطر، وريق كل شىء: أفضله (وإن ترحّلت عنه لجّ فى الطلب).
وصف المشبه- أعنى: الممدوح- بأن عطاياه فائضة عليه أعرض أو لم يعرض، وكذا وصف المشبه به- أعنى الغيث- بأنه ...
===
مفعول؛ لأن صدف يأتى لازما ومتعديا وبابه ضرب
(قوله: وعاوده ظنى) أى: بعد ما صدفت عنه عاوده ظنى أى: رجائى وحقيقة هذا الكلام عاودت لمواصلته طلبا لإغداقه ظنّا منّى أنى أجد فيه المراد، وحينئذ فنسبة المعاودة إلى الظن تجوّز
(قوله: فلم يخب) أى:
ظنى فيه بل وجدت عند معاودته لطلب الإحسان كما أظن وكيف يخيب الظن فيه وهو يهب عند الإعراض فيهب عند الإقبال من باب أولى فهو فى إفاضته فى الإقبال والإدبار كالغيث إن جئته أى: قصدته لشرب ونحوه حال إقباله عليك وافاك ريقه أى:
جاءك ولاقاك أحسنه وإن ترحّلت عنه وفررت منه لجّ وبالغ فى طلبك وإدراكك مع فرارك منه
(قوله: كالغيث) هو المطر الواسع المقبل الذى يرتجيه أهل الأرض
(قوله: إن جئته .. إلخ) هذا فى مقابلة قوله: وعاوده ظنى (وقوله: وإن ترحلت .. إلخ) فى مقابلة قوله صدفت عنه .. إلخ، ففيه لف ونشر مشوش
(قوله: ريقه) أصله ريوق من الروق، (وقوله: يقال) أى: لغة
(قوله: أى أوله) تفسير للأمرين قبله وهو: روق الشباب وريقه.
(قوله: وريق كل شىء أفضله) إشارة إلى أنه يتسع فى الريق، ويستعمل بمعنى الأفضل لعلاقة اللزوم كما هنا فروق الشباب وريقه أفضله وأحسنه؛ لأنه يلزم من كون الشىء أوّلا أن يكون أفضل وأحسن فى الغالب.
قال العلامة اليعقوبى: وجعل أول المطر أحسنه للأمن معه من الفساد، وإنما يخشى الفساد بدوامه
(قوله: وإن ترحّلت عنه) أى: ارتحلت وفررت وتباعدت عن الغيث
(قوله: لجّ) بالجيم من اللجاج وهو الخصومة، أو بالحاء المهملة من الإلحاح وهو فى الأصل كثرة الكلام أريد به هنا مجرد الكثرة، والمعنى على كل حال بالغ.
(قوله: أعرض) هو معنى صدفت عنه، (وقوله، وأو لم يعرض) هو معنى قوله:
وعاوده ظنى
(قوله: أعنى الغيث) من ذلك يعلم أن الضمير فى قوله فى البيت: إن جئته
стр. 1685
يصيبك جئته أو ترحّلت عنه، والوصفان مشعران بوجه الشبه، أعنى: الإفاضة فى حالتى الطلب وعدمه، وحالتى الإقبال عليه والإعراض عنه.
(وإما مفصل) عطف على: مجمل (وهو ما ذكر وجهه، كقوله:
وثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى
===
راجع للغيث
(قوله: يصيبك) هو معنى قوله: وافاك
(قوله: والوصفان) أى: الخاصّان وهما كون عطايا الممدوح فائضة أعرضت عنه أو لا، وكون الغيث يصيبك جئته أو ترحّلت عنه
(قوله: بوجه الشبه) أى: الذى هو معنى يشتركان فيه
(قوله: أعنى) أى:
بوجه الشبه
(قوله: الإفاضة فى حالتى الطلب وعدمه) هذا بالنسبة للغيث المشبه به، (وقوله: وحالتى الإقبال عليه والإعراض عنه) هذا بالنسبة للممدوح المشبه، وبهذا ظهر أن ما ذكره ليس وجه شبه فكان الصواب أن يقول: أعنى: مطلق الإفاضة فى الحالين، لكن المراد بالحالين فى المشبه به الطلب وعدمه، وفى المشبه الإقبال عليه والإعراض عنه، إلا أن يقال: أن قوله: وحالتى الإقبال عليه والإعراض عنه تفسير لما قبله من الإفاضة حالتى الطلب وعدمه، أو أن قوله: أعنى أى: بالوصفين لا بوجه الشبه- كذا قرر شيخا العدوى.
(قوله: عطف) أى معطوف على مجمل، والعاطف له هو إما، وقيل العاطف له الواو، و" إما" لمجرد التفصيل
(قوله: وهو ما ذكر وجهه) أعمّ من أن يكون المذكور وجه الشبه حقيقة وذلك كما فى البيت الذى ذكره، أو يكون المذكور ملزوم وجه الشبه فيطلق على ذلك الملزوم أنه وجه الشبه تسامحا وإن كان وجه الشبه حقيقة هو اللازم الذى لم يذكر، كما أشار لذلك بقوله: وقد يتسامح .. إلخ، وهذا غير ما تقدم أنه يذكر وصف الطرفين أو أحدهما المشعر بوجه الشبه؛ لأن ما هنا فيما إذا ذكر الوصف فى مكان وجه الشبه وعلى طريقة ذكره بخلاف ما هناك
(قوله: وثغره) أى: وأسنان ثغره أى: فمه وهو مبتدأ و" أدمعى" عطف عليه (وقوله: كاللآلى) خبر (وقوله: فى صفاء) هو وجه الشبه، وقد مثّل بهذا فيما تقدم لتشبيه التسوية باعتبار تعدد الطرف الأول وهو المشبه، ومثّل به هنا للتشبيه المفصل باعتبار التصريح بوجه الشبه، فناسب المحلين بالاعتبارين
стр. 1686
وقد يتسامح بذكر ما يستتبعه مكانه) أى: بأن يذكر مكان وجه الشبه ما يستلزمه، أى: يكون وجه الشبه تابعا له، لازما فى الجملة (كقولهم للكلام الفصيح: هو كالعسل فى الحلاوة؛ فإن الجمع فيه لازمها) أى: وجه الشبه فى هذا التشبيه: لازم الحلاوة (وهو ميل الطبع) لأنه المشترك بين العسل والكلام،
===
ووصف الدموع بالصفاء إشعارا بكثرتها لاقتضاء الكثرة غسل المنبع وتنقيته من الأوساخ التى تتمزج بالماء، بخلاف ما إذا جرى أحيانا فإنه يكون بكدرات المنبع، فسقط قول بعضهم: إن الدمع الصافى لا يدلّ على الحزن، والمتمدح به الدمع المشوب بالدم
(قوله: وقد يتسامح) أى: يتساهل فى ذكر وجه الشبه، فيستغنى عنه بسبب ذكر ملزوم يستتبعه أى: يستلزمه
(قوله: بأن يذكر مكان .. إلخ) أشار بهذا إلى أن مكانه ظرف لغو متعلق بذكر لا أنه ظرف مستقرّ حال من ما وأن الاستتباع معناه الاستلزام، وأشار بقوله أى:
يكون .. إلخ إلى أن الضمير المستتر فى يستتبع عائد إلى ما، والبارز عائد على وجه الشبه أى: قد يتسامح ويذكر فى مكان وجه الشبه أمر يستلزم ذلك الأمر وجه الشبه ومعنى ذكره فى مكانه أن يؤتى به على طريقته من إدخال فى عليه ليخرج بذلك ذكر الوصف المشعر بالوجه لأحد الطرفين أو لكليهما كما تقدم، فإنه لا يذكر على طريقة وجه الشبه بأن يقال: كذا مثل كذا فى كذا بخلاف المستتبع هنا، فإنه يذكر على هذا الطريق
(قوله: فى الجملة) أى: ولو فى الجملة بأن يكون التلازم عاديّا ولا يشترط أن يكون عقليّا، وحاصل ما أشار إليه الشارح: أن المراد بالاستلزام هنا مجرد الحصول مع الحصول، سواء كان عاديّا أو عقليّا، ولا يشترط خصوص التلازم العقلى الذى لا يتخلف أصلا لجواز التخلف هنا، ألا ترى للحلاوة فى المثال الآتى فإنها لا تستلزم ميل الطبع للشىء الحلو، إذ قد تكون موجبة لنفرة الطبع من الشىء الحلو كما فى بعض الطباع المنحرفة لمرض ونحوه
(قوله: للكلام) أى: فى شأن الكلام (وقوله: الفصيح) أى: أو البليغ وهو الأنسب لأنه الأحقّ بالتشبيه بالعسل
(قوله: فإنه الجامع فيه) أى: فإن وجه الشبه فى ذلك التشبيه
(قوله: لازم الحلاوة) أى: فالمذكور فى العبارة كالحلاوة لازم له كما هو ظاهر
(قوله: وهو) أى: لازمها ميل الطبع أى: محبته واستحسانه
(قوله: لأنه)
стр. 1687
لا الحلاوة التى هى من خواصّ المطعومات.
(وأيضا) تقسيم ثالث للتشبيه باعتبار وجهه، وهو أنه: (إما قريب مبتذل، وهو ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر؛ ...
===
أى: ميل الطبع
(قوله: لا الحلاوة) عطف على لازم الحلاوة
(قوله: التى هى من خواصّ المطعومات) أى: وحينئذ فلا تكون موجودة فى الكلام؛ لأنه ليس من المطعومات ولا بد فى الجامع أن يكون متحققا فى الطرفين هذا وما ذكره فى هذا المثال من أن المذكور ملزوم لوجه الشبه لا أنه نفسه هو المتبادر بحسب الظاهر، ويحتمل أن يكون المذكور فى هذا المثال وهو الحلاوة هى وجه الشبه نفسها ويكون وجودها فى الكلام على وجه التخييل كما فى تشبيه السّنّة بالنجم والبدعة بالظلمة، وهذا هو الأقرب، فإن الوجه الأوّل يرد عليه أن يقال: إن كان ذكر الحلاوة مثلا من التعبير عن اللازم بالملزوم كما هو ظاهر كلامه كان من المجاز ولا تسامح فيه؛ لأنه قد ذكر الوجه غاية الأمر أنه عبّر عنه بلفظ ملزومه وإن كان ذكر الحلاوة لغير ذلك فهو خطأ، إذ لا واسطة بين الحقيقة والمجاز إلا الخطأ ولا ينبغى حمل الكلام الفصيح على الخطأ- فافهم- اه يعقوبى.
(قوله: وهو أنه) أى: التشبيه
(قوله: إما قريب) أى: مستعمل للعامة ولغيرهم، (وقوله: مبتذل) أى: متداول بين الناس تفسير لقوله: قريب، والابتذال فى الأصل:
الامتهان، أطلق وأريد به التداول وكثرة الاستعمال من باب إطلاق اسم اللازم وإرادة الملزوم؛ لأن الشىء المتداول بين الناس يكون ممتهنا.
(قوله: وهو ما) أى: التشبيه الذى ينتقل .. إلخ لما كان التشبيه مسوقا لبيان حال المشبه وجعله كالمشبه به كان فيه انتقال الذهن من المشبه إلى المشبه به فإن كان ذلك الانتقال حاصلا من غير تدقيق نظر بأن كان كون أحدهما مشبها والآخر مشبها به ظاهرا لظهور وجه الشبه فيهما كان التشبيه مبتذلا نحو: زيد كالفحم؛ فإن الفحم أعرف شىء بالسواد، وإن كان ذلك الانتقال بعد تأمل وتدقيق نظر لعدم ظهور وجه الشبه فيهما كان التشبيه بعيدا
(قوله: ينتقل فيه من المشبه) أى: ينتقل مريد التشبيه من المشبه إلى المشبه به لأجل بيان حال المشبه
(قوله: من غير تدقيق نظر) أى: من غير نظر
стр. 1688
لظهور وجهه فى بادى الرأى) أى: فى ظاهره إذا جعلته من بدا الأمر يبدو، أى:
ظهر، وإن جعلته مهموزا من [بدأ] فمعناه: فى أول الرأى. وظهور وجهه فى بادى الرأى يكون لأمرين (إما لكونه أمرا جمليّا) لا تفصيل فيه (فإن الجملة أسبق إلى النفس) من التفصيل. ألا ترى أن إدراك الإنسان ...
===
وفكر دقيق
(قوله: لظهور .. إلخ) علّة للانتقال من غير تدقيق نظر
(قوله: أى فى ظاهره) وعلى هذا فالمعنى: لظهور وجه الشبه حالة كونه من جملة المرئيات البادية أى: الظاهرة، وذكر بعضهم: أن قوله فى بادى الرأى على حذف مضافين أى: فى وقت حدوث بادى الرأى، أو أنه ظرف تنزيلى
(قوله: مهموزا) أى: فى الحال، أو بحسب الأصل بأن تكون الهمزة قلبت ياء لانكسار ما قبلها
(قوله: فى أول الرأى) وعلى هذا فالمعنى: لظهور وجه الشبه حالة كونه من جملة المرئيات أولا
(قوله: وظهور وجهه) أى: الشبه فى بادى الرأى .. إلخ، أشار بهذا إلى أن
(قوله: إما لكونه) علّة لظهور وجه الشبه فهو علّة للعلة
(قوله: أمرا جمليّا) بسكون الميم نسبة إلى الجملة أى: لكونه أمرا مجملا والمجمل يطلق على ما لم يتضح معناه وعلى المركب وعلى ما لا تفصيل فيه، وأشار الشارح بقوله: لا تفصيل فيه إلى أنه ليس المراد بالمجمل هنا ما لم يتضح معناه ولا المركب بل الأمر الذى لا تفصيل فيه سواء كان أمرا واحدا لا تركيب فيه كقولك: زيد كعمرو فى الناطقية أو زيد كالفحم فى السواد، أو مركبا لم ينظر فيه إلى أجزائه نحو: زيد كعمرو فى الإنسانية
(قوله: فإن الجملة) علّة للعلّة أى: وإنما كان الأمر الجملى أظهر من التفصيلى؛ لأن الجملة أى: لأن الأمر المجمل أسبق للنفس من التفصيل أى: من ذى التفصيل أو من المفصل (وقوله: أسبق إلى النفس) أى: من حيث الحصول فيها أو أن فى الكلام حذف مضاف أى: إلى إدراك النفس، وإنما كان المجمل أسبق إلى النفس من المفصل؛ لأن المجمل يحتاج إلى ملاحظة واحدة بخلاف المفصل فإنه يحتاج إلى ملاحظات متعددة، فكلّما كثرت التفاصيل كثرت الملاحظات والاعتبارات وكلما كثرت الاعتبارات فى الشىء زادته خصوصا وكلّما كثر التخصيص فى الشىء قلّت أفراده فتقلّ ملابسة وجوده فيكون غريبا لبعده عن الجملة التى تسبق إلى النفس لعمومها وكثرة أفرادها،
стр. 1689
من حيث إنه شىء أو جسم، أو حيوان- أسهل وأقدم من إدراكه من حيث إنه جسم نام، حساس، متحرك بالإرادة، ناطق.
(أو) لكون وجه الشبه (قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به فى الذهن عند حضور المشبه لقرب المناسبة) بين المشبه والمشبه به؛ إذ لا يخفى أن الشىء مع ما يناسبه أسهل حضورا منه مع ما لا يناسبه ...
===
ولذا كان العامّ أعرف من الخاصّ ووجب تقديمه عليه فى التعريفات الكاملة وهى المركبة من الجنس والفصل، وكان التعريف بالأخصّ تعريفا بالأخفى
(قوله: من حيث إنه شىء) هو أعمّ من جسم وجسم أعمّ من حيوان فهذه الثلاثة كلها مجملة لكنها متفاوتة الرتب فى الإجمال
(قوله: أسهل وأقدم) أما كونه أسهل فإنه إدراك من وجه واحد بخلاف ذلك، وأما كونه أقدم- أى: أسبق- فلأن التفصيل بتحليل أمر مجمل فالجملة أسبق منه
(قوله: حسّاس) أى: مدرك بالحواسّ واحترز به عن الجماد
(قوله: ناطق) أى: مدرك للكليات، وإذا علمت أن الجملة أسبق إلى النفس من التفصيل فوجه الشبه إذا كان أمرا جمليّا كان أمرا ظاهرا سهل التناول فيلزم أن يكون التشبيه مبتذلا على ما تقدم، فإذا فرض أن إنسانا شبه زيدا بعمرو فى الإنسانية، وآخر شبهه به فى الإنسانية الموصوفة بشرف الحسب وكرم الطبع وحسن العشرة ودقة النظر فى الأمور، فإن نظر الثانى أخفى من نظر الأول، وبهذا تعلم أن التشبيه الواحد يكون مبتذلا بما اعتبر فيه من جملة الوجه وغير مبتذل بما اعتبر فيه من تفصيله.
(قوله: أو لكون وجه الشبه قليل التفصيل) هذا معطوف على قوله إما لكونه أمرا جمليّا وهو العلّة الثانية لظهور الوجه يعنى: أن ظهور الوجه إما لكونه أمرا جمليّا وإما لكونه ليس جمليّا بل فيه تفصيل ولكنه قليل
(قوله: مع غلبة .. إلخ) أى: حالة كون قلّة التفصيل مصاحبة لغلبة .. إلخ وهذا مصبّ العلّة
(قوله: عند حضور المشبه) ظرف لغلبة حضور المشبه به
(قوله: لقرب المناسبة) علّة لغلبة حضور المشبه به عند حضور المشبه
(قوله: إذ لا يخفى .. إلخ) علّة للعلية أى: إنما كان قرب المناسبة موجبا لغلبة حضور المشبه به عند حضور المشبه؛ لأنه لا يخفى .. إلخ (وقوله: أن الشىء) أى: المشبه به (وقوله: مع ما
стр. 1690
(كتشبيه الجرّة الصغيرة بالكوز فى المقدار والشكل) فإنه قد اعتبر فى وجه الشبه تفصيل ما، أعنى: المقدار والشكل، إلا أن الكوز غالب الحضور عند حضور الجرة (أو مطلقا) ...
===
يناسبه) أى: مع المشبه الذى يناسبه بأن كانا من واد واحد كالأوانى والأزهار (وقوله:
أسهل حضورا منه) أى: من نفسه مع المشبه الذى لا يناسبه؛ لأنهما إذا كانا متناسبين اقترنا فى الخيال، فيسهل الانتقال فى التشبيه لظهور الوجه غالبا مما يحضر كثيرا مع غيره، وهذا التفاوت الذى أوجبه كثرة الاجتماع فى الوجود هو الجامع الخيالى كما تقدم.
(قوله: كتشبيه الجرّة) أى: أن التشبيه المبتذل لظهور وجه الشبه لكون وجه الشبه قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به فى الذهن عند حضور المشبه: كتشبيه الجرّة الصغيرة بالكوز فى المقدار والشكل، وكذلك تشبيه الإجاصة بالسفرجلة فى اللون والشكل والطعم فى بعض الأحيان، وتشبيه العنبة الكبيرة بالبرقوقة فى الشكل واللون والطعم، فإن وجه الشبه فى هذه الأشياء فيه تفصيل أى: اعتبار أشياء، لكن تلك الأشياء ظاهرة تتكرر موصوفاتها على الحس عند إحضار ما يراد تشبيهه بها فيلزم ظهور أوصافها، ثم إن مراد المصنف بالجرة المشبهة بالكوز. الجرة الصغيرة التى فى حلقها اتساع ولها أذنان، إذ هى المشابهة للكوز فى الشكل والمقدار وليس مراد المصنف الجرة الكبيرة التى ليس فى حلقها اتساع، فاندفع ما قيل: أنه لا مناسبة بين الجرة والكوز فى الشكل، ولا حاجة للجواب بأن المراد مطلق الشكل مع مطلق التجويف والانفتاح لجهة مخصوصة
(قوله: والشكل) أى: فإن شكل كلّ منهما كرى مع استطالة
(قوله: إلا أن الكوز غالب الحضور) أى: فى الذهن عند حضور الجرة- هذا عند من يشرب بالكوز من الجرة كما هو عادة بعض الناس يفرغون من الجرة فى الكوز ويشربون- فإذا حضرت الجرة فى الذهن حضر الكوز فيه، واعترض بأن الكوز متكرر على الحس، وحينئذ فهو غالب الحضور فى الذهن حضرت الجرة فيه أو لا، وحينئذ فلا يصح التمثيل بهذا المثال لوجه الشبه القليل التفصيل المصاحب لغلبة حضور المشبه به فى الذهن عن حضور المشبه، وأجيب بأن فى الكوز غلبة الحضور مع الجرة وغلبة الحضور على الإطلاق فمثل
стр. 1691
عطف على قوله: عند حضور المشبه، ثم غلبة حضور المشبه به فى الذهن مطلقا تكون (لتكرره) أى: المشبه به (على الحس) فإن المتكرر على الحس كصورة القمر غير منخسف أسهل حضورا مما لا يتكرر على الحس كصورة القمر منخسفا (كالشمس) أى: كتشبيه الشمس (بالمرآة المجلوة فى الاستدارة والاستنارة) فإن فى وجه الشبه ...
===
به هنا بالاعتبار الأوّل، والحاصل: أن الكوز والمرآة المجلوة فى المثال الآتى كلّ منهما مما يغلب حضوره عند حضور المشبه كالجرة فى المثال الأول والشمس فى المثال الثانى، ومطلقا لتكرر كلّ على الحسّ، فيصح التمثيل بأيّهما لغلبة حضور المشبه به عند حضور المشبه، وكذلك يصح التمثيل بأيهما لغلبة حضور المشبه به مطلقا فتمثيل كل قسم بأحدهما خاصّة على سبيل الاتفاق
(قوله: عطف على قوله عند حضور المشبه) أى:
والمعنى حينئذ: أو لكون وجه الشبه قليل التفصيل مصاحبا لغلبة حضور المشبه به فى الذهن غلبة مطلقة أى: غير مقيدة بحضور المشبه، واعترض على المصنف بأن هذه المقابلة لا تحسن؛ لأن غلبة حضور المشبه به عند حضور المشبه تجامع غلبة حضور المشبه به مطلقا، وأجيب بأن" أو" لمنع الخلو لا لمنع الجمع كما أفاد ذلك العصام
(قوله: لتكرره على الحس) علّة لغلبة حضور المشبه به مطلقا كما أشار لذلك الشارح بقوله: ثم غلبة ..
إلخ (وقوله: على الحس) أى: على أى حسّ من الحواسّ الخمس، والمراد بالحس القوة الحاسّة (وقوله: لتكرره على الحس) أى: أو لكونه لازما لما يتكرر على الحس
(قوله: كصورة القمر غير منخسف) أى: فإنها تتكرر على الحس؛ لأن الإنسان كثيرا ما يراه غير منخسف، وأما صورته منخسفا فإنه لا يراها الإنسان إلا بعد كل حين، وحينئذ عند سماع لفظ القمر كما فى قولك: وجه زيد كالقمر تحضر فى الذهن صورته غير منخسف لا منخسفا، مع أن لفظ قمر: اسم لذلك الجرم فى حالتيه، وكذلك صورة المرآة عند سماع لفظها تحضر فى الذهن مجلوة لا غير؛ وذلك لأن المتكرر على صورة الحس يغلب حضوره مطلقا وإذا غلب حضوره مطلقا تحققت سرعة الانتقال إليه عند سماع لفظه وظهور وجه الشبه ولزم ابتذال التشبيه
(قوله: فى الاستدارة) يرجع إلى الشكل
стр. 1692
تفصيلا ما، لكن المشبه به- أعنى: المرآة- غالب الحضور فى الذهن مطلقا (لمعارضة كلّ من القرب والتكرار التفصيل) أى: وإنما كانت قلّة التفصيل فى وجه الشبه مع غلبة حضور المشبه به بسبب قرب المناسبة، أو التكرار على الحس سببا لظهوره المؤدى إلى الابتذال، ...
===
والاستنارة ترجع إلى الكيف
(قوله: تفصيلا ما) أى: لاعتبار شيئين فيه وهما الشكل والاستنارة
(قوله: غالب الحضور فى الذهن مطلقا) أى: لكثرة شهود المرآة وتكررها على الحسّ.
(قوله: لمعارضة كلّ من القرب .. إلخ) أى: لمعارضة مقتضى كلّ من قرب المناسبة الذى هو سبب للغلبة المقيدة بحضور المشبه والتكرر على الحس الذى هو سبب للغلبة مطلقا لمقتضى التفصيل؛ وذلك لأن مقتضى قرب المناسبة والتكرر على الحس ظهور وجه الشبه وابتذاله لسرعة الانتقال معهما من المشبه إلى المشبه به، ومقتضى التفصيل عدم ظهور وجه الشبه للاحتياج معه إلى التأمل، (فقول المصنف: من القرب) أى: من مقتضى قرب المناسبة كما فى الجرة والكوز (وقوله: التكرار) أى: تكرار المشبه به على الحس كما فى الشمس والمرآة المجلوة.
(وقوله: التفصيل) معمول لمعارضة وفيه حذف مضاف أى: مقتضى التفصيل
(قوله: أى: وإنما كان .. إلخ) أشار الشارح بهذا إلى أن قول المصنف لمعارضة .. إلخ: علّة لمحذوف وهو جواب عما يقال: كيف جعل التفصيل القليل علة لظهور وجه الشبه مع أن التفصيل فى ذاته يقتضى عدم الظهور؟ وحاصل الجواب: أن مقتضى التفصيل قد عورض بما يقتضى الظهور وهو قرب المناسبة فى الصورة الأولى والتكرار على الحس فى الصورة الثانية، فكأن التفصيل غير موجود فعلم من هذا أن قرب المناسبة والتكرار إذا تعارض واحد منهما مع التفصيل القليل بأن وجد معه فى محل واحد فإنه يسقط مقتضاه، وأن التفصيل القليل عند انتفاء قرب المناسبة والتكرار العارضين له يكون من أسباب الغرابة
(قوله: بسبب) متعلق بغلبة (وقوله: قرب المناسبة) أى: فى التشبيه الأول، (وقوله:
أو التكرار) أى: فى التشبيه الثانى
(قوله: سببا) خبر كان، (وقوله: لظهوره) أى:
стр. 1693
مع أن التفصيل من أسباب الغرابة؛ لأن قرب المناسبة فى الصورة الأولى، والتكرار على الحس فى الثانية يعارض كل منهما التفصيل بواسطة اقتضائهما سرعة الانتقال من المشبه إلى المشبه به؛ فيصير وجه الشبه كأنه أمر جملى لا تفصيل فيه؛ فيصير سببا للابتذال.
(وإما بعيد غريب) عطف على قوله: إما قريب مبتذل (وهو بخلافه) أى: ما لا ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر وتدقيق نظر (لعدم الظهور) أى: لخفاء وجهه فى بادى الرأى، وذلك- أعنى: عدم الظهور- (إما لكثرة التفصيل، كقوله:
والشمس كالمرآة فى كفّ الأشلّ)
فإن وجه الشبه فيه من التفصيل ما قد سبق؛ ...
===
وجه الشبه
(قوله: مع أن التفصيل) أى: مطلقا ولو كان قليلا
(قوله: فى الصورة الأولى) أى: وهى غلبة حضور المشبه به فى الذهن عند حضور المشبه
(قوله: فى الثانية) أى: وهى غلبة حضور المشبه به فى الذهن مطلقا حضر المشبه أم لا
(قوله: يعارض) خبر أن
(قوله: وإما بعيد) مقابل لقوله سابقا: إما قريب (وقوله: غريب) تفسير لما قبله لا للإخراج وهو فى مقابلة قوله سابقا: مبتذل
(قوله: عطف .. إلخ) أى: والعاطف الواو على الصحيح لا" إما" كما هو مبيّن فى النحو
(قوله: وهو بخلافه) أى: بخلاف القريب أى: ملتبس بمخالفته فى المفهوم، فالباء للملابسة متعلق بمحذوف كما علمت، أو أن المعنى وهو يعرف بخلاف ما تقدم، فقوله بخلافه متعلق بيعرف المفهوم من المقام
(قوله: لعدم الظهور) أى: فى وجه الشبه وهذا علّة لمخالفته للقريب
(قوله: - أعنى: عدم الظهور- إمّا .. إلخ) أى: أن عدم الظهور يكون لأمرين:
إما لكثرة التفصيل أى: فى أجزاء وجه الشبه، وظاهره ولو مع الغلبة، وإما لندور حضور المشبه به فى الذهن، والأول: وهو كثرة التفصيل محترز عدم التفصيل وقلّة التفصيل المعارضة بالمناسبة والتكرر على الحس المعلل بهما ظهور وجه الشبه فى المبتذل، وأشار الشارح بقوله: وذلك إلى أن قوله: إما لكثرة .. إلخ: علّة للعلّة
(قوله: من التفصيل) بيان لما سبق مقدم عليه، وفيه خبر مقدم، وما قد
стр. 1694
ولذلك لا يقع فى نفس الرائى للمرآة الدائمة الاضطراب إلا بعد أن يستأنف تأمّلا، ويكون فى نظره متمهّلا.
(أو ندور) أى: أو لندور (حضور المشبه به؛ إما عند حضور المشبه لبعد المناسبة كما مرّ) فى تشبيه البنفسج بنار الكبريت (وإما مطلقا).
وندور حضور المشبه به مطلقا يكون (لكونه وهميّا) كأنياب الأغوال
===
سبق مبتدأ مؤخر، والذى سبق هو الهيئة الحاصلة من الحركة السريعة مع الإشراق فكأنه يهم .. إلخ فهو هيئة مشتملة على كثرة التفصيل
(قوله: ولذلك) أى: لأجل كثرة التفصيل فى وجه تشبيه الشمس بالمرآة (قوله لا يقع) أى: لا يحصل ذلك الوجه وهو الهيئة المعتبر فيها التفصيل المذكور فيما سبق
(قوله: الدائمة الاضطراب) إنما قيد؛ بذلك لأن وجه الشبه المذكور سابقا لا يتأتى إلا مع دوام الحركة (وقوله: إلا بعد أن يستأنف) أى: يحدث، ولو قال: إلا بعد أن يتأمّل لا بمجرد نظره إليها كان أوضح
(قوله: أى: أو لندور .. إلخ) أشار بذلك إلى أن قوله: أو ندور عطف على كثرة أى: أو لقلة التفصيل مع ندور حضور المشبه به، وهذا محترز الغلبة فيما تقدم
(قوله: إما عند حضور المشبه) أى: فقط (وقوله: لبعد المناسبة) أى: بين المشبه والمشبه به، وحينئذ فلا يحصل الانتقال بسرعة، وهذا علّة للعلّة أى: وإنما ندر حضور المشبه به عند حضور المشبه لبعد المناسبة بينهما (قوله فى تشبيه البنفسج بنار الكبريت) أى: فإن نار الكبريت فى ذاتها غير نادرة الحضور فى الذهن لكنها تندر عند حضور البنفسج، فإن قلت: يمكن أن الشاعر حضر عنده حال التشبيه فلا يكون الانتقال غير سريع فيكون التشبيه غير غريب بالنسبة إليه. قلت: المراد ببعد الانتقال الموجب للغرابة أن يكون الشأن فى ذلك الشىء، ولو اتفق الانتقال بسرعة لعارض فيمدح التشبيه لذلك؛ لأنه لا يتضح الانتقال فيه ممن يعرض له ذلك العارض إلا برويّة وبصيرة
(قوله: وإما مطلقا) أى: وإما أن يكون ندوره مطلقا أى: سواء كان المشبه حاضرا فى الذهن أو غير حاضر فيه.
(قوله: لكونه) أى: المشبه به أمرا وهميّا أى: يدركه الإنسان بوهمه لا بإحدى الحواس الظاهرة لكونه هو ومادته غير موجودين فى الخارج، وإذا كان المشبه به أمرا
стр. 1695
(أو مركبا خياليّا) كأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد (أو) مركبا (عقليّا) كمثل الحمار يحمل أسفارا، وقوله (كما مرّ) إشارة إلى الأمثلة التى ذكرناها آنفا (أو لقلة تكرره) أى: المشبه به (على الحس، كقوله: والشمس كالمرآة) فى كفّ الأشلّ؛ فإن الرجل ربما ينقضى عمره ولا يتفق له أن يرى مرآة فى يد الأشل (فالغرابة فيه) أى: فى تشبيه الشمس بالمرآة فى كفّ الأشلّ (من وجهين) أحدهما: كثرة التفصيل فى وجه الشبه، والثانى: قلة التكرر على الحس.
فإن قلت: كيف تكون ندرة حضور المشبه به ...
===
وهميّا فلا يدركه ليشبه به إلا المتسع فى المدارك فيستحضره فى بعض الأحيان فيكون إدراك تعلق وجه الشبه نادرا غير مألوف، وكذا القول فى المركب الخيالى (قوله خياليّا) وهو المعدوم الذى فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها يدرك بالحس
(قوله: كأنياب الأغوال) أى: فى تشبيه السهام المسنونة الزرق بها
(قوله: كمثل الحمار .. إلخ) أى: فإن المراد بالمثل الصفة كما تقدم، والصفة اعتبر فيها- كما تقدم- كون الحمار حاملا لشىء وكون المحمول أبلغ ما ينتفع به وكونه مع ذلك محروم الانتفاع به وكون الحمل بمشقة وتعب، وهذه الاعتبارات المدلولة للصفة عقلية وإن كان متعلقها حسيّا، وإنما ندر حضور المركب مطلقا؛ لأن الاعتبارات المشار إليها فيه لا يكاد يستحضرها مجموعة إلا الخواص فلا تحصل سرعة الانتقال إلا نادرا فيكون التشبيه غريبا
(قوله: آنفا) أى: قريبا والآنف: هو الوقت القريب من وقتك
(قوله: أو لقلة تكرره) أى: أو لكونه حسيّا ولكن كان قليل التكرر على الحس فهو عطف على قوله: لكونه أمرا وهميّا أى: من أسباب ندور حضور المشبه به فى الذهن قلّة تكرره على الحس أى: على القوة الحاسة وأولى عدم تعلق الحس به كالعرش والكرسى ودار الثواب والعقاب، ويمكن إدخاله فى قليل التكرر بأن يراد عدم كثرته الصادق بعدم الإحساس به- قاله فى الأطول.
(قوله: كقوله) أى: كندرة حضور المشبه به فى التشبيه الواقع فى قوله: والشمس ..
إلخ
(قوله: أن يرى مرآة .. إلخ) أى: وعلى تقدير رؤيتها فى كفه فلا يتكرر، وعلى تقدير التكرر فلا يكثر، فالمحقق هو قلة التكرار
(قوله: فإن قلت .. إلخ) حاصله: أن
стр. 1696
سببا لعدم ظهور وجه الشبه؟ قلت: لأنه فرع الطرفين، والجامع المشترك الذى بينهما إنما يطلب بعد حضور الطرفين، فإذا ندر حضورهما ندر التفات الذهن إلى ما يجمعهما، ويصلح سببا للتشبيه بينهما (والمراد بالتفصيل أن ينظر ...
===
وجه الشبه يغاير المشبه به فندور أحدهما لا يقتضى ندور الآخر، وكذا ظهور أحدهما لا يقتضى ظهور الآخر (قوله سببا لعدم ظهور وجه الشبه) أى: مع أنهما متغايران فلا يلزم من ندرة أحدهما ندرة الآخر
(قوله: قلت .. إلخ) حاصله: أن وجه الشبه من حيث إنه وجد بين الطرفين فرع عنهما فلا يتعقل إلا بعد تعقلهما ومنهما ينتقل إليه لكونه المشترك والجامع بينهما، فلا بد وأن يخطر الطرفان أوّلا ثم يطلب ما يشتركان فيه، وإذا كان أحد الطرفين نادرا كان الوجه نادرا، وكونه فرعا عن الطرفين من حيث إنه وجد بينهما لا ينافى أنه من حيث ذاته قد يوجد مع غيرهما فلا يتوقف تعقله على تعقل المشبه به حتى تكون ندرة المشبه به سببا لخفاء وجه الشبه؛ لأن ذلك لا من حيث إن وجه الشبه جامع بين هذين الطرفين، فإن قلت: لم لم يعلّلوا عدم ظهور وجه الشبه بندور حضور المشبه كما علّلوه بندور حضور المشبه به مع أن مقتضى ما تقدم من الجواب أن ندرة كل من المشبه والمشبه به تقتضى عدم ظهور وجه الشبه؟ قلت: لأن المشبه به عمدة التشبيه الحاصل بين الطرفين فظهور وجه الشبه وعدمه إنما يسند إليه- فتأمل.
(قوله: إنما يطلب بعد حضور الطرفين) أى: فتعلقه بعد تعلقهما
(قوله: فإذا ندر حضورهما) أى: أو حضور المشبه به بل هو المدعى، وأما ندور حضور الطرفين فأمر زائد على المدعى، وقد يقال: المراد: وإذا ندر حضورهما أى: حضور مجموعهما.
(قوله: والمراد بالتفصيل) أى: فى وجه الشبه الذى هو سبب فى غرابة التشبيه فأل للعهد الذكرى
(قوله: أن ينظر) أى: أن يعتبر أكثر من وصف واحد إما من جهة وجود الكل أو من جهة عدم الكل أو من جهة وجود البعض وعدم البعض كانت تلك الأوصاف ثابتة لموصوف واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر فالصور اثنتا عشرة صورة، ولذا قال المصنف فيما يأتى ويقع التفصيل على وجوه كثيرة- أى: اثنى عشر- أعرفها- أى: أشدها قبولا عند أولى العرفان- أن يعتبر وجود البعض وعدم البعض أو يعتبر وجود
стр. 1697
فى أكثر من وصف) واحد لشىء واحد أو أكثر، بمعنى: أن يعتبر فى الأوصاف وجودها أو عدمها، أو وجود البعض وعدم البعض، كلّ من ذلك فى أمر واحد، أو أمرين، أو ثلاثة، أو أكثر؛ فلذا قال: (ويقع) أى: التفصيل (على وجوه) كثيرة ...
===
الجميع، فهاتان صورتان كلّ منهما مضروب فى أحوال الموصوف الأربع تكون صور الأعرف ثمانية، وحينئذ فغير الأعرف أربعة وهى أن تعتبر جميع الأوصاف من حيث عدمها كان الموصوف بتلك الأمور واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر
(قوله: فى أكثر من وصف واحد) فيه أن الواحد ليس فيه كثرة كما يقتضيه أفعل التفضيل
(قوله: لشىء واحد) أى: أن الأكثر من وصف واحد إما أن يكون ثابتا لشىء واحد- أى: لموصوف واحد- كما فى تشبيه المفرد بالمفرد، أو ثابتا لأكثر كما فى غير تشبيه المفرد بالمفرد، ودخل تحت الأكثر ثلاث صور ما إذا كان الأكثر من وصف ثابتا لموصوفين أو لثلاثة أو لأكثر
(قوله: بمعنى: أن يعتبر فى الأوصاف وجودها) أى: وجودها كلها كتشبيه الثريّا بعنقود الملّاحية المنور، فإنه قد اعتبر فى وجه الشبه وجود أوصاف وهى التضامّ وتشكل الأجزاء واللون ومقدار المجموع
(قوله: أو عدمها) أى: أو يعتبر عدم الأوصاف كلها كتشبيه الشخص العديم النفع بالعدم فى نفى كل وصف نافع
(قوله: أو وجود البعض وعدم البعض) أى: بأن يعتبر فى وجه الشبه التركيب من وجود بعض أوصاف وعدم بعض أوصاف: كتشبيه سنان الرماح بسنا لهب كما يأتى
(قوله: كلّ من ذلك) أى: المذكور من الأحوال الثلاثة السابقة
(قوله: فى أمر واحد) أى: فى موصوف واحد كما فى تشبيه مفرد بمفرد مقيدين، أو غير مقيدين كتشبيه الثريّا بعنقود الملّاحية المنور
(قوله: أو أمرين أو ثلاثة) أى: كما فى تشبيه مركب بمركب كما فى تشبيه مثار النقع مع الأسياف بالليل الذى تهاوى كواكبه، وكالتشبيه الواقع فى قوله تعالى إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ ... (١) إلخ، أو مركب بمفرد أو مفرد بمركب.
(قوله: أو أكثر) أى: فالجملة اثنتا عشرة صورة، وهى المراد بالوجوه الآتية فى كلامه
(قوله: فلذا قال) أى: ولأجل الاعتبار المذكور.
стр. 1698
(أعرفها: أن تأخذ بعضا) من الأوصاف (وتدع بعضا) أى: تعتبر وجود بعضها، وعدم بعضها (كما فى قوله: حملت ردينيّا) يعنى: رمحا منسوبا إلى ردينة (كأن سنانه سنا لهب لم يتّصل بدخان).
فاعتبر فى اللهب الشكل، واللون، واللمعان، وترك الاتصال بالدخان ونفاه ...
===
(قوله أعرفها) أى: أعرف الوجوه التى يقع التفصيل عليها بمعنى أشدها قبولا عند أهل المعرفة لحسنه
(قوله: وعدم بعضها) أى: وتعتبر عدم بعضها وهذا تفسير لقول المصنف: وتدع بعضا إشارة إلى أن المراد بترك بعضها اعتبار عدم البعض لا عدم اعتباره وإن كان كلام المصنف صادقا بذلك؛ لأن عدم اعتبار الأوصاف لا يعتبر فى تشبيه من التشبيهات.
(قوله: إلى ردينة) هى امرأة كانت بخط هجر تقوّم الرماح أى: تعدّلها وتحسّن صنعتها وهى امرأة السّمهر- بفتح السين وسكون الميم وبعدها هاء مفتوحة فراء مهملة- كان أيضا يحسن صنع الرماح
(قوله: كأن سنانه) أى: حديدته التى فى طرفه
(قوله: سنا لهب) أى: ضوء لهب أى لهب مضىء ومشرق فهو من إضافة الصفة للموصوف كما يؤخذ من كلام الشارح، واللهب: النار، والمعنى: كأن سنانه نار مضيئة مشرقة (وقوله: لم يتصل) أى: ذلك اللهب بدخان، وإذا كان كذلك كان شديد اللمعان.
(قوله: فاعتبر فى اللهب) أى: وهو موصوف واحد، وأشار بذلك إلى أن المشبه به هو اللهب كما أن المشبه سنان الرمح، وحينئذ فقوله: سنا لهب بمعنى لهب ذو سنا فإضافة سنا للهب من إضافة الصفة للموصوف كما قلناه، والتشبيه المذكور باعتبار الشكل واللون وعدم الاتصال بالسواد، ولو كان المقصود تشبيه سنان الرمح بسنا اللهب فات اعتبار هذه الأوصاف إلا أن تكون تبعا، ومع ذلك يحتاج إلى تقدير المضاف أى: كأن إشراق سنانه سنا لهب
(قوله: والشكل) أى: المخروطى الذى طرفه دقيق
(قوله: واللون) أى: الزرقة الصافية
(قوله: ونفاه) عطف على تركه ولما كان الترك صادقا بالترك قصدا وبالترك بدون قصد، بيّن أن المراد الترك قصدا بقوله: ونفاه، فهو
стр. 1699
(وأن تعتبر الجميع، كما مرّ من تشبيه الثريّا) بعنقود الملّاحية المنورة باعتبار اللون، والشكل، وغير ذلك (وكلّما كان التركيب) خياليّا كان أو عقليّا ...
===
عطف تفسير أى: اعتبر عدمه؛ لأن اعتباره يقدح فى التشبيه المقصود ولا يتم التشبيه بدون اعتبار عدمه، ثم إن ظاهر كلام المصنف: أنه متى اعتبر فى الوجه عدم بعض الأوصاف كان أعرف حتى إذا قيل مثلا: زيد كعمرو فى مجموع الجبن وعدم الكرم كان من جملة الأعرف وليس كذلك، بل إنما يكون أعرف إن كان فيما قصده الشاعر دقة تحتاج إلى مزيد تنبّه كما مرّ فى البيت، وحينئذ يكون معنى الكلام: أن التفصيل المعتبر يزداد حسنا واعتبارا عند تدقيق النظر فى إسقاط بعض الأوصاف؛ لأن الأقرب مناسبة اجتماع وجودات لا اجتماع وجود وعدم- فليتأمل- اه يعقوبى.
(قوله: وأن تعتبر الجميع) أى: وجود جميع الأوصاف وهو عطف على قوله:
أن تأخذ بعضا .. إلخ، فهذا من جملة الأعرف، إن قلت: إن جميع أوصاف الشىء ظاهرة وباطنة لا يطّلع عليها أحد حتى يتأتّى أن يعتبرها فى التشبيه، قلت: ليس المراد باعتبار جميع الأوصاف اعتبار جميع الأوصاف الموجودة فى المشبه به بحيث لا يشذّ منها شىء، بل المراد اعتبار جميع الأوصاف الملحوظة فى وجه الشبه من حيث الوجود والإثبات
(قوله: وغير ذلك) أى: كاجتماعهما على مسافة مخصوصة من القرب، وكالوضع لأجزائها من كون المجموع على مقدار مخصوص- كما تقدم
(قوله: وكلّما كان التركيب) ما مصدرية ظرفية أى: كل وقت من أوقات كون التركيب فى وجه الشبه، (وقوله: خياليّا كان .. إلخ) خياليّا خبر لكان مقدم عليها، وذلك بأن كان هيئة معدومة مفروضا اجتماعها من أمور كل واحد منها يدرك بالحس كقوله: (وكأن محمر الشقيق) (١) .. إلخ (وقوله: أو عقليّا) وهو المركب المعدوم هو ومادته كما فى قوله:
ومسنونة زرق كأنياب أغوال، ولم يقل: أو حسيّا؛ لأن المقسم التركيب لا المركب، والظاهر أنه لا يكون حسيّا- قاله يس.
стр. 1700
(من أمور أكثر كان التشبيه أبعد) لكون تفاصيله أكثر (و) التشبيه (البليغ ...
===
قال العلامة عبد الحكيم: إنما قابل الخيالى بالعقلى مع أن المقابل للعقلى إنما هو الحسى؛ لأن التركيب لا يكون حسيا
(قوله: من أمور) خبر كان
(قوله: أبعد) أى: عن الابتذال
(قوله: لكون تفاصيله أكثر) فيبعد تناوله لمطلق الناس، وإنما يتناوله حينئذ الأذكياء وذلك كما فى قوله تعالى إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ ... الآية، فإنها عشر جمل مرتبط بعضها ببعض قد انتزع وجه الشبه من مجموعها، وبيان ذلك يظهر بتلاوة الآية: قال الله تعالى: (١) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ فالمشبه به مركب من عشر جمل بعدّ" وظن أهلها" جملة، " وأنهم قادرون عليها" جملة أخرى، تداخلت تلك الجمل حتى صارت كأنها جملة واحدة، ومعنى فاختلط به نبات الأرض:
فاشتبك به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام من الزرع والبقول، وقوله: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها أى: حتى إذا تزّينت بزخرفها، والزخرف فى الأصل: الذهب، وقوله: وازّيّنت أى: تزيّنت تفسير لما قبله، وقوله: وظن أهلها أى: أهل النبات وأنث ضميره لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، وقوله: قادرون عليها أى: على حصدها ورفع غلّتها، وقوله: فجعلناها أى: النبات حصيدا أى: شبيها بما حصد، وقوله: كأن لم تغن بالأمس أى: كأنها لم تنبت ولم تكن قبل ذاك من زمان قريب غاية القرب، يقال غنى بالمكان: أقام به، فقد شبّه فى الآية مثل الحياة الدنيا أى: حالتها العجيبة الشأن وهى تقضيها بسرعة وانقراض نعمها بغتة بالكلية بعد ظهور قوتها، واغترار الناس بها واعتمادهم عليها- بزوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاما لم يبق له أثر أصلا بعد ما كان غضّا طريّا قد التفّ بعضه ببعض وزيّن الأرض بأنواره وطراوته وتقوّيه بعد ضعفه، بحيث طمع الناس فيه وظنّوا سلامته من الجوائح، ووجه الشبه: هيئة منتزعة من
стр. 1701
ما كان من هذا الضرب) أى: من البعيد الغريب دون القريب المبتذل (لغرابته) أى: لكون هذا الضرب غريبا غير مبتذل (ولأن نيل الشىء بعد طلبه ألذّ) ...
===
تلك الأمور وهى حصول شىء يترتب عليه المنافع، فيحصل السرور به وتنسى عاقبة أمره، ثم يذهب ذلك الأمر بسرعة.
(قوله: ما كان من هذا الضرب) لم يقل منه؛ لأن المتبادر من الضمير عوده إلى خصوص ما كان التركيب فيه من أمور كثيرة، فلذا أظهر، والحاصل: أن بلاغة التشبيه منظور فيها إلى كونه بعيدا غريبا سواء كان وجه الشبه فيه تركّب من أمور كثيرة أو لا وسواء ذكرت الأداة أو حذفت، وحينئذ فإطلاق البليغ على التشبيه الذى حذفت أداته إطلاقا شائعا طريقة لبعضهم، وإلّا فهو يسمى مؤكّدا كما يأتى.
وقول المصنف: ما كان من هذا الضرب: ليس المراد أنه من أفراد هذا الضرب، بل المراد أنه نفس هذا الضرب كما علمت، وحينئذ فالأوضح أن يقول: والتشبيه البليغ هو هذا الضرب، ثم إن المراد بالبليغ هنا: الواصل لدرجة القبول فهو من البلوغ بمعنى الوصول، أو اللطيف الحسن مأخوذ من البلاغة بمعنى اللطف والحسن مجازا لا من البلاغة المصطلح عليها؛ لأنه إنما يوصف بها الكلام والمتكلم لا التشبيه، ولا يقال: يصح إرادة المصطلح عليها باعتبار الكلام الذى فيه التشبيه؛ لأنا نقول بلاغته حينئذ باعتبار المطابقة لمقتضى الحال، ولا وجه لاختصاص الغريب بالبليغ حينئذ، إذ ربما كان القريب المبتذل مطابقا لمقتضى الحال كما إذا كان الخطاب مع شخص يقتضى حاله تشبيها مبتذلا لبلادته وسوء فهمه، فلا يكون الغريب بليغا بل القريب المبتذل- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: لغرابته) علّة لتسمية هذا الضرب بليغا، فالغرابة موجبة للبلاغة فكل ما كان غريبا كان بليغا، إذ لا يخفى أن المعانى الغريبة أبلغ وأحسن من المعانى المبتذلة
(قوله: ولأن نيل الشىء) أى: حصوله بعد طلبه ألذّ أى: والغريب المذكور لا ينال إلا بعد التأمل والطلب، وهذا عطف على قوله لغرابته
(قوله: ألذّ) أى: من حصوله بلا طلب، ثم إن هذا لا ينافى ما تقدم فى باب حذف المسند من أن حصول النعمة الغير المترقبة ألذ لكونه رزقا من حيث لا يحتسب؛ لأن الطلب لا ينافى؛ الحصول الغير المترقب، لأنه يمكن
стр. 1702
وموقعه فى النفس ألطف، وإنما يكون البعيد الغريب بليغا حسنا إذا كان سببه لطف المعنى ودقته، أو ترتيب (بعض المعانى على بعض، وبناء ثان على أول، وردّ تال إلى سابق فيحتاج إلى نظر وتأمل (وقد يتصرف فى) التشبيه (القريب) المبتذل
===
حصول المطلوب قبل وقت ترقبه أو من غير موضع يطلب منه ويترقب فيه، فإذا اجتمع الطلب وعدم الترقب فقد بلغ المرتبة العليا من اللذة.
(قوله: وموقعه فى النفس) أى: ووقوعه عند النفس
(قوله: وإنما يكون .. إلخ) جواب عما يقال: إن الغرابة تقتضى عدم الظهور وخفاء المراد لاقتضائها قلة الوجود المقتضية لعدم إدراك كل أحد فيحتاج إلى مزيد التأمل والنظر، ولا شكّ أن عدم الظهور وخفاء المراد يوجب التعقيد وقد تقدم أول الكتاب أنه مخلّ بالفصاحة والإخلال بالفصاحة يخلّ بالبلاغة، وحينئذ فلا تكون الغرابة موجبة لبلاغة التشبيه، فبطل قول المصنف والتشبيه البليغ ما كان من هذا الضرب، وحاصل الجواب: أن الخفاء وعدم الظهور تارة ينشأ عن لطف المعنى ودقته، وهذا محقق للبلاغة وهو المراد هنا، وتارة ينشأ عن سوء تركيب الألفاظ وعن اختلال الانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثانى، وهذا هو المحقق للتعقيد المخلّ بالفصاحة
(قوله: إذا كان سببه لطف المعنى) أى: لا إن كان سببه سوء ترتيب الألفاظ كما فى قوله:
وما مثله فى النّاس إلا مملّكا ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه (١)
أو كان سببه اختلال الانتقال من المعنى المذكور إلى المعنى المقصود كما فى قوله:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناى الدّموع لتجمدا (٢)
على ما تقدم تقريره (وقوله: ودقته) عطف تفسير، والغريب الذى سبب غرابته لطف المعنى ودقته كما فى تشبيه البنفسج بأوائل النار فى أطراف كبريت (وقوله: أو ترتيب
стр. 1703
(بما يجعله غريبا) ويخرجه عن الابتذال (كقوله:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء)
فتشبيه الوجه بالشمس مبتذل ...
===
بعض المعانى على بعض) أى: كالترتيب فى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ (١) الآية، فإن خضرة النبات مرتبة على الماء واليبس مرتب على الخضرة (وقوله:
وبناء ثان .. إلخ) عطف على ترتيب بعض المعانى على بعض عطف تفسير أو لازم على ملزوم، وكذا
(قوله: وردّ تال إلى سابق) (وقوله: وتأمل) تفسير لنظر.
(قوله: بما يجعله) أى: بتصرف يجعله غريبا، وذلك بأن يشترط فى تمام التشبيه وجود وصف لم يكن موجودا أو انتفاء وصف موجود ولو بحسب الادّعاء
(قوله: ويخرجه عن الابتذال) أى: إلى الغرابة، وهذا عطف لازم على ملزوم
(قوله: كقوله) أى: قول القائل وهو أبو الطيب المتنبى من قصيدة من الكامل يمدح فيها هارون بن عبد العزيز الأوراجى، وأولها
أمن ازديارك فى الدّجى الرّقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء (٢)
(قوله: لم تلق هذا الوجه .. إلخ) (٣) هذا الوجه: مفعول، وشمس نهارنا فاعل، والمراد بهذا الوجه وجه الممدوح أى: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا فى حال من الأحوال إلا ملتبسة بوجه لا حياء فيه (فقوله: إلا بوجه) استثناء مفرغ من الحال يعنى:
أن الشمس دائما وأبدا فى حياء وخجل من الممدوح لما أن نور وجهه أتم من النور والإشراق الذى فيها، فلا يمكن أن تلاقى وجهه إلا إذا انتفى عنها الحياء، أما عند وجوده كما هو حق الأدب منها فلا يمكن أن تلقاه، ويصح رفع الوجه على الفاعلية ونصب شمس نهارنا على المفعولية، والمعنى: أن الشمس لا يمكن أن يلقاها وجه الممدوح إلا إذا كانت متجردة عن الحياء الذى ينبغى لها أن لا ترتكبه، إذ لو كان فيها حياء لامتنعت من أن يلقاها وجه الممدوح لكونه أعظم منها
(قوله: فتشبيه الوجه) أى: وجه
стр. 1704
إلا أن حديث الحياء، وما فيه من الدقة والخفاء أخرجه إلى الغرابة، وقوله: لم تلق إن كان من: لقيته، بمعنى: أبصرته فالتشبيه مكنّى غير مصرّح به، وإن كان من لقيته، بمعنى: قابلته ...
===
الممدوح بالشمس مبتذل أى: كثير العروض للأسماع؛ لجريان العادة به، فإن قلت: إن المفاد من البيت أن الوجه أعظم منها فى الإشراق والضياء فملاقاتها له وظهورها عند وجوده إنما هو من قلّة حيائها ومن قلّة أدبها، وحينئذ فلا تشبيه فى البيت لا مصرّح به ولا مقدّر.
قلت: إن التشبيه فى البيت ضمنىّ كما أشار فى الوجه الأول فى" لم تلق"؛ وذلك لأن وجه الممدوح إذا كان أعظم من الشمس فى الإشراق والضياء يستلزم اشتراكهما فى أصل الإشراق فيثبت التشبيه ضمنا، فكأنه يقول: هذا الوجه كالشمس فى أصل الحسن فقط، ثم إن جعل الشارح الوجه مشبها بالنظر لمقصود الشاعر وإن كان المفاد من البيت بعد جعل التشبيه ضمنيا أن المشبه الشمس بسبب ذكر عدم الحياء؛ لأن الوجه أتم فى وجه الشبه فيكون هو المشبه به، والحاصل: أن المفاد من البيت قلب التشبيه ولكن المقصود للشاعر تشبيه الوجه بالشمس كما قال الشارح- فتأمل- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: إلا أن حديث الحياء) أى: ذكر نفى الحياء عن وجه الشمس فى لقيّها وجه المحبوب
(قوله: وما فيه من الدقة) أى: من حيث إفادة المبالغة فى الممدوح وأن وجهه أعظم إشراقا وضياء من الشمس
(قوله: والخفاء) عطف تفسير
(قوله: أخرجه إلى الغرابة) خبر أنّ أى: أخرج التشبيه المذكور من الابتذال إلى الغرابة والحسن؛ لأن إدراك وجه المحبوب فى غاية الإشراق والضياء عن وجه الشمس فيه غرابة
(قوله: بمعنى أبصرته) أى: والمعنى لم تبصر هذا الوجه شمس نهارنا والإسناد حينئذ مجازىّ؛ لأن الشمس لا تبصر حقيقة
(قوله: مكنّى) أى: لأن قوله ليس فيه حياء يدل على أن وجه الممدوح أعظم منها إشراقا وضياء، وهذا يستلزم اشتراكهما فى أصل الإشراق والضياء، فيثبت التشبيه ضمنا لا صريحا، (فقول الشارح: غير مصرّح) به تفسير لمكنّى، وليس المراد الكناية
стр. 1705
وعارضته فهو فعل ينبئ عن التشبيه، أى: لم تقابله فى الحسن والبهاء إلا بوجه ليس فيه حياء.
(وقوله: عزماته مثل النجوم ثواقبا) أى: لوامعا (لو لم يكن للثاقبات أفول).
===
بالمعنى المشهور؛ لأن المذكور فى البيت ملزوم التشبيه وهو نفى الحياء المستلزم لكون الوجه أعظم إشراقا- كذا فى يس- تأمله.
(قوله: وعارضته) أى: ماثلته وهو مرادف لقابلته
(قوله: فهو فعل ينبئ عن التشبيه) أى: يدل على التشبيه الواقع بعد أداة الاستثناء؛ لأن المعنى لم تقابله إلا بوجه ليس فيه حياء فتقابله وتماثله، فالتشبيه حينئذ مأخوذ من الفعل المنفى المصرّح به فيكون مصرحا به على هذا، بخلاف الأول فإنه ليس فيه لفظ ينبئ عن التشبيه.
(قوله: أى لم تقابله) أى: لم تماثله فى الحسن والبهاء إلا بوجه لا حياء فيه.
(قوله: وقوله) أى: قول رشيد الدين الوطواط بفتح الواوين
(قوله: (١) عزماته) أى: إراداته المتعلقة بمعالى الأمور فهو جمع عزمة وهى المرة من العزم وهى إرادة الفعل مع القطع
(قوله: ثواقبا) حال من النجوم؛ لأن مثل النجوم فى معنى مماثلة للنجوم، فصح مجىء الحال من المضاف إليه، والثواقب: النوافذ فى الظلمات بإشراقها مأخوذة من الثقوب وهو النفوذ. سمى لمعان النجوم ثقوبا لظهورها به من وراء الظلمة فكأنها ثقبتها؛ ولذلك فسّر الشارح الثواقب باللوامع
(قوله: أى: لوامعا) بالصرف محاكاة لثواقبا المفسر الواقع فى البيت مصروفا للضرورة
(قوله: لو لم يكن .. إلخ) جواب لو محذوف أى: لتمّ التشبيه لكن لها أفول، فلم يتم التشبيه لكون المشبه به أنقص.
(قوله: أفول) أى: غروب وغيبة
(قوله: فتشبيه العزم) أى: الإرادة بالنجم أى:
فى الثقوب وهو النفوذ الذى هو فى كليهما تخييلى؛ لأنه فى العزم بلوغه المراد وفى النجم نفوذه فى الظلمات بإشراقها أمر مشهور ومعلوم لظهور وجه الشبه وعدم توقفه على نظر وفكر دقيق، ولكن ادعى أن مع ثقوب الإرادة وصفا زائدا وهو عدم الأفول أى:
стр. 1706
فتشبيه العزم بالنجم مبتذل، إلا أن اشتراط عدم الأفول أخرجه إلى الغرابة (ويسمى) مثل (هذا) التشبيه: (التشبيه المشروط) لتقييد المشبه، أو المشبه به، أو كليهما بشرط وجودىّ، أو عدمىّ يدل عليه بصريح اللفظ، أو بسياق الكلام.
أقسام التشبيه باعتبار أداته:
(وباعتبار) أى: والتشبيه باعتبار (أداته: إما مؤكد، وهو ما حذفت أداته، مثل: ...
===
عدم الغيبة فصار غريبا، فكأنه قال: هذا التشبيه بين الطرفين تامّ لولا أن المشبه اختص بشىء آخر عن المشبه به (قول: مبتذل) أى: لظهور وجه الشبه وعدم توقفه على نظر وتأمل.
(قوله: مثل هذا التشبيه) أى: المتصرف فيه بما يصيّره غريبا
(قوله: المشروط) أى: المقيد، إذ ليس المراد خصوص الشرط النحوىّ بل ما هو أعمّ.
(قوله: لتقييد المشبه .. إلخ) مثال تقييد المشبه به: ما تقدم من قوله: عزماته مثل النجوم .. إلخ، فإنه قيد المشبه به بعدم الأفول فلم يتم التشبيه بدونه، ومثال تقييد المشبه:
ما لو عكس المثال بأن قيل: النجوم كعزماته لولا أنه لا أفول لها، ومثال تقييدهما معا ما لو قيل: زيد فى علمه بالأمور إذا كان غافلا كعمرو فى علمه إذا كان يقظان، ومثال الشرط المدلول عليه بصريح اللفظ ما ذكر، ومثال المدلول عليه بسياق الكلام ما لو قيل: هذه القبّة كالفلك فى الأرض؛ لأن المعنى كالفلك لو كان فى الأرض، وكقولهم:
هى بدر يسكن الأرض أى: هى كالبدر لو كان البدر يسكن الأرض
(قوله: بشرط وجودىّ) كقولك: هذه القبّة كالفلك لو كان الفلك فى الأرض، فإن هذا الشرط أمر وجودىّ، ومثال العدمّى ما سبق فى البيتين، فإن قوله: ليس فيه حياء، وقوله: لو لم يكن للثاقبات أفول كلّ منهما عدمىّ
(قوله: يدل عليه) أى: على الشرط.
(قوله: إما مؤكد) أى: لأنه أكّد بادعاء أن المشبه عين المشبه به
(قوله: ما حذفت أداته) أى: تركت بالكلية وصارت نسيا منسيّا بحيث لا تكون مقدرة فى نظم الكلام لأجل الإشعار بأن المشبه عين المشبه به بخلاف ما لو كانت الأداة مقدرة فلا يفيد الاتحاد فلا يكون التشبيه
стр. 1707
وهى تمرّ مرّ السّحاب) أى: مثل مرّ السحاب (ومنه) أى: ومن المؤكد: ما أضيف المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة (نحو قوله: والريح تعبث بالغصون) أى: تميلها إلى الأطراف والجوانب (وقد جرى ذهب الأصيل) هو الوقت بعد العصر إلى الغروب، يعدّ من الأوقات الطيبة، كالسّحر، ...
===
مؤكدا، ففى قوله تعالى وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (١) إن قدرت الأداة كان التشبيه مرسلا، وإن لم تقدر كان مؤكدا، وتفسير الشارح بقوله أى: مثل مرّ السحاب بيان لحاصل المعنى- كما أفاد ذلك العصام وعبد الحكيم.
(قوله: وهى تمرّ) أى: الجبال يوم القيامة تمرّ مرّ السحاب أى: إنها بعد النفخة الأولى تسير فى الهواء كسير السحاب الذى تسوقه الرياح، ثم تقع على الأرض كالقطن المندوف، ثم تصير هباء
(قوله: بعد حذف الأداة) أى: وتقديم المشبه به على المشبه، فإن قلت: كيف يكون هذا من التشبيه المؤكد مع أن توجيهه بأنه يشعر بحسب الظاهر بأن المشبه عين المشبه به لا يتأتى هنا أى: فيما إذا أضيف المشبه به إلى المشبه؟
قلت: تجعل الإضافة فيه بيانية وهى تقتضى الاتحاد فى المفهوم
(قوله: نحو قوله) أى: القائل. قال فى شرح الشواهد: ولا أعرف قائله
(قوله: تعبث) (٢) أى: تلعب أى:
تحرك الأغصان تحريكا كفعل اللاعب العابث، وإلا فالريح لا تعقل
(قوله: أى تميلها) أى: تمييلا رقيقا لا عنيفا، ففيه إشارة إلى اعتدال الريح فى ذلك الوقت
(قوله: والجوانب) عطف تفسير
(قوله: وقد جرى) أى: ظهر والجملة حالية
(قوله: ذهب الأصيل) أى: صفرته التى كالذهب والإضافة على معنى فى أى: وقد ظهرت الصفرة فى الوقت المسمّى بالأصيل على لجين الماء
(قوله: هو الوقت بعد العصر) تفسير للأصيل- بفتح الهمزة- على وزن أمير
(قوله: يعدّ من الأوقات الطيبة) لاعتداله بين الحرارة والبرودة
стр. 1708
ويوصف بالصفرة، كقوله:
وربّ نهار للفراق أصيله ... ووجهى كلا لونيهما متناسب
فذهب الأصيل صفرته، وشعاع الشمس فيه (على لجين الماء) أى: على ماء كاللّجين، أى: الفضة فى الصفاء والبياض، وهذا تشبه مؤكد، ومن الناس من لم يميّز بين لجين الكلام ولجينه، ولم يعرف هجانه من هجينه ...
===
ولكون ذلك الوقت من أطيب الأوقات. خصّ وقت الأصيل بكون عبث الرياح للغصون فيه؛ لأن قوله: وقد جرى حال من الضمير فى تعبث.
(قوله: ويوصف) أى: ذلك الوقت بالصفرة، فيقال أصيل أصفر؛ لأن الشمس تضعف فى ذلك الوقت فيصفرّ شعاعها ويمتدّ على الأرض فتصير صفراء فوصف الوقت بالصفرة لاصفرار الأرض فيه
(قوله: كقوله) استشهاد لوصفه بالصفرة
(قوله: أصيله) مبتدأ أول، ووجهى: عطف عليه، وقوله كلا مبتدأ ثان وهو مضاف ولونيهما مضاف إليه، وقوله متناسب خبر المبتدأ الثانى وهو كلا، والجملة من المبتدأ الثانى وخبره خبر المبتدأ الأول، وما عطف عليه والرابط الضمير فى لونيهما (وقوله: متناسب) أى: فى الصفرة
(قوله: فذهب الأصيل صفرته) أشار بهذا إلى أن ذهب الأصيل فى البيت مستعار لصفرته استعارة مصرّحة
(قوله: وشعاع الشمس فيه) جملة حالية أى: والحال أن شعاع الشمس واقع فيه؛ لأن اصفرار شعاعها فى هذا الوقت يوجب اصفراره، وعبارة المطول:
وذهب الأصيل صفرة الشمس فى ذلك الوقت- اه.
(قوله: كاللّجين) بضم اللام مصغرا (وقوله: فى الصفاء .. إلخ) بيان لوجه الشبه
(قوله: وهذا تشبيه مؤكد) أى: مقوّى بجعل المشبه عين المشبه به بواسطة جعل الإضافة بيانية
(قوله: من لم يميّز بين لجين الكلام) بضم اللام وفتح الجيم أى: حسنه، وأما الثانى فبفتح اللام وكسر الجيم أى: قبيحه وخبيثه، (وقوله: ولم يعرف هجانه) أى: عاليه وشريفه من هجينه: رديئه ووضيعه أى: أن بعض الناس لم يميز بين ما ذكر، فحمل البيت على لجين الكلام- بفتح اللام وكسر الجيم- وهجينه، ففى كلامه إشارة إلى أن الحمل الأول الذى ذكره من لجين الكلام- بضم اللام- وهجانه؛ وذلك لاشتمال البيت
стр. 1709
حتى ذهب بعضهم إلى أن اللّجين إنما هو بفتح اللام وكسر الجيم، يعنى: الورق الذى يسقط من الشجر، وقد شبه به وجه الماء، وبعضهم إلى أن الأصيل: هو الشجر الذى له أصل وعرق، وذهبه: ورقه الذى اصفرّ ببرد الخريف، وسقط منه على وجه الماء، وفساد هذين الوهمين غنىّ عن البيان.
(أو مرسل) عطف على: إما مؤكد (وهو بخلافه) أى: ما ذكر أداته فصار مرسلا من التأكيد المستفاد من حذف الأداة المشعر- بحسب الظاهر- بأن المشبه عين المشبه به (كما مرّ) من الأمثلة المذكورة فيها أداة التشبيه.
أقسام التشبيه باعتبار الغرض:
(و) التشبيه (باعتبار الغرض: إما مقبول، وهو الوافى بإفادته) أى: إفادة الغرض (كأن يكون المشبه به ...
===
على ذلك الحمل على مراعاة النظير أعنى الجمع بين الذهب والفضة بخلافه على الحملين الأخيرين، فإنه من لجينه- بفتح اللام- وهجينه كما سيأتى بيانه
(قوله: حتى ذهب بعضهم) هو العلامة الخلخالى، ومخالفته فى اللجين
(قوله: وقد شبه به وجه الماء) أى:
فالمعنى على هذا وقد جرى ذهب الأصيل وصفرته على وجه الماء الشبيه بالورق الساقط من الشجر
(قوله: وبعضهم) هو الزوزنى ومخالفته فى الأصيل وذهبه، وحاصل المعنى على كلامه: وقد جرى ورق الشجر الذى له أصل وعرق المصفرّ ذلك الورق ببرد الخريف على ماء كالفضة فى الصفاء والبياض
(قوله: غنىّ عن البيان) أما الأول: فلأنه لا معنى لتشبيه وجه الماء بمطلق الورق الساقط من الشجر، وأما الثانى: فلأنه لا اختصاص للورق المصفرّ ببرد الخريف بالشجر الذى له أصل وعرق فلا وجه لإضافة الذهب للأصيل، على أن إطلاق الأصيل على الشجر غير معروف لغة وعرفا.
(قوله: عطف على إما مؤكد) الأولى عطف على مؤكد
(قوله: أى: ما ذكر أداته) أى: لفظا أو تقديرا (قوله مرسلا من التأكيد) أى: خاليا عنه (قوله إما مقبول .. إلخ) التسمية بالمقبول والمردود باعتبار وجه الشبه فقط مجرد اصطلاح، وإلا فكل ما فقد شرطا من شروط التشبيه باعتبار الوجه أو الأطراف فمردود، وإلا فهو مقبول- قاله فى الأطول.
стр. 1710
أعرف شىء بوجه التشبيه فى بيان الحال، أو) كأن يكون المشبه به (أتم شىء فيه) أى: فى وجه التشبيه (فى إلحاق الناقص بالكامل أو) كأن يكون المشبه به
===
(قوله أعرف شىء بوجه الشبه) الأولى أعرف الطرفين بوجه الشبه؛ لأن الشرط الأعرفية بالنسبة للمشبه فقط- قاله فى الأطول.
والمراد أعرف عند السامع ولا يشترط أن يكون أعرف عند كل أحد
(قوله: فى بيان الحال) أى: فى التشبيه الذى يكون الغرض منه بيان حال المشبه بأنه على أىّ وصف من الأوصاف، فإذا جهل السامع حال ثوب من سواد أو غيره وعرف حال آخر قلت لبيان حال المجهول: ذلك الثوب كهذا فى سواده مثلا، وكذا بيان المقدار فتقول لجاهل مقدار قامة زيد: هو كعمرو فى قامته حيث كان يعلم مقدار قامة عمرو، وكذا فى التزيين والتشويه إذا بنينا- على ما تقدم- من أن الوجه هو الحالة المخصوصة، فتقول فى الأول: وجه زيد كمقلة الظبى؛ لأن مقلة الظبى أعرف بالحالة المخصوصة من الوجه لا بمطلق السواد، وتقول فى الثانى: وجهه كالسّلحة الجامدة المنقورة للدّيكة؛ لأن المشبه به أيضا أعرف بالهيئة المخصوصة الموجبة للقبح من المشبه لا بمطلق الهيئة، ولو قيل فى بيان الحال: ثوبه كثوب فلان المجهول للسامع، أو فى بيان المقدار: وهو كفلان المجهول فى قامته، وفى التزيين: وجهه كالقدر فى سواده، وفى التشويه: وجهه كوجه البدر فى قبحه، وفى الاستطراف: هذا الفحم الذى فيه الجمر كقطع الحديد التى أخذت النار فى أطرافها- بطل الغرض وعاد التشبيه فاسدا كما لو شبه الشىء بالشىء من غير جامع أصلا فيكون غير مقبول- اه يعقوبى.
(قوله: أتمّ شىء) أى: أتم وأقوى من كل شىء يقدره السامع فى ذهنه وفى الأطول: أو أتم شىء. الأولى أو أتم الطرفين
(قوله: فى إلحاق الناقص بالكامل) أى: فى التشبيه الذى يراد به بيان الغرض الذى يحصل عند إلحاق الناقص بالكامل وهو التقرير فى ذهن السامع حتى لا يتوهم كون المشبه على غير ذلك الحال لينزجر مثلا عما هو بصدده كقولك فيمن لم يحصل من سعيه على طائل: أنت كالراقم على الماء، فإن المشبه به أتم فى التسوية بين الفعل وعدمه فى عدم الفائدة الذى هو الوجه، فلو قيل فى تقرير
стр. 1711
(مسلّم الحكم فيه) أى: فى وجه التشبيه (معروفه عند المخاطب فى بيان الإمكان، أو مردود) عطف على: مقبول (وهو بخلافه) أى: ما يكون قاصرا عن إفادة الغرض بأن لا يكون على شرط المقبول، ...
===
الحال: أنت فى عدم حصولك على طائل كزيد. والمخاطب لم يتقرر عنده عدم حصول زيد فى سعيه على طائل كالراقم على الماء لم يوف التشبيه بالغرض فيكون مردودا
(قوله: مسلّم الحكم فيه) أى: أن يكون المشبه به مسلّم الحكم بوجه الشبه بمعنى: أن وجود وجه الشبه فى المشبه به مسلّم.
(قوله: معروفه) أى: ويكون المشبه به معروفا بذلك الحكم الذى هو ثبوت وجه الشبه عند المخاطب لا عند كل أحد فلا يشترط، وهذا تفسير لما قبله
(قوله: فى بيان الإمكان) أى: فى التشبيه الذى أريد به بيان إمكان المشبه ببيان وجود وجه الشبه فيه كقوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال (١)
فإن حاصله: أن المشبه فى فوقانه أصله من الناس، وخروجه عن جنسهم هو فى ذلك كالمسك فى كونه من الدم وهو جنس آخر لا مناسبة بينه وبين الدم، فإن ثبوت الوجه فى المسك وهو كون الشىء من أصل لا مناسبة بينه وبين الأصل مسلّم فى المسك فتنتفى الاستحالة فى المشبه؛ لأن وجوده على تلك الحالة إنما يتوهم استحالته من توهم استحالة الوجه فيه وهو كون الشىء من أصل مع كونه جنسا آخر خارجا عنه فلو قيل فى بيان الإمكان مثلا: أنت فى كونك من الأنام مع خروجك عن جنسهم كزيد فى كونه كذلك- بطل إفادة الغرض لعدم تسليم الحكم الذى هو وجود الوجه فى زيد فيكون مردودا
(قوله: عطف على مقبول) فيه مسامحة والأولى على إما مقبول
(قوله: وهو بخلافه) أى: بخلاف المقبول
(قوله: أى ما يكون قاصرا .. إلخ) أى: كأن تشبه حال الذى لا يحصل من سعيه على طائل بحال من يرقم على التراب مثلا، أو تشبه عمرا فى
стр. 1712
كما سبق ذكره.
خاتمة
فى تقسيم التشبيه بحسب القوة والضعف فى المبالغة باعتبار ذكر الأركان وتركها، وقد سبق أن الأركان أربعة، ...
===
كونه من الأنام وفاقهم حتى صار كأنه جنس آخر بزيد فى كونه كذلك، أو تشبه ثوبا بثوب دونه فى السواد، والحال: أن الغرض بيان مقدار حال المشبه وكأن ينتزع وجه الشبه من أقل ما حقه أن ينتزع منه كما تقدم فى قوله:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلمّا رأوها أقشعت وتجلّت (١)
(قوله: كما سبق ذكره) قال سم: يحتمل أن يريد ما قدمه عند قوله كما أبرقت قوما عطاشا غمامة من أنه لا يجوز انتزاع وجه الشبه من هذا الشطر الأول فقط لعدم وفاء انتزاعه منه فقط بالمقصود
(قوله: فى تقسيم التشبيه) الأولى أن يقول: فى بيان مراتب التشبيه فى القوة والضعف كما تدل عليه عبارة المصنف صريحا.
قال فى الأطول: وجعل تقسيم التشبيه بحسب القوة والضعف فى المبالغة منفردا يبحث عن سائر التقسيمات؛ لأنه ليس بمحض الطرف ولا الوجه ولا الأداة بل باعتبار كلّ من الطرف والوجه والأداة والمجموع، ولم يقدمه على التقسيم بحسب الغرض مع أنه لا مدخل للغرض فيه؛ لأن شدة مناسبته للاستعارة فى تضمنه المبالغة فى التشبيه دعت إلى عدم الفصل بينه وبين الاستعارة
(قوله: بحسب) أى: بقدر القوة وهو متعلق بتقسيم، وباؤه للتعدية
(قوله: فى المبالغة) تنازعه كل من القوة والضعف وكان عليه أن يزيد التوسط؛ لأن المصنف ذكره وإن كان يمكن أن مراده بالقوى ما قابل الضعيف فيشمل ما فوقه فوقية نسبية وهو التوسط
(قوله: باعتبار) متعلق بتقسيم والباء فيه للسببية، فليس فيه تعلق حرفى جر متّحدى المعنى بعامل واحد، أو أنه متعلق بمحذوف أى: الحاصلين باعتبار .. إلخ
(قوله: باعتبار ذكر الأركان) أى: كلها (وقوله: وتركها) أى: ترك بعضها والمراد
стр. 1713
والمشبه به مذكور قطعا والمشبه إما مذكور، أو محذوف، وعلى التقديرين فوجه الشبه إما مذكور أو محذوف، وعلى التقادير فالأداة إما مذكورة أو محذوفة، تصير ثمانية.
مراتب التشبيه:
(وأعلى مراتب التشبيه فى قوة المبالغة) إذا كان اختلاف المراتب وتعددها (باعتبار ذكر أركانه) أى: أركان التشبيه (أو بعضها) أى: بعض الأركان،
===
بذكر الوجه والأداة هنا ما يشتمل التقدير وبحذفهما تركهما لفظا وتقديرا، فإن مدار المبالغة فى: زيد أسد فى الشجاعة على دعوى الاتحاد وهو لا يجامع التقدير فى النظم ومدارها فى: زيد كالأسد على ادّعاء عموم وجه الشبه والادعاء لا يجامع التقدير فى النظم، والمراد بذكر المشبه الإتيان به لفظا وبحذفه تركه لفظا، ثم لا يخفى أن ما ذكر فيه جميع الأركان لا مبالغة فيه فضلا عن ضعف المبالغة- اه- أطول.
(قوله: مذكور قطعا) إن قيل حذف المشبه به جائز كما فى قولك: زيد فى جواب قول القائل: من يشبه الأسد؟ فإنه تشبيه قطعا إذ معناه يشبه الأسد زيد، فقد جاز حذف المشبه به فلم تنحصر المراتب فى الثمانية بل هى ستة عشر.
قلت: ليس هذا تشبيها، إذ لم يقصد بيان اشتراكهما فى أمر بل قصد بيان الفاعل جوابا للسائل ولو سلم، فالكلام فى تشبيه البلغاء ولم يرد مثله فيها- قاله عبد الحكيم، وإنما وجب ذكر المشبه به؛ لأن المخاطب بالخبر التشبيهى يتصور المشبه به أولا ثم يطلب من ينتسب إليه ويشبه هو به فهو كمثبت الأحكام القياسية لا يمكنه ذلك إلا بذكر الأصل المقيس عليه
(قوله: وعلى التقديرين) أى: حذف المشبه وذكره
(قوله: وعلى التقادير) أى: الأربعة الحاصلة من ضرب اثنين- أعنى وذكر المشبه وحذفه فى اثنين ذكر وجه الشبه وحذفه.
(قوله: تصير ثمانية) حاصلة من ضرب الأربعة المذكورة فى اثنين وهما ذكر الأداة وحذفها، وضمير تصير إن قرئ بالياء التحتية للحاصل، وإن قرئ بالفوقية كان عائدا على الأقسام
(قوله: وأعلى مراتب التشبيه) أى: أقواها وهو مبتدأ خبره حذف وجهه .. إلخ (وقوله: فى قوة المبالغة) متعلق بأعلى
(قوله: وتعددها) عطف تفسير.
стр. 1714
فقوله: [باعتبار] متعلق بالاختلاف الدالّ عليه سوق الكلام؛ لأن أعلى المراتب إنما يكون بالنظر إلى عدة مراتب مختلفة، وإنما قيد بذلك؛ لأن اختلاف المراتب قد يكون باختلاف المشبه به، نحو: زيد كالأسد، وزيد كالذئب فى الشجاعة.
===
(قوله: فقوله .. إلخ) هذا تفريع على ما تقدم من قوله: إذا كان اختلاف المراتب وهو جواب عما يقال: إن المتبادر من المصنف أنه متعلق بقوله: فى قوة المبالغة، وحينئذ فيفيد أنه إذا ذكرت أركانه كلها يكون هناك قوة مع أنه لا مبالغة فيه فضلا عن قوتها
(قوله: متعلق بالاختلاف) أراد أنه متعلق بالاختلاف المفهوم من قوله: أعلى المراتب، والظرف يكفيه رائحة الفعل لا أنها مقدرة فى النظم فهو ظرف لغو- قاله عبد الحكيم، وكأنه لم يجعلها مقدرة لما يلزم عليه من عمل المصدر محذوفا، لكن بعضهم أجاز إعمال المصدر فى الجار والمجرور ولو محذوفا، وقد يقال: لا داعى لما ذكره الشارح من تعلق الظرف بالاختلاف الدالّ عليه سوق الكلام لجواز جعل الظرف مستقرّا متعلقا بمحذوف حالا من المراتب أى: أعلى المراتب كائنة باعتبار ذكر أركانه حذف .. إلخ، والشرط فى مجىء الحال من المضاف إليه موجود وهو بعضية المضاف إلا أن يقال: دعاه لما ذكره قصد الرد على من زعم تعلقه بقوة المبالغة كما يؤخذ من قوله: بعد وقد توهم بعضهم .. إلخ
(قوله: الدال عليه سوق الكلام) أى: كلام المصنف، وإلا فالشارح مصرّح به
(قوله: لأن أعلى المراتب .. إلخ) علّة لقوله: الدالّ عليه سوق الكلام أى: لأن أعلى يشعر بأن هناك مراتب مختلفة فيها أعلى وأدنى
(قوله: وإنما قيد بذلك) أى: بقوله باعتبار ذكر أركانه كلها أو بعضها.
(قوله: لأن اختلاف المراتب) أى: اختلاف مراتب التشبيه بالقوة والضعف قد يكون باختلاف المشبه به، وقد يكون باختلاف الأداة أى: وهذا الاختلاف غير مقصود بالخاتمة لاستواء العامة والخاصة فيها، والمقصود بها إنما هو اختلافها باعتبار ذكر الأركان كلّا أو بعضا، فلذا قيد بقوله باعتبار .. إلخ
(قوله: باختلاف المشبه به) أى:
قوة وضعفا، فإذا كان المشبه به قويّا فى وجه الشبه كان التشبيه مرتبته أقوى من مرتبة ما كان المشبه به ضعيفا فى وجه الشبه، فقولنا: زيد كالأسد فى الشجاعة أبلغ من قولنا:
стр. 1715
وقد يكون باختلاف الأداة، نحو: زيد كالأسد، وكأن زيدا الأسد.
وقد يكون باعتبار ذكر الأركان كلها، أو بعضها بأنه إذا ذكر الجميع فهو أدنى المراتب، وإن حذف الوجه والأداة فأعلاها، وإلا فمتوسط، ...
===
زيد كالذئب فى الشجاعة لقوة المشبه به فى وجه الشبه فى الأول وضعفه فى الثانى
(قوله: وقد يكون) أى: اختلاف المراتب بسبب اختلاف الأداة نحو: زيد كالأسد وكأن زيدا الأسد، فالثانى أبلغ من الأول؛ لأن كأن للظن وهو قريب من العلم أى: أظن أن زيدا أسد لشدة المشابهة بينهما
(قوله: وقد يكون) أى: اختلاف المراتب باعتبار ذكر الأركان أى: وهذا هو المقصود بالخاتمة؛ لأن هذا هو الذى ينظر له البلغاء فهو متعلق بفنّنا
(قوله: بأنه إذا ذكر الجميع) أى: بسبب أنه إذا ذكر الجميع، فالجار والمجرور متعلق بيكون؛ لأنه بدل من قوله: باعتبار، والضمير للشأن، وقوله: إذا ذكر الجميع أى: لفظا أو تقديرا فيشمل ما إذا حذف المشبه لفظا، فالأول نحو: زيد كالأسد فى الشجاعة، والثانى: كما إذا سئل عن حال زيد فقيل: كالأسد فى الشجاعة
(قوله: فهو) أى: ذكر الجميع لفظا أو تقديرا أدنى المراتب أى: مرتبته أدنى المراتب ولا قوة فى هذه المرتبة لتخصيص وجه الشبه، وعدم ادّعاء أن المشبه عين المشبه به مبالغة
(قوله: وإن حذف الوجه والأداة) أى: سواء ذكر المشبه أو حذف فهما صورتان كالمتقدم، فالأول نحو: زيد أسد والثانى: كما إذا سئل عن حال زيد فقيل: أسد
(قوله: فأعلاها) أى: فأعلى مراتب التشبيه أى: أقواها لاجتماع موجب القوتين فيها- أعنى: عموم وجه الشبه وادعاء كون المشبه عين المشبه به
(قوله: وإلّا فمتوسط) أى: وإلا يحذف الوجه والأداة معا أى: بأن حذف أحدهما فالنفى راجع لحذف الوجه والأداة معا فقط لا لجميع ما سبق من ذكر الجميع وحذف الوجه والأداة، وهذا صادق بأربع صور حذف الأداة ذكر المشبه أو حذف، وحذف الوجه ذكر المشبه أو حذف- فالأولان نحو: زيد أسد فى الشجاعة وكما إذا سئل عن حال زيد فقيل: أسد فى الشجاعة، والأخيران نحو: زيد كالأسد وكما إذا سئل عن حال زيد فقيل: كالأسد
(قوله: فمتوسط) أى: فمرتبته متوسطة بين الأعلى والأدنى لاشتمالها على أحد موجبى القوة، ففى الصورتين الأوليين ادّعاء كون
стр. 1716
وقد توهم بعضهم أن قوله: [باعتبار] متعلق بقوة المبالغة فاعترض بأنه لا قوة مبالغة عند ذكر جميع الأركان.
فالأعلى (حذف وجهه وأداته فقط) أى: بدون حذف المشبه؛ نحو: زيد أسد (أو مع حذف المشبه) نحو: أسد؛ فى مقام الإخبار عن زيد.
(ثم) الأعلى بعد هذه المرتبة (حذف أحدهما) أى: وجهه، أو أداته (كذلك) ...
===
المشبه عين المشبه به وفى الصورتين الأخيرتين عموم وجه الشبه
(قوله: وقد توهم بعضهم) أى: وقع فى وهمه وذهنه، والمراد بذلك البعض الشارح الخلخالى
(قوله: متعلق بقوة المبالغة) أى: وأن معنى الكلام: أن أعلى مراتب التشبيه فيما تقوى به المبالغة باعتبار ذكر الأركان وحذف بعضها
(قوله: فاعترض بأنه لا قوة مبالغة عند ذكر جميع الأركان) أى: فكان الواجب على هذا أن يقال: أعلى مراتب التشبيه فى القوة الحاصلة باعتبار حذف بعض الأركان ما حذف منه الوجه والأداة معا
(قوله: فالأعلى) أى:
فالقسم الأعلى مرتبة حذف .. إلخ، وإنما قدر الشارح قوله: فالأعلى للإشارة إلى أن قول المصنف حذف .. إلخ خبر عن قوله: وأعلى مراتب .. إلخ
(قوله: حذف وجهه وأداته) أى: تركهما بالكلية لا أنهما مقدران بخلاف قوله: مع حذف المشبه أى: لفظا؛ لأنه ملحوظ تقديره فى نظم الكلام، إذ لو أعرض عنه وترك بالكلية لخرج من التشبيه إلى الاستعارة، (وقوله: حذف وجهه وأداته فقط) أو مع حذف المشبه هاتان الصورتان متساويتان كما فى المطول.
(قوله: فى مقام الإخبار عن زيد) أى: كما إذا كان بينك وبين مخاطبك مذاكرة فى زيد مثلا كأن قلت لمخاطبك: ما حال زيد؟ فيقول لك: أسد أى: زيد أسد، واحترز به عن خلافه فإنه يكون استعارة.
(قوله: ثم الأعلى) أى: ثم القسم الأعلى أى: المتّصف بالعلو لا بالأعلوية، فأفعل ليس على بابه؛ وذلك لأنه لا علوّ فى قوة المبالغة فيما بعد هذه المراتب الأربع، (وقوله:
بعد هذه المرتبة) أى: وهى حذف الوجه والأداة معا ذكر الطرفان أو حذف أحدهما
стр. 1717
أى: فقط، أو مع حذف المشبه، نحو: زيد كالأسد، ونحو: كالأسد- عند الإخبار عن زيد- ونحو: زيد أسد فى الشجاعة، ونحو: أسد فى الشجاعة- عند الإخبار عن زيد.
(ولا قوة لغيرها) وهما الاثنان الباقيان- أعنى: ذكر الأداة والوجه جميعا- إما مع ذكر المشبه، أو بدونه، نحو: زيد كالأسد فى الشجاعة، ونحو: كالأسد فى الشجاعة- ...
===
وهو المشبه، وفى قول الشارح بعد هذه المرتبة: إشارة إلى أن ثم فى كلام المصنف للتراخى فى المرتبة لا فى الزمان ولا أنها لمجرد العطف.
(قوله: أى فقط، أو مع حذف المشبه) هذا القسم يشتمل على أربع مراتب أشار إليها (بقوله: نحو: زيد كالأسد) وهذا حذف فيه وجه الشبه فقط (وقوله:
ونحو: كالأسد عند الإخبار) حذف فيه الوجه والمشبه معا (وقوله: ونحو زيد أسد فى الشجاعة) حذف فيه الأداة فقط مع ذكر الطرفين ووجه الشبه (وقوله: ونحو أسد فى الشجاعة) حذف فيه الأداة والمشبه معا وذكر فيه الوجه، وحاصله: أن القسم المتّصف بكونه أعلى تحته مرتبتان متساويتان فى قوة المبالغة، والقسم الثانى المتصف بالعلو لا بالأعلوية تحته أربع مراتب، والقسم الضعيف تحته مرتبتان متساويتان فى الضعف، ثم إن ظاهر المصنف والشارح: أن مراتب العالى الأربعة متساوية فى القوة، وقيل: إن ما حذف فيهما الأداة أقوى وذلك لظهور جريان أحد الطرفين فيهما على الآخر المقتضى للتماثل بخلاف ما حذف فيهما الوجه مع بقاء الأداة، فإن عموم التماثل مع وجود ما يقتضى التباين ضعيف؛ لأن المحذوف يحتمل الخصوص، ثم لا يخفى أن ما تقدم من أن ما حذفت فيه الأداة يسمى مؤكدا، وما ذكرت فيه يسمى مرسلا يشتمل هذا التقسيم المذكور هنا على معناه، ففى الكلام بعض تداخل نظرا للمعنى، وإنما أفرد ما تقدم عن هذا نظرا لبيان الاصطلاح والتسمية.
(قوله: لغيرها) أى: لغير الصور الست المذكورة وفى نسخة لغيره أى: لغير ما ذكر
(قوله: الباقيان) أى: تكملة الثمانية الحاصلة من تقسيم التشبيه السابق قريبا
(قوله: أعنى) أى بالاثنين الباقيين
(قوله: زيد كالأسد فى الشجاعة) مثال لما ذكر فيه
стр. 1718
خبرا عن زيد- وبيان ذلك: أن القوة إما بعموم وجه الشبه ظاهرا، أو بحمل المشبه به على المشبه بأنه هو، فما اشتمل على الوجهين جميعا فهو فى غاية القوة، وما خلا عنهما فلا قوة له، وما اشتمل على أحدهما فقط فهو متوسط- والله أعلم.
===
الجميع من الطرفين ووجه الشبه والأداة
(قوله: ونحو كالأسد فى الشجاعة) مثال لما حذف فيه المشبه وذكر ما عداه من المشبه به ووجه الشبه والأداة
(قوله: خبرا عن زيد) أى: كأن يقال: ما حال زيد؟ فيقال: كالأسد فى الشجاعة
(قوله: وبيان ذلك) أى: بيان أن الأعلى حذف الوجه والأداة، ثم حذف أحدهما، وأنه لا قوة لغيرهما
(قوله: إما بعموم وجه الشبه) أى: وذلك يحصل بحذف وجه الشبه؛ لأنه إذا حذف الوجه أفاد بحسب الظاهر أن جهة الإلحاق كل وصف، إذ لا ترجيح لبعض الأوصاف على بعض فى الإلحاق عند الحذف وذلك يقوى الاتحاد- بخلاف ما إذا ذكر الوجه، فإنه يتعين وجه الإلحاق، ويبقى حينئذ أوجه الاختلاف على أصلها فيبعد الاتحاد، فإذا قيل: زيد أسد فى الشجاعة ظهر أن الشجاعة هى الجامعة ويبقى ما سواها من الأوصاف على أصل الاختلاف
(قوله: ظاهرا) أى: فى ظاهر الحال، وأما فى نفس الأمر فهو الصفة الخاصة التى قصد اشتراك الطرفين فيها كالشجاعة أو غيرها، فإذا قلت: زيد كالأسد أفاد بحسب الظاهر أن جهة الإلحاق كل وصف كالشجاعة والمهابة والقوة وكثرة الجرى، وفى نفس الأمر هو صفة خاصة
(قوله: أو بحمل المشبه به على المشبه) أى: وذلك يحصل بحذف الأداة؛ وذلك لأن ذكر الأداة يدل على المباينة بين الملحق والملحق به وحذفها يشعر بحسب الظاهر بجريان أحدهما على الآخر وصدقه عليه فيتقوى الاتحاد بينهما، فقول الشارح: أو بحمل المشبه به على المشبه أى: ظاهرا، وأما فى الحقيقة فلا حمل فحذفه من الثانى لدلالة الأول.
(قوله: فما اشتمل على الوجهين) أى: حذف الوجه والأداة وتحته صورتان ما إذا ذكر الطرفان معا أو حذف المشبه
(قوله: وما خلا عنهما) أى: عن الوجهين المذكورين وذلك بأن ذكر كلّ من الوجه والأداة وتحت هذا صورتان ما إذا ذكر الطرفان أو حذف المشبه فقط
(قوله: وما اشتمل على أحدهما) وهو المشار له بقول المتن، ثم حذف أحدهما كذلك، وفيه أربع صور قد بيّنها الشارح.
стр. 1719
الحقيقة والمجاز
هذا هو المقصد الثانى من مقاصد علم البيان- أى: هذا بحث الحقيقة والمجاز. والمقصود الأصلى بالنظر إلى علم البيان هو المجاز؛ إذ به يتأتّى اختلاف الطرق دون الحقيقة، إلا أنها لما كانت كالأصل للمجاز؛ إذ الاستعمال فى غير ما وضع له فرع الاستعمال فيما وضع له- جرت العادة بالبحث عن الحقيقة ...
===
القول فى الحقيقة والمجاز الحقيقة والمجاز
لما فرغ من التشبيه الذى هو أصل لمجاز الاستعارة التى هى نوع من مطلق المجاز، شرع فى الكلام على مطلق المجاز وأضاف إليه ذكر الحقيقة لكمال تعريفه بها لا لتوقفه عليها
(قوله: هذا هو المقصد الثانى من مقاصد علم البيان) أى: والمقصد الأول التشبيه، والمقصد الثالث الكناية؛ وذلك لأن فن البيان مشتمل على ثلاث مقاصد: باب التشبيه، وباب المجاز، وباب الكناية، ولما فرغ من المقصد الأول وهو باب التشبيه شرع الآن فى المقصد الثانى وهو المجاز، وقد تقدم وجه عدّ التشبيه مقصدا مستقلا ووجه تقديمه على المجاز
(قوله: أى هذا ..
إلخ) إشارة إلى توجيه التركيب بأنه حذف فيه المبتدأ والمضاف إلى الخبر وأقيم المضاف إليه مقامه
(قوله: والمقصود الأصلى) أى: من هذا المبحث.
(قوله: اختلاف الطرق) أى: التى يؤدى بها المعنى المراد، والمراد اختلافها فى الوضوح والخفاء
(قوله: دون الحقيقة) أى: فلا يتأتى فيها اختلاف الطرق التى يؤدى بها المعنى المراد فى الوضوح والخفاء وذلك لعدم التفاوت فيها؛ لأنها وضعت لشىء بعينه لتستعمل فيه فقط، فإن كان السامع عالما بالوضع فلا تفاوت، وإلّا فلا يفهم شيئا أصلا، وفى قوله: دون الحقيقة إشارة إلى أن حصر تأتى اختلاف الطرق فى المجاز نسبىّ فلا ينافى أن الكناية يتأتى بها اختلاف الطرق أيضا
(قوله: إلا إنها .. إلخ) جواب عما يقال؛ حيث كان المقصود الأصلى من هذا المبحث بالنظر لعلم البيان إنما هو المجاز فما وجه ذكر الحقيقة معه وتقديمها عليه
(قوله: كالأصل للمجاز) أتى بالكاف إشارة إلى أنها ليست أصلا حقيقة للمجاز وإلا لكان لكل مجاز حقيقة- وليس كذلك، إذ التحقيق أن
стр. 1720
أوّلا.
(وقد يقيدان باللغويين) ليتميزا عن الحقيقة والمجاز العقليين اللذين هما فى الإسناد، والأكثر ترك هذا التقييد لئلّا يتوهم أنه مقابل للشرعىّ والعرفىّ.
تعريف الحقيقة:
(الحقيقة) فى الأصل: فعيل بمعنى فاعل، ...
===
المجاز لا يتوقف على الحقيقة. ألا ترى أن رحمن استعمل مجازا فى المنعم على العموم ولم يستعمل فى المعنى الأصلى الحقيقى- أعنى: رقيق القلب- فلفظ رحمن مجاز لم يتفرع عن حقيقة، لكن قول الشارح بعد ذلك فرع الاستعمال .. إلخ يقتضى أن المجاز فرع عن الحقيقة وأنها أصل له فينافى ما تقدم إلا أن يقال: إن فى قوله فرع الاستعمال .. إلخ حذف مضاف أى: فرع قبول الاستعمال، وليس المراد فرع الاستعمال بالفعل، أو يقال:
قوله فرع الاستعمال أى: كالفرع عن الاستعمال فهو على حذف الكاف، أو المراد: أنه فرع بالنظر للغالب، إذ الغالب أن كل مجاز يتفرع عن حقيقة- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: أولا) ظرف للبحث أى: فلذا قدمها عليه
(قوله: وقد يقيدان) أى:
الحقيقة والمجاز لا بمعنى الترجمة، ففى عبارته استخدام
(قوله: اللذين هما فى الإسناد) ظرفية العقليين فى الإسناد من ظرفية الجزئى فى الكلى أو الخاصّ فى العامّ
(قوله: والأكثر .. إلخ) أشار به إلى أن" قد" فى كلام المصنف للتقليل
(قوله: لئلا يتوهم أنه) أى: المقيد بما ذكر مقابل للشرعى والعرفى أى: فيخرجان بالتقييد مع أن القصد إدخالهما وإنما قال يتوهم لأنه فى التحقيق لا يقابلهما؛ لأن المراد باللغوى ما للّغة فيه مدخل والعرفىّ والشرعىّ يصدق عليهما أنهما كذلك، وعورض بأن الإطلاق يقتضى دخول العقليين مع أنهما خارجان، وأجيب بأنهما لا يدخلان عند الإطلاق، إذ لا يطلق عليهما حقيقة ومجاز إلا عند التقييد بالعقلى بخلاف العرفى والشرعى فإنهما يدخلان عند الإطلاق؛ لأنهما إذا دخلا عند التقييد فدخولهما عند الإطلاق أولى.
القول فى تعريف الحقيقة
(قوله: فى الأصل فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول) أى: أن حقيقة فى اللغة وصف بزنة فعيل إما بمعنى اسم الفاعل، أو بمعنى اسم المفعول، فعلى أنها وصف بمعنى